البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إسم البحث : الإيمانيّة دراسة في الإيمان الإفراطيّ والمعتدل

الباحث : وليّ الله عباسيّ

اسم المجلة : مجلة المنهاج

العدد : 67

السنة : السنة السابعة عشر خريف 1433 هجـ 2012 م

تاريخ إضافة البحث : June / 16 / 2015

عدد زيارات البحث : 2122

حجم ملف البحث : 79.413 KB

 تحميل


الإيمانيّة
دراسة في الإيمان الإفراطيّ والمعتدل

وليّ الله عباسيّ (*)

مقدّمة
تعتبر (الإيمانيّة) أو ( Fideism) واحدة من التوجّهات المهمّة في فلسفة الدين والمعرفة الدينيّة المعاصرة. ويُقابل هذا الاصطلاح العقلانيّة بمعناها الكلاميّ. وتبتني الحقائق الدينيّة في الرؤية الإيمانيّة على الإيمان بحيث لا يمكن الوصول إلى الحقائق الدينيّة من خلال العقلانيّة والاستدلال. أمّا السابقة التاريخيّة لهذا المدّعى فهي طويلة تعود إلى زمان (بولس القدّيس). وقد تجلَّى هذا الاصطلاح منذ ذاك الزمان وحتّى اليوم بمظاهر متعدّدة. ويُشَاهد الشكل الابتدائيّ لظهورها، في عبارات بولس وترتوليانوس وآغوستين. يعتقد بولس أنّ التعاليم الأساسيّة للمسيح قد زالت من خلال القواعد الفلسفيّة اليونانيّة. وكان ترتوليانوس يقول إنّني أؤمن بشيء محال. وكان آغوستين يحمل دائماً الشعار الآتي: (أنا أؤمن لأفهم)، أمّا الظهور الحقيقيّ والجديّ والأكثر نفوذاً لهذه الحركة فقد بدأ منذ القرن التاسع عشر إلى العصر الحاضر. واليوم يتداعى مع مصطلح الإيمان في هذا المجال الكلاميّ اسم كيركغور ( Kierkegaard ,1814 - 1855)، وفي مجال فلسفة الدين اسم فيتجنشتاين ( Withganestein) . ويمكن دراسة الإيمانيّة في شكلين أساسيّين الإفراطيّ ( extreme fideism) والمعتدل ( moderate
________________________________________
(*) باحث في فلسفة الدين، من إيران. ترجمة الدكتور علي الحاج حسن.

[الصفحة - 283]


fideism) . والشكل الأوّل مضاد للعقل(1) والثاني غير عقلي(2) . في الشكل الأوّل لا يمكن أن يجتمع العقل والإيمان لأنّهما متضادّان، ولكن في الشكل الثاني فإنّ ساحة كلِّ واحد منهما ومجاله يختلفان عن الآخر.
ويُعدّ كيركغور، واستايوفسكي، شستوف ومونتني من جملة أتباع النزعة الإيمانيّة الإفراطيّة. وأمّا أبرز المعتدلين فهم باسكال، ويليام جيمس، نيليش، فيتجنشتاين وجان هيك. وقد راجت النزعة الكيركغورية بين المتكلّمين البروتستانت. صحيح أنّ الرؤية الكاثوليكيّة الرسميّة منذ زمان شورى (ترنت) ( Trent) وحتّى الآن تخالف الرؤية الإيمانيّة المحضة، ولكن - وكما يعتقد الكثير من الفلاسفة والمتكلّمين ـ فإنّه في ظلّ الإشكالات المعرفيّة المعاصرة ووجود معضلات روحيّة ونفسانيّة فإنّ الإيمان بالأخصّ الإيمان المعنائيّ يمكن أن يشكّل طريق حلٍّ أساسي. يعتبر أصحاب الرؤية الإيمانيّة أنّ الاعتقاد اليقينيّ والبرهانيّ ليس من لوازم الإيمان لا بل يمكن أن يجتمع الإيمان مع الشك(3) .
يعتقد بعض أصحاب الرؤية الإيمانيّة أمثال كيركغورد أنّ الإيمان الذي لا يكون نتيجة الشكل لا يمكن أن يكون إيماناً أصيلاً، بل هو تصديق أعمى فاقد للمضمون العقليّ والتصميم الأخلاقيّ. كتب مك فرغوز: «أنا بنفسي (في آثاري الأخرى) أطلقت الإيمان على الصوت الأوضح المرادف للشكّ. وأقصد من هذا التعبير أنّ صوت الإيمان هو من الأصوات الأكثر محوريّة لك، وهو الأعلى والأكثر وضوحاً، إلّا أنّ الأصوات الأخرى هي مقدمة لازمة ومهيّئة له. لا يمكن إيجـاد هكذا صوت بشكل أُحاديّ ومن دون مقدّمات، من الأصوات الأخرى بالكامل والأنغام الموسيقيّة الباقية لا تبقى في الخفاء »(4) .
الإيمانيّة الإفراطيّة(5) (سورن كيركغور)
كيركغور مفكّر دانماركيّ ومؤسـّس الفلسفة الوجوديّة، وكما يقول دان كيوبيت، فهو أهمّ كاتب مسيحيّ في العصر الجديد؛ لأنّه أولاً يقبل
________________________________________
(1) irrationalist antirationalist.
(2) nonrationalist.
(3) عبد الرسول بيات وآخرون، ثقافة المصطلحات، مؤسـّسة الثقافة والفكر الدينيّ، ص64.
(4) ميدتشا الياده، الثقافة والدين، هيئة المترجمين، تحت إشراف بهاء الدين خرمشاهي، طرح نو، ص107.
(5) حول نظريات كيركغور راجع: سورن كيركغور الخوف والارتعاش، ترجمة عبد الرسول رشيديان، انتشارات ني.
[الصفحة - 284]
بمحوريّة الإنسان الأساسيّة التي أسّس لها كانْت لأوّل مرّة وتبعه في ذلك أتباع المثاليّة، وثانياً لأنّه يمكن في ظل هذه المحدوديّة التي تبدو وكأنّها في ضيق، إظهار نوع من الإيمان القائم على أساس المسيحيّة.
الشكّاكيّة(6)والإيمان
يمكن توضيح رؤية كيركغورد على النحو الآتي: إنّ الإنسان لا يحمل في نفسه استعداد الوصول إلى المعرفة اليقينيّة، ويمكنه في حياته الوصول إلى هذه المعرفة بوساطة حادثة غير عاديّة وحادثة إعجازيّة؛ إلّا أنّ الإنسان يمكنه الانتقال إلى المعرفة اليقينيّة بمعجزة العلم والمعرفة فقط في حال كان العلم معنائيّاً وقطعيّاً ومهمّاً من دون أن يكون هناك حسابات للربح والخسارة.
ثمّ يقول كيركغور بعد إظهار النزعة الشكّاكيّة هذه: إنّ طريق نجاة الإنسان من الجهل هو أن يعرف حالاته المؤلمة والفجعية، ثمّ ينطلق ليبحث عن طريق للخروج من هذا الوضع المؤلم والمؤسِف لا بوساطة العقل والمنطق بل بوساطة نور الإيمان؛ لأنّ الإيمان فقط هو الذي يمكنه أن يكوّن صورة عن العلاقة والاتّصال بين الإنسان والله في التجربة التاريخيّّة للإنسان.
فما لدينا هنا فقط المعرفة والاطّلاع الذي نملكه في حالة الظلمة والجهالة أو المعرفة التاريخيّّة المتعلّقة بواقع الأمر والذي يدور حول تجربتنا. أو الاطلاع الحاصل منطقيّاً في خصوص المفاهيم. إلّا أنّه لا يمكن أن نقول فيما يرتبط بأيٍّ من هؤلاء إنّه من الأمور الحقيقيّة أو غير الحقيقيّة حول العالم. نحن في حالة ظلمتنا (جهلنا) لا نحمل استعداد أن نقول إنّ لله وجوداً. إنّ جهلنا في الحقيقة هو أنّ عدم وجوده أكثر تلاؤماً مع معرفتنا من وجوده(7) .
إنّ (فوارس الإيمان) الذين صوّرهم كيركغورد في كتاب الخوف والارتعاش، جاؤوا في حركة متناقضة أرفع من
________________________________________
(6) skepticism
(7) ريتشارد بابكين، آوروم السترول، الميتافيزيك والفلسفة المعاصرة، ترجمة السيّد جلال الدين مجتبوي، ص 294- 295.

[الصفحة - 285]


شجاعة (الإنسانيّة الصرفة) حيث يحصل ذلك من التقوى وترك الدنيا. إنّ شجاعته، هي شجاعة متواضعة فريدة حيث تجعله مطيعاً له. الإيمان هو أكبر وأصعب المحاولات التي يشتـغل بها الإنسان ويستلزم نقـلة أكبر من أرفع القرارات الأخلاقيّة التي يمكن أن يأتي بهـا الإنسان. إنّ هذه النقلة ستكـون عبثاً إذا كنا نتوقَّعها من الرؤية العقلانيّة، أي إنّها تعارض كلّ ما يلفت انتبـاهنا من عقلانيّة الإنسان والتي يمكنها أن تكون دليلاً يقينياً لاتخاذ القرارات الصحيحة والسلوك الشريف. يكتب كيركغور قائلاً: «الإنسان المؤمن هو إنسان ذو شخصيّة مطيعة لله من دون قيد وشرط، حيث يتلقى هذا الأمر باعتباره وظيفة وجدانية ينبغي أن لا يصر الإنسان على فهمها »(8) .
مسألة المسيحانيّة
بشكل عامّ تحتلّ المسيحانيّة كافّة المكوّنات الداخليّة الأخرى في فكر كيركغور. وقد اعترف في كتابه بهذه الرؤية: «يدلّ محتوى هذا الكتاب الصغير وبشكل واضح على حقيقة شخصيّتي ككاتب، وهي أنّني كنت كاتباً دينيّاً وما زلت، وإنّ كافّة نشاطاتي ككاتب، لها علاقة بالمسيحيّة وبمسألة المسيحانيّة... »(9) .
يطرح كيركغور سؤالاً جديداً حول تفسير مفهوم المسيحيّة. وقد خالف الأصوليّين والتحرّريين الذين اشتغلوا أكثر من المطلوب بمضمون الإيمان الدينيّ؛ لأنّ الأصوليّين يعتقدون بأنّهم يمتلكون مجموعة من الحقائق الدينيّة الثابتة بوساطة الكتاب المقدّس ويعتقد التحرريّون أنّنا نجد الحقائق الواضحة للجميع في المسيحيّة بشكل كامل. خالف كيركغور الرؤيتين وبيَّن أنّه بدل أن نسأل عن مضمون المسيحيّة يجب أن نسأل: (ماذا يعني أن يكون الشخص مسيحيّاً؟)، ويجب السؤال: (كيف يصبح الإنسان مسيحيّاً؟) ويحتلّ هذا السؤال أهميّة خاصّة عند كيركغور على أساس أنّه كان يشعر بأنّ أعضاء الكنيسة الحكوميّة في الدانمارك ليسوا مسيحيّين حقيقيّين، بل هم مسيحيّون بالاسم.
________________________________________
(8) الثقافة والدين، ص 12.
(9) سايه ميتمي، كيركغور وحقيقة الإيمان، مجلة سروش الفكريّة، العدد2، ص232.

[الصفحة - 286]


والمسيحيّة الظاهريّة والاسميّة تمنع الإنسان من أن يكون مسيحيّاً حقيقيّاً، وقد طرحت على كيركغور مسألة أخرى، وهي: كيف يمكن أن يكون الشخص إنساناً حقيقيّاً؛ وكما أنّ العضويّة في الكنيسة لا تجعل الإنسان مسيحيّاً حقيقيّاً، كذلك فإنّ الولادة كإنسان، لا تجعل الشخص إنساناً. يقول كيركغور: نحن لا نصبح مسيحيّين ولا نصبح إنسانيّين من خلال الاطّلاع على الأشياء التي لم نكن نعلمها من قبل، بل نصل إلى النجاة من خلال تغيير الوجود والحياة عن طريق اللطف والفيض الإلهيّيْن. كان كيركغور واثقاً من أنّ الشخص لا يمكنه أن يكون مسيحيّاً بل هو يسعى ليكون مسيحيّاً، إلّا أنّه لن يصل إلى المقصد(10) .
إنّ طريق نجاة الإنسان هي فقط في عزمه وإراداته على الاعتقاد والإيمان. لا يمكن لأيِّ شخص أن يكون واثقاً مسبّقاً من أنّ ذيْنك العزم والإرادة صحيحان، أو أنّ نتيجة ذَيْنك العزم والارادة، ستكون حياةً ذات معنى وأنّه سيصل إلى المقصد والهدف بعد البحث والمعرفة. فالشخص من الممكن أن يتّخذ قراراً خاطئاً وأن يختار اعتقاداً غير صحيح. إنّ هذا الخطر كبير جدّاً فلا سبيل لإثبات أسس الاعتقاد(11) .
لاحظنا أنّ المسألة الأساسيّة عند كيركغور هي المسيحانيّة. فيعتقد أنّ الإنسان يمكنه أن يكون مسيحيّاً بوساطة (حركة الإيمان) ( Leap of faith) والمقصود من حركة الإيمان تسليم العقل والنطق حيث يتمّ إثبات المسائل العلميّة، ولا يمكنه إثبات وجوده أو عدمه، عندما يعرف الله من ناحية عقليّة، يظهر لنا على صورة ضد ونقيض. إنّ الإله الذي يدّعي البشر الوصول إليه بوساطة الفلسفة، هو صورة عن أنفسهم. ويمكن الوصول إلى الإله الحقيقيّ عندما تظهر ذواتنا في حياتنا كفاعل حيّ.
إنّ حركة الإيمان هذه لا تخالف العقل، مع العلم أنّ العقل لا يمكنه إثبات أهميّة ذلك. وعندما يدرس الإنسان وضعه الحقيقيّ، يُبتلى بنوعٍ من اليأس، وفي هذا اليأس يمكنه إدراك النجاة التي وضعها الله بين أيدينا. يدرك الإنسان أنّه قد ابتلي في هذا العالم المحدود، بأن يتحرّك نحو العالم اللّامحدود. وتصبح آماله فوق الإدراك. يتمنّى الحياة الجميلة، لكنّه لا يصل إليها
________________________________________
(10) ويليام هوردرن، دليل الإلهيات البروتستانت، ترجمة طاطهوس ميكائليان، الانتشارات العلميّّة والثقافيّة، ص 96-97.
(11) ريتشارد بابكين، آوروم السترول، كليات الفلسفة، ترجمة السيّد جلال الدين مجتبوي، ص 425- 426.

[الصفحة - 287]


ما دام مشغولاً بالأكل والشرب والأمور الحياتيّة، يمكنه أن يخفي نفسه عن الاضطرابات وما يكدّر أجواء الحياة الآمنة، لكنّه بمجرّد أن ينظر إلى حياته الأخلاقيّة، يصاب باليأس ممّا أصيب به من سقوط.
لا يمكن إزالة الشكّ بشكل كامل إلّا أنّ الإنسان يمكنه أن يمتلك اطمئناناً أخلاقيّاً حول اعتقاداته بوساطة حركة الإيمان التي يقرّر من خلالها اتِّباع المسيح. قدَّمت الإلهيّات الجديدة عند كيركغور إدراكاً جديداً حول الاطمئنان الدينيّ. لا يقدّم كيركغور أيّ وعد بحصول الاطمئنان إلّا أنّه يقترح حركة تعادل الحركة في الظلام، مع احتمال وجود إله. الإيمان عبارة عن تسليم الحياة لله في عيسى المسيح(12) .
تعارض الإيمان واليقين
يعتقد كيركغور بأنّ الإيمان واليقين لا انسجام بينهما، وبما أنّ طريق الصلاح والنجاة ينبع من الإيمان، فينبغي الابتعاد عن اليقين، حتّى لو كان اليقين سهل الحصول. وعندما يكون هناك أدلّة كافية لاتِّخاذ قرار بنحوٍ من الأنحاء حول موضوع، عند ذلك لا حاجة للعزم والارادة. أمّا التعهّد الملزِم فيحصل من خلال استعمال الإرادة، لذلك كان المقتضى عدم كفاية الشواهد. وقد عرف كيركغور الحقيقة ـ التي تتكرّر وتنتقل بشكل دائم ـ على النحو الآتي: الحقيقة هي عدم اليقين الآفاقي الذي يحصل في عمليّة وجود أشدّ حالات السير الباطنيّ. وفي بعض الأماكن أوضح كيركغور هذه المسألة بلغةٍ حادة وشديدة فقال: ليس الدين عدم يقين آفاقي فقط، بل ينبغي أن يكون غير معقول. وعندما يتجلّى عدم معقوليّة الدين يلزم من ذلك ظهور أكبر الجهود الممكنة للإيمان. ويربط كيركغور هكذا جهود متعالية بالإرادة للوصول إلى إيمان عميق وشوق لا نهاية له حيث تكون هذه الأمور ضروريّة للفلاح(13) .
الإيمان لا يعني عند كيركغور قبول الإنسان لتعاليم لا يمكن إثباتها، بل عبارة عن التسليم أو تسليم الحياة بأكملها. لا يوجد عنده حلّ وسطيّ. فالإنسان إمّا أن يقبل المسيح أو يرفضه. الأشخاص القائمون في
________________________________________
(12) ويليام هوردرن، مصدر سابق، ص 95- 96.
(13) محمّد لفنهاوزن، الإيمانيّة، ترجمة السيّد محمود الموسوي، نقد ونظر، الأعداد 3-4، ص109.

[الصفحة - 288]


الكنيسة والمعروفون بأنّهم محترمون، يبحثون عن حلٍّ وسطيّ. إلّا أنّ هؤلاء أعداء للمسيح أكثر من عداء الملحدين له. ويسخر من الوعّاظ الذين يعتبرون صلب عيسى سبباً للرفـاهية في حياتهم. لذلك يعتقد بأنّ الشخص يصبح مسيحيّاً إذا سلّم حياته بالكامل وقطع الطـريق الخطر الذي لا معين له فيه في اتّبـاع الإله. ويكمن الخطر هنا حيث سيواجه معارضة الغالبيّة من الناس، لا بل سيواجه معارضة الكنيسة. إنّ الحياة المسيحيّة حياة مليئة بالآلام. ويعتبر كيركغور أنّ في المسيحيّة لا وجود لهدوء فكريّ(14) .
التناقض في الإيمان عند كيركغور يعني أنّ الاعتقاد يعطي نتيجة عكسيّة بوساطة الاستدلال. وكلّما كانت الأدلّة أقلّ كان ذلك أفضل. الإيمان والاستدلال ضدان ونقيضان لبعضهما البعض. من وجهة نظر كيركغور لا يهمّ ماذا تعلم، بل المهم كيف تكوّن ردّة فعلك. الموضوع الأساس ليس المعرفة الواقعيّة، بل الإدراك الواسع عن الذّات وعن وجود الإنسان. ويتّضح هذا الموضوع بشكل خاصّ في الحوارات المسيحيّة وإيجاد المحبّة: «اليوم أتذكّر مسألة مرفوضة. تصوّروا أن يصبح هذا العمل المرفوض علنيّاً. يمكنني أن أختار مكاناً بعيداً وأعيش في بلد أجنبيّ. يمكنني أن أبدأ حياةً جديدة وأن أنسى ذكرياتي الماضية لأكون مرتاح البال منها. أو يمكنني الاختفاء في مكان ما. لا ينبغي أن أبقى في مكاني وأتابع عملي المعتاد ثمّ أودع كافّة الأمور لله. من الصعب البقاء في مكان بسبب الإمكانات المتوفّرة »(15) .
في موضوع الإيمان ينبغي العمل خلاف العقل ولا يمكن الإيمان بالأمور العقليّة. ويقدّم مثالاً معروفاً عبارة عن قصّة النبيّ إبراهيم وابنه إسماعيل (تحدّث عن اسماعيل باسم إسحاق). أمر الله إبراهيم بذبح ابنه وقَبِلَ إسماعيل ذلك عن طيب خاطر. ثمّ قال: كلاهما كانا مخالفَيْن للعقل؛ سواء الوالد الذي ارتضى قتل ابنه، لأنّ قتل إنسان غير مذنب عمل غير صحيح من الناحية العقليّة، هذا أوّلاً وثانياً، لو أدّى إبراهيم هذا العمل بهدف التقرّب من الله، لكان قال: كيف يكون هذا الإله الذي يوجب قتل النفس للتقرّب إليه؟! أو الولد؛ لأنّ إسماعيل يمكنه
________________________________________
(14) ويليام هوردرن مصدر سابق، ص 98.
(15) كالين براون، الفلسفة والإيمان المسيحي، ترجمة طامهوس ميكائيليان، شركة الانتشارات العلميّة والثقافيّة، ص130.

[الصفحة - 289]


القول: لماذا وبأيِّ ذنب تقتلني فلو قالوا له: لأجل التقرّب لله، لأجاب: إذا أراد إبراهيم التقرّب إلى الله، فلماذا يجب أن أُقْتل أنا؟ يقول كيركغور: على الرغم من هذا امتثل إبراهيم وإسماعيل للأمر من دون أدنى مقاومة حتّى من دون أيّ خلجان ذهني، كان ذلك تسليماً محضاً، ولم يطلبا من الله أيّ توضيح؛ لأنّهما يعلمان أنّ الله فوق المنطق في القضايا النظريّة والعمليّة، فهو غير مقيد لا بالأخلاق ولا بالمنطق.
الإيمان عند كيركغور عبارة عن المخاطرة، هو حركة ونوع من الرياضة؛ فكما يتمكّن بطل رفع الأثقال من رفعها، فإنّه يمكن من خلال الإيمان تحمل الأمور الثقيلة غير العقليّة وبالتالي قبولها. ينبغي أن يتمكّن المؤمن على سبيل المثال، من قبول اجتماع النقيضين وأن يعترف بوقوعهما، والإيمان من وجهة نظر كيركغور، هو الاعتقاد بالأمور المستحيلة. والإيمان يتطلّب الابتعاد عن العقلانيّة. لذلك يتوافق الشكّ والإيمان(16) .
الإيمان الخطر
قدّم كيركغور أدلّة لمقولة أنّ الاعتقاد بهذا الأمر الذي يطلق عليه أنّه نشاط دينيّ يقتضي عدم المعقوليّّة الآفاقيّة، وفيما يلي نشير إلى أحد هذه الأدلّة:
يوضح كيركغور أنّ الإيمان لا يحصل من دون خطر، ويمكن توضيح هذا الأمر من خلال مثال؛ تصوّروا أنّ أحد أصدقائكم على مشارف الموت. فلو أهديتموه كليتكم فإنّ احتمال بقائه حيّاً سيرتفع إلى خمسين بالمائة. إنّ قيامكم بهذا العمل الخطير يدلّ على مقدار محبّتكم له. ولو أنّ احتمال بقائه حيّاً في حال إهدائكم كليتكم له هو خمسة بالمائة، فإن كان قراركم تقديم ذلك له فإنّ هذا يعني أنّ محبّتكم له تفوق كل شيء، فكلَّما كان الخطر أكبر، يصبح العشق والحبّ أعلى. وهذا يعني أنّ الإنسان إذا وصل إلى أعلى مراتب العشق يمكنه أن يقبل أشد الأمور الخطيرة(17) .
معضلة التخمين والتقريب
قدّم كيركغور في كتابه (تعليقة نهائيّة غير علميّة)(18)
________________________________________
(16) محمّد تقي مغالي، الإيمان الدينيّ في الإسلام والمسيحية، مركز «انديشه جوان»، ص131.
(17) الإيمانيّة، ص 109-110، بتصرف.
(18) concluding unscientific postscript.

[الصفحة - 290]


ثلاثة أدلّة على مدّعاه، (التخمين) ( Approtimation) ، (التأخير) ( postponement) و(العاطفة) ( passion) ، وفيما يلي نشير إلى دليل واحد أي التخمين والتقريب تجنّباً لتطويل البحث:
الإيمان من وجهة نظر كيركغور هو كلٌّ يشتمل على الاعتقاد بالله والنبوّة والمعاد. أمّا الالتفات إلى لزوم الاعتقاد بالنبوّة فيحمل في طيّاته مسائل مهمّة قابلة للتأمّل على مستوى الإيمان. فلا يمكن وجود إيمان عنده من دون الاعتقاد بالظهور التاريخيّ لعيسى باعتباره منجي الإنسان، فلو أرجعنا الاعتقاد التاريخيّ بالمسيح إلى الاستدلال، فلن نحصل سوى على شكّ وترديد بوجود عيسى.
ولو جعلنا التحقيق التاريخيّ نموذجاً للاستدلال الآفاقيّ فجعلنا ذلك مبنى الإيمان بالمسيح، عند ذلك ينبغي أن نترك اليقين ونكتفي بالظنّ؛ لأنّنا في التحقيق التاريخيّ نتعامل بشكل دائم مع الاحتمال. فمع رفض يقينيّة بعض المسائل التاريخيّة لن تؤدّي هذه المسائل إلى القطع واليقين بوجود عيسى على الإطلاق. فلو جعلنا الإيمان مشروطاً بذلك فقد سلبنا الجوهر اليقينيّ للإيمان. لذلك يعتبر كيركغور أنّ نتيجة القراءة النقديّة للكتاب المقدّس وتاريخ المسيحيّة، هي إيجاد الشكّ والترديد حول مواضيع الدين الأساسيّة كالنبوّة وتعاليم الوحي، ولذا إذا كانت السعادة الأبديّة لا تحصل بالظنّ فإنّ ذلك ينفي دور الاستدلال الآفاقيّ في الإيمان الدينيّ (19) . «يُعلم بوضوح تامّ أنّ التقريب والتخمين أكثر الأمور اليقينيّة ثباتاً في الأمور التاريخيّة، ولا يوجد أضعف من التقريب والتخمين في أن يتمكّن شخص من أن يبني سعادته الأبديّة عليها؛ لأنّ عدم تناسبهما مع السعادة الأبديّة يمنع حصول هذه السعادة »(20) . ويواجه الإيمان عند كيركغور مشكلة حقيقيّة حيث ظهر منتقدون كثر اليوم. ولعلّ من أبرز المعارضين كي نيلس، الذي يعتقد بأنّ الدين ليس مجرّد حركة لغويّة، ويؤكِّد أنّنا لو فرضنا أنّ الإيمان نوع حركة، فكيف سيقرّر الشخص الولوج إلى داخل الإيمان، فأيّ إيمان هذا؟ إنّ
________________________________________
(19) محسن جوادي وآخرون، أبحاث في الكلام الجديد، جامعة قم، ص140.
(20) سورده كيركغور، «الحقيقة الأنفسية»، ترجمة مصطفى ملكيان، نقد ونظر، العدد 3-4، ص65.

[الصفحة - 291]


الذي يبحث عن الإيمان والذي يواجه أكثر من قراءة في هذا المجال، من اللائق به أن يدرس الخيارات والطرق المتاحة أمامه بدقّة ثمّ يختار أحدها. إذاً يجب أن يكون هناك مقدار من العقلانيّة ومن الاستفادة من الأساليب العقلية وجمع معايير معقولة لرفض النظريّات المتنوّعة أو قبولها. وعلى هذا الأساس فالإيمان غير ممكن من دون تعقّل ومعرفة(21) . «لو فرضنا أنّ الإيمان نوع حركة، فكيف سيقرّر الشخص الولوج إلى داخل الإيمان؟ وكيف سيكون الأمر للباحث عن الإيمان والذي تظهر أمامه بدائل متعدّدة تتّصف بالمقبوليّة الظاهريّة؟ العمليّة المعقولة هي أن يقوم الشخص بدراسة البدائل بدقّة والبحث عن الاحتمالات الأقرب للصدق. ممّا لا شكّ فيه ينبغي أن نمتلك شيئاً من الأساليب المعقولة لنتمكّن من خلالها من تقييم الأنظمة الاعتقاديّة المتنافسة. وما هو المبنى الذي ينبغي أن نمتلكه لرفض المذاهب الوهميّة بالكامل أمثال المذهب الرائج بين أتباع معبد جيم جونز؟ »(22) .
تعرض روبرت مري هيو آدامز(23) ، أستاذ الفلسفة في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، لنقد ودراسة رؤية كيركغور في كتاب (فضيلة الإيمان)(24) . وقام آدامز بنقد أدلّة كيركغور الثلاثة أي دليل التخمين، والتأخير والعاطفة(25) .
بناءً على دليل التخمين فإنّ اليقين الحاصل منحصر في الغالب في باب المسائل التاريخيّة الصرفة. والتقريب والتخمين لا يمكنهما أن يكونا أسس السعادة الأبديّة. بناء على هذا الدليل، فإنّ إشكال الاستدلال الآفاقيّ التاريخيّ هو أنّه لا يقدِّم لنا يقيناً كاملاً. ويحمل الاستدلال الآفاقيّ إشكالاً آخر وهو أنّ الدِّراسات التاريخيّة لا تصل إلى نهاية على الاطلاق، بحيث إنّ الذي يرغب في أن يبني إيمانه على هذه الدّراسات، فقد أخَّر التزامه الدينيّ إلى الأبد؛ لأنّه في عمليّة الدّراسات التاريخيّة كلّما ظهرت مشكلات جديدة، تظهر مشكلات أخرى عند محاولة رفعها. وهذا هو ما يطلق عليه آدمز دليل التأخير، فدليل التخمين والتأخير الذي بيّنه كيركغور يبتني على أنّ من المحتمل أن يكون نظام العقائد الدينيّة محتملاً من الناحية الآفاقيّة. يقبل كيركغور هذا الفرض من باب
________________________________________
(21) محمّد تقي مغالي، الإيمان والجدل المعاصر، مركز الحوزة العلميّة للدراسات والمطالعات الثقافيّة، ص 117.
(22) مايكل بترسون وآخرون، العقل والاعتقاد الدينيّ، ترجمة الوزاني وإبراهيم سلطاني، نشر طرح نو، ص 82.
(23) Robert Merrihew Adams.
(24) Robert Merrihew Adams, The virtue of faith and other essays in philosophical theology, Oxford University press, 1987.
(25) روبرت مري هيو آدامز، أدلة كيركغور ضد الاستقلال الآفاقي في الدين. ترجمة مصطفى ملكيان، نقد ونظر، العدد 3-4، ص82.

[الصفحة - 292]


المماشاة، وإلّا فهو يعتقد بأنّ الإيمان الدينيّ بالطبع، يحتاج عدم احتمالية الآفاقي. وبناء على الدليل العاطفيّ عند كيركغور فإن أكثر خصائص التدين قيمة وأهمية، هو العاطفة التي لا حد ولا حصر لها، وتقتضي هذه العاطفة عدم احتماليّة الآفاقيّ(26) .
وأمّا خلاصة نقد آدمز لدليل التخمين فهي: إذا كان كيركغور يقصد من دليل التخمين أنّ الاعتقاد الذي لا يصل إلى مستوى اليقين هو أساس السعادة الأبديّة، وكلُّ اعتقاد يتشكَّل على أساس الاستدلال الآفاقيّ التاريخيّ لا يصل إلى اليقين على الإطلاق، نقول في هذه الحالة، إنّ هذا الاعتقاد، وباعتباره أكثر الطرق احتمالاً، يمكنه أن يكون أساس السعادة الأبديّة. وإذا كان يريد أنّ في تحقّق الإيمان الدينيّ لا وجود لأيّ قيد احتماليّ، وما نحتاج إليه اليوم هو عقيدة بكلّ ما للكلمة من معنى، فإنّ هكذا عقيدة لا يمكن أن تحصل عن طريق الاستدلال الآفاقيّ التاريخيّ، عند ذلك نقول: صحيح أنّ الاستدلال الآفاقيّ التاريخيّ يقدِّم وثيقة تاريخيّة، إلّا أنَّه وبسب أهميّة الإيمان الدينيّ، فمن المقبول البحث عن هذه الوثيقة المحتملة للبحث عن اعتقاد من دون أيِّ قيد وشرط؛ بالأخص فيما يبيّنه كيركغور حيث يكون البحث قراراً. ولكن من الواضح أنّ مقصود كيركغور هو أن مجرد القرار لا يكفي لوجود إيمان دينيّ، بل نحتاج إلى جانب القرار، إلى اطمئنان عاطفي حيث لا يحصل هذا الاطمئنان عن طريق الاستدلال الآفاقيّ التاريخيّ على الإطلاق. نحن نقبل ذلك من كيركغور، إلّا أنّ تماميّته تتوقّف على إثبات أنّ التحقيق الإيمانيّ يحتوي تناقضاً.
بالإضافة إلى الملاحظات المتقدّمة على كيركغور، يوضح الدكتور لغنهاوزن(27) أنّ فهمه للكتاب المقدّس يحمل أهميّة كبيرة على مستوى الحوار بين الإسلام والمسيحيّة.
فمنذ القديم كان المسلمون يكرّرون دائماً شكّهم في الوثائق التاريخيّّة المتعلّقة بالكتاب المقدّس حيث كان المسلمون يقارنون بين فقدان المعلومات المتعلّقة بأصل ومنشأ الكتاب المقدّس والوفرة والكثرة النسبيّة للحقائق المتعلّقة بوحي القرآن. أمّا جواب المسيحيّين بشكل دائم فهو السكوت. طبعاً ثمّة عدد لا بأس به من المتكلّمين المسيحيين المشغولين بالدّراسات التاريخيّة الواسعة حول مصادر الكتاب المقدّس. وفي الغالب يُظْهرون
________________________________________
(26) روبرت مري هيو آدمز، بحث الإيمان، ترجمة محمّد علي مبيني، مجلة المعرفة، العدد 51، ص61.
(27) الإيمانيّة، ص117.

[الصفحة - 293]


عدم رغبتهم الدخول في هذه المسألة، وتشير هكذا ردّات فعل إلى رواج الجزميّة غير العلميّة، بل توضح رؤية كلاميّة واسعة تبيّن أنَّ المسائل الدينيّة مستقلّة عن الحقائق العينيّة (الآفاقيّة)، لا بل قد يقع بينهما نوع من التناقض. الصور الجديدة التي تُستلهم من نقد الكتاب المقدّس أنّ القيمة المعنويّة منفصلة عن القصور التعبيريّ واللفظيّ، بل عن كلّ ادّعاء يتعلّق بامتلاك الأصل والمنشأ الواقعيّ التاريخيّ. وقد اتّضحت هذه الرؤية بشكل واضح في آثار كيركغور. كما يعتبر أنّه حتّى لو تمَّ إثبات اعتبار الكتاب المقدّس ووثاقته بشكل نهائيّ، فإنّ هذا الأمر لا يجعل الشخص أقرب إلى الإيمان؛ لأنّ الإيمان هو موضوع العشق والشوق وليس نتيجة الدّراسات العلميّة والأكاديميّة. بالإضافة إلى ذلك يدّعي كيركغور أنّ الإثبات العلميّ لاعتبار الكتاب المقدّس، مضرّ بالإيمان، لأنّ العشق والشوق لا ينسجمان مع اليقين؛ من جهة أخرى يدّعي كيركغور أنّه حتّى لو تمّ إثبات عدم اعتبار الكتب المقدّسة وأنّ ما فيها من كتب لم تدوّن بوساطة مؤلِّفين مفترضين وكانت فاقدة للوحدة والانسجام، فإنّ ذلك لا يوصل إلى نتيجة أن المسيح ليس موجوداً، وللمؤمنين الحقّ في الحفاظ على إيمانهم.
الإيمانيّة المعتدلة (لودويك فيتجنشتاين)
يعتبر فيتجنشتاين الفيلسوف النمساويّ ذو الأصل الانجليزيّ، أكثر الفلاسفة تأثيراً في القرن العشرين. ترك العديد من المؤلّفات ويمكن الإشارة إلى واحدٍ من أهمّ مؤلّفاته أي الرسالة المنطقيّة ـ الفلسفيّة والدِّراسات الفلسفيّة. وقد قام بطبع الرسالة المنطقيّة ـ الفلسفيّة في حياته. وقدّم رسالته بعبارات قصيرة ولم يكن في وارد بناء نظام فكريّ.
يمكن التمييز بين مرحلتين مختلفتين من الحياة الفكريّة لفيتجنشتاين يُعبَّر عنهما بفيتجنشتاين المتقدّم والمتأخّر. ومع ذلك فإنّ كلا المرحلتين تمتاز بالخصيصتين الآتييتين:
1- الفلسفة ليست موضوعاً كالوجود أو الموجود وأمثال ذلك. الفلسفة، وهي ليست مجموعة من التعاليم والعقائد، بل هي فعاليّة ونشاط. وقد
________________________________________

[الصفحة - 294]


