البحث في...
عنوان التقرير
إسم الباحث
المصدر
التاريخ
ملخص التقرير
نص التقرير
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

November / 22 / 2017 | 144ما يهم حقاً في الشرق الأوسط

جاكوب شابيرو - Jacob Shapiro جيوبوليتكل فيوتشرز - Geopolitical Futures 12 تموز 2017 - 12 July 2017
ما يهم حقاً في الشرق الأوسط

التحرير: من الواضح أنّ الكاتب لم يكن يتوقّع هزيمة مدويّة لداعش كهذه التي حصلت في الموصل، وكجملة من الخبراء الأميركيّين لا يزال يحاول إعادة إنتاج حروب طائفيّة ومذهبيّة وعرقيّة ضمن سيناريو كان مقدّراً له أن يفتك بالمنطقة على مدى عقود.... بدأ الخيال الأميركيّ يبتعد عن الواقع فعلاً، لأنّ اللحمة الوطنيّة هي التي حرّرت الموصل في العراق وكذلك الأمر في سوريا وهذا ما يقضّ مضاجع المخطّطين لحرب الثلاثين سنة على شاكلة الحرب الكاثوليكيّة البروتستانتيّة في أوروبا.


يبدو أنّ القتال ضدّ داعش يسير على قدم وساق. في 9 تموز، أعلن رئيس الوزراء العراقيّ حيدر العبادي النصر في الموصل بعد أن استُعيدت السيطرة أخيرًا على المدينة. في اليوم نفسه، وافقت الولايات المتّحدة وروسيا على وقف إطلاق النار في جنوبيّ غربيّ سوريا، ظاهريًا لمنح القوات الحكوميّة والمتمرّدين السوريّين حرّية أكبر من أجل محاربة داعش، برغم أنّ المتمرّدين لم يقاتلوا داعش مطلقاً. بعدها في 10 تموز، أخبر المرصد السوريّ لحقوق الإنسان وكالة رويترز أنّ زعيم داعش أبا بكر البغدادي قد قُتل، في تأكيد للإشاعات التي انتشرت قبل شهر.

ثمّة تطوّرات جيّدة لمصلحة أعداء داعش لكنّ القتال لم ينته بعد.

لنلقِ نظرة على كلّ تلك التطوّرات، بدءًا من تحرير الموصل. استغرق الأمر ما يُقارب تسعة أشهر لطرد داعش من المدينة برغم حقيقة أنّ القوّات الأمنيّة العراقيّة تفوق قوّات داعش عددًا وتحظى بدعم الولايات المتّحدة (بالمقارنة احتاج داعش أسبوعين وحسب للسيطرة على الموصل). طبعًا تؤخذ صعوبات حرب الشوارع بالحسبان لناحية طول المعركة في الموصل، لكن بحدٍّ مُعيّن. فكان يمكن لداعش أن تحتاج إلى المدّة نفسها لو لم تحظ بدعم كبير من السكّان المحليّين. وخسارة الموصل في نهاية المطاف عبارة عن هزيمة رمزيّة لكن يمكن تحمّلها.

إنّ المدينة التي أعادها العراق إلى ربوعه ممزّقة. لأوّل مرّة في التاريخ، تسيطر قوّة عسكريّة شيعيّة على مدينة ذات أغلبيّة سنيّة. وسكانها لا يثقون بالحكومة المركزيّة تمامًا كما لا يثقون بالمليشيات الشيعيّة المدعومة من إيران التي تعمل غربي المدينة. ولذا المشاكل الأساسيّة لم تُحلّ بعد. السنّة يكرهون الشيعة والشيعة يكرهون السنّة والأكراد العراقيّون يحاولون الانفصال. إنّ الصراع الطائفيّ في العراق باقٍ والجهاديّون سيستغلّون هذا الصراع بالطريقة التي يرونها مناسبة.

وهناك أيضًا الاعتبارات العسكريّة. كانت القوّات الأمنيّة العراقيّة دمويّةً للغاية في معركة الموصل كي لا تكون في عجلة من أمرها لاستئناف القتال في المناطق الأخرى التي تخضع لسيطرة داعش مثل تلك الموجودة في محافظة الأنبار. وينبغي للولايات المتّحدة أن تعدّل أيضًا استراتيجيّتها إذا أرادت أن تتجنّب تكرار الأخطاء التي أدّت إلى إنشاء داعش في المقام الأوّل. وكما قال القائد الأمريكيّ للعمليّة ضدّ داعش، يجب على الحكومة أن تفعل أمرًا «مُغايرًا كليًّا» للحؤول دون حدوث ذلك.

