البحث في...
عنوان الحوار
إسم المحاور
إسم مجري الحوار
المصدر
التاريخ
ملخص الحوار
نص الحوار
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

October / 12 / 2020  |  1073الاستغراب هاجس مرضي للشعوب المضطهدة

الحوار مع :د. أحمد ماجد
الاستغراب هاجس مرضي للشعوب المضطهدة

ينظر الدكتور أحمد ماجد إلى الاستغراب من زاوية كونه هاجسًا مَرَضيًّا للشعوب المضطهدة، مؤكِّدًا أنّ علينا فهم حركيته لا استبطانه أو الذوبان فيه، فهو حاضرٌ في اللاَّوعي الخاص بنا، ونحن نعيشه كحقيقةٍ فاعلةٍ في مجتمعاتنا وحياتنا العلمية والثقافية والأكاديمية.

يرى ماجد أن الحضارة الغربية حضارةٌ نابذةٌ، حتى لو أرادت الحضارات الأخرى الحوار معها، فهي ترى بذاتها اكتمالًا للتطوُّر الحضاري، وما مقولة نهاية التاريخ وما تبعها من صدام الحضارات إلَّا نموذجٌّ توضيحيٌّ.

في ما يلي نقرأ أجوبته على أسئلتنا المتعلِّقة بالاستغراب والفهم العربي والإسلامي للحضارة الغربية الحديثة على نظام القيم في مجتمعاتنا.


* ما معنى الغرب بالنسبة إليكم كمصطلحٍ ومفهومٍ، وما المائز بين كونه تحيُّزًا جغرافيًّا وبين تمظهره كأطروحةٍ حضاريةٍ وثقافيةٍ، وما حدود ومستوى العلاقة بينهما؟

ـ  لا شك بقِدم مصطلحَيِ الشرق والغرب، فلطالما كان هناك شرقٌ يقوم على أسسٍ ورؤيةٍ مختلفةٍ عن الغرب، ولكن الغرب الحديث جاء نتيجة تراكمٍ اجتماعيٍّ وسياسيٍّ واقتصاديٍّ، حصل في بقعةٍّ معينةٍ، وحمل في طيَّاته بذور تبدُّلٍ جذريٍّ في التفكير الإنساني، تبلور كثورةٍ على التقليد.

 مع هذه الثورة خرج التاريخ من نطاق الدالِّ على مجموعةٍ من الأحداث وتحوَّل إلى قصةٍ، فهُمِّشَ وأصبح وجهة نظرٍ إنسانيةٍ تحتمل الصدق والكذب، وهذا الأمر ينطبق على كلِّ علمٍ إنسانيٍّ. فما شهده الغرب هو انقلابٌ بكلَّ ما للكلمة من معنًى، يصفه هيغل في مقدمة كتابه «فينومينولوجيا الروح»، فيقول عن الزمن الذي يعيش فيه: «إنه زمن ميلادٍ وانتقالٍ نحو حقبةٍ جديدةٍ. فقد قطعت الروح مع ما كأنه العالم إلى الآن، في وجوده وتمثُّله. إنّ هذا الزمن الآن هو في طور إغراق كلِّ ذلك في الماضي، كما أنه يعمل على تمثّله، انطلاقًا من ذلك، فالغرب ليس تحيُّزًا مكانيًّا، إنّما هو تحوُّلٌ جذريٌّ في البنية الفكرية، وإعادة نظم لرؤية الإنسان الكونية».

* من أين يبدأ تاريخ الغرب حسب تصوُّركم: مما قبل اليونان، أم في الفترة اليونانية والرومانية، أم في القرون الوسطى، أم ابتداءً من عصر الأنوار مرورًا بأحقاب الحداثة، أم أن هذا التاريخ يشمل هذه الأزمنة على الجملة؟

 ـ  من أجل إيضاح هذا الأمر سنتوقف قليلًا مع ميشال فوكو ليحدثنا عن نوعية هذه التغييرات، فهو في كتابه «الكلمات والأشياء» يعتبر أنّ هناك ثلاث أحقابٍ كبرى في تاريخ الفكر الغربي:

 ـ  الأولى: انطلقت مع عصر النهضة، حيث شكَّل مفهوم التقريب بين الأشياء الأساس لكلِّ العلوم والمعارف، فما دامت الجوزة تشبه الرأس فمن المفترض أن تعالج آلام غلاف الجمجمة، ومن المفترض أن تعالج نواة الجوزة الدماغ والأوجاع الداخلية.

