البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إسم البحث : حقيقة الإيمان في ضوء آيات القرآن تفسير الميزان نموذجاً

الباحث : كبرى مجيدي بيدكلي

اسم المجلة : مجلة المنهاج

العدد : 67

السنة : السنة السابعة عشر خريف 1433 هجـ 2012 م

تاريخ إضافة البحث : June / 17 / 2015

عدد زيارات البحث : 1518

حجم ملف البحث : 77.458 KB

 تحميل


حقيقة الإيمان في ضوء آيات القرآن
تفسير الميزان نموذجاً

كبرى مجيدي بيدكلي (*)

تمهيد
شكّلت مفردة الإيمان مسألة مهمّة في علم الكلام. وهي مسألة جذريّة وأساسيّة مترتّبة على إثبات حاجة العنصر الإنسانيّ إلى وجود متعال. وقد عالج المفكّرون المسلمون مسألة الإيمان ولوازمها. ولعلّ بداية البحث في هذه المسألة لم تكن ذات ارتباط بالبُعد الكلاميّ، بل كان ارتباطها بالبُعد العمليّ(1) . فالإشكاليّة التي كانت محلّ اهتمام المتكلّمين في تلك المرحلة ترجع إلى العلاقة بين الإيمان والعمل، فجماعةٌ كالخوارج، والمعتزلة وأهل الحديث اعتبروا العمل عنصراً مكوِّناً لمفهوم الإيمان. وجماعةٌ كالمرجئة وأغلب متكلّمي الشيعة، عدّوه خارجاً عن مفهوم الإيمان وإن كان من لوازمه(2) .
ولعل أهميّة البحث في هذا العنوان ترجع إلى الدور المحوريّ لمفهوم الإيمان والمعنى المقابل له أي الكفر من بين المفاهيم القرآنيّة والروائيّة. كما أنّ الإيمان والعناصر المرتبطة به من المفاهيم التي لها أهميَّتها لدى علماء الإسلام، ونتعرّض في هذه السطور لهذا الموضوع من وجهة نظر المفسِّر الكبير السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ.
________________________________________
(*) باحثة في الفلسفة الغربية، من إيران.
(1) ايزوتسو، توشيهيكو، مفهوم إيمان در كلام إسلامي، ص 1378، نقله إلى الفارسية زهرا بورسينا، الناشر سروش، طهران، 1378.
(2) خسروبناه، عبد الحسين، كلام جديد، ص 45، الناشر حكمت، طهران.

[الصفحة - 305]


معنى الإيمان ومفهومه
ذكر المفكّرون المسلمون والغربيّّون تفاسير متعدّدة لمعنى الإيمان ومفهومه انطلاقاً من دور تحديد المفهوم في معالجة المسألة. فقد عرّف بعض المفكّرين الغربيّّين الإيمان بـ (الارتباط القلبيّّ)(3)وفسَّره جماعة من العلماء المسلمين بأنّه التصديق بالأمر القدسيّ(4) . وقد تعرّض العلّامة الطباطبائيّ لتفسير معنى الإيمان خلال تفسيره للآيات القرآنيّة فذكر أنّ: «الايمان، تمكّن الاعتقاد في القلب مأخوذ من الأمن كأنّ المؤمن يُعطي لما آمن به الأمن من الريب والشك »(5) .
كما ذكر العلّامة الطباطبائيّ تعاريف متعدّدة لمعنى الإيمان منها أنّ الإيمان هو بمعنى الإذعان والتصديق بالشيء، أو الالتزام بلوازمه. وبناء عليه فالإيمان بالله في عرف القرآن هو التصديق بوحدانيّته، وبالأنبياء وبالمعاد وبكلِّ ما جاء به الأنبياء المقترن بالاتِّباع في الجملة لهم(6) . ويرى العلّامة الطباطبائيّ في موضع آخر أنّ محلّ الإيمان قلب الإنسان(7) . بمعنى أنّ الإيمان عقد وحالة في القلب تُعطي المؤمن الأمان(8) . وهو عبارة عن أثر أو صفة تتحقّق في قلب المؤمن الحقيقيّ. وما ينبغي الإشارة إليه هنا هو أنّ العلامة لا يرى الإيمان مجرّد اعتقاد، ويرى أنّ الالتزام بلوازم الإيمان وآثاره العلميّّة ضروريٌّ في الإيمان. نعم الطمأنينة والسكون الخاصّ في النفس هو أيضاً من مكوِّنات الإيمان وهو بنفسه أثر من آثار الالتزام العمليّ بلوازم الإيمان. ويعتقد في المجموع بأنّ الإيمان بالله لا يكفي فيه أن يَعلم الإنسان ويدرك أنّ الله حقّ، بل لا بدّ من أن يقوم بترتيب آثار ذلك عملاً.
ويرى العلّامة الطباطبائيّ في تعريفه الذي يقدّمه للإيمان بأنّه أمر شهوديّ ويرى أنّ المعرفة مقدّمة للإيمان الحاصل من خلال الشهود. ولا يرى الإيمان أمراً مخالفاً للعقل بل يعتقد أنّه يمكن إقامة البرهان عليه من خلال استخدام الاستدلال العقليّ المحكَم.
ويرى أيضاً أنّ الإيمان أمر معقول وأنّه يعتمد لدى الكثير من الناس على القول والتصديق النظريّ المقترن بالتسليم. ويعتقد بأنّ الإيمان يتحقّق لدى عدد قليل من
________________________________________
(3) أمين، مجتهد، أربعين الهاشمية، ترجمة علوية همايوني، أصفهان، الناشر نشاط، 1371 هـ . ش، تيليخ بل، بويايي إيمان، ترجمة حسين نوروزي، طهران، الناشر، حكمة، 1375 هـ . ش.
(4) سروش عبد الكريم، أخلاق خدايان، ص 113، طهران، الناشر طرح نو، 1380.
(5) الطباطبائي، السيّد محمّد حسين، تفسير الميزان، ج 1، ص 45.
(6) المصدر نفسه، ج 9، ص 491، وج 15، ص 5، الترجمة الفارسية.
(7) الطباطبائي، السيّد محمّد حسين، خلاصة تعاليم الإسلام، ج 1، ص 55 قم مركز التبليغ الإسلاميّ.
(8) الطباطبائي، الميزان، ج 15، ص 145.

[الصفحة - 306]


الخواصّ عن طريق الكشف والشهود. وهو الكشف التام، والإيمان الحقيقيّ حقيقة تشكيكيّة لها مراتب تقبل الزيادة والنقصان. والإيمان فعل اختياريّ وهو أيضاً من أرقى الفضائل الإنسانيّّة التي يمكن للإنسان أن يصل إليها عن طريق العقل مع الإرادة والاختيار. فماهيّة الإيمان أمر نفسانيّ وقلبيّ، وما لم يتحقّق الإنقلاب في باطن النفس الإنسانيّّة فلن تترتّب آثار الإيمان ونتائجه ولن تظهر في عمل الجوارح(9) .
أقسام الإيمان
للإيمان أقسامه المتعدّدة بلحاظ ما يتركه من تأثير في المؤمن، ولذا يذكر العلّامة الطباطبائيّ أنّ الإيمان بشكل عامّ واحد ولكنّ له درجات وصفات ومنازل.
المؤمــــنون متعــــدّدون ولكنّ الإيمان واحد
أجسامهم متعدّدة ولكنّ روحهم واحدة (10)
فبلحاظ مراتب الإيمان، للإيمان مرتبةٌ تامّةٌ كاملة هي أعلى درجات الإيمان، وللإيمان مرتبةٌ ناقصةٌ واضحة النقصان، وبين المرتبتين مراتب فيها من أهل الإيمان من لم يصل إلى كمال الإيمان ولم يصل إلى هذا النقصان، وبتمام الإيمان دخل المؤمنون الجنّة، وبالزيادة في الإيمان تفاضل المؤمنون بالدرجات عند الله(11) . فغير المؤمنين في هذه الدنيا يتحقّق منهم الإيمان يوم القيامة وهو إيمان إيقان، لكنّهم يدركون أنّ الإيمان يومئذ لا ينفعهم، بل الإيمان النافع هو الإيمان في الدنيا فيتمنّون الرجوع إلى الدنيا ليكون ما عندهم من الإيمان كإيمان المهتدين وهم المؤمنون حقّاً المهتدون بإيمانهم يوم القيامة وهذا معنى لطيف، وإليه يشير قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ} (السجدة، 13)، فلم يقولوا فارجعنا نؤمن ونعمل صالحا بل قالوا فارجعنا نعمل صالح(12) .
ويذكر العلامة أنّ الإيمان الكامل، وهو التوحيد الخالص، عزيز المنال لا يناله إلّا القليل من
________________________________________
(9) الطباطبائي، الميزان، ج 2، ص 374، وج 11، ص 354، الترجمة الفارسية.
(10) مولوي، بلخي، جلال الدين، مثنوي معنوي، طهران، الناشر كلاله خاور، 1374 هـ . ش.
(11) الطباطبائي، تفسير الميزان، ج 18، ص 272.
(12) المصدر نفسه، ج 15، ص 294.

[الصفحة - 307]


الناس. وأمَّا أكثرهم فليسوا بمؤمنين، ولو حرصت على إيمانهم، واجتهدت في ذلك جهدك، والأقلّّون وهم المؤمنون، ما لهم إلّا إيمان مشوب بالشَّرْك فلا يبقى للإيمان المحض والتوحيد الخالص إلّا أقلّّ القليل(13) . كما يرى العلامة أنّ من الإيمان ما لا تحرّكه العواصف، ومنه ما يزول بأدنى سبب يعترضه وأوهن شبهة تطرأ عليه(14) .
ويذكر العلامة في موضع آخر الآتي: إنّ كلّ إنسان هو مؤمن لا محالة إمّا إيماناً اختيارياً مقبولا يسوقه إلى سعادة الحياة الدنيا والآخرة، وإمّا إيماناً اضطراريّاً غير مقبول حيثما يرى العذاب الأليم(15) .
فالإيمان طبقاً لرأي العلّامة، على قسمين: اختياريّ واضطراريّ، والإيمان الاختياريّ هو المقبول عند الله وهو الذي يصل بالإنسان إلى سعادته في الدنيا والآخرة، وأمّا في الإيمان الاضطراريّ فحيث يكون مثل هذا الإيمان من باب الاضطرار لا يكون مقبولا عند الله. فالإيمان الاضطراريّ وإن كان يصدر عن الإنسان عن إرادة واختيار، ولكنّه يصدر بلا ميل ولا رغبة، ولمّا كان الإيمان الفعليّ قلبيّاً تختلف درجات المؤمنين باختلافه كان الإيمان بلا ميل وبلا رغبة لا نفع فيه(16) .
الإيمان والإسلام
الإسلام هو دين الفطرة، والطريق إليه هو التسليم لله عزّ وجلّ: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ } (آل عمران، 19) والإسلام كما يذكر العلامة هو الذي يأمر أتباعه باختيار الإسلام منهجا لحياتهم لأنّ الإسلام لم يترك شيئاً من الحقّ إلّا وقد بيّنه.
ويرى العلّامة أنّنا لو أردنا بيان ارتباط الإيمان بالإسلام، فمرادنا ليس هو إظهار الإيمان والعمل بظاهر الأعمال الدينيّّة. كما ورد في قوله تعالى: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ }(البقرة، 128).
ويذكر العلّامة في تفسيره للآية المذكورة أنّ مراد إبراهيم واسماعيل(علي هما السلام) من الدعاء ليس الإسلام الظاهريّ حتّى وإن لم يكن مقروناً بالإيمان واليقين
________________________________________
(13) المصدر نفسه، ج 11، ص 274.
(14) المصدر نفسه، ج 18، ص 260.
(15) المصدر نفسه، ج 10، ص 125.
(16) المصدر نفسه، ج 10، ص 75.

[الصفحة - 308]


القلبيّ، أو أن لا يتجاوز اللفظ والذي قد يقترن بالنفاق. هذا الإسلام هو تمام العبوديّة وتسليم العبد كلّ ما له إلى ربّه، وهو إن كان معنىً اختياريّاً للإنسان من طريق مقدّماته، إلّا أنّه إذا أضيف إلى الانسان العاديّ وحاله القلبيّ المتعارف كان غير اختياريّ بمعنى كونه غير ممكن النيل له ـ وحاله حاله ـ كساير مقامات الولاية ومراحلها العالية، وكسائر معارج الكمال البعيدة عن حال الانسان المتعارف المتوسط الحال بواسطة مقدّماته الشاقّة، ولهذا يمكن أن يُعَدَّ أمراً إلهيّاً خارجاً عن اختيار الانسان.
ظلّ المعشوق إذا وقع على العاشق فما الذي يحدث؟
نحن نحتاج إليه وهو يشتاق إلينا (17)
بل بين الإيمان والإسلام ارتباط لا يمكن أن ينفكّ كما يراه العلّامة، فلكلّ مرتبة من الإسلام مرتبة من الإيمان تابعة لها. وأوّل مراتب الإسلام النطق بالشهادتين والقبول بظاهر الأوامر والنواهي الدينيّّة. سواء أكان مع الرضا القلبيّ أو مع عدمه (الحجرات، 14) ومع هذا التسليم الظاهريّ تكون المرتبة الأولى من الإيمان أي الاعتقاد والاعتراف القلبيّ بمضمون الشهادتين ومن لوازمه العمل بأكثر الأحكام الفرعيّة في الإسلام. وحيث كان من الممكن أن لا يصل المؤمن إلى كافّة المعتقدات الدينيّّة الصحيحة فمن الممكن أن يختلط إيمانه بالشَّرك. كما ورد في قوله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ } (يوسف، 106).
وأمّا المرحلة الثانية من الإسلام فهي عبارة عن التسليم والانقياد القلبيّّ بحقيقة الألوهيّة والمعتقدات الحقّة، ويلزم منه أداء العمل الصالح. وقد ورد التصريح بهذه المرتبة في الآيتين 69 من سورة الزخرف، و 208 من سورة البقرة. وفي موازاة هذا الإسلام تأتي المرتبة الثانية من الإيمان أي اليقين بالله وبما يرتبط به.
وأمّا المرتبة الثالثة من الإسلام فهي بعد أن يتزيّن المؤمن بزينة الأخلاق الإلهيّة حيث يكون التسليم من سائر قواه الحيوانيّة ويكون في ظلّ العبوديّة الإلهيّة. بنحو يعبد الله وكأنّه يراه: «يا أبا ذر اعبد الله كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك »(18) .
وفي هذه المرحلة من
________________________________________
(17) حافظ شيرازي، خواجه شمس الدين محمد، ديوان أشعار، ص 151، غلامعلي محبي نزاد، الناشر سمن.
(18) الطبرسي، الحسن بن الفضل، مكارم الأخلاق، ص 459، بيروت، 1408 هـ . ق.