عرض هذه المسألة في رسالته وفي الدراسات.
2- وظيفة الفلسفة بيان القضايا التي يطرحها العلماء، وقد أكّد في المؤلَّفَين على هاتين الخصيصتين. واعتبر أنّ عبارة ما بعد الطبيعة فاقدة للمعنى، ويعتقد أنّ العمل الأساسيّ للفلسفة هو العلاج؛ أي إزالة الاشتباهات التي يقوم بها الفلاسفة(28) .
اللغة الفريدة
إنّ الفهم الأفضل للنظريّة الإيمانيّة عند فيتجنشتاين يقتضي بداية التعرّض لـ(الألعاب اللغويّة)(29)ونظريّة لغة الدين عند فيتجنشتاين. يعتقد فيتجنشتاين أنّ لغة الدين، لغة فريدة ( soi genris) حيث يجب أن يحصل فهمها وتقييمها بناءً على معايير لغة مستقلّة دينيّة. عندما نعتقد أنّ الله موجود، فإنّ هذا الاعتقاد لا يشبه الاعتقاد بوجود الأشياء الأخرى. إنّ عدم الاعتقاد بالله هو نوع من الوهن، وهذا لا ينطبق على عدم الاعتقاد بالأشياء الأخرى.
لا يمكن اعتبار لغة الدين مجرّد محرّك لعواطف المتكلّم أو لعواطف المخاطَب. إنّ الالتزام بهكذا نظريّة غير معرفيّة فيما يتعلّق بالمقولات الدينيّّة، لا يمكن أن يتطابق مع حقيقة هذه الأقوال. ويضيف فيتجنشتاين أنّ لغة الدين لا تشبه أيّ لغةٍ أُخرى. ومفاده هو الموجود فيه. وفي الأسـاس لماذا يجب وضع شيء آخر مكانها؟ من وجهة نظر فيتجنشتاين عندما يقول المؤمن: (أنا أعتقد بالقيامة)، ويقول غير المعتقد: (أنا لا أعتقد بالقيامة)، فكلّ واحد منهما لا ينفي مقولة الآخر؛ لأنّ كلامهما لا يحمل مفاداً واحداً ودوراً واحداً. هذان الشخصان يتحدّثان في عالمين ونظامين مختلفين، لذلك لا يقع التنافي بين مقولتيهما. من هنا لا وجه للإتيان بالشواهد والاستدلال على صحة أحد القوليّن. هذه الأقوال ليست مجرّد أقوال تجريبيّة صرفة. فمن الممكن أن يكون المعتقد مطّلعاً بشكل تامّ على وجود شواهد كثيرة على عدم وجود القيامة، ومع ذلك يبقى مصرّاً على اعتقاده. إنّ هذا الاعتقاد شبيه باتِّخاذ قرار حول كيفيّة حياة معيّنة أكثر من توضيح مفاد تجريبي أو توقعٍ خاصّ
________________________________________
(28) البروفسور كنت اشبيتز، من فيتغنشتاين إلى أوستين، ترجمة السيّد محمود الموسوي، مجلة « بكاه حوزه »، العدد 58، ص24.
(29) Language game.

[الصفحة - 295]


في باب العلم(30) .
الإيمان هو لعبة لغويّة خاصّة تظهر داخل الحياة الدينيّة. وجميع الأحاديث الاعتقاديّة يمكن تقييمها داخل الحياة الدينيّة فقط. إنّ الذي يميِّز بين المؤمن والملحد، ليس الدّراسات العلميّة ولا الفلسفيّة إذ لا علاقة ولا نسبة بينها وبين الإيمان والاعتقاد الدينيّ؛ لأنّ تلك الأمور ذات علاقة بعمليّات لغوية أخرى تنشأ من كيفيّة الحياة العلميّة والفلسفيّة. الإيمان الدينيّ لا يحتاج إلى عون من العلم والفلسفة، ولا يلحقه أيّ ضرر من قبلهما، بل يحتاج إلى الحياة الدينيّة.
المؤمن هو الذي يجعل إيقاع حياته على أساس صورة قبليّة حول النظرة إلى الحياة، ومن هنا لا يكون الإيمان نتيجةً لعمليّة تفكير، بل الفكر الدينيّ، أي الإلهيّات والكلام يترتبّان على الإيمان. أمّا الاعتقادات العلميّة والفلسفيّة فلا يمكن مقارنتها بالاعتقاد الدينيّ من حيث رسوخها ونفوذها. إنّ الإيمان الدينيّ يمتلك قدرة على النفوذ إلى ذهن الإنسان وروحه حيث يجعل الإنسان يضع نفسه في المخاطرة بالنحو الذي لا يصدر عنه في حالات أخرى. «من وجهة نظري الاعتقاد الدينيّ يمكنه أن يكون شيئاً شبيهاً بالالتزام القويّ بنوع نظام إرشاديّ. ومع أنّه عبارة عن اعتقاد، إلّا أنّ حقيقته أنّه أسلوب حياة وطريقة تقسيم الحياة. هو التمسّك باليدين معاً بهذا التعبير والتفسير »(31) .
صحيح أنّ الوضعيّة المنطقيّة ( Logical positivism) تأثّرت في وجودها وبشكل مباشر بفيتجنشتاين (يعتبر الوضعيّون أنّ الرسالة المنطقيّة ـ الفلسفيّة ليفتجنشتاين، هي مصدر إلهام لهم حيث ترك هذا الكتاب تأثيراً عميقاً في التأمّلات العلميّّة الفلسفيّة لحلقة فينّا)، إلّا أنّه وكالوضعيّين، لا يرى أيّ معنى لما بعد الطبيعة، بل يراها نتاجاً لاستعمال اللغة في أمور غير متعارف عليها. وكان يستعمل عبارة ما بعد الطبيعة في المواطن التي يريد بها الاستحقار. أمّا قراءته للدين فهي أقرب إلى قراءة فردريك شلايرماخر (1768 - 1834) منها إلى الوضعيين.
لقد عمل شلايرماخر وفيتجنشتاين لجعل الدين خارج دائرة العلم والفلسفة وأكَّدا على الاستقلال الدينيّ، فحفظا الدين من النقد العقلانيّ. في هذا الإطار حاول
________________________________________
(30) صادق لاريجاني، لغة الدين ولغة العلم عند فيتغنشتاين، مجلة الحوزة والجامعة، العددان 16 و17، ص92.
(31) محسن جوادي، العقل والإيمان، أبحاث في الكلام الجديد، ص 144.

[الصفحة - 296]


