البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إسم البحث : الذكر المحفوظ قراءة جديدة في تاريخ جمع القرآن وما روي في تحريفه (1)

الباحث : السيّد عليّ الشهرستاني

اسم المجلة : تراثنا

العدد : 109

السنة : السنة الثامنة والعشرون / محرم - جمادى الاخرة 1433 هـ

تاريخ إضافة البحث : March / 2 / 2016

عدد زيارات البحث : 1773

حجم ملف البحث : 165.652 KB

 تحميل

الذكر المحفوظ قراءة جديدة في تاريخ جمع القرآن
وما روي في تحريفه (1)
السيّد عليّ الشهرستاني
مرّ تاريخ الذكر الحكيم بعدّة مراحل :
الأولى : التنزيل .
الثانية : الترتيب .
الثالثة : الجمع والتأليف .
الرابعة : توحيد المصاحف .
1 ـ التنزيل :
اشتهر بين الأعلام أنّ القرآن الكريم نزل على مرحلتين :
المرحلة الأولى : النزول الدفعي جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى البيت المعمور ، أو إلى بيت العزّة في سماء الدنيا ، أو على قلب النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله) في شهر رمضان في ليلة القدر ، ثمّ نزوله منجَّماً على رسوله
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صفحه 11
طوال عشرين عاماً أو أكثر ـ حسب اختلاف العلماء في مدّة إقامته(صلى الله عليه وآله) بمكّة ، هل هي عشر سنوات أو ثَلاث عشرة سنة ، أمّا إقامته بالمدينة فعشر سنين بالاتفاق ـ قال سبحانه : (إِنَّاأنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)(1) ، وقال تعالى : (وَهذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ)(2) ، وقال عزَّوجلَّ : (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة إِنَّا كُنَّامُنذِرِينَ)(3) ، وقال تعالى : (وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّمُبَشِّراً وَنَذِيراً)(4) ، وقال تعالى شأنه : (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ)(5) ، وقال تعالى : (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ)(6) ، ونظائرها كثير في القرآن الكريم .
ويمكننا أن نسمّي هذه المرحلة من الإنزال بمرحلة جمع الإنزال الكلّي للقرآن(7) ، وقد يكون هذا الإنزال قد تكرّر مرّتين ، مرّة إلى البيت
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة القدر : 1 .
(2) سورة الأنعام : 92 .
(3) سورة الدخان : 3 .
(4) سورة الإسراء : 105 .
(5) سورة البقرة : 185 .
(6) سورة الشعراء : 193 ـ 194 .
(7) الجمع يأتي عموماً على أربعة معان :
الأوّل : الحفظ ، ومنه قوله تعالى (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) ويقال للحفّاظ : (جمّاع القرآن) .
الثاني : الجمع في مكان واحد ، سواء كان مرتّباً أم غير مرتّب ، وذلك قبل حصره ما بين الدفّتين .
الثالث : الجمع مرتّباً منظّماً محصوراً ما بين اللوحين ، وهو ما يسمّى اليوم بالمصحف .
الرابع : جمع الناس على قراءة واحدة ومصحف واحد .

صفحه 12
المعمور واُخرى على صدر النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله) .
المرحلة الثانية : النزول التدريجي على ما قضت به حكمة البارئ وفْق الحاجة والأحداث والمبرّرات; لأنّه جلّ وعلا نزَّله جملة واحدة ثمّ فرّق تنزيله منجَّماً على رسوله(صلى الله عليه وآله) ، سورة سورة ثمّ آية آية .
قال الطيّبي : «أُنزل القرآن أوّلا جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ثمّ نزل مفرّقاً على حسب المصالح ، ثمّ أثبت في المصاحف على التأليف والنظم المثبت في اللوح المحفوظ»(1) فقال سبحانه : (لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ)(2) ، وقال تعالى : (وَإِن مِّن شَيْء إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَر مَعْلُوم)(3) ، وقال تعالى : (وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْث وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلا)(4) ، وقال تعالى : (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيم خَبِير)(5) ، وقال تعالى : (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَـةً وَاحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا * وَلاَيَأْتُونَكَ بِمَثَل إِلاَّ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الاتقان للسيوطي 1 / 171 / 811 .
(2) سورة القيامة : 16 ـ 17 .
(3) سورة الحجر الآية :21 .
(4) سورة الإسراء : 106 .
(5) سورة هود : 1 .

صفحه 13
جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً)(1) ، وقال تعالى : (وَلاَتَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَبِّ زِدْنِي عِلْماً)(2) ، وقال عزّ من قائل : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلا)(3) ، ونظائرها كثير في القرآن المجيد .
2 ـ الترتيب :
اختلف الباحثون في أنّ ترتيب السور هل كان بإرشاد وتوجيه من الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) أَو أنّه فِعْلٌ فَعَلَهُ الصحابة باجتهاد منهم؟
أمّا ترتيب الآيات فقد أطبق علماء الجمهور على توقيفيّتها من قبل الباري بلا منازع يذكر على القول المشهور ، مستدلّين بأحاديث ، منها : حديث زيد بن ثابت : «كنّا عند رسول الله(صلى الله عليه وآله) نؤلّف القرآن من الرقاع»(4) .
وما أخرجه الترمذي وأحمد وأبي داود والنسائي عن ابن عبّاس ، قال : «قلت لعثمان : ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني . . .»(5) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الفرقان : 32 .
(2) سورة طه : 114 .
(3) سورة الإنسان : 23 .
(4) سنن الترمذي 5 / 734 / 3954 ، مسند أحمد5 / 184 / 21647 .
(5) سنن الترمذي5 / 272 / 3086 ، مسند أحمد1 / 57 / 399 ، 69 / 499 ، من مسند عثمان بن عفّان ، سنن النسائي الكبرى5 / 10 / 8007 ، الباب 30 السورة التي يذكر فيها كذا .

صفحه 14
وما رواه مسلم عن أبي الدرداء مرفوعاً : «من حفظ عشر آيات من أوّل سورة الكهف عصم من الدجّال»(1) وغيرها من عشرات الروايات الآتية بعد قليل .
لكن في مطاوي كلمات بعض الأعلام في علوم القرآن إشارة إلى مواضيع اُخرى ، كاختلاف ترتيب النزول عن ترتيب التلاوة مع القول بأنّ كلاهما قرآن .
كما أنّا سنوضّح الهدف من أحاديث العرض ، وأنّها تعني ترتيب القرآن الكريم وفق ما نزل من اللوح المحفوظ ، بمعنى أنّ القرآن بعد نزوله دفعة واحدة قد ينزّل سورة سورة ، لقوله تعالى : (سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا) وقوله تعالى : (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هذِهِ إِيمَاناً) .
وأنّ الناس كانوا يعرفون انتهاء السورة وابتداء سورة اُخرى بنزول (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) وهذا دليل على النزول سورة سورة بعد نزولها الدفعيّ على صدر النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله) .
وقد تنزّل السورة ثمّ تبدأ الأحداث الواقعة فيها ، فيأتي جبريل مرّة اُخرى بالآيات المرتبطة بتلك الوقائع فيقرأها النبيّ(صلى الله عليه وآله) على الناس ، فيظهر لهم أنّهم كانوا قد سمعوها قبل ذلك ، لأنّ الناس عموماً لا يدركون عمق حقائق القرآن ودقائقه ، فكان لابدّ من بيان إعجاز القرآن لهم بصورة يفهمه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح مسلم1 / 555 / 809 ، الباب 44 في فضل سورة الكهف وآية الكرسي .
صفحه 15
الجميع ; لأنّ الإخبار بالمغيّبات دليل على صدوره من عند علاّم الغيوب ، لأنّ الله وحده هو الذي يعلم بما سيكون . فلمّا جاءهم رسول الله(صلى الله عليه وآله)بالآيات قبل وقوع الأحداث فهموا بأنّه منزل من قبل الله .
وقد تنزّل آية آية ثمّ يؤلّف منها سورة طبقاً لما نزل من اللوح المحفوظ وذلك بالتنسيق بين جبريل(عليه السلام) ورسول الله(صلى الله عليه وآله) ، لقوله تعالى (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَاْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) . وقد التبس الأمر على عمر بأنّ له أن يؤلّف من ثلاث آيات سورة حسبما سيأتي .
وعليه فمن معاني الجمع هو ما يأتي بعد التفريق ، أي أنّ الله سيجمع ما أنزله مفرّقاً ومنجّماً على رسوله ويجعله قرآناً للناس ، فإذا قضى الوحي بقرآنيّته فعلى الرسول اتّباع قرآنه : (فَإِذَا قَرَاْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) أو قوله تعالى : (وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ) ; لأنّه قد ينزّل على رسول الله(صلى الله عليه وآله) آيتان لسورتين مختلفتين في آن واحد فيطلب رسول الله(صلى الله عليه وآله)تدوينها منفصلتين حتّى يأتي جبريل في كلّ عام فيعيّن مكانها في السور .
وقد تقدّم حادثة ويؤخّر مكانها في السورة ، وقد تؤخّر آية وهي مقدّمة زماناً على سابقتها مثل تأخير آية البلاغ على آية الإكمال في سورة المائدة وهي المتقدّمة زماناً على آية الإكمال وغيرها كثيرٌ في القرآن .
وقد يأتي الناسخ قبل المنسوخ ، والآية المكّية في السورة المدنية و . . . كلّها لمصالح ، منها عدم امتداد يد التحريف إلى الكتاب العزيز .
صفحه 16
قال الإمام البغوي في شرح السنّة عند كلامه عن جمع القرآن : « . . . فإنّ القرآن مكتوب في اللّوح المحفوظ على التّرتيب الّذي هو في مصاحفنا ،أنزله الله تعالى جُملةً واحدة ً في شهر رمضان ليلة القدر إلى السّماء الدّنيا ، ثمّ كان ينزّله مفرّقاً على رسول الله(صلى الله عليه وآله) مدّة حياته عند الحاجة وحدوث ما يشاء الله عزَّوجلَّ ، وترتيب النّزول غير ترتيب التّلاوة ، وكان هذا الاتّفاق من الصّحابة سبباً لبقاء القرآن في الأُمّة رحمة من الله عزَّوجلَّ لعباده وتحقيقاً لوعده في حفظه على ما قال جَلَّ ذكره : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)(1)»(2) .
وكلام البغوي صريح بأنّ ترتيب النزول غير ترتيب التلاوة ، وأنّ المنزَل من اللوح المحفوظ إلى البيت المعمور غير الذي نُزِّلَ منجَّماً لما قضت به حكمة الله فيما فيه صالح العباد ويسر الدين .
ونقل أبو شامة عن أبي بكر ابن الطَّيِّب ما يشير إلى أنّ ترتيب السور والآيات كانت باجتهاد من الصحابة ، فقال : « . . . وأنّه قد يمكن أن يكون الرّسول قد رتّب سُوَره على ما انطوى عليه مُصْحَف عُثمان ، كما رتّب آيات سُوَره ، ويمكن أن يكون قد وكّل ذلك إلى الأُمّة بعده ولم يتولّ ذلك بنفسه ، وأنّ هذا القول الثّاني أقرب وأشبه بأن يكون حقّاً على ما سنبيّنه فيما بعد إن شاء الله تعالى ، وأنّ القرآن لم يثبت آية على تاريخ نزوله ، بل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الحجر : 9 .
(2) شرح السنّة للبغوي 4/522 ،523 ، وانظر البرهان للزركشي أيضاً .

صفحه 17

قدّم ما تأخّر إنزاله ، وأخّر بعض ما تقدّم نزوله على ما قد وقف عليه الرّسول من ذلك»(1) .
وقد يكون في كلام ابن حجر الآتي إشارة إلى عدم توقيفية الآيات ، وأنّ ترتيب الآيات والسور كانت باجتهاد من الصحابة ، إذ قال : «وإنّ قول عمر : (لو كانت ثلاث آيات) ، فظاهره أنّهم كانوا يؤلّفون آيات السور باجتهادهم ، وسائر الأخبار تدلّ على أنّهم لم يفعلوا شيئاً من ذلك إلاّ بتوقيف .
نعم ، ترتيب السور بعض إثر بعض كان يقع بعضه منهم اجتهاداً كما سيأتي في تأليف القرآن»(2) .
وعليه ، فالذي يذهب إلى توقيفية ترتيب السور والآيات(3) يستدلّ بأمثال الرواية الآتية :
«روي عن ابن عبّاس ، قال : قلت لعثمان : ما حملكم على أَنْ عَمِدْتُمْ إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المِئِين ، فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر (بسم الله الرحمن الرحيم) ووضعتموها في السبع الطوال ، ما حملكم على ذلك؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المرشد الوجيز إلى علوم القرآن لأبي شامة : 57 .
(2) فتح الباري 9 / 12 (جمع القرآن) .
(3) قال ابن حجر في فتح الباري بعد أن أتى بالخبر الآتي : فهذا يدلّ على أنّ ترتيب الآيات في كلّ سورة كان توقيفيّاً ، ولمّا لم يفصح النبيّ بأمر براءة أضافها عثمان إلى الأنفال اجتهاداً منه .
صفحه 18
فقال عثمان : إنّ رسول الله كان ممّا يأتي عليه الزمان وهو تنزل عليه السور ذوات العدد ، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب ، فيقول : ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا ، ولمّا نزلت عليه الآية فيقول : ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا ، وكانت الأنفال من أوائل ما أنزلت بالمدينة وكانت براءة من آخر القرآن ، وكانت قصّتها شبيهة بقصّتها فظننت أنّها منها ، فقبض رسول الله(صلى الله عليه وآله) ولم يبيّن لنا أنّها منها ، فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ووضعتها في السبع الطوال»(1) .
وهذه الرواية ليس لها ظهور في توقيفية ترتيب السور إلاّ من خلال كلمة (كان) التي جاءت في صدر الرواية والدالّة على الاستمرارية من قبل رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، وكذا قوله(صلى الله عليه وآله) : «ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا»(2) .
بل قد ترشدنا جملة : «ما حملكم . . . فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» وجملة : «وقبض رسول الله(صلى الله عليه وآله) ولم يبيّن لنا أمرها» إلى عدم توقيفيّتها;(3) لأنّها لو كانت توقيفية لأمر رسول الله(صلى الله عليه وآله) بها ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سنن الترمذي 5 / 272 / ح 3086 ، قال الترمذي : حديث حسن صحيح ، مسند أحمد 1 / 57 / ح 399 ، كنز العمّال 2 / 245 / ح4770 ، وقال الحاكم في مستدركه 2 / 360 / ح 3272 : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرّجاه .
(2) سنن أبي داود1 / 208 / 786 ، الباب 26 ، من جهر بها .
(3) ذهب الباقلاّني (ت 403 هـ) في (الانتصار لنقل القرآن) باب ترتيب الآيات والسور ، إلى عدم توقيفية السور واستدلّ بالخبر الآنف فقال : . . . وفي العلم بعدم ذلك دليل على أنّه لم يكن منه توقيف ، ويدلّ على ذلك قول عثمان : «وكانت الأنفال من أوّل ما نزل بالمدينة ، وكانت براءة من آخر ما نزل من القرآن وكانت قصّتها تشبه قصّتها فظننتهامنها» وهذا منه تصريح بعدم التوقيف وقد تضمّن ذلك أنّهما سورتان لأنّه سمّى كلّ واحدة باسمها .
صفحه 19
وإنّ عدم بيانها لعثمان ولا لغيره من الصحابة وسكوته(صلى الله عليه وآله) عن البيان جعل الأمر يلتبس على عثمان ، ولو كان توقيفيّاً لوجب على رسول الله(صلى الله عليه وآله) بيانه; لأنّ التوقيفية معناها التعبّد والتقيّد بالنصّ ، ورسول الله(صلى الله عليه وآله) لا يترك واجباً ومنزلاً من قبل الله; إذ لو صحّت دعوى توقيفية جميع السور فكيف يسمح عثمان لنفسه أن يفرّق بين الأنفال وبراءة؟
هذا مع الإشارة إلى أنّ عثمان وإن كان قد اجتهد في عدم الفصل بالبسملة بين الأنفال وبراءة اجتهاداً من عند نفسه كما هو واضح من كلامه ، إذ قد ظنّ أنّهما سورة واحدة ، إلاّ أنّه قد ثبت أنّ عدم الفصل بالبسملة هو من الأمر التوقيفي ولم يأت في الإنزال الدفعي ، بل لكون البسملة أمان ورحمة وأنّ سورة براءة نزلت بالسيف .
قال الآلوسي في روح المعاني : «والحقّ أنّهما سورتان إلاّ أنّهم لم يكتبوا البسملة بينهما لِما رواه أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عبّاس عن عليٍّ من أنّ البسملة أمان ، وبراءة نزلت بالسيف .
ومثله عن محمّد بن الحنفية وسفيان بن عيينة ، ومرجع ذلك إلى أنّها لم تنزل في هذه السورة كأخواتها لما ذكر»(1) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) روح المعاني 10 / 41 .

صفحه 20
وقال القشيري : «والصحيح أنَّ التسمية لم تكتب; لأنّ جبريل ما نزل بها في هذه السورة»(1) .
وقد روي عن أبي عبدالله الصادق(عليه السلام) : «الأنفال والبراءة واحدة»(2) .
وعليه فلا يصحّ ظنّ عثمان بأنّها من الأنفال لتشابه قصّتيهما وقوله : «فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ»(3) لأنّ الأمر لا يعود إليه بل يعود إلى الله وإلى رسوله وإلى عدم قراءة المسلمين به في سورة براءة خاصّة ، وفق ما علّمهم رسول الله في القراءة .
وإليك الآن بعض الروايات الدالّة على دور رسول الله(صلى الله عليه وآله) وجبريل(عليه السلام)في ترتيب الآيات :
ففي فضائل القرآن لأبي عبيدة وغيره ، عن ابن عبّاس ، عن عثمان ابن عفّان ، قال : «كان رسول الله إذا نزلت عليه آية دعا بعض من يكتب ، فقال : ضعوا هذه السورة في الموضع الذي يذكر فيه كذا وكذا»(4) .
كما ورد أنّ جبريل(عليه السلام) كان يقول : «ضعوا كذا في موضع كذا»(5) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير القرطبي 8 / 61 .
(2) تفسير نور الثقلين 2 / 176 ، تفسير جوامع الجامع 2 / 43 ، الأصفى 1 / 451 .
(3) سنن أبي داود 1 / 208 / 786 الباب 26 من جهر بها ، سنن الترمذي 5 / 272 باب ومن سورة التوبة .
(4) انظر فضائل القرآن : 286 / باب تأليف القرآن وجمعه .
(5) مناهل العرفان 1 / 172 ، الإتقان 1 / 169 عن القاضي أبي بكر في الانتصار ، وكذا في البرهان 1 / 256 .
صفحه 21
وعن عثمان ابن أبي العاص قال : «كنت عند رسول الله(صلى الله عليه وآله) جالساً إذ شَخَصَ ببصره ثمّ صوّبه حتّى كاد أن يلزقه بالأرض ، قال : ثمّ شَخَصَ ببصره فقال : أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من هذه السورة (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى) ، فجعلت في سورة النحل بين آيات الاستشهاد وآيات العهد»(1) .
وروى القرطبي بسنده عن ابن عبّاس أنّه قال : «آخر ما نزل من القرآن (وَاتَّقُوْا يَوْمَاً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْس مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) ، فقال جبريل : يا محمّد ضعها في رأس ثمانين ومائتين من البقرة»(2) .
وفي آخر : «بين آيتي الربا والدَّين من البقرة»(3) .
وقد أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن ابن مسعود البدري أنّه قال : «قال النبيّ : الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأهما في ليلة كَفَتاهُ»(4) .
وأخرج مسلم عن عمر بن الخطّاب ، قال : «ما راجعت رسول الله في شيء ما راجعته في الكلالة ، وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيه ، حتّى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مسند أحمد 4 / 218 / ح 17947 ، الإتقان 1 / 168 / ح 782 .
(2) تفسير القرطبي 1 / 61 ، الكشّاف 1 / 350 .
(3) الإتقان 1 / 171 ، أسرار التكرار في القرآن : 23 .
(4) صحيح البخاري 4 / 1472 / ح 3786 ، صحيح مسلم 1 / 554 / ح 807 ، وانظر سنن أبي داود 2 / 56 / ح 1397 ، سنن الترمذي 5 / 159 / ح 2881 .
صفحه 22
طعن بإِصبعه في صدري ، فقال : يا عمر ألا تكفيك آية الصيف(1) التي في آخر سورة النساء؟!»(2) .
وأخرج البخاري ، عن ابن الزبير ، قال : «قلت لعثمان بن عفّان : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً)؟ قال : قد نسختها الآية الآخرى فلِمَ تكتبها أو تدعها ، قال : يا ابن أخي لا أغيِّر شيئاً منه من مكانه»(3) .
وهذه الروايات كلّها جاءت في سياق إثبات توقيفية الآيات لا السور وبيان دور رسول الله(صلى الله عليه وآله) وجبريل(عليه السلام) في ترتيب القرآن .
كما أنّ هناك روايات اُخرى استدلّ بها على التوقيفية ، لكن بطريقة اُخرى ، فمثلاً في الرواية التالية ترى رسول الله(صلى الله عليه وآله) يأمر زيداً بقوله : «اقرأه ، فأقرأهُ ، فإذا كان فيه سقط أقامه . . .» الدالّة على الإشراف التامّ على المدوّنات .
فعن زيد بن ثابت ، قال : «كنت أكتب الوحي لرسول الله ، وكان إذا نزل عليه أَخَذَتْهُ بُرَحاءٌ(4) شديدةٌ . . . ، فكنت أدخل عليه بقطعة الكتف والدواة أوكسرة ، فأَكْتُبُ وهو يملي عليّ . . . ، فإذا فرغت ، قال : اقرأه ، فأقرأهُ; فإن كان فيه سقط أقامه ، ثمّ أخرج به إلى الناس . . .»(5) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وقد سمّيت بآية الصيف لنزولها في الصيف بخلاف الآية الأولى من سورة النساء والتي نزلت في الشتاء والمسمّاة بآية الشتاء .
(2) صحيح مسلم 1/396/ح 567 ، 3/1236/ ح 1617 .
(3) صحيح البخاري 4 / 1646 / ح 4256 .
(4) البرحاء الحمّى الشديدة والبرحاء : الشدّة ، والأمر العظيم ، والمشقّة .
(5) المعجم الكبير 5 / 145 / ح 48894 ، المعجم الأوسط 2 / 257 ، مجمع الزوائد 1/152 ، و 8 / 657 عن الطبراني .
صفحه 23
وليس في هذه الرواية دلالة على توقيفية السور أو الآيات ، بل لزوم الضبط في الإقراء ، كي لا تكون كلمة ساقطة منها ، أو محبوبية الكتابة ، وأنّ زيد ابن ثابت كان من كتّاب الوحي كما في الرواية الآتية .
وعن البراء ، قال : «لمّا نزلت : (لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُـجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ) قال النبيّ : ادع لي زيداً وليجىءْ باللوح والدواة والكتف ـ أو الكتف والدواة ـ ثمّ قال : اكتب (لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ . . .)»(1) .
وهذه الرواية أيضاً ليس فيها أكثر من أمر النبي(صلى الله عليه وآله) زيداً بأن يأتيه باللوح والدواة وأن يكتب الآية ، ومعناه : أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله) كان لا يترك كلام ربّه بدون كتابة وتدوين .
وبالنتيجة ترشدنا تلك النصوص إلى القول بأنّ وضع الآيات كان أمراً توقيفيّاً وبأمر الله سبحانه وتعالى ورسوله ; لأنّ النبي(صلى الله عليه وآله) كان يعرف انتهاء السورة وابتداء السورة الاُخرى بنزول (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) ، لكن هذا لا يمنع من قرآنية الآيات ووجود اختلاف بين ترتيب التنزيل وترتيب التلاوة ـ أي بين الترتيب التدريجي والترتيب الدفعي ـ مع الاعتقاد بأنّ كِلَيْهِما قُرْآنٌ .
أو قل لا يمنع من الاختلاف الملحوظ في ترتيب مصاحف
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح البخاري 4 / 1909 / ح 4704 ، تفسير الطبري 5 / 230 ، مصنّف ابن أبي شيبة 4 / 226 / ح 19518 ، عمدة القارئ 20 / 20 ، وانظر تاريخ دمشق 19 / 306 ، إعراب القرآن للنحّاس 1 / 483 .
صفحه 24
الصحابة ، فهي كلّها قرآن .
لكن أمر الصلاة يختلف ، فالذي يجب على الجميع هو القراءة في الصلاة طبقاً لما نزل على صدر النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله) بالقراءة المتواترة لا الشاذّة .
وقد عقد ابن أبي داود باباً سمّاه (باب اختلاف مصاحف الصحابة) ذكر فيه أسماءهم وما وقعوا فيه من الاختلاف» .
فبعضهم جمع مصحفه طبقاً لتنزيله ، وهو ما فعله الإمام علي(عليه السلام) .
وبعضهم الآخر جمعه بشكل آخر; إذ صرّح ابن حجر في فتح الباري أنّ تأليف مصحف ابن مسعود على غير التأليف العثماني(1) ، وفي صحيح البخاري «تأليف ابن مسعود آخرهنّ الحواميم»(2) .
فترتيب السور في مصحف عثمان لا نراها توقيفية; لأنّها لو كانت كذلك فبماذا يعلّلون سبب اختلاف ترتيب مصحف عثمان مع مصاحف الآخرين؟!
ألا تلزم التوقيفية ـ في ترتيب الآيات والسور ـ أن تكون مصاحف الصحابة كلّها واحدة؟ إذن فما يعني هذا الاختلاف؟!
هل هؤلاء الصحابة ـ والعياذ بالله ـ قد خالفوا رسول الله(صلى الله عليه وآله) فيما رتّبه من سور القرآن ـ إن صحّ كلامهم ـ ؟ أم لكلّ واحد منهم له نصّ عن رسوله في ترتيب مصحفه؟! بل هل يعقل أن يخالف الإمام عليّ(عليه السلام) رسول الله(صلى الله عليه وآله)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) فتح الباري 9 / 42 .
(2) صحيح البخاري 4 / 1911 / ح 410 ، كتاب فضائل القرآن باب تأليف القرآن 1278 / ح 4996 .

صفحه 25
في ترتيب مصحفه المفسّر ولا يستشيره في ترتيب مصحفيه؟
بل هناك بعض المُحدّثين من شكّك في توقيفية الآيات في السور بدعوى : أنّ المقدّم من النصوص لا يصلح أن يكون دليلاً ، وأقصى ما فيها دلالتها على تلك المواضع فقط ، واستدلّ على عدم التوقيفية بما أخرجه البخاري :
«حدّثنا إبراهيم بن موسى ، أخبرنا هشام بن يوسف : إنّ ابن جريج أخبرهم قال : وأخبرني يوسف بن ماهك ، قال : إنّي عند عائشة أُمّ المؤمنين إذ جاءها عراقيٌّ ]فسألها عن مسائل منها[ : أنّه طلب أن تريه مصحفها قال : يا أمّ المؤمنين أريني مصحفكِ؟ قالت : لِمَ؟ قال : لعلّي أؤلّف القرآن عليه فإنّه يقرأ غير مؤلَّف .
قالت : وما يضرّك آية قرأت قبل؟! ، إنّما نزل أوّل ما نزل منه سورة من المفصّل ، فيها ذكر الجنّة والنّار حتّى إذا ثاب النّاس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ، ولو نزل أوّل شيء (لا تشربوا الخمر) لقالوا : لا نَدَعُ الخمر أبداً ، ولونزل (لا تزنُوا) لقالوا : لا نَدَعَ الزّنى أبداً ، لقد نزل بمكّة على محمّد وإنّي لجَارِيَةٌ ألعبُ : (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ)(1) ، وما نزلت سورة البقرَة والنّساء إلاّ وأنا عنده ، قال : فأخرجت له المُصْحَف ، فَأمْلَت عليه آي السُّورة»(2) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة القمر : 46 .
(2) صحيح البخاري 4 / 1910 / ح 4707 ، من باب تأليف القرآن .

صفحه 26
فعائشة طبق هذا النصّ تجيز تقديم الآيات وتأخيرها في السورة الواحدة ، لقولها : (وما يضرّك آية قرأت قبل؟!) ثمّ (أملت عليه آي السُّور) لا السور سورة سورة كاملة .
قال ابن حجر في فتح الباري عند شرحه للخبر قوله : (لعلّي أُؤلّف عليه القُرآن ، فإنّه يقرأ غير مؤلّف) : « . . . والّذي يظهر لي أنّ هذا العراقيّ كان ممّن يأخذ بقراءة ابن مسعود ، وكان ابن مسعود لمّا حضر مُصْحَف عُثمان إلى الكوفة يوافق على الرّجوع عن قراءته ]والأخذ بقراءة مصحف عثمان [ولا ]يوافق [على إعدام مُصحَفه ـ كما سيأتي بيانه بعد الباب الّذي يلي هذا ـ فكان تأليف مُصْحَفه مغايرًا لتأليف مُصْحَف عُثمان ، ولا شكّ أنّ تأليف المُصْحَف العُثماني أكثر مناسبة من غيره ، فلهذا أطلق العراقي أنّه غير مؤلّف .
وهذا كلّه على أنّ السّؤال إنّما وقع عن ترتيب السُّوَر ، ويدلّ على ذلك قولها له : (وما يضرّك آية قرأت قبل؟) ويحتمل أن يكون أراد تفصيل آيات كلّ سُورة ، لقوله في آخر الحديث : (فأملت عليه آي السُّور) ، أي آيات كلّ سورة كأن تقول له : سورة كذا مثلاً كذا كذا آية ، الأُولى كذا ، الثّانية . . . إلخ .
وهذا يرجع إلى اختلاف عدد الآيات ، وفيه اختلاف بين المدنيّ والشّاميّ والبَصْريّ ، وقد اعتنى أئمّة القُرّاء بجمع ذلك وبيان الخلاف فيه ، والأوّل أظهر . ويحتمل أن يكون السّؤال وقع عن الأمرين والله أعلم . . .»
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صفحه 27
إلى أن يقول :
«وقال القاضي عِيَاض في شرح حديث حُذَيْفة : إنّ النّبيّ(صلى الله عليه وآله) قرأ في صلاته في اللّيل بسورة النّساء قبل آل عمران ، هو كذلك في مُصْحَف أُبيّ ابن كعب ، وفيه حجّة لمن يقول : إنّ ترتيب السُّوَر اجتهاد وليس بتوقيف من النّبيّ(صلى الله عليه وآله) وهو قول جمهور العلماء .
واختاره القاضي الباقِلاّنيّ قال : وترتيب السُّوَر ليس بواجب في التّلاوة ولا في الصّلاة ولا في الدّرس ولا في التعليم ، فلذلك اختلفت المصاحف ، فلمّا كتب مُصْحَف عُثمان رتّبوه على ما هو عليه الآن ، فلذلك اختلف ترتيب مصاحف الصَّحابة . ثمّ ذكر نحو كلام ابن بَطَّال ، ثمّ قال : ولا خلاف أنّ ترتيب آيات كلّ سُورة على ما هي عليه الآن في المُصْحَف توقيف من الله تعالى ، وعلى ذلك نقلته الأُمّة عن نبيّها»(1) .
وهذا توجيه من قبل ابن حجر لم يقبله دعاة عدم توقيفية الآيات في السور ، لما عرفوه من اختلاف مصاحف الصحابة في ترتيب السور .
وللتضاد الموجود بين بعض النصوص عن الصحابة والتابعين في ترتيب الآيات فقد قال ابن عبّاس بأنّه لم ينزل بعد آية الإكمال(2) فريضة ، وهو ما قاله السدي والجبائي والبلخي والإمامان الصادق والباقر(عليهما السلام) بفارق أنّ بعضهم قال : «لم ينزل بعدها حلال ولا حرام» والآخر : «فريضة» في
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) فتح الباري 9 / 40 .
(2) (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً) .

صفحه 28
حين أنّ آية الإكمال هي الآية رقم 3 من سورة المائدة وآيات الأحكام بعدها كثيرة كآية تحليل الطيّبات والصيد برقم 4 ، وآية طعام أهل الكتاب برقم 5 ، وآية الوضوء برقم 6 ، وآية السارق والسارقة برقم 38 ، وآية الإيمان برقم 89 ، وآية الخمر برقم 90 ، وآية تحريم الصيد برقم 95 ، وآية تحريم ما حلّله المشركون برقم 103 ، وآية الإشهاد في الوصية برقم 107 ، ثمّ تساءل القائل : فما هي المناسبة لإقحام آية الإكمال ضمن آيات تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير(1) ؟
ولِما اشتهر عن ترتيب مصحف الإمام عليّ(عليه السلام) وأنّ المنسوخ فيه قبل الناسخ والمكّي قبل المدني ، ولاعتقادهم بعدم حجّة السياق إلى غيرها ممّا استدلّوا به في عدم توقيفية الآيات في السور .
قال الكردي في تاريخ القرآن وغرائب رسمه : «ففي قول عائشة للعراقيّ : (وما يضرّك أيّة قرأتَ قبل؟!) دليل على أنّ ترتيب السُّور في التّلاوة ليس بواجب(2) ، وهو كذلك في جميع المذاهب ، فإنّه يجوز ترك ترتيبها في الصّلاة والتّلاوة والدّرس ، لأنّ كلّ سورة مستقلّة بذاتها مستوفية لآياتها ، ويفهم من هذا الحديث أنّ النّاس كانوا يقرأون القرآن ويكتبونه من غير ترتيب لسُوَره ، حتّى جمع عُثمان مُصْحَفه وحمل النّاس عليه .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) التمهيد في علوم القرآن 1 / 216 .
(2) قد يقال بأنّ ترتيب الآيات في السورة الواحدة غير واجب أيضاً لإمكان قراءة الإنسان من وسط السورة في التلاوة والدرس ، لكن الشيعة الإمامية لا تجيز هذا الأمر في الصلاة .
صفحه 29
فلو كان ترتيب المُصْحَف توقيفيّاً لم يختلف ترتيب السُّور في مصاحف كبار الصَّحابة كعليّ بن أبي طالب وأُبيّ بن كعب وعبدالله بن عبّاس وعبدالله بن مسعود ومُعاذ بن جَبَل وعائشة أُمّ المؤمنين وزيد بن ثابت ، فكلّ واحد من هؤلاء كتب مُصْحَفه على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) .
فمُصْحَف عليّ كان أوّله : اقرأ ثمّ المدّثّر ثمّ ن وهكذا إلى آخر المكّيّ والمدنيّ . ومُصْحف ابن مسعود كان أوّله : البقرة ثمّ النّساء ثمّ آل عمران على اختلاف شديد . وقد ذكر ابن النَّديم في كتابه الفهرست ترتيب سُوَر مصاحف بعض الصَّحابة ، كما ذكره أيضاً السيوطيّ في كتابه : الإتقان ، فراجعهما إن شئت .
فلو كان هناك أمر صريح أو إشارة خفيّة من النّبيّ(صلى الله عليه وآله) في ترتيب سُوَر المُصْحَف لما عَزَب ذلك على هؤلاء ، وهم من أجلاّء الصَّحابة وأكثرهم اتّصالاً به (عليه الصّلاة والسّلام . . .»(1) .
وقد نقل القرطبي بعد ذكره (ما جاء في ترتيب سور القرآن وآياته) كلام ابن بطّال : « . . . ومن قال بهذا القول ـ ]أي بتوقيفية السور[ ـ لا يقول : إنّ تلاوة القرآن في الصّلاة والدّرس يجب أن تكون مرتّبةً على حسب التّرتيب الموقّف عليه في المُصْحَف ، بل إنّما يجب تأليف سُوَرة في الرَّسم والخطّ خاصّة ، ولا يُعلم أنّ أحداً منهم قال : إنّ ترتيب ذلك واجب في الصلاة وفي قراءة القرآن ودرسه ، وأنّه لا يحلّ لأحد أن يتلقّن الكهف قبل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ القرآن وغرائب رسمه كما في نصوص في علوم القرآن 3 / 403 ـ 404 .

صفحه 30
البقرة ولا الحجّ قبل الكهف ، ألا ترى قول عائشة للّذي سألها : (لا يضرّك أيَّة قرأت قبل) ، وقد كان النّبيّ(صلى الله عليه وآله) يقرأ في الصّلاة السّورة في ركعة ، ثمّ يقرأ في ركعة أُخرى بغير السّورة الّتي تليها»(1) .
قال الشيخ معرفة بعد روايته عن الإمام الصادق(عليه السلام) وابن عبّاس : أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) كان يعرف انقضاء سورة بنزول (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) : . . . كان كتبة الوحي يعرفون بوجوب تسجيل الآيات ضمن السُّورة الّتي نزلت بَسْمَلتها ، حسب ترتيب نزولها واحدة تِلو أُخرى كما تنزل ، من غير حاجة إلى تصريح خاصّ بشأن كلّ آية آية .
هكذا ترتّبت آيات السُّوَر وِفق ترتيب نزولها على عهد الرّسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) ، وهذا ما نسمّيه (التّرتيب الطّبيعي) وهو العامل الأوّل الأساسيّ للتّرتيب الموجود بين الآيات في الأكثريّة الغالبة» ، إلى أن يقول : « . . . وقد نجد تغييراً موضعيّاً في آية أو آيات على خلاف ترتيبها الطّبيعيّ ، في حين عدم نصّ خاصّ بشأن هذا التّغيير . وربّما كانت الآية نزلت فكتبها كاتب ، ثمّ نزلت أُخرى فكتبها كاتب آخر في غيبة الأوّل ، فسجّلها قبل الأُولى من غير أن يعلم بما سجّله ذاك ، فعند الجمع الأخير في حياة الرّسول(صلى الله عليه وآله) أو بعد وفاته حصل ذلك التّغيير الموضعيّ لعدّة قليلة من الآيات .
وهذا احتمال نحتمله بشأن هكذا آيات خرجت عن التّرتيب الطّبيعيّ ، ولم نجد عليها نصّاً خاصّاً . هذا الاحتمال بنفسه كاف في عدم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير القرطبي 1 / 61 ، باب ما جاء في ترتيب سور القرآن .

صفحه 31
إمكان الاستدلال ـ لفحوى آية ـ بسياقها الخاصّ ، اللّهمّ إلاّ إذا كانت المناسبة واضحة أو علمنا بها من خارج .
من ذلك ما نجده في سُورة الممتحنة ; تبتدئ هذه السُّورة بآيات (1 ـ 9) نزلت في العام الثّامن بعد الهجرة بشأن حاطب بن أبي بِلْتَعَة ; كان قد كاتب قُريشاً يخبرهم بتأهُّب النّبيّ(صلى الله عليه وآله) لغزو مكّة ، وكان النّبيّ(صلى الله عليه وآله) يحاول الإخفاء .
وتتعقّب هذه الآيات آيتان نزلتا بشأن سبيعة الأسلميّة العام السّادس من الهجرة كانت قد أتت النّبيّ(صلى الله عليه وآله) مسلمة مهاجرة ، تاركة زوجها الكافر ، فجاء في طلبها ، فاستعصمت بالنّبيّ(صلى الله عليه وآله) ، وصادف مجيؤه صلح الحُدَيْبيّة ، كان النّبيّ(صلى الله عليه وآله) عاهد قريشاً أن يردّ عليهم كلّ من يأتيه من مكّة . فأخذ الزّوج في محاجّة النّبيّ(صلى الله عليه وآله) قائلاً : أردد عليّ امرأتي على ما شرطت لنا وهذه طينة الكتاب لم تجف ، فتحرّج النّبيّ(صلى الله عليه وآله) في أمرها فنزلت الآيتان .
وبعد هاتين الآيتين آيات نزلت بشأن مبايعة النّساء عام الفتح وهي السّنة التّاسعة من الهجرة !
وأمّا الآية الأخيرة من السُّورة فإنّها ترتبط مع آيات الصّدر تماماً ، ومِن ثمّ قالوا : إنّ دراسة هذه السُّورة تُعطينا خروجاً على النّظم الطّبيعيّ للآيات ، من غير ما سبب معروف .
ومن ذلك أيضاً ما نجده في سورة البقرة فيما يخصّ آيات الإمتاع والإعداد كان التشريع الأوّل في المرأة المتوفّى عنها زوجها أن تعتدّ حولا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

صفحه 32
كاملا ولا تخرج من بيت زوجها وكان ميراثها هو الإنفاق عليها ذلك الحول فقط والآية نزلت بهذا الشأن هي قوله تعالى (وَالّذِيْنَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُوْنَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لاِزْوَاجِهِمْ مَتَاعَاً إلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إخْرَاج) الآية رقم 240 ، ثمّ نسخ هذا التشريع بآية الإعداد أربعة أشهر وعشراً برقم 234 من نفس السورة وبآية المواريث برقم 12 من سورة النساء . إلى أن يقول :
وينتج من هذا البحث ـ كما سوف يأتي على الإجمال ـ عدم إمكان الاستناد في تفسير آية أو فهم فحواها إلى موقعيّتها الخاصّة من آيات سابقة أو لاحقة ، إلاّ بعد التأكّد القطعيّ من أصالة التّرتيب الموجود بينها وبين قريناتها في جملة من آيات نزلت دفعةً واحدةً»(1) . هذا هو كلام الشيخ معرفة .
قال العلاّمة الطباطبائي في كتابه القرآن في الإسلام :
« . . . والآيات والسّور القرآنية لم تنزل قطعاً على الترتيب الذي نقرؤه في القرآن اليوم ، بأن تكون أوّلا سورة الفاتحة ثمّ سورة البقرة ثمّ سورة آل عمران ثمّ سورة النساء وهكذا; لأنّه بالإضافة إلى الشواهد التاريخية على ذلك فإنّ مضامين الآيات نفسها تشهد عليه; لأنّ بعض السّور والآيات لها مضامين تناسب أوائل زمن البعثة ، وهي واقعة في أواخر القرآن كسورة العلق والنون ، وبعضها تناسب ما بعد الهجرة وأواخر عصر الرسول ، وهي واقعة في أوائل القرآن كسورة البقرة وآل عمران والنساء والأنفال والتوبة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) التمهيد في علوم القرآن 1 / 214 ـ 217 .

صفحه 33
إنّ اختلاف مضامين السور والآيات وارتباطها الكامل بالأحداث والحوادث التي وقعت طيلة أيّام الدّعوة يفرض علينا القول بأنّ القرآن نزل في ثلاث وعشرين سنة عصر الدّعوة النبوية .
فمثلا الآيات التي تدعو المشركين إلى الإسلام ونبذ عبادة الأوثان تناسب مع عصر قبل هجرة الرسول من مكّة; حيث ابتلي الرسول بالوثنيّين . وأمّا آيات القتال وآيات الأحكام فقد نزلت في المدينة المنوّرة; حيث أخذ الإسلام ينتشر ، وأصبحت المدينة تشكّل حكومة إسلامية كبرى»(1) .
والكلام عن هذا الموضوع طويل قد نعود إليه لاحقاً . وعليه فالنظم البديع القرآني والإعجاز البلاغي فيه دليل على عظمته وأنّه النازل من عند الله جلّ وعلا ; لأنّه سبحانه تحدّاهم أن يأتوه (بِسُورَة مِن مِثْلِهِ)(2) أو : (بِعَشْرِ سُوَر مِثْلِهِ مُفْتَرَيَات)(3) رغم نزوله منجّماً ـ لدواعي وأسباب مختلفة ـ في مدّة عشرين عاماً أو أكثر ، كلّ ذلك يؤكّد كونه من عند الله (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً) .
وأنّ إنزاله دفعة واحدة يؤكّد علم الله بكلّ الوقائع والأحداث التي ستأتي لاحقاً ، وعلمه بما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة .
وقد يفهم من اعتراض الكفّار على الرسول(صلى الله عليه وآله) في لزوم نزول القرآن جملة واحدة في قوله تعالى (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) القرآن في الإسلام : 119 ـ 123 .
(2) البقرة : 23 ، يونس : 38 .
(3) هود : 13 .
صفحه 34
جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا * وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَل إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً) ، بأنّهم عرفوا نزول الكتب السماوية قبل النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله) جملة واحدة ، فلماذا يرون نزول القرآن منجّماً الآن؟
قالوا بذلك لأنّهم كانوا لا يعلمون بإنزالها دفعة واحدة قبل نزولها منجّماً على رسوله ، وأنّ الله سبحانه لم يكذّبهم فيما ادّعوه عن الرسالات السابقة ، بل أجابهم ببيان الحكمة في نزول القرآن مفرّقاً .
ولو كان نزول الكتب السابقة مفرّقاً ـ كالقرآن ـ لردّ عليهم سبحانه بالتكذيب ولقال لهم إنّها سنّة الله وسنّة المرسلين من قبله(صلى الله عليه وآله) كما جاء في ردّه عليهم في قوله : (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ)(1) ، جواباً لطعنهم في الرسول وقولهم : (مَالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ)(2) .
إذن كانت هناك فائدة عظيمة في نزولها دفعة واحدة مثل نزولها منجّمة ، وهي الحفاظ على النسق ووحدة السبك بين آياته وسوره ، إذ ترى وحدة النسق والتلاحم فيما بين أوائل الآيات وأواخرها مشهوداً حسبما نقله الزركشي عن بعض الأئمّة : (ترتيب وضع السور في المصحف)(3) من برهانه فراجع .
إنّ مسألة عرض القرآن على رسول الله(صلى الله عليه وآله) من قبل جبريل(عليه السلام) كانت
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الفرقان : 20 .
(2) سورة الفرقان : 7 .
(3) البرهان في علوم القرآن 1 / 260 .
صفحه 35
فيها فائدة عظيمة أخرى ، وهي تعيين أماكن الآيات من كلّ سورة في قرآن التلاوة بعد نزولها منجّماً في وقائع مختلفة بأمر الله .
وبمعنى آخر : إرجاع القرآن إلى ترتيب النزول الدفعي والنازل من اللوح المحفوظ إلى البيت المعمور أو على صدر محمّد(صلى الله عليه وآله) .
وأنّ في كلامه(صلى الله عليه وآله) : (ضعوا الآية الفلانية في المكان الفلاني من السورة الفلانية) ، أو قوله(صلى الله عليه وآله) : (أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية . . . في سورة النحل) .
أو في قول جبريل(عليه السلام) : (ضعوا كذا في موضع كذا) ، أو : (يا محمّد ضعها في رأس ثمانين ومائتين من البقرة) إشارة إلى هذا الأمر أي ضبط أماكن الآيات في السورة الواحدة ، وهو معنى قوله تعالى : (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيم خَبِير) وهذا ممّا يمكن قوله في سرّ إشراف رسول الله(صلى الله عليه وآله) على ترتيب الكتاب العزيز(1) ، وكذا في سبب عرض جبريل(عليه السلام) القرآن على رسول الله(صلى الله عليه وآله) كلّ عام ; لأنّ الله سبحانه كان قد قال لرسوله(صلى الله عليه وآله) : (سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى) ورسول الله(صلى الله عليه وآله) هو المبلّغ الصادق الأمين ، فما يعني عرض رسول الله(صلى الله عليه وآله) القرآن على جبريل ، أو عرض جبريل القرآن على رسول الله(صلى الله عليه وآله) كلّ عام ; إلاّ أن يكون هو الحفاظ على
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) فقوله(صلى الله عليه وآله) الآيتان من آخر سورة البقرة . أو : الآيات الأخيرة من سورة الكهف . أو : كذا وكذا ، يؤكّد على إشراف رسول الله(صلى الله عليه وآله) على ترتيب المصحف ، لأنّ تأكيده على قراءة الآيات العشر من آخر سورة كذا فيها دلالة على ختم تلك السورة وبدء سورة اُخرى بعدها .
صفحه 36
نصّه ولزوم قراءته طبق ما نزل من اللوح المحفوظ إلى البيت المعمور أو إلى سماء الدنيا أو على صدر النبي محمّد(صلى الله عليه وآله) ، فلا يستبعد أن يكون ترتيب المصحف اليوم هو ما يوافق ما نزل من اللوح المحفوظ ; لأنّ الله لم يجوّز لرسوله أن يقرأ القرآن قبل أن يقضي به الوحي ، فكيف يرضى للمسلم أن يقرأ آيات القرآن في صلاته قبل إكمال آيات تلك السور وقضى الوحي به؟! لقوله تعالى : (لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَاْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) وقوله تعالى : (وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَبِّ زِدْنِي عِلْماً) .
3 ـ الجمع والتأليف :
في جمع القرآن عدّة أقوال :
1 ـ الجمع في عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) .
2 ـ الجمع بعد وفاته(صلى الله عليه وآله) مباشرة بواسطة الإمام علي(عليه السلام) .
3 ـ الجمع في عهد الشيخين .
4 ـ الجمع في عهد عثمان بن عفّان .
1 ـ الجمع في عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) :
أشرنا قبل قليل إلى النزول التدريجي للقرآن ، وأنّ جبريل أمر نبيّه(صلى الله عليه وآله)

صفحه 37
في إرجاع تلك الآيات إلى أماكنها من قرآن التلاوة ، والرّسول(صلى الله عليه وآله) أمر كَتَبَة الوحي أن يقوموا بذلك; لحرصه على دينه وكتاب ربّه .
وسؤالنا الآن : أين ذهب ذلك المصحف المدوَّن تحت نظر جبريل ورسوله؟ أو قل : أين ذهبت تلك المدوّنات من قبل الصحابة والتي سيأتي ذكرها بعد قليل؟
بل هل يصحّ التشكيك في وجود هكذا مصحف على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) بدعوى عدم إتمام الوحي وإمكان نسخ بعض آياته; لأنّ الآيات لو جمعت بين الدفّتين في مصحف وجاء النسخ للزم تبديلها وتغييرها على استمرار؟
وهذا الإِشكال غير واقعي بنظرنا ; لأنّ المسلمين كانوا قطعاً يقرءون بعض السور في صلاتهم بمكّة ، فقد يكون بعض الصحابة جمعوا تلك السور التي تعلّموها في مصاحف لهم ـ على تفاوت في الجمع ـ ويقرءون فيها .
كما في جمع : الأنعام ، والأعراف ، ويونس ، وإبراهيم ، وق ، والذاريات ، والطور ، والنجم ، والقمر ، والواقعة .
والآخر جمع : الحجر ، والإسراء ، والكهف ، ومريم ، والروم ، ولقمان ، والسجدة ، والأعلى ، والغاشية ، والفجر ، والملك .
وثالث جمع : طه ، والأنبياء ، والمؤمنون ، والفرقان ، والشعراء ، والنمل ، والقصص ، والعنكبوت ، وسبأ ، وفاطر ، ويس .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
صفحه 38
ورابع : الصافّات ، وص ، والزمر ، وغافر ، وفصّلت ، والشورى ، والزخرف ، والدخان ، والجاثية ، والأحقاف ، والجنّ ، ونوح .
وقد يكون فيما أخرجه أبي داود وابن ماجة عن أُوس بن حذيفة إِشارة إلى أنّ فكرة تأليف القرآن على أحزاب جاءت من خلال أمثال هذه الرواية ، . . . «فقال : كنت في الوفد الذين أتوا رسول الله(صلى الله عليه وآله) أسلموا من ثقيف من بني مالك ، أنزلنا في قبّة له ، فكان يختلف إلينا بين بيوته وبين المسجد ، فإذا صلّى العشاء الآخرة انصرف إلينا ولا نبرح حتّى يحدّثنا ويشتكي قريشاً ويشتكي أهل مكّة ثمّ يقول : لا سواء ، كنّا بمكّة مستذلّين ومستضعفين فلمّا خرجنا إلى المدينة كانت سجال الحرب علينا ولنا ، فمكث عنّا ليلة ثمّ لم يأتنا حتّى طال ذلك علينا بعد العشاء ، قال : قلنا : ما أمكثك عنّا يا رسول الله ؟ قال : طرأَ عليّ حزب من القرآن ، فأَردت أَن لا أخرج حتّى أَقضيه ، قال : فسألنا أصحاب رسول الله حين أصبحنا ؟ قال : قلنا : كيف تحزّبون القرآن ؟ قالوا : نحزّبه ثلاث سور وخمس سور وسبع سور وتسع سور وإحدى عشرة سورة وثلاث عشرة سورة »(1) .
فكما أنّ السورة أو الآية تسمّى قرآناً في بعض الروايات فلا يستبعد أن يسمّى الحزب مصحفاً أيضاً .
وأنّ رسول الله حينما حبَّذ القراءة في المصاحف كان يعني تلك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سنن أبي داود 2 / 55 / 1393 ، الباب 327 ، تحزيب القرآن ، وسنن ابن ماجة 1 / 427 / 1345 ، الباب 78 في كم يستحبّ أن يختم القرآن مسند أحمد 4 / 9 / 16211 ، حديث أوس بن أبي أوس الثقفي .
صفحه 39
السور المجاز قراءتها في الصلاة ، والتي تجاوزت النسخ وأمضيت من قبل جبريل(عليه السلام) وثبتت قرآنيّتها عند الله ورسوله .
ويمكن أن يسأل من يعتقد بوجود مصحف على عهد النبيّ(صلى الله عليه وآله)مخالفيه بالقول : هل وقفتم على نصّ لرسول الله(صلى الله عليه وآله) يدعو أصحابه لرفع الآية المنسوخة الفلانية من مصاحفهم مثل ما أمرهم بوضع الآية الفلانية في المكان الفلاني من القرآن؟
بل هل يمكن لأحد أن يدّعي عدم نسخ آية من القرآن في كلّ تلك الفترة من تاريخ الدعوة؟
فما يعني عدم إرشاده(صلى الله عليه وآله) إلى مكان المنسوخ ودعوته إلى رفعه؟
إنّ ما قالوه يدعونا إلى تسخيف جعل النسخ ذريعة لعدم جمع القرآن على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) .
بل كيف يقول النبيّ(صلى الله عليه وآله) : «ضعوها في مكان كذا من سورة كذا» لو لم يكن ذلك بأمر من الله وقد نزل عليه بواسطة جبريل الأمين؟! .
وأختم كلامي بما علّله الخطّابي وغيره في عدم جمع القرآن على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) إذ قال :
«يحتمل أن يكون(صلى الله عليه وآله) إنّما لم يجمع القرآن في المُصْحَف لما كان يترقّبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته ، فلمّا انقضى نزوله بوفاته(صلى الله عليه وآله) ألهم الله الخلفاء الرّاشدين ذلك ، وفاء بوعده الصّادِق بضمان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
صفحه 40
حفظه على هذه الأُمّة ، فكان ابتداء ذلك على يد الصِّديق بمشورة عمر»(1) .
ويؤيّده ما أخرجه ابن أبي داود في المصاحف بإسناد حسن عن عَبْد خَيْر قال : «سمعت عليّاً يقول : أعظم النّاس في المصاحف أجراً أبوبكر ، فإنّه أوّل من جمع بين اللوحين»(2) .
فالمقدّمة والذيل باطلتان ; لأنّ الرسول(صلى الله عليه وآله) كان قد دوّن الآيات ورتّب السور وكلّف عليّاً أنْ يجمعها بين الدفّتين ، فأيّ الاحتمالين أقرب إلى المنطق والعقل ، هل جمع الإمام عليٍّ أم جمع الخلفاء الثلاثة ؟
هذا ويمكن للقائلين بوجود مصاحف على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله)الإشارة إلى النصوص الموجودة في الصحاح والسنن .
الأخبار الدالّة على وجود مصحف على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) :
هناك أخبار كثيرة دالّةٌ على وجود مصحف عند النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، وقد كتب على عهده(صلى الله عليه وآله) لا من بعده ونذكرها دلالةً على المقصود :
1 ـ روى عثمان بن أبي العاص خبر وفد ثقيف ، فقال عثمان : « . . . فدخلت على رسول الله فسألته مصحفاً كان عنده فأعطانيه»(3) .
2 ـ وعن أبي نضرة ، قال : «أتينا عثمان بن أبي العاص يوم جمعة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الإتقان في علوم القرآن 1 / 160 / 746 ، النوع الثامن عشر جمعه وترتيبه .
(2) المصاحف 1 / 154 ، ح15 ـ 20 .
(3) الآحاد والمثاني 3 / 191 / ح 1528 ، المعجم الكبير 9 / 61 / ح 8393 وعنه في مجمع الزوائد 9 / 371 .

صفحه 41
لنعرض على مصحفه مصحفاً لنا»(1) .
3 ـ وعن ابن عبّاس أنّه قال : «كانت المصاحف لا تباع; كان الرجل يأتي بورقه عند النبيّ فيقوم الرجل فيحتسب فيكتب ، ثمّ يقوم آخر فيكتب ، حتّى يفرغ من المصحف»(2) .
4 ـ وفي الكافي عن روح بن عبدالرحيم عن أبي عبدالله ]الصادق(عليه السلام)[ ، قال : «سألته عن شراء المصاحف وبيعها؟ ]فقال[ : إنّما كان يوضع الورق عند المنبر وكان ما بين المنبر والحائط قدر ما تمرّ الشاة أو رجل منحرف(3) ، قال : فكان الرجل يأتي ويكتب من ذلك ، ثمّ إنّهم اشتروا بعد ذلك .
قلت : فما ترى في ذلك؟
قال : أشتري أحبّ إليَّ من أن أبيعه .
قلت : فما ترى إن أُعطي على كتابته أجراً ؟
قال : لا بأس ، ولكن هكذا كانوا يصنعون»(4) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المعجم الكبير 9 / 60/ ح 8392 ، تاريخ دمشق 1 / 197 ، 2 / 226 .
(2) السنن الكبرى للبيهقي 6 /16/ ح 10848 ، الدرّ المنثور 1/204 . وفي المصاحف 2 / 580 / ح 559 عن علي بن الحسين قال : كانت المصاحف لا تباع ، قال : وكان الرجل : يجيء بورَقِه عِند المنبر ، فيقول : من الرّجل يحتسب فيكتب لي ؟ ثمّ يأتي الآخر فيكتب ، حتى يتم المصحف .
(3) أي متمايل إلى جانب ما .
(4) الكافي 5 / 122 / ح 3 ، التهذيب 6 / 366 / ح 174 .

صفحه 42
5 ـ ويؤيّده ما رواه مسلم ، عن ابن الأكوع : «أنّه كان يتحرّى موضع
مكان المصحف يُسبِّح فيه ، وذكر أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) كان يتحرّى ذلك المكان ، وكان بين المنبر والقبلة قدر مَمَرِّ الشاة»(1) .
6 ـ وممّا يمكن أن يستدلّ به على أنّ القرآن كان محفوظاً وموجوداً على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) وممّا يُكتب عند المسلمين هو ما روي عن أبي سَعِيْد الخُدريِّ : «لاتكتبوا عنّي شيئاً سوى القرآن ، من كتب شيئاً سوى القرآن فليمحه»(2) .
أو ما رواه أبو هريرة عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) : «أكتاباً غير كتاب الله تريدون؟»(3)الدَّالاّن على وجود كتاب الله بين أيدي الناس .
7 ـ وكذا قوله(صلى الله عليه وآله) : «لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب»(4) أو «من صلّى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج»(5) وغير ذلك من الأخبار ، خاصّة تلك التي صدرت في آخر عهد النبوّة حيث كان الكتاب كلّه منزلاً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح مسلم 1 / 364 / ح 509 ، الجمع بين الصحيحين 1 / 572 /ح 950 في المتّفق عليه من مسند سلمة بن الأكوع .
(2) مسند أحمد 3 / 12 / ح 11100 ، 3 / 21 / ح 11174 ، 3 / 56 / ح 11553 وانظر صحيح مسلم 4 / 2298 / ح 3004 .
(3) تقييد العلم : 33 .
(4) سنن البيهقي الكبرى 1 / 236 / 355 ، 2 / 63 / 2306 ، 167 / 2758 ، وانظر سنن الترمذي 2 / 25 / 247 ، الباب 48 ما جاء أنّه لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب .
(5) صحيح مسلم 1 / 297 / 395 ، باب وجوب قراءة الفاتحة .
صفحه 43
مدوّناً على العسب(1) واللخاف(2) والأديم والأكتاف(3) والأقتاب(4) والرقاع(5)والحرير(6) والقراطيس(7) ; فلا يبعد أن يكون المقصود هو الكتاب المدوّن الكامل ; لأنّ اسم الكتاب لا يصحّ إِطلاقه عرفاً إلاّ بعد كتابته وترتيب أوراقه ومطالبه ، فإذا كانت المطالب متفرّقة وغير مدوّنة ومتشتّتة لا يمكن تسميته كتاباً ; لأنّ الكتاب مصدر سُمّي به المكتوب ، فتسمية القرآن بالكتاب قد جاء بعد تدوينه وجمعه في مصاحف وإن لم تكن شاملة لجميع سور القرآن .
وقد تأكّد إطلاق اسم الكتاب على القرآن بعد هجرة النبيّ(صلى الله عليه وآله) إلى المدينة; إذ قال سبحانه في أوّل سورة البقرة المدنية : (ذلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) غير منكرين بأنّ كلمة الكتاب قد وردت في جملة من الآيات والسور المكّية أيضاً كقوله تعالى : (أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ)(8) وقال تعالى : (تَنزِيلُ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ)(9) وقال تعالى :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) العُسُبْ : جمع العسيب ، جِرّيدة من النخل كُشِط خوصها .
(2) اللِّخاف : جمع اللَّخْفه ، حجارة بيض الرّقاق .
(3) الأكتاف : جمع كتف وهو عظم الإبل أو الشاة .
(4) الأقتاب : جمع قتب وهو الخشب الذي كانوا يضعونه على ظهر البعير ليركبوا عليه .
(5) الرقاع : جمع رقعة ولها معنى واسع يشمل أوراق الأشجار وجلود الحيوانات وكلّ ألوان الورق الأخرى .
(6) الحرير : نسيج كانوا يكتبون القرآن أحياناً عليه .
(7) القراطيس : جمع قرطاس وهو الورق .
(8) سورة العنكبوت : 51 .
(9) سورة السجدة : 2 .
صفحه 44
(الرتِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ)(1) ، لكن مجيئها في السور المدنية لها دلالتها الخاصّة .
ومعنى هذه الآيات أنّ هذا الكتاب كان قد دوّن وجمع ، فهو موجود قد تحقّق مصداقه من خلال جمع بعض أجزائه أيّام رسول الله(صلى الله عليه وآله) في العُسُبْ واللِّخاف والورق وأمثالها وإن لم يكن جمعاً كاملاً ، أي أنّه أطلق عليه لفظ الكتاب من باب إطلاق الجزء على الكلّ أو من باب المشارفة ، وأنّه سيكون كتاباً مجموعاً بين الدفّتين بعد وفاة النبيّ لوجود مفرداته ناهيك عن كونه كتاباً محفوظاً في اللوح المحفوظ ، ولا يخفى عليك أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) أشار إلى ذلك الكتاب في حديث الثقلين الآتي أيضاً .
8 ـ قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) في حديث الثقلين : «إنّي مخلّف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي»(2) ، فإنّ قول رسول الله(صلى الله عليه وآله) وقول عمر بن الخطّاب من بعده : «حسبنا كتاب الله»(3) يشعران بوجود آيات وسور مدوّنة تستوجب إطلاق اسم الكتاب عليها .
لأنّ قوله(صلى الله عليه وآله) في صدر خبر رزيّة يوم الخميس : «ائتوني بكتف ودواة كي أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعدي أبداً» ، وتعقيب عمر عليه بـ : «حسبنا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة يونس : 1 .
(2) المستدرك على الصحيحين 3 / 118 / ح 4576 ، قال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرّجاه .
(3) صحيح البخاري 4 / 1612 / ح 4169 ، 5 / 2146 / ح 2345 ، صحيح مسلم 3 / 1259 / ح 1637 .

صفحه 45
كتاب الله» يؤكّدان على وجود كتاب مدوّن بين أيدي المسلمين أحالهم عليه .
ولا يمكن القول بأنّه كان في صدورهم فقط; لأنّ الرسول(صلى الله عليه وآله) قال لهم : «ائتوني بكتف ودواة كي أكتب لكم كتاباً» ثمّ قول عمر : «حسبنا كتاب الله» ; لأنّ الكتاب لا يطلق على الألفاظ بل يطلق على المدوّن المكتوب .
قال الإمام الخوئي معقّباً على حديث الثقلين بقوله : «وفي هذا دلالة على أنّه كان مكتوباً مجموعاً ، لأنّه لا يصحّ إطلاق الكتاب عليه وهو في الصدور ، بل ولا على ما كتب في اللِّخاف والعُسُبْ والأكتاف ، إلاّ على نحو المجاز والعناية ، والمجاز لا يحمل اللفظ عليه من غير قرينة ، فإنّ لفظ الكتاب ظاهر فيما كان له وجود واحد جمعي ، ولا يطلق على المكتوب إذا كان مجزّءاً غير مجتمع فضلاً عمّا إذا لم يكتب وكان محفوظاً في الصدور فقط»(1) .
إذن كتاب الله كان موجوداً في الجملةِ بين أيدي الناس ، لكنّه لم يكن كاملاً ، بل النازل ـ إلى ذلك الحين ـ كان كلّه عند كلّهم ، على تفاوت في الجمع بينهم .
9 ـ وعن زيد بن ثابت قوله : «كنّا عند رسول الله(صلى الله عليه وآله) نؤلّف القرآن من ]في [الرقاع»(2) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البيان في تفسير القرآن : 271 .
(2) سنن الترمذي 5 / 734 / ح 3954 ، المستدرك 2 / 249 / ح 2901 ، 2 / 668 / ح 4217 ، صحيح بن حبّان 1 / 320 / ح 114 ، مصنّف ابن أبي شيبة 4 / 218 / ح 19448 ، 6 / 409 / ح 32466 ، المعجم الكبير 5 / 158 / ح 4933 ، مسند أحمد 5 / 184 / ح 21647 وغيرها .

صفحه 46
وقال صاحب المرقاة بعد أن أورد الحديث : «أي يؤلّفون ما ينزل من الآيات المفرَّقة ويجمعونها في سورها بإشارته»(1); قاله البيهقي ، ومن ثَمَّ قال الخطّابي : «كتب القرآن كلّه في عهد رسول الله لكنّه كان غير مجموع في موضع واحد ولا مرتَّب السور»(2) .
وكلام الخطّابي إن قصد فيه غير مجموع كاملاً فهو صحيح; لأنّ الوحي لم ينتهِ بعد .
أمّا لو عنى بكلامه غير مجموع وحتّى ناقصاً عند الصحابة فقد أخطأ; لأنّ الصحابة كانوا يدوّنون كلّ ما يسمعونه من القرآن فما نقص عند أحدهم أكمله الآخر ، فهم عندما كانوا يعودون من السفر كانوا يسألون عن نزول السور الجديدة فيتعلّمونها حفظاً ويدوّنونها كتابة ، وبذلك يكون القرآن مكتوباً كلّه عند جميعهم ، وهذا هو مانريد قوله : بأنّ للصحابة صحفاً أو مصاحفَ ، فقد يكون مصحف أحدهم أكمل من الآخر ، فكان الصحابي يسمِّي كتابه مصحفاً أو قرآناً من باب تسمية الجزء باسم الكلّ ، فيقال لعشر سور من القرآن قرآن ومصحف من باب التغليب ، وكذا يقال لخمس عشرة سورة من القرآن قرآن ومصحف ، وهكذا .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مرقاة المفاتيح 1 / 456 ، 5 / 102 .
(2) المرقاة 1 / 456 ، انظر الإتقان : 160 / ح 746 ، فتح الباري 9 / 12 عن الخطابي .
صفحه 47
ويؤيّد هذا ما جاء في سنن النسائي بسند صحيح عن ابن عمرو قال : «جمعت القرآن فقرأت به كلّ ليلة فبلغ النبيّ فقال : إقرأهُ في شهر»(1) .
فعبد الله بن عمرو سمّى ما جمعه (قرآناً) وهو يعلم علم اليقين بأنّ القرآن المجموع عنده ليس جميع القرآن; لأنّ نزول الوحي لم ينته بعد .
وهذا هو الذي دعا النبيّ(صلى الله عليه وآله) أن يوصي الإمام عليّ(عليه السلام) أن يجمع القرآن بعد جمعه(صلى الله عليه وآله) له ، أي أنّه(عليه السلام) جمع القرآن كلّه في مصحف بين الدفّتين ، إذ ليس غيره يعرف مكان الآيات الأخيرة في القرآن بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) .
10 ـ وعن عليٍّ(عليه السلام) قال : «ما كتبنا عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) إلاّ القرآن وما في هذه الصحيفة»(2) .
11 ـ وعن عثمان بن عبدالله بن أوس ، عن جدّه ، عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) أنّه قال : «من قرأ القرآن في المصحف كانت له ألفا حسنة ، ومن قرأه في غير المصحف فأظنّه قال : كألف حسنة»(3) .
12 ـ وعن أوس الثقفي ، عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنّه قال : «قراءة القرآن في غير المصحف ألف درجة ، وقراءته في المصحف تضعف على ذلك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) السنن الكبرى 5 / 24 / ح 8064 ، صحيح بن حبّان 3 / 33 / ح 756 .
(2) صحيح البخاري 3 / 1160 / ح 3008 ، سنن أبي داود 2 / 216 / ح 2034 ولنا تعليق على هذا الخبر لاحقاً .
(3) البرهان في علوم القرآن 1 / 462 عن البيهقي في شعب الإيمان 2 / 407 / ح 2217 .
صفحه 48
ألفي درجة»(1) .
13 ـ وعن عائشة : « . . . والنظر في المصحف عبادة»(2) .
14 ـ وعن ابن مسعود مرفوعاً : «من سرّه أن يحبّ الله ورسوله فليقرأ في المصحف»(3) .
وعنه موقوفاً : «أديموا النظر في المصحف»(4) .
15 ـ وعن أبي سعيد الخدري ، عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) قال : «أعطوا أعينكم حظَّها من العبادة .
قالوا : وما حظّها من العبادة يا رسول الله؟
قال : النظر في المصحف ، والتفكّر فيه ، والاعتبار عند عجائبه»(5) .
16 ـ وعن ابن عبّاس ، عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) : «من أدام النظر في المصحف مُتِّع ببصره ما دام في الدنيا»(6) .
17 ـ وعنه أيضاً أنّه عهد إلى عثمان بن أبي العاص : «لا تَمَسَّ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) شعب الإيمان 2 / 407 / ح 2218 ، المعجم الكبير 1 /221 / ح 601 ، مجمع الزوائد 7 / 165 .
(2) البرهان في علوم القرآن 1 / 463 ، أبو داود بسنده عن عائشة مرفوعاً ، وانظر الفردوس بمأثور الخطاب 4 / 297 / ح 6873 .
(3) حلية الأولياء 7 / 209 ، قال غريب ، وشعب الإيمان 2 / 408 / ح 2219 ، قال منكر .
(4) مصنّف عبدالرزّاق 3 / 362 / ح 5979 ، المعجم الكبير 9 / 139 / ح 8687 .
(5) الفردوس 1 / 105 / ح 352 ، نوادر الأصول 3 / 255 ، شعب الإيمان 2 / 408 / ح 2222 والمتن من عنده .
(6) كنز العمّال 1 / 269 / ح 2406 .
صفحه 49
المصحف وأنت غير طاهر»(1) .
18 ـ وعن أنس مرفوعاً : «سبعٌ يجري للعبد أَجْرُهُنَّ من بعد موته وهو في قبره ، وعدّ منهنّ : من وَرَّثَ مصحفاً»(2) .
19 ـ وعن حذيفة ، عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) : «من قرأ القرآن ظاهراً أو ناظراً حتّى يختمه غرس الله له به شجرة في الجنّة»(3) .
وروي أيضاً عن عبدالله بن الزبير قال : «قال رسول الله : من قرأ القرآن ظاهراً أو نظراً أعطي شجرة في الجنّة»(4) .
20 ـ وعن ابن الزبير ، عنه(صلى الله عليه وآله) أيضاً : «من ختم القرآن عن ظهر قلبه أو نَظَر أعطاه الله شجرة في الجنّة»(5) .
هذه مجموعة من الروايات الدالّة على وجود مصحف أو مصاحف على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) أو صحف تضمّ كلّ آيات القرآن الكريم إلى ذلك الحين ، سواء أكانت هذه الصحف متفرّقة عند آحاد الصحابة أم مجموعة عند مجموعهم .
ووجود ما يطلق عليهم كتّاب الوحي دليل على وجود صحف مكتوبة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كنز العمّال 1 / 309 / ح 2874 .
(2) حلية الأولياء 2 /344 ، شعب الإيمان 3 / 248 /3449 والمتن منه .
(3) كنز العمّال 1 / 269 / ح 2415 . ويعنى كلمة «ظاهر» من قرأها عن ظهر الخاطر و «ناظراً» من قرأها في المصحف .
(4) المعجم الأوسط 3 / 344 / ح 3351 ، مسند البزّار 6 / 148 / ح 2191 ، مستدرك الحاكم 3 / 638 / ح6344 .
(5) كنز العمّال 1 / 269 / ح 2414 .

صفحه 50
عندهم .
ومن هذا المنطلق انبلج خطأ ما ذهب إليه بعض أهل السنّة من أنّ المقصود من قولهم : «جمع القرآن على عهد رسول الله : أُبيّ بن كعب وعبدالله بن مسعود ومعاذ بن جبل وسالم مولى حذيفة»(1) ، هو جمعهم في القلوب والصدور لا الجمع في الصحائف والسطور ، فإنّهم لو أرادوا أن يقولوا بهذا الكلام فلا مزيدشرف وفضيلة لهؤلاء على غيرهم من الصحابة; لأنّ كثيراً من الصحابة قد حفظوا ما نزل من القرآن إلى ذلك الحين ولم يختصّ الأمر بأربعة أو ستّة أوعشرة أو أكثر من ذلك أو أقلّ .
قال أبو زهرة في المعجزة الكبرى : «وإنّ النبيّ لم ينتقل إلى الرفيق الأعلى إلاّ وقد جمع القرآن في صدر طائفة من الصحابة ، قيل : إنّ عددهم مائة أو يزيدون ، ونحن نرى أنّهم كانوا أكثر من ذلك عدداً; فإنّه قتل من القرّاء في إحدى مواقع الردّة عددٌ يزيد على السبعين وقيل على السبعمائة»(2) .
وقال الزرقاني : «فإنّ الذين حفظوا القرآن من الصحابة كانوا كثيرين حتّى كان عدد القتلى منهم ببئر معونة ويوم اليمامة أربعين ومائة»(3) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر : صحيح البخاري 3 / 1386 / 3599 ، الباب 47 مناقب زيد بن ثابت ، و4 / 1913 / 4717 ، الباب 8 القرّاء من أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله) ، ورواه مسلم في صحيحه بطريقين عن أنس 4 / 1914 / 2465 ، الباب 3 فضائل أبيّ بن كعب وجماعة من الأنصار .
(2) المعجزة الكبرى : 21 .
(3) مناهل العرفان 1 / 169 .
صفحه 51
قال القرطبي : «قد قتل يوم اليمامة سبعون من القُرّاء ، وقتل في عهد رسول الله ببئر معونة مثل هذا العدد»(1) .
قال أبو شامة في المرشد الوجيز : « . . . وحفظه في حياته من أصحابه وكلّ قطعة منه كان يحفظها جماعة كثيرة ، أقلّهم بالغون حدّ التواتر ، ورخّص لهم قراءته على سبعة أحرف توسعة عليهم . . .» إلى أن قال : «قال المازري : وإن لم يكمل القرآن سوى أربعة فقد حفظ جميع أجزائه مئون لا يحصون ، وما من شرط كونه متواتراً أن يحفظ الكلُ الكلُّ ، بل الشيء الكثير إذا روى كلَّ جزء منه خلق كثير علم ضرورة وحصل متواتراً»(2) .
والأعجب من ذلك أنّا نراهم يقولون بهذا وهم يعلمون بأنّ الحفظ ليس فيه مزيد شرف للصحابي ; لأنّ العربي الجاهلي كان قد اشتهر بقوّة حفظه ، حتّى أنّه كان يحفظ الأشعار والمعلّقات في أقلّ وقت ممكن ، إذ كان مغرماً بالأدب شعراً ونثراً ، وكان من دأب العرب أن يجتمعوا في أسواق مكّة : ذي المجاز وعكاظ وعرفات وغيرها يستمعون إلى قصائد شعرائهم ويحفظونها عن ظهر قلب .
وبما أنّ السور المكّية مع قصرها كانت أبلغ من قصائد العرب ، فكان المشركون يتسابقون لاستماع تلاوة رسول الله(صلى الله عليه وآله) في صلاة الليل ويحفظونها عن ظهر القلب استلذاذاً بقوّة الفصاحة وسموّ البلاغة ورفعة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الإتقان للسيوطي 1 / 193 / ح 979 ، مناهل العرفان 1 / 169 .
(2) المرشد الوجيز : 33 .
صفحه 52
التركيب فقال سبحانه (وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً) .
وقد اشتهر عن قادة قريش أنّهم كانوا يأتونه في الليل متنكّرين ليسمعون آياته ، وقد رأى أحدُهم الآخر فسأله متعجّباً : أنت هنا ؟! وأجابه : وكيف أنت هنا؟! ، فتعاهدا على أن لا يأتياه لكنّهما لم يطيقا فراق سماع آيات الله حتّى جاءاه فعرف أحدهما الآخر . . .
نعم كانت هذه هي قوّة القرآن التي لا يمكن للمشركين أن يغضّوا عنها وقد اشتهر كلام الوليد بن المغيرة في القرآن :
«والله لقد سمعت منه كلاماً ما هو من كلام الإِنس ، وما هو من كلام الجنّ ، وإنّ له لحلاوة ، وإنّ عليه لطلاوة ، وإنّ أعلاه لمثمر ، وإنّ أسفله لمغدق ، وأنّه ليعلو ولا يعلى عليه ، وما يقول هذا بشر . . .»(1) .
وقال نحو ذلك عمرو بن سلمة الجرمي : «كنت أتلقّى الركبان ـ أي المشركين عند عودتهم من الحج ـ فيقروني ما سمعوه حتّى جمعت قرآناً كثيراً»(2) .
فلو كان هذا شأن المشركين من العرب فهل هناك من فضيلة للصحابي إذا حفظ القرآن عن ظهر قلبه ، ألم يكن في هذا استخفاف
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الجامع لأحكام القرآن 19 / 72 .
(2) انظر : مصنّف ابن أبي شيبة 1 / 302 / 3456 ، الباب 16 من قال يؤمّ القوم أقرؤهم لكتاب الله ، والمعجم الكبير 7 / 48 / 6349 ، الباب 608 ، المعجم الأوسط 7 / 111 / 7007 .

صفحه 53
بالصحابة وبالرسول(صلى الله عليه وآله) والرسالة والقرآن؟! .
وبالجملة : فالنبيّ(صلى الله عليه وآله) لم يترك جمع كتاب ربّه بل كان أحرص عليه من غيره ، فإنّه(صلى الله عليه وآله) مضافاً إلى جمعه في الصدور فقد جمعه في السطور أيضاً .
قال السيّد الخوئي : «وفي الحثّ على القراءة في نفس المصحف نكتة جليلة ينبغي الإلتفات إليها وهو الإلماع إلى كلاءة القرآن عن الإندراس بتكثّر نسخة ، فإنّه لو اكتفى بالقراءة عن ظهر القلب لهجرت نسخ الكتاب ، وأدّى ذلك إلى قلّتها ، ولعلّه يؤدّي أخيراً إلى إنمحاء آثارها .
على أنّ هناك آثاراً جزيلة نصّت عليها الأحاديث لا تحصل إلاّ بالقراءة في المصحف ، منها قوله : (متّع ببصره) وهذه الكلمة من جوامع الكلم ، فيراد منها أنّ القراءة في المصحف سبب لحفظ البصر من العمى والرمد ، أو يراد منها أنّ القراءة في المصحف سبب لتمتّع القارئ بمغازي القرآن الجليلة ونكاته الدقيقة ; لأنّ الإنسان عند النظر إلى ما يروقه من المرئيّات تبتهج نفسه ، ويجد انتعاشاً في بصره وبصيرته ، وكذلك قارئ القرآن إذا سرّح بصره في ألفاظه وأطلق فكره في معانيه وتعمّق في معارفه الراقية وتعاليمه الثمينة يجد في نفسه لذّةَ الوقوف عليها ومتعة الطموح إليها ويشاهد هشّه من روحه وتطلّعاً من قبله»(1) .
قال القاضي أبو بكر الباقلاّني : «وما على جديد الأرض أجهل ممّن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البيان في تفسير القرآن : 35 .
صفحه 54
يظنّ بالنبيّ أنّه أهمل في القرآن أو ضيّعه ، مع أنّ له كُتّاباً أفاضل معروفين بالانتصاب لذلك من المهاجرين والأنصار ، فممّن كتب له من قريش من المهاجرين : أبوبكر وعمر وعثمان وعليّ وخالد بن سعيد ، وذكر أهل التفسير أنّه كان يملي على خالد بن سعيد ثمّ يأمره بطيّ ما كتب وختمه»(1) .
وأنّ قصّة عمر بن الخطّاب مع أخته وصهره على أخته وقراءتهما في صحيفة كانت فيها سورة طه في مكّة(2) لتؤكّد وجود صحف الذكر الحكيم في أوائل الدعوة ، فكيف لا تكون موجودة أيضاً في نهايتها في المدينة المنوّرة مع أن له كتّاباً مخصوصين لذلك يطلق عليهم كتّاب الوحي؟!
مع العلم بأنّ الدعوة الإسلامية قائمة على الذكر الحكيم والسنّة المطهّرة ، والنبيّ(صلى الله عليه وآله) كان عالماً باختلاف أمّته من بعده وموت الصحابة وقتلهم في سبيل نشر الدعوة الإسلامية في الزمن اللاّحق يفضي إلى الضياع من دون افتراض وجود صحف مدوّنة ، وكلّنا يعلم اختلاف ترتيب الصحابة مصاحف على عهد الخلفاء ، مع أنّ القرآن كلّه كان مدوّناً على العُسُبْ واللِّخاف والأديم فكيف لو لم يكن كذلك ؟
فكيف يعقل إهمال رسول الله(صلى الله عليه وآله) لكتابة كتاب ربّه ، وهو المرغِّب بتلاوته ، والمشجِّع على لزوم تعليمه وقراءته آناء الليل وأطراف النهار؟!
والحاصل ; فمن شذّ قائلاً : لا يوجد مصحف مكتوب على عهد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نكت الانتصار : 100 .
(2) انظر فضائل أحمد 1 / 280 ، سيرة ابن هشام 2 / 188 ، الاكتفاء بما تضمّنه مغازي رسول الله 1 / 251 .

صفحه 55
رسول الله ولو مفرّقاً على العُسُبْ واللِّخاف والأديم فهو مستخفّ بكلّ الحقائق أعلاه ، أجلاها وأوضحها أنّه مستخفّ بالنبيّ(صلى الله عليه وآله) وطريقة حفظه للكتاب العزيز مدوّناً عن طريق كتّاب الوحي وغير ذلك .
وما أشبه هذا بقول القائلين : إنَّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) لم يستخلف أحداً من بعده وترك الأمّة هَمَلاً بدون راع وخليفة لإبعاد الإمام عليٍّ عن الخلافة .
وهذا ما قالوه في عِدْل العترة ـ أي القرآن المجيد ـ فقالوا : إنّه (صلى الله عليه وآله)ترك القرآن دون أن يدوِّنه أحد على عهده .
كما أنّهم قالوا : «إنّه(صلى الله عليه وآله) نهى عن كتابة حديثه»(1) .
وقالوا أيضاً : بأنّه(صلى الله عليه وآله) كان لا يعلم بأنّه نبيّ مرسل من قِبَلِ الله حتّى أخبره ورقة بن نوفل بن أسد ـ ابن عمّ خديجة ـ(2) . . . إلى غيرها من التَّقَوُّلات الباطلة والترّهات التافهة ، وغالبها أمور سلبية تمسّ بكرامة الله ورسوله ليس فيها جانب إيجابي .
والآن تراهم يقولون بعدم جمع القرآن على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، بل الأعظم من ذلك تراهم يستغلّون اسم الإمام عليّ(عليه السلام) لأهدافهم .
فالمشكلة لم تكن في جمع القرآن ووجود من جَمَعَهُ على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) أو عدمه من الصحابة ، بل المشكلة تبدو في عدم قبولهم مَن جمع القرآن مع تفسيره وتأويله ، محكمه ومتشابهه ، ناسخه ومنسوخه ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لنا دراسة في هذا المجال بعنوان «منع تدوين الحديث» .
(2) صحيح البخاري 1 / 2 .

صفحه 56
فتراهم لا يذكرون الإمام عليّاً ـ عناداً ـ في ضِمْنِ الجامعين للقرآن الحكيم ، مع أنّه هو عِدْلُ القرآن ، والأَولى بمعرفة ناسخه ومنسوخه من غيره من الصحابة ، وهذا واضح لمن راجع روايات تدوين القرآن وجمعه في كتب الجمهور .
وفي المقابل تراهم يذكرون المتأخّرين صحبةً لرسول الله(صلى الله عليه وآله) ضمن جامعي القرآن الكريم ، تاركين اسم أوّل القوم إسلاماً .
فلو عدّوا الخلفاء الثلاثة من الجامعين للذكر الحكيم ، فالإمام عليٌّ(عليه السلام)هو الأَوْلى بأن يكون منهم أيضاً ، مع غضّ النظر عن سابقته في الإسلام وقربه للنبيّ(صلى الله عليه وآله) وجهاده على تنزيل الكتاب وتأويله ، فإنّه كان يسمع رنّة الشيطان حين نزول الوحي على رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، وقد سأل رسول الله(صلى الله عليه وآله) عن تلك الرنّة ، فقال(صلى الله عليه وآله) : هذا الشيطان آيس من عبادتي ، إنّك تسمع ما أسمع وترى ما أرى إلاّ أنّك لست بنبي .
كلّ ذلك مع وجود الفارق بين الجَمْعَين .
فالخلفاء الثلاثة آمِرُوْنَ بجمع ما كان مدوّناً مفرّقاً عند الصحابة لا مباشرون له ، بينما كان الإمام عليٌّ(عليه السلام) مباشراً لتدوينه كلّه وجمعه بنفسه الكريمة .
وللشيخ محمود أبورية كلام مُوَجَّهٌ بهذا الصدد نذكره بتمامه ، قال تحت عنوان (غريبةٌ توجب الحَيْرَة) :«من أغرب الأمور ، وممّا يدعو إلى الحَيْرَة أنّهم لم يذكروا اسم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صفحه 57
عليٍّ(عليه السلام) في من عُهِدَ إليهم بجمع القرآن وكتابته ، لا في عهد أبي بكر ولا في عهد عثمان ! ويذكرون غيره ممّن هم أقلّ منه درجة في العلم والفقه! فهل كان عليٌّ لا يحسن شيئاً من هذا الأمر؟ أو كان من غير الموثوق بهم؟ أو ممّن لايصحّ استشارتهم أو إشراكهم في هذا الأمر؟
اللهمّ إنّ العقل والمنطق ليقضيان بأن يكون عليٌّ أوّل من يُعْهَد إليه بهذا الأمر ، وأعظم من يشارك فيه ، وذلك بما أتيح له من صفات ومزايا لم تتهيّأ لغيره من بين الصحابة جميعاً; فقد ربّاه النبيّ(صلى الله عليه وآله) على عينه ، وعاش زمناًطويلاً تحت كَنَفِهِ ، وشهد الوحي من أوّل نزوله إلى يوم انقطاعه ، بحيث لم يَنِدَّ عنه آية من آياته!!
فإذا لم يُدْعَ إلى هذا الأمر الخطير فإلى أيّ شيء يدعى؟!
وإذا كانوا قد انتحلوا معاذير ليسوِّغوا بها تخطّيهم إيّاه في أمر خلافة أبي بكر فلَمْ يسألوه عنها ولم يستشيروه فيها ، فبأيّ شيء يعتذرون من عدم دعوته لأمر كتابة القرآن؟ فبماذا نعلّل ذلك؟ وبماذا يحكم القاضي العادل فيه؟ حقّاً إنّ الأمر لعجيب ، وما علينا إلاَّ أن نقول كلمة لا نملك غيرها وهي :
لك الله يا عليّ! ما أنصفوك في شيء!»(1) .
فالإمام علي(عليه السلام) لم يستأ من عمل أولئك ولم يغضب من فعلهم ، بل تعامل معهم ومع ما جمعوه في المصحف تعاملاً حسناً ورضي بالموجود ;
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أضواء على السنّة المحمّدية :249 .

صفحه 58
لأنّ المجموع لم يخالف المتواتر بين المسلمين والمقروء عندهم على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) ; لأنّ الرسول لم يكن يسمح لأحد أن يُقرِئ الناس إلاّ بعد أن يُقرَأ عليه تلك الآيات ، وهذا ما قاله زيد بن ثابت .
أي أنّه(صلى الله عليه وآله) ـ وكما قالوا ـ كان يصحّح القراءات واللهجات الموجودة عند الصحابة آنذاك .
ومن الطبيعي أن تكون القراءة الصحيحة هي المكتوبة والموجودة في بيت رسول الله(صلى الله عليه وآله) والتي كتبها الإمام عليّ(عليه السلام) في حياته(صلى الله عليه وآله) ثمّ جمعها من بعد وفاته بين الدفّتين .
فهم من أجل أن ينكروا على الإمام هذه الفضيلة التي يشهد بها القاصي والداني والموافقة للعقل والمنطق والفطرة السليمة والتاريخ الصحيح ، فتراهم يريدون تخطّي فضيلة عليّ(عليه السلام) في جمع القرآن ناسبين إليه خلاف ذلك ، وقوله في أبي بكر : رحم الله أبا بكر ، هو أوّل من جمع بين اللّوحين !! .
وبتأمل بسيط يشهد الباحث بأنّ أمير المؤمنين هو الأولى بجمع القرآن من أبي بكر ; لأنّه عدا كونه أوّل كتّاب الوحي هو صهر الرسول(صلى الله عليه وآله) ، وزوج البتول(عليها السلام) وابن عمّه وهو أوّل القوم إسلاماً ، فهو الحريّ بجمع القرآن لا غيره ; لأنّه عدله وأحد الثقلين وأعلم الصحابة بالتنزيل والتأويل وشأن النزول .
وقد صرّح الإمام(عليه السلام) بأنّه اختصّ بخصائص لم تكن عند غيره من
صفحه 59
الصحابة ، منها : أنّه كان يخلو برسول الله(صلى الله عليه وآله) صباحاً ومساءاً ، وكان يسأله عن مسائل الشريعة والدين ، وإذا سكت ابتدره(صلى الله عليه وآله) بالكلام .
كانت هذه هي حالته(عليه السلام) مع رسول الله(صلى الله عليه وآله) حتّى وفاته ، ولأجل هذه الميزة خصّه الرسول(صلى الله عليه وآله) بجمع القرآن من بعده دون غيره ; لأنّه أمين الله في الأرض ، والعالم بالتنزيل والتأويل و . . .
ولأجل هذا كان يطلب من المسلمين أن يسألوه عن غوامض الأشياء وخصوصاً القرآن منها حتّى يوضّح لهم متشابهاتها ، بعكس عمر بن الخطّاب الذي ضرب صبيغاً(1) وجعله وضيعاً بعد أن كان سيّداً في قومه وذلك لسؤاله عن الذاريات والنازعات .
فقد جاء في تاريخ ابن عساكر : «أنّ الإمام(عليه السلام) خطب في عامه الذي قتل فيه فقال : أيّها الناس إنّ العلم يقبض قبضاً سريعاً ، وإنّي أُوشك أن تفقدوني فاسألوني ، فلن تسألوني عن آية من كتاب الله إلاّ أنبأتكم بها وفيما أنزلت وأنّكم لن تجدوا أحداً من بعدي يحدّثكم»(2) .
وعن أبي الطفيل أيضاً قال : «شهدت عليّاً يخطب وهو يقول : سلوني فوالله لا تسألوني عن شيء إلاّ أخبرتكم ، وسلوني عن كتاب الله فوالله ما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في الخبر : . . . فقال عمر : تسأل محدثة ؟! فأرسل عمر إلى رطائب من جريدة فضربه بها ، حتّى ترك ظهره دبرة ، ثمّ تركه حتّى برأ ، ثمّ عاد له ، ثمّ تركه حتّى برأ ، فدعا به ليعود له ، قال صبيغ : إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلاً جميلاً ، وإن كنت تريد أن تداويني فقد والله برئت ! . . .
(2) تاريخ ابن عساكر ترجمة الإمام 3/ 2 .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صفحه 60
في آية إلاّ وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار ، أم في سهل أم في جبل»(1) .
فعليّ ابن أبي طالب(عليه السلام) ـ وكما قلنا ـ كان الحريّ بجمع القرآن ; لأنّه كاتب الوحي ووصيّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، وأمين الله في أرضه ، وآخر الناس عهداً برسول الله(صلى الله عليه وآله) ، في حين نراهم يؤكّدون على زيد بن ثابت ويعتبرونه الشخص الوحيد الذي شهد العرضة الأخيرة ، والوحيد الذي شارك في جمع القرآن على عهد الثلاثة ، كما أنّهم يقولون عن معاوية أنّه خال المؤمنين وكاتب الوحي!! وقد ردّ الإمام الباقر(عليه السلام) كلّ هذه المزاعم بقوله : «ما ادّعى أحد من الناس أنّه جمع القرآن كلّه كما أنُزل إلاّ كذّاب ، وما جمعه وحفظه كما نزّله الله تعالى إلاّ عليّ بن أبي طالب والأئمّة من بعده(عليهم السلام)» .
وعنه(عليه السلام) : «ما يستطيع أحد أنّ يدّعي أنّ عنده جميع القرآن كلّه ظاهره وباطنه غير الأوصياء»(2) .
نعم إنّهم لا يعجبهم أن يأتوا باسم الإمام علي(عليه السلام) ضمن جامعي القرآن ، مع وقوفهم على مكانته وأولويّته فإنّهم لو أرادوا أن يأتوا باسمه ضمن جامعي القرآن لقالوا عنه بأنّه جمع القرآن عن حفظ لا عن تدوين وكتابة .
وما علينا إلاّ أن نقول : لك الله ما أنصفوك في شيء يا عليّ .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الاستيعاب 2/ 463 ترجمة الإمام ، تاريخ ابن عساكر 3/ 22 ، الاصابة 4/ 269 ، أنساب الأشراف 2/ 99 .
(2) أُصول الكافي 1 / 228 .
صفحه 61
تضعيف أخبار جمع الإمام عليّ(عليه السلام) للمصحف ، حقيقة أم وهم؟ :
أجل إنّهم لم يكتفوا بهذا ، بل راحوا يضعّفون(1) روايات جمع الإمام(عليه السلام) للمصحف ، بل قالوا عن جمعه : بأنّه لم يكن جَمْعَ تدوين وكتابة ، بل هو جمع حفظ في الصدور ، أو جَمْعاً من الصدور .
فقد أخرج السجستاني في المصاحف بسنده عن أشعث ، عن محمّد ابن سيرين ، قال : «لمّا توفّي النبيّ(صلى الله عليه وآله) أقسم عليّ أن لا يرتدي برداء إلاّ لجُمْعَة حتَّى يجمع القرآن في مصحف ، ففعل ، فأرسل إليه أبوبكر بعد أيّام : أَكَرِهْتَ إمارتي يا أبا الحسن؟
قال : لا والله ، إلاّ أنّي أقسمت أن لا أرتدي برداء إلاّ لجمعة ، فبايعه ثمّ رجع .
قال أبوبكر] السجستاني[ : لم يذكر المصحف أحد إلاّ أشعث ، وهو
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قال الآلوسي في روح المعاني 1 /22 «وما شاع أن عليّاً كرّم الله وجهه لمّا توفّي رسول الله تخلّف لجمعه ، فبعض طريقه ضعيف ، وبعضها موضوع ، وما صحّ فمحمول كما قيل على الجمع في الصدور ، وقيل : كان جمعاً بصورة أخرى لغرض آخر» انتهى .
فالضعيف الذي عناه الآلوسي إن كان يقصد به ما أخرجه أبو داود ـ في سننه الذي يعتبر من الصحاح الستّ ـ من طريق ابن سيرين فله طريق آخر أخرجه ابن الضريس عن ابن سيرين عن عكرمة عن عليّ .
وأمّا الموضوع فلا أدري هل عنى به المتواتر المنقول في هذا الأمر كالذي أخرجه الصنعاني في مصنّفه ، وابن سعد في طبقاته ، وابن أبي شيبة في مصنّفه ، وابن ضريس في فضائل القرآن وغيرهم من كبار علماءالعامّة ومحدّثيهم والذين ذكرنا أسماءهم في آخر هذا القسم من البحث .

صفحه 62
ليّن الحديث ، وإنّما رووا (حتّى أجمع القرآن) ، يعني أُتِمّ حفظه ، فإنّه يقال للذي يحفظ القرآن : قَدْ جَمَعَ القرآن»(1) .
وما قاله السجستاني من كون الأشعث (ليّن الحديث) لا يقبله كثير من الرجاليّين ، ولو راجعت تهذيب الكمال(2) لوقفت على أسماء رجاليّين يوثّقونه أو يحسّنونه أمثال يحيى بن مَعِيْن والعجلي وابن شاهين(3) والبزّار ، هذا أوّلاً .
وثانياً : إنّ ما قاله السجستاني : (لم يذكر المصحف أحد إلاّ أشعث) غير صحيح ، إذ ورد ذكر (المصحف) في روايات أُخرى ، أي أنّ لخبر الأشعث شاهداً صحيحاً من الأخبار الأُخرى .
وثالثاً : إنّ جملة (حتّى يجمع القرآن في مصحف) أدلّ دليل على كون الجمع هو جمع تدوين لا جمع حفظ ، لجمعه القرآن في مصحف بين الدفّتين .
أمّا ما قالوه عن الإمام أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) بأنّه جلس في بيته كي يجمع القرآن من صدره فهو باطِلٌ أَيْضاً; لأنّه ليست به حاجة إلى ذلك لاختصاصه بالنبيّ(صلى الله عليه وآله) وخُلُوِّه به في الليل والنهار وكتابة القرآن عنه فضلاً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر المصاحف للسجستاني 1 : 169/ح 31 ، وقد تابع السجستاني في التشكيك في ورود كلمة المصحف كلّ من ابن كثير في تفسيره 5 / 585 ، وابن حجر في فتح الباري 9 / 10 كتاب الفضائل باب 3 ، والعيني في عمدة القارئ 20 / 17 ، تحفة الأحوذي 8 / 407 ، مرقاة المفاتيح 5 / 104 .
(2) تهذيب الكمال 3 / 269 .
(3) تاريخ أسماء الثقات :36 / ت 70 .

صفحه 63
عن كتابته مع تفسيره وتأويله ، فمن كان هذا حاله فلا داعي لأنْ يجلس في بيته ويجمع القرآن من صدره ثانية .
وسؤالنا هو : لمن يجمع القرآن من صدره ، هل لأمّته وهم يتلون الكتاب ويعرفونه أم لنفسه ولا داعي له؟! .
بل كيف ينسبون إلى الإمام عليّ(عليه السلام) جمعه عن ظهر قلبه في الزمن المتأخّر وخليفتهم ينهى عن كتابة القرآن عن ظهر القلب؟!
فقد أخرج السجستاني في كتابه المصاحف بسنده عن قيس بن مروان أنّه : «جاء إلى عمر وهو بعرفة ، فقال : يا أميرالمؤمنين جئتك من الكوفة وتركت بها رجلاً يملي المصاحف عن ظهر قلبه ، قال : فغضب عمر وانتفخ حتّى كاد أن تملأ ما بين شُعْبَتَي الرجل قال : من هو ، ويحك؟ قال : هو عبدالله بن مسعود . . .»(1) .
فلو كان هذا حال عمر مع من يكتب القرآن عن ظهر قلبه ، فكيف يَرْتَضُوْنه بالنسبة إلى الإمام عليّ(عليه السلام) مع أنّه فعل كان لا يرتضيه خليفتهم عمر ابن الخطّاب؟!
فلو كان الحفظ بمعنى التدوين والتأليف عند الخلفاء الثلاثة ، فليكن كذلك عند الإمام أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) أيضاً . فلماذا يقبلون ذلك للخلفاء ولا يرتضون هذا لعليّ(عليه السلام) ويكيلون الأمور بمكيالين ؟!
ألم يكن الإمام أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) من الحَفَظَة والكَتَبَة والقُرَّاء
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المصاحف 2 / 510/ح 412 .

صفحه 64
والعلماء؟! إنّه تساؤل يبيّن عمق الظلامة لأمير المؤمنين(عليه السلام) .
أخبار مكذوبة :
بل الأنكى من كلّ ذلك أَنَّك تَراهُمْ ينسبون إلى الإمام عليّ(عليه السلام) أقوالاً يكذّبها الواقع التاريخي ومجريات الأحداث بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، وقد ذكرنا بعضها قبل قليل دون توضيح أبعادها .
فقد رووا عن سفيان ، عن السدّي ، عن عبد خير ، قوله : «سمعت عليّاً يقول : أعظمُ الناس أجراً في المصاحف أبو بكر ، رحمة الله على أبي بكر هو أوّل من جمع بين اللَّوْحَين»(1) .
قالوا ذلك قبالاً لما عُرف عن الإمام أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) من أنّه أوّل من جمع المصحف بين الدفّتين ، حيث أنّ المروي عن عبد خير نفسه أيضاً بخلاف ما جاء .
بل حكوا عنه(عليه السلام) أيضاً قوله في شرعية جمع عثمان للمصاحف : «لو لم يصنعه عثمان لصنعته»(2) ، أو قوله في نصّ آخر : «والله لو ولّيت لفعلت
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المصاحف 1 / 154/ح 17 باب جمع أبي بكر الصديق القرآن في المصاحف بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، قال السيوطي في الإتقان : «ومن غريب ما ورد في أوّل من جمعه ما أخرجه ابن اشته في كتاب المصاحف من طريق كهَمْسَ ، عن ابن بريدة قال : أوّل من جمع القرآن في مُصْحف سالم مولى أبي حذيفة ، أقسم لا يرتدي برداء حتّى يجمعه فجمعه» .
(2) المصاحف 1 / 177/ح 39 .

صفحه 65
مثل الذي فعل»(1) .
وصدور هذا الكلام عن الإمام عليّ(عليه السلام) وإن كان غير صحيح ، ولكن لو أحسنّا به الظنّ لقلنا : إنّ هدف الإمام(عليه السلام) كان رفع الاختلاف من بين المسلمين ، وهو منتهى هَمِّ الإمام وغمِّه ، لكنّهم بتصوّري ذكروا هذا كي يصحّحوا ما فعله عثمان من حرق المصاحف وليقولوا : بأنّ الإمام عليّاً(عليه السلام)رضي بعمل عثمان في حرق المصاحف ، كغيره من الصحابة!!
وممّا يؤيّد كلامنا ما حكوه عن المختار الثقفي ـ والذي أخرجه السجستاني في المصاحف ـ بسنده عن عقبة بن جرول الحضرمي ، قال : «لمّا خرج المختار كُنّا ـ هذا الحيّ من حضرموت ـ أوّل من يسرع إليه ، فأتانا سُوَيْدُ بْن غَفَلَةَ الجُعْفِيُّ فقال : إنّ لكم عَلَيَّ حقّاً وإنّ لكم جِواراً وإنَّ لكم قرابةً والله لا أحدّثكم اليوم إلاَّ شيئاً سمعته من المختار ، أقبلت من مكّة فإنّي لأسير إذ غمزني غامز من خلفي فإذا المختار ، فقال لي : يا شيخ ، ما بقي في قلبك من حبِّ ذلك الرجل ـ يعني عليّاً ـ؟ قلت : إني أُشْهِدُ الله أنّي أحبّه بسمعي وقلبي وبصري ولساني ، قال : ولكنْ أشهد الله أنّي أبغضه بقلبي وسمعي وبصري ولساني ، قال : قلتُ أَبيتَ واللهِ إلاَّ تثبيطاً(2) عن آل محمّد وترثيثاً(3) في إحراق المصاحف ـ أو قال : حَراق ، هو أحدها ، يشكّ أبوداود ـ فقال سويد : والله لا أحدّثكم إلاَّ شيئاً سمعته من عليّ بن أبي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ دمشق 39 / 245 ، 248 ، تاريخ المدينة 2 / 118 ـ 119 / ح 1719 .
(2) التثبيط : التسويف والتعويق .
(3) الترثيث : التضعيف في أمر الشيء . انظر لسان العرب 3/158 مادّة رثث .
صفحه 66
طالب ، سمعته يقول : يا أيّها الناس ، لا تغلوا في عثمان ولا تقولوا له إلاَّ خيراً ـ أوقولوا له خيراً ـ في المصاحف ، وإحراق المصاحف ، فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلاَّ عن ملأ مِنّا جميعاً .
فقال : ما تقولون في هذه القراءة؟ فقد بلغني أنّ بعضهم يقول : إنّ قراءتي خير من قراءتك ، وهذا يكاد أن يكون كفراً .
قلنا : فما ترى؟
قال : نرى أن يجمع الناس على مصحف واحد ، فلا تكون فرقة ولا يكون اختلاف .
قلنا : فنِعْمَ ما رأيت .
قال : فقيل : أيّ الناس أفصح ، وأي الناس أقرأ؟ قالوا : أفصح الناس سعيد بن العاص ، وأقرؤهم زيد بن ثابت ، فقال : ليكتب أحدهما ، ويملي الآخر ، ففعلا ، وجمع الناس على مصحف . قال : قال عليّ : والله لو وُلِّيتُ لفعلتُ مثل الذي فَعَلَ»(1) .
أجلْ إنّ الإمام أمير المؤمنين عليّاً(عليه السلام) لا يمانع من وحدة المسلمين وتوحيد المصاحف وأخذهم بأصل واحد ـ وخصوصاً لو كان الأخذ عن الأصل المكتوب بأمر رسول الله(صلى الله عليه وآله) ـ لكنّه يمانع الحرق وما يستتبعه من تكثّر وجوه القراءة والقول في القرآن بالرأي والتقديم والتأخير في الآيات والنقصان والزيادة فيه و . . . فإنّ هذه الأمور يخالفها الإمام عليّ(عليه السلام) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المصاحف للسجستاني 1 / 205 ـ 206/ح 77 .

صفحه 67
نعم إنّهم ابتدعوا هذه التعاليل وردّوا الروايات الدالّة على جمع الإمام عليّ للقرآن ، كي يثبتوا للنّاس بأنّ الخلفاء الثلاثة هم الذين جمعوا القرآن دون أمير المؤمنين عليّ ابن أبي طالب(عليه السلام) .
* * *
بهذا يمكننا أن نصطلح على الجمع المقصود في هذه المرحلة بأنّه جمع ترتيب الآيات من قبل رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، ثمّ جواز تأليفه في مصاحف ; وإن كان مصحفاً ناقصاً .
ولا أنكر أن يكون تفسير القرآن السياقي كان سائداً عند الصحابة وأهل البيت ، فكلّ واحد منهم كان يكتب ما يحصل عليه من علم رسول الله(صلى الله عليه وآله) في التفسير وتأويل الآيات ، وهي موجود بعضها اليوم في التفاسير المأثورة ـ مثل الدرّ المنثور للسيوطي وجامع البيان للطبري والبرهان في تفسير القرآن للبحراني وغيرهما ـ عن أولئك الصحابة وأهل البيت(1) .
فسؤالنا هو : لماذا لا يأخذ الخلفاء الثلاثة بمصاحف كبار الصحابة والمجمع عليها وهم من جامعي القرآن على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) حين نراهم يبدءون بكتابة المصحف من جديد وبشاهدين؟
هل جاء أخذهم بالشاهدين للتثبّت حقّاً ؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سنناقش تلك الروايات في القسم الثاني من هذه الدراسة : (مناقشة روايات التحريف) .

صفحه 68
وما يعني التثبّت بعد ثبوت تدوين أولئك الصحابة القرآن بين يدي رسول الله وبأمره ، وهم العدول حسبما يقولون؟ .
فلو كان عثمان من جامعي الذكر الحكيم على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) كما قيل فلماذا يعيد عمليّة الجمع تارة أخرى أيّام خلافته ؟ وماذا يعني هذا الأمر؟
وهل حقّاً أنّ جمعه كان بمعنى توحيدهم على قراءة واحدة؟ أم أنّه جمعها من الصحف وكان مصحف حفصة منها كما صرّحت بذلك النصوص؟ أم أنّه فعل كلا الأمرين معاً؟ .
بل لماذا اشترط الشيخان أخذ الآيات بشاهِدَين مع إيماننا بتواتر القرآن؟!
أيحتاج القرآن في إثباته إلى شاهدين والصحابة يتلون القرآن آناء الليل وأطراف النهار ، ولهم دويٌّ كدويِّ النحل كما قيل ، ويتدارسونه ويعلّمونه ويتعلّمونه ويتلونه في صلواتهم؟!
فما يعني ما قالوه من نقصان آية أو آيتين منها ، ثمّ وجودها عند فلان وفلان؟ ألا يشكّك هذا في تواتر القرآن؟
فلو تأمّلت أخبار جمع القرآن عند الجمهور لرأيتها تتّفق على أنّ عثمان جمع مصحفه على ضوء مصحف أبي بكر وعمر ـ والذي كان عندحفصة ـ فما يعني هذا؟
فلو كان أبوبكر وعمر من جامعي القرآن فسيكون جمع عثمان في
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صفحه 69
الزمن المتأخّر لغواً أو يكون جمعه سابقاً كذباً .
أمّا لو قلنا بأنّ عثمان هو جامع الذكر الحكيم فهو يخالف ما قيل عن جمع الشيخين للقرآن قبله ، بل كان عليهما أن يُقِرَّا على ما دوّن من قبل عثمان سابقاً .
نعم إنّهم يأوّلون ذلك ويقولون بأنّ جمع عثمان يختلف عن جمع أبي بكر وعمر ; لأنّه كان يعني بجمعه توحيدهم على مصحف واحد .
في حين أنّ هذا الكلام غير صحيح أيضاً ; لأنّ الصحابة كانت صدورهم أناجيلهم ، وكانوا يتلون القرآن حسبما سمعوه من رسول الله(صلى الله عليه وآله)ولا نرى اختلافاً بينهم في قرآن صلاتهم .
بلى حكى بعض الصحابة اختلافه مع الآخر في قراءة سورة أو آية ومجيئهم إلى رسول الله وتجويزه(صلى الله عليه وآله) لقراءة القرآن على سبعة أحرف ، كلّ ذلك تصحيحاً لرؤيتهم(1) .
إنّ دعوى توحيد الأمّة على مصحف واحد لم يكن مختصّاً بعثمان ابن عفّان ، فقد ادّعي لعمر بن الخطّاب ذلك أيضاً ، وهو يضعّف المشهور عندهم .
فسؤالنا هو : لو كان جمع القرآن لابدّ منه ، فلماذا لا يكون جمعهم على ضوء مصحف ابن مسعود وأُبيّ وعليّ بن أبي طالب(عليه السلام) وغيرهم ممّن عُرفوا بالتدوين والكتابة على عهده(صلى الله عليه وآله) ؟! بل لماذا تختصّ روايات جمع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سنناقش هذه الروايات في جمع القرآن على عهد عمر بن الخطاب .
صفحه 70
القرآن وتدوينه بزيد بن ثابت وابنه خارجة ؟! .
بل ماذا يعني وجود كَتَبَة لرسول الله(صلى الله عليه وآله) يكتبون الوحي عنه؟ ألا يعني ذلك بأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) كان في عمله هادفاً ، وأنّه أراد أن يصون فكر أمّته من بعده ، وقد جمع تلك الآيات بالفعل تدويناً وكتابة كي تكون دستوراً للأجيال القادمة؟!
وعلى ما ادّعوه من جمع عثمان للمصاحف لاحقاً يكون عمل رسول الله(صلى الله عليه وآله) في ترتيب الآيات والسور لغواً والعياذ بالله .
من الطبيعي أن لا يقول مسلم ـ يؤمن بالله ورسوله ـ بالقول الثاني; لأنّه لا يتّفق مع إسلامه وإيمانه .
وعليه ، فكتابة المصحف كانت موجودة على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله)وجاءت مقصودة من قبله(صلى الله عليه وآله)(1) .
فلو كان مكتوباً ومدوّناً وموجوداً في بيت رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، فلماذا لا يكلّفون أنفسهم السؤال عن ذلك المصحف المكتوب بأمر رسول الله(صلى الله عليه وآله)؟ وأين ذهب؟ وبيد مَنْ وقع؟
ولو كان مكتوباً ومدوّناً ـ وإنّ الجمع لا يعني جمعه في الصدور بل هو الجمع في السطور ـ فلماذا يطلبون شاهدين على كون الآيات قد كتبت بين يدي رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، ويجلسون على باب المسجد مستفسرين الصحابة عن ما حفظوه من الذكر الحكيم؟!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ولا يصحّ ما أشاعوه لاحقاً بأنّه(صلى الله عليه وآله) ترك تدوين كتاب ربّه .

صفحه 71
وهل حقّاً كان عملهم هذا للتثبّت والاطمئنان بصحّة كلام الصحابي في آيات القرآن أم كان شيئاً آخر ؟
فلو كان الصحابي كاذباً ، كان بإمكانه أن يأتي بشاهد آخر يعينه على كذبه؟!
ولو قلنا بالتفسير المتأخّر للشاهدين والذي أتى به ابن حجر ، فيأتي سؤالنا : إذا كان مكتوباً من قبل صحابي مقبول كأُبيّ وابن مسعود والناس يقرؤون بتلك القراءة ، فما يعني تطابق المكتوب مع المحفوظ !
برأيي أنّ الأمر يرجع إلى وجود منهجين في القرآن بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) :
أحدهما : يقول بتواتر آياته وأنّ العلم به كالعلم بالبلدان والحوادث والوقائع العظام وأنّه يجري مجرى ما علم بالضرورة ككتاب سيبويه والمزني ، فلو أدخل شخص باباً في كتاب سيبويه لعرف وميّز وعلم أنّه ليس من أصل الكتاب .
والآخر : يطلب آيات القرآن بالبيّنة والشهود .
فالمنهج الأوّل انتهجه غالب الصحابة وهو منهج الإمام عليّ(عليه السلام) وأهل بيته(عليهم السلام) وعلمائهم .
والمنهج الثاني هو منهج الخلفاء وهؤلاء هم الذين استعانوا بزيد بن ثابت وأمثاله لتدوين القرآن في خلافتهم!!
أجل إنّهم يقولون بأنّ زيد بن ثابت جمع السُّور من (العُسُب)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صفحه 72
و (اللِّخاف) و (جريد النخل) بأمر أبي بكر أو عمر أو عثمان ، ولا نرى اسماً لغيره من الصحابة! فما يعني اختصاصهم جمع القرآن بـ : (زيد) دون غيره; في خلافة الثلاثة؟
فمن هو زيد بن ثابت؟ وما دوره في بدء الدعوة ثمّ من بعدها؟ ولماذا هذا الإصرار من قبل الشيخين وعثمان على الأخذ بقراءته وترك قراءة كبار الصحابة أمثال ابن مسعود وأُبَيّ بن كعب وعليّ بن أبي طالب(عليه السلام) المنصوصِ على لزوم احترامهم والأخذ عنهم ، وخصوصاً في القرآن؟ .
فعن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنّه قال : «اقرؤوا بقراءة ابن أُمّ عبد عبدالله بن مسعود»(1) ، كما اشتهر عنه(صلى الله عليه وآله) أنّه أمر بالقراءة على وِفْقِ ما يقرؤه أُبيّ بن كعب كما في البخاري(2) ، ولقّب أُبي بسيّد القرّاء(3) ، وقال عنه رسول الله(صلى الله عليه وآله) : «أَقْرَؤُكُمْ أُبيّ»(4) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الأحاديث المختارة 1 / 92/ح 13 ، و 1 / 384/ح 268 ، سنن ابن ماجة 1 / 49 / ح 138 .
(2) في البخاري 4 / 1897/ح 4677 أنّ النبيّ قال لاُبيّ بن كعب : «إنّ الله أمرني أن أقرئك القرآن ، قال : الله سمّاني لك؟ قال(صلى الله عليه وآله) : نعم ، قال : وقد ذكرت عند ربّ العالمين؟ قال :نعم ، فذرفت عيناه» .
وفي البخاري ومسلم والترمذي عن أنس بن مالك قال : «قال النبيّ لاُبيّ : إنّ الله أمرني أن أقرأ عليك (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا) قال : وسمّاني؟ ، قال : نعم ، فبكى» ، انظر صحيح البخاري 4 / 1896/ح 4676 ، صحيح مسلم 1 / 550/ح 799 ، و 4 / 1915 ، سنن الترمذي 5 / 665/ح 3792 .
(3) سنن بن ماجة 1 / 512/ح 1606 ، سنن الترمذي 3 / 375/ح 1061 .
(4) فتح الباري 2 / 171 ، تحفة الأحوذي 10 / 205 .
صفحه 73
وعُرف عن أهل بيت النبوّة أنّهم كانوا يقرؤون بقراءة أُبيّ(1) ، فما يعني هذا الإجحاف والإهمال لقراءة أمثال هؤلاء الصحابة وفي المقابل ترى ترجيح قراءة أمثال زيد عليهم؟! .
وقد يكون في تأكيد ابن مسعود على يهودية زيد إشارات إلى هذا الأمر ؟ وقد لا يعني شيئاً من هذا القبيل .
وهل اليهودية كانت ذمّاً للصحابي في صدر الإسلام ؟ أم أنّها كانت بيان لحالة رائجة بين المسلمين ، لأنّ ما من مسلم في صدر الإسلام إلاّ وقد كان يهودياً أو نصرانياً أو مجوسيّاً أو مشركاً ، أتركه للقارىء .
روي عن عمرة بنت عبدالرحمن «أنّ أبا بكر الصديق دخل على عائشة وهي تشتكي ويهودية ترقيها ، فقال أبوبكر : ارقيها بكتاب الله»(2) .
فما يعني هذا النصّ وهذا الخطاب من ابن مسعود في زيد ؟ هل لكونه وصوليّاً وحكوميّاً أم لشيء آخر؟!
ففي مسند أحمد عن أبي سعيد الخدري ، قال : «لمّا توفي رسول الله(صلى الله عليه وآله) قام خطباء الأنصار فجعل منهم من يقول : يا معشر المهاجرين إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) كان إذا استعمل رجلاً منكم قرن معه رجلاً منّا فنرى أن يلي هذا الأمر رجلان أحدهما منكم والآخر منّا .
قال : فتتابعت خطباء الأنصار على ذلك ، قال : فقام زيد بن ثابت ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر الكافي 2 / 634/ح 27 ، وسائل الشيعة 6 / 163/ح 7633 .
(2) موطأ مالك 2 / 943 ، الأم للشافعي 7 / 241 ، المجموع للنووي 9 / 64 .

صفحه 74
فقال : إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) كان من المهاجرين ، وإنّما الإمام يكون من المهاجرين ونحن أنصاره ، كما كنّا أنصار رسول الله(صلى الله عليه وآله) !
فقام أبوبكر ، فقال : جزاكم الله خيراً من حيّ يا معشر الأنصار وثبّت قائلكم ، ثمّ قال : والله لو فعلتم غير ذلك لما صالحناكم»(1) .
وفي السيرة النبوية لابن كثير : « . . . أنّ زيد بن ثابت أخذ بيد أبي بكر فقال : هذا صاحبكم فبايعوه»(2) .
فقد تكون هذه الخطبة من قبل زيد في مدح أبي بكر هي التي جعلته كاتباً لدار الخلافة(3) والقاضي عنده ومقسّم مواريث المسلمين(4) .
كما أنّها وأمثالها هي التي سبّبت أن يكون قاضياً في عهد عمر بن الخطّاب وممّن يستخلفه عمر على المدينة ، وقد قدّم عمر بن الخطّاب اسم زيد على اسمه ، تعظيماً له .
ففي سير أعلام النبلاء عن يعقوب بن عتبة : «أنّ عمر استخلف زيداً ، وكتب إليه من الشام : إلى زيد بن ثابت ، من عمر(5) .
وفي تاريخ المدينة عن نافع : «أنّ عمر استعمل زيداً على القضاء ، وفرض له رزقاً . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مسند أحمد 5 / 185 .
(2) السيرة النبوية 4 / 494 .
(3) أسد الغابة 1 / 50 .
(4) المجموع للنووي 16 / 68 .
(5) سير أعلام النبلاء 2 / 438 .

صفحه 75
عن خارجة بن زيد ، قال : كان عمر كثيراً ما يستخلف زيد بن ثابت إذا خرج إلى شيء من الأسفار ، وقلّما رجع من سفر إلاّ أقطع زيداً حديقة من نخل !»(1) .
لا أدري هل يقبل الباحث الموضوعي بما قالوه عن زيد وأنّه اختير لهذا العمل دون غيره من الصحابة; لأنّه شابٌّ ، فهو أقدر على العمل منهم ، وهو لشبابه أقلّ تعصّباً لرأيه واعتزازاً بعلمه ، بل شبابه يدعوه إلى الاستماع لكبار الصحابة من القرّاء والحفّاظ والأخذ عنهم دون إيثار لما حفظه هو(2) .
أترك القارئ لكي يستنبط بنفسه صحّة هذا الكلام وسقمه وعمّن يجب أن يأخذ الإنسان في قراءته ، هل يأخذ عمّن هو أكثر اعتزازاً بعلمه وتعصّباً لرأيه؟ أم يأخذ ممّن يتأثّر برأي غيره ويستسلم لمن يملي عليه؟ .
هذه الأمور يجب أن تبحث في تاريخ جمع القرآن ، مؤكّدين بأنّ عملية الجمع على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) لم تنتهي على عهده وبقيت تحتاج إلى من يستكلمها ، وهو الذي ألزم الإمام علي(عليه السلام) أن يكملها بوصيّة من الرسول(صلى الله عليه وآله) .

للبحث صلة . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ المدينة 2 / 693 ، وسير أعلام النبلاء 2 / 438 .
(2) هذا ما نقله الدكتور شاهين في تاريخ القرآن :144 عن الدكتور هيكل وهو منقول عن غيره أيضاً .