[الصفحة - 309]


التسليم قد تشمل العناية الإلهيّة الإنسان ويرى عياناً أنّه لا تأثير في هذا الكون لأحدٍ سوى الله عزّ وجلّ. ومثل هذا الأمر هو فيض إلهيّ لا يرتبط بإرادة الإنسان. وفي المرتبة الرابعة تشمل هذه الحالة الوجود الإنسانيّ بتمامه، وهنا تكون الطمأنينة التامّة للإنسان في كلّ شؤون حياته: {أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ } (يونس، 62ـ 63). وطبقاً لمفاد الآية الثانية فإنّ أصحاب الطمأنينة هم أصحاب اليقين بعدم استقلالهم وبارتباطهم وبأنّه ليس في الوجود إلّا الله، وأنّ تأثير الأسباب كافّة بيد الله، ولذا لا يحزنون لما يقع لهم(19) .
وبعد أن يتعرّض العلّامة لهذا الارتباط بين الإيمان والإسلام يشير إلى الفارق بينهما فيذكر أنّ الإيمان حقيقة تقوم في القلب وأمّا الإسلام فهو حقيقة تقوم بالجوارح.
الإيمان والعقل
لا بد قبل التعرّض لعلاقة الإيمان بالعقل من التعرّض لنقاطٍ مهمّة تتناول الاتِّجاهات الموجودة في تحديد العلاقة بين الاثنين في تاريخ الفلسفة: النزعة العقليّة الإفراطيّة، النزعة العقليّة النقديّة، والنزعة الإيمانيّّة.
طبقاً للاتجاه الأوّل فإنّ مقبوليّة نظام المعتقدات الدينيّة تتوقّف على إمكان إثبات هذا النظام بنحو يكون التصديق به شاملاً لجميع العقلاء إلى حدًّ م(20) . ويتبنّى هذا الرأي أمثال: القديس آنسلم، توما الأكويني، جان لاك... وكذلك ابن سينا من الشرق، فيما يذهب جماعة إلى رفض الدين أمثال انطوني فلو، هيوم، راسل وغيرهم. ويتّفق هؤلاء على مقولة رفض كلِّ معتقدٍ لا يكون عقلانيّاً. وأمّا طبقاً للاتجاه الثاني أي النزعة العقليّة النقديّة فإنّ لكلٍّ من العقل والإيمان أهميّته بحدًّ ما. ولعلّ العلّامة الطباطبائيّ يدخل ضمن هذا الاتِّجاه. وأمّا الاتِّجاه الثالث فإنّه يرى أنّ الحقائق الدينيّة تعتمد على الإيمان، ويلتزمون بعجز العقل وطريق الاستدلال عن الوصول إلى الحقائق الدينيّة. ومصطلح النزعة الإيمانيّة يُطلق اليوم في علم الكلام على كيركغور
________________________________________
(19) الطباطبائي، الميزان، ج 1، ص 417، فارسي.
(20) خسروبناه، عبد الحسين، كلام جديد، ص 72، طهران، الناشر حكمت.

[الصفحة - 310]


وفي فلسفة الدين على فيتجنشتاين. وفي داخل النزعة الإيمانيّة اتِّجاهان أحدهما إفراطيّ والآخر معتدل. والأوّل يعادي العقل، وأمّا الثاني فيتجنّب العقل ولا يعاديه. ففي الأوّل الإيمان والعقل أمران متضادّان، وفي الثاني العقل والإيمان أداتان منفصلتان تماماً. وضمن الاتّجاه الأوّل نجد أمثال كيركغور، داستايوفسكي، شستوف ومونتي، وضمن الاتجّاه الثاني نجد أمثال: باسكال، ويليم جيمس، تيليش، فيتجنشتاين وجان هيك.
ويرى العلّامة عند حديثه عن دور العقل في مسألة الإيمان بأنّ ذلك مرتبط بنظام التربية العقلانيّ الخاصّ الذي يشكِّل عنصراً أساساً في الإيمان. فالأسس التربويّة العقلانيّة تزيد من قدرات العقل على إدراك المعتقدات الدينيّة كما ترشده إلى موارد عجزه وقصوره. وما يدفع العلّامة للتأكيد على استخدام العقل في المسائل الإيمانيّة والدينيّة ومنزلته الرفيعة في ذلك هو خصوصيتان فطريّتان في الإنسان ترتبطان بالواقعيّة وبالشعور الإستدلاليّ في العنصر البشريّ(21) . ويُطلق العلّامة الطباطبائيّ لفظ العقل على الإدراك ويرى أنّ إدراك العقد القلبيّ بالتصديق وإنّ إطلاق مفردة عاقل على الإنسان هو بهذا اللّحاظ حيث يبحث وبشكل فطريّ من خلال العقل عن واقع الأشياء. ويرى العلّامة أنّه لا يمكن قبول أيِّ أمرٍ نظريّ إلّا بعد التصديق بعلَّته بنحوٍ من الأنحاء وأنّ الإنسان لا يمكن أن يُقدِم على أيِّ عمل إلّا أن يُدرِكَ علّته الموجبة له والمصلحة التي فيه(22) . والدين المبنيّ على الفطرة الإنسانيّة غير مستثنىً من هذه القاعدة، وقد سلك في بيان تعالميه لا سيّما ما يطلب الإيمان به ما يكون قابلاً لفهم العقل وإدراكه.
ويرى العلّامة أنّ الدين الحقيقيّ هو الذي لا يدعو الناس إلّا إلى الفلسفة الإلهيّة، بل هدف الدين هو أن يرشد الناس إلى الاستدلال والتمسّك بسلاح المنطق العقليّ والسير بخطى البرهان لمعرفة حقائق عالم ما وراء الطبيعة(23) . ويرى العلّامة أنّ للعقل قيمته واعتباره في مجال معرفة المسائل الدينيّة والإيمانيّة، ويرافق العقل في ذلك الإلهامات الفطريّة المرتبطة بهذه المسائل. فالإدراك العقليّ للحقائق الدينيّة والتصديق بها هما أغنى ما يمكن أن تصل إليه الإنسانيّة، وهي أساس استحكام أسس دين الإسلام(24) .
________________________________________
(21) الطباطبائي، معنويت تشيع، 16ـ 17، انتشارات تشيع، قم، ايران.
(22) الطباطبائي، تفسير الميزان، ج 4، ص 55ـ 61، فارسي.
(23) الطباطبائي، قرآن در اسلام، ص 24ـ 25، دار الكتب الإسلاميّة، طهران.
(24) الطباطبائي، معنويت تشيع، ص 57.

[الصفحة - 311]


وأفضل شاهد للعلامة على مدّعاه منهج تفسير الآية بالآية. فإنّه بنى منهج التفسير الاجتهاديّ والنظريّ للقرآن على دلالة القرآن نفسه. ومهارة العلامة كانت في أنّه بعد فهمه لمفاد الآية القرآنيّة ومدلولها يتعرض بالبحث عن مؤيّداتها من العلم، الفلسفة العرفان وغيرها. ويرى وخلافاً لمن سبقه أنّ البرهان في خدمة القرآن وأنّ العقل في خدمة الإيمان وهو التفسير العقليّ المقبول للقرآن الكريم. ويرى الفلاسفة، لا سيما العلّامة أنّ جنس الوحي هو من جنس العقل والشعور، ولكنّه شعور رمزيّ يختلف عن الشعور الإنسانيّّ المتعارف(25) .
يبقى أن نذكر أنّ العلّامة وفي جوابه عن سؤال هنري كوربان عمّا ينبغي أن يُعمل عند اختلاف العقل مع الإيمان يقول: «لمّا كان القرآن قد أمضى رأي العقل صراحة وصدّق به وجعله حجّةً، فإن أيَّ اختلافٍ نظريّ لا يمكن أن يقع بينهما، والبرهان العقليّ لو كان صائباً وواقعيّاً فإنّه سوف يصل إلى النتيجة نفسها؛ لاستحالة فرض أمرين واقعيّين متناقضين، ولو فرض وقوع تناقض بين الدليل العقليّ القطعيّ والدليل النقليّ، فحيث كانت دلالة الدليل النقليّ ظنيّة لأنّها عن طريق الظهور، فإنّها لا تتعارض مع الدليل القطعيّ، ولكن لا وجود لمثل هذا الاختلاف فعل(26) .
الإيمان والعمل
العمل طبقاً لتعريف العلّامة هو مجموعة من الحركات والسكنات التي تصدر عن الإنسان عن شعور وإرادة لأجل الوصول إلى غرض من المقاصد الدنيويّة أو الأخرويّة(27) . وساحة العمل هي من الساحات ذات التأثير الشديد على الإيمان. فلا يمكن الإيمان بشيء والعمل بما يخالف ذلك الإيمان. ولمّا كان الإيمان فعلاً قلبيّاً، فمن لا يكون عمله مطابقاً لما في قلبه لا يكون من ذوي الإيمان الراسخ. ويستند الطباطبائيّ لإثبات ذلك إلى رواية عن الإمام الصادق(ع) تدلّ على أنّ الإيمان كلّه عمل. كما أنّ العقل يدلّ عليه وكذلك النقل والكتاب(28) .
________________________________________
(25) الطباطبائي، بررسي هاي اسلامي، ج 3، ص 239ـ 240؛ وحي يا شعور مرموز، ص 186ـ 187، مكارم شيرازي، قم دار الفكر.
(26) كديور، محسن، عقل ودين أز نكاه محدث وحكيم، ص 28، كيهان أنديشه، العدد 44.
(27) الطباطبائي، بررسي هاي اسلامي، ج 3، ص 48 ـ 49.
(28) الطباطبائي، الميزان، ج 1، ص 333، عربي

[الصفحة - 312]


وبملاحظة تعريف العلامة للإيمان يظهر أنّ للإيمان لوازم عمليّة، وأنّ العمل الخارجيّ وإن لم يكن هو الإيمان نفسه ولكنّه مبرز للإيمان القلبيّ. وبعبارةٍ أُخرى، الإيمان بالشيء مستتبعٌ للعمل المناسب لهذا الإيمان لكي يتمكَّن الإنسان من خلاله من الوصول إلى مراده(29) . ولذا كان الإسلام عملاً صالحاً يوفّر الأرضيّة للسعادة البشريّة ولإدراك المعتقدات الحقّة(30) . وميزان التزام العبد بالعمل الصالح مرتبط بشكل مباشر بمرتبة الإيمان الدينيّ لدى ذلك العبد، فكلَّما زاد إيمانه زاد التزامه بالعمل الصالح.
وطبقاً لآيات كتاب الله فإنّ الاستقامة والسعادة الحقيقة رهينتان بشرطين أساسيّين هما الإيمان والعمل الصالح وانتفاء أحدهما سبب لانتفاء السعادة. فقد قرن الله عزّ وجلّ بينهما في الكثير من آياته: {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } (البقرة، 277، المائدة، 9؛ الكهف، 111؛ فاطر، 10؛ يونس، 9). ويدلُّنا هذا على مدى الارتباط الوثيق بين الإيمان والعمل الصالح، فالإيمان بلا عمل صالح لن يكون مفيداً.
وعند بيان العلّامة الطباطبائيّ للارتباط القائم بين الإيمان والعمل الصالح يذكر أنّ النتيجة الطبيعيّة للعمل الصالح هي الإيمان، فالإيمان والعمل الصالح وجهان لعملةٍ واحدة، وكلّ واحدٍ منهما يقوّي الآخر، فإذا كان الإيمان كاملاً فإنّه سوف يظهر من خلال العمل الصالح، كما أنّ الإيمان بالله عزّ وجلّ وبالمعاد هو السبب في الإتيان بصالح الأعمال، ولا يمكن الإتيان بعمل صالح مع انعدام الإيمان، ولو تحقّق ذلك فإنّه سوف يكون مجرّد مصادفة ولا أساس له ولا بنيان يقوم عليه. ولذا يذكر العلّامة الطباطبائيّ في ذيل الآية 110 من سورة الكهف، الآتي: «إجمال الدعوة الدينيّة وهو العمل الصالح لوجه الله وحده لا شريك له وقد فرّعه على رجاء لقاء الربّ تعالى وهو الرجوع إليه إذ لولا الحساب والجزاء لم يكن للآخذ بالدين والتلبس بالاعتقاد والعمل موجب يدعو إليه» (31) .
ويذكر العلّامة الطباطبائيّ أنّنا، ومن خلال تتبّع الآيات الكريمة، نصل إلى أنّ المظاهر العمليّة
________________________________________
(29) الطباطبائي، الميزان، ج 16، ص 263.
(30) يادنامه مفسر كبير استاذ علامة طباطبائي، ص 334، طهران، شفق، الطباطبائي، السيّد محمّد حسين، الميزان، ج 5، ص 267، فارسي.
(31) الطباطبائي، الميزان، ج 13، ص 406، عربي.