 ـ  الثانية: بدأت مع القرنين السابع عشر والثامن عشر، وتمثلت في إنتاج علاقةٍ جديدةٍ بين الدالِّ والمدلول، حيث أُنجِزَت مجموعةٌ من الخرائط واللوحات انطلاقًا من علم الحساب بقصد الإحاطة بالعالم وتصنيفه.

 ـ  الثالثة: تمثّلت في القفزة النوعية للحضارة الغربية، حيث أخذت تتمركز حول الإنسان.

هذا الكلام يشير إلى حقيقة التحوّل الذي حدث في الحضارة الغربية، فهي في رحلتها باتجاه «الأنسنة» أخذت تحوِّل مجرى الفكر، وتقوم بإعداماتٍ متعددةٍ لكلِّ ما هو مختلفٌ وخارجٌ عن سياقات الذات، التي أصبحت «هنا والآن» بعدما تجرَّدت من التقليد، ودخلت عصر التصنيف بين عقلانيٍّ ولا عقلانيٍّ، الأنا والآخر، فأخذت تُحدِثُ دلالاتٍ جديدةً لمدلولاتٍ قديمةٍ، تكون قادرةً على احتسابها بدقةٍ وعلميةٍ، وهذا ما سيسمح لها بإعادة إنتاج كلّ شيءٍ على ضوء النتائج التي تتوصّل إليها.

 من هنا، أخذت هذه الحضارة تنظم عالمها الخاص، وتعمل على تعريفه انطلاقًا من رؤيتها الجديدة، التي تعتمد التصنيف والتبويب للأشياء القديمة، مقدمةً لإدماجها في نسقها الفكري المستجد. وعلى هذا الأساس كانت تحقيبات التاريخ الإنساني، حيث وُضعت كلّ مرحلةٍ في موازاة ما يقابلها من حدثٍ، فعادت هذه الحضارة إلى المرحلة اليونانية لتختار منها وتُنَمْذِجها ضمن النظام القِيَمي الذي أنتجته على أرضية الوضوح والعلمية، فكان المركز الذي يُفصح عن العقل، والذي يمثّل في قِيَمه الجمالية الهوية الضائعة، ثم مركزت الإسلام في القرون الوسطى باعتبارها عصور الظلام والاستبداد، وهذا التصنيف الذي أخذت به المجتعات العربية الإسلامية تناسى أن يطرح سؤالًا جوهريًّا هو: كيف جرت عملية التصنيف، ولِمَ حصلت؟.

وعلى كلِّ حال، هذا الأمر، نجده عند معظم المفكِّرين الذين ينتمون إلى المنظومة الغربية، حيث أخذ هؤلاء يرسمون دلالاتٍ جديدةً لأمورٍ قديمةٍ. حتى الأشياء التي أُغفِلَت إما أعيدت تسميتها أو نُفيت من العقل لأن العقل لا يستطيع أن يقوم باحتسابها وإدراجها في الحقل. من هنا، حوَّل هوبز القطبية الدينية: الغرور، الإثم، والخوف النافع من الرب، إلى قطبيةٍ أخرى: غرور الشر، والخوف النافع من الموت، أي من المتعالي المرتبط بالرؤية الميتافيزيقية للعالم الذي يحتوي قِيمًا مطلقةً إلى المحايث الذي ينضبط أخلاقيًّا، والأخلاق إلى عنصرٍ تفاعليٍّ يخضع لقِيم متغيِّرة بتغيُّر المجتمعات.

على هذا الأساس، انتقل المفكِّرون الغربيون من الحفريات بكلِّ معانيها الأركيولوجية والكتابية وحتى الفنية إلى الحفر في الذات، فانصبَّت الاستكشافات على الكائن الإنساني باعتباره المكان الأمثل للحفر، وبالتالي فإن الإنسان كما يقول فوكو في كتابه «الكلمات والأشياء»، أصبح المكان الأمثل للاكتشافات، ويصل في الفصل المخصص للعلوم الإنسانية إلى القول: «[أصبح] الإنسان مخلوقًا جديدًا في الحقل المعرفي واختراعًا حديثَ العهد أبدعه العلم، ويؤكد على أن ما كان موجودًا قبل القرن الثامن عشر ليس الإنسان بل العالم والكائنات البشرية والنظام، أما الإنسان فقد كان غائبًا».

 بمعنًى آخرَ، حملت عصور التنوير وصولًا إلى الحداثة تغييرًا جوهريًّا، لأنَّه اختزن في طياته النفي لكلِّ ما لا يخضع لنظام الضبط، فالألم الذي ينتج من المرض كان جزءًا من حياة الإنسان،  ـ وإن كان إشكالية إنسانية ـ  وجدته الحضارة النامية في الغرب عنصرًا غير قابلٍ لإدخاله في مجرى الحياة، ولا يمكن احتسابه فيها، لذلك عملت على إنشاء علم التشريح، وتوسّعت فيه من أجل تنظيمه في إطار عوارضَ محدَّدةٍ قابلةٍ للتعريف والضبط بشكلٍ علميٍّ، يمكن الرجوع إليها ومداواتها،  ـ والكلام هنا ليس دفاعاً عن الألم ـ . وهو ما أدى إلى ولادة العيادة في المجتمعات الغربية، ولكن، في الوقت نفسه، ضرب التقليد الديني، الذي يقوم على تألُّم السيد المسيح على الصليب، وحوّله إلى ألمٍ عبثيٍّ، لأنه لا يمكن أن يُحتسب في إطار فكرٍ تنويريٍّ مؤسَّسٍ على التصنيف الرياضي الحادّ، والتعريف الممنهج ضمن وظيفةٍ يمكن الإتكاء عليها أثناء عملية التصنيف، فالألم الذي تجلّى في رفع المسيح على الصليب  ـ كما يتصوَّره التقليد المسيحي ـ  لا يمكن الحديث عنه، ولا يحيل إلى تعريفاتٍ واضحةٍ مبرَّرةٍ، وهو يُفضي إلى الفضيلة المنبثقة من الفهم الديني، والتي لا يمكن أن تُعرف بشكلٍ واضحٍ إلا إذا أُنزلت إلى الواقع حيث تصبح عبارةً عن أفعالٍ محددةٍ.

من هنا، نستطيع أن نفهم نيتشة وهجومه الحاد على التقليد اليهودي ـ المسيحي، فهذا التقليد حاول عبر المفاهيم التي استخدمها أن يستعبد الإنسان. ويقول نيتشة في كتابه «أصل الأخلاق وفصلها»: يستطيع المرء أن يدرك الآن ما حاولت غريزة الحياة المداوية أن تقوم به عبر الكاهن الزاهد، وما لجأت إليه، خلال حينٍ من الدهر، من استخدامٍ لطغيان المفاهيم المتضاربة التي لا تخضع للمنطق، من مثل«الذنب»، و«الخطيئة»، و«حالة الخطيئة»، و«هلاك النفس»، واللعنة الأبدية: كان المقصود جعل المرضى غير قادرين على إلحاق الأذى، إلى حدٍّ ما، واستئصال شأفة الميؤوس من شفائهم بقلبهم على أنفسهم، ومنح الذين يقلون مرضًا عن الآخرين توجهًا صارمًا نحو ذواتهم وتنكيص حقدهم. وبالتالي وضع الغرائز السيئة لدى المتعذّبين في خدمة ضبطهم ورعايتهم وانتصارهم على أنفسهم. هذا النص شديد الدلالة، لأن نتيشة يريد أن يقول أنّ الألم يتحول إلى وسيلة ضبطٍ متعاليةٍ، لأنه ينتج في طياته استجابةً لتقليدٍ دينيٍّ لا يمكن أن يُضبط في سياق الحقل الغربي المستجد، وهذا ما عبّر عنه أيضًا بقوله: «إنَّ ظهور الإله المسيحي، بما هو أرقى ما توصّل إليه البشر من تعبيرٍ عمَّا هو إلهي، قد عمل على ظهور أقصى حدٍّ من الشعور بالواجب على الأرض؟ أما في حال افتراض أننا بدأنا ندخل الحركة العكسية [الإلحاد]، فيكون من الجائز لنا أن نخلص، مع بعض الاحتمال، من الانحطاط الحتمي للإيمان بالإله المسيحي إلى انحطاط الوعي بالدين (الخطيئة) عند الإنسان، وهو انحطاطٌ يسير بخطًى سريعةٍ من الآن. كما يسعنا أن نتكهّن كذلك بأن انتصار الإلحاد انتصارًا كاملًا وحاسمًا من شأنه أن يحرّر البشرية من كل شعورٍ بالواجب والالتزام تجاه أصلها ومنشئها وعلتها الأولى».

ونيