البحث في...
عنوان التقرير
إسم الباحث
المصدر
التاريخ
ملخص التقرير
نص التقرير
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

September / 17 / 2017 | عدد الزيارات : 388كردستان.. نوايا استقلال أم أوراق ضغط؟

علاء حيدر المرعبي المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية ايلول 2017

لم ينفك بعض المسؤولين الاكراد في العراق منذ سقوط النظام المقبور عن اطلاق دعوات إقامة دولة كردية أو التلويح بالانفصال عن الحكومة المركزية في بغداد، وقد استطاعت هذه الدعوات أن تحقق لهم كثيرا من المكاسب السياسية والاقتصادية وغيرها، بما في ذلك مكاسب معنوية، إذ أوهمت كثيرين بإمكانية إقامة مثل هكذا دولة قادرة على رد أي مخاطرة محتملة يمكن ان يولدها هذا القرار نتيجة الظروف المحيطة.

 وفي ظل التطورات الأخيرة في هذا الشأن، حدد اقليم كردستان موعد 25 من أيلول المقبل كموعد نهائي لإجراء استفتاء الانفصال الكردي لإقامة دولة مستقلة.

في هذا المجال يتبادر إلى الأذهان اسئلة عديدة يقع في مقدمتها إمكانية إقامة دولة كردية مستقلة في ظل رفض دولي وإقليمي لها، بالإضافة إلى مدى إمكانية ومقدرة الاحزاب الكردية على إدارة هذه الدولة في حالة إعلان استقلالها، وكيف ستستمر هذه الدولة وعلى أي موارد اقتصادية يمكن إقامتها؟ أم أن هذه الفكرة تبقى مجرد (ورقة ضغط) يستخدمها الكرد للحصول على مكاسب سياسية واقتصادية تخدم اقليمهم على حساب باقي المدن والمحافظات العراقية؟

استفتاء الاستقلال

أعلنت معظم الأحزاب الكردية في العراق عن تحديد يوم الخامس والعشرين من سبتمبر المقبل موعدًا لإجراء استفتاء يحدد مصير اقليم كردستان عن طريق اجراء استبيان على الانفصال عن الحكومة وإعلان الدولة الكردية المستقلة.

ومن المعروف إن موضوع الاستفتاء في كردستان ليس بالأمر الجديد، فقد سبق أن توجّه أكراد العراق إلى صناديق الاقتراع للاختيار بين إعلان الاستقلال والبقاء ضمن العراق في إطار استفتاء غير رسمي جرى في يناير/كانون الثاني 2005. وآنذاك لم يسفر التصويت عن أي خطوات انفصالية فعلية لكنه أيد حق تقرير المصير، كما منح المفاوضين الكرد سندا قويا في بغداد استخدموه لتأمين حقوق وصلاحيات أصبحت محفوظة الآن في الدستور العراقي[1].

 وعلى الرغم من الخلافات بين الأحزاب الكردية الرئيسة الثلاثة (الحزب الديمقراطي وحزب الاتحاد الوطني وحركة التغيير) إلا إنها توافقت مؤخراً على تفعيل مشروع الاستقلال في دولة كردية بعد الاجتماع الذي عقدته هذه الأحزاب في السابع من يونيو 2017، وأقر الاجتماع إجراء استفتاء الاستقلال، ليس فقط في محافظات دهوك وأربيل والسليمانية، وإنما أيضًا في محافظة كركوك وأجزاء من محافظات نينوى وديالي وصلاح الدين، وهي من المناطق (المتنازع عليها) بين الإقليم والحكومة المركزية؛ بالإضافة إلى المناطق التي أصبحت تسيطر عليها قوات (البيشمركة) الكردية بعد مشاركتها في الحرب ضد داعش.

المناطق المتنازع عليها[2]

المناطق المتنازع عليها هو مصطلح اطلقته حكومة اقليم كردستان على مجموعة من الأقضية والنواحي المحددة والمصنفة دستوريًّا تحت البند رقم 140من الدستور العراقي، وتقع هذه المناطق بمحاذات الجزء الواقع تحت سيطرة حكومة إقليم كردستان العراق، وتحدد لجنة تنفيذ المادة 140 من دستور جمهورية العراق المناطق المتنازع عليها بحسب تبعيتها على النحو الآتي[3]:

1- محافظة كركوك: تطالب الحكومة الكردستانية بضم محافظة كركوك لكردستان وتعد هذه المدينة تاريخيا مدينة تركمانية، ولكنها حاليا عبارة عن خليط من الاكراد والتركمان والعرب ويعد قضاء الحويجة والرشاد والرياض وداقوق فيها مناطق ذات اغلبية عربية سنية.

ويشكل العرب نسبة 72% من سكان محافظة كركوك، وينتشرون في (قضاء الحويجة) و(قضاء داقوق) و(قضاء الدبس)، وقسم منهم داخل مدينة كركوك وقضاء كركوك، ويشكل الاكراد نسبة 21% من سكان المحافظة، وبالرغم من ذلك، يعتبر الأكراد أن مدينة كركوك ذات اغلبية كردية.

2- محافظة نينوى: تطالب الحكومة الكردستانية بمناطق مختلطة عدة ذات غالبية سريانية مسيحية وتركمانية وشبكية ويزيدية وعربية في سهل نينوى، وتشمل أقضية الشيخان والحمدانية وتلكيف، ومنطقة التواجد الايزيدي في بلدة سنجار الواقعة في محيط عربي، وكذلك ناحية زمار من قضاء تلعفر وناحية القحطانية في قضاء البعاج وقضاء مخمور، علما ان غالبية سكان قضاء مخمور هم من العرب السنة إضافة إلى اقلية كردية.

3- محافظة ديالى: تطالب الحكومة الكردستانية بضم مدينة خانقين ذات الغالبية الكردية الفيلية اليها، وكذلك ناحية مندلي من قضاء بلدروز وقضاء بدرة الواقع ضمن الحدود الإدارية لمحافظة واسط، ويسكن هذه الأقضية كلا من اللور الكرد الفيليين والتركمان والعرب الشيعة، ومدينة جلولاء تسكنها اغلبية عربية بنسبة 90% ومدينة السعدية ويسكنها خليط من العرب والتركمان، وقضاء كفري المكون من خليط من التركمان والعرب والأكراد في محافظة ديالى.

4- محافظة صلاح الدين: تطالب الحكومة الكردستانية بضم قضاء طوز خورماتو التابع لمحافظة صلاح الدين، وهو قضاء ذي غالبية تركمانية.

مطلب الانفصال

 ادى قرار الحكومة العراقية منح الأكراد الحكم الذاتي في عام 1970 - بعد تمرد مسلح على الدولة دام قرابة ثلاثة عقود- الى فتح شهية أكراد تركيا لحمل السلاح ضد الدولة في عام 1984، والتقدم بمطالب تتراوح بين الحكم الذاتي والانفصال، وقد شمل الحكم الذاتي للأكراد في العراق حزمة حقوق تضمنت ميزانية مالية ذاتية، ونصا دستورياً على أن القومية الكردية تشكل -إلى جانب القومية العربية- القوميتين الرئيسيتن للشعب العراقي، وجعل اللغة الكردية لغة التعليم في المناطق الكردية، ولغة يدرسها التلاميذ في مدارس الدولة في المناطق العربية، كما تضمنت هذه الحقوق بثا إذاعياً والسماح بصحافة ناطقة باللغة الكردية، والحق في الإبقاء على القوات الكردية (البيشمركه) وظهورها في شوارع العاصمة بزيها المميز، وتشكيل أحزاب كردية، وفي المقابل احتفظت الدولة بمراقبة الحدود الدولية وإدارة قطاع النفط.

ولكن لم يكن قرار الحكم الذاتي للأكراد في العراق محط ارتياح بالنسبة للحكومة التركية، فحذرت نظيرتها العراقية من التوغل في طريق منح الحقوق السياسية للأكراد، في وقت كان فيه الطرف الآخر من الحدود (تركيا) يمنع الكردي من التحدث أو القراءة أو الغناء بلغته.[4]

وفي المقابل؛ يتحرك أكراد سوريا حاليا في اطار اللادولة وخارج سيادة الحكومة السورية، وفي منطقة تبحث شعوبها عن هوية سياسية جديدة، وهي بمجملها عوامل مثالية لمشروع انفصال ينتظر شرارة الاشتعال، وما يذكي هذا المنحى هو مرور المنطقة بمرحلة تقاسمات مصالح دولية لا تقل عمقاً عن تلك التي تلت الحرب العالمية الأولى، لكنها توظف الأقليات بدل الدبابة والمدفع.[5]

وعلى الرغم من إن مطلب الانفصال الكردي عن الدولة العراقية مطلب قديم، إلا أن هنالك قناعة حالية لدى حكومة الإقليم وأحزابه وقواه السياسية المختلفة بأن التطورات التي تشهدها منطقة المشرق العربي حاليًا، والحرب الدولية ضد "داعش" تمثل "فرصة تاريخية استثنائية" للدفع بهذا المطلب ليكون أمرًا واقعًا، ذلك أن تجديد الحديث عن انفصال الإقليم عن العراق وإقامة دولة كردية مستقلة لا يمكن فصله عن معطيات عدة هي:

أولاً: طبيعة العلاقة بين الإقليم والحكومة في بغداد، التي تشهد توترًا متصاعدًا منذ عقد كامل نتيجة لعدم توصل الطرفين لصيغة مشتركة تمكنهما من حل عدد من الإشكاليات سواء حول المناطق المتنازع عليها أو حول إنتاج وتسويق نفط الإقليم أو حول ميزانية الإقليم ورواتب موظفيه.

ثانياً: التحولات المهمة التي يشهدها الإقليم، والتي تعطي ميزة مهمة نسبيا للحكومة الكردية.

ثالثاً: مواقف القوى الإقليمية المجاورة للعراق- التي تتواجد لديها قوميات كردية- من فكرة وجود دولة كردية منفصلة في منطقة المشرق العربي، وتحديدًا تركيا وإيران، واللتان ترفضان فكرة الانفصال جملة وتفصيلًا.

رابعاً: مستقبل العلاقة بين الإقليم والحكومة والتداعيات الاستراتيجية على تلك العلاقة في حالة الاستقلال.

إجراء الاستفتاء وفرص النجاح

 ثمة تساؤلات عديدة تدور حول الطرح الكردي ومدى جدية إجراء الاستفتاء، وللوقوف على رؤية محددة في هذا الشأن يجب رصد المعطيات الداخلية والخارجية التي دفعت الإقليم إلى هذا الطرح بما يمكننا من فهم تلك النقلة النوعية الكردية؛ هل تمثل مطلبًا جديًا بالانفصال، أم أنها لا تعدو أن تكون ورقة ضغط على الحكومة العراقية للحصول على مكاسب جادة بشأن إشكاليات المسار الفيدرالي الذي يحكم علاقة الإقليم بها؟ بخاصة بعد ترويج حكومة الإقليم لسيناريو أن الاستفتاء لا يستهدف الانفصال المباشر عن الدولة العراقية سياسيًا وإداريًا في المدى القريب، ولكنه بداية لمسار طويل من المفاوضات مع بغداد تمهيدًا لإقامة الدولة الكردية.

أولاً: عقبات نجاح الاستفتاء

من أبرز العقبات والمخاطر المحلية والخارجية التي تواجه الاستفتاء يمكن إجمالها بالآتي:

1- الموقف الحكومي العراقي الرسمي الذي يشبه بالرفض من خلال التحذير الشديد من التداعيات، وتحميل قيادة الإقليم مسؤولية السلبيات المنتظرة، إلى درجة أنها استبقت الأحداث بإصدار لائحة من الأضرار التي ستحلق بالإقليم وبالأكراد الذين يعيشون خارجه، وصلت إلى حد وضع اليد على الممتلكات.[6]