[الصفحة - 313]


للإيمان تتجلّى في: الخشوع في الصلاة (المؤمنون، 2)، الإعراض عن اللغو (المؤمنون، 3)، الحافظين لفروجهم (المؤمنون، 5)، الذين يراعون عهدهم وأمانتهم (المؤمنون، 8)، المحافظين على صلاتهم (المؤمنون، 9)، والذين يؤدّون الزكاة (المؤمنون، 4) وغيرها.
الإيمان والاختيار
يرى العلامة أنّ الإنسان يتحرّك على أساس ما لديه من اختيار، وأنّ الله عزّ وجل أعطى للإنسان حريّة الاختيار ثمّ طلب منه العمل(32) . هذا مع اعتقاده بأنّ الإرادة من الإنسان هي في طول إرادة الله. فإرادة الإنسان ليست سوى جزء من مئات الأسباب في نظام الخلقة(33) . ويرى العلامة أنّ معنى كون الإنسان مختاراً أن ينتخب من بين الطرق المتعدّدة والأعمال المتنوّعة التي أمامه بعد البحث فيها أحدها ويصمّم على العمل به، فالإنسان موجود ذو عقل وإرادة ويمكنه أن يختار ما يريد أو لا يختار. نعم الإنسان مجبور في اختياره، ولكنّه مختار في فعله، إي إنّه بحسب خلقته له حريّة اختيار الفعل أو عدم الفعل، وليس مقيّداً بواحدٍ من الطرفين.
ثمّ يتعرّض العلّامة للارتباط بين الإيمان والاختيار ويرى أنّ الإيمان يكون مقبولاً متى كان عن اختيار. ومن جملة خصائص الإيمان الدينيّ كونه أمراً اختيارياً لا يفرض على الإنسان. ولو كان الإيمان عن إكراه أو بغير اختيار فمثل هذا الإيمان لا يكون مقبولا. ولذا يقول في ذيل الآية 257 من سورة البقرة: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ): الإكراه هو الإجبار والحمل على الفعل من غير رضى، فالإيمان الذي يتحقّق عن إجبار وإكراه لا يكون إيماناً كاملا ولا نافع(34) .
ويذكر العلّامة الطباطبائيّ أنّ الثواب والعقاب لمّا كانا أساساً للأمر والنهي في الدين فلا بدّ من أن يكونا مبنيَّيْن على الحريّة والاختيار لدى الإنسان، فلا يمكن ثواب ولا عقاب الإنسان المضطر والمكرَه لا في دائرة الدين ولا في دائرة الأحكام الاجتماعيّة والحقوقيّة، فبناء الإيمان الدينيّ على الاختيار والإرادة أمر حتميّ
________________________________________
(32) الطباطبائي، الشيعة في الإسلام، ص 63-79. فارسي.
(33) الطباطبائي، بررسي هاي اسلامي، ج 3، ص 34ـ 36.
(34) الطباطبائي، الميزان، ج 2، ص 343.

[الصفحة - 314]


وضروريّ. ويذكر في ذيل الآيتين 99 و 100 من سورة يونس، الآتي: «الإيمان بالله عن اختيار والاهتداء إليه أمر من الأمور يحتاج في تحقّقه إلى سبب يخصّه، ولا يؤثّر هذا السبب ولا يتصرّف في الكون بإيجاد مسبّبه إلّا عن إذن من الله سبحانه »(35) .
الإيمان والتقوى
يذكر العلامة في تعريفه للتقوى، الآتي: التقوى بمعنى الورع عن محارم الله واجتناب الذنوب(36). والتقوى وصف جميل يشقّ على الإنسان أن ينفيه عن نفسه ويعترف بفقده(37) ، وحقيقة التقوى - وهي التحرّز والتجنّب عن سخطه تعالى والتورّع عن محارمه - أمر معنويّ يرجع إلى القلوب، وهي النفوس، وليست هي الأعمال التي هي حركات وسكنات فإنّها مشتركة بين الطاعة والمعصية كالمسّ في النكاح والزنا ، وإزهاق الروح في القتل قصاصاً أو ظلماً والصلاة المأتيّ بها قربة أو رياء وغير ذلك، ولا هي العناوين المنتزعة من الأفعال كالإحسان والطاعة ونحوهم(38) . وذلك أنّ التقوى الدينيّّة إنّما تحصل بالتبصّر في المناهي الإلهيّة والورع عن محارمه بالتعقّل والتذكّر، وبعبارةٍ أخرى بالتزام الفطرة الإنسانيّّة التي بني عليها الدين، وقد قال تعالى : {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } (الشمس، 8) وقد وعد الله المتّقين إن اتقوا يُمدُّهم بما يتضح به سبيلهم ويفرّق به بين الحقّ والباطل عندهم فقال: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً } (الطارق، 2) وقال: {إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً } (الأنفال، 29 )(39) .
والهداية الإلهيّة، كما يرى العلّامة هي بين نوعين من التقوى: الأوّل التقوى التي هي شرط لتقبّل الوحي والتقوى التي هي ثمرة قبول الهدى من الآيات الإلهيّة. والتقوى الأولى أمر بسيط ويحصل ابتداءً نتيجة التأمّل العقليّ، أو بسبب الفطرة الإنسانيّة. وهذه التقوى هي نوع من الخضوع والتسليم أمام الحقّ والغيب، وقد
________________________________________
(35) المصدر نفسه، ج 10، ص 127.
(36) المصدر نفسه، ج 9، ص 151.
(37) المصدر نفسه، ج 14، ص 41.
(38) المصدر نفسه، ج 14، ص 374.
(39) المصدر نفسه، ج 7، ص 379.

[الصفحة - 315]


يتْبَعها العمل الصالح أحياناً. ولكنّ هذه التقوى الأوّليّة تقع في مسير تلقّي الوحي والوصول إلى الكمال وإلى مقام الرضا والتسليم المحض، أي تؤدّي بالإنسان إلى سعادته الحقيقيّة، وهي الحياة الطيّبة الأبديّة في جوار ربّ العزّة. وهذان الشرف والكرامة هما بتقوى الله سبحانه وهي الوسيلة الوحيدة إلى سعادة الدار الآخرة، وتتبعها سعادة الدنيا، قال تعالى: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ } (الأنفال، 67)، وقال: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى } (البقرة، 197)، وإذا كانت الكرامة بالتقوى فأكرم الناس عند الله أتقاهم كما قال تعالى.
كما يذكر العلّامة أنّ من مزايا الارتباط بين الإيمان والتقوى إيجاد المحبّة: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدّاً } (مريم، 96).
الإيمان والأخلاق
لا بدَّ لنا أوّلاً من أن نتعرّض بالحديث لمكانة الأخلاق في فكر العلّامة الطباطبائيّ لكي نقف على العلاقة القائمة بين الإيمان والأخلاق. فقد تعرّض العلّامة لمسألة الأخلاق من جهات متعدّدة. أمّا من جهة علم المعرفة الأخلاقيّ فيعتبر العلّامة أنّ الأخلاق هي مجموعة من المفاهيم الاعتباريّة العمليّة والقضايا المؤلّفة من هذه المفاهيم، وبعبارة أكثر دقّة، الأخلاق من الإدراكات الاعتباريّة بالمعنى الأخصّ أو الاعتبارات العمليّة(40) .
وأمّا من ناحية علم الوجود فالأخلاق هي: حفظ النظام الإنسانيّ عن طريق المعاني الوهميّة والأمور الاعتباريّة التي هي في الظاهر نظام اعتباريّ، وفي الباطن ما وراء هذا النظام الطبيعيّ. فالإنسان، بحسب الظاهر، يعيش في ظلِّ نظامٍ اعتباريّ، ولكنّه في الحقيقة وبحسب الباطن، يعيش في نظامٍ طبيعيّ(41) .
فالنظام الأخلاقيّ لدى العلّامة الطباطبائيّ هو نوع عال من مراتب الوجود له عينيّة وتحقّق(42) .
وأمّا الأخلاق، بلحاظ علم النفس، فلها ارتباط بفطريّة الأمور الأخلاقيّة أو الحسّ الأخلاقيّ، وكذلك ترتبط بالخلقيّات أو
________________________________________
(40) مطهري، مرتضى، أصول فلسفة وروش رئاليسم، ج 2، ص 194ـ 197، الناشر صدرا، قم، إيران.
(41) الطباطبائي، ولايت نامة، ص 30، ترجمة همايون همتي، طهران، أمير كبير.
(42) الطباطبائي، الإنسان أز أغاز تا أنجام، ص 42، صادق لاريجاني، طهران، الزهراء.

[الصفحة - 316]


الملكات النفسانيّة. ويرى العلّامة الطباطبائيّ أنّ محور التقوى والأمور الأخلاقيّة (سواء أكانت إيجابيّة أو سلبيّة) قد أُلهمت للإنسان طبقاً للآية الثامنة من سورة الشمس، وهذا من خصائص الخلْقة الإنسانيّّة(43) . ففي الإنسان فطرة تدعوه إلى القيام بالأعمال التي تتناسب مع سعادته. وهذه الدعوة ترجع إلى ما ينبغي وما لا ينبغي المودَعة في داخل الإنسان. ويذكر العلّامة في ذلك أنّ الخُلق موجود داخل الإنسان بصورة إدراك، وهو يدعو الإنسان إلى الإرادة والعمل في المواطن اللّازمة(44) .
وأمّا الأخلاق بلحاظ علم الاجتماع فيرى العلّامة أنّها تؤثّر في المجتمع ويقول: القوانين العمليّة في المجتمع تدور في فلك الأخلاق؛ لأنّ الأخلاق تقوم بدورها بشكل ظاهر وخفيّ، وهي أهمّ من الشرطي المراقب أو من أيّ قوّةٍ أخرى تسعى لحفظ النظام(45) .
وأمّا فيما يرتبط بعلاقة الإيمان بالأخلاق وبعد أن استعرضنا رأي العلامة في مسألة الأخلاق بمختلف جوانبها، فلا بدّ لنا أوّلاً من أن نتعرّض لعلاقة الإيمان بالأخلاق من زواية نظريّة المعرفة. إنّ من المعروف أنّ الدين والأخلاق يشتملان على مجموعة من المفاهيم التي هي من قبيل ما ينبغي وما لا ينبغي، وهذه المفاهيم قد حدّدها الله عزّ وجل للمؤمنين كاعتبارات عمليّة. وهذه المفاهيم، سواء في مجال الأخلاق أو الدين، نظرها إلى الوجوب أو عدم الوجوب خارجاً. والحسن والقبح في كلا المجالين نظرهما إلى ما فيه كمال الفرد أو النوع الإنسانيّ وسعادته. وبعبارة أكثر دقّة، إنّ المفاهيم الإيمانيّة والأخلاقيّة وما ينبغي، وما لا ينبغي نظرها إلى علاقة العليّة والمعلوليّة بين حقيقتين. وبعبارةٍ أخرى هي تتوسّط بين حقيقتين(46) . إنّ المفاهيم والقضايا الإيمانيّة إذا نظرنا إليها من حيث المتعلّق وما تهدف إليه فسوف نجد أنّ هذين النوعين من القضايا بينهما اتِّحاد بل وحدة.
وثمّة ارتباط آخر بين الأخلاق والإيمان وهو الارتباط المنطقيّ. ولكي نتعرّف على هذا الارتباط المنطقيّ بين القضايا الإيمانيّة والقضايا الأخلاقيّة لا بدَّ لنا من استعراض رأي العلّامة فيما يرتبط
________________________________________
(43) الطباطبائي، تفسير الميزان، ج 20، ص 693، فارسي.
(44) الطباطبائي، بررسي هاي اسلامي، ص 84.
(45) رسائل سبع، ص 333.
(46) المصدر نفسه، ص 129.

[الصفحة - 317]


بموضوع الإدراكات الحقيقيّة والاعتباريّة. فالتعاليم الدينيّة هي مجموعة من القضايا الحقيقيّة، وأمّا القضايا الأخلاقيّة فهي مجموعة من القضايا الاعتباريّة. ويرى العلّامة الطباطبائيّ أنّ العلاقة بين القضايا الاعتبارية والحقيقيّة ليست علاقة توليديّة، إي إنّ القضايا الحقيقيّة لا تؤدِّي إلى قضايا اعتباريّة. فلا نصل من قضية نحو: (إنّ الله عادل) إلى قضيّة مثل: (يجب أن نعبد الله). ولذا لا بدّ من القول بأنّ العلاقة بين الإيمان والأخلاق من الناحية المنطقيّة ليست علاقة توليديّة(47) .
والمستفاد من مجموع كلمات العلّامة حول العلاقة بين الإيمان والأخلاق من زواية البُعد الوجودي أنّ للوجود مراتب طوليّة وعرضية، وأنّ بين مراتب الوجود الطوليّة علاقة العليّة والمعلوليّة.
وأمّا علاقة الإيمان والأخلاق من زواية علم النفس فبيانها يتوقّف على معرفة علاقة الإيمان بالخلقيّات والملكات النفسانيّة، وههنا لا بدّ وأن نبحث عن الارتباط بين الحسّ الفطريّ والحس الأخلاقيّ.
يرى العلّامة الطباطبائيّ أنّ الاخلاق هي، من جهة، تقف عند حدود المعتقدات، ومن جهة أخرى ترتبط بالعمل والسلوك. فالإيمان ظاهرة لها أخلاقها الخاصّة. فالإيمان بأيِّ شيء يستتبعُ نوعاً مناسباً من الأخلاق. فالإنسان إذا امتلك إيماناً بشيءٍ لأيِّ سببٍ من الأسباب فلا بدّ من أن يتبعه خُلقٌ مناسبٌ لهذا الإيمان(48) .
وعلى أساس هذا نصل إلى أنّ بين الإيمان وبين الخُلُقيّات والملكات النفسانيّة للإنسان نوعاً من الارتباط العلّيّ المعلوليّ. فالإيمان له دوره في ظهور الخُلقيّات الإنسانيّة وهذا الدور هو بصورة العلّة الناقصة. وبكلمة أخرى؛ لا بدّ من القول بأنّ الأخلاق هي ضمانة الإيمان وأنّ الإيمان هو دعامة للأخلاق. ويذكر العلّامة: أنّ الأخلاق الفاضلة إذا أريد لها أن تكون ثابتة ومستمرّة فلا بدّ لها من ضامن يحفظها، وليس هو سوى التوحيد. ومن الواضح أنّه لولا الاعتقاد بالمعاد لدى الناس فلن يوجد ما يمكنه أن يحول بين الناس وبين اتّباع الهوى واتّباع الملاذّ الطبيعيّة(49) .
________________________________________
(47) مطهري، أصول فلسفة وروش رئاليسم، ص 162.
(48) الطباطبائي، بررسي هاي إسلامي، ص 88ـ 90.
(49) المصدر نفسه، ص 334.

[الصفحة - 318]


ومن جهةٍ أخرى، ما يحفظ الإيمان هو الأخلاق الكريمة، وبقاء الإيمان ورسوخه وثباته رهينة بالأخلاق. يقول العلّامة: «التوحيد لا يسعد القانون إلّا بإيمان تحفظه الأخلاق الكريمة، والأخلاق الكريمة لا تتمّ إلّا بالتوحيد، فالتوحيد هو الأصل الذي عليه تنمو شجرة السعادة الإنسانيّة، وتتفرّع بالأخلاق الكريمة، وهذه الفروع هي التي تثمر ثمراتها الطيّبة في المجتمع(50) .
وأمّا فيما يرتبط بعلاقة الإيمان بالأخلاق من زاوية علم النفس، بلحاظ علاقة الحسّ الفطريّ بالحسّ الأخلاقيّ، فيرى العلّامة أنّ الحسّ الأخلاقيّ هو من لوزام الحسّ الفطريّ وآثاره وهو متشعِّبٌ منه. وحيث يرى العلامة أنّ التوحيد وآثاره ولوازمه العمليّة أمر فطريّ، فإنّه ينظر إلى الارتباط بين الميلين. فالفطرة التوحيديّة تنتقل من الإجمال إلى التفصيل متى أدّت إلى الأخلاق والأعمال الدينيّة الخاصّة. وفي ذلك يقول: روح الإيمان تجري في الأخلاق الكريمة التي دعا إليها الإسلام، وكذلك روح الأخلاق تنتشر بالإيمان. فكافّة التعاليم الدينيّة، إذا نظرنا إليها بعين التحليل بدقّة، نجد أنّها ترجع جميعاً إلى التوحيد والإيمان بالله عزّ وجلّ، والتوحيد يتجلى بالأخلاق والأعمال، ولو ارتقت الأعمال والأخلاق من الدرجة الدنيا إلى العُليا فلن تكون سوى التوحيد والإيمان(51) .
ومن العلائق الأخرى المتصوّرة بين الإيمان والأخلاق ما يرتبط ببعد علم الاجتماع. فالإيمان والأخلاق مرتبطان بالمجتمع الإنسانيّ من حيث تأثيرهما فيه. ويذكر العلّامة في هذا المجال الآتي:طبقاً لتعالم الإسلام، لا بدّ من أن تكون الأخلاق هي الهدف الأساس، ولا بدّ من أن تُبنى القوانين الاجتماعيّة على أساسها؛ لأنّ تجاهل الأخلاق الحسنة لأجل المصالح الماديّة سوف يؤدّي بالمجتمع ليصبح مادّيّاً، ويفقد المجتمع عنصر المعنويّة، وهو العنصر المميّز له من الحيوانات(52).
الإيمان والعلم
يفسّر العلّامة العلم بأنّه حضور مجرّدٍ لدى مجرَّدٍ آخر، أو حضور شيء لدى شيء آخر(53) . وحقيقة العلم هي
________________________________________
(50) الطباطبائي، الميزان، ج 11، ص 155.
(51) الطباطبائي، رسائل سبع، ص 330، الناشر، بنياد علمي وفكري، قم.
(52) الطباطبائي، خلاصة تعاليم إسلام، ص 94، الناشر مركز التبليغ الإسلاميّ،قم.
(53) الطباطبائي، نهاية الحكمة، ص 240.

[الصفحة - 319]


الكشف عن عالم الخارج.
ويرى العلّامة أنّ ما أوصى به القرآن والإسلام في العلم وما بيّنه من أهميّته وما حثّ عليه من التفكّر والمعرفة لا تجد له مثيلاً في أيٍّ من الكتب السماويّة وفي أيٍّ من التعاليم سواء أكانت سماويّة أو غير سماوية(54) . وبالتعبير القرآني: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ }(الزمر، 9).
وما هو مهمّ هنا يرجع إلى استعداد الفرد الإنسانيّ لإدراك الحقائق العلميّة والمعارف الحقيقيّة الدينيّّة. ويرى العلّامة في تحليله لحقيقة العلم أنّه حقيقة كاشفة واضحة ومنزّهة عن القوّة والاستعداد، ويُثبت أنّ العلم نحو من الوجود، وهو من نوع الوجود المجرّد الذي لا يكون عرضةً للتبدّل والتغيُّر. ومع ذلك فإنّ قدرة الإدراك الإنسانيّّ محدودة، ولا يملك الإنسان القدرة على التعرّف على كلِّ ما يريد(55) .
والمسألة المهمة هنا هي أنّ العلّامة لا يرى أنّ الإيمان بالله يتحقّق بمجرّد العلم بأنّ الله حق؛ لأنّ مجرد العلم أو الإدراك أو الاطّلاع لا يعني الإيمان، بل قد يؤدّي إلى الاستكبار والإنكار. وقد قال تعالى في كتابه الكريم: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً} (النمل، 14). ولكنّا حيث كان الإيمان يتنافى مع الإنكار أمكننا استنتاج أنّ الإيمان ليس مجرّد الإدراك، بل هو عبارة عن قبولٍ خاصٍ من قِبَل النفس بما علمت به وأحاطت، هذا القبول الذي يدعو النفس إلى التسليم بمقتضى ذلك العلم والإدراك وبالآثار المترتِّبة عليه. وعليه لا بدّ للإنسان من أن يلتزم بما يقتضيه علمه أي بأن يعقد قلبه على ذلك. بمعنى أن تظهر عليه الآثار والنتائج العلميّّة لعلمه، ولو كان ذلك في الجملة. فالإنسان المؤمن هو الذي يعتقد بوجود الله أوّلاً، ثمّ بوحدانيّته، ويعمل بعد ذلك بلوازم علمه، فبهذا يكون قد حقّق شرط العبوديّة عملاً. ويعتقد العلّامة أنّ المؤمن الحقيقيّ يملك حياة أخرى. وهذا الكلام ليس مجازيّاً بل يرى الطباطبائيّ أنّ للمؤمن حقيقة خارجيّّة لها آثار لا تجدها في سائر الناس. فقد أودع الله عزّ وجلّ في الفرد المؤمن نوراً نتيجة إيمانه(56) .
________________________________________
(54) الطباطبائي، أصول عقائد ودستورات ديني، ص 25.
(55) يادنامه مفسر كبير استاذ علامة طباطبائي، ص 149، طهران.
(56) الطباطبائي، الميزان، ج 18، ص 411(فارسي).

[الصفحة - 320]


الإيمان وارتباطه بالشكّ واليقين
يعرّف العلامة اليقين بالآتي: «اليقين هو اشتداد الإدراك الذهني بحيث لا يقبل الزوال والوهن »(57) ، نعم هذا هو التعريف المنطقيّ لليقين والمراد منه اليقين القائم على أساس البرهان والاستدلال. ويمكننا أن نستنتج من كلام العلامة هذا أنّ اليقين هو من سنخ المعرفة وهو أعلى مرحلةً من العلم. العلم الذي هو أرقى من الاطمئنان، العلم الذي لا يدخله شكّ ولا شبهة. واليقينُ إدراكٌ مطابقٌ للواقع وهو ثابت لا يزول. ولعلّ عدداً محدوداً من الأفراد في كلّ زمان يوفّق للوصول إلى مثل هذه المرحلة. وهذه المرتبة هي مرتبة علم اليقين، وهي المرتبة التي يصدّق الإنسان فيها بأمرٍ من خلال البرهان ويشاهده بعين القلب والبصيرة. نعم ثمّة مرتبةٌ أعلى من هذه أيضا وهي مرتبة حقّ اليقين، وهي المرتبة التي يصل إليها من وصل إلى مقام الفناء في الحقّ. وقد قال تعالى في كتابه الكريم: {كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوْنَهَا عَيْنَ الْيَقِينِ} (التكاثر، 5 - 7).
نعم لا يرى العلّامة الطباطبائيّ أنّ الإيمان هو العلم واليقين، بل هو عقد القلب والتصديق والاعتماد الذي يتحقّق في المراتب العليا من الإيمان؛ أي درجة التقوى والإحسان حيث يصبح المؤمن في هذه الدرجة محسناً ومتّقياً. ويعتقد العلّامة وبالاستفادة من الآيات الكريمة أنّه حيث تكون الغفلة واردة كما في هذه الدنيا الفانية فإنّ لليقين فضيلته الخاصّة؛ لأنّه بالموت يتحقّق اليقين العامّ والحصوليّ. وبعبارة أخرى، يرى العلامة أنّ اليقين يتحقّق تارةً بالعلم الحصوليّ وأخرى بالعلم الحضوريّ؛ ولكنّ غاية مراتب اليقين هي تلك التي تكون حضوريّة وشهوديّة. فالموت حالة يمكن التعبير عنها باليقين: {وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ } (المدثر، 47)، ففي الآخرة حيث تزول الحجب فإنّ الجميع يصل إلى اليقين ولكنّ علينا أن نبحث عمّن يصل إلى اليقين في هذه الدنيا، كما قال تعالى في قصّة إبراهيم(ع): {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ}
________________________________________
(57) الطباطبائي، الميزان، ج 2، ص 248.

[الصفحة - 321]


{ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ } (الأنعام، 75). فإبراهيم خليل الله وصل إلى اليقين حيث رأى كيفيّة إحياء الموتى، فهو بمعونة من الله وصل إلى مرتبة أمكنه فيها مشاهدة باطن العالم، بل وصل إلى أعلى من ذلك حيث ضحّى بولده. ولا شكّ في أنّ مثل هذا المقام الذي ناله إبراهيم ملازمٌ لأعلى مراتب الإيمان.
وعليه يمكن القول: أوّلاً، إنّه لا يقع التنافي على الإطلاق بين الإيمان واليقين، فإبراهيم كان مؤمناً ثمّ أصبح موقناً. أي بين الإيمان واليقين تناغم تامّ. فلا يذهب الإيمان متى تحقّق اليقين، بل في مثل هذه الحالة يكون نور الإيمان مماثلاً لمرتبة اليقين، فهو كنور القمر أمام الشمس. وثانياً، إنّ اليقين مع الإيمان أعلى من الإيمان بلا يقين. وعن الإمام الصادق(ع): «الايمان أفضل من الإسلام، وإنّ اليقين أفضل من الإيمان، وما من شيء أعزّ من اليقين »(58) . ثالثاً، لا تلازم بين الإيمان واليقين، فهذا إبراهيم كان مؤمناً قبل أن يرى ملكوت السموات والأرض وقبل أن يضحّي بابنه ولكنه لم يكن موقناً؛ لأنّ الاطمئنان واليقين ملازمان للإيمان في أعلى مراتبه لا لمطلق الإيمان. رابعاً، إنّ اليقين لا يتقدّم على الإيمان، فلا يلزم الوصول إلى اليقين بقضية ما ليتحقّق الإيمان بها؛ بل اليقين متأخّر عن الإيمان. خامساً، لليقين أسبابه وعلله الخاصّة به، وهو أمر غير اختياري، خلافاً للإيمان فإنّه أمر اختياريّ. وهذه الخصوصيّة لليقين وردت في الآية 32 من سورة الجاثية:{وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ } .
يبقى أن نشير إلى أنّ العلّامة الطباطبائيّ وفي معرض حديثه عن أمراض القلب يُثبت بوضوح أنّ الإيمان لا يجتمع مع الشكّ أبداً. فالقلوب المريضة لا تكون صحيحة أبداً. فالصحّة والمرض أمران متقابلان. ولا يجتمع أمران متقابلان في شيء واحد. فمرض القلب يوجب التلبّس بنوع من الشكّ والشبهة الذي يُعمي عين الإنسان عن الإيمان بالله والاطمئنان بالآيات الإلهيّة. ولذا كان اختلاط الشَرْك بالإيمان من آثار مرض القلب(59) . فمرض القلب في القرآن الكريم هو الشكّ والشبهة نفسُهما، فإذا تعلّقا بإدراك الإنسان منعا من عقد القلب بالله وبسائر
________________________________________
(58) الكافي - الشيخ الكليني - ج 2 ص 51.
(59) الطباطبائي، الميزان، ج 2، ص 474، فارسي.

[الصفحة - 322]


المعتقدات الدينيّة. فالذين في قلوبهم مرض بحسب طبع المعنى هم ضعفاء الإيمان الذين يُصغون إلى كلِّ ناعق، ويميلون مع كلِّ ريح، فمرض القلب على حد الأمراض الجسمانيّة ربّما أخذ في الزيادة حتّى أزمن وانجرّ الأمر إلى الهلاك(60) . وفي آيات أخرى كما في الآية 31 من سورة المدّثَر والآية 60 من سورة الأحزاب ورد أنّ هذا المرض يوجب اختلال ثبات القلب واستقامة النفس.
والشكّ والريب من جملة هذه الأمراض التي توجب اضطراب الباطن وتزلزله، وإنّ كان ذلك مع المرتبة الدنيا من الإيمان. وعموم الناس وإن كانت تقع في مثل هذا الشكّ والترديد ولكن لا شكَّ في أنّ المراتب العليا من الإيمان لا تجتمع مع هذا الشكّ بل هو في حكم الشّرْك. وقد قال تعالى في كتابه الكريم: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ } (يوسف، 106). ويقول أيضا: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً } (النساء، 65).
ويعتقد العلامة أنّ اليقين الذي لا يكون أساساً راسخاً وسبباً للزهد هو من الشكّ، كما ورد: «لا تجعلوا علمكم جهلاً ويقينكم شكَّا إذا علمتم فاعملوا وإذا تيقنّتم فأقدموا »(61) .
ويقسّم العلّامة الشكّ مستفيداً هذا التقسيم من آيات القرآن الكريم إلى قسمين: الشكّ العابر والابتدائيّ والشكّ المستقرّ. أمّا القسم الأوّل فهو نوع من وسوسة القلب والخطور القلبيّّ، وعدم الاطمئنان والتردّد والذي يجعل الحيرة في قلب المبتدئ، ولكنّ الشكّ المستقرّ هو التردّد الدائم والتزلزل الثابت. والشكّ المستقرّ نظريّة في علم المعرفة ترى الوصول إلى المعرفة أمراً غير ممكن. والشكّاك يعتقد أنّه لا يمكنه إقامة البرهان القاطع على أيِّ أمرٍ من الأمور النظريّة، بنحو يكون موجباً لإقناع كافّة العقلاء في كلّ زمان. فالمعرفة النظريّة لا يمكن إثباتها. فهل يمكن أن يكون الشكّاك مؤمناً؟ فهل يمكن أن تكون قضية ما تحت دائرة الشكّ المستقر ويتحقّق الإيمان بها؟ ويؤكّد العلّامة
________________________________________
(60) الطباطبائي، الميزان، ج 5، ص 378.
(61) صبحي الصالح، نهج البلاغة.

[الصفحة - 323]