البحث في...
عنوان الحوار
إسم المحاور
إسم مجري الحوار
المصدر
التاريخ
ملخص الحوار
نص الحوار
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

February / 5 / 2022  |  586المشكلة الكبرى هي إنحصار علم الاستغراب الإسلامي في  الميدان السياسي

الحوار مع :د. مرتضى روحاني
المشكلة الكبرى هي إنحصار علم الاستغراب الإسلامي في  الميدان السياسي

يدخل هذا الحوار في سياق التنظير لفكر علم الاستغراب والتّأصيلات التي ينبغي أن يجري تفعيلها بين النّخب الشّرقيّة والإسلاميّة. ولقد أجاب الباحث الإيراني الشيخ الدكتور مرتضى روحاني عن مجموعةٍ من المشكلات المعرفيّة التي يجري العمل على تفكيكها وتعميقها في الأوساط الفكريّة والأكاديميّة في إيران.

نشير إلى أنّ الدكتور روحاني حائزٌ على شهادة الدكتوراه في فلسفة الدين من جامعة طهران. وحالياً يشغل منصب عضو الهيئة العلميّة وإدارة مجموعة (الاستغراب) في مركز العلوم والثقافة الإسلاميّة للأبحاث. صدرت له بعض الكتب والمقالات، منها: (الإنثروبولوجيا في المنظومة الفكرية لكانط)، (الترجمة؛ شرط لازم في العلوم الإنسانية الإسلامية)، (ما الذي تقدمه التكنولوجيا وما الذي تأخذه؟)، (اللغة النقطة المركزية في ما بعد الحداثة)، وغير ذلك.

وفي ما يلي نص الحوار:

«المحرّر»


* هل لكم أن توضّحوا لنا الجهود التحقيقيّة الناظرة إلى حقل (الاستغراب) في مركز أبحاث العلوم والثقافة الإسلاميّة؟

- أعتقد أنّ المجموعة الأولى من الاستغراب في إيران قد تمّ تأسيسها من قبل هذا المركز. وكان الأعضاء الأوائل في هذا المركز هم كلّ من السادة: الدكتور داوري، والدكتور خاتمي، والدكتور ريخته گران، والدكتور رجبي، وغيرهم من أصحاب السماحة والفضيلة. وقد تبلورت رؤية هذه المجموعة من الإخوة على محورة نقد الغرب. وكان نشاط هذه المرحلة يقوم على أساس دراسة المسائل الفلسفيّة وبيانها. وتبعًا لذلك جاء أشخاص آخرون من أمثال الدكتور الموسوي والدكتور منوتشهري من جامعة طهران، وحيث إنّ موضوع الاستغراب عنوان عام ويتحمّل الكثير من التطويع، فقد قدّم كلّ واحد من هؤلاء السادة توجهات جديدة إلى المجموعة، وعملوا على توجيه دفتها إلى اتّجاهات خاصّة. من ذلك أن المجموعة في فترة فضيلة الدكتور منوتشهري ـ على سبيل المثال ـ اتّجهت المجموعة نحو نقد الولايات المتحدة الأميركية، والفصل العنصري والمسائل القائلة بأنّ العالم متّجه نحو الأمركة. وعلى هذا الأساس تمّ تأليف بعض المؤلفات في هذا الاتّجاه. وفي فترة الدكتور الموسوي تمّ العمل على سلسلة ـ لم يكتب لها الطبع حتى الآن، ونأمل أن تصدر قريبًا ـ في نقد الآثار الغربية الكلاسيكية. وفي الحقيقة من بين الكتب الحديثة تم تزويد كلّ واحد من الأساتذة بكتاب؛ ليعمل على نقده برؤية تحليليّة. ثم تمّ الإعداد لسلسة من المقالات في ثلاثة مجلّدات ضمّت نقد الأعمال الكلاسيكيّة الأدبيّة والفلسفيّة والأعمال النظريّة في حقل علم الاجتماع، على أمل أن تصدر هذه السلسلة في نهاية هذا العام. في فترة حضوري كانت إرادة المركز تنزع إلى أن يكون اتّجاه مجموعة الاستغراب ـ التي كانت متّجهة في الفترات السابقة نحو المسائل السياسية والعلاقات الدوليّة ـ نحو المسائل الفلسفيّة. ومن هنا فقد سعيت إلى إعادة هذه الدائرة إلى المسار الفلسفي والأبحاث النظريّة. يتمّ تشبيه الغرب في هذا المركز ـ بشكل عام ـ بالشجرة، وأن ثمار هذه الشجرة عبارة عن معطيات من قبيل التكنولوجيا، وعلى هذا الأساس يتمّ توضيح وبيان الجذور والسوق والجذع أيضًا. ونسعى حاليًّا إلى إصلاح هذا التفسير؛ إذ ليس هناك اتّجاه فلسفيّ دقيق ناظر إلى الاستغراب، ولا يمكن الفصل بسهولة بين فروعه. وهذا المشروع هو الأمر القديم الذي بقي حبيس أدراج المركز، وسعينا إلى إنجازه. وكان الغرض الأساسي هو تحويل مفهوم الاستغراب إلى حقل تخصّصيّ؛ وذلك لأنّ الاستغراب ليس نظامًا عامًّا في الجامعات الإيرانية؛ بل هو مفهوم فرعي وناظر إلى علوم الفسلفة، والعلوم الاجتماعية، والعلوم السياسية والتاريخ وغيره. وفي الحقيقة ليس هناك ما بإزاء معيّن ومحدّد للاستغراب. ومن هنا نسعى كي نبيّن بشكل واضح عن أيّ مسألة نتكلم، عندما نتحدّث عن الغرب.

* ماذا يعني الاستغراب وما هي الضرورات التحقيقيّة والبحثيّة الموجودة في هذا الشأن؟

- إنّ الاستغراب يمثّل النقطة المقابلة للاستشراق، وهو مفهوم محصّل ومألوف. وعلى الرغم من أنّ مرحلة الاستشراق في العالم بعد نقد إدوارد سعيد وتلاميذه قد بلغت نهايتها تقريبًا؛ ولكنّنا في المجموع عندما نتحدّث عن الاستشراق، يكون الموضوع الذي نتحدّث عنه واضحًا. وفي المقابل يكون فهمنا للغرب ذهنيًّا للغاية. ومن بين ضروراتنا البحثيّة أن نعمل على التدقيق المفهومي في الاستغراب بلحاظ الدراسات الاجتماعية والتاريخية. وفي الحقيقة فإنّ كلّ واحد من المفكرين المعاصرين الإيرانيين، من أمثال: أحمد فرديد، وداوري، والشهيد مرتضى المطهري، وداريوش شايغان، وجلال آل أحمد، يحمل تصوّرًا منبثقًا عن الغرب. من ذلك أنّ الشهيد الشيخ مرتضى المطهري ـ على سبيل المثال ـ قد ذهب إلى مواجهة الغرب مسلّحًا بالاتّجاه الفلسفي والكلامي، وأّما الراحل أحمد فرديد فقد كان مسلّحًا بالاتّجاه الميتافيزيقي، وكان الدكتور داريوش شايغان قد أخذ فكرة الهويّة بنظر الاعتبار. ونحن نسعى ـ من خلال التدقيق في مفهوم الغرب من وجهة نظر هؤلاء المفكرين ـ إلى إيضاح كيفيّة الغرب وبيانها في أذهانهم؛ وذلك لأنّ الغرب من وجهة نظر بعضهم في حالة تقابل، بل وحتى في حالة تعارض. ونسعى حاليًّا ـ على أساس هذه الدراسات والأعمال المتأخّرة القائمة على أفكار هؤلاء ـ إلى تحصيل مفهوم الاستغراب. ليس لدينا في تعريف الاستغراب على المستوى الجامعي كتاب خاصّ باللّغة الفارسية. وإنّما غاية ما هنالك ترجمة فصلين من كتاب (ماذا يعني علم الاستغراب؟) الذي هو من تأليف الدكتور حسن حنفي. ومن بين المشاريع الضروريّة التي نحن بصدد القيام بها أيضًا، هي أنّ الكثير من المسائل الموجودة عندنا في إيران هي مسائل نشترك فيها مع العالم العربي. إنّ من بين هواجسنا هي أن نعلم ما الذي كتبه المفكرون في العالم العربي حول الاستغراب؛ وفي الوقت الراهن لم يترجم إلى اللغة الفارسية سوى كتاب الدكتور حسن حنفي في هذا الشأن، ولكن هناك مقالات تفصيليّة وكتابات متعدّدة في هذا الموضوع. فإن تمّ العمل في هذا الحقل سوف يكون لدينا تظاهر وتعاضد فكري بين العالم العربي والفضاء الفكري الإيراني. وإذا أردنا الاستعانة من كليشة التفكير المختزل بالتراث والتجديد ـ رغم كل الإشكالات الواردة عليها ـ أمكن لنا الاستفادة من الكثير من الأبحاث المنجزة في العالم العربي. وفي معنى أوسع لم تكن لدينا مواجهة نظريّة مع الغرب، وإن الغرب لم يعمل على إظهار نفسه لنا من خلال كتبه. لقد تمّت ترجمة كتاب (مناهج ديكارت)، وقام فضيلة الأستاذ مدرس زنوزي بمراجعته، وخرج بنتيجة مفادها أنّ هذا الكتاب لم يأتِ بجديد، وأنّه يمثّل اجترارًا لما قاله متكلّمونا أيضًا. وكأنّ جرس كلام ديكارت لم يطرق مسامع المسلمين. وحتى ما قبل حرب إيران وروسيا، كانت مواجهتنا مع الغرب تاريخيّة، وهي مواجهة ناتجة عن السلطة، وقد تجلّت في الحرب. لقد رأينا أنّ الغرب يمتلك أشياءً لا نمتلكها، ومن هنا بدأت رحلاتنا إلى الغرب، وبتأثير من ذلك اتّجه الطبّ عندنا إلى تأسيس دار الفنون. إنّ جميع هذه الأمور إنّما تُفهم في إطار عدم توازن القوى، وكانت حتى اليوم تعيد إنتاج نفسها ضمن مفهوم ثنائيّة البلدان النامية والبلدان غير النامية. إنّ هذا الوجه من الهيمنة الغربية هو الذي يترك تأثيره على البلدان الإسلامية وغير الإسلامية. ولذلك فإنّ الغرب بالنسبة لنا لا موضوعيّة له من حيث هو آخر حيادي؛ إنّ الاستغراب كمفهوم هو ثمرة من ثمار الهيمنة. ولذلك لم يكن لدينا أبدًا شعور بالافتقار إلى معرفة الهند على سبيل المثال.

* هل تمثّل مواجهتنا مع الغرب نوعًا من المواجهة الأخلاقيّة والقيَميّة؟ وفي رؤية عامّة ومثاليّة، كيف يجب تصوير مواجهة المسلمين للغرب وإدارتها؟

- إنّها مواجهة قيَميّة، وقيَميّة غير متوازنة أيضًا؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ إنّ الغرب يتدخّل في النظام الداخلي للدول. لم تكن لدينا أبدًا مثل هذه المشكلة مع الهند أو مع أميركا اللاتينيّة؛ ومن هنا فإنّنا لم نشعر أبدًا بالحاجة إلى معرفة أميركا اللاتينيّة أو معرفة الهند أو معرفة الصين. إنّ هذه البلدان رغم أنّها كانت تمثّل الآخر بالنسبة لنا، ولكنّها لم تكن في يوم ما هي الآخر المتدخّل في شؤوننا. إنّ الغرب الآخر هو آخر متدخّل. يمكن لنا أن نستخرج من هذا الكلام تفسيرات فلسفيّة حول الذهن والخارج، وهذا من وجهة نظري صحيح إلى حدّ ما، ولكنّي أرى أنّ الإنسان إذا أراد أن يخوض في هذه التفسيرات أكثر من الحد المطلوب، فقد يؤدّي به الأمر إلى نسيان الواقعيّة الانضماميّة من القضيّة. وعلى هذا الأساس فإنّ الفرضيّة تقول إنّ الغرب إنّما أصبح غربًا بسبب تدخّله، فقد كنّا نمارس حياتنا العادية، وإذا بنا نجد شمال بلدنا وجنوبه محتلًّا، وأصبحت مسألة النفط معقّدة. وإنّما شكّل الغرب مشكلة بالنسبة إلى المسلمين عندما طرح هذا البحث نفسه في العالم الإسلامي، وأخذنا نتساءل: لماذا تخلّف المسلمون؟ إنّ الشعور بعدم التوازن، والشعور بأنّ الغرب قد تطوّر، بينما المسلمون قد تخلّفوا، أدّى إلى خضوع الغرب إلى الاختبار في حقل توازن القوى. وفي الحقيقة فقد أدرك المسلمون أنّ الجيوش الغربيّة أقوى، وأنّه متفوّق عليهم من الناحية العلميّة، وهو أقوى منهم في حقل الطب أيضًا، كما هو متقدّم عليهم في الكثير من المجالات الأخرى. وبذلك تجلّى هذا النوع من النموذج الغربي، وأمّا في حقل تصوير المواجهة المثاليّة مع الغرب؛ فيجب القول: إنّنا لا نريد بالضرورة وفي الخطوة الأولى أن نخوض مواجهة موحّدة مع الغرب. لقد كانت مواجهة المفكرين المسلمين على أشكال مختلفة عدّة. من ذلك بالنسبة إلى المفكرين الإيرانيين ـ على سبيل المثال ـ كانت المواجهة التي خاضها الشهيد المطهري مواجهة إلهيّة/ كلاميّة، وكانت المواجهة التي خاضها الراحل أحمد فرديد مواجهة مغرقة في الميتافيزيقيّة وما بعد الطبيعية، وكانت المواجهة التي خاضها الدكتور داريوش شايغان مواجهة هويّة للغاية، وكانت مواجهة جلال آل أحمد خليط من أنواع المواجهات المتنوّعة. إنّ جلال آل أحمد يستمدّ مفهوم الاستغراب من الأستاذ أحمد فرديد ويعمل على عرض هذا المفهوم، ثم يبرز الأستاذ أحمد فرديد ليصرّح قائلاً: إنّه لم يتمّ فهم مراده، وإنّ اللّفظ قد استعمل في معنى آخر. ومع ذلك فإنّ فهم جلال آل أحمد فهم تنويريّ، بمعنى أنّه يمتلك عينًا وأذنًا واعيتين لما يحدث. إنّه ينظر إلى الأحداث بشكل عميق؛ من ذلك أنه ـ على سبيل المثال ـ يشكو من الممارسات التي كانت تطال الآبار. وبطبيعة الحال كان يقال له في تلك المرحلة التاريخية: إنّ نتيجة هذه الممارسات ستؤدّي إلى بناء السدود ومدّ الأنابيب إلى البيوت، وسوف تكون الاستفادة من الثروة المائيّة أفضل ممّا هي عليه الآن بعشرات المرّات. واليوم بعد الخوض في دراسات التنمية الثابتة والتنمية الوطنية، تمّ التوصّل إلى حقيقة مفادها أنّ المياه عندما يتمّ إبقاؤها فوق سطح الأرض سوف يتبخّر منها ثمانية أضعاف ما يتمّ هدره لو ترسّبت المياه في جوف الأرض. ربما لم يقدم جلال آل أحمد تحليلاً جيّدًا، ولكنّه يمتلك عينًا ثاقبة وذكيّة. حيث كان يلتفت إلى حدوث المتغيّرات والتحوّلات، ويدرك أنّ هذه المتغيّرات والتحوّلات ليست هيّنة، وكان يشعر بأنّ هذا التغيير والتحوّل سوف يطال المنظومة الطبيعية برمّتها، وبذلك سوف تتعرّض نواة الباراديم التقليدية إلى تغيّر وتحوّل جذريين.

* عبر أيّ نماذج وأساليب يمكن الوصول إلى معرفة الضرورات وتحديد الأولويات في المشاريع البحثيّة على هامش (الاستغراب النقدي)؟

- سوف أتحدّث قليلاً عن حيثيتين؛ فأنا تارة أتحدّث عن نفسي، وتارة أخرى أتحدّث من حيث الناحية الحقوقيّة التي أمتلكها. أرى أن إمكان التدخّل لا يكون إلّا من خلال المشاركة. إنّ سعينا إلى النكوص والتراجع إلى الخلف مخافة تلوّث أذيالنا، والاكتفاء بالنقد من بعيد، غير ممكن من الناحية العمليّة. إنّ الفلاسفة المسلمين لم يشعروا يومًا أنّ أرسطو قد ظهر، ويجب المبادرة إلى الردّ عليه سريعًا، وإنّما شاركوا في الفلسفة اليونانية، وبذلوا جهودًا كبيرة في الخطوة الأولى من أجل التعرّف على أرسطو. لقد كان فهمهم لأرسطو فهمًا أصيلاً للغاية، بحيث إنّ الغربيين عندما أرادوا إعادة قراءة التراث الإغريقي واليوناني في العصور الوسطى، استعانوا في ذلك بأعمال المسلمين وشروحهم. لقد كان الشارحون المسلمون في عرض الشارحين في البقاع الأخرى، حيث كان التراث الغربي قائمًا، كما في المدرسة الإسكندرية. بمعنى أنّ كلا المدرستين كانت أصيلة في فهم الفلسفة اليونانيّة. إنّ الفلاسفة المسلمين قد فهموا الفلسفة اليونانيّة وعملوا عليها، وأدخلوا عليها بعض التعديلات، وأضافوا إليها بعض المسائل، وأضفوا عليها نظمًا جديدًا. وكانت نتيجة ذلك شيء ربما أمكن القول إنّه من أفضل الوسائل والنماذج الفكرية لبيان منظومة التفكير الديني، الذي نطلق عليه عنوان الفلسفة الإسلامية مسامحة. وعلى هذا الأساس لا نستطيع سحب أذيالنا، ولا بدّ من المشاركة. وعلى هذا الأساس فإنّ (الفهم) يمثّل الخطوة الأولى في المشاركة. لا يمكن مباشرة النقد قبل الوصول إلى الفهم. إنّ النقد من الناحية المنطقيّة والتاريخيّة يأتي بعد الفهم. لا يمكن القول بعدم امتلاكنا لخبير بكانط، ولكنّنا مع ذلك قد أجبنا عن كانط. من الواضح أنّ هذا الكلام سوف يكون مضحكًا. فمن المضحك القول إنّ فلانًا قد عمد إلى نقد كانط إرضاءً لنفسه. إنّ هذا الكلام يشبه قولنا: إنّ فلانًا قرأ كتاب (الحكماء المسلمون الثلاثة) للسيد حسين نصر، وقام بعد ذلك بنقد كانط. من الواضح أنّنا سوف نضحك من هذا الكلام وقائله، ولا شكّ في أنّنا سنقول له: هل أنت قادر على قراءة النص الأصلي لكتاب صدر المتألهين؟ وهذه الرؤية نفسها تأتي في نقد الغرب أيضًا. علينا أن نقول لمن يدّعي الاضطلاع بنقد الغرب: هل تتقن اللّغة الألمانية أو الفرنسية أو الإنجليزية؟ وهل يمكن لك أن تقرأ فلسفة هؤلاء بلغاتهم وأن تدرك دقائق لغتهم كما يدركونها. إنّ هذه نقطة البداية، ومع ذلك لا نزال بعيدين عنها جدًا. ويعود جانب من ذلك إلى المسافة التي تفصل بين الترجمة وأصل الفكرة. لقد قام أبو نصر الفارابي ـ وهو في طليعة حكماء الإسلام ـ بتأليف كتاب باسم الحروف، وعمد فيه إلى تعريب المصطلحات اليونانية. إنّه يعثر على مفردة عربيّة لكلّ واحدة من المفردات اليونانية، ويضيف لها توضيحًا وافيًا. وإنّ عمله هذا من الإتقان بحيث لا يجد الفلاسفة الذين جاؤوا بعده إمكانيّة البحث والنقاش في تلك المفردات. وبذلك يكون الفارابي في الحقيقة واضع ومؤسّس مصطلحات الفلسفة الإسلاميّة. وبعد ذلك ينتقل إلى بيان علاقات اللغة والدين والشعب، ويضع اليد على أهمية التأثير والتأثّر فيما بينها. إنّ هذا الكتاب يعدّ من الكتب الذهبية والقيّمة في الحكمة الإسلامية؛ في حين أنّه لم يتم الاهتمام به إلا قليلاً. كما أنّنا نعاني من هذا الخلل في المرحلة الحديثة أيضًا؛ وذلك لأنّنا لم نستطع أن نشارك في الأبحاث الجديدة. فقد أخفقنا حتى في إيجاد ترجمات مناسبة للألفاظ في المرحلة الحديثة. إنّنا لم نصل إلى المنظومة الفكرية والمنظومة التصورية/ المفهومية أو المبادئ التصوريّة بشكل جيّد. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّنا لا نزال نعيش حالة من العجز تجاه ترجمة الـ (Subject) والـ (Object)، مع أنّهما يشكّلان في واقع الأمر أسس الفلسفة الجديدة ودعائمها، حتى تخلّينا عن ترجمتهما في نهاية المطاف، وأبقينا على استخدامهما كما هما. فلا نلجأ إلى أيّ معادل لهما من قبيل: الآفاقي والأنفسي، أو العيني والذهني، أو الذهني والخارجي، وإنّما نبقي عليهما كما هما بصيغة الـ (Subject) والـ (Object). وعليه لا يخفى على أحد أنّ هذا أمر خاطئ، وبالتالي فإنّ ذلك يفرغ لغتنا من ثرائها وغناها الفلسفي، ومن هنا فإنّنا عندما نمارس الفلسفة، نكون كمن يتفلسف بلغة الآخر. إنّ الإنجاز الهام الذي حقّقه الفارابي هو أنّه أعاد صياغة مجمل المنظومة المفهوميّة، ولم تعد معه حاجة لدى المتعلمين إلى التفكير باليونانية. إنّ المشاركة تعني الفهم، والمشاركة الفعالة تعني النقد، والمشاركة الفعالة هي ما يقوم به الغربيون تجاه أفكار أسلافهم.