2- على الرغم من اتفاق الأحزاب الكردية الثلاثة في الإقليم على تحديد موعد للاستفتاء بشأن مصير العلاقة بين الإقليم والحكومة المركزية، إلا أن هذا الاتفاق لا ينفي حجم الخلافات الحادة والمتعددة بين تلك الأحزاب حول قضايا متعلقة بإعلان الاستقلال وتشكيل الدولة الجديدة، منها: الخلاف حول الإدارة الداخلية للإقليم من ناحية، وحول طبيعة مشروع الاستقلال والدولة الكردية وصيغة الاستفتاء من ناحية ثانية، بالإضافة إلى المشاكل الاقتصادية والمالية التي يعاني منها الإقليم، فهذه الخلافات من شأنها عدم توافر رؤية موحدة في التعامل مع القضايا المصيرية لكردستان، بل ربما تمثل عائقًا مباشرًا لمسار استقلاله، على اعتبار أن أي مشروع للاستقلال الوطني يحتاج أولًا إلى إجماع داخلي لتحقيقه[7].

3- الصراع الداخلي على السلطة في الاقليم، إذ إن الخلافات بين القوى الكردية، وتحديداً بين الحزب الديمقراطي الكردستاني وحركة التغيير التي هي الثانية في البرلمان وصلت إلى مستوى يهدد بانفجار الوضع على رغم المحاولات التي جرت لإصلاح ذات البين، وقد أدى الخلاف إلى تعطيل البرلمان وشلل الحكومة وبروز أزمة في رئاسة الإقليم[8].

4- رفض دول الجوار للاستفتاء، لاسيما إيران وتركيا، وقد بررت الدولتان موقفهما بالحفاظ على وحدة العراق، في حين ان السبب الأساس هو خوفهما من انتقال تداعيات الاستفتاء إلى داخلهما، على أساس ان ذلك سيغذي التطلعات القومية الكردية في البلدين، وعليه اعتبرت أنقرة وطهران الاستفتاء تهديداً مباشراً لأمنهما الداخلي[9].

5- ما تزال مسألة المناطق المتنازع عليها تثير كثيرا من القضايا التي يُصعب التفاهم لحلها وفقاُ لتطورات الأوضاع الاخيرة، وهي قائمة لا يمكن أن ترضي الاطراف جميعها، لذا فأن الدولية الكردية لسكان المناطق المتنازع عليها خارج حدود الإقليم قد تسبب في اثارة مشاكل اخرى، اضافة الى قائمة طويلة من المشاكل القديمة بين الطرفين.[10]

6- تأكيد الحكومة المركزية على ضرورة الاحتكام للدستور العراقي في تنظيم العلاقة بينها وبين كردستان، وبالمقابل فان حكومة بغداد تلقت ترويج المسؤولين الأكراد لمقولة أن الاتجاه للاستفتاء لا يستهدف الانفصال المباشر والحالي عن العراق بطرح فكرة أن يتم الاستفتاء عبر منظمات المجتمع المدني من دون أن يتم بشكل رسمي على الأقل في الوقت الراهن، وهو ما يتماشى مع ما يروج له المسؤولون الأكراد بأن أربيل تستهدف تدشين بداية لمسار طويل من المفاوضات بين بغداد وكردستان قد يستغرق سنوات وصولًا لفكرة إقامة الدولة الكردية، الأمر الذي فسره المحللون بأنها محاولة من بغداد لإفراغ الاستفتاء – حال حدوثه – من مضمونه وجدواه[11].

7- دخول التحالف الوطني - الذي يعتبر أكبر تحالف سياسي في العراق- على معادلة الرفض الداخلية لاستقلال إقليم كردستان؛ حيث أعلن عن رفضه المطلق للإجراءات التي تتخذها حكومة الإقليم بشأن الاستفتاء على الاستقلال في مرحلة ما بعد القضاء على داعش؛ على اعتبار أن هذه الخطوة ستشجع على "فدرلة العراق" وتقسيمه لعدد من الأقاليم على أسس عرقية ومذهبية[12].

8- الموقف الدولي الذي أخذ طابع الحذر، وفي أحسن الحالات نصح أربيل بالحوار والشراكة مع بغداد، باعتبار أن ظروف إجراء مثل هذا الاستفتاء لم تنضج بعد، وأن إجراءه في ظل هذه الظروف قد يؤدي إلى صدام مع بغداد وإلى تدخلات إقليمية [13]، وقد عبًرت عن ذلك الموقف دولاُ كبرى من مثل: الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وغيرها، والذين يعتبرون من ابرز الداعمين للمطالب الكردية منذ عقد التسعينيات من القرن الماضي، اضف الى ذلك كله، الرفض الأممي للإشراف على عملية تنظيم الاستفتاء من قبل منظمة الأمم المتحدة، والتي قد تؤجج المشاعر الرافضة للتدخل في شؤون داخلية لدولة عضوة فيها[14].

ثانياً: نقاط القوة في الاستفتاء

 على الرغم من أن هناك جملة من العقبات ترافق عملية التحول السياسي في اقليم كردستان والانفصال عن الحكومة المركزية في بغداد، إلا ان المتفائلين بهذا المشروع يحددون بعض الخيارات التي تعطيهم نقاط قوة وحافزاً للمضي قدماً في هذا التوجه، منها:

أولاً: خيار التوجُّه إلى الأمم المتحدة على غرار التجربة الفلسطينية لنيل اعتراف أممي بالدولة الكردية، وعلى رغم التعاطف الدولي مع حقوق الأكراد في عموم المنطقة، إلا أن الأكراد يدركون صعوبة مثل هذا الخيار، نظراً لقناعتهم بكثرة الدول العربية والإسلامية التي ستقف في وجه مطلبهم بإقامة دولة مستقلة.

ثانياً: هناك تجارب مشابهة ناجحة يمكن استلهامها في الاستفتاء المقرر، مثل تجربة جنوب السودان، بما لهذه التجارب من ميزات إيجابية ومعطيات متوافرة لجهة العلاقة بين أربيل وبغداد، فتجربة انفصال جنوب السودان تحققت بموافقة من المركز (الخرطوم) ومن دون إراقة الدماء، كما أن تجربة تيمور الشرقية وانفصالها عن اندونيسيا حاضرة في الأذهان.

ثالثاً: الشعور الكردي بامكانية الاستقلال عن حكومة بغداد، لاسيما إذا تفاقمت الخلافات مع بغداد على القضايا الأساسية، كمستقبل المناطق المتنازع عليها والنفط وموازنة الإقليم.

رابعاً: خيار إعادة ترتيب العلاقة مع بغداد، إذ ثمة من يرى أن الاستفتاء لا يعني بالضرورة أنه سيتم إعلان استقلال كردستان، وأن هدف الاقليم منه هو الحصول على وضع أفضل للعلاقة مع الحكومة في بغداد، في ظل الحديث الكردي عن تجاوزات عدة حصلت في الدستور العراقي وخروقا لمبدأ الشراكة والتوافق وأن الصيغة القديمة للدستور لم تعد تناسب الأكراد، وأن المطلوب وضع صيغة أقرب إلى إقامة دولة اتحادية.

ثالثاً: مبررات الاستقلال

 ترى الأحزاب الكردية الرئيسة أن إقامة الاستفتاء هي حاجة باتت مرتبطة بمصير القومية الكردية لا يمكن التنازل عنها، وأن هذا الامر يعزى إلى مجموعة من الأسباب التي لا يمكن التجاوز عنها أو التغاضي عنها:

1- ترى حكومة إقليم كردستان أن العلاقة بينها وبين بغداد وصلت إلى مرحلة انسداد الأفق على واقع تراكم الخلافات التي بدأت بإشكاليات تصدير الإقليم للنفط عبر تركيا دون الرجوع إلى الحكومة المركزية في بغداد أو تقسيم العائد معها وفقًا للاتفاقات في هذا الشأن، مما دفع الأخيرة إلى قطع رواتب الموظفين الأكراد ردًا على هذه الخطوة، ومرورًا باستمرار النزاع حول المناطق المتنازع عليها بين الطرفين، وانتهاءً بمشاكل الموازنة الاتحادية وحصة الإقليم منها[15].

2- قدرة القوات العسكرية في كردستان على إدارة زمام امورها، بعد نجاح قوات (البيشمركة) في السيطرة على مناطق واسعة من محافظة كركوك المتنازع عليها بين بغداد وأربيل، وذلك من خلال مشاركتها في محاربة "داعش"، إضافة إلى سيطرة (البيشمركة) على بعض المناطق في محافظات نينوى وديالي، وهو ما عدته حكومة الإقليم إنجازًا يمكن فرضه كأمر واقع على بغداد حال التفاوض بشأن الاستقلال، لاسيما بعد إعلان أربيل دخول المناطق التي نجحت القوات الكردية في تحريرها من قبضة داعش، وأطلقت عليها مسمى "المناطق الكردستانية"[16].

3- حصول تأييد للانفصال من الحكومات الإدارية لبعض المحافظات المجاورة للإقليم كمحافظة كركوك والموصل، إذ قام مجلس محافظة كركوك مطلع شهر مارس 2017 برفع علم إقليم كردستان إلى جانب العلم العراقي على مؤسسات المحافظة كافة، في تحدٍ واضح للحكومة والبرلمان المركزيين في بغداد لهذه الخطوة، التي أراد بها المجلس التأكيد على كردية المدينة وتبعيتها لإقليم كردستان؛ على الرغم من أنها تخضع للبند رقم 140 من الدستور العراقي الخاص بالمناطق المتنازع عليها بين بغداد والإقليم[17].

4- وجود توجه دولي جديد في دعم حكومة اقليم كردستان بعد النجاحات الحاصلة في مواجهة "داعش" بالتعاون مع التحالف الدولي، ورغبة حكومة كردستان استثمار هذه الاعتراف الدولي بدور القوات الكردية، وترجمة ذلك في استكمال مسار الاستقلال عن الدولة العراقية، أو على أقل تقدير لفت انتباه القوى الدولية إلى ضرورة حمل بغداد على "تقنين" العلاقة بينها وبين الإقليم عبر تفعيل بنود تقرير المصير الواردة في الدستور العراقي من ناحية، وحسم الخلاف حول المناطق المتنازع عليها من ناحية ثانية[18].

تداعيات الاستقلال

 بالرغم من الاندفاع الكبير الذي تسير فيه حكومة إقليم كردستان من اجل تحقيق الاستفتاء على الانفصال عن الحكومة المركزية وتحققه على ارض الواقع، إلا ان هناك تداعيات خطيرة عديدة يمكن ان ترافق الوضع الجديد قد تؤدي إلى نتائج كارثية على الاقليم من جهة وعلى الدولة العراقية بشكل عام، يمكن الإشارة إلى بعض منها:

1- إن الانفصال بقرار أحادي سوف يمهد الطريق لبداية مرحلة سياسية جديدة عنوانها الرئيس تقسيم العراق؛ سواء كان تقسيمًا مناطقياً أو تقسيمًا على أسس طائفية أو عرقية، وهو ما يعني أن وحدة الدولة الوطنية العراقية باتت على المحك، وأن الصراع في مرحلة ما بعد الانتهاء من محاربة "داعش" سيكون صراعًا بين الدولة وبين مكوناتها الطائفية التي ستسعى بشتى السبل للحصول على مكاسب كتلك التي سيحصل عليها الأكراد.

2- إن الانفصال أحد أسباب زيادة حدة المشاكل السياسية والاقتصادية التي ستواجهها حكومة إقليم كردستان بدلًا من أن يكون سببًا في حلها؛ فحالة التقارب الحالية في مواقف القوى السياسية الكردية داخل الإقليم هي حالة طارئة ومستجدة فرضتها الحاجة إلى توحيد "البيت الكردي" في مواجهة الحكومة المركزية في بغداد فيما يتعلق بمطلب الاستقلال.

