البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إسم البحث : عصر صدر الإسلام برؤية ماكس فيبر

الباحث : علي رضا شجاعي زند/ أستاذ مساعد في فرع علم الاجتماع بجامعة تربية مدرس – طهران وآخرون

اسم المجلة : دراسات استشراقية

العدد : 6

السنة : السنة الثالثة - شتاء 2016 م / 1437 هـ

تاريخ إضافة البحث : February / 7 / 2016

عدد زيارات البحث : 1262

حجم ملف البحث : 787.968 KB

 تحميل

عصر صدر الإسلام برؤية ماكس فيبر
تحليلٌ نقديٌّ

■ تدوين : علي رضا شجاعي زند(*)
■ نادر صنعتي شرقي(**)
■ ترجمة: أسعد مندي الكعبي

ملخّص المقالة:
يتطرّق الباحثان في هذه المقالة إلى تقييم آراء ونظريات المفكّر الألماني ماكس فيبر([1]) التي زعم فيها أنّ الإسلام دينٌ يروّج للنزعات المادّية الدنيوية، وقاما بتنسيقها على وفق منظومةٍ منطقيةٍ مترابطة الأطراف بالاعتماد على ما ورد في كتاب «دراسات في علم الاجتماع الديني»، ومن ثمّ سلّطا الضوء على الأدلّة التي ساقها هذا المفكّر لإثبات النزعة الدنيوية في التعاليم الإسلامية في إطار مبحثين أساسيين أحدهما الشخصية الكاريزماتية للنبيّ الأكرم (ص) والمحاربون من عرب البادية بصفتهم حملة رسالة الإسلام برأي فيبر. المبحث الثاني من المقالة تضمّن دراسةً نقديةً حول نظرياته وشخصيته التنظيرية، وتمحور نقد نظرياته حول طرح الأسئلة الثلاثة التالية وتحليل إجاباتها:
1) هل كان النبيّ محمّد (ص) يمتلك شخصيةً كاريزماتيةً بالمعنى الاصطلاحي؟
2) هل كان أتباعه الأوائل من المحاربين البدو؟
3) هل أثّر على أتباعه عن طريق علاقته الشخصية معهم، أو أنّه تأثّر بهم؟ وبعبارةٍ أخرى: هل كان تأثيره عليهم أو تأثّره بهم عاطفياً؟
أمّا في مباحث نقد الشخصية التنظيرية لماكس فيبر فقد طرحت الأسئلة الآتية في بوتقة النقد والتحليل:
1) هل اعتمد هذا المفكّر في بحوثه على مصادر تأريخية معتبرة لاستقصاء المعلومات التي طرح نظرياته على أساسها؟
2) هل اتّبع منهجاً موحّداً في التعامل المفاهيم التي تمحورت بحوثه ونظرياته حولها، مثل الكاريزما والطبقة الاجتماعية الحاملة لراية الدين؟
الكلمات الدالّة: ماكس فيبر، الطبقة الداعمة للدين، المحاربون البدو، عصر صدر الإسلام.

مقدّمــة
محور البحث في هذه المقالة هو نقد وتحليل نظريات المفكّر الألماني ماكس فيبر حول باكورة عصر صدر الإسلام. في الدراسة التي أجراها هذا المفكّر حول العلاقة العلّية بين الأخلاق البروتستانتية والروح الرأسمالية استنتج أنّ التعاليم الشائعة في الفرق المنشعبة عن المذهب البروتستانتي ولا سيّما الفرقة الكالفينية قد كان لها تأثيرٌ ملحوظٌ في تنامي الرأسمالية الغربية.
أتباع المنهج الفكري للمصلح الديني جون كالفين اعتبروا أنّ أهمّ ميزةٍ للإيمان هي العمل على إعمار الدنيا مع ترويج مفهوم عظمة الله تعالى في الأرض، ومن هذا المنطلق فإنّ تحقّقه يتطلّب بذل جهوداً ونشاطاتٍ حثيثةٍ وإنفاق أموالٍ طائلةٍ وفق أُسسٍ عقلانيةٍ. وأهمّ ما تمخّض عن الرؤية الكالفينية بالنسبة إلى الدين والدنيا الانزواء عن الحياة الدنيا - الرهبنة - إلا أنّ أبرز رموزها نفوا ذلك وأكّدوا على كون هذا الانزواء لا يعني الإعراض عن الدنيا بالكامل، بل بمعنى إعمارها بشكلٍ معقولٍ وعدم اعتبارها الهدف المنشود الذي يتحقّق الخلاص في ظلّه؛ ونتيجة هذا التوجّه الذي تبنّته الفرق الدينية هي سيادة النزعة الرأسمالية وتنامي النظام الاقتصادي المرتكز على العقلانية الظاهرية في المجتمعات الغربية.
بعد أن أكمل فيبر دراسته المشار إليها أعلاه، حاول تقييم نتائجها عن طريق مقارنتها مع تعاليم مختلف الأديان المتعارفة في الصين والهند والديانتين اليهودية والإسلامية وفق مختلف الظروف الزمانية والمكانية، والأسئلة الأساسية التي سلّط عليها الضوء فيما يرتبط بهذه الأديان تتلخّص فيما يأتي:
- لماذا عجزت سائر الأديان عن إقرار النظام الرأسمالي الغربي في مجتمعاتها؟
- هل أنّ هذه الأديان تروّج للرهبنة في الحياة الدنيا أو أنّها ترفض ذلك؟
- هل أنّ انعدام الشروط([2]) اللازمة لإيجاد نظامٍ رأسماليٍّ في البلدان التي تنتشر فيها هذه الديانات يعدّ حائلاً أساسياً لنشأة الرأسمالية العقلانية فيها؟
لو تتبّعنا آثار ماكس فيبر التي دوّنها حول الديانة اليهودية والديانات الشائعة في الصين والهند، لوجدنا أنّه يجرّدها عن الأخلاق الاقتصادية التي تتقوّم الحياة الدنيا على أساسها، في حين أنّه يثبت ذلك للفرق المنشعبة عن المذهب البروتستانتي.
وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ البوذيين والكاثوليك يدعون أتباعهم إلى نبذ التعلّقات الدنيوية فيما لو أرادوا الخلاص والنجاة في الآخرة لأنّ الانهماك بالأعمال الدنيوية حسب رأيهم يسفر عن غفلة الإنسان.
بالنسبة إلى الكونفوشيوسية، فهي ديانةٌ عقلانيةٌ تتناغم مع الأغراض الدنيوية، لذا فهي لم تعارض السعي لإعمار الدنيا ولم تشجّع عليه، بل مجرّد أنّها أيّدته من دون نفي أو إثبات.
اليهودية بدورها عدّت الخلاص منوطاً باتّباع تعاليمها وإقامة مناسكها وطقوسها وقيام المكلّفين بأداء فرائضهم الدينية التي أمرتهم بها.
إذن، هذه التوجّهات الدينية تشير بوضوحٍ إلى السبب الكامن وراء انحسار النزعة الدنيوية لدى أتباع الأديان المشار إليها.
وفيما يلي نرسم جدولين بيانيين للمقارنة بين الأديان من وجهة نظر ماكس فيبر:

أوّلاً: الوجهة التي تتبنّاها مختلف الأديان بالنسبة إلى الدنيا والآخرة على أساس مفهوم (الخلاص):
النزعة إلى الآخرة/الدنيا
الإعراض عن الدنيا
إعمار الدنيا
قبول الدنيا
تبنّي مبدأ الخلاص
البوذية والكاثوليكية
البروتستانتية
اليهودية
تجاهل مبدأ الخلاص
الإسلام والكونفوشيوسية

ثانياً: الوجهة التي تتبنّاها مختلف الأديان بالنسبة إلى الانزواء عن الدنيا (الرهبنة) :
النهج المتّبع حول الدنيا / الرهبنة
نزعة زاهدة
نزعة غير زاهدة
نزعة دنيوية
البروتستانتية
الإسلام
نزعة أخروية
الكاثوليكية
الجهود العلمية الواسعة التي بذلها فيبر حول دراسة الأديان الشهيرة في العالم قد تمحورت بشكلٍ أسياسيٍّ حول اليهودية والبوذية والكونفوشيوسية، حيث دوّن آثاراً مستقلّةً حولها؛ لكنّ الفرصة لم تتاح له كي يدوّن أثراً مستقلاً عن الإسلام لأنّ المنية لم تمهله لذلك، ومن ثَمَّ فإنّ آراءه حول هذه الديانة بقيت مشتّتةً في بطون مدوّناته، ولكن مع ذلك فقد جمعت آراؤه حول عصر البعثة الإسلامية في كتابٍ تحت عنوان (دراسات في علم الاجتماع الديني) حيث نستشفّ منها أنّه يعدّ الإسلام قطباً معارضاً للتطهيرية البيوريتانية.
في بادئ المقالة تمّ تسليط الضوء على آراء ماكس فيبر حول الإسلام في عصر البعثة ضمن بحثٍ علميٍّ منسجمٍ، ومن ثمّ تناول الباحثان هذه الآراء بالنقد والتحليل.

آراء ماكس فيبر حول الإسلام إبّان البعثة النبوية:
لو تأمّلنا في الآثار التي خلّفها لنا عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، لوجدنا أنّه لم يكن يعتقد بكون الإسلام ديناً يدعو إلى خلاص البشرية، ويؤكّد على أنّ المفاهيم الأخلاقية للخلاص لا تمتّ بأدنى صلةٍ لهذا الدين، ومن جملة ما قاله في هذا الصدد: «الدين الإسلامي في باكورته لم يكن يتضمّن تعاليم تناظر الرغبات الفردية في الخلاص، إذ لم تكن هناك أيّة مواثيق دينية تلزم الفرد بالانزواء عن الدنيا، بل إنّ جميع التعاليم من ترغيباتٍ وترهيباتٍ غايتها الحياة الدنيا هذه؛ فالسلطة والثروة والرقيّ، جميعها أمورٌ مادّيةٌ وُعد بها المسلمون، لدرجة أنّ هذه التعاليم صوّرت الحياة الآخرة في نطاق جنّةٍ ينعم فيها المحاربون بالشهوات والملذّات»([3]).
وحسب رأي هذا المفكّر فإنّ أحد مظاهر النزعة الدنيوية التي جاء بها الإسلام تتجسّد في تعاليمه الخاصّة بالعلاقات الجنسية وكيفية جمع الثروة في الجهاد عن طريق اقتناص غنائم الحرب، حيث قال: «رغم أنّ الإسلام وضع قيوداً خاصّةً على العلاقات الجنسية وحاول حصرها في إطار ضوابط معيّنة، لكنّه من خلال عدم تعقيد مسألة الطلاق وتجويز نكاح الإماء، مهّد الأرضية لإرضاء الرغبات الجنسية بعدّة طرقٍ، بل إنّه أوجد ارتباطاً بين القضايا الجنسية والثروات» ([4]). نستنتج من هذا الكلام أنّ امتلاك الإماء ونكاحهنّ مرهونٌ بامتلاك ثروةٍ مادّيةٍ، وبما أنّ هذه العلاقة الجنسية لم ينهَ الإسلام عنها، لذا فالأولوية تكون لجمع الأموال، أي: إنّ التعاليم الإسلامية قد رغّبت أتباعها باكتناز الثروات بشكلٍ ضمنيٍّ حسب رأيه.
من الجدير بالذكر هنا أنّ فيبر يقصد من ذلك أنّ التشجيع على جمع الأموال يتمحور حول المشاركة في الحروب والجهاد ضدّ أعداء دين الله وليس عن طريق العمل والنشاطات الاجتماعية المتعارفة. وممّا قاله: «الأوامر الدينية النابعة من القانون المقدّس لم تكن تهدف إلى تغيير المتبنّيات الدينية لأتباع سائر الديانات، بل إنّ هدفها بشكلٍ عامٍّ هو أخذ الجزية والخراج منهم»([5]). وقال في موضعٍ آخر: «غنائم الحرب تحظى بأهميةٍ كبيرةٍ في التعاليم الإسلامية الزاخرة بالترغيب والترهيب، كما أنّها تتمتّع بأهميةٍ بالغةٍ بين عامّة المسلمين في العصر الإسلامي الأوّل. أبرز الشخصيات الصالحة في الرعيل الإسلامي الأوّل كانت من أثرى الطبقات الاجتماعية خلافاً لسائر المسلمين، وغنائم الحرب هي السبب الرئيسي في امتلاكها ثرواتٍ طائلةً. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ الدور الذي لعبته الثروات المكتسبة عن طريق الفتوحات الإسلامية، يختلف عن دور الثروة في المذهب البيوريتاني» ([6]).
كما نلاحظ فإنّ فيبر قد أكّد على كون العمل لم يكن شرطاً أساسياً لجمع الثروة في باكورة العهد الإسلامي، بل كان ينبغي للمسلم أن يشمّر عن ساعديه ويشدّ الرحال إلى سوح القتال ويجاهد في سبيل الله كي يجني أموالاً طائلةً، والمقاتلون العرب آنذاك لم يكترثوا بالسبُل المنطقية لتحصيل أرزاقهم وتحقيق مآربهم؛ فضلاً عن ذلك فـإنّ أصحاب الثروات في تلك الآونـة لم يجمعوهـا عن طريق توفير أموالهـم كما أنّهم لم يبذلوها في سبيل تحقيق مطامح دنيوية.
ومن جملة ما ذكره هذا المفكّر أنّ النزعات الإقطاعية والتجملية والسعي وراء الملذّات الدنيوية كلّها أمورٌ كانت مشروعةً للأثرياء، وقال: «العرف السائد بين المسلمين هو ارتداء ثوبٍ فاخرٍ والتعطّر والتزيّن، إذ إنّ التعاليم الإسلامية قد أوصت المسلمين بهذه الأمور، وخاطب محمّدٌ الأثرياء الذين لم يكونوا يكترثوا بحسن هندامهم قائلاً: «إنّ الله عزّ وجلّ إذا أنعم على عبد أحبّ أن يرى عليه آثار نعمته». هذا الأمر في الحقيقة يتعارض تماماً مع الأخلاق الاقتصادية في المذهب البروتستانتي ويتناغم مع الطبقة الاجتماعية الأرستقراطية، وفحوى ما جاء به الإسلام أنّ الإنسان الثريّ مكلّفٌ بأن يجعل نمط حياته متناسباً مع الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها؛ وهذا الأمر إنّما يدلّ على رسوخ النزعة الأرستقراطية في هذه الديانة»([7]). بناءً على هذا، فإنّ فيبر يعتقد بكون التعاليم الإسلامية تتعارض من الأساس مع أيّ نمطٍ من الرهبنة سواءٌ في هذه الدنيا أو في الحياة الآخرة، ومن جملة ما قاله على هذا الصعيد: «نهى القرآن محمّداً عن جميع أشكال الانزواء عن المجتمع، وهذا لا يعني طبعاً نهيه عن الزهد والورع، فالتعاليم الإسلامية أعارت أهميةً للصيام والاعتكاف من داعي التوبة» ([8]). ومع ذلك فإنّ هذا المفكّر يعتقد بأنّ النبيّ الأكرم محمّداً (ص) وأتباعه قد اتّبعوا نهجاً إيجابياً بالنسبة إلى الحياة الدنيا، وأكّد قائلاً: «إنّ ما قاله محمّد من كون ترك أكل اللحم أربعين يوماً يتسبّب بسوء الخلق، يعدّ أمراً فريداً من نوعه في الأديان التي تتبنّى مبدأ الخلاص. كذلك هناك كلامٌ فريدٌ من نوعه لأحد كبار المسلمين في عصر صدر الإسلام لدرجة أنّ بعضاً اعتبروه المهديّ الموعود، حيث سُئل عن سبب تعطير شعره خلافاً لسنّة والده عليّ، فأجاب إنّه يفعل ذلك بغية عدم اشمئزاز نسائه منه»([9]).
ومن جملة آرائه التي طرحها حول الإسلام، قوله: «الإسلام ليس ديناً معرضاً عن الدنيا ولا مقبلاً عليها، وبإمكان المسلم نيل الخلاص بسهولةٍ عبر اعتقاده بوحدانية الله ونبوّة محمّد وأداء الصلوات اليومية والحضور في صلاة الجماعة وصوم شهرٍ في كلّ سنّةٍ وحجّ بيت الله عند الاستطاعة وعدم تعاطي الخمور وعدم لعب القمار، فهذه الأمور تمنحه الأمل في الخلاص بكلّ سهولةٍ. بناءً على هذا فالطبيعة الشعائرية للإسلام وطقوسه الدينية فضلاً عن تيسيره للتكاليف الدينية والأخلاقية وعدم وضعه عقباتٍ أمام من يريد الانضواء في بحبوحته، كلّها أمورٌ ميّزته عن سائر الأديان التي تتبنّى مبدأ الخلاص وجعلته ديناً شعائرياً بالكامل»([10]).
إن أردنا تلخيص آراء ماكس فيبر التي تبنّاها حول الإسلام مقارنةً مع آرائه بالنسبة إلى البروتستانتية، نقول:
- الإسلام دينٌ لا يتبنّى مبدأ الخلاص.
- الثروة لدى المسلمين لا تجنى عن طريق العمل والجهد الحثيث، بل عبر الحروب وتحصيل الغنائم.
- الثروة التي يجمعها المسلمون يجب أن لا تكدّس، بل لابدّ من أن تبذل في سبيل تحقيق الملذّات.
- البروتستانتية مذهبٌ يدعو إلى إعمار الدنيا في حين أنّ الإسلام يرفض الإعراض عنها، لذا فهو لا يدعو أتباعه إلى إعمار الدنيا بغية أن يتمكّنوا من الخلاص وينالوا السعادة.
السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المضمار هو: على أيّ أساسٍ طُرح الإسلام بصفته ديناً يتناغم مع الطبقة الأرستقراطية في المجتمع وكأنّه دينٌ دنيويٌّ يحفّز على التجمّل والملذّات الزائلة؟ النظرية التي طرحها ماكس فيبر على هذا الصعيد تتلخّص في أنّه تمّ اختيار نبيٍّ من طبقة النبلاء واتّبعته مجموعةٌ من المحاربين البدويين الذين حملوا راية الدعوة إلى دينه. لو أردنا تحليل هذه النظرية لوجدناها ترتكز على مفهومي الشخصية الكاريزماتية والطبقة الأرستقراطية بشكلٍ أساسيٍّ، حيث سنتطرّق إلى شرحهما ونقدهما بالتفصيل.

فيبر والشخصية الكاريزماتية :
عندما نسلّط الضوء على دلالة مفهوم (كاريزما) حسب وجهة نظر ماكس فيبر نجده يضفي عليه صبغةً ثوريةً تسير في مجرى ثالثٍ إلى جانب العرف والعقل، لكنّ هذه الرؤية أصبحت بمرور الزمان رهينةً للماضي والحاضر والمستقبل لدرجة أنّها اليوم أمست مشوبةً بالتشاؤم في مجال القيود المفروضة على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي؛ ومن هذا المنطلق فإنّ هذا المصطلح الذي كان في بادئ الأمر يدلّ على بُنيةٍ ثوريةٍ تتجاوز القيود، تحوّل بالتدريج إلى مفهومٍ خاضعٍ لتأثير الأعراف والقوانين العامّة لأسباب عديدة، ورغم أنّ فيبر لم يذكر هذه الأسباب بشكلٍ منهجيٍّ منتظمٍ، لكنّنا عبر التدقيق في مدوّناته نستنتج ما يأتي:
ـ بما أنّ رسالة النبيّ محمّد (ص) وكاريزما شخصيته بجب أن تكونان واضحتين لمخاطبيه، فقد خاطبهم بما يعقلون وذكر لهم قيماً مألوفةً لديهم وليست غريبةً على مسامعهم ومدركاتهم العقلية؛ وعلى هذا الأساس فإنّه جعل الكاريزما تنصبّ في أمرٍ عاطفيٍّ واعتبر نفسه قد أحياها من جديدٍ ([11]).
ـ نظراً لكون الكاريزما الشخصية تظهر على مرّ الزمان إثر الضغوط أو التغييرات الاجتماعية المتسارعة، فمن الطبيعي ظهور شخصياتٍ جديدةٍ تمتلك هذه المزية لتحمل على عاتقها مبادئ اجتماعية متشابهة مع تلك التي سبقتها فيُدّعى أنّها شخصياتٌ اجتماعيةٌ فريدةٌ ممّا يجعل الناس يقبلون عليها ومن ثمّ يصبح لها أتباعٌ كثُر؛ لذا فالقائد لا بدّ له من طرح نفسه زعيماً مقتدراً عن طريق استعراض قابلياته كي تتحول علاقة الشخصية العاطفية مع من يحتذي به إلى ارتباطٍ من نمط الحبيب والمحبّ ([12]).
إنّ العلاقة بين الحبيب والمحبّ والتي تنبثق على أساس الكاريزما الجذّابة، مضافةً إلى عدم وجود قوانين مدوّنة في الأنظمة الفرعية السياسية والاجتماعية والثقافية، قد جعلت النهضة الكاريزماتية في المجتمع حركةً غير مستقرّةٍ وقصيرة الأمد وذلك لأنّ وجودها مرهونٌ بحياة القائد العاطفي، ممّا يعني أنّ وفاته تجعل المجتمع في حيرةٍ من أمره بحيث يبحث عن قواعد وأصول جديدة بغية نظم شؤونه والحفاظ على انسجامه. ومن الجدير بالذكر أنّه هناك جانبٌ من عملية التطبيع الكاريزماتي يتمّ إنجازه بواسطة بعض الفئات الاجتماعية بصفتها حملةً لأنماط جديدة من القابليات والقدرات الضرورية في مجتمعاتها. يقول الباحث برايان تيرنر في هذا الصدد: «أتباع أحد القادة الذين يمتلكون شخصيةً كاريزماتية يحاولون تحقيق انسجامٍ بين التعاليم التي يلتزمون بها وبين نشاطاتهم العملية وفاءً له، حيث يقومون إثر ذلك بترسيخ مقامهم في باطن هذه النهضة الكاريزماتية؛ وبناءً على هذا فالأفكار الكاريزماتية التي هي في الأساس مستقلّةٌ، تصبح مرتبطةً إلى حدٍّ كبيرٍ بمختلف القضايا الاجتماعية والاقتصادية» ([13]).
استناداً إلى ما ذكر، فشخصية النبيّ الكاريزماتية تصبح ذات ارتباطٍ وطيدٍ بالخصال الأخلاقية وطباع مختلف الفئات الاجتماعية الداعمة لها، ويمكن تصنيف هذه الطبقات تحت العنوان الآتي:

طبقات اجتماعية مدافعة عن الدين:
الهدف الأساسي الذي رام ماكس فيبر بلوغه في أُطروحاته الاجتماعية الدينية هو بيان الظروف التي تصبح فيها إلهامات النبوّة لأحد الأديان منهجاً متّبعاً في حياة مجموعةٍ من البشر، وإثبات كيفية تحوّلها إلى إيديولوجيةٍ ارتكازيةٍ تنشأ على أساسها حضارةٌ ذات هويةٍ معيّنةٍ.
باعتقاد هذا المفكّر الاجتماعي، هناك صلةٌ اختياريةٌ بين كلّ دينٍ وأتباعه، وهذا يعني أنّ ترسيخ الدين في المجتمع يتواكب مع تبنّي معتنقيه أفكاراً دينيةً عائدةً له ومن ثمّ تكون عصا السبق بيد ذوي النفوذ منهم، حيث يتمّ تحديد نمط العلاقات الاجتماعية وفق أفكارهم ومنهج حياتهم. إذن، حسب هذا الكلام نجد أنّ فيبر يؤكّد على وجود ارتباطٍ خاصٍّ بين الأديان وبين الطبقات الاجتماعية المعتنقة لها، وقد صنّف المجتمعات في عدّة طبقاتٍ حيث نذكرها فيما يلي مع بيان وجهات نظره حول كلّ واحدةٍ منه:

1) الطبقة الأرستقراطية :
المنضوون تحت طبقة النبلاء أو ما يسمّى بالطبقة الأرستقراطية، بطبيعة الحال لا يرغبون بالأديان التي تتبنّى مبدأ الخلاص، إذ إنّهم يجعلون الأولوية في أهدافهم للقضايا السياسية بغية الحفاظ على سلطتهم ونفوذهم.
إذا تولّت هذه الطبقة الاجتماعية مهمّة حمل راية الدين فسوف تطغى عليه روح المناسك التي تشوبها صبغةٌ حكوميةٌ، ومن ثمَّ يصبح الدين وسيلةً للحفاظ على النظام الاجتماعي وتمسي تعاليمه شبيهةً المناسك الكونفوشيوسية([14]).

2) الطبقة المثقّفة:
حينما يحظى النبيّ بدعم الطبقة المثقّفة يصبح الدين سلطةً أصوليةً، فهذه الطبقة إن حملت راية الدين يكون أتباعها بطبيعة الحال دعاةً إلى مبادئ عقلانيةٍ محضةٍ. النخبة الثقافية في المجتمع عادةً ما تؤمن بكونية ذات الله تعالى بحيث لا تحدّها حدودٌ، لذا فهي تقرّ بأنّ النظام العالمي أمرٌ واقعٌ لا غبار عليه، وعلى هذا الأساس تذعن له عن طريق سلوك منهج الزهد المعنوي ([15]).

3) الطبقة الوسطى (الحضريون):
الطبقة الاجتماعية الوسطى التي تقطن المدن، تختلف في نزعاتها عن الطبقة المثقّفة، حيث يميل من ينضوي تحتها إلى العقلانية العملية؛ لكن يستثنى منها البرجوازيون من أصحاب الثروات والتجارة والصناعة والذين تكون مداخيلهم المادّية مصدراً تعتمد عليه الحكومة في تأمين بعض نفقاتها. عادةً ما يتبنّى هؤلاء رؤيةً مادّيةً محضةً وهو أمرٌ يؤدّي إلى تضاؤل النزعة الدينية في أنفسهم ومن ثمّ لا يكتنفهم حماسٌ لتطبيق التعاليم الدينية بحذافيرها، لكنّهم مع ذلك يمهّدون الأرضية المناسبة لنشر الدين وإحيائه.
المهن التي يزاولها المنخرطون في ضمن الطبقة البرجوازية تقتضي أن يكون الفرد بارعاً في حساباته الاقتصادية وإدارة حياته بشكلٍ عقلانيٍّ، ومن المؤكّد أن انزواءهم عن بيئتهم الاجتماعية وانهماكهم بالعمل في نطاق الأسواق التجارية يجعلهم عرضةً لبعض الأسئلة الدينية.
ومن الجدير بالذكر أنّ الطبقة الاجتماعية الوسطى عندما تحمل راية الدين، تتزايد الرغبة بين الناس للزهد في الدنيا وعدم اللهث وراء ملذّاتها ([16]).

4) طبقة المزارعين (القرويون):
عندما يتولّى سكّان القرى والمزارعون مهمّة نشر رسالة الدين، فإنّ مفهوم الله تعالى يتّصف بصبغةٍ نفعيةٍ لكون المنضوين تحت هذه الطبقة لا يمتلكون طموحاتٍ وليست لديهم معرفةٌ دقيقةٌ به عزّ وجلّ؛ وعلى هذا الأساس نجد أنّ المتعارف هو عدم إيكال هذه المهمّة الحسّاسة إلى هذه الطبقة من المجتمع، وكثيراً ما نراهم يميلون إلى السحر ولا يكترثون بالتعاليم الدينية إلى حدٍّ كبيرٍ ([17]).

5) طبقة المحاربين (المجاهدون):
عندما يتولّى المحاربون مسؤولية حمل رسالة الدين فإنّه يتحوّل إلى أمرٍ دنيويٍّ بالكامل لأنّهم يطمحون إلى تحقيق منافع مادّية فقط ناهيك عن أنّ إيديولوجيتهم الفكرية لا تتّصف بأيّ نمطٍ عقلانيٍّ، فكلّ محاربٍ يعتبر مواجهة الموت والمصير المجهول أمراً طبيعياً يومياً.
كما ذكرنا آنفاً فالإسلام في عهده الأوّل رفض التزام جانب الزهد والرهبنة في الحياة الدنيا حسب رأي ماكس فيبر، ولكن يُردّ عليه أنّ النبيّ الأكرم (ص) والخلفاء الذين تلوه كانت حياتهم بسيطةً بعيدةً عن كلّ أشكال التكلّف والتجمّل. يبرّر فيبر هذه السيرة بأنّها نوع من النقص العسكري وليس زهداً رهبانياً.
ومهما يكن الحال فطبقة المحاربين تسدي خدماتٍ للدين عن طريق الفتوحات العسكرية ولا تنصاع مطلقاً لدين الزهد والتواضع ([18]).

إعادة هيكلة نظرية فيبر :
في هذا القسم من البحث سوف نتناول تأريخ عصر صدر الإسلام بالشرح والتحليل على ضوء نظريات ماكس فيبر، حيث اقتبسنا بعض أقواله على هذا الصعيد بهدف بيان آرائه ومتبنّياته الفكرية في إظارٍ منهجيٍّ منتظمٍ.
يرى هذا المفكّر أنّ الثابت تأريخياً تزامن ظهور الإسلام مع رواج ثقافاتٍ حضريةٍ منحرفةٍ ونشاطاتٍ نفعيةٍ تجاريةٍ وانهيار التقاليد المتعصّبة. كما كانت هناك طبقةٌ اجتماعيةٌ معارضةٌ للأعراف والتقاليد السائدة يطلق عليها (الحنفاء)، والمنضوون تحت مظلّة هذه الطبقة الاجتماعية كانوا من الموحّدين الإبراهيميين، حيث عملوا على إحياء التعاليم الحقّة في المجتمع؛ وفي خضمّ هذه الأجواء رفع النبيّ محمّد (ص) راية التوحيد تحت شعار: «قولوا لا إله إلا الله تفلحوا»، حيث كانت رسالته تتمحور بالأساس على ترسيخ مبدأ التوحيد والطاعة للربّ العظيم الذي لا تحدّ قدرته حدودٌ، ومن هذا المنطلق دعا الناس إلى القيام بأعمالٍ حسنةٍ والإعراض عن الأعمال السيّئة والذميمة، وقد وعدهم بحسن العاقبة والجنّة التي هي بالنسبة إلى عرب البادية هدفٌ يلبّي تطلّعاتهم المادّية. وأمّا الذين كانوا يعارضون رسالته وينكرون دعوته فقد توعّدهم بعذابٍ أليمٍ في يوم القيامة. بناءً على ما ذكر، فقد أكّد ماكس فيبر على أنّ النبيّ الكريم (ص) حاله حال أيّة شخصيةٍ كاريزماتية أخرى، حيث عمل على إحياء السُّنن السالفة وقام بترويج معتقداته ومتبنّياته الفكرية في المجتمع، لكنّ ذلك لم يحظ بتأييدٍ واسعٍ من قبل أهل مكّة، ولولا النظام القبلي الذي كان سائداً آنذاك والأعراف التي كانت تحمي الفرد وتطالب بثأره فيما لو أصابه مكروهٌ، ولولا الدعم الذي قدّمه له بعض الشخصيات النافذة من أمثال أبي طالب وخديجة وعمر وغيرهم، لأفل نجم النبوّة منذ الأيّام الأولى للبعثة النبوية ولم يبق للإسلام ذكرٌ.
وقد تساءل هذا المفكّر حول الظروف التي كانت سائدةً آنذاك، إذ كيف كانت الأوضاع خارج مكّة ولا سيّما بالنسبة إلى القبائل التي تربطها مواثيق مع قريش؟ وما الذي كان ينتظر النبيّ المرسل ودينه الجديد؟
وقد أجاب عن هذا الاستفسار قائلاً: إنّ العرب في تلك الآونة لم يمتلكوا إيديولوجيةً معيّنةً يسيرون وفق مقتضاها. وممّا قاله المستشرق الألماني ثيودور نولدكه: «الأديان التي سادت في شبه الجزيرة العربية امتازت بمنح الهويّة للمظاهر الطبيعية»([19]). فالعرب آنذاك كانوا يضفون على الجمادات، مثل الحجر والخشب، ميزاتٍ ماورائيةً بشكلٍ مبالغٍ فيه، وأكّد مونتغمري واط على هذا الأمر أيضاً بالقول: «حروب الفجّار تعدّ أبرز دليلٍ على إثبات هذا الكلام، حيث تعكس نهجهم الديني وعدم التزامهم بالقيم العرفية أو الاعتقادية» ([20]).
هناك قصصٌ تناقلتها الكتب التراثية العربية تشير إلى أنّ بعض عرب البادية كانوا يسخطون أحياناً على أوثانهم الشخصية أو أوثان قبائلهم فيحطّموها أو يهجوها([21]).
إذن، بناءً على ما ذكر فإنّ فيبر ومن حذا حذوه يعتقدون بأنّ عبادة الأوثان من قبل عرب الجاهلية غالباً ما كانت تهدف إلى تحقيق الطمأنينة النفسية لدى مواجهة الحوادث غير المرتقبة التي قد يواجهونها في حياتهم، لذا فهي ليست مذهباً فكرياً أو أنطولوجياً، فالدين بالنسبة إليهم أمرٌ يلبّي طموحاتهم الدنيوية ممّا جعلهم يقلّلوا من أهميّة الحياة الآخرة. هذه المعتقدات الهشّة أسهمت في سرعة انتشار الإسلام بين القبائل العربية وبما فيها قبائل مكّة والطائف التي كانت تحمل راية الوثنية النفعية في شبه الجزيرة العربية لكونها الرائدة في هذا المضمار، ولكن مع ذلك اعتنقت الإسلام؛ هذا إلى جانب الأبعاد السياسية التي ساعدت على اعتناق الإسلام من قبل عرب البادية، إذ إنّ النظام السياسي الحاكم على البُنية الاجتماعية آنذاك كان قبلياً خاضعاً لسلطة شيوخ العشائر والقبائل والسيادة كانت فيه للرجال دون النساء؛ لذا حينما كان شيخ القبيلة يعتنق الإسلام فهذا الأمر بطبيعة الحال يعني انضواء جميع أفراد قبيلته تحت راية هذا الدين. وعلى هذا الأساس نجد أنّ الإسلام حينما كان يحقّق إنجازاتٍ عسكريةً كبيرةً تسارع القبائل إلى اعتناقه وتتحالف مع الحكومة الإسلامية في المدينة بغية الحفاظ على مصالحها واكتساب منافع أكثر، وبما أنّ النبيّ (ص) كان على علمٍ بذلك فقد هاجر إلى المدينة وأسّس حكومةً إسلاميةً فيها.
بعد البعثة النبوّية حدثت مواجهةٌ محتدمةٌ في مختلف المجالات بين مكّة والمدينة إثر التضادّ النفسي الذي تسبّب به النبيّ (ص) عبر رفع راية التوحيد ومقارعة الشرك، حيث كانت هذه المواجهة ذات طابعٍ قبليٍّ. في هكذا أجواء وجد القرشيون أنفسهم مضطرّين للقضاء على الدين الجديد، وكما هو معلومٌ فإنّ توسيع نطاق الإسلام في شبه الجزيرة العربية كان أمراً محالاً مع معارضة قبيلة قريشٍ وسائر القبائل الموالية لها؛ لذلك احتاج النبيّ محمّد (ص) إلى جيشٍ قويٍّ كي يتمكّن من التصدّي لجبهة الشرك التي أعلنت عداءها له ممّا جعل الإسلام يتّصف بطابعٍ جديدٍ فطغت عليه صبغةٌ عسكريةٌ سياسيةٌ. في بادئ الأمر لم تكن الفرصة مؤاتيةً لذلك، إذ كان الإسلام فتياً ولم تمض عليه مدّةٌ طويلةٌ كي يكمل بنيته العسكرية السياسية ناهيك عن تفوّق أعدائه عدّةً وعديداً وهو أمرٌ جعل التعاليم الدينية الجديدة تتمحوّر حول المسائل الظاهرية التي تجسّدت في الشهادة لله تعالى بالربوبية ولمحمّدٍ (ص) بالنبوّة؛ وبعد ذلك أسّس العرب المسلمون جيشاً قوّياً بغية توفير الأمن لحياتهم الشخصية والقبلية إلى جانب تلبية طموحاتهم المادّية.
لو تأمّلنا في المنظومة الاقتصادية لشبه الجزيرة العربية في تلك الآونة لألفيناها تتقوّم بشكلٍ أساسيٍّ على النهب والسلب والسبي واستعباد الآخرين، وهذا الأمر كان مشهوداً بوضوحٍ بين القبائل التي كانت تمتلك قوّاتٍ عسكريةً مدجّجةً بالسلاح ومستعدّةً للقتال في كلّ لحظةٍ حينما يصدر الأمر ممّن يقودها وهو أمرٌ كان يحول دون إتاحة الفرصة المناسبة لأبنائها كي ينهمكوا في النشاطات الاقتصادية المتعارفة طوال الوقت؛ وكذا كان الحال بالنسبة إلى المسلمين حيث حاربوا أعداءهم بهدف تحقيق مآرب اقتصادية.
هذه الظروف والتوجّهات فسحت المجال للمسلمين كي يوفّروا متطلّباتهم المعيشية وساعدت على توجيه ضرباتٍ قاصمةً لأعدائهم ممّا تسبّب في إيجاد ارتباطٍ وطيدٍ بين الإنجازات السياسية والاقتصادية.
نستنتج ممّا ذكر حول العلاقة الاختيارية التي نشأت بين النبيّ محمّد (ص) وأتباعه وما تمخّض عن ذلك من شدٍّ وجذبٍ حسب نظريات ماكس فيبر، ما يأتي:
1) أهمّ هدفٍ أراد النبيّ (ص) تحقيقه من تبليغ رسالته هو ترويج عقيدة التوحيد.
2) عقيدة التوحيد أصبحت عقبةً أمام معتقدات المشركين من أشراف قريشٍ بحيث بلغت الأوضاع درجةً لا يمكن معها اجتماع الأمرين، وأصبحت العلاقات مرتكزةً على قاعدةٍ فحواها إمّا أن أبقى ويفنى عدوّي وإمّا أن أفنى ويبقى هو.
3) الصراعات المحتدمة بين المسلمين والمشركين اقتضت تأسيس قوّاتٍ عسكريةٍ مقتدرةٍ والقيام بإجراءاتٍ سياسيةٍ وعسكريةٍ تتناسب مع مقتضيات الساعة، لذلك بادر النبيّ (ص) بهذا الأمر.
4) أهالي القبائل الموالية للنبيّ (ص) وجميع الذين آمنوا به، استجابوا لطلبه بأمثل وجهٍ واتّخذوا التدابير اللازمة لمحاربة أعداء التوحيد بعد أن اعتنقوا الإسلام عن فطرةٍ سليمةٍ وذهنٍ فارغٍ من أيّة إيديولوجيةٍ أخرى.
5) وعد النبيّ (ص) من يقاتل تحت رايته بالنصر أو الشهادة التي تعني نيل الملذّات الدنيوية في عالم الآخرة، وعلى هذا الأساس تمكّن من تغيير شخصية عرب شبه الجزيرة العربية من محاربي باديةٍ إلى مجاهدين في سبيل الله، أي: إنّه وعدهم بغنائم الحرب ونيل درجة المجاهد في سبيل الله أو الشهادة ونيل جميع الملذّات في عالم الآخرة؛ هذا إلى جانب سهولة اعتناق الإسلام.
6) انتشر الإسلام بفضل جهود عرب البادية وعلى الرغم من اكتسابه قدرةً فائقةً وتحقيقه فتوحاتٍ عسكريةً كبيرةً، إلا أنّه طرح هويته بصفته ديناً عالمياً يتبنّى منهجاً متشدّداً عنيفاً.
إذن، نستشفّ من آراء ماكس فيبر التي ذكرت أعلاه الدلالات الآتية:
1) كان النبيّ (ص) قائداً عاطفياً.
2) القائد العاطفي من الممكن أن يتأثّر بالقوانين والقيم والبُنى الاجتماعية، ومستوى تأثّره بالطبقات الاجتماعية الموالية له عادةً ما يكون مشهوداً أكثر.
3) الظروف التي كانت سائدةً في شبه الجزيرة العربية إبّان البعثة النبوّية اضطرّت النبيّ (ص) إلى تأسيس جيشٍ قويٍّ يعينه على نشر تعاليمه الإسلامية وترسيخها في المجتمع.
4) المحاربون من عرب البادية امتلكوا المؤهّلات اللازمة لتلبية طلب النبيّ (ص) بتأسيس جيشٍ قويٍّ.
5) كافأ النبيّ (ص) عرب البادية على استجابتهم لطلبه بتجويزه لهم اقتناء غنائم الحرب والانتفاع بالملذّات الدنيوية.
هذه الآراء تدلّ بوضوحٍ على أنّ الإسلام أصبح ديناً للمقاتلين البدويين المتعطّشين للسلب والنهب والذين لا يعرفون سوى منطق العنف والسيف، وإثر ذلك اجتاح سائر الحضارات عن طريق فريضة الجهاد ممّا فسح المجال لأتباعه في اغتنام ثرواتٍ طائلةٍ.
إذن، بعد أن ذكرنا آراء هذا المفكّر المتناثرة في بطون مدوّناته ووضّحنا متبنيّاته الفكرية بالنسبة إلى الإسلام ونبيّنا الكريم (ص)، سنتطرّق فيما يأتي إلى نقدها وتحليلها في مجالين، هما:
أوّلاً: دراسةٌ نقديةٌ حول نظرياته.
ثانياً: دراسةٌ نقديةٌ حول شخصيته.
في القسم الأوّل من البحث سنستعرض نظريات فيبر على ضوء الشواهد التأريخية في عصر صدر الإسلام، وفي القسم الثاني سنقوم بدراسةٍ نقديةٍ حول شخصيته التي كان لها أثر كبير على تبنّي آرائه.
القسم الأوّل
نظريّات ماكس فيبر في بوتقة النقد والتحليل
الآراء التي طرحها فيبر حول الإسلام والنبيّ محمّد (ص) وباكورة عصر صدر الإسلام والتي أشرنا إليها آنفاً، تترتّب عليها النتائج الآتية:
1) شخصية النبيّ (ص) تنطبق مع ما ذهب إليه ماكس فيبر حول شخصية القائد العاطفي.
2) كانت هناك مجموعة من عرب البادية تربطهم مصالح مشتركة في عصر صدر الإسلام، لذا قاموا بصياغة الدين الجديد على وفق مصالحهم الخاصّة.
3) الذين حملوا راية الإسلام من عرب البادية ودافعوا عن حياضه، اتّصفوا بالعنف والتعطّش للقتل والنهب واللهث وراء الملذّات الدنيوية.
بطبيعة الحال حينما تتباين خصال النبيّ (ص) مع الأُسس المتعارفة للشخصية الكاريزماتية، وعندما يثبت لنا أنّ أتباعه لم يكونوا مقاتلين ذوي نزعةٍ خشنةٍ، فإنّ نظرية فيبر ستواجه تحدّياً تأريخياً جادّاً يثير الشكوك حول مدى مصداقيتها ونزاهتها؛ وعلى هذا الأساس نطرح فيما يأتي بعض الأسئلة ونجيب عنها بغية بيان جوانب الموضوع بشكلٍ أفضل:
- هل امتلك النبيّ الاكرم (ص) شخصية كاريزماتية بالمعنى الاصطلاحي؟
لا يختلف اثنان في أنّ المسلمين الأوائل كانوا يعتقدون بعظمة شخصية رسول الله (ص) الذي تلقّى وحي السماء وكانوا يعدّونه إنساناً مختلفاً عنهم وعن غيرهم، ولكن تجدر الإشارة هنا إلى أنّه دائماً كان يحاول إشراكهم معه في اتّخاذ القرارات الهامّة، وهو أمرٌ مشهودٌ ولا ينكره أحدٌ في سيرته المباركة؛ وهذه الخصلة ميّزته عن سائر القادة المحنّكين الذين يتفرّدون بإدارة شؤون الأمّة، لذلك لم يكن يستبدّ برأيه مطلقاً، وقد ساعد على ذلك أنّه سعى إلى إزالة القيود الموجودة بين الحبيب والمحبّ ومن ثمّ فسح المجال لأتباعه كي يطرحوا ما يعتقدون به من دون خشيةٍ أو تردّدٍ فيكون لهم نصيبٌ على صعيد اتّخاذ القرارات الاجتماعية وغير الاجتماعية الهامّة ناهيك عن أنّه رسّخ في أنفسهم هذه الخصلة بغية أن لا يتأثّروا بطبيعتهم البدوية ولا يذعنوا للأعراف الاستبدادية التي كانت سائدةً إبّان الجاهلية.
ينقل المؤرّخون وأرباب السيَر أنّ النبيّ الأكرم (ص) في معركة بدرٍ لم يستبدّ برأيه واستشار أصحابه، ولـمّا تحرّك إلى موقع المعركة نزل بالجيش عند أدنى بئرٍ من آبار بدرٍ، فقام الحباب بن المنذر وأشار عليه بموقعٍ آخر أفضل من هذا الموقع، وهو عند أقرب ماءٍ من العدو، فقال له - مشجعًا - :«لَقَدْ أَشَرْت بِالرّأْيِ». بادر النبيّ (ص) إلى تنفيذ ما أشار به الحباب ولم يستبدّ برأيه رغم أنّه القائد الأعلى للمسلمين وعليه ينزل وحي السماء ([22]).
كما نُقلت الحكاية التالية في موقعة الأحزاب: لـمّا وجد النبيّ (ص) أنّ البلاء اشتدّ بالمسلمين، بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فاستشارهما في أن يصالح بني غطفان على ثلث ثمار المدينة كي ينصرفوا عن قتال المسلمين، فقالا له: «يا رسول الله، أَهو أمرٌ تحبّه فنصنعه، أم شيءٌ أمرك به الله، أم شيءٌ تصنعه لنا»؟
فقال النبيّ (ص): «بل شيءٌ أصنعه لكم كي أكسر عنكم شوكتهم»، حينئذٍ قال له سعد بن معاذ: «والله ما لنا بهذا من حاجةٍ، والله لا نعطيهم إلا بالسيف حتّى يحكم الله بيننا وبينهم». فتهلّل وجه رسول الله (ص) وقال: «فأنت وذلك» ([23]).
لو أمعنّا النظر في الخبرين المذكورين، نستنتج أنّ الصحابة كانوا يميّزون بين كلام الله تعالى وكلام رسول الله (ص)، وهذا الأمر يعني حسن خلقه وتسامحه معهم وفق أحكام الشريعة وقد تحقّق بفضل الجهود الحثيثة التي بذلها صلوات الله عليه، حيث كان يؤكّد لهم بأنّه بشرٌ مثلهم لكنّ الله خصّه بوحي السماء، لذا طلب منهم أن يتعاملوا معه بصفته إنساناً يأكل الطعام ويمشي في الأسواق.
على الرغم من أنّه كان قادراً على فرض رأيه على المسلمين نظراً لاختصاصه بالوحي ونبوغه الفكري وعلمه بصوابه من دون أدنى ترديدٍ كما حدث في حرب أُحد، لكنّه لم يكن يفعل ذلك وجعل علاقته بصحابته متقوّمةً على أساس التعامل الأخوي والرأي المتبادل من دون أن يسعى لتحويلها إلى علاقةٍ بين حبيبٍ ومحبٍّ، وهذا الأمر لم يقتصر على الأمور الثانوية فحسب، بل هو مشهودٌ أيضاً في القضايا المصيرية، إذ كان يستشيرهم ويتبادل الرأي معهم.
قد ينتقد البعض هذا الكلام لأسباب مختلفة، لكنّنا نردّ عليهم بأنّ ما يحظى بأهميةٍ بالغةٍ ويجدر بالبحث والتحليل في هذا المجال هو ما اتّخذه النبيّ (ص) من مواقف تجاه صحابته وليست مواقف الصحابة تجاهه، فحينما يريد إقناعهم بقبول أقواله وأفعاله لم يكن يربط كلامه بكلام الله تعالى كي لا يعترض عليه أحدٌ وبغية أن لا يتعرّض الإسلام لتحدٍّ إثر مخالفة البعض ولا سيّما عند ارتباط الموضوع بقضايا هامّة يواجهها المسلمون بعد لقائه بالرفيق الأعلى؛ ومن هنا يثبت بطلان رأي ماكس فيبر الذي عدَّ شخصيته كاريزماتيةً عاطفيةً.
كما هو معلومٌ فإنّ الحركات التي انطلقت على أساس تأثير الشخصيات الكاريزماتية عادةً ما تكون متزعزعةً وغير مستقرّةٍ لكونها تتمحور في أساسها على قائدها العاطفي فحسب، ومن ثمّ فهي قصيرة الأمد وغير ثابتةٍ؛ لذلك نجد أنّ نبيّنا الكريم (ص) كان يحاول دائماً ترسيخ المبادئ الإسلامية بعيداً عن العواطف الشخصية لأتباعه الذين كانوا يكنّون له كلّ المحبّة والاحترام بغية تأصيل الإسلام وترسيخ مبادئه السماوية الحقّة في أنفسهم بقناعةٍ وإيمانٍ صادقٍ من خلال تعليمهم الأصول والقوانين الصائبة وإشراكهم في إدراة شؤون المجتمع.

هل كان أتباع النبيّ (ص) من محاربي عرب البادية؟
بحوث ماكس فيبر حول الطبقات الاجتماعية الحاملة لراية الأديان والمدافعة عنها، فيها غموضٌ حول ماهية هذه الطبقات، إذ لا يُفهم من كلامه ما إن كان يروم في حديثه عنها بيان تطلّعاتها إلى تحقيق مصالح اقتصادية وسياسية مشتركة أو أنّه أراد من ذلك بيان ميزاتها الشخصية والنفسية فحسب. لو دقّقنا في وجهات نظره وآرائه التي تبنّاها، وإذا أخذنا بنظر الاعتبار التقسيمات الاجتماعية التي ذكرها لمختلف الفئات من قبيل المحاربين والمزارعين والبيروقراطيين والمثقّفين، نستنتج أنّه كان يقصد المعنى الأوّل؛ كما نستشفّ المعنى الثاني لو تعمّقنا في فرعيات هذه التصنيفات وما طرحه حولها من مباحث ذات الصلة بالخصائص والخصال النفسية للمزارعين والمحاربين وسائر الفئات الاجتماعية. وعلى هذا الأساس سوف نسوق البحث في إطار فرضياتٍ شرطيةٍ:
- لو كان مراده من الطبقة الاجتماعية الحاملة لراية الدين أشخاصاً تربطهم مصالح مشتركة على الصعيدين السياسي والاقتصادي في عصر صدر الإسلام، فهل هناك شواهد تأريخية تؤيّد صحّة هذا الادّعاء؟
للإجابة عن هذا السؤال لابدّ من مراجعة المصادر التأريخية، لذا عند تسليط الضوء عليها نستلهم منها أنّ أصحاب النبيّ الأكرم (ص) لم يكونوا من فئةٍ اجتماعيةٍ واحدةٍ، إذ لكلّ واحدٍ منهم حرفته التي يمتهنها ممّا يثبت لنا انتفاء وجود مجموعةٍ تربطها مصالح مشتركة، فغالبية المهاجرين كانوا يزاولون مهنة التجارة والنشاطات الاقتصادية، في حين أنّ معظم الأنصار كانوا مزارعين. وهذا الأمر بطبيعة الحال يدلّ على عدم وجود مهنةٍ مشتركةٍ بينهم بحيث تجعلهم من صنفٍ واحدٍ وتربطهم بمصالح مشركة، وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ عبد الحيّ الكتاني صاحب كتاب نظام الحكومة النبويّة المسمى بـ (التراتيب الإدارية) ذكر 34 حرفةً امتهنها المسلمون الأوائل، نذكر منها الأمثلة الآتية:
- (التجارة) أبو بكر بن أبي قحافة وعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيد الله.
- (البزازة) عثمان بن عفّان.
- (القراض) يعقوب مولى الحرقة.
- (بيع السلاح) نوفل بن الحرث بن عبد المطّلب.
- (بيع الطعام) سالم بن عبد الله.
- (الخرازة) زينب بنت جحش.
- (الدباغة) أمّ المؤمنين سودة.
- (تأجير الأراضي) ابن مسعود.
- (القبالة) سلمى زوجة أبي رافع.
- (صناعة السيوف) الخباب بن الأرت.
- (حفر القبور) أبو عبيدة الجرّاح.
- (الطبابة) الحرث بن كلدة.
- (صناعة النبل) سعد بن أبي وقّاص.
- (البيع المتجوّل) أبو هريرة.
- (الحلاقة) سلمان.
هذه بعض المشاغل التي ذكرها الكتاني في عهد رسول الله (ص)، وهناك مشاغل عديدة أخرى لم نشر إليها من قبيل الحجامة والتجبير ([24]).
ولعلّ ماكس فيبر استنتج أنّ أتباع النبيّ محمّد (ص) كانوا محاربين مشابهين للفرسان الأوروبيين لكونهم جعلوا الحرب هدفاً لهم بحيث كان دخلهم المادّي متقوّماً على القتال والحروب وكسب الغنائم. وتجدر الإشارة إلى أنّ الأمر الذي دعا هذا المفكّر لتصوّر ذلك هو كثرة الوقائع العسكرية التي شهدها عصر صدر الإسلام والتي تقدّر بغزوةٍ أو سريةٍ كلّ اثنين وأربعين يوماً، لكنّ هذا التصوّر في الحقيقة عارٍ من الصحّة لأنّه لا يستند إلى أيّ شاهدٍ تأريخيٍّ، إذ لم يرد في مصادر التأريخ والسيرة أنّ رسول الله (ص) خصّص رواتب شهرية للمجاهدين كي يمتهنوا الخدمة العسكرية وظيفةً لهم. وإذا كان مراد فيبر من طبقة المحاربين بعض المقاتلين الذين انضمّوا إلى صفوف المسلمين في سوح القتال بغية حيازة الغنائم، يجاب عليه أنّه كما كان مجموعة من صحابته صلوات الله عليه يزاولون النشاطات الاقتصادية والمشاغل الأخرى، كذا هو الحال بالنسبة إلى الدوافع التي دعت الناس إلى مساندته، فهي متنوّعةٌ أيضاً.

وقد ميّز المستشرق البريطاني هاملتون روسكن جب بين الطبقات الاجتماعية في عصر البعثة النبوّية وصنّفها في ثلاثة مجاميع حسب دواعي اعتناقها الإسلام، وقال: «المجموعة الأولى اعتنقت الإسلام وتبنّت كافّة تعاليمه عن رغبةٍ وإيمانٍ، والثانية ساندته لدواعي نفعية ولم تكن ملتزمةً بتعاليمه إلا بشكلٍ ظاهريٍّ، والثالثة تجسّدت في أعراب البادية الذين اعتنقوه طمعاً بغنائم الحرب أو خشيةً من شوكة المسلمين»([25]). يمكننا مقارنة هذا التصنيف مع ما ورد في القرآن الكريم الذي صنّف المسلمين ومن تظاهر بالسير في ركبهم كما يلي:
1) المؤمنون حقّاً (المسلمون أصحاب العقائد الصحيحة).
2) المسلمون الاجتماعيون (الذين اعتنقوا الإسلام إثر ظروفهم الاجتماعية).
3) المنافقون.
بطبيعة الحال فإنّ المؤمنين هم الذين ساندوا النبيّ الأكرم (ص) بإخلاصٍ وبكلّ ما أوتوا من قوّةٍ، إذ كلّفهم ذلك ثمناً باهضاً، فلو تتبّعنا الغزوات والسرايا في عصر صدر الإسلام لثبت لنا ذلك جليّاً، ولا سيّما أنّهم حتّى السنة الخامسة من الهجرة لم يمتلكوا المقوّمات اللازمة لمواجهة الأعداء المدجّجين بالسلاح، إذ في تلك السنة اندلعت موقعة الأحزاب التي كانت هزيمتهم فيها أمام المشركين مؤكّدةً على وفق الحسابات العسكرية والمادّية؛ ولا يختلف اثنان أنّه في هكذا ظروف لا يمكن للأطماع والمصالح المادّية أن تكون سبباً في صمودهم أمام الأعداء وتعريض حياتهم للخطر، لذا من الحماقة بمكانٍ أن يزعم أحدٌ أنّ الدوافع المادّية والدنيوية كانت السبب في مؤازرتهم للنبيّ الأكرم (ص)، ويؤيّد ذلك أيضاً أنّ طبقتي المسلمين الاجتماعيين والمنافقين لم تقدّما الدعم له في تلك الآونة. قال تعالى في كتابه الكريم: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ الله اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْـحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْـحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ( ([26])، وقال أيضاً: )فَإِنْ رَجَعَكَ الله إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْـخَالِفِينَ( ([27]).
ومن الجدير بالذكر هنا أنّه كان بين المنافقين والمسلمين الاجتماعيين أشخاصٌ اعتنقوا الإسلام متأثّرين بالروح الاجتماعية التي كانت سائدةً في المدينة المنوّرة آنذاك، لكن لم يساند رسول الله (ص) بالنفس والمال سوى المؤمنين الحقيقيين الذين بذلوا الغالي والنفيس على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي دعماً لدين الله ونبيّه الكريم، ومن ثمَّ أثمرت جهودهم عن رفع راية الإسلام في شتّى أرجاء المعمورة وصموده أمام جميع التحدّيات التي واجهها على مرّ العصور. اللافت للنظر هنا أنّ المؤمنين لم يطمحوا لتحقيق أيّة مصالح اقتصادية من وراء ذلك، وبالفعل فالتأريخ يذكر لنا في أنصع صفحاته أنّهم مع كلّ انتصاراتهم الباهرة لم يحظوا بثرواتٍ طائلةٍ، بل حتّى أوضاعهم الاقتصادية لم تتغير ولا سيّما المهاجرون قبل فتح مكّة، إذ كانوا فقراء ولم يمتلكوا مؤهّلاتٍ مادّيةً كبيرةً ([28]).

بناءً على ما ذكر، سوف نرتّب مباحثنا النقدية كما يأتي:
- إن ادّعى ماكس فيبر وجود طبقةٍ اجتماعيةٍ نافذةٍ تربطها مصالح مشتركة في عصر صدر الإسلام تتمثّل في المحاربين من عرب البادية، نقول في الردّ عليه:
أوّلاً: تعدّد أنماط الأعمال التي امتهنها المسلمون آنذاك يثبت لنا بطلان ادّعاء وجود طبقةٍ اجتماعيةٍ ذات مصالح مشتركة.
ثانياً: لم تكن الحرب هي المصدر الأساسي الذي يعتمد عليه المسلمون في تلبية متطلّبات حياتهم المادّية، لأنّ النبيّ (ص) لم يخصّص رواتب شهرية أو ما شاكلها للمجاهدين، كما أنّ الظروف الاجتماعية التي كانت سائدةً آنذاك لم تكن لصالح المسلمين كي يتسنّى لهم تحقيق منافع شخصية وفئوية من وراء إسلامهم؛ ومن هنا يتّضح السبب في عدم رغبة المنافقين والمسلمين الاجتماعيين بمؤازرة النبيّ عسكرياً.
يبدو أنّ هذا المفكّر خلال بحوثه حول عصر صدر الإسلام حاول تسليط الضوء على الموضوع في إطارٍ مبسّطٍ، إذ بدل أن يتطرّق إلى الحديث عن العلاقات المعقّدة بين المهاجرين والأنصار واليهود والمنافقين والمؤمنين، ساق مباحث أُخر واعتبر جميع المؤازرين لرسول الله (ص) بأنّهم من صنفٍ واحدٍ وزعم أنّ المزية التي تجمعهم هي السعي وراء تحقيق مصالح مادّية من الغنائم التي يكتسبونها في حروبهم؛ ناهيك عن أنّه لم يكترث بسلسلة الأحداث التي شهدتها الساحة في عصر البعثة النبوّية، فأعراب البادية على سبيل المثال لم يعتنقوا الإسلام إلا بعد فتح مكّة في السنة التاسعة للهجرة التي عرفت بـ (عام الوفود) وفي تلك الآونة كانت شوكة المسلمين قوّيةً ولم يكونوا بحاجةٍ إلى دعم هؤلاء الأعراب، بل الأمر كان على العكس من ذلك إذ اعتنقوا الإسلام بعد أن وجدوا أنفسهم مقابل دولةٍ إسلاميةٍ مقتدرةٍ عاصمتها المدينة المنوّرة.
إنّ انخراط أعراب البادية في ركب المسلمين في العصر الإسلامي الأوّل قد كان له تأثيرٌ إلى حدٍّ ما من حيث تبسيط صورة الإسلام، لكنّ تأثير الطبقة الأرستقراطية من قبيلة قريش كان لها الوقع الأكبر في هذا الصعيد، وبالأخصّ بنو أُمية الذين تغلغلوا في العمق الإسلامي وأثّروا على التعاليم الإسلامية أكثر من أيّة فئةٍ أخرى؛ وهو ما غفل عنه ماكس فيبر.
- لو افترضنا أنّ ماكس فيبر لم يعتبر المحاربين من عرب البادية بأنّهم طبقةٌ اجتماعيةٌ لها مزايا مشركةٌ من الناحية الاقتصادية، وأنّه كان يؤكّد على بيان طباعهم وأخلاقهم ولم يكن يقصد أنّ الإسلام قد بُني على أكتافهم؛ فهل أنّ رأيه هذا باطلٌ في ظلّ الحقائق التأريخية التي ذكرت حول الإسلام أو لا؟
لو أذعنّا بما ذهب إليه هذا المفكر، فلا مناصّ لنا من الإقرار بأنّ أتباع النبيّ الأكرم (ص) كانوا يتّبعون الشهوات والملذّات الدنيوية إلى جانب كونهم بغاة حروبٍ وذوي قلوبٍ قاسيةٍ لا يمتلكون أيّ جانبٍ من مقوّمات الإيمان والتقوى، ولم يكن إسلامهم سوى علاقةٍ عاطفيةٍ متبادلةٍ مع النبيّ محمّد (ص) ومن ثمّ تمكّنوا من فرض ميزاتهم الخلقية على الإسلام.
وفي مقابل آراء فيبر، نحا تيرنر منحى آخر وقال: «لقد نشأ الإسلام في مدينة مكّة التي هي بيئةٌ حضريةٌ ومن ثمّ أثمرت شجرته في المدينة. كثير من أصول الدين التي جاء بها النبيّ محمّد قد طرحت إلى جانب القضايا التجارية، ومعظم العبارات والمصطلحات القرآنية ذات الطابع التخصّصي تطغى عليها صبغةٌ تجاريةٌ»([29]). وقال في موضعٍ آخر: «عصر صدر الإسلام يعكس تفوّق القوانين الحضرية - المدنية - على التقاليد والأعراف البدوية، وتفوّق السلطة الحضرية على القدرة البدوية» ([30]).
تجدر الإشارة هنا إلى أنّ المراد من مفهوم الحضرية في الكلام المذكور هو نمط حياة سكنة المدن في عصر صدر الإسلام، لأنّ المدنية التي كانت سائدةً في شبه الجزيرة العربية آنذاك تختلف بطبيعتها عن المدنية الأوروبية الغربية في القرون الماضية، والأجواء المدنية في عصرنا الراهن تعني ما يأتي:
- كثافة سكّانية عالية.
- علاقات اجتماعية وغير اجتماعية عامّة.
- تقسيمٌ متواصلٌ للمهامّ الاجتماعية.
- رواج مقرّرات وأعراف مدنية.
- وجود شبكة معقّدة من العلاقات الرسمية.
كما نلاحظ فإنّ هذه القضايا لم تكن موجودةً في مكّة والمدينة إبّان عصر البعثة النبوّية، لذا فإنّ تنامي الإسلام وانتشاره في هاتين المدينتين لا يعني أنّه دينٌ حضريٌّ وأنّ سكنتهما امتازوا بنفس الخصال النفسية لسكنة المدن في العصر الحديث.
إذن، السؤال الآتي يطرح نفسه هنا: هل الإسلام دينٌ لسكنة البادية أو هو دينٌ للحضر؟
للإجابة عن السؤال المذكور، نقول: إنّ المراودات التجارية لأهالي مكّة مع حضارات الشرق الأوسط في تلك الآونة، ومجاورة أهالي المدينة المنوّرة لأهل الكتاب من يهود ونصارى؛ كانتا سبباً في تعرّفهم على كثير من شؤون التمدّن وثقافات الشعوب الأخرى، والأمر الذي كان مشهوداً بشكلٍ كبيرٍ في تلك الآونة هو اطّلاعهم على كثير من المسائل الدينية في الديانتين المذكورتين وهو أمرٌ جعلهم مستعدّين لسلوك نهج الزهد عن الدنيا بغية نيل السعادة في الحياة الآخرة التي وعدهم بها رسول الله (ص). إضافةً إلى ذلك فإنّ طباعهم وتقاليدهم كانت تختلف عن أعراف أعراب البادية الذين كانوا يؤاخذون أهل مكّة على نزعتهم الاقتصادية وحبّ المال، ويؤنّبون أهل المدينة على استقرارهم في موطنهم وعدم تنقّلهم في أكناف البادية.
ماكس فيبر غفل عن هذه الحقيقة لدرجة أنّه لم يميّز بين نمط حياة أعراب البادية وسكنة مكّة والمدينة، إذ ليس هناك أيّ تطابقٍ بين الأعراف والتقاليد التي سادت في شتّى نواحي شبه الجزيرة العربية، بل قد يحدث تعارضٌ بينها أحياناً.
صحيحٌ أنّ شريعة النبيّ محمّد (ص) لم تكن من سنخ معتقدات قريش وتعارضت مع قيمهم الأرستقراطية والرأسمالية، لكنّ ذلك طبعاً لا يعني تطابقها مع القيم البدوية مطلقاً؛ أي: إنّ الإسلام ليس ديناً حضرياً ولا بدوياً، بل هو مظهرٌ للقيم السامية التي جاء بها خاتم الأنبياء صلوات الله عليه وآله وتلك الأصول الناجعة التي سادت في هاتين البيئتين لكون هدفه تأسيس مجتمعٍ توحيديٍّ بأرفع المبادئ السمحاء. يقول الباحث الياباني توشيهيكو إيزوتسو في هذا الصدد: «لقد تبنّى الإسلام أهمّ المبادئ الإنسانية القبلية، مثل السخاء والشجاعة والصدق والوفاء، وأضفى عليها مضامين جديدة» ([31]).
ولا شكّ في كون ماكس فيبر قد ارتكب خطأً فادحاً في زعمه أنّ المسلمين الأوائل كانوا من أعراب البادية الذين يتّصفون بالعنف وقساوة القلب وأنّهم لا يرغبون بروح الزهد والورع ولا يؤمنون بعالم الآخرة ولم يكن اتّباعهم للنبيّ محمّد (ص) إلا لتحقيـق مكاسب دنيوية وملذّاتٍ مادّيةٍ. الحقيقة التأريخية الدامغة التي لا ينكرها أيّ باحثٍ مدقّقٍ هي أنّ المسلمين الأوائل لم يكونوا من أعراب البادية كما أنّهم لم يرفضوا حياة الزهد والورع؛ فالسبب في توهّم هذا الباحث يكمن في الطبيعة الصحراوية الخشنة التي عاش في كنفها مسلمو عصر صدر الإسلام، حيث كانت بيئتهم قاسيةً وواجهوا مصاعب في الحياة، لذا فليس من المحتمل بمكانٍ أنّهم كانوا منغمسين في الملذّات الدنيوية بحيث يصعب عليهم فهم دينٍ سماويٍّ حقٍّ.
يبدو من أقوال هذا المفكّر أنّه خلط بين أمرين، كما يأتي: يعتقد بعض الباحثين من أمثال واط وثيودور نولدكه ومرجليوت، أنّ الديانات التي سادت العرب قبل ظهور الإسلام كانت دنيويةً وترتكز نوعاً ما على بعض متطلّبات حياتهم البدوية، من قبيل تحقيق النصر في غاراتهم على بعضهم والدفاع عن مصادرهم المائية وسيطرتهم على المراعي، إضافةً إلى اتّصافها بالطباع القبلية والبشرية؛ وعلى هذا الأساس أعرضوا عن اعتناق دياناتٍ ذات إيديولوجيةٍ عالميةٍ. يضاف إلى ذلك عدم رواج عقيدة المعاد والحياة بعد الموت بشكلٍ ملحوظٍ بينهم لأنّهم صاغوا دياناتهم على ضوء بيئتهم الطبيعية التي عاشوا في رحابها واستلهموا منها تعاليمهم العقائدية، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه النزعة - التي يمكن وصفها بأنّها شكوكيةٌ - وتحدّث عن المعتقدات التي كانت سائدةً بين مشركي مكّة. وكما يبدو فإنّ هذا الأمر قد أوقع فيبر في إيهامٍ بعد أن ربط بينه وبين روح الزهد لدى أتباع النبيّ (ص)، فالواقع هو عدم وجود ارتباطٍ منطقيٍّ بينهما؛ إذ لو كان العرب آنذاك غير مؤمنين بعالم الآخرة ويعتبرون الدين وسيلةً لتحقيق الرفاهية والأمان في الحياة الدنيا، فليس من الصواب بمكانٍ استنتاج أنّهم تجرّدوا عن نزعة الزهد والتقوى، كما ليس من الصواب زعم أنّهم عجزوا عن الاتّصاف بهكذا نزعة.
إنّ المسلمين الأوائل ما تخلّوا عن الدنيا وفي الحين ذاته ما انغمسوا باللّهو والملذّات المادّية لكونهم لم يسلكوا منهجاً مناظراً لما انتهجه البيورتانيون أو الكاثوليك؛ والسبب في ذلك بكلّ تأكيدٍ لا يرجع إلى الطباع البدوية التي تحول دون تحقّق هذا الأمر، بل منشأ نزعتهم الإسلامية الخالصة يكمن في تلك التعاليم السمحاء التي جاءهم بها خاتم الأنبياء (ص) والتي ردعتهم بشدّةٍ عن سلوك نهج الرهبنة الذي رُفض جملةً وتفصيلاً.
لقد نهى الإسلام عن الرهبانية في الحياة الدنيا مع تأكيده الشديد على ضرورة الإيمان بالمعاد في عالم الآخرة بصفته ركناً أساسياً في الإسلام ممّا يعني أنّ المبادئ الإسلامية تحفّز على السعي إلى السعادة والنجاة، لكن بشكلٍ يختلف عمّا هو موجود في الأديان الأخرى.
- هل أنّ النبيّ محمّد (ص) أثّر على أتباعه في ظلّ علاقته معهم أو أنّه تأثّر بهم؟
استناداً إلى ما ذكر آنفاً حول نظرية ماكس فيبر، فإنّ التعاليم التي يأتي بها كلّ دينٍ إبّان نشأته الأولى هي حصيلةٌ للتعامل المتبادل بين النبيّ المرسل والطبقة الاجتماعية التي تتبنّى تعاليمه، أي: إنّ خصائص كلٍّ منهما هي التي تصوغ هذه التعاليم؛ لكنّنا أثبتنا أنّ ما يصنع هوية أحد الأديان هو نوع الصلة التي يوجدها النبيّ وأتباعه فيما بينها مضافاً إلى الخصائص التي يمتاز بها كلّ واحدٍ منهما. حسب رأي فيبر فإنّ النبيّ محمّد (ص) بصفته قائداً عاطفياً، تأثّر إلى حدٍّ كبيرٍ برغبة أصحابه واستجاب لكلّ طلباتهم!
هذه الصورة التي طرحها فيبر حول نبيّنا الكريم لا نستشفّ منها أيّ اقتدارٍ إصلاحيٍّ له حيث يعرّيه عن التأثير على من اتّبعه، لذا فالسؤال الآتي يطرح نفسه: هل كان رسول الله (ص) عاجزاً عن مواجهة البُنى الاجتماعية التي كانت سائدةً في زمانه بحيث لم يتمكّن من التأثير على المجتمع؟
إنّ المصادر التأريخية تدلّ بوضوحٍ على أنّ النبيّ محمّد (ص) حين إقامته في المدينة المنوّرة بادر بإجراء إصلاحاتٍ جادّةٍ في شتّى المجالات السياسية والثقافية والاجتماعية وغيرها، كما أسّس جيشاً واتّبع خططاً عسكريةً لا نظير لها وعيّن ولاةً وقضاةً وعمّالاً يتقاضون أجوراً محدّدةً من دون أن يسمح لهم باقتناص ما شاؤوا من بيت المال، ناهيك عن وضعه قوانين دستورية وإجرائه إحصائيات سكّانية وفسح المجال للنساء في طلب العلم، ناهيك عن كثير من النشاطات الأخرى الفريدة من نوعها والتي تثبت برمّتها مدى تأثيره الكبير على مجتمعه. إنّه لم يكن مجرّد قائدٍ ذي شخصيةٍ كاريزماتيةٍ بحيث يصبح موته سبباً لأُفول نجم نهضته الدينية واضمحلال تعاليمه السمحاء بمرور الزمان، فالأمر على عكس ذلك تماماً، كما أنّه بذل جهوداً حثيثةً لوضع قوانين ومقرّرات على مختلف الأصعدة وقام بإجراء إصلاحات وتغييرات واسعة النطاق لم يسبقه بها أحدٌ ([32]).
من المؤكّد أنّ مجرّد إحصاء الإجراءات التي اتّخذها خاتم الأنبياء (ص) لا يعدّ كافياً لإثبات مدى تأثيره البالغ على البُنية الاجتماعية التي عاش في كنفها، إذ قد يبرّر البعض ما قام به بأنّه أمرٌ مترتّبٌ منطقياً على نهضته وبالتالي فهو يزول بعد التحاقه بالرفيق الأعلى؛ لكنّنا إن سلّطنا الضوء على واقع المجتمع الجاهلي الحاكم في شبه الجزيرة العربية آنذاك وحضارتي الفرس والروم قبل الإسلام، وقارنّا ذلك مع الحضارة الإسلامية في القرنين الثاني والثالث بعد الهجرة، نجد أنّ المبادئ السامية في نهضة النبيّ محمّد (ص) لم تقتصر على أيّام حياته، بل حافظت على ميزاتها الفريدة رغم كلّ تلك التحريفات التي طالتها من قبل بني أُمية ومن لفّ لفّهم.
ماكس فيبر عند بيانه وتحليله لميزات عصر صدر الإسلام اعتبر النبيّ الخاتم (ص) شخصاً يتصرّف بانفعالٍ وعاطفةٍ بغية تحقيق أهدافه لدرجة أنّه كان يذعن لطلبات أتباعه حتّى وإن كانت تنصبّ في ملذّاتهم الدنيوية ومصالحهم الشخصية أو الفئوية، لكنّ المفكّر برايان تيرنر قال في هذا الصدد:
«إنّ القرآن والشواهد التأريخيـة المرتبطـة بحيـاة المسلمين الأوائل يـدلان بوضوحٍ على كون النبيّ وأتباعه يعارضون جميع أشكال النزعات النفعية في الإسلام»([33]).

القسم الثاني
شخصية ماكس فيبر في بوتقة النقد والتحليل
في القسم الأوّل من البحث تطرّقنا إلى نقد نظريات المفكّر ماكس فيبر، وفي هذا القسم سوف نتناول شخصيته من هذه الزاوية أيضاً، أي سنسلّط الضوء على الأسباب التي دفعته لتبنّي آرائه ونظرياته حول الإسلام.
بغضّ النظر عن صحّة أو سقم نظريّات فيبر، نطرح السؤالين الآتيين:
أوّلاً: هل اعتمد هذا المفكّر في بحوثه على مصادر تأريخية معتبرة لاستقصاء المعلومات التي طرح نظرياته على أساسها؟
ثانياً: هل اتّبع منهجاً موحّداً في التعامل مع المفاهيم التي تمحورت بحوثه ونظرياته حولها، مثل الكاريزما والطبقة الاجتماعية الحاملة لراية الدين؟

المصادر التأريخية التي اعتمد عليها فيبر:
المصدر الذي اعتمد عليه ماكس فيبر في نظرياته التي طرحها حول الإسلام هو من تأليف (أتش. بيكر)، لكنّه ليس من المراجع التأريخية المعتبرة في البحث العلمي، لذا فهو لم يطرح آراءه على وفق منهجٍ علميٍّ صائبٍ ناهيك عن أنّ الروايات التي نقلها من هذا الكتاب تعدّ من جملة الروايات غير الصحيحة. ولا يستبعد أنّ السبب في طرحه لنظرياتٍ خاطئةٍ تتمحور حول جانبٍ واحدٍ يرجع إلى عدم اعتماده على المصادر التأريخية المعتبرة، لأنّه باحثٌ مدقّقٌ ويراعي جانب الحيطة والحذر، لكنّ هذا الأمر دعا برايان تيرنر لأن يعتبره متعمّداً في أطروحاته التي تمسّ تأريخ صدر الإسلام ورأى أنّه يكنّ الضغينة للمسلمين([34]).
- هل كان مفهوم (كاريزما) ذا معنىً ثابتٍ في رؤية ماكس فيبر؟
من المؤاخذات التي تذكر على هذا المفكّر أنّه لم يتعامل مع المفهوم الاصطلاحي لـ (كاريزما) وفق نسقٍ واحدٍ وعلى أساس دلالةٍ معيّنةٍ، ففي تعريفه له جعله معادلاً لنهضةٍ ثوريةٍ تظهر إلى جانب الأعراف والتقاليد؛ ولكن شيئاً فشيئاً أصبح هذا المعنى رهيناً للماضي والحاضر والمستقبل لدرجة أنّ فيبر جعله أمراً ذا عواقب سيّئة لكونه يؤدّي إلى تضييق النطاق الاجتماعي والاقتصادي؛ ومن ثمَّ فالأهداف السامية من وراء الدعوة إلى الحقّ والسير في المنهج القويم تضمحلّ وتتلاشى بسبب الدوافع الشخصية والنزعات النفعية، وكما يقول برايان تيرنر: «الأسلوب الذي اتّبعه فيبر في التعامل مع مفهوم (كاريزما) يرتكز على نفي استمرار الميزة الكاريزماتية بصفتها قدرةً اجتماعيةً راسخةً»([35]).
لقد كان حريٌّ بماكس فيبر أن يقوم قبل كلّ شيءٍ بتعيين مدى تأثير الشخصية الكاريزماتية على الذين يحيطون بها ومقدار تأثّرها بهم، حيث نستشفّ من كلامه أنّه يهمّش الشخصية الثورية العاطفية للقائد ويجرّدها من كلّ اقتدارٍ يذكر بشكلٍ غير مباشرٍ.

نظرةٌ تأريخيةٌ على فرضيات فيبر حول الإسلام:
من الأساليب المتّبعة على صعيد نقد شخصية أحد المنظّرين، إلقاء نظرةٍ تأريخيةٍ على الفرضيات التي طرحها حول موضوع البحث؛ وهذا الأمر بدوره يحظى بأهميةٍ كبيرةٍ في مجال نقد شخصية ماكس فيبر لكونه ممّن وضعوا أُسس المنهجية الإدراكية التي يقوم الباحث على أساسها باستقصاء المرتكزات الذهنية للشخصية التي يتمحور عليها البحث، ومن ثمّ يستنتج دلالات أعماله ويتوصّل إلى المعاني التي رام معرفتها. بناءً على ما ذكر يطرح السؤال الآتي: مع أنّ ماكس فيبر التزم جانب الحيطة والحذر في طرح مباحثه، ورغم أنّ معظم نظرياته عبارة عن احتمالاتٍ يصحّ وصفها بالصحّة أو السقم؛ لكن كيف أخفق في دراسة الإسلام وتحليله على وفق متبنّياته الفكرية وأصول البحث التي جعلها مسلكاً له؟
حسب اعتقادنا فالإجابة عن هذا السؤال تقتضي تسليط الضوء على جينيالوجيا تأريخانية فرضيات هذا المفكّر حول الإسلام كي يتّضح لنا واقع الأجواء المشوبة بالضلال والتي سادت في العالم المسيحي الغربي، ومن ثمَّ ينكشف لنا السبب في عدم حياده لدى تحليله تأريخ البعثة النبوّية المباركة.
تجدر الإشارة هنا إلى أنّ الإسلام في باكورة ظهوره واجه تضارباً في المصالح مع اليهودية وليس المسيحية، لذا ناهضه اليهود وحرّضوا الناس لمعاداته وتآمروا ضدّ الحكومة الفتية التي أسّسها خاتم الأنبياء والمرسلين (ص)؛ في حين أنّ علاقة المسلمين آنذاك كانت متقوّمةً على التفاهم والاحترام مع نصارى نجران والحبشة.
في سنة 632هـ وبعد عامٍ من وفاة النبيّ (ص) بالتحديد، انطلقت الفتوحات الإسلامية وطالت في بادئ الأمر الشام وبيزنطة فاتّسعت رقعة البلاد الإسلامية، وإثر الانتصارات المذهلة التي حقّقها المسلمون تزعزعت أركان الإمبراطورية الرومية المسيحية حيث وجدت نفسها أمام خطرٍ قادمٍ من الشرق يهدّد كيانها. وبكلّ تاكيدٍ فإنّ الإسلام لم يكن مجرّد تهديدٍ عسكريٍّ بالنسبة إلى العالم الغربي في تلك الآونة، بل كان مدّاً مقدّساً على مختلف الصعد الفكرية والثقافية بعد أن تحدّى جميع ثقافات العالم بمبادئه القيّمة وتعاليمه الراقية؛ فلو قارنّا بين المثُل التي كانت سائدةً في تلك الآونة سواءٌ في شمال الجزيرة العربية أو في الغرب النصراني، لوجدنا أنّ المسلمين بشتّى مستوياتهم الفكرية يختلفون عن غيرهم، فالتدرّج الرتبي في الكنيسة ورهبنة قساوستها جعلا من المسيحية ديناً معقّداً ذا تعاليم شاقّة، بينما الإسلام على العكس من ذلك تماماً، إذ إنّه دينٌ لا يكلّف أتباعه أكثر من طاقتهم ويرفض الرهبنة وتعاليمه سمحاء متساهلة، ناهيك عن أنّه ينسجم مع جميع متطلّبات الحياة الدنيا ولا يعرض عنها في عين دعوته المؤكّدة للمساواة والعدل بين الناس وتشجيعه على طلب العلم والمعرفة والتمحيص والتدقيق في مختلف المجالات الفكرية بعد أن ذمّ الانزواء عن المجتمع ونبذ التحجّر الفكري جملةً وتفصيلاً.
لقد تنامى الإسلام وبلغ درجة النضوج في مدّةٍ قياسيةٍ ومن ثمّ حظي المسلمون بسلطاتٍ واسعةٍ وحصلوا على ثرواتٍ هائلةٍ من البلاد التي فتحوها مع عدم التفريط بالتعاليم المرنة السمحاء في شتّى مجالات الحياة، وهذه الأمور برمّتها لم يكن لها وجودٌ في الأنظمة الأرستقراطية والإقطاعية التي كانت حاكمةً على الكنيسة الرومية طوال قرون.
الإسلام حاله حال الديانة المسيحية، حيث يعتبر نفسه أكمل الديانات السماوية، لذلك دعا سائر الأُمم لاعتناقه في حين أنّ المسيحية ترى أنّ هذه الدعوة هي من حقّها؛ ومن هنا بدأت المواجهة بين هذين الدينين السماويين. حينما رأى النصارى أنّ الإسلام يهدّد كيان دينهم الذي طاله التحريف بذلوا جهوداً حثيثةً للحفاظ على استقرارهم وانسجامهم، ومن السبُل التي تشبّثوا بها تشويه صورة الإسلام واتّهام أتباعه بتهم واهية، ويمكن القوّل إنّ أوّل من تصدّى لهذه المؤامرة الخبيثة هو يوحنّا الدمشقي الذي عدَّ النبيّ محمّداً (ص) بأنّه أحد أتباع آريوس كما جعله على عقيدة المذهب النسطوري، وذلك بسبب تأكيد تعاليمه الإسلامية على أنّ المسيح إنسانٌ مخلوقٌ لله تعالى، وهو ما قال به آريوس ونسطور، كما أنّه زعم أنّ ما جاء به خاتم الأنبياء مقتبسٌ من أهل الكتاب، ولخّض ذلك في أمرين:
أوّلهما: معرفته الضئيلة بما قَلَّت قيمته من تعاليم أسفار العهدين القديم والجديد اللذين حصل عليهما عن طريق الصدفة.
الثاني: ما أخذه عن الراهب الآريوسي (بحيرا).
فقد عدَّ الدمشقي أنّ نبيّنا الكريم (ص) جمع علومه من بحيرا الراهب، ومن ثمّ بادر إلى إغواء عرب الجاهلية!
المباحث الجدلية التي طرحها هذا المحرّف حول الفترة التي قضاها النبيّ محمّد (ص) في المدينة المنوّرة، ترتكز في أساسها على أمرين:
الأوّل: الرغبة الجامحة للنبيّ محمّد (ص) بالحرب والقتال.
الثاني: رغبته الجامحة بالنساء.
ولا ريب في أنّ الهدف من هذه المزاعم والتوجّهات الفكرية هو تحريض الرأي العامّ المسيحي لمناهضة الإسلام وتضليله عن الواقع، ففي القرون الوسطى طغت النزعة الرهبانية المتطرّفة وكبتت الرغبات الجنسية المشروعة لأرباب الكنائس إلى أبعد الحدود.

شخصياتٌ سارت على نهجٍ منحرفٍ:
للأسف الشديد فإنّ المزاعم الواهية التي أشرنا إليها رغم هشاشتها ووضوح بطلانها، لكنّها وجدت من تبنّاها فيما بعد، حيث ارتكزت عليها آراء المستشرق جولد زيهر ومن شاكله من أمثال القديس بيدا والقس إيولوجيوس والقديس باول آريوس([36])، حيث راموا من ذلك تشويه الصورة الحقيقية للإسلام والمساس بشخصية خاتم الأنبياء (ص).
استمرّت هذه النزعة المناهضة للإسلام حتّى نهاية القرون الوسطى لدرجة أنّ الشاعر الإيطالي الشهير دانتي أليجيري صوّر نبيّ الرحمة محمّد (ص) وكأنّه في قعر جهنّم([37])، ففي ملحمته المعروفة (الكوميديا الإلهية) زعم أنّ نبيّ الإسلام وخليصه الحميم عليّ بن أبي طالب يواجهان عذاباً أليماً في الطبقة الثامنة من الجحيم ضمن عباراتٍ سخيفةٍ نترفّع عن ذكرها هنا؛ ولكن رغم ذلك فقد حظيت هذه الأباطيل التي دوّنها بإقبالٍ واسعٍ في قارّة أوروبا لقرون متوالية وكان لها وقعٌ عظيمٌ على الذهن المسيحي الغربي. هذه النتاجات الأدبية الخيالية التي تجاوزت حدود احترام القيم والمبادئ المعنوية، ولا سيّما الإسلامية منها، قد شاعت بشكلٍ كبيرٍ في عصر النهضة والحداثة إبّان سلطة الأتراك السلاجقة ومن بعدهم الأتراك العثمانيين وتجرّأ البعض على الرسول الأكرم (ص) بزعم أنّه نبيّ العرب ومظهرٌ لروح الشيطنة التركية – حاشاه الله من ذلك – إذ في الآثار المدوّنة إبّان عصر النهضة والحداثة شهدت البشرية توجّهاتٍ تنصبّ في إهانة الأتراك وديانتهم، وقد ساعدت على ذلك أيضاً الحركات البروتستانتية التي شهدها العالم آنذاك؛ ومن أمثلة ذلك ما دوّنه الأديب وليم شكسبير، حيث قال على لسان الملك هنري الخامس: «أَليس من المقرّر أن نصنع ولداً جميلاً خلال المسافة بين سانت دينس وسانت جورج والتي تبلغ يومين... ولدٌ نصفه فرنسيٌّ ونصفه الآخر بريطانيٌّ، ثمّ نرسله إلى القسطنطينية ليمسك بلحى الأتراك ويتحدّاهم؟»([38]) نلمس من هذا الكلام مدى خشية النصارى ورعبهم من جيرانهم الأتراك العثمانيين، حيث كانوا يعتبرون القسطنطينية تهديداً لكيانهم.
رغم أنّ الكنيسة اضطرّت لإجراء بعض الإصلاحات في أواخر عصر النهضة والحداثة، ومع أنّ الكنيسة الكاثوليكية تعرّضت إلى انتقاداتٍ لاذعةٍ من قبل القسّيس الألماني مارتن لوثر؛ لكن كلّ ذلك لم يسفر عن التعرّض للإسلام وبقيت الأمور على حالها وتواصلت الجهود المعادية له عبر توجيه التهم الواهية له والمساس بتعاليمه السمحاء. الاختلاف الوحيد بين التوجّهات البروتستانتية والكاثوليكية تجسّد في أنّ البيوريتانيين يعتبرون البابا عدوّاً داخلياً والنبيّ محمّداً (ص) عدوّاً خارجياً، ففي أساطير القرون الوسطى تمّ الترويج مرّةً أخرى إلى وصف شخصية خاتم الأنبياء بأنّه عدوّ المسيح (الدجال) وأنّه الشيطان.
وممّا قاله مارتن لوثر في مواعظه حول سفر التكوين في سنة 1545م ما يأتي: «ليسخط من شاء أن يسخط على البابا، فليتبرّأ منه ويلعنه ويذمّه لأنّه تعدّى على المسيح أكثر ممّا فعله محمّد. الأتراك يقتلون ويسلبون ويدمّرون أملاك النصارى وثرواتهم، إلا أنّ البابا لا ينفكّ عن الاعتراف بقرآنهم، ولربّما يؤدّي هذا الاعتراف إلى إنكار المسيح. إنّهما عدوّان للكنيسة وعبدان للشيطان لأنّهما ينكران الأناجيل الأربعة»([39]).
نلاحظ من هذا الكلام عدم اضمحلال تلك التوجّهات المتطرّفة البعيدة عن العدل والإنصاف، ونلمس فيه تعدّياً غير مبرّرٍ على شخصية خاتم الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليه وآله وعداءً للأتراك رغم وجود فرقٍ دينيةٍ خالصةٍ آنذاك، وأمّا التوجّهات البروتستانتية فقد اختلفت عن غيرها بكونها تعتبر البابا بأنّه الدجّال الحقيقي.
في عام 1532م وبعد أن طعن مارتن لوثر في السنّ، قام بترجمة أحد المؤلّفات الأكثر عداءً للإسلام إلى اللغة الألمانية، وهو الكتاب الذي ألّفه المبشّر المعروف بحقده على الإسلام ريكولدو دي مونتي في القرن الثالث عشر الميلادي، وبهذا الفعل أثبت مدى خشيته من انتشار الإسلام في أوروبا وخوفه من اعتناق النصارى له حتّى مع وجود الفرق الدينية الخالصة. من المؤسف بمكانٍ أنّ آثار هذا القسّيس تزخر بالمزاعم والتهم الواهية والإهانات ضدّ نبيّ الرحمة محمّد (ص) كما أنّه انتهج منهجاً وقحاً في الحديث عنه وعن دينه الحنيف، فعلى سبيل المثال، في مجلّدٍ واحدٍ من مؤلّفاته هناك 75 مورداً حول الأتراك و 25 مورداً حول نبيّنا الكريم وكلّها تتمحور حول أوصافٍ شيطانيةٍ ([40]).
وكما هو معلومٌ فإنّ الكاتب الفرنسي فرانسوا فولتير يعدّ أكثر الكتّاب شهرةً ونفوذاً في القرن السابع عشر، ففي عام 1741م ألّف مسرحيةً تحت عنوان (محمّد Mahomet) وقد كان هذا العمل الفنّي هامّاً بالنسبة إليه لدرجة أنّه عدّه أروع ما أنتجه. تجدر الإشارة إلى أنّه لم يراع الحقائق التأريخية الثابتة، حيث شبّه النبيّ محمّد (ص) بأنّه محاربٌ متعطّشٌ للدماء ومتطلّع إلى أقصى الحدود للسلطة وفاتحٌ ينتهج السلب والنهب من المناطق التي يفتحها وصاحب فكرٍ تآمريٍّ بحيث إنّه يقتل أقرب الناس إليه لمجرّد رغبته الجامحة في السلطة ونزعته الهائجة في الجنس! لكنّ الباحث جواد حديدي أكّد على أنّ فولتير قد أدرك الحقائق الإسلامية السمحاء بالتدريج وعلى مرّ الزمان ([41]).
إضافةً إلى هذه النشاطات المناهضة للإسلام، فقد أصبح هذا الدين الخاتم للشرائع السماوية ضحيةً للصراعات التي احتدمت وبلغت ذروتها بين أصحاب النزعة العقلية وأرباب الكنائس في عصر التجدّد والحداثة والتي استمرّت حتّى القرن التاسع عشر، ففي هذا القرن تحدّث كثير من المفكّرين الغربيين عن عظمة شخصية خاتم الأنبياء والمرسلين (ص) ومن ضمنهم توماس كارلايل وفريدريش هيجل وهاينرش هاينه ويوهان جوته وغيرهم كثيرون، ولكن تجدر الإشارة هنا إلى أنّ الإطراء الذي ذكره كلٌّ من يوهان جوته وهاينرش هاينه ربّما يكون ناشئاً من نزعتهما الجنسية التي ميّزتهما عن غيرهما، إذ إنّهما كانا من مؤيّدي الحرّية الجنسية، لذلك تعرّضا لنقد العالم المسيحي بسبب رؤيته المتشدّدة بالنسبة إلى المرأة والحبّ. حسب رأيهما فإنّ الدين الذي جاء به النبيّ محمّد (ص) قد عكس الحقيقة بحذافيرها حينما أكّد على كون الجنّة تحفل بشتى الملذّات ولا سيّما الجنسية منها، وممّا قاله جوته أنّ أروع تصويرٍ ترسّخ في نفسه هو ما وعد به النبيّ محمّد (ص) في قرآنه من نعيمٍ ([42])، وأمّا هاينرش هاينه ففي التاسع من كانون الثاني / يناير عام 1824م كتب ما يلي: «الحمد لله أنّني شفيت من هذا المرض الجلدي الذي أرّقني، فقد ابتليت به بسبب كثرة تقبيلي للقرآن عند قراءة ترجمته. يجب عليّ أن أؤمن بمحمّد، إذ لا توجد حدودٌ لنزعتي الشهوانية» ([43]). إذن، كما نلاحظ فإنّ جوته وهاينه قد أثنيا غاية الثناء على الشرق الإسلامي من منطلق رغبتهما الجنسية التحرّرية ونزعاتهما الشهوانية التي ادّعيها أنّهما يجدانها في الإسلام.
وفي مقابل ذلك، هناك مفكّرون ذمّوا الجنّة التي وعد بها الإسلام من منطلق نزعتهم التشاؤمية التراجيدية، لأجل ذلك استمرّت ظاهرة العداء لهذا الدين وإهانة حرماته وهجائه بعد وفاة فولتير؛ ومن أبرز هؤلاء المفكّرين فيكتور هوجو وبيرسي بيش شيلي واللورد غوردون بايرون.
في باكورة القرن السابع عشر دخلت أوروبا في عصرٍ جديدٍ قوامه التطوّر التكنولوجي وظهور توجّهاتٍ عقليةٍ ممّا حدا بالمؤرّخين وعلماء الاجتماع لأن يطلقوا عليه اسم عصر التنوير الفكري، ففي تلك الآونة كان العالم الغربي يمرّ في حالة مخاضٍ لنهضةٍ عظمى تجوب العالم بأسره لدرجة أنّ الأوروبيين لم يكترثوا بعد ذلك بالإمبراطورية العثمانية لكونها لم تعد خطراً يهدّد بلدانهم.
بالنسبة إلى الفلاسفة والمفكّرين الذين ظهروا على الساحة الغربية في تلك الآونة، فقد تمسّكوا بما نصحهم به الفيلسوف كانط من أن تكون لديهم الجرأة الكافية لتسخير الفكر والعقل من دون خشيةٍ من أحدٍ؛ ومن هذا المنطلق شمّروا عن سواعدهم وأطلقوا العنان لعقولهم لنقد الطباع السالفة والتقاليد المتعارفة بغية معرفة الطريق الصحيح في الحياة. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ الكنيسة في هذه الفترة فقدت قدرتها السابقة ولم يعد لها نفوذٌ كما في العهود السالفة، لكن رغم ذلك كانت لها الصلاحية في تكفير من يخرج عن قوانينها، لذلك سلّط المفكّرون الغربيون نقدهم اللاذع وسخّروا أقلامهم ضدّ الإسلام، أي: إنّهم افتقدوا الجرأة في التعرّض إلى الكنيسة بشكلٍ صريحٍ لدى نقدهم الفكر الديني التقليدي.
الكاتبان الفرنسيان دينس ديدرو وجان لورون دالامبير دوّنا موسوعةً تمكّنا فيها من ترويج الفلسفة العقلية في عصرهم، وممّا ورد فيها حول كلمة (محمّد Mahomet) ما يلي: «لقد أباح محمّد للرجال أن يتزوّجوا بأكثر من امرأةٍ، وقد أعرب عن موافقته على هذا الأمر من خلال اقتناء عددٍ كبيرٍ من النساء في داره» ([44]). المقالة التي دوّنها ديدرو حول النبيّ الأكرم (ص) في هذه الموسوعة، تزخر بالأكاذيب والتهم الأمر الذي يعكس مدى التعصّب والحقد على الإسلام، حيث اتّهم النبيّ الخاتم بأنّه انتهج سياسةً مخادعةً ومرائيةً.
فيكتور هوجو بدوره نظم شعراً حماسياً فيه الكثير من المبالغة والبهتان تجاه العالم الشرقي، فقد صوّر الشرقيّين بأنّهم غارقون في الشهوات من رؤوسهم إلى أخمص أقدامهم وأنّهم لا يعرفون سوى منطق العنف والقتل، ومن أمثلة ذلك قصيدته أسطورة القرون ([45]).
إذن، يثبت لنا ممّا ذكر أنّ المفكّرين الغربيين قدحوا بالإسلام بأساليب ومتبنّيات فكرية متنوّعة ابتداءً من يوحنّا الدمشقي وآريوس، مروراً بمارتن لوثر رائد النهضة البروتستانتية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وصولاً إلى عصر التنوير الفكري وظهور فولتير ودالامبير وديدرو، انتهاءً بفيكتور هوجو وهيجل وجوته واللورد غوردون بايرون. فهؤلاء بأجمعهم كان لهم دورٌ فاعلٌ في تشويه صورة الإسلام.
أمّا بالنسبة إلى جولد زيهر وبيكر وفيبر فقد اقتاتوا على مائدة هذا التراث المشوّه الذي لا ينسجم مع العقل ولا مع النقل والذي لا يهدف إلا إلى المساس بالإسلام الحنيف وإيجاد الضغينة في نفوس البشرية نحوه، وبطبيعة الحال فليس من اليسير بمكانٍ إزالة كلّ هذه الشوائب الفكرية الشيطانية ومقارعة تلك الديماغوجيا والفرضيات المنحرفة، وماكس فيبر بدوره رغم كلّ المساعي التي بذلها لكنّه لم يتمكّن من إزالة الغبار التي تراكم في عقول مسيح أوروبا طوال قرون متمادية، وقد تطرّق إلى الحديث عن النظام الفكري لدى المسلمين من دون أن يقوم بتقييمه على وفق المبادئ الإسلامية الأصيلة، كما أنّه لم يدرك الحقائق التأريخية والإسلامية بحذافيرها فطالتها يداه دون الارتكاز على أيّة أُسسٍ تأريخيةٍ أو منطقيةٍ صحيحةٍ.
ومن الجدير بالذكر أنّ بعض الباحثين أدركوا الخطأ الفادح الذي وقع فيه فيبر لدى طرحه آرائه ونظرياته حول الإسلام، ومنهم بارسونز وبرايان تيرنر. يقول بارسونز في هذا الصدد: «الكثير من الأصول التجريبية والاستنتاجات التي توصّل إليها فيبر حول الأديان غير المسيحية، لم تعد اليوم مقبولةً»([46]). أمّا برايان تيرنر فقد أكّد على أنّ بعض نظريات فيبر حول الإسلام، وبالأخص ما يرتبط منها بشخصية النبيّ محمّد (ص) وظهور الإسلام، قد ارتكزت على معلوماتٍ خاطئةٍ ولم تتنزّه عن الحياد العلمي والتأريخي لدرجة أنّه اعتبر بعضها مرتكزاً في أساسه على العداء والضغينة ([47]).

نتيجة البحث
بعد التدقيق والتمحيص فيما ذكر، هل يبقى مجالٌ لادّعاء أنّ الإسلام شبيهٌ بالبروتستانتية لكونه نظاماً ينصبّ في خدمة المصالح الرأسمالية؟! وهل هناك تعاليم إسلامية تؤكّد على نزعة الخلاص المتبنّاة من قبل أهل الكتاب؟! أَليس من الواضح غاية الوضوح أنّ الإسلام لا يروّج للنزعات المناهضة للدنيا ولا يدعو إلى الإعراض عنها بالكامل؟!
الإجابة عن هذه الأسئلة واضحٌ غاية الوضوح، فالإسلام جاء لخدمة المجتمع بأسره ولم يكن بخدمة المصالح الرأسمالية وهو لا يدعو إلى مبدأ الخلاص بالمعنى الاصطلاحي لأهل الكتاب، كما أنّه نهى عـن الرهبانيـة ورفـض الإعـراض عـن الـدنيا.
الهدف الذي طمحنا إليه في هذه المقالة هو بيان الأسباب التي دعت المفكّر الغربي ماكس فيبر لأن يطرح فكرة كون الإسلام ديناً دنيوياً وإثبات بطلان هذه النظرية، حيث قمنا بذلك عبر طرح آرائه في إطارٍ منتظمٍ ومن ثمّ تطرّقنا إلى نقدها وتحليلها، وعلى هذا الأساس ننوّه على أنّ الإجابة عمّا ذكر من أسئلةٍ واستفساراتٍ في هذه المقالة يتطلّب إجراء دراساتٍ موسّعةٍ وبحوثٍ موضوعيةٍ مبوّبةٍ وفق عناوين فرعيةٍ.

* هوامش البحث *
(*) أستاذ مساعد في فرع علم الاجتماع بجامعة تربية مدرس – طهران.
(**) طالب دكتوراه في فرع علم الاجتماع السياسي بجامعة تربية مدرس – طهران.

[1] - ماكسيميليان كارل إميل فيبر (Maximilian Carl Emil Weber) ‏ (21 نيسان / أبريل 1864م – 14 حزيران / يونيو 1920م) عالم ألماني في الاقتصاد والسياسة، وأحد مؤسسي علم الاجتماع الحديث ودراسة الإدارة العامة في مؤسسات الدولة، وهو من أتى بتعريف البيروقراطية.
[2] - الشروط المقصودة هنا تشمل نظام السوق الحرّة والطبقة الحضرية والقوانين المدنية والنقابات المستقلّة، وما شاكلها.
[3] - Weber, Max (1965): The Sociology of Religion, Trans By Ephriam Fishoff. London. P. 264.
[4] - المصدر السابق، ص 263.
[5] - المصدر السابق، ص 262.
[6] - المصدر السابق، ص 263.
[7] - المصدر السابق.
[8] - المصدر السابق، ص 262.
[9] - المصدر السابق.
[10] - المصدر السابق، ص 263.
[11] - حسين بشيرية، دولت عقل (باللغة الفارسية)، ص 204.
[12] - برايان تيرنر، ماكس ويبر واسلام (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية سعيد وصالي، ص 45.
[13] - المصدر السابق، ص 46.
[14] - Weber, Max (1965): The Sociology of Religion, Trans By Ephriam Fishoff. London. P.241.
[15] - المصدر السابق، ص 243.
[16] - المصدر السابق، ص 221.
[17] - المصدر السابق، ص 241.
[18] - المصدر السابق، ص 260.
[19] - Noldke, Theodor (1947): " Arab (Ancient) ", Encyclopedia of Religion And Ethics.
Ed.T.Hasting.V. 1. p. 56.
[20] - Watt, M. (1953): Mohammad At Mecca, Oxford, 1953. P. 24.
[21] - طه حسين، انقلاب بزرگ (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية جعفر شهيدي، ص40.
[22] - محمّد إبراهيم آيتي، تاريخ پیامبر اسلام (باللغة الفارسية)، ص 460.
[23] - غلام حسين زركري نجاد، تاريخ صدر اسلام (باللغة الفارسية)، ص 494.
[24] - عبد الحيّ الكتاني، التراتيب الإدارية والعمالات والصناعات والمتاجر والحالة العلمية التي كانت على عهد تأسيس المدنية الإسلامية في المدينة المنورة العلمية، ص 35.
[25] - برايان تيرنر، ماكس ويبر واسلام (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية سعيد وصالي، ص 42.
[26] - سورة التوبة، الآية 38.
[27] - سورة التوبة، الآية 83.
[28] - للاطلاع أكثر، راجع:غلام حسين زركري نجاد، تاريخ صدر اسلام (باللغة الفارسية)؛ تاريخ تحليلي اسلام تا پایان امویان (باللغة الفارسية).
[29] - برايان تيرنر، ماكس ويبر واسلام (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية سعيد وصالي، ص 58.
[30] - المصدر السابق، ص 59.
[31]- Izutsu, Toshihiko (1959): The Struchre of the Ethical Terma in Koran, Tokyo, 1959, chapter 7.
[32] - محمّد علي خليلي أردكاني، توصیف ساختار فرهنگی اجتماعی مدینه النبي (باللغة الفارسية).
[33] - برايان تيرنر، ماكس ويبر واسلام (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية سعيد وصالي، ص 62.
[34] - المصدر السابق، ص 60.
[35] - المصدر السابق، ص45.
[36] - مينو صميمي، محمّد در اروپا (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية عباس مهر پویا، ص187.
[37] - Dante, Alghieri (1929): The Divine Comedy, London, Routledge.
[38] - Shakespeare, William (1995): King Henry V, Edited By T. W. Crik, London. P. 395.
[39] - مينو صميمي، محمّد در اروپا (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية عباس مهر پویا، ص 234.
[40] - المصدر السابق، ص 235.
[41] - جواد حديدي، اسلام و ولتر (باللغة الفارسية).
[42] - مينو صميمي، محمّد در اروپا (باللغة الفارسية)، ص 398.
[43] - المصدر السابق، ص 400.
[44] - المصدر السابق، ص 391.
[45] - المصدر السابق، ص 402.
[46] - بارسونز، مقدّمة كتاب علم اجتماع دين پارسونز (باللغة الفارسية).
[47] - برايان تيرنر، ماكس ويبر واسلام (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية سعيد وصالي، ص 242.

* مصادر البحث *
- القرآن الكريم.
- محمّد إبراهيم آيتي، تاريخ پیامبر اسلام (باللغة الفارسية)، طهران، منشورات جامعة طهران، 1361ش (1982م).
- عبد الحيّ الكتاني، التراتيب الإدارية والعمالات والصناعات والمتاجر والحالة العلمية التي كانت على عهد تأسيس المدنية الإسلامية في المدينة المنورة العلمية، بیروت، دار إحیاء التراث العربي.
- حسين بشيرية، دولت عقل (باللغة الفارسية)، طهران، منشورات مؤسّسة نشر علوم نوين، 1374ش (1995م).
- برايان تيرنر، ماكس ويبر واسلام (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية سعيد وصالي، طهران، منشورات نشر مركز، 1379ش (2000م).
- جواد حديدي، اسلام و ولتر (باللغة الفارسية)، طهران، منشورات طوس، 1355ش (1976م).
- طه حسين، انقلاب بزرگ (باللغة الفارسية)، جعفر شهیدي، منشورات الشركة المساهمة لطباعة ونشر کتب إیران، 1365ش (1986م).
- محمّد علي خليلي أردكاني، توصیف ساختار فرهنگی اجتماعی مدینه النبي (باللغة الفارسية)، أطروحة ماجستير، جامعة تربية مدرس، 1370ش (1991م).
- غلام حسين زركري نجاد، تاريخ صدر اسلام (باللغة الفارسية)، طهران، منشورات سمت، 1378ش (1999م).
- جعفر شهيدي، تاريخ تحليلي اسلام تا پایان امویان (باللغة الفارسية)، طهران، منشورات مرکز النشر الجامعي، 1373ش (1994م).
- مينو صميمي، محمّد در اروپا (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية عباس مهر پویا، طهران، منشورات اطلاعات، 1382ش (2003م).
- بارسونز، مقدّمه كتاب علم اجتماع الدين پارسونز (باللغة الفارسية)، 1965م.
- Dante, Alghieri (1929): The Divine Comedy, London, Routledge.
- Watt, M. (1953): Mohammad At Mecca, Oxford, 1953.
- Weber, Max (1965): The Sociology of Religion, Trans By Ephriam Fishoff, London.
- Noldke, Theodor (1947): " Arab (Ancient) ", Encyclopidia of Relegion And Ethics.
Ed. T. Hasting. V. 1
- Shakespeare, William (1995): King Henry V, Edited By T. W. Crik, London.
- Izutsu,Toshihiko (1959): The Struchre of the Ethical Terma in Koran, Tokyo, 1959.
***