في الوقت نفسه، يبدو أنّ روسيا والولايات المتّحدة وضعتا خلافاتهما جانبًا ووافقتا على اتّفاق وقف إطلاق النار في جنوبيّ غربيّ سوريا. والحقيقة أنّ موسكو وواشنطن تتعاونان في سوريا منذ فترة. والهجمات المُنسّقة التي تشنّها قوّات سوريا الديمقراطيّة والجيش السوريّ ضدّ قوّات داعش منذ عدّة أسابيع دليل على تعاونهما وهو أمر أكثر أهميّة بكثير من وقف إطلاق النار المحكوم عليه بالفشل. واقعًا، الاتفاق مُهدّد بالانهيار. فقد أورد موقع المصدر نيوز أنّ الجيش السوريّ سيطر على مناطق إضافيّة في الأرياف قرب السويداء ودمشق بعد يوم من إعلان الاتّفاق. وادّعى الجيش السوريّ الحرّ أنّه أسقط طائرة حربيّة سوريّة وسيطر على أراض كانت تحت سيطرة القوّات الحكوميّة. سواء كان ذلك صحيحًا أم لا فلا يهم. ما يهمّ أنّ القتال مستمرّ.

كما أنّ خبر مقتل البغداديّ لم يعد مُهمًّا بالقدر الذي كان عليه حين نُشر أوّل مرّة. ومن المحتمل أنّه قُتل جرّاء غارة جويّة روسيّة حسبما أوردت التقارير الأوليّة. ولكنّ كلّ ذلك غير ذي صلة. فالجماعات مثل داعش هي أشبه بالعدار: قطع الرأس لا يقتل الجسد، لأنّه كلّما قطعت رأسًا نبت رأس جديد. كانت الولايات المتّحدة قد أجبرت أسامة بن لادن على الاختباء قبل قتله في باكستان، ولكنّ القاعدة لم تتأثّر كثيرًا جرّاء غيابه. وما من سبب يدعو إلى الاعتقاد بأنّ الوضع مع داعش سيكون مغايرًا.

لأنّه كان يعرف أنّ اللعبة طويلة وأنّ حياته مُعرّضة للخطر، على الأغلب عيّن البغدادي قادةً قادرين على إكمال المهمّة من بعده. ويتميّز داعش ببيروقراطيّة متطوّرة للغاية، تبرع بجمع الضرائب وأعمال الشرطة حتّى بنظام صحّة عامّة. هذه المؤسّسات لا شكّ في أنّها  تضرّرت نتيجة ضغط هجمات التحالف، لكن من الصعب تجاهل مدى تنظيم داعش وكيف حكم بفاعليّة منطقة واسعة في سوريا والعراق ـ كلّ ذلك مع خوض حرب على جبهات عدّة ضدّ أعداء أكثر قوّة. وكثيرون من قادة داعش قد يلقون حتفهم قبل انتهاء القتال فعلًا.

كلّ ذلك يؤدّي إلى طرح سؤال واضح: إذا لم تكن التطوّرات الأخيرة مهمّة كثيرًا، فما هو المهمّ؟ ربّما الأكثر أهميّة هو تذكّر أنّ داعش لم تُهزَم بعد. فهو لا يزال يبسط سيطرته على مناطق يتحصّن فيها تمتدّ من دير الزور إلى البوكمال. وهو لا يزال ينفّذ هجمات إرهابيّة الغاية منها استعداء الجماعات الطائفيّة وضمّ مجنّدين جدد. وهو لا يزال يحاول اختراق البلدان المجاورة، وأبرزها الأردن والسعوديّة. كما أنّ أعضاءه قادرون - ما إن يُهزم التنظيم عسكريًّا - على الاختلاط بالمجتمع من دون اكتشافهم.

من المهمّ أن نُبقي في الحسبان أيضًا أنّه بعد ضعف داعش فإنّ الصراع العرقيّ والطائفيّ سيشتدّ. في محافظة الأنبار ـ حيث المليشيات الشيعيّة المدعومة من إيران تعمل في منطقة ذات أغلبيّة سنيّة-تتحوّل إلى كارثة. وتبقى سوريا بلدًا عربيًّا ذا أغلبيّة سنيّة يحكمه العلويّون، الذين يعتنقون يعتبرون جزءاً من الإسلام الشيعيّ. وهم يحظون بدعم حزب الله وإيران، اللذين يريدان إبقاء بشار الأسد في السلطة. أمّا السعوديّة، وهي قوّة سنيّة إقليميّة، فتريد إسقاط الأسد تمامًا كما تفعل تركيا. كلّ تلك الجماعات تضع مؤقتًا خلافاتها جانبًا لمحاربة عدوّ مشترك. وما إن يزول ذاك العدوّ المشترك، حتّى تكون ببساطة قادرة على محاربة بعضها بعضًا بشكل مباشر أكثر من أيّ وقت مضى.

طبعًا، لم يدخل أحد ما تبقّى من أراض تحت سيطرة داعش، والصراع العرقيّ في العراق وسوريا لم يصل بعد إلى المستوى المُتوقّع مستقبلًا. لكنّ هذه التطوّرات محتومة في القتال ضدّ داعش. وحين يكون التعامل معها محتومًا، اتّفاقات وقف إطلاق النار الوديّة والقتل العشوائيّ لن يكونا مهمّين، بل إنّ أمورًا مثل وضع الاقتصاد السياسيّ في السعوديّة وبقاء الحرس الحدوديّ للأردن والعلاقات بين المليشيّات الشيعيّة والمدنيّين السنّة ما يهمّ حقًا.

----------------------------

جاكوب شابيرو : محلّل جيواستراتيجيّ في ستارتفور ويُدير حاليًا قسم التحليل في جيوبوليتكل فيوتشرز.