البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إسم البحث : العـزاء والرثاء سُـنّة قرآنـية

الباحث : الشـيخ محمّـد السـند

اسم المجلة : تراثنا

العدد : 79

السنة : السنة العشرون رجب - ذو الحّجّة 1425 هـ

تاريخ إضافة البحث : February / 16 / 2016

عدد زيارات البحث : 1255

حجم ملف البحث : 45.547 KB

 تحميل

العـزاء والرثاء
سُـنّة قرآنـية
الشـيخ محمّـد السـند
بسـم الله الرحمن الرحـيم
يطرح بعضهم سؤالا عن المبرّر الشرعي والأهداف الدينية وراء تكرار العـزاء وإقامـة المأتـم على سـيّد الشـهداء (عليه السلام) وبضـعة المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) كلّ عام ، مع تطاول المـدّة ، بنحو رتيب وندبة راتبة ، والحال إنّ الندبة والرثاء على السبط الشهيد سُـنّة إلهية تكوينية و قرآنية ، وكذلك هو سُـنّة نبوية .
وقد أوضحت الكثير من الكتب والمراجع التاريخية والدراسات عدّة من هذه الوجوه :
فالوجه الأوّل : وهو السُـنّة التكوينية الإلهية .
يشير إليه قوله تعالى : ( فما بكت عليهم السماء والأرض ) (1) ; إذ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الدُخان 44 : 29 .

(116)
أنّ الله سبحانه وتعالى قد نفى ـ في هذه الآية الكريمة ـ بكاء السماء والأرض على هلاك قوم فرعون الظالمين ، وهو ما يقضي بوجود شأن فعل البكاء من السماء والأرض كظاهرة كونية ، وإلاّ لَما كان للنفي معنىً محصّـل ..
وقد أشارت المصادر العديدة من كتب أهل سُـنّة الجماعة بوقوع هذه الظاهرة الكونية عند مقتل الحسين (عليه السلام) من مطر السماء دماً ، واحمرارها مدّة مديدة ، ورؤية لون الدم على الجدران وتحت الصخور والأحجار في المدن والبلاد الإسلامية ، فلاحظ ما ذكره ابن عساكر في تاريخ دمشـق في ترجمة الحسين (عليه السلام) بأسانيد متعدّدة (1) .
بل قد أطلعنا أخيراً بعض المؤمنين على كتاب ( ذي أنكلوساكسون كرونكل ) ، كتبه مؤلّفه سنة 1954 م ، يشتمل على ذكر الأحداث التاريخية التي مرّت بها الأُمّة البريطانية منذ عهد المسيح (عليه السلام) .
وهو يذكر لكلّ سنة أحداثها ، حتّى يأتي على ذكر أحداث سنة 685 م ، التي تقابل سنة 61 هـ سنة استشهاد السبط (عليه السلام) ، فيذكر المؤلّف أنّ في هذه السنة مطرت السماء دماً ، وأصبح الناس في بريطانيا فوجدوا أن ألبانهم وأزبادهم تحوّلت إلى دم (2) ..
هذا مع أنّ الكاتب لم يجد لهذه الظاهرة تفسيراً ، ولم يشر لا من قريب ولا من بعيد إلى مقارنة ذلك لسنة 61 هـ .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ مدينة دمشق 14 / 226 ـ 230 من ترجمة الإمام الحسين (عليه السلام) .
(2) لاحظ : ص 35 وص 38 وص 42 من كتاب Saxon Chronicle - The Anglo وقد سجّل الكتاب في مكتبة Everyman's Libarary برقم 624 .
(117)
وأمّا الوجه الثاني : وهو كون ذلك سُـنّة قرآنية .
فهو على نمطين :
الأوّل : افتراض الباري تعالى مودّة أهل البيت (عليهم السلام) ، بل وجعل هذه الفريضة من عظائم الفرائض القرآنية ، وذلك في قوله تعالى : ( ذلك الذي يبشّر اللهُ عبادَه الّذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القربى ومن يقترفْ حسنة نزد له فيها حسناً إن الله غفور شكور ) (1) ..
فـقد جعل المودّة أجراً على مجموع الرسالة المشتملة على أُصول الديـن العظيـمة ، ممّا يدلّل على كون هذه الفريضة في مصاف أُصول الديانة .
ثمّ بـيّن تعالى أنّ المودّة لها لوازم وأحكام ، منها : الاتّباع ، كما في قوله تعالى : ( قل إن كنتم تُحبّون الله فاتّبعوني يُحببكم الله ) (2) .
ومنها : الإخبات والإيمان بذلك ، كما في قوله تعالى : ( ولكنّ الله حبّب إليكم الإيمان وزيّنه في قلوبكم وكرّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان ) (3) .
ومنها : الحزن لحزنهم ، والفرح لفرحهم ، كما في قوله تعالى : ( إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الشورى 42 : 23 .
(2) سورة آل عمران 3 : 31 .
(3) سورة الحُجرات 49 : 7 .
(118)
ويتولّوا وهم فرحون ) (1) ..
ففد بيّن تعالى ـ من خلال دلالة هذه الآية على أنّ العداوة للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) مقتضاها الحزن لفرحه (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام) ، والفرح لمصيبته (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام) ـ أنّ المحبّة تقتضي الحزن لمصابهم ، والفرح لفرحهم .
ونظير هذه الدلالة قوله تعالى : ( إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتّقوا لا يضرّكم كيدهم شيئاً ) (2) ..
فعلى هذه الدلالة القرآنية يكون العزاء وإقامة المأتم والرثاء والندبة على مصاب السبط (عليه السلام) ، بضعة المصطفى ، سـيّد شباب أهل الجنّة ، ريحانة الرسول الأمين (صلى الله عليه وآله وسلم) ، من مقتضيات الفريضة العظيمة الخالدة بخلود الدين ، وهي : مودّة القربى .
الثاني : ما عقدنا هذا المقال له ، وهو : إنّ القرآن قد تضمّن الرثاء والندبة على خريطة وقائمة المظلومين طوال سلسلة أجيال البشرية ..
وقد استعرض القرآن الكريم ظلامتهم ، بدءاً من هابيل إلى بقية أدوار الأنبياء والرسل ، وروّاد الصلاح والعدالة ، والجماعات المصلحة المقاومة للفساد والظلم ، كأصحاب الأُخدود ، وقوافل الشهداء عبر تاريخ البشرية ، وحتّى الأطفال المجني عليهم نتيجة سُـنن جاهلية ، كالموؤدة ، بل قد رثى وندب القرآن الناقة ـ ناقة صالح (عليه السلام) ـ لمكانتها .
ولم يقتصر القرآن على الرثاء والندبة لمن وقعت عليهم الظلامات ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة التوبة ( براءة ) 9 : 50 .
(2) سورة آل عمران 3 : 120 .

(119)
بل أخذ في التنديد بالظالم والعتاة الظلمة ، وتوعّدهم بالعذاب والنقمة والبطش ، كما نجده في جملة من الموارد التي سنتعرّض لها ـ في هذا المقال ـ في السور القرآنية ، وهي :
* الأُولى : قصّة أصحاب الأُخدود في سورة البروج .
فالسورة تستهلّ بالقَسم الإلهي أربع مرّات : ( والسماء ذات البروج * واليوم الموعود * وشاهد ومشهود ) (1) ، وهذا الابتداء بمثابة توثيق للواقعة والحادثة التي يريد الإخبار عنها ، وفي هذا منهجاً ودرساً يحثّ على توثيق الحادثة أوّلاً ، ثمّ الخوض في تفاصيلها ورسم أحداثها .
ثمّ تسرد السورة وقائع الحدث الذي جاء القسم الإلهي على وقوعه ، مبتدئة بلفظ : ( قتل أصحاب الأُخدود ) (2) ، وهو أُسلوب رثاء وندبة وعزاء ، نظير قول الراثي : قتل الحسين عطشاناً . كما أن توصيفهم بأصحاب الأُخدود بيان لكيفية القتل التي جرت عليهم .
وتواصل السورة تصوير مسرح الحدث ; استثارة للعواطف وتهييجها ، وذلك بوصف الأُخدود : ( النارِ ذاتِ الوَقود ) (3) ، وهو بيان لشدّة استعار النار التي أُجّجت لإحراقهم ، وهو وصف لبشاعة الجناية وفظاعتها .
ثمّ يتابع القرآن الكريم قوله : ( إذ هم عليها قعود ) (4) ، وهو بيان للقطة أُخرى من مسرح عمليات الحادثة التي أوقعها الظالمين على
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة البروج 85 : 1 ـ 3 .
(2) سورة البروج 85 : 4 .
(3) سورة البروج 85 : 5 .
(4) سورة البروج 85 : 6 .

(120)
المؤمنين ، من إرعابهم وتهديدهم بإجلاسهم على شفير الأُخدود المتأجّج أوّلاً ، ولأجل ممارسة الضغط عليهم للتخلّي عن مبادئهم التي يتمسّكون بها ، وفيه بيان لشـدّة صلابة المؤمنين مع هذا الإرعاب المسلّط عليهم .
ثمّ تتابع السورة : ( وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود ) (1) ، وهذا بيان يجسّد فوران الشفقة الإلهية على الظلامة ، والتلهّف على ما يُفعل بالمؤمنين .
ثمّ تتلو السورة : ( وما نقموا منهم إلاّ أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ) (2) ، فيبيّن براءة المؤمنين في قبال شـدّة الظلامة ، ومن جهة أُخرى يبيّن شـدّة صلابة المؤمنين وصمودهم وعلوّ مبدأهم .
ثمّ يبدأ الباري تعالى بتهديد الظالمين وتنديده بهم من موقع المالك للسماوات والأرض ، والشاهد المراقب لكلّ الأُمور : ( الذي له مُلك السماوات والأرض والله على كلّ شيء شهيد ) (3) .
ثمّ يقول تعالى : ( إنّ الّذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثمّ لم يتوبوا فلهم عذاب جهنّم ولهم عذاب الحريق ... إنّ بطش ربّك لشديد * إنّه هو يبدئ ويعيد * وهو الغفور الودود ) (4) ..
فيسطّر تعالى قاعدة وسُـنّة إلهية عامّة من الوقوف بصفّ المظلومين ومواجهة الظالمين ، وهو بذلك يربّي المسلمين والمؤمنين والقارئ للقرآن على التضامن مع المظلومين ، والنفرة من الظالمين والتنديد بهم عبر طول
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة البروج 85 : 7 .
(2) سورة البروج 85 : 8 .
(3) سورة البروج 85 : 9 .
(4) سورة البروج 85 : 10 ـ 14 .

(121)
التاريخ ، ولا يتخاذلوا باللامبالاة بأن يقولوا : هذه الأحداث والوقائع غابرة في التاريخ ولا تعنينا . بل يحثّ على التضامن في صفّ كلّ مظلوم من أوّل تاريخ البشرية والتنديد بكلّ ظالم .
وهذا الجوّ القرآني تراه لا يكتفي من المسلم والقارئ للسورة بالتعاطف وجيشان الأحاسيس تجاه المظلوم ، بل يستحثّهما على النفور من الظالم والتنديد به ، وإن كان ولّى زمانه في غابر التاريخ .
كلّ ذلك لتطهير الإنسان من الذوبان في مسير الظالمين ، وانجذاباً له مع مبادئ المظلومين .
وإضافة إلى إقامة الندبة والرثاء على أصحاب الأُخدود ، والتنديد بقاتلـيهم ، نرى السـورة تضمّ : ( هل أتاك حديث الجنود * فرعون وثمود * بل الّذين كفروا في تكذيب * والله من ورائهم محيط ) (1) ، فتذكّر قارئها بمسيرة بقية ظلامات الظالمين ، من عصابة جنود فرعون ، وثمود ، الّذين جنوا على ناقة صالح (عليه السلام) .
فالسورة ابتدأت بقَسم على تأكيد وقوع الفادحة في المؤمنين ، وتحسّر في ندبتهم ورثائهم وإظهار العزاء عليهم ، وبيان عظم التنكيل بهم ، وبراءتهم عن الجرم سوى صمود الإيمان وبسالته ، ثمّ توّعدت على الانتقام بتصوير مليء بالأحاسيس الجيّاشة ; إثارة للعاطفة .
ثـمّ إن ها هنا إلفاتات مهمّة :
الأُولى : إنّ هذه السورة حيث كانت في أُسلوب أدب الرثاء والندبة والعزاء وإقامة المأتم على أصحاب الأُخدود ، فلا بُدّ أن تكون قراءة هذه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة البروج 85 : 17 ـ 20 .
(122)
السورة في كيفية التجويد بنحو من التصوير البياني والطور الإيقاعي المناسب لجوّ معاني السورة ، وهذه الكيفية هي المعروفة بطور الرثاء والنوح .
وقد تقرّر في علم التجويد أخيراً ضرورة التصوير والترسيم البياني لجوّ معاني الكلام ، فلا تصحّ قراءة القرآن على وتيرة واحدة ، بل آيات البشارة بالجنّة والثواب والنعيم تقرأ بنحو الابتهاج والفرح ، وآيات النذر والوعيد تقرأ بكيفية الخوف والقشعريرة ، وآيات التشريع والأحكام تقرأ بكيفية التبيين والتعليم ، وآيات الحكمة والمعارف والموعظة تقرأ بنحو الطور الصوتي المناسب لجوّ الموعظة والحكمة .
فمن ذلك نستخلص : إنّ النوح والترديد الرثائي من ألحان القراءة القرآنية لهذه السور المتضمّنة للمراثي .
الثانية : إنّ الكثير من المفسّرين أشاروا إلى أنّ القرآن قد نزل على أُسلوب أمثال ، ومواعظ ، وحكم ، وإنذار ، وبشارة ، وأحكام ، ومعارف ، وأخبار ، وأنباء ، و ... ولم يشيروا إلى وجود أُسلوب وأدب الرثاء والندبة في القرآن الكريم ، مع أنّه من الفصول المهمّة في الأدب والأُسلوب القرآني ، كما سنذكر نموذجاً من بعض قائمة المراثي والندب في السور القرآنية .
الثالثة : إنّ اشتمال الكتاب العزيز في العديد من السور القرآنية على المراثي والندبة والعزاء ، وهو قرآن يتلى كلّ صباح ومساء ، وفي كلّ آن وزمان ، وهو عهد الله تعالى إلى خلقه اللازم أن يتعاهدوه بالقراءة والتدبّر كلّ يوم ، ولا سيّما في شهر رمضان الذي هو ربيع القرآن ، وذلك يقضي : دعوة القرآن لإقامة الرثاء والندبة والعزاء على ظلامات المظلومين وروّاد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(123)
الإصلاح الإلهي في البشرية في كلّ يوم ، فضلاً عن كلّ أُسبوع ، فضلاً عن كلّ شهر وكلّ موسم وكلّ سنة بنحو راتب رتيب ، في كلّ قراءة للقرآن وخـتمة .
فإذا كانت تلك سُـنّة القرآن في ظلامات المظلومين ، حتّى الناقة ، ناقة صالح (عليه السلام) ـ كما سنتعرّض لبيان الرثاء القرآني فيها ـ فما ظنّك ببضعة المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وريحانة خاتم الأنبياء ، وسـيّد شباب أهل الجنّة (عليه السلام) ، ولا سيّما مع أمر وافتراض القرآن بمودّته والحزن لمصابه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، كما تقدّم في النمط السابق ؟ !
* الثانية : قصّة يوسف (عليه السلام) ويعقوب (عليه السلام) في سورة يوسف .
ويستهلّ القرآن الكريم تفصيل أحداث المأساة التي جرت عليهما بقوله تعالى : ( لقد كان في يوسف وإخوته آياتٌ للسائلين ) (1) ، كما يختم كلامه في السورة : ( لقد كان في قَصصهم عبرةٌ لأُولي الألباب ما كان حديثاً يُفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كلّ شيء ... ) (2) ; ليبيّن أنّ ما قصّه وسرده من فعل يوسف ويعقوب (عليهما السلام )سُـنّة تستنّ بها هذه الأُمّة .
ويبدأ الحديث عن ظلامة يوسف (عليه السلام) وهو في سن يافع ناعم الأظافر بقوله تعالى : ( فلمّا ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابتِ الجُبِّ ) (3) ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة يوسف 12 : 7 .
(2) سورة يوسف 12 : 111 .
(3) سورة يوسف 12 : 15 .

(124)
فيرسم للقارئ مسرح الحدث بتعصبّهم بجمعهم على الطفل الصغير آخذينه ليلقوه في ( غيابة ) الجبّ ; ليبيّن فظاعة فعلهم وأنّهم ألقوه في أعماق الجـبّ ، وهذا نظـير قوله تعالى : ( وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهـم وهـم يمكرون ) (1) ، وهـذا التعبير الرثائي يشابهه ما استعمله شاعـر أهل البيت (عليهم السلام) بقوله : " أفاطم لو خِلْت الحسين مجدّلاً " ، وهو نحو من تجييش العاطفة ليعيش السامع والقارئ الحالة المأساوية وكأنّه يخوضـها .
ثمّ يقول تعالى في ذيل التصوير الأوّل : ( وأوحينا إليه لتُنَبّئنّهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون ) (2) ; لتبيين مدى شـدّة القساوة الجارية على يوسف (عليه السلام) وهو في نعومة أظفاره ، وأنّ العناية الإلهية لا تتركه من دون لطفها .
وتتابع السورة آثار المصيبة على يعقوب (عليه السلام) : ( وتولّى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضّت عيناه من الحزن فهو كظيم * قالوا تالله تفتأُ تذكر يوسف حتّى تكون حَرَضاً أو تكون من الهالكين * قال إنّما أشكو بثّي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون ) (3) ..
فتبيّـن أنّ الجـزع والندبة قـد اشـتدّا بالنبيّ يعقوب (عليه السلام) إلى حدّ إصابة عيناه الشريفة بالعمى ، وقد اشـتدّ حزنه وشكواه إلى الله تعالى إلى درجة أن اتّهمه أبناءه بالسوء في عقله أو بدنه ، وهو معنى الحرض ، والبثّ : شـدّة الحزن ; وهذا يدلّ على أنّ الجزع من فعل الظالمين ممدوح ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة يوسف 12 : 102 .
(2) سورة يوسف 12 : 15 .
(3) سورة يوسف 12 : 84 ـ 86 .

(125)
وإنّما الجـزع من قضـاء الله وقـدره هو المذموم ، وأمّا اللواذ والالتجاء إلى الله تعالى في الجزع والشكوى والبثّ والحزن فهذا ممدوح ، وهو تنفّر من الظالمين .
* الثالثة : قصّة قتل الأنبياء (عليهم السلام) .
وقد ندّد القرآن الكريم بقتل الأنبياء (عليهم السلام) ، واستنكر هذا الفعل ، في ما يقرب من تسعة مواضع : ( ذلك بأنّهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيّين بغير الحقّ ) (1) .
و : ( أفكلّما جاءكم رسولٌ بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذّبتم وفريقاً تقتلون ) (2) .
و : ( قل فلِمَ تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين ) (3) .
و : ( إنّ الّذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيّين بغير حقّ ... ) (4) .
و : ( ذلك بأنّهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حقّ ) (5) .
و : ( سنكتبُ ما قالوا وقتلَهم الأنبياء بغير حقّ ونقولُ ذوقوا عذاب الحريق ) (6) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة البقرة 2 : 61 .
(2) سورة البقرة 2 : 87 .
(3) سورة البقرة 2 : 91 .
(4) سورة آل عمران 3 : 21 .
(5) سورة آل عمران 3 : 112 .
(6) سورة آل عمران 3 : 181 .
(126)
و : ( ... قل قد جاءكم رسلٌ من قبلي بالبيّنات وبالذي قلتم فلِمَ قتلتموهم إن كنتم صادقين ) (1) .
و : ( فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حقّ ... ) (2) .
و : ( كلّما جاءهم رسولٌ بما لا تهوى أنفسهم فريقاً كذّبوا وفريقاً يقتلون ) (3) .
وكذلك ندّد القرآن بقتل روّاد الإصلاح الإلهي في البشرية : ( ويقتلون الّذين يأمرون بالقسط من الناس فبشّرهم بعذاب أليم ) (4) .
* الرابعة : قصّة الموؤدة .
قوله تعالى في سورة التكوير : ( وإذا الموؤدة سُئلت * بأيّ ذنب قتلت ) (5) ..
وهذه ندبة قرآنية للوليدة التي كانت تُقتل في زمن الجاهلية نتيجة السُـنن العرفية الجاهلية الظالمة ، ويبيّن في هذا الأُسلوب الرثائي كيفية مسرح الجناية برمس الوليدة وهي حيّة في التراب مع كمال براءتها .
* الخامسة : عزاء الشهداء .
وهم ممّن يُقتل في سبيل الله تعالى : ( ولا تقولوا لمن يقتل في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة آل عمران 3 : 183 .
(2) سورة النساء 4 : 155 .
(3) سورة المائدة 5 : 70 . 81 و 183؟؟
(4) سورة آل عمران 3 : 21 .
(5) سورة التكوير 81 : 8 ـ 9 .

(127)
سبيل الله أموات ) (1) .
* السادسـة : قصّة هابيل .
وجريمة قتله من قبل قابيل في قوله تعالى : ( لئن بسطت إليّ يدَكَ لتقتلني ما أنا بباسط يديَ إليك لأقتلك إنّي أخاف اللهَ ربّ العالمين * إنّي أُريـدُ أن تبـوءَ بإثمـي وإثمك فتكونَ من أصحاب النار وذلك جـزاء الظالمين * فطوّعت له نفسُه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين ) (2) ..
فيبيّن البراءة في جانب هابيل ، والوحشية والقساوة في جانب قابيل ، والبيان يصـوّر شـدّة الأحاسيس من الطرفين أثناء التحامهما في الحدث ، إلاّ أنّ أحاسيس هابيل مملوءة بالصفاء والإحسان ، وأحاسيس قابيل مشحونة بالعدوان والتجاوز لمقتضيات الفطرة .
* السابعة : قصّة فرعون وهامان .
وما ارتكباه من طغيان واستكبار في الأرض : ( يستضعف طائفةً منهم يذبّحُ أبناءهم ويستحيي نساءهم ) (3) .
* الثامنة : قصّة ناقة صالح (عليه السلام) .
قوله تعالى في سورة الشمس : ( كذّبت ثمود بطغواها * إذ انبعث
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة البقرة 2 : 154 .
(2) سورة المائدة 5 : 28 ـ 30 .
(3) سورة القصص 28 : 4 .

(128)
أشقاها * فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها * فكذّبوه فعقروها فدمدم عليهم ربّهم بذنبهم فسوّاها * ولا يخاف عقباها ) (1) ..
فبـيّن طغيان ثمود ، وأنّ الذي ارتكب الجريمة هو من الأشقى في قوم ثمود ، وبـيّن حرمة الناقة بإضافتها إلى ذاته المقدّسـة مع كونها ناقة صالح (عليه السلام) .
ثمّ صوّر بإحساس ملتهب عملية الجناية من المعتدي بأنّه قام بعملية العقر ، واللفظ يبيّن قساوة الفعل ، والسورة تسند الفعل إلى قوم ثمود كلّهم ; لرضاهم بذلك ، كما سبق أن وصف المعتدي بالشقاء البالغ غايته .
ثمّ بيّن بجانب وقوفه بصفّ المظلوم وتضامنه معه تنديده بالظالم ، وانبعاث الغضب والنقمة الإلهية العاجلة ، وسخطه الشديد عليهم ، فلم يكتف برثاء المظلوم بل قرنه بشجب الظالم والإنكار عليه ، بل وإدانة قوم ثمود لموقفهم المتفاعل تأييداً للجريمة .
فإذا كان موقف القرآن من ناقة صالح (عليه السلام) يبدي مثل هذا التضامن معها ، وهي دابّة وآية إلهية ، ويدين ظلم قوم ثمود لها ، فبالله عليك ما هو موقف القرآن الكريم من بضعة سـيّد النبيّين ، وأشرف السفراء المقرّبين ، وسـيّد شباب أهل الجنّة (عليه السلام) ؟ !
وإذا كان القرآن يدعونا إلى تلاوة الندبة والرثاء على ناقة صالح (عليه السلام)والظلامـة الحادثـة بآيات تتلى إلى يـوم القيامـة تتلقّى منها البشرية دروساً من التربية ، ويحثّنا على إقامة هذه الندبة ، وعلى التنديد بمرتكبي تلك الظلامـة ، فكيف بك بالظلامة المرتكبة بسـيّد شباب أهل الجنّة (عليه السلام) ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الشمس 91 : 11 ـ 15 .

(129)
ريحانة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وما يمثّله من مبادئ وأُصول للدين الحنيف متجسّدة فيه (عليه السلام) ؟ !
هذه نبذة من المراثي والندب التي تصدّى القرآن الكريم لاستعراضها وإقامتها في السور القرآنية ، بأُسلوب وأدب الرثاء والندب والعزاء ، ونحو من النياحة الهادفة المطلوبة لإحياء المبادئ المتمثّلة في مَن وقعت عليهم تلك الظلامات ، من أجل كونهم يحملون تلك المبادئ ويسعون لإقامتها وبنائها .
فنستخلص : أنّ الندبة والرثاء الراتب سُـنّة قرآنية ، يمارسها القارئ والتالي لكتاب الله العزيز ، وهي مجلس من المجالس المقامة في أندية القرآن الكريم .
وأما الوجه الثالث ـ الأخير ـ : وهو كون العزاء والمأتم على سـيّد الشهداء (عليه السلام) سُـنّة نبوية أيضاً .
فقد كتب في بيانه جملة من الأعلام ، أذكر على سبيل المثال لا الحصر ما أشار إليه العلاّمة الأميني (قدس سره) في سيرة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وسُـنّته من كتابه سيرتنا وسُـنّتنا (1) ; فقد ذكر اثنا عشر مأتماً ومجلساً عقدها النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لندبة الحسين (عليه السلام) وهو يافع في نعومة أظفاره ، في ملأ من المهاجرين والأنصار في المسجد تارة ، وأُخرى في بيته مع بعض زوجاته ، وثالثة مع بعض خواصّـه .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سيرتنا وسُنّتنا : سيرة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وسُنّته ; للعلاّمة الأميني (قدس سره) ، ط مكتبة نينوى / طهران ، و ط منشورات دار الغدير ودار الكتاب / بيروت .

(130)
وقد نقل تلك الوقائع المتكرّرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الكثير من الحفّاظ وأئمّة الحديث في مسانيدهم ، والمؤرّخين أصحاب السير في كتبهم ، منهم : أحمد بن حنبل في مسـنده ، والنسائي والترمذي ، وابن عساكر في تاريخـه ، وغيرهم (1) ..
فلاحظ ثمّة ما كتبوه ، وكذلك ما كتبه العلاّمة السـيّد عبـد الحسين شرف الدين في كتابه المأتم الحسيني .. مشروعيّته وأسـراره .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قد ذكرت عشرات المصادر في كتاب سيرتنا وسُنّتنا ; فلاحظ . 132 … تراثنا / 79 ـ 80
134 … تراثنا / 79 ـ 80
136 … تراثنا / 79 ـ 80
138 … تراثنا / 79 ـ 80
140 … تراثنا / 79 ـ 80
142 … تراثنا / 79 ـ 80
144 … تراثنا / 79 ـ 80
146 … تراثنا / 79 ـ 80
148 … تراثنا / 79 ـ 80
150 … تراثنا / 79 ـ 80
152 … تراثنا / 79 ـ 80
154 … تراثنا / 79 ـ 80
156 … تراثنا / 79 ـ 80
158 … تراثنا / 79 ـ 80
160 … تراثنا / 79 ـ 80
162 … تراثنا / 79 ـ 80
164 … تراثنا / 79 ـ 80
166 … تراثنا / 79 ـ 80
168 … تراثنا / 79 ـ 80
170 … تراثنا / 79 ـ 80
172 … تراثنا / 79 ـ 80
174 … تراثنا / 79 ـ 80
176 … تراثنا / 79 ـ 80
178 … تراثنا / 79 ـ 80
180 … تراثنا / 79 ـ 80
182 … تراثنا / 79 ـ 80
184 … تراثنا / 79 ـ 80
186 … تراثنا / 79 ـ 80
188 … تراثنا / 79 ـ 80
190 … تراثنا / 79 ـ 80
192 … تراثنا / 79 ـ 80
194 … تراثنا / 79 ـ 80
196 … تراثنا / 79 ـ 80
198 … تراثنا / 79 ـ 80
200 … تراثنا / 79 ـ 80
202 … تراثنا / 79 ـ 80
204 … تراثنا / 79 ـ 80
206 … تراثنا / 79 ـ 80
208 … تراثنا / 79 ـ 80
210 … تراثنا / 79 ـ 80
212 … تراثنا / 79 ـ 80
214 … تراثنا / 79 ـ 80
216 … تراثنا / 79 ـ 80
218 … تراثنا / 79 ـ 80
220 … تراثنا / 79 ـ 80
222 … تراثنا / 79 ـ 80
224 … تراثنا / 79 ـ 80
226 … تراثنا / 79 ـ 80
228 … تراثنا / 79 ـ 80
230 … تراثنا / 79 ـ 80
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 133
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 135
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 137
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 139
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 141
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 143
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 145
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 147
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 149
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 151
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 153
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 155
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 157
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 159
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 161
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 163
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 165
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 167
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 169
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 171
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 173
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 175
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 177
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 179
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 181
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 183
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 185
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 187
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 189
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 191
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 193
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 195
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 197
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 199
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 201
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 203
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 205
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 207
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 209
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 211
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 213
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 215
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 217
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 219
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 221
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 223
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 225
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 227
معجم شواهد غريب الحديث ( 2 ) … 229