البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إسم البحث : الثقافة بين المفهوم الغربيّ والإسلاميّ، الإئتلاف والإختلاف

الباحث : الأستاذ عماد الهلالي

اسم المجلة : مجلة المنهاج

العدد : 67

السنة : السنة السابعة عشر خريف 1433 هجـ 2012 م

تاريخ إضافة البحث : June / 17 / 2015

عدد زيارات البحث : 2493

حجم ملف البحث : 81.375 KB

 تحميل

الثقافة بين المفهوم الغربيّ والإسلاميّ، الإئتلاف والإختلاف

الأستاذ عماد الهلالي (*)

تمهيد
يُعدّ مفهوم الثقافة: (culture) من أكثر المفاهيم التي أُخضعت لعمليّة متواصلة من التلبيس والتشويه وطمس الدلالات، بصورة أدّت إلى تحويل المفهوم إلى صفة ذات أبعاد قيمية مهمّة، بحيث أصبح المفهوم يُطلق على أشياء وعمليات وأنساق أفكار متعارضة مختلفة، ليس في مقاصدها ونتائجها وغايتها فحسب وإنّما في عناصرها ومكوّناتها أيضاً، ممّا اقترب بهذا المفهوم إلى مثل مفاهيم الحداثة والتقدّم والرقيّ، وحتى (ما بعد الحداثة: postmodernism)... إلخ. وذلك على الرغم من أهمية هذا المفهوم ومحوريّته في الحركة (الإنسانيّة: humanity) من حيث وصفها وتكييفها وبيان ماهيّتها ووجهتها، وعلى الرغم من أنّه يُعدّ المفهوم الأساس لكثير من العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة ــ كـ(علم الأنثروبولوجيا: Anthropology) أي: علم الإنسان، و(علم الاجتماع: Sociology)، و(علم النفس: Psychology) ، و(علم التربية: Pedology) وغيرها ــ سواء باعتبار المكوّن الأساسيّ لبنية العلم, أم أنّه الغاية التي ينشدها العلم أو الموضوع الذي يدور حوله، فعلى الرغم من ذلك كلّه لا توجد محاولة جادّة لمناقشة مفهوم
________________________________________
(*) كاتب وباحث، من العراق.

[الصفحة - 127]


الثقافة مناقشة تأصيليّة ــ طبعاً في العالم الثالث أو الشرق على الخصوص ــ تستقصي جذوره وتتبع دلالاته وتكشف عن معانيه وكوامن جوهره في لغتنا العربية أو اللغات الأخرى. ذلك في حين تكثر الدراسات حول هذا المصطلح وتقدّم له مفاهيم كثيرة متعدّدة متعارضة، بصورة تجعل من التكديس العملي أداة للتشويه وإخفاءً لدلالات المفهوم الحقيقيّة، والوقوف عند البناء اللغويّ أو السطحي كمركّب من حروف، وليس كاللفظ بإزاء معانٍ محددة تتعلّق بحقائق معنويّة واجتماعيّة وسلوكيّة وبنائيّة تصف في مجملها حركة الإنسان في الكون عبر تاريخه الممتدّ.
مفهوم الثقافة.. نبذة تاريخيّة
تعدّدت التفسيرات لمفهوم الثقافة، فاختلفت وتناقضت، وتقاربت؛ وذلك لما لهذا المفهوم من علاقة بمجمل المفاهيم والمبادئ التي يتبنّاها هذا الطرف أو ذاك، ومن هنا عُرفَّت الثقافة عند ذوي الاتجاه اليساري بأنّها: ذات علاقة بالجماعة، أي: (فلسفة المجتمع)، في حين يُعرّفها الغرب على أنّها: تراث الإنسانيّّة الإغريقيّة اللاتينيّة، بمعنى أنّ مشكلتها ذات علاقة وثيقة بالإنسان، أي أنّها (فلسفة الإنسان).
أما في المفهوم الإسلاميّ فهي غير هذا وذاك، بل هي كما يُعرّفها أحد المفكرين الإسلاميّين: مجموعة من الصفات الخُلقيّة والقيم الاجتماعيّّة التي يتلقّاها الفرد منذ ولادته، كرأس مال أولي في الوسط الذي ولد فيه، والثقافة على هذا هي المحيط الذي يشكّل فيه الفرد طباعه وشخصيته، بما أنّها تمثّل الرحم التي يتخلّق فيها جنين الحضارة، خاصّة وأنّها الشيء الذي يكيّف الإنسان الذي يصنع التاريخ(1) .
إنّ مصدر مفردة (الثقافة: culture) هي اللغة اللاتينيّة الكلاسيكيّة، أو ما قبل الكلاسيكيّة ، وهي في الأصل بمعنى الزراعة أو التربية، ولا يزال هذا المعنى قائماً وموجوداً في مفردات (الزراعة : agriculture) و(البستنة: horticulture) و(المراسيم: cult أو sultrus) ، وقد استخدمت بنفس المعنى في شكل جديد مثل: (تربية النحل: sulture bees) ، و(زراعة الأصداف: oyster culture) ، و(زراعة اللؤلؤ: pearl culture) ، و(زراعة الباسيل: bacillus culture) .
________________________________________
(1)انظر: عثمان، عبد الكريم، معالم الثقافة الإسلاميّة، ص6 ــ 9، انظر أيضاً: (تقديم الكتاب)، مؤسـّسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأُولى، 2003م.

[الصفحة - 128]


أوّل مرّة استُخدمت فيها كلمة ( culture) (الثقافة) في الغرب بهذا المعنى ــ فيما يتعلّق بالمجتمعات البشريّة ـــ عام (1750) وذلك في اللغة الألمانية.
ساد في (اللغات الرومانية: roma languages) (2) واللغة الإنجليزية ــ منذ بداياتها وإلى فترات طويلة ــ استخدام كلمة ( civilization) المدنيّة الطقوسيّة أو الحضارة ، بدلاً من (الثقافة: culture) ، والمراد منها التربية والتطوير والتحسين والتقدّم الاجتماعيّ. ترجع كلمة ( cavilization) إلى المفردات اللاتينيّة ( civis) و( civitas) و( civilis) ، بمعنى (السياسي: political) و(المدني: urban) التي تعني بدورها (الدولة النظامية) في مقابل المجتمع القبَليّ. أمّا اللاتينيّة الكلاسيكيّة فليس فيها مفردة ( civilization) ، ويبدو أنّها من نتاج عصر النهضة، وقد تكون فرنسيّة مشتقّة من الفعل ( civiliser) بمعنى التحلّي بآداب سكّان المدينة وأعرافها.
وهكذا كان لمفهومي الثقافة والحضارة ــ منذ البداية ــ معنى التقدّم والتطوّر نحو الكمال، ولا يزال هذا المعنى ملحوظاً سواء في الاستخدام الشعبي أم النخبوي. ولكن من منتصف القرن التاسع عشر الميلادي اكتسبت مفردة (الثقافة: culture) ــ ومعها مفردة الحضارة ( civilization) ــ معنى علميّاً جديداً وخاصّاً، يشير إلى مجموعة من خصائص ومكتسبات معيّنة في المجتمعات الإنسانيّة تنتقل بآليات غير آليات (الوراثة الحيويّة: biological) ، والسمة المميِّزة للنوع الإنسانيّ هي التراكم الاجتماعيّّ لهذه الخصائص التي قلّما يمكن ملاحظتها في (المخلوقات ما دون البشريّة: subhuman) . فقد ظهر حديثاً في تلك العلوم ميدانٌ خاصّ يُسمّى بـ(الدراسات الثقافيّة: cultural studies) يركِّز اهتمامه على دراسة التجلّيات الثقافيّّة للمجموعات البشريّة(3) .
استخدام كلمة الثقافة في المفهوم الغربيّ
استخدمت كلمة (الثقافة: culture) لأوّل مرة ــ كما قلنا ــ في ألمانيا، بيد أنّ هذا الاستخدام لم يكن واضحاً تمام الوضوح، إنما كانت هناك تأرجحات بين هذا المعنى الجديد والمعنى القديم، أي : الزراعة والعمل والتحسين، إلى أنْ جاء (تايلور tylor) (4)
________________________________________
(2) اللغات المتفرعة عن اللاتينيّة، كالبرتغالية والإسبانية والفرنسية والإيطالية والرومانية.
(3) الذوادي، محمود، الثقافة بين تأصيل الرؤية الإسلاميّة واغتراب منظور العلوم الاجتماعيّّة، ص38، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، الطبعة الأُولى، 2006م.
(4) تايلور (1832ــ1917) عالمٌ انكليزي، يُعدّ مؤسـّس انثروبولوجيا الثقافة.