3- تفاقم الخلافات بين الحكومة المركزية في بغداد وبين حكومة كردستان بشأن المناطق المتنازع عليها بين الطرفين نتيجة لعدم حل تلك المشكلة قبل إجراء الاستفتاء على الانفصال من عدمه؛ وعدم الحسم النهائي للصراع حول تلك المناطق قبل الموعد المحدد لإجراء الاستفتاء.

4- إمكانية امتداد الانعكاسات السلبية للانفصال إلى الدول المجاورة، وتحديدًا إيران وتركيا وسوريا؛ إذ من المتوقع أن تحفز عملية استقلال كردستان العراق تطلعات القوميات الكردية بتلك الدول للاتجاه لتطبيق السيناريو ذاته، وهو ما قد يعرض تلك الدول لصراعات داخلية حادة، خاصة تركيا التي تتهم حزب العمال الكردستاني التركي المعارض بالسعي إلى تكوين دولة كردية.

ماذا بعد الاستفتاء؟

اذا كانت نتيجة الاستفتاء هي التصويت بالقبول، فستطفو إلى السطح كثير من التساؤلات، منها: ما الصيغة التي سوف يتم التعامل على اساسها مع الحكومة المركزية في بغداد؟ وهل يعني ذلك اوراق ضغط جديدة تمارسها القيادة الكردية من اجل حسم الجدل الدائر بين الطرفين، وما الضمانات التي ستُقدم لكي يتم الانفصال بشكل سلمي؟

 هل ان هناك طرقاُ بديلة في حالة الرفض المتوقع لبغداد لنتيجة الاستفتاء مقدما؟ التي سيكون من بينها اللجوء الى الحل العسكري لتحقيق ذلك[19]، وما الكيفية التي ستتعامل بها الدولة الجديدة مع متغيرات الوضع الدولي الذي يُحيط بها؟ وكيف سيتم التعامل مع الدول الأخرى الرافضة لها، اي من الجانب الاقتصادي، والكل يعلم بأن كردستان دولة مغلقة تماماً من ناحية المرافئ البحرية، ومن ثم فهي ستتعرض الى هزات اقتصادية كبرى في حالة رفض تلك الدول التعامل معها لوقوعها تحت الضغط لمطاليب وارادات تلك الدول، ومن ثم انهيارها وسط تلك المعطيات، اضافة الى ذلك كله، الرفض الدولي لإقامة الدولة الكردية بسبب عدم وجود محفزات لقبولها في الاسرة الدولية، اي بمعنى ان الدولة الكردية ستثير كثيرا من المشاكل مع جيرانها والتي ستؤثر فرص اقامة الدولة على اقلياتها والتي تُطالب بالحقوق نفسها[20].

 إن المتتبع للواقع الكردي يرى بوضوح عدم إمكانية إقامة دولة مستقلة في ظل الظروف المحيطة بالعراق والمنطقة برمتها، فلا يملك اقليم كردستان الموارد والإمكانات الضرورية لإنجاح إقامة دولة مستقلة ومستقرة قادرة على الوصول بشعبها إلى بر الأمان، ولن تنفع ايضا الوعود التي تطلقها بعض الدول لدعم إقامة هذه الدولة، فمن المستحيل أن تُقام دولة تبتني على المساعدات من الدول الأخرى.

وعلى ضوء ما تقدم تقع هناك مسؤولية كبيرة على الحكومة المركزية في بغداد وصعبة في الوقت نفسه تنطلق من ضرورة التعامل بحكمة مع الملف الكردي عن طريق عدم اعطاء تنازلات كما تعودت عليها الحكومات السابقة التي اوصلت هذا الملف من أزمات وتداعيات والتي أدت أن تصل إلى ما وصلت إليه الآن، واستخدام الحلول السلمية في الوصول إلى نتائج قد تخرج البلد من هذا المستنقع المظلم الذي يحاول اعداء العراق اقحامه فيه بنقل الإرهاب العالمي إليه تارة، وبمحاولة اثارة الفتنة والانقسامات الداخلية تارة أخرى.

------------------------

[1] كردستان العراق.. استقلال أم إعادة ترتيب للعلاقة بالمركز؟، الموقع الالكتروني لشبكة الجزيرة الإعلامية الالكترونية، الخميس 7/9/2017م، الساعة 7:35 م، وعلى الرابط الالكتروني:

http://www.aljazeera.net/portal/pages/ شبكة-الجزيرة-الإعلامية-الرؤية-والمهمة

[2] المناطق المتنازع عليها في العراق، الموسوعة الحرة (ويكبيديا)، 6/9/ 2017م، الساعة 8:28 مساءً، وعلى الرابط الالكتروني:

https://ar.wikipedia.org/wikiالمناطق_المتنازع_عليها_في_العراق/.

[3] لجنة تنفيذ المادة 140 من دستور جمهورية العراق، الموقع الالكتروني للجنة، الاربعاء 6/9/2017م، الساعة 8:33 مساءً.

 http://www.com140.com/paper.php?source=akbar&mlf=copy&sid=5

[4] استفتاء كردستان العراق.. أكراد سوريا بين الانفصال والمواطنة، الموقع الالكتروني لشبكة الجزيرة الإعلامية الالكترونية، الخميس 7/9/2017م، الساعة 7:47مساءً، وعلى الرابط الالكتروني:

http://www.aljazeera.net/knowledgegate/opinions/2017/5/18/ استفتاء-كردستان-العراق-أكراد-سوريا-بين-الانفصال-والمواطنة

[5] المصدر السابق نفسه.

[6] هل يحضّر الاستفتاء الكردي للبيان الرقم 1؟، الموقع الالكتروني لجريدة الحياة، السبت 9/9/2017م، الساعة 6:44 مساءً، وعلى الرابط الالكتروني:

http://www.alhayat.com/Articles/22595306/ هل-يحضّر-الاستفتاء-الكردي-للبيان-الرقم-1؟

[7] المصدر السابق نفسه.

[8] المصدر السابق نفسه.

[9] المصدر السابق نفسه.

[10] الاستفتاء على تقرير مصير كردستان، بين الواقع والمستقبل، المركز العربي للبحوث والدراسات، السبت 9/9/2017م، الساعة 7:56 مساءً، وعلى الرابط الالكتروني:

http://www.acrseg.org/40549

[11] بغداد للبرزاني: استفتاءاتك لا تعنينا، الموقع الالكتروني لصحيفة الاخبار، السبت 9/9/2017م، الساعة 7:45 مساءً، وعلى الرابط الالكتروني:

http://www.al-akhbar.com/node/278446

[12] شيعة العراق يرفضون انفصال الأكراد، الموقع الالكتروني لصحيفة الحياة، السبت 9/9/2017م، الساعة 7:43 مساءً، وعلى الرابط الالكتروني:

http://www.alhayat.com/Articles/22595306/ شيعة-العراق-يرفضون-انفصال-الأكراد

[13] هل يحضّر الاستفتاء الكردي للبيان الرقم 1؟، مصدر سابق.

[14] المصدر السابق نفسه.

[15] المصدر السابق نفسه.

[16] استفتاء كردستان العراق بين الانفصال والتهديد، الموقع الالكتروني لصحيفة القدس العربي، الاحد 10/9/2017م، الساعة 7:44 مساء، وعلى الرابط الالكتروني:

http://www.alquds.co.uk/?p=741138

[17] مجلس محافظة كركوك يصوت على إجراء استفتاء تقرير المصير وسط مقاطعة تركمانية وعربية، الموقع الالكتروني لصحيفة القدس العربي، الاحد 10/9/2017م، الساعة 8:09 مساءً، وعلى الرابط الالكتروني:

http://www.alquds.co.uk/?p=699238

[18] بعد داعش: كركوك الصراع القادم في العراق"، مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية، الاحد 10/9/2017م، الساعة 8:12 مساءً، وعلى الرابط الالكتروني:

http://www.rawabetcenter.com/archives/43195  

[19] الاستفتاء على تقرير مصير كردستان، بين الواقع والمستقبل، مصدر سابق.

[20] المصدر السابق نفسه.