شلايرماخر إيجاد إلهيّات تبتني على التجربة الدينيّة، إلّا أنّ أموراً كهذه لم تشغل فيتجنشتاين.
يعتقد فيتجنشتاين في دروسه ومحاوراته في باب علم الجمال وعلم النفس والاعتقادات الدينيّّة أنّ أحداً لو قال: الله موجود، وأنكر آخر ذلك، فلا دليل بين أيدينا للقول بأنّ بين المقولتين تضّاداً أو تناقضاً؛ لأنّ استعمال كلّ منهما لكلمة (الله) قد يكون مختلفاً عن الآخر(32) .
يعتبر فيتجنشتاين أنّ امتلاك اعتقادات دينيّة مشابه إلى حد كبير لاستخدام مفاهيم دينيّة وامتلاك أسلوب تلقً تكون العواطف من لوازمه. وقد تحدّث بهذا الأمر صراحة حيث قال: «أعتقد أنّ الاعتقاد الدينيّ يمكنه أن يكون شبيهاً بالالتزام القوي بنظام الإرجاعات ( system of referent ) ». ويتحدّث بهذا الأمر أيضاً في خصوص الإيمان بالله: الحياة هي التي يمكنها أن تجعل المشخّص مؤمناً بالله، وهكذا حال التجارب، إلّا أنّني لا أقصد الرؤى والصور التجريبيّة الحسيّة الأخرى التي تُثبت وجود هذا الموجود، بل - على سبيل المثال - مختلف أنواع الآلام. هذه الأمور لا تعمل على إثبات وجود الله كما تقوم بإثبات الإدراك الحسّيّ للشيء، وليست سبباً لمجموعة من الاحتمالات حول الله، فالتجارب والأفكار أي الحياة، يمكنها أن تفرض علينا هذا المفهوم(33) .
وفي معرض إجابته عن السؤال الآتي: لماذا يجب أن يكون العقل محدوداً بالعلوم الطبيعيّة والمناهج العلميّة؟ ولماذا يُخرِج الدين من دائرة الأبحاث العقليّة؟ يقدّم مجموعة من الأدلة على ذلك. فأوّلاً إنّ الالتزام الذي يحمله المؤمن اتجاه الاعتقادات الدينيّة ليس من سنخ الالتزام الذي يحصل نتيجة ملاحظة الشواهد الموجودة. الإنسان الذي يُصدر أحكاماً على أساس الشواهد، هو إنسان فاقد لحالة الشوق، فإذا تغيّرت الشواهد غيّر عقيدته. أمّا المؤمن فهو كالشخص الذي يدافع عن نفسه بكلّ قوة وعزم أمام من يرغب بإلقائه في النار. «في هكذا حال لا مكانة للاستدلال على الإطلاق، فالوحشة تعمّ المكان ». ويحصل الشوق والعزم الإيمانيّان عندما يدرك الإنسان الحقائق
________________________________________
(32) محمّد لفنهاوزنن الإيمانيّة عند فيتغنشتاين، ترجمة السيّد محمود الموسوي، مجلة نقد ونظر، العددان 25-26، ص 157-158.
(33) جان هايمان، فلسفة الدين عند فيتغنشتاين ترجمة خليل قنبرين مجلة هفت آسمان، العدد1، ص46.

[الصفحة - 297]


الإيمانيّة بشكل مباشر لذلك لا يمكن البحث عن الشوق والحرارة في النتائج الحاصلة من الاستدلال المنطقيّ، سواء أكان ذاك الاستدلال قياسيّاً يُستعمل في الرياضيّات ونظائرها، أو كان استقرائيّاً يُستعمل في العلوم التجريبيّة.
ثانياً، إنّ الذين يؤمنون بالله عن طريق براهين المتكلّمين، لا يصلون إلى هذه النتيجة، بل يؤمنون بدايةً ثمّ في مرحلةٍ لاحقةٍ يحاولون إقامة الدليل والبرهان. إنّ هذا الأسلوب، لا يمكن من خلاله الحصول على معتقدات مستدلّة، ومع ذلك فهذه المعتقدات لا تعتبر معتقدات غير عقلانيّه لأنّها تشكّل اليقين للمؤمن. قد لا يكون العمل بالأمر اليقينيّ عقلانيّاً دائماً، إلّا أنّ ذلك لا يعني أنّه غير معقول؛ لأنّ العمل بالأمر غير المعقول مستوجب الذمّ(34) .
خلاصة نظرية فيتجنشتاين
لعلّ من الصحيح القول وبشكل مختصر أنّ فيتجنشتاين يدافع عن نظريتين(35) : الأولى النظريّة التي تتمحور حول معنى القول الدينيّ، والثانية النظرية التي تتمحور حول علم معرفة الاعتقادات الدينيّة. النظريّة الأولى هي أنّ إظهار الاعتقاد الدينيّ في الألفاظ، ليس مجرّد فرضيّة أو توقّع. بل هو شيء شبيه بالالتزام القوي في نظام الإرجاعات؛ والنظريّة الثانية هي أنّ الاعقادات الدينيّة مصونة عن الإبطال والإثبات بالمستوى نفسه. يقول فيتجنشتاين: إنّ المنتقدين والمدافعين الذين يخلطون الاعتقادات الدينيّة بالفرضيّات والذين يجمعون الشواهد لصالحها أو ضدّها، لم يميّزوا بين الإيمان الدينيّ والخرافات.
يَعتبر جان هايمان أنّ تفسير فيتجنشتاين للاعتقاد الدينيّ غير مقنع ويلتزم بمقولة أنّ الإيمان بوجود الله مغاير بشكل كامل للفرضيّة التي تكون تاريخيّة أو
________________________________________
(34) محمّد لفنهاوزن، مصدر سابق، ص160.
(35) جان هايمان، مصدر سابق، ص48.

[الصفحة - 298]


عمليّة، لكن لا يظهر من ذلك أنّ تلك ليست شيئاً، بل هو (التزام قويّ بنظام الإرجاعات) أي الالتزام بالتقدّم في الحياة التي سيطرح فيها الكثير من الأسئلة، وستتضح فيها التكاليف، فتُتخذ القرارات وتتمّ الأعمال، هذه الحياة التي يمكن توضيحها وفهمها من خلال استعمال المفاهيم الدينيّة، وممّا لا شكّ فيه أنّني إذا كنت أمتلك ذاك الالتزام ومحافظاً عليه، فإنّ اعتقادي بوجود الله، سيكون نوعاً من استدلالي على هكذا عمل(36) .
تقييم الإيمانيّة عند فيتجنشتاين
أعتقد أنّ النرعة الإيمانيّة عند فيتجنشتاين تستلزم نوعاً من النسبيّة(37) وهي قريبة من آراء هايدغر في باب الفهم والنماذج(38) التي قدّمها في فلسفة العلم.
إنّ الإيمانيّّة هي نظريّة، تحمل الكثير من الثمار الواضحة في باب الارتباط بين لغة الدين ولغة العلم والنسبة بين العلم والدين وكيفيّة حلّ التعارض بينهما. ويتّضح مما تقدّم أنّه بناء على هذه النظريّة،فإنّ العلم والدين ساحتان مختلفتان بشكل كامل حيث لكلٍّ منهما ضوابط خاصّة به ومنطق خاصٌّ به. وكلُّ واحدٍ لا يمكنه انطلاقاً من موقعه نقد الآخر وتقييمه.
طبعاً هذه النظريّة مقبولة عند الكثير من المؤمنين والمتديّنين الذين يرغبون في الحفاظ على أصالة إيمانهم والذين يرغبون في البقاء بعيداً عن نقد العلم. الجميع يتذكّر كيف أنّ أتباع العلم يتعرّضون بشكل دائم للدين بالطعن حيث يعتقدون بضرورة فهم الدين في ظلّ العلم. ترى الإيمانيّة أنّ هذا الكلام باطل من الأساس ولا تعترف بأيِّ حقٍّ للعلم في دخول الساحات الأخرى من الحياة البشريّة. وعلى هذا الأساس لا يمكن تصوّر تعارض بين العلم والدين: فهما لا يرجعان إلى ساحة واحدة، وحتّى إنّ النفي والإثبات المتعارض فيهما، هو تعارض ظاهريّ لا تعارض واقعيّ.
بملاحظة كلِّ ما تقدّم يجب أن لا ننسى أنّ نظريّة ما قد تؤيد آراء نتبنّاها من جهة معيّنة، ولكنّها في الوقت عينه تؤدّي إلى زلزلة آراء أخرى نتبنّاها أيضاً من جهات أخرى، والإيمانيّة هي من هذا النوع من
________________________________________
(36) المصدر نفسه.
(37) Relativism.
(38) Paradigms.

[الصفحة - 299]


النظريّات. فالإيمانيّة ومن خلال مبادئها في باب حقيقة اللغة وحقيقة الفهم وكيفيّة الحياة، تعرض قراءة خاصّة للدين، ولكن هل تمتلك قراءة خاصّة حول العلم والأخلاق و... وهل هذه القراءات مطلوبة أو غير مطلوبة؟ وعلى الأقلّ يمكن السؤال: هل يتلاءم هذا التفكير مع النصوص الدينيّة؟(39) لهذا قيل: إنّ الإيمانيّة عند فيتجنشتاين تحمل نوعاً من النسبيّة. وهناك العديد من الباحثين الذين يعتقدون بأنّ النتيجة ستكون نوعاً من النسبية. يعتقد هؤلاء أنّ بعض العبارات التي استعملها فيتجنشتاين بالأخص (كيفيّة الحياة) و(الألعاب اللغويّة)، كلّها تدل على نوع من النسبيّة المطلقة التي تغلق الأبواب أمام أيّ نوع من التقييمات المستقلّة. إنّ النسبيّة ( Relativism) والتقليديّة ( Conventionalism) من جملة الطعون التي تطرح غالباً فيما يرجع إلى نظريّات فيتجنشتاين، إلّا أنّ آراءه في هذا الخصوص صعبة الفهم والإدراك. أمّا الانطباع الأوّل لآرائه فهو أنّ كيفيّات الحياة مختلفة، لذلك كان فهم هذه الكيفيّات مختلفاً أيضاً. وإذا كان المقصود من اختلاف كيفيّات الحياة اختلاف الأفهام مطلقاً، فلا مفرّ عند ذلك من قبول النسبيّة، إلّا أنّ بعض الباحثين ذكروا شواهد من عبارات فيتجنشتاين يعترف فيها ببعض الأرضيّات المشتركة على المستوى الإنسانيّ والثقافيّ. بناءً على ما تقدم، فالسؤال الذي يمكن طرحه هنا:
ما الذي يراه فيتجنشتاين؟ هل كيفيّات الحياة متباينة ،أم أنّها تمتلك بعض المشتركات؟ هل معايير العقلانيّة داخليّة تماماً فهي تظهر في كلّ نحو من أنحاء الحياة بشكلٍ معين؟ أم أنّ هناك بعض المعايير العقلانيّة الثابتة؟ فإذا كانت الأولى صحيحة، فهذا يعني الالتزام بالنسبيّة المطلقة وإذا كانت الثانية هي الصحيحة، فهذا يعني تمهيد الأرضيّة للكثير من الأسئلة، وبالتالي إمكان تقديم ملاحظات عديدة لكيفيّات الحياة(40) .
تشترك الإشكالات الأساسيّة للإيمانيّة عند فيتجنشتاين مع قوانين أخرى من أفكاره. ويترتّب على هذا الواقع إشكال وهو أنّه يمكن جعل استقلال المعتقدات
________________________________________
(39) لغة الدين ولغة العلم عند فيتغنشتاين ص 96.
(40) المصدر نفسه، ص 87- 98.

[الصفحة - 300]


الدينيّة وسيلة لحجب لاعقلانيّتها. الأشخاص غير العقلانيّين قد يقومون بإيجاد الألعاب اللغويّة من خلال قواعدهم الخاصّة. لا يبدو أنّ الانسجام الداخليّ كافٍ لضمان هذا الأمر، وهو أن نتّخذ موضوعاً ونجعله شكلاً مستقلّاً للحياة يستحقّ ذاك الاحترام الذي يعترف به فيتجنشتاين للفكر الدينيّ. ويظهر هذا النوع من الإشكال في أبحاث أصحاب النزعة المبنائيّة المعاصرة أمثال بلانتينجا حيث إنّ أنظمتهم المعرفيّة إذا كانت تُجَوّز العقلانيّة الدينيّة، فهي تجوِّز أيضاً عقلانيّة الأمور غير المعقولة.
طبقاً لرؤية فيتجنشتاين، فإنّ الموقع الخاصّ للعقل يتجلّى في العلوم. والظاهر أنّ المفيد والمؤثِّر في المعتقدات الدينيّة هو أمر آخر. ويمكن التذكير، مقابل هذه الرؤية، برؤية أخرى وهي أنّ الدّراسة الدينيّة والعلميّة تخضعان لقوانين منطقيّة خاصّة بالفكر العقلانيّ، وتفترقان عن بعضهما عندما يكون الحديث عن الروابط والنسب بينهما وبين المعطيات التجريبيّة، بالأخص تلك المعطيات ذات الماهية الكميّة. والحقيقة أنّه ليس من الواضح لماذا يجب الهبوط بالعقل إلى مجال أمور يَعتمد فيها على المعطيات التجريبية بدل اعتماده على الوحي. إنّ الأصول المنطقيّة التي للسنن العلميّة والدينيّة وغيرها نصيب فيها، تنقض في الظاهر فكرة الاستقلال التامّ للعقائد الدينيّة التي يدافع عنها فيتجنشتاين.
لعلّ الإشكال الأهمّ الذي تواجهه نظريّة فيتجنشتاين في باب استقلال الاعتقادات الدينيّة، أنّ رؤيته فاقدة لوحدة المعيار في محاولة تقييم هذا المعنى. حتّى إنّ فيتجنشتاين بنفسه لم يكن يدرك كيف يتمكّن المتديّن وغير المتدين من فهم كلام بعضهما البعض؛ وبما أنّهما قادران على الإفهام والفهم فهذا يعني أنّ اللغة الدينيّة واللغة غير الدينيّة غير منفصلتين عن بعضهما، عند ذلك يصبح من اليسير توجيه النقد المتقابل وهذا يعني إنكار استقلال المعتقدات الدينيّة. في النهاية تحضر مشكلة رسم الحدود. فأين تنتهي إحدى اللغات وتبدأ اللغة الأخرى؟ وإذا كان الدين، كالعلم، نحواً من أنحاء الحياة. فلماذا يجب تسويغ السنن الدينيّة المتنوّعة؟ وهل هي كالفرضيّات العلميّة المتعارضة؟ هل هناك دليل قويّ لنقول: لا. إنّ
________________________________________

[الصفحة - 301]


التباعد بين مذهب بوذا والدين اليهودي يصل إلى حدّ لا يمكن معه القول بأنّهما جهدان يبذلان لوصف واقع واحد. قد يمكن القول: إنّ تمايزهما كتمايز فروع من علوم مختلفة. إلّا أنّ هذا خطأ أيضاً. فالأديان المختلفة متعارضة بمعنىً من المعاني، ولكنّ فروع العلوم المختلفة، تختلف بأنّ كلّ واحد منها يتعرّض لجانب من الجوانب، مع الإيمان بالواقع المشترك. ولن نرى في آثار فيتجنشتاين وأتباعه شيئاً مفيداً فيما يرجع إلى كيفيّة تصنيف المدارس الفكريّة المختلفة، ومتى يقع التعارض بينها، ومتى تكون مستقلّة عن بعضه(41) .
يطرح بعض الفلاسفة المعاصرين صور مختلفة عن الإيمانيّّة المعتدلة عند فيتجنشتاين، أوّلاً لأنّ استقلال المعتقدات الدينيّّة، يصون إدعاءات المعرفة الإلهيّة في مقابل هجوم القائلين بأصالة الأدلّة، وثانياً لأنّ ذلك لا يستلزم أيّ نوع من أنواع اللاعقلانيّة ـ الخصيصة البارزة في الإيمانيّة الإفراطيّة لكيركغور ـ أمّا أبرز الذين عملوا على شرح رؤية فيتجنشتاين وتوضيحها فيمكن الإشارة إلى فيليبس ونورمن مالكوم.
________________________________________
(41) الإيمانيّة، ص120- 121.

[الصفحة - 302]