[الصفحة - 129]


فقدم في سنة (1871م) أوّل تعريف غربيّ وبشكل علمي لهذهِ المفردة.
من العوامل الأساسيّة التي ساهمت بانبثاق المفهوم الجديد للثقافة، ظهور مفهوم التقدّم في التأريخ. ففي عصر النهضة ــ وخلافاً لما شاع في القرون الوسطى من رؤى متشائمة حيال حركة التاريخ ــ ساد الشعور بأنّ الإنسان اكتشف أموراً جديدة هائلة، من دون أنْ يكون قادراً على التعبير عن معنى هذه التطوّرات برؤية تاريخيّة. في بداية القرن الثامن عشر ظهرت في أوربا الغربيّة فكرة مفادها أنّ مكتسبات العصر الحديث أفضل وأرقى من مكتسبات العصور القديمة والقرون الوسطى، وقد عزّزت هذه الفكرة وكرّستها الإنجازات الإيجابيّة في مضمار العلوم الطبيعيّة التي تحقّقت بفضل روّاد أمثال: (كوبرنيك copernicus) (5) ، و(غاليليو Galileo) (6) ، وانطلاق فلسفة جديدة لها أفكارها وطروحاتها الجديدة، إضافة إلى الثروات التي كانت تتراكم في أوربّا. وفي منتصف القرن الثامن عشر كان ثمّة إجماع على مبدأ التقدّم، وليس هذا فحسب بل على أسبابه أيضاً، وهي تحرّر العقل من قيود الإيمان, وانتشار التنوير والعقلانيّة، وكانت تكمن في نقطتين:
1- المنهج العلميّ.
2- بناء النظريّة الآليّة.
في سنة (1765م) نحت (فولتير Voltaire) مصطلح (فلسفة التاريخ) وكان قبل ذلك قد أصدر في (1756م) كتاباً بعنوان (رسالة في أعراف الشعوب وتقاليدها وطباعها).
وفي عنوان هذا الكتاب دلالة واضحة على نزعة نحو دراسة علميّة للمجتمعات البشريّة، كان لـ(فوليتر) الفضل في ريادتها، ثمّ صَدَّر (لويس ايزلي Louis Ezeli) سنة (1786م) كتابه (تاريخ الإنسانيّة) ودار حول المضمون ذاته, إذ هَدَفَ منه إلى ابتداع دراسة تاريخيّة لتطوّر الروح البشريّة، وقد صدر
________________________________________
(5) عالم فلك بولندي، وصاحب نظريّة مركزيّة الشمس للكون. وكانت نظريَّته الخاصّة بدوران الأرض حول الشمس ودورانها اليوميّ حول محورها إشارة لمعارضته نظرية (بطليموس) عن مركزية الأرض للكون، والّتي تبنّتها الأديان سابقاً، ونظراً لإعطائها دوراً مهمّاً للأرض والإنسان عليها ــ حسب الكتب الدينيّة المنزّلة ــ فقد قوِّضت، واعتبرت نظريّة (كوبرنيك) حدثاً ثوريّاً مهمّاً في تاريخ العلم.
(6) عالم طبيعة، وفلكيّ إيطالي، يسمّونه بالايطالية: (غاليلي Galilei )، ولِد في مدينة (بتزا) الشهيرة ، ودرس الطبّ في جامعتها، ولكنّه تلقّى في الوقت نفسه الفلسفة والرياضيات والفلك مع شغف كبير باليونانية واللاتينيّة، وكذلك الشعر، وكان يفضّل أفلاطون على أرسطو. سنة (1632م) أذاع (غاليليو) كتابه المشهور (حوار تُناقَش فيه لأربعة أيّام متوالية أهمّ نظريتين في العالم)، فحُكم عليه بالخروج عن الدّين؛ لقوله بمذهب كاذب منافٍ للكتاب المقدّس. فَقَدَ بصره، وتوفي بالحمّى عام (1642م).

[الصفحة - 130]


الكتاب في عام (1851م) بعد وفاة المؤلِّف. وكان كتاب (فلسفة التاريخ) لـ(هـيغل Hegel) ــ الذي نُشِر قسمٌ منه بعد وفاته أيضاً سنة (1837م) ــ ذروة هذه الحركة الفكريّة. وقد طمحت جميع هذه المحاولات إلى تشخيص جوهر التاريخ الإنسانيّ المتطوّر، أي (التاريخ العالميّ: Universal) الذي يتعيّن لمعرفة مقارنة العديد من الثقافات والحضارات ببعضها لاستبيان القوانين والقواعد التي تحكم المسار العام للتقدّم.
الاتجاه الآخر لدراسة المجتمعات البشريّة والذي يعود فيه الفضل إلى (فوليتر) يقوم على (الأعراف والتقاليد: moeurs) . والأعراف والتقاليد هي المفهوم العامي الذي انبثق من صميمه المفهوم العلميّ للثقافة. وقد لجأ (ادلانغ adelung) (7) و(هيردر herder) (8) في ألمانيا إلى استخدام مفهوم (الثقافة: culture) بدل الأعراف والتقاليد.
يعرّف (هيردر) الثقافة بأنّها: «تربية وتنمية متضامنة لقدرات الإنسان». ويعرِّفها (آدلانغ) بأنّها: «التهذيب والتحلّي بالآداب ». ومع ذلك فحينها كان هذان المفكّران يستخدمان كلمة (الثقافة) حيث كانت في كثير من الأحيان أجراس معان جديدة تقترب إلى المفهوم العلميّ للثقافة. وكان (آدلانغ) أوّل مَن استخدم تعبير (تاريخ الثقافة).
وقد تواصل التيّار الذي أطلقه (أدلانغ) و(هيردر) بعد نصف قرن بجهود (كليم klemm) (9)الذي أصدر عام (1843م) كتابه المؤلَّف من عدّة مجلّدات تحت عنوان: (التاريخ العام للثقافة الإنسانيّّة)(10) ، ثمّ أصدر في سنة (1854م) كتاب (علم الثقافة العامّ)(11) ، وأسهب في مناقشة مراحل تكامل الثقافة (البربريّة، والتعليم، والحريّة) واستخدام مفردة الثقافة بمعناها العلميّ الجديد أحياناً، ولا ريب أنّه وقف على تخوم المفهوم العلميّ للثقافة. ومن بعده يمكننا رصد سلسلة طويلة من علماء التاريخ والفلاسفة والأنثروبولوجيين، وسائر العلماء في ألمانيا الذين استخدموا الثقافة بمعناها العلميّ الجديد، ثمّ امتدّ هذا المعنى لكلمة (الثقافة: culture) إلى بلدان أخرى، والمراد من تعبير (الأنواع التاريخيّّة ــ الثقافيّة) ــ الذي استخدمه (دانيلفسكي
________________________________________
(7) ادلانغ (1852ــ1867م) عالم لغة ألماني كبير.
(8) (1744- 1853) ناقد أدبي وفيلسوف وثيولوجي ألماني له إبداعات عديدة في فلسفة التاريخ والثقافة.
(9)gustow friedrich klemm (1852- 1867) انثروبولوجي الماني له دور اساسي في تطوير مفهوم الثقافة.
(10) allgemin kultureschichte der menschheit.
(11) allgemein kulurwissenschaft.

[الصفحة - 131]


danilevky) في سنة (1869م) ــ (الثقافات والحضارات الكبرى) بالمعنى نفسه الذي اعتمده فيما بعد (إسبنغلر spengler) و(توينبي t oynnbee) .
بدأ الاستخدام الدقيق لمفهوم الثقافة إلى جانب تعريفه عندما جاء التعريف الجديد ــ كما ذكرنا مع (تايلور) ــ ففي كتابه (دراسات حول بداية التاريخ الإنسانيّ والتنمية الحضارية) الذي صدر في (1856م) استخدم مفردة (الثقافة) أحياناً إلاّ أنّه استعان أكثر بمصطلح الحضارة بدل الثقافة. وفي سنة (1871م) اختار تعبير (الثقافة البدائية: primitive culture) عنواناً لكتابه الرئيس الذي عرض في أوّل جملة منه التعريف الرسمي الأوّل الواضح للثقافة، ومن الممكن اعتبار هذه السنة تاريخ ولادة لهذا المفهوم العلميّ، مع أنّ أرضيته في اللغة الألمانية كانت قد مهّدت قبل ذلك.
انتشر مفهوم (الثقافة: culture) ببطء ملحوظ، فيما كان الأميركيّون أسرع من الإنجليز في استيعابه وقبوله, وأُدرج (مفهوم الثقافة) لأوّل مرة سنة (1929م) في قاموس (وبستر: webster) (12) . بينما لم يلحظ في القواميس الإنجليزية العامة سنة (1947م)، إذ عبَّر العلماء البريطانيون عنه باستخدام مفاهيم (المجتمع : society) أو (الحضارة : civilization) ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، وأبدوا تمنّعاً أكثر من الأمريكيين حيال استخدام مصطلح (الثقافة: culture) ، وهكذا وضع في بريطانيا مصطلح (الأنثروبولوجيا الاجتماعيّّة: social anthropology) الذي لا يزال مستخدماً اليوم، بينما يستخدم الأميركيّون مكانه مصطلح (ألانثروبولوجيا الثقافيّّة: culturalanthropology) . ولقد مانعت فرنسا أكثر حتّى من بريطانيا في تقبّل المعنى الجديد لمفردة ( culture) وفي اللغة الفرنسة لا تزال كلمة ( civilization) بمعنى التقدم والمدنية، أبلغ وأفضل من كلمة ( culture) ، بل لا تزال مفردة (الاجتماعيّ: social ) الغامضة تستخدم في الفرنسية اليوم بدل مفهومي (الاجتماعيّ ) و(الثقافيّ) كما وردنا في زمن (دوركهايم: Durkheim) .
________________________________________
(12) من أشهر القواميس اللغوية في أمريكا.

[الصفحة - 132]


واكتسب مصطلح (الثقافة: culture) خارج هذين البلدين طابعاً عالمياً وشمل معناه فهم الإنسان، وقد شاع هذا المصطلح في روسيا وسائر البلاد التي كانت تحت سيطرة الاتحاد السوفيتي – سابقاً – والبلدان الاسكندنافيّة وهولندا وأمريكا اللاتينيّة، بنفس درجة شيوعه في ألمانيا وبريطانيا والولايات المتّحدة.
الثقافة والمثقّف في القرآن الكريم
هل هناك مكان للثقافة والمثقف في القرآن الكريم؟ وهل توجد هاتان الكلمتان في القرآن ؟ وما مدى دلالة هاتين الكلمتين في القرآن؟ وحيث إنّ القرآن الكريم باعتباره الأساس الجوهريّ للإسلام منذ بداية القرن الأوّل للهجرة ، واحتلَّ مكانة مميّزة في ترشيد مسار الفكر الإسلاميّ ، وبناء مقوّمات الحضارة الإسلاميّة وتوجيه التجربة التاريخيّّة للأمّة بدرجة قلّ نظيراتها في الكتب المقدسة الأخرى. فالإنجاز الحضاري للبشريّة المتمثّل بهذه الثروة المتراكمة من العلوم والمعارف والفنون، إنما هو ثمرة لمعطيات سيادة التفكير العقلي الذي هو أدقّ تعبير للمنهج الذي جاء به القرآن وحثّ عليه، هذا المنهج الذي تأسّس, على نفي الجهل والضلال, وكلّ ما من شأنّه تزييف الوعي وإبعاد الإنسان عن الرشد والصواب.
وقد أشار القرآن إلى جذور ( ث ، ق، ف ) في ستّ آيات:
1- {واقْتُلُوهُم حَيثُ ثقفتموهم وأخْْْْرُجوهُم مٍنْ حيثُ أخرَجُوكُم} . (البقرة ـ 191).
يقول: القرطبيّ ( ت 671ه) في تفسيره (الجامع لأحكام القرآن) محللاً كلمة (ثقفتموهم):
يقال: ثَقُف، يَثقُفُ ثقفاً، ورجل ثقِفٌ لقِفٌ: إذا كان محكِماً لما يتناوله من الأمور(13) .
ويذكر الطبريّ ( ت 310 ه ) صاحب جامع البيان:
ومعنى «الثَّقْفَة » بالأمر : الحذق به والبصر، يقال: «إنّه لَثقِفٌ لَقِفٌ إذا كان جيّد الحذر في القتال بصيراً بمواقع القتل ».
________________________________________
(13) القرطبي، أبو عبد الله محمّد بن احمد، الجامع لأحكام القرآن ، ج2 ، ص351.، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

[الصفحة - 133]


وأما «التثقيف » فمعنى غير ذلك، وهو التقويم، فمعنى: «واقتلوهم حيث ثقفتموهم » اقتلوهم في أي مكان تمكّنتم من قتلهم ، وأبصرتم مقاتلهم(14) .
ويُعلّل الشيخ الطبرسيّ (كان حياً في القرن السادس الهجري) في مجمع البيان قائلاً:
ثَقِفْتُه أثقفه ثقافة أي وجدته، ومنه قولهم: رجل ثقِف، أي يجد ما يطلبه. وثَقِف الرجل ثقافة فهو ثِقف وثقْف ثقَفاً بالتحريك، فهو ثقف إذا كان سريع التعلم ، والثقَّاف حديدة يُقوَّم بها الرماح المعوجة، والتثقيف التقويم والفتنة أصلها الاختبار ، ثمّ ينصرف إلى معان منها الابتلاء نحو قوله: فتنّاك فتوناً. أي ابتليناك ابتلاءً على أثر ابتلاء..(15) .
2- {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ} . (آل عمران 112).
وهنا تشير معظم التفاسير إلى كلمة (أينما ثُقِفوا) ، أي أينما وُجِدوا.
مثلاً يقول الطبري ( ت 415هـ) : (أين ما ثقفوا) يعني: حينما لُقو(16) .
ويقول الرازي ( ت 606هـ ) في تفسيره الكبير: وقوله: (أينما ثقفوا) أي وجدوا وصودفو(17) .
هذا وبإمكاننا مراجعة التفاسير الآتية ، حيث تدل على نفس المعنى مثل: الميزان في تفسير القرآن ، لمحمد حسين الطباطبائي. التبيان في تفسير القرآن، للطبرسي، الجامع لأحكام القرآن ، للقرطبي. الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، لمكارم شيرازي. وما أشبه ذلك.
3- {... فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَـئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا } (النساء 91).
4- {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} . (الأنفال 57).
________________________________________
(14) انظر: الطبري، أبو جعفر محمّد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ج2، ص252،.دار ابن حزم ــ دار الإعلام، بيروت، الطبعة الاولى، 2002م.
(15) الطبرسي الشيخ أبو علي الفضل بن الحسن مجمع البيان في تفسير القرآن، ج2، ص285، تصحيح: الشيخ ابو الحسن الشعراني، المكتبة الإسلاميّة، طهران، الطبعة الثانية، 1379هـ،.
(16) الطبري (مصدر سابق)، ج4، ص62.
(17) الفخر الرازي, ابو عبد الله محمّد بن عمر بن حسين الشهير ,مفاتيح الغيب -، ج8، ص328. ، أو التفسير الكبير ، ابو عبد الله محمّد بن عمر بن حسين الشهير ج8، ص328دار احياء التراث العربي، بيروت ، الطبعة الرابعة، 2001م،.

[الصفحة - 134]


5- {مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا } . (الأحزاب – 61).
6- {إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاء وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} . ( الممتحنة- 2).
والمعاني في الآيات السابقة ( ثقفتموهم، تثقفنهم، ثقفوا، يثقفوكم) كلها تدل على معنى ومفهوم واحد، ألا وهو : ظفَر به ، أو أدرَكَه.
وخلاصة هذه المعاني إنّ الثقافة تدلّ على قدرة في العلم ضبطاً وفهماً وفي تقويم الفكر والسلوك(18) .
إذاً لم نجد مفهوم الثقافة والمثقّف ، بهذا المفهوم الواسع، في القرآن الكريم.
الثقافة في اللغة:
فلنبحث في الجذر اللغوي لكلمة (الثقافة) في المفهوم العربيّ.
إنّ جذر كلمة ثقافة هو من : ثقف ، ولهذا الجذر معنيان رئيسيّان متباينان في اللغة العربية:
الأوّل: ثقف: قال الفيروز آبادي- صاحب القاموس المحيط- : ثقفه ، أي صادفه أو أخذه أو ظفر به ، أو أدركه. وأثقفه قيّض لي ، ولهذا المعنى جاء قوله تعالى: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ } (19) .
الثاني: ثقِف يثقف، وثقُف يثقُف، ثقْفاً وثَقفاً وثقافةً؛ صار حاذقاً خفيفاً فطناً(20) .
والثقاف في اللغة: ما يُشد به القناة ونحوها.
ومنه قول النابغة:
تدعوا قعُينا وقد عضّ الحدد بها عضّ الثقاف على صُمّ الأنابيب(21) .
وجاء في لسان العرب لابن منظور:
ثقف: ثقِف الشيءَ ثَقْفاً وثِقافاً وثُقوفةً: حذَقَه، وينقل عن قول ابن السكيت: رجل ثَقْفٌ لَقْف: إذا كان ضابطاً لما يحويه قائما به، ويقال ثِقفَ الشيءَ وهو سرعة التعلُّم.
________________________________________
(18) انظر: أحمد محمّد المومني، الثقافة الإسلاميّة، دراسات ومفاهيم حديثة، ص15، دار مجدلاوي للنشر، عمان، الطبعة الأولى، 2009-2010.
(19) الأنفال 57.
(20) انظر: القاموس المحيط للفيروز آبادي ، طبعة : دار الكتب العلميّّة، بيروت ، مادة : ثقف.
(21) الجامع لأحكام القرآن ، للقرطبي، ج 8 ،ص30.

[الصفحة - 135]


وثِقف أيضاً ثَقَفاً تعب تعباً، أي صار حاذقاً فطناً ، فهو ثُقفٌ وثِقف مثل حِذُرٍ وحذرٍ وندسٍ وندُس، ففي حديث الهجرة: وهو غلام لَقِنٌ ثَقِفٌ أي ذو فطنة وذكاء، والمراد أنّه ثابت المعرفة بما يُحتاج إليه(22) .
وجاء في كتاب المنجد في اللغة، وهو كتاب عصري وحديث:
ثَقْفاً وثقافة وثُقوفةً الكلامَ: حذقه وفهمه بسرعة.
ثقَّف الرمحَ: (أي) قوّمه وسوّاه. ثَقَّف الولدَ: فتثقف: هذّبه وعلّمه فتهذَّب وتعلّم فهو مثقّف، وهي مثقّفة، وهذا مستعارٌ من ثقَّف الرمح.
الثقافة: التمكَّن من العلوم والفنون والآداب(23)
إذاً تطلق الثقافة في اللغة العربية على معانٍ عدّةٍ، من أبرزها: ضبط المعرفة المتلقّاة، يقال: رجل ثقف إذا «أصاب علم ما يسمعه على استواءً » قاله ابن فارس. الحذق والفهم وسرعة التعلّم. قاله ابن منظور. وقال: «في حديث الهجرة: وهو غلام لِقن ثِقف، أي: ذو فطنة وذكاء. والمراد أنّه ثابت المعرفة بما يحتاج إليه. وذكر ابن فارس من معانيه أيضا: «إقامة درء الشيء» يقال ثقّف الشيء إذا أقام عِوَجَه. وتعني: الظَّفَر والتمكُّن من الشيء عموم(24) .
إذاً لم نجد ما نرتئيه في كتب اللغة لمفهوم الثقافة والمثقّف، ويقسم علماء الإسلام المصطلحات إلى ثلاث أقسام:
1- مصطلحات إسلاميّة صرفه، حيث تدلّ على مفهو م إسلاميّ خالص، مثل: الزكاة، الجهاد، الشهادة،...
2- مصطلحات غير إسلاميّة، حيث جاءت من خارج العالم الإسلاميّ، أو المنظومة الإسلاميّة، مثل: الديمقراطيّة، الاشتراكيّة، الديالكتيكيّة و...
3- لا نجد هذه المصطلحات في الفكر والتراث الإسلاميّين، ولكن هناك خيوط ضعيفة لها، هذه المصطلحات – وبحسب رأي أكثر علماء الإسلام- لا تتعارض
________________________________________
(22) انظر لسان العرب لأبن منظور ، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى 1997م ج 1، (ص) 340 الطبعة الكبيرة.
(23) لويس معلوف، المنجد في اللغة العربية، ص7، مادة ثقف..، دار المشرق، بيروت، 1988.
(24) أحمد محمّد المومني، الثقافة الاسلامية، دراسات ومفاهيم حديثة، ص15، دار مجدلاوي للنشر والتوزيع، عمان.

[الصفحة - 136]


ولاتصطدم مع الفكر الإسلاميّ، وجوّزوا استخدامها في المنظومة الإسلاميّة، مثل: رئيس الجمهوريةّ، البنك، الأقلّيّات الدينيّة و...
بعد هذه المقدّمة، بإمكاننا وضع كلمة (الثقافة) في القسم الثالث، حيث استخدم أغلب علماء الإسلام هذا المصطلح في منظومتهم الفكريّة.
الثقافة والمثقّف لدى علماء الإسلام
اهتمّ المسلمون بمصطلح الثقافة أقلّ ممّا اهتمّ به الغربيّون، والسبب في ذلك أنّ المصطلح نُحت في الغرب، ولكن كلّما تقدّم الزمن صار اهتمام المسلمين بهذا المصطلح أكثر من السابق، وذلك بأنَّ هذا المصطلح أخذ يغزو العالم بمفاهيمه الواسعة.
من أبرز مفكري الإسلام الذين اهتمّوا بالثقافة والحضارة الإسلاميّة، وعاش في الوقت نفسه الثقافة والحضارة الغربيّة، وعاصر أزمة الثقافة في العالم الإسلاميّ، وتابع هموم الأمّة الإسلاميّة، هو (مالك بن نبيّ)،الفترة الزمنية (1905-1973م) وحسب قوله أنّه ظلّ ما يقارب خمسةً وعشرين عاماً متتبعاً الثقافة والحضارة الإسلاميّتين.
يقول مالك بن نبي معرّفاً الثقافة الغربيّة:
ففي الغرب يعرّفون الثقافة على أنّها تراث (الإنسانيّة الإغريقيّة اللاتينيّة) بمعنى أن مشكلتها ذات علاقة وظيفيّة بالإنسان، فالثقافة على رأيهم هي (فلسفة الإنسان).
وفي البلاد الاشتراكية (في ذلك الحين) حيث يطبع تفكير ماركس كلّ القيم، عرّف يادانوف، الثقافة – في تقريره المشهور الذي قدّمه منذ عشر سنوات لمؤتمر الحزب الشيوعي في موسكو - على أنّها ذات علاقة وظيفية بالجماعة، فالثقافة عند يادانوف هي: فلسفة المجتمع.
ويضيف قائلاً:
ونريد هنا أن هذين التعريفين يعتبران من الوجهة التربوية مشتملين على فكرة عامّة، عن
________________________________________

[الصفحة - 137]


الثقافة، دون تحديد لمضمونها القابل لأن يدخله التعليم في سلوك الفرد وأسلوب الحياة في المجتمع.
ويعلّق الأستاذ بن نبي على هذا قائلا:
«وهذا ما نريد أن نحاوله هنا، حين نربط ربطاً وثيقاً بين الثقافة والحضارة , أو في ضوء هذا الربط، تصبح الثقافة في السلوك أكثر من أنْ تكون نظرية في المعرفة، وبهذا يمكن أن يُقاس الفرق الضروري بين الثقافة والعلم »(25) .
وينظر مالك إلى الثقافة من خلال علاقتها بالحضارة أو وظيفتها في التغيير الاجتماعيّ، وقد جاء مفهومه عنها من خلال زاويتين:
1- الزاوية التاريخيّة:
حيث إنّها تشكل مجموعة من الصفات الخُلُقيّة والقيم الاجتماعيّّة التي تؤثّر في الفرد منذ ولادته، وتصبح لا شعوريا، العلاقة التي تربط سلوكه بأسلوب الحياة في الوسط الذي ولد فيه، وهي على هذا المحيط الذي يشكّل فيه الفرد طباعه وشخصيّته.
والثقافة من هذه الزاوية تعكس الحضارة وترتبط بدورتها التاريخيّة، ويُشبّه (مالك)وظيفتها في المجتمع المتحضّر من هذه الناحية بوظيفة الدم في جسم المجتمع، فوظيفتها تغذية حضارية وهي من خلال هذا تحمل أفكار النخبة كما تحمل أفكار العامّة وبهذا تمنح الحضارة صفاتها الخاصّة بمجتمع معين.
2-الزاوية التربويّة:
حيث ينظر إليها (مالك) بوصفها منهاجاً للتربية يتيح إعادة بناء الشخصيّة, لتسهم بفاعليّة في بناء الحضارة، وهي من هذه الزاوية الرابطة الأخلاقيّة والجماليّة، والعقليّة والتقنيّة التي تربط أفراد المجتمع، حيث يقول في تعريفها: إنّها مجموعة تراكيب أربعة:
الأولى: المبدأ الأخلاقيّ.
الثانية: الذوق الجماليّ،
________________________________________
(25) مالك بن نبي، شروط النهضة (مشكلات الحضارة)، ترجمة: عمر كامل مسقاوي وعبد الصبور شاهين، ص82 اصدار: ندوة مالك بن نبي، بيروت.1979.

[الصفحة - 138]


الثالثة: المنطق العمليّ،
الرابعة: الصناعة(26) .
ويؤسس (مالك) تعريفه هذا على تحليل العناصر الأساسيّة للعمل، فكلَّ عمل ثقافيّ يحتوي على المبدأ الأخلاقيّ، والذوق الجماليّ و المنطق العمليّ والصناعة، وهذه العناصر هي التي تحرّك الإنسان باتّجاه المجتمع بتحويله من فرد إلى شخص يسهم في إنجاز شبكة العلاقات الاجتماعيّّة.
ويربط (مالك) بين الثقافة في وظيفتها الاجتماعيّّة في المجتمع المتحضر, فعالية الفرد باعتبار أنّ (الفعاليّة) صفة ملازمة للإنسان المتحضر وبين (عدم الفعاليّة) باعتبارها أيضاً ملازمة للإنسان الخارج عن الحضارة، إذ إنّ الثقافة المربّية من خلال دورها التغييري في المجتمع تقوم بتحويل الفرد من كونه ذا نَزعة فردية إلى شخصيّة اجتماعيّة، أي إلى ذرّة حضاريّة قادرة على التفاعل المثمر، ومنها يبدأ فعل التغيير الاجتماعيّ(27) .
ويؤكّد (مالك) بأنّ الثقافة ذات علاقة وظيفيّة بعمليّة التغيير الاجتماعيّ عن طريق القيام بوظيفتها التربويّة التي تتحقّق من خلال عناصرها الرئيسيّة، أو تركيب هذه العناصر بطريقة فنيّة خاصّة، وهي تقوم بهذا العمل من خلال مرحلتين:
الأولى: تقويض البناء السابق لها. الذي تكمن في طيّاته جراثيم التخلّف والركود.
الثانية: إعادة البناء بوساطة منهج تربوي يحدّد أسلوب حياة المجتمع وسلوك أفراده بما يتّفق وعمليّة التغيير الاجتماعيّ الهادفة إلى إنجاز حضارة(28) .
وفي النهاية يُعرّف (مالك بن نبي) الثقافة بصورة عمليّة ويقول:
(الثقافة) :مجموعة من الصفات الخلقيّة والقيم الاجتماعيّّة التي يلقاها الفرد منذ ولادته كرأسمال أوّلي في الوسط الذي ولد فيه، والثقافة على هذا هي المحيط الذي يشكل فيه الفرد طباعه وشخصيّته(29) .
ومن المفكّرين الإسلاميّين البارزين الذين اهتموا بالثقافة الإسلاميّة يمكن
________________________________________
(26) المصدر نفسه، ص81-82.
(27) المصدر نفسه، ص81-82.
(28) المصدر نفسه، ص83-84.
(29) المصدر نفسه، ص83.

[الصفحة - 139]


الإشارة إلى الدكتور علي شريعتي، (1933-1977) حيث يمثل العمل الكبير الذي قام به في إحياء المصادر الدينيّّة والثقافيّة وإعادة تنظيمها. فقد استلهم هذه الحركة من القيم والمعتقدات الأساسيّة لحركة الإحياء الدينيّ، والتي بدأت نشاطها من أجل تحرير المجتمعات الإسلاميّة من قيود الاستعمار والاستبداد، وتحسين الأوضاع الاجتماعيّّة.
إذا تأملنا المبادئ الفكريّة للمرشدين الدينيّّين في العالم الإسلاميّ في القرن الأخير – أمثال: جمال الدين الأفغانيّ (ت 1897)، محمّد عبده (ت 1905)، محمّد إقبال (ت 1938)، والنائينيّ (1936) – بشكل كامل، وقمنا بصياغتها في قالب أيدلوجيا دينيّة، ومن ثمّ قمنا باستخراج الآراء والأصول الفكريّة الايدلوجيّة للدكتور شريعتي حول الإسلام والتاريخ والغرب.
إذا تأملنا ذلك سنرى، عند مقارنتها مع المبادئ والقيم الفكريّة والعمليّة للمصلحين المذكورين، وحدة الإطار الفكري والأصول والأهداف والمثل العُليا والرؤية الإسلاميّة و... طبعاً لا يعني ذلك أنَّ الدكتور شريعتي قام باجترار مبادئ وأصول مَن سَبقه إطلاقاً، بل عمل على إغناء طريق أسلافه بأفكاره، من خلال تطويعها وفقَ مقتضيات عصره والمجتمع الذي عاش فيه والعالم وتحوّلاته. وبطبيعة الحال كان للأفغاني رائد النهضة وإقبال ثمرة هذه النهضة تأثير أكبر من الآخرين في صياغة أفكاره.
ومع اعتقاد شريعتي بأنَّ الأفغانيّ لم يتحرك إلاّ في بُعدٍ واحد، وأنّه لا يمثل بالنسبة إليه أكثر من مرشد ونموذج سياسي، مع هذا كان يكنَّ له احتراماً شديداً ويرغب بمواصلة أهدافه العلي(30) .
من جهة أخرى كان مولعاً بـ محمّد إقبال ويعتبره ثمرة طبيعية وامتداداً لنهضة الأفغانيّ, ونموذجاً رائعاً في القرن الأخير (العشرين)(31) .
يعتقد شريعتي بأنّ محمّد إقبال مسلم متعدد الثقافات والأبعاد،لم يبادر إلى تجديد بناء المجتمع فحسب، بل إنه صاغ نفسه أيضا على أساس النموذج الذي تعرضه المدرسة العقدية الإسلاميّة، لذلك نراه يستلهم أفكاره من الإعادة صياغة
________________________________________
(30)علي شريعتي: ما واقبال (نحن وإقبال)، ص5.، منشورات حسينية الارشاد، طهران.
(31) انظر المصدر السابق، ص28-30.

[الصفحة - 140]


النسيج الاجتماعيّ وصياغة ذاته، حيث إنه حين يتحدث عن شخصيته وحركته الفكريّة فهو في الحقيقة يتحدث عن انعكاس روحه في حياته الشخصية، حيث يقول:
إنسان قلبه شرقي، وعقله غربي(32) . ذهب إقبال إلى أوربا وسطع نجمه هناك كفيلسوف، وتعرّف على المدارس الفلسفية الأوربية، وقام بتعريف العالم الإسلاميّ بها،
واعترف له الجميع بأنّه فيلسوف القرن العشرين. إلّا أنّه لم يستسلم للغرب، بل وظّف الغرب، وعاش في القرن العشرين وفي قلب الحضارة الغربيّة بفكر نقدي وحرّية اختيار تامّة (33) كان هدف إقبال من التمسّك بالدين، وبالأخص – الإسلام- تبديله من مجرد عقيدة شخصيّة ودافع روحي ونظام أخلاقي، لاسيّما الارتباط المعنويّ بين الفرد والله إلى أيديولجياً تشمل جميع جوانب وجود الإنسان والمجتمع والحياة الماديّة والمعنويّة(34) .
وهكذا نجد شريعتي أيضاً ـ وبوَحْيٍ من أفكار إقبال ــ أضحى إنساناً متعدّد الثقافات وبقلب شرقي وعقلٍ غربي، فقد ذهب إلى أوروبّا من دون أنْ يقهره الغرب، وعاد إلى إيران برصيد علميّ كبير، وأخذ ينتقد مذاهب وأيديولوجيا الغرب، واستطاع في نهاية الأمر أنْ يحوّل الدين الإسلاميّ إلى أيديولوجيا.
بالإضافة إلى تأثّره بالمصلحين الدينيّين الذين سبقوه، فقد استلهم أيضاً من آراء وأفكار العديد من الكتّاب والمثقّفين والمفكّرين المعاصرين له، وأوّل مَن تأثّر به شريعتي هو أبوه الذي يُعدّ من أبرز المثقّفين المعاصرين في زمانه يقول:
«كان أبي أوّل من رسَم ملامح روحي! وهو الذي علمني كيف أفكر, وبيّن لي معنى الإنسانيّة، وهو الذي أذاقني طعم الحرية والشرف والعفّة والمنعة وطهارة الروح والثبات والإيمان ، واستقلال الرأي مباشرة بعدما فطمتني أمّي لبنها، كان أوّل من عرّفني إلى كتبه لتكون لي الصديق والجليس الوفي.. »(35) .
في كنف هذا الأب يتعرّف شريعتي على القضايا الدينيّة والأمراض الاجتماعيّّة التي تفتك
________________________________________
(32) المصدر نفسه، ص3.
(33) المصدر نفسه، ص54.
(34) المصدر نفسه، ص54.
(35) علي شريعتي هبوط دركوير (الهبوط في الصحراء) ، ص325-326. منشورات جاپبخش طهران، الطبعة السادسة، 1994. (هبوط در كوير، هو من اروع كتب الدكتور شريعتي فكراً وادباً، حيث صاغ جل افكاره وآرائه العلميّة الثقافيّة، وسيرة حياته، ونظرته إلى المجتمع في هذا الكتاب).

[الصفحة - 141]


بالمجتمع، ويدرك أنّ الموضوعات الدينيّة التي تطرحها المناهج الدراسيّة شيء، والشعائر التي ألِفها الناس بوصفها جوهر الدين شيء آخر، وأنّ التشيّع الحقيقيّ هو عنصر آخر يختلف عن هذين الاثنين معاً، لذلك يرى أنّ عمليّة فهم الدين تتطلّب ثورة شاملة تطاول البُنى الرئيسيّة، لتخليصها من عناصر الضعف والارتخاء، وتحوّلها إلى عوامل قوّة صانعة للحياة.
يعرّف شريعتي الثقافة بأنّها عبارة عن مجموعة من الآداب والرسوم والتقاليد والتعامل الاجتماعيّ، والتي تتجلّى في المعنويات من: الفنّ والتاريخ والأدب والدين والتعامل مع الآخرين... هذه التجلّيات تعطي الشرعية للآلام البشريّة واحتياجاتها، وكيفيّة التعامل مع الروح والفطرة البشريّة...(36) .
وفي مكان آخر يقول: الثقافة مجموعة من الأمور المعنويّة لقومٍ ما، والتي اكتسبتها طوال تاريخه(37) .
ومن الذين أولوا أهمية لمصطلح الثقافة والمثقف، وسعوا إلى ترشيده وترسيخه في العالم الإسلاميّ، هو المرحوم السيّد محمّد حسين فضل الله، حيث قسم الثقافة إلى قسمين:
1-إنسان ثقافة
2-ثقافة إنسان
يقول: ربّما نحتاج أن نحرّك الثقافة في وجداننا الشعوري، وفي وجداننا الحركي حتّى نستطيع أن نؤنس الثقافة، فنجعل هناك إنسان ثقافة، ولا تبقى عندنا مجرّد ثقافة إنسان، وهناك فرق بين أن تكون ثقافة إنسان، وبين أن يكون هناك إنسان ثقافة, إن مسألة أن يكون الإنسان إنسان ثقافة، معناه أن الثقافة تتحرك في الأرض، وتمثل روح الإنسان وفكره ووجدانه وتطلّعاته وحتّى أحلامه؛ لأنّنا قد نحتاج إلى أن تكون لدينا أحلام مثقفة لأن الأحلام المثقفة تستطيع أن توازن تطلعات الانسان في حركته في الواقع، وفي حركته نحو المستقبل.
ويضيف قائلاً:
________________________________________
(36) علي شريعتي انسان بي خود (الانسان المتغرب عن ذاته)، ص201 منشورات قلم، طهران، 1981.
(37) علي شريعتي بازكشت (العودة إلى الذات)، ص314-315.، منشورات حسينية ارشاد طهران، 1978.

[الصفحة - 142]


«والمقصود من إنسان الثقافة، أي ثقافته تتحرّك في الواقع الاجتماعيّ وفي الحياة التي نعيشها، أمّا ثقافة إنسان، أي ثقافة مجمّدة وخامدة، مجرد خزن معلومات ».
ويقول: «وهكذا عندما نريد أن نتحدّث عن مسألة الوعي الذي هو نتيجة ثقافيّة، علم نقرأه ونسمعه، وثقافة علم نجربه ونعيشه »(38) .
ويعلّل مشكلة المثقّف في العالم الإسلاميّ قائلاً: «قد تكون بعض مشاكلنا، أنّ مسألة الثقافة عندنا، هي أنْ يحوّل الإنسان عقله إلى مكتبة، مكتبة تتجمّع فيها الكتب بطريقة فنيّة، ولكنه لا يحوّل كيانه إلى فكر يمتصّ كلّ ما في هذه الكتب، ليكون الإنسان الذي يعيش الكتاب ولا يستهلكه، تلك هي المشكلة في الثقافة عندنا، لدينا مثقّفون كثيرون، ولكن لا نتحسّس هذه الثقافة في الوجدان الروحي للإنسان؛ لأنّ الإنسان يفكّر بعقله، ولكن يتحرّك بطريقته، وربما تفرض الغرائزيّة نفسها على العقل فيتحوّل إلى شيء فوضوي، لا تعرف فيه حدود العقل من حدود الغريزة. وهذا ما جعل المسألة الثقافيّة في كثير من مواقعها مسألة بعيدة عن إنسانيّة الإنسان في حركته الإنسانيّة، لتكون مجرى شيء يختزنه الفكر، لكنه لا يجري مجرد الدم في العروق ».
تقريب المسألة إلى الذهن:
لو اننا كتبنا ألف قصيدة في وصف العطر لما استطعنا أنْ نختزل في داخلنا معنى العطر، فيما إذا انطلقنا من شمّة عطر، تنفذ إلى كل إحساسنا وعروقن(39) .
الهويّة الثقافيّة في الدلالة الإسلاميّة المعاصرة
الهويّة الثقافيّة: هي الصورة المثاليّة التي تكونها جماعة بشريّة ما عن نفسها وعن تاريخها بالنسبة إلى جماعات بشريّة أخرى. وهذه الصورة تتضمّن بالضرورة فكرة المقارنة بالآخر، إثبات الاختلاف والتميّز منه، إنّها السبيل إلى تعريف الذات من خلال التأكيد على ما يميزها ويجعلها مختلفة عن ذوات أخرى.
________________________________________
(38) شفيق الموسوي كتاب الانسان والحياة: ص205-206.، دار الملاك، بيروت.
(39) المصدر نفسه، ص207.

[الصفحة - 143]


والانتماء إلى هوية ثقافيّة معينة هو حاجة نفسيّة واجتماعيّة ضروريّة، لا غنى عنها بالنسبة لأي إنسان، فهذا الانتماء هو الوسيلة الطبيعيّة لنمو الذات وتأكيدها وتفتحها. فالكائن البشري كالشجرة، لا يقدر أن ينمو ويعيش حياة عاديّة، إذا لم تكن له جذور ثقافيّة أصيلة يتغذى منه(40) .
رأي الدكتور محمود الذوادي
يقول الدكتور الذوادي: ولكي نتعرف على المنظور الإسلاميّ بشأن طبيعة الرموز الثقافيّة. فليس هناك أفضل من القرآن، النصّ المرجعي الأوّل في الإسلام. تتحدّث العديد من الآيات القرآنيّة بكثير من الوضوح عن الطبيعة البشريّة. لقد اخترنا آيتين لوصفهما بالكامل العناصر الأساسيّة التي تكون الطبيعة البشريّة {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ } (41) .
فالطبيعة البشريّة مزدوجة التركيبة في هاتين الآيتين. فهي تتكون من طين ومن نفحة الروح الإلهيّة. فأي هذين العنصرين أكثر أهميّة بالنسبة إلى كينونة الطبيعة البشريّة من وجهة النظر القرآنيّة؟ إنَّ محاولة فهم معنى الآيتين قد تقود المرء إلى القول بأنّ القرآن يعطي أهميّة أكبر إلى النفحة الروحيّة الإلهيّة التي تحتوي عليها الطبيعة البشريّة، إذ إنّه طلب من الملائكة السجود لآدم بعد، وليس قبل، حدوث النفحة الروحيّة الإلهيّة في ذات آدم... فالموقف القرآني المشيد بجانب النفحة الإلهيّة في ذات الإنسان هو مبدأ أساسي وثابت يسود كلّ النصّ القرآنيّ. فيتكرّر التمجيد والإشارة عبر سور القرآن بأنّ فلاح شأن الأفراد والمجموعات والمجتمعات والحضارات البشريّة وتميُّزهم وسمُّوهم تتمّ فقط عندما تتغلّب النفحة الروحيّة الإلهيّة في الطبيعة البشريّة على الجانب الماديّ (الطين، الصلصال)، من كينونة الإنسان. ويتّفق هذا بقوة مع مركزيّة الرموز الثقافيّة في هويّة الإنسان(42) .
يستلزم تأصيل
________________________________________
(40) الأزهري ريحاني مجلة أيس (eis). ص12.العدد: 2، 2007 م، الجزائر، رئيس التحرير.
(41) الحجر: 28 ، 29.
(42) محمود الذوادي، الثقافة بين تأصيل الرؤية الإسلاميّة واغتراب منظور العلوم الاجتماعيّّة، ص157-158، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، الطبعة الأولى، 2006م.

[الصفحة - 144]


مفهوم الهوية الثقافيّة في الدلالة الإسلاميّة المعاصرة الرجوع إلى المعاجم والقواميس العربية القديمة – كما فعلناه سابقاً - ذلك لأنَّ الاستخدام الشائع لهذا المفهوم في القرنين الاخيرين قد ألقى بظلاله على اللفظ العربي، وأصابه بالكثير من دلالاته ومعانيه، فأصبح هناك نموذج هجين لهذا المفهوم، حتّى عند أولئك الذين ينطلقون من إطار مرجعيّ عربيّ – إسلاميّ، ويبحثون في المصادر العربيّة الأولى.
وبالرجوع إلى الدلالات الأولى لمفهوم (الثقافة) يمكن ترسيم ملامحه وأبعاده وتبيان مدى قربها أو بعدها عن المفهوم الآخر، فثقافة ــ كما قلنا ــ من (ثِقف) أي حذق وفهم وضبط ما يحويه وقام به، أو ظفر به أو كذلك تعني: فطِنٌ ذكي ثابت المعرفة بما يحتاج إليه، وتعني تهذيب وتشذيب وتقويم وتسوية من بعد اعوجاج(43).
ومن خلال هذه الدلالات يمكن تحديد ماهية المفهوم المعاصر وأبعاده ودلالته كما تقدّم معاً، نجملها فيما يأتي:
1- إنّ مضمون الثقافة في اللغة العربيّة، ينبع من الذات الإنسانيّّة، فالكلمة تعني تنقية الفطرة البشريّة وتشذيبها وتقويم اعوجاجها ثمَّ دفعها لتوليد المعاني الجوانبيّة الكامنة فيها، وإطلاق طاقاتها لتنشئ المعارف التي يحتاج إليها الإنسان.
2- إنّ مفهوم الثقافة في الدلالة الإسلاميّة، يعني البحث والتنقيب والظفر بمعاني الحقّ والخير والعدل، وكلّ القيم التي تُصلح الوجود الإنسانيّ وتهذّبه وتقوّم اعوجاجه. فهو مفهوم يفتح الباب أمام العقل البشري لكلّ المعارف والعلوم النافعة.
3- إنّه يركّز في المعرفة على ما يحتاج الإنسان إليه طبقاً لظروف بيئته ومجتمعه، وليس على مطلق أنواع المعارف والعلوم وإنّما – كما يقول ابن منظور - «هو غلام لقِنٌ ثقِف، أي ذو فطنة وذكاء، والمراد أنّه ثابت المعرفة بما يحتاج إليه» . وهذا يربط مفهوم الثقافة بالنمط المجتمعي الذي يعيش الإنسان في ظلّه.
فاللفظ العربيّ يعتبر الإنسان مثقفاً طالما هو ثابت المعرفة بما يحتاج إليه في زمانه وعهده ومجتمعه وبيئته. ولذلك يكون المثقّف – اشدّ ما يكون- مرتبطاً بمجتمعه
________________________________________
(43) ابن منظور لسان العرب ، ج10، مادة ((ثقف)) وكذلك القاموس المحيط للفيروز ابادي مادة (ثقف) مصدر سابق).

[الصفحة - 145]


وقضاياه بغض النظر عن كمّ المعارف والمعلومات المكدّسة في ذهنه والتي قد تكون أفكاراً ميتة أو مميتة كما يقول مالك بن نبيّ. إذ المقصود بالثقافة –كما يقول شريعتي-إدراك طبيعة قضايا المجتمع وما يصلحه، ووظيفة المثقّف هي إدارة الحياة ودفع المجتمع إلى القوة والمنفعة وتحسين أوضاع الناس، فدور المثقف هو دور المصلح(44) .
4- إنّها عمليّة متجددة دائمة لا تنتهي أبداً، فهي لا تعني أنّ إنساناً أو مجتمعاً معيناً قد حصّل من المعارف والعلوم والقيم ما يجعله على قمّة السلم الثقافيّ أو أنّه وصل إلى الغاية القصوى، وإنّما دلالات التهذيب والتقويم تعني التجدّد الذاتي أي تكرار التهذيب ومراجعة الذات وتقويمها وإصلاح اعوجاجها.
5- إنّه مفهوم غير مقيّد أو مخصّص، فهو عامّ للإنسان والبشريّة، يشتمل على جميع انواع الممارسات الإنسانيّة ومختلف درجاتها ويعطي دلالاته على أي مستوى تحليليّ يستخدم فيه، طالما تحقّق مطلق التهذيب والتقويم.
من خلال العرض السابق لمفهوم الثقافة والمثقّف نلاحظ مدى ما حدث من تشويه وعدم تحديد وخلط للدلالات والمعاني، ممّا يفقد الكلمات – في بعض الأحيان- ماهيتها ودورها كوسيلة للتواصل الفكريّ والحوار ونقل المعاني والدلالات، يقول الدكتور معن زيادة:
الثقافة والمثقّف كلمتان غائمتا المفهوم، غامضتا الدلالة، واسعتا النطاق، يصعب أن يحويهما تعريف أو يحدّهما مصطلح، وذلك لتعذر الوقوف على معناها الدقيق، ولقد اثارتا كثيراً من التساؤلات وتعدّدت الإجابات وتباينت حول مفهوميهما وحتّى أنّه يمكن احصاء مئات التعريفات لمصطلح الثقافة)(45) .
الخاتمة:
نودّ أن نختم دراستنا بالقول: إنّ الخطاب الإسلاميّ المعاصر عن المثاقفة والهوية الثقافيّة عموماً – إلّا ما شذَّ وندر- ، يعتبر الثقافة ظاهرة تاريخيّة وموضوعيّة، و يؤمن بضرورة المثاقفة الايجابيّة
________________________________________
(44) علي شريعتي العودة إلى الذات ، ص55. ترجمة: إبراهيم الدسوقي، الزهراء للإعلام العربي، القاهرة، الطبعة الأولى، 198.
(45) معن زيادة معالم على طريق تحديث الفكر العربي، ص29.، سلسلة عالم المعرفة (115) الكويت، 1987.

[الصفحة - 146]


والمتكافئة.
كما يرى في الهوية الثقافيّة مشروعاً وجودياً قابلا للتجدّد باستمرار. ولعلّ الهام هنا هو أنّه خطاب لا ينتقد ويعارض ثقافة (العولمة: Globalization أو Mondialisation) (46) .
فيما يخصّ المبادئ الإنسانيّّة الحقة لقضايا التنوير والتحديث والعقلنة والديمقراطيّة وحقوق الانسان، بل يعترض عليها في معاييرها (البراغماتيّة أو الذرائعيّة: pragmatism) لتأويل تلك المبادئ، وفي جوانبها العدوانيّة والمحتقرة للهويات الثقافيّة والوطنية للشعوب، كذلك في مظاهرها الاستقلاليّة والتهميشيّة للمجتمعات النامية والمحولة لها إلى أذناب وتوابع، وربما كان ما يلفت إليه النظر في هذا السياق هو أنّ غالبية الأصوات المتردّدة في هذا الخطاب تبدو مقتنعة بما فيه الكفاية، بل وساعيّة إلى إقناع من حولها، بأن جوهر مشاكل المنتمين إلى الثقافة الإسلاميّة مع الغرب عموماً، ومع ثقافة العولمة خاصّة، يكمن أولاً وأخيراً في الرغبة في التحرر ورفض الهيمنة والتبعية وفي نشر أنّ العدالة والإنصاف وليس إطلاقاً في رفض منهجي ومطلق للحداثة والديمقراطيّة وحقوق الإنسان.
وتبين لنا ممّا تقدّم أنّ الثقافة أساساً علاقات تأثير وتأثّر بين هويات وحيثيات مختلفة متعدّدة، بفعل اتّصال واقع فيما بينها. والحالة السويّة والطبيعيّة لأيّة ثقافة، ولأيّة هوية ثقافيّة، هي أن تظلّ قادرة على الانفتاح والاغتناء والعطاء والتطور وعلى بناء جسور التواصل مع الثقافة العالميّة.
________________________________________
(46) العولمة أو الكوكبة هي مذهب القائلين بأن الرأسمالية هي ديانة الإنسانيّّة، وأن النسبية الفكريّة ستكون لها الغلبة على المطلقات الأيديولوجية، وأن مبدأ النسبية الثقافيّة هو المعول عليه، وليس مبدأ مركزية الثقافات، وأن العالم ينتقل حالياً ونهائياً من الشمولية والسلطوية إلى الديمقراطية والتعددية... والعولمة هي رسملة العالم، وتتم السيطرة عليه في ظل هيمنة دول المركز وسيادة النظام العالمي الواحد، وبذلك تتهافت الدول القومية، وتضعف فكرة السيادة الوطنية، ويؤول الأرفع ثقافة إلى صياغة ثقافية عالميّة واحدة تضمحل إلى جوارها الخصوصيات الثقافيّة. انظر: مجلة المشرق، السنة الرابعة والسبعون، الجزء الأول، كانون الثاني – حزيران، 2000، الندوة التي عقدها اليسوعيون من 24 إلى 26 آب أغسطس 1999 حول موضوع العولمة، وقد اشترك فيها العديد من الشخصيات العلمائية من مصر ولبنان وفرنسا والمغرب، ص9ــ 65.

[الصفحة - 147]