* كيف يتمّ تأليف الوثيقة الاستراتيجية في حقل الاستغراب الانتقادي من أجل فهم ضرورة وطريقة تنفيذ بعض المشاريع البحثيّة والتحقيقيّة الناظرة إلى الضرورات التي ذكرتموها؟

- أرى أنّه يجب المضيّ بهذا البحث قدمًا من خلال التأسّي بتراثنا الإسلامي. من ذلك مثلاً أنّ كتاب الإشارات والتنبيهات نصّ موجز؛ إنّ هذا الكتاب لا يمكن فهمه إلا في ضوء شرح الخواجة نصير الدين الطوسي على قطب الدين الرازي وإشكالات الفخر الرازي. فلولا هذه الكتب لما أمكن لكتاب الإشارات أن يظهر قوّته الذاتيّة. ثم إنّ روايتنا للمسألة هي التي تصنع النقد، ونحن نفتقر إلى هذه الرواية. إنّ المسألة الرئيسة هي أنّنا لا نمتلك رواية عن الفلسفة الغربيّة. ولا شكّ في أنّ الخوض في الاستغراب سوف ينطوي على بعض الخسائر قطعًا. إنّ هذا الأمر سوف يكون شبيهًا بالمشي على حافّة الهاوية. إنّ من لوازم المواجهة الاستراتيجية مع الغرب هي أن تكون لدينا ـ بغض النظر عن التعلقات الأيديولوجية ـ قاعدة نظريّة. نحن قبل كلّ شيء بحاجة إلى فهم دقيق للاستغراب ومشاركة فيه، وما لم يتم القيام بهذه المسألة بالشكل المناسب، لا يكون الحديث عن التوثيق أمرًا منطقيًّا. وحيث الآن أجلس هنا لا أمتلك فهمًا آخر.

* إلى أيّ مدى يمكن للقيام بمجموعة من الحوارات مع أهل الفن في إطار فهم ضرورة تنفيذ بعض المشاريع أن يؤدي إلى النتائج المطلوبة؟ وما هي الإيجابيات والسلبيات التي تترتب على هذا المنهج؟

- إنّ هذا لا يؤدّي إلى نتيجة مطلوبة. إنّ تعدّد الآراء من الكثرة عادة بحيث يمكن للمدير أن يقوم بكلّ ما يحلو له، ويسند نشاطه إلى إحدى الحوارات. كما يمكن للمدير أن لا يريد القيام بهذا الفعل؛ وذلك لأنّ الجمع يبدو غير ممكن. إنّ الأزمة الأصليّة هنا تكمن في أنّ المدير إمّا أن يكون مريدًا للجمع بين الآراء أو غير مريد لذلك. والجمع بين الآراء غير ممكن. وإذا لم يُرد الجمع، فإنّه سوف يجري مقارنة لتحديد أيّ الخيارات أقرب إلى رغبته، أو أيّ الخيارات هي الأقرب إلى متناول يده، أو أيّها الأسرع في تحقيق مراده، أو أيّها الأكثر تناسبًا وتناغمًا مع الفضاء العام. إنّ النشاط الفكري لا يقبل الجمع مع الديمقراطية، فإنّ الديمقراطية ليست للنشاط الفكري. وإنّما يجب على الفيلسوف أن يقوم بهذا الدور.

* كيف يمكن الانطلاق في تقسيم مشروع (نقد الاستغراب) إلى المراحل الجزئيّة والفرعيّة؟ من ذلك على سبيل المثال: ما هو المسار الذي تقترحونه بشأن تدوين نظام الموضوعات في هذا الشأن؟ وهل تمتلكون رؤية عن تجارب الآخرين في هذا الشأن؟

- لقد سبق أن ذكرت ما هي المقدّمات الضّروريّة التي يحتاج إليها نقد الغرب، وأنّ النّقد المتسرّع لا قيمة له. إنّ التفكير يبدأ من المسائل اليوميّة. انظروا من هو الشخص الذي تواجهونه، وابدأوا المسألة من هذه الزاوية. إنّي دائمًا ما أقول للأصدقاء: إنّهم يدرّسونكم فلسفة أفلاطون بشكل معكوس. إنّ المسألة التي تناولها أفلاطون ليست هي مسألة المُثل. إنّ مسألة أفلاطون كانت هي موت سقراط. كان أفلاطون يقول إنّ الناس هم الذين قتلوا سقراط؛ فأضحى موت الصالحين هو الأمر الذي شغل فكر أفلاطون. قال أفلاطون: إنّ النّاس لم يتم تأديبهم بشكل صحيح؛ ومن هنا أخذ يبحث أسباب هذه المسألة. وعمد إلى عرض خصائص المربّي، وقال بأنّ المربي يجب أن يمتلك القدرة على التمييز بين الحق والباطل. أين الصواب؟ إنّه في المُثل. إن المُثل هي المنزل الأخير الذي يصل إليه أفلاطون. في حين أنّهم الآن يستعرضون المسألة بشكل معكوس. فأي فائدة تنطوي على هذا الكلام. إنّكم إذا نظرتم في الـ(paideia)، سوف تدركون أنّ مشكلة الإغريق كانت تكمن في التربية والتعليم. فما هي مشكلتنا في العصر الراهن؟ إنّ كلّ واحد منّا في مشكلة مع جانب من جوانب الحياة اليوميّة، فهناك من يعاني من الحيثيّة التكنولوجيّة، وهناك من يعاني من حيثيّة نمط الحياة، وهناك من يعاني من التديّن في عصر الحداثة، إلّا أنّ المسألة الرئيسة هي الحياة الإيمانية في الحياة الحديثة. إنّ الأشخاص دائمًا ما يصدرون وصفات جديدة؛ حيث ينصح البعض بالتنوير الديني، وجماعة يقترحون التعدّديّة، ويرى بعض محوريّة الأخلاق بدلاً من الشريعة، ويذهب آخرون إلى أمور أخرى. وهذا يعني السعي إلى العثور على طريق للحياة الإيمانيّة. إنّ هذا التيّار يمثّل جانبًا من السعي، حيث يبحث الناس في العالم الحديث ـ الذي يعني العلمانيّة بالمعنى التام للكلمة، والمراد من العلمانيّة هنا هي الرؤية العلمانيّة لا العلمانيّة السياسيّة ـ عن مجال للتنفس الديني. هذا هو لبّ المسألة. وأرى أنّه يجب بذل الجهود في هذا المجال. وإنّ من بين الأمور الضروريّة من وجهة نظري هي المفاهيم الجوهريّة. فيجب العمل بشكل خاص على المفاهيم الجوهريّة. فإنّنا لا نعرف المعنى الدقيق للعلمانيّة. هناك من يتصوّر أنّ العلمانيّة تعني فصل المؤسّسة الدينيّة عن المؤسّسة السياسيّة. دعيت إلى إلقاء كلمة في محفل؛ فقال لي أحد الحاضرين هناك: لقد كان الشيخ المفيد علمانيًّا. فسألته: ما الذي تعنيه بالعلمانيّة؟ إنّ ما تقولونه من أنّ الشيخ المفيد كان علمانيًّا يحمل في طيّاته نبرة، بحيث لا يمكن معه نسبة العلمانية إلى الشيخ المفيد بسهولة. ثم تعرّضت إلى توضيح العلمانيّة وأنّ العلمانيّة مناسبة في العالم، وأنّها ارتباط بين العقل والنقل؛ يقوم على الأبستيمولوجيا والميتافيزيقا. وحتى هيغل وكانط يفسّران العلمانية على أساس ديني. وبعبارة أخرى: نحن نقول إنّ العلمانيّة تعني انفصال المؤسّسة الدينيّة عن المؤسّسة السياسيّة، في حين أنّ هذه المسألة من توابع العلمانيّة وليست العلمانيّة نفسها. إنّ العلمانيّة تعني المرجعيّة التامّة للعقل، والعقل هنا ليس هو العقل المتّصل بالعقل الفعّال والذي يحصل على العلم منه، وإنّما هو العقل التنويري. قال لي ذلك الشخص: إنّي لا أفهم ما تقول، والذي أعلمه هو أنّ الشيخ المفيد لم يكن له شأن مع الحكومة. لقد تحدّث كانط في المقدّمة الأولى من كتاب (الدين في دائرة العقل المجرد) عن الإيمان، وبدأ بالشر الذاتي للبشر، وهو مفهوم لاهوتيّ بالكامل. وبعد سلسلة من التحليلات يعمد إلى استعراض فكرة الدولة ويقول: إنّنا لا نحتاج إلى إثبات صفات الله التي هي من قبيل: اللا متناهي والعلم المطلق؛ فهذه تندرج ضمن حقل اللاهوت، ولا ربط لمعرفتها أو عدم معرفتها بتديّننا. وكلّ ما نحتاجه من صفات الله ثلاثة فقط، وهي: القداسة، والخير، والعدل. والعدل يمثّل السلطة القضائيّة، والخير يمثّل السلطة التنفيذيّة، والقداسة تمثّل السلطة التشريعيّة. وفي الحقيقة فإنّ هذا هو ملاك الفصل بين السلطات، وأنّه يُتّخذ من هذه الصفات الثلاثة للباري تعالى. إنّ كانط بدلاً من رفع الإنسان إلى السماء، يعمل على استنزال السماء إلى الأرض. وطبقًا لما يقوله كانط: إنّ إطاعة أوامر الدولة إطاعة لأمر الله. وبذلك تبلور مفهوم المواطنة. وهذا يعني أنّك عندما تستمع إلى قوانين الدولة، تكون في خدمة الله. وعندما تطيع أوامر الدولة، إنّما تطيع الأمر القدسي؛ وعلى هذا الأساس يجب البدء من المسائل الضمنيّة، ثم الدخول في المفاهيم الجوهرية. أمّا المسألة الضمنيّة والجوهريّة للإنسان المسلم فهي تتمثّل في الحياة الإيمانيّة في العالم العلماني. وفي الحقيقة فإنّ هذه هي مشكلة جميع المسلمين في البلدان الإسلامية. وهذه مسألة جادّة في جميع أنحاء العالم. وهذا ما تثبته التجربة التاريخية وإعادة قراءة التاريخ إلى حدّ ما. يجب أن تكون لدينا القدرة على ذلك؛ كي نفهم هذه المسألة في أعمق تضاعيفها. والطريق الرئيس يكمن في العمل على تنقيح المناهج، وأن نفهم عن ماذا نتحدث. وإن من بين الهواجس الهامّة ضرورة العمل على تقليل النزاعات اللفظية. إنّ المهمّة التي نتحدّث عنها تختلف عن المهمّة التي يتحدّث عنها كانط بالكامل. فإنّ مصدر مشروعيّة المهمّة بالنسبة لنا يكمن في موضع ما في الخارج، في حين أنّ هذا المصدر بالنسبة إلى كانط عبارة عن أمر داخلي. إنّ هذا الاشتراك اللفظي أدّى بنا إلى تصوّر أنّنا وكانط نقف في موقف أخلاقي واحد؛ في حين أنّنا لم نقف أبدًا في موقف واحد، ولن نقف معه في موقف واحد. إنّ كانط هو نبيّ الإلحاد. إنّ كانط لا يحمل هاجس الإيمان أبدًا. كنت أراسل وود لفترة من الزمن، وكان وود يقول باستمرار إنّ كانط كان يحمل هاجس الإيمان. فقلت له: لا بأس، أنا لا مشكلة لدي مع هاجس إيمانه. ولكنّه هل يمكن لك أن تبيّن لي ما هو الأثر الذي تركه فيما خلّفه لنا من أعمال على الإيمان؟ لقد ترك كانط لنا تراثًا هو بأجمعه ـ وبكلّ ما تعنيه الكلمة ـ مغايرًا للاهوت ومناهضًا للدين.

* طبقًا للدراسات والتجارب ومعرفة المناخ العلمي لإيران والعالم الإسلامي، ما هي المشاريع التي تقع على سلّم الأولويّة في إطار نقد الاستغراب؟

- قلت إنّ ماهيّة الاستغراب غير معلومةٍ بشكلٍ دقيقٍ، وإنّ المشكلة الرئيسة تكمن في أنّنا عندما نتحدّث عن الاستغراب، لا يكون من الواضح لنا ما هو الشيء الذي نتحدّث عنه. في حين أنّ هذه المشكلة لا وجود لها بالنسبة إلى الاستشراق. إنّ ذهنيّة الفضاء الأكاديمي تجاه الاستغراب هي أنّ بعض المتدينين قد اجتمعوا في مكان ما، ويريدون أن يضربوا الغرب والقول بأنّنا أفضل منه. والذي أقوله هو إنّ الاستغراب بحاجة إلى تدقيق شديد؛ ليتحوّل إلى حقلٍ تخصّصيٍّ. وعندها حيث نأتي على ذلك الاستغراب سيكون واضحًا ما هو العلم الذي نعنيه. وهذا ما سعى الدكتور حسن حنفي إلى القيام به في كتابه. وقد قال في ذلك إنّ الاستشراق يهدف إلى الهيمنة، وأمّا الاستغراب فهو يهدف إلى التحرّر من هذه الهيمنة. وبذلك فقد سعى إلى إصلاح الاستغراب من خلال النقطة المقابلة له (أي الاستشراق). ومن وجهة نظري ليس هناك بأس في هذا المسعى. إنّ هذه المساعي تساعد على إثراء لغة الاستغراب. وإنّ أوّل ما يتعيّن علينا فعله هو العمل على إثراء لغة الاستغراب؛ بمعنى أن نعمل على وضع كلّ ما نمتلكه على الطاولة، ثم نعمل بعد ذلك على تنظيمها وترتيبها. إنّ أدبياتنا الداخليّة هي كلّ ما نمتلكه. ولننظر الآن إلى ما قاله المفكرون العرب في هذا الشأن، ونعمل على ترجمته، ونعمل على تعريف المشروع، من قبيل: الاستغراب من وجهة نظر حنفي على سبيل المثال وما إلى ذلك. وقد عمدنا إلى تأليف كتاب (المفكرون التنويريون في العالم العربي) ونشره لهذه الغاية. وهذا هو الكتاب الوحيد الذي تم تأليفه من قبل مؤسّسة (ترجمان).

* هل المواجهة الانتقائيّة مع الغرب صحيحة وممكنة؟ بمعنى أن نعمل من خلال التفكيك والفصل بين العقائد والتداعيات والمعطيات الغربية في حقل (الحسن) و(القبيح)، على أخذ كل ما هو من الغرب (الحسن)، وتجنّب كلّ ما هو من الغرب (القبيح).

- إنّ من بين أهمّ أزمات المسلمين في مواجهة الغرب، هي أنّ جلّ هذه المواجهة قد حدثت على المستوى السياسي. وفي الحقيقة فإنّنا قد تعرّفنا على الغرب من زوايته السياسيّة والإمبرالية فقط، وليس من الزاوية الفكريّة، من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّ هناك لدينا الكثير من الكتب الهامّة بشأن التراث الفلسفي الغربي الذي لم يترجم إلى اللغة الفارسية بعد، في حين هناك لكتاب (المجتمع المنفتح وأعداؤه) وحده ثلاث ترجمات. لماذا؟ لأنّ الترجمة بالنسبة إلى البعض وسيلة وأداة سياسيتين. يمكن لنا أن نشاهد معركة المعسكر الشرقي والغربي بين الآثار والأعمال المترجمة؛ فهناك مجموعة تعمل على ترجمة الأدب الروسي، ومجموعة أخرى تعمل على ترجمة الأدب الإنجليزي والأميركي. وتعمل كلّ مجموعة دائمًا على استقطاب الأنصار، وحيازتهم إلى صفّها من خلال الأدب والفلسفة. إنّ لدينا مواجهة سياسيّة مع الغرب؛ ولهذا السبب فإنّنا لا نعرف الكثير من هؤلاء المفكرين. ماذا يعني الانتقاء؟ أن يأتي شخص إلى جامعة بهشتي ـ على سبيل المثال ـ ويختار شخصًا باسم هربرت هارت، ويعمل على ترجمة كتاب له بعنوان (مفهوم القانون) وبعض الكتب الأخرى للمؤلف نفسه، وبذلك يتولّى تدريس مادة فلسفة الحقوق. إنّه يدرس فلسفة الحقوق، وكأنّ فلسفة الحقوق كلّها تتلخص في آراء هربرت هارت، الذي هو مفكر حقوقي يؤمن بالفلسفة الوضعية. أرى من الضروري أن ننتقي، ولكن علينا في الوقت نفسه إبراز التعدّد أيضًا، ويجب عرض أدبيات العلم والمعرفة بشكل كامل. وقد قمنا في هذا السياق بترجمة كتاب (المدارس الفلسفية للحقوق المعاصرة). وفي الفصل الخاص منه بالمدارس تمّ التعريف بسبع عشرة مدرسة. من خلال هذا الكتاب يمكن إثبات أن مدرسة الوضعيّة الحقوقيّة واحدة من هذه المدارس، وهناك ست عشرة مدرسة أخرى غيرها أيضًا. لقد قلت للإخوة: عندما تُظهرون وجود النظريات الست عشرة، عندها يمكن للنظريّة السابعة عشرة أن تكون مدرسة إسلاميّة. ينبغي أن لا تكون الأجواء العلميّة بحيث يبدو منها أنّه لا يوجد هناك سوى مدرسة واحدة. إنّ هذا الخطأ يقع فيه حتى المستنيرون أيضًا، من ذلك أنّهم ـ مثلاً ـ كانوا قد خلقوا مناخًا بحيث لم يكن لأحد أن يتجرّأ على نقد كارل بوبر؛ وكان الذي ينكر شيئًا صادرًا عنه، كأنّه يُشكّك في بديهيّة من البديهيات. علينا أن نرى ما الذي يقال في الأدب العالمي، ويجب أن نضع ما يقال كلّه فوق الطاولة. إذا لم نحصل على جميع ما يقال، لا نستطيع أن نكوّن معرفة بهذه الجغرافيا، وحيث لا تكون لدينا مثل هذه الجغرافيا المعرفيّة، لا يمكن أن تكون لدينا مشاركة فكريّة صحيحة وجادّة. من ذلك أنّكم ـ على سبيل المثال ـ إذا رأيتم الأدبيات في موضوع ما بيد اليسار، يجب علينا أن نعمل على ترجمة أدبيات اليمين. وإذا كانت الأدبيات بيد اليمين، تعيّن علينا العمل على ترجمة أدبيات اليسار. فعلينا أن نضيف إلى الطاولة ما نفتقده. ليس لدينا في مؤسّسة ترجمان تعهّد تجاه أحد سواء أكان من اليمين أم اليسار، بمعنى أنّنا نعمل على وضع جميع إمكانياتنا على الطاولة، ونسعى إلى الحصول على ما نفتقر إليه. عندما تروم قراءة عمل لصدر المتألهين، يجب عليك قراءة شرح الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي بوصفه ناقدًا لصدر المتألهين؛ حيث إنّه قد قرأ عمل صدر المتألهين من زاوية مشّائيّة، كما يجب في المقابل قراءة شرح الشيخ حسن زاده الآملي؛ حيث يشرح العرفان النظري لصدر المتألهين، ويجب أيضًا قراءة الشيخ المازندراني الذي يعتبر من المنتقدين لصدر المتألهين. لا يمكن لنا أن نعتبر كلام صدر المتألهين فصل الخطاب، قبل أن نستمع إلى ما يقوله الناقدون له. لا يمكن لنا أن نحرم أنفسنا من قراءة الشروح المختلفة لكتاب الإشارات، ثم نقول إنّ كتاب الإشارات من أفضل الكتب. يجب العمل على مقارنة كتاب الإشارات بشيء آخر؛ كي يمكن القول بأنّه أفضل منه. علينا في الخطوة الأولى أن نقبل بتعدّد الآراء. وبطبيعة الحال فإنّ القول بالتعدّديّة لا يعني القول بالنسبيّة؛ بل بمعنى أن نعلم بأنّ هناك في العالم أقوالًا مختلفة حول موضوع واحد. يجب الاعتراف بهذا الاتّجاه بوصفه كلامًا علميًّا، والتحاور في هذا الشأن، أو الانتصار لإحدى النظريّات الموجودة أو الإتيان بنظريّة جديدة؛ إذ لا يمكن تجاهل هذه النظريات. وإلا ففي غير هذه الحالة، سنكون نحن أوّل الضحايا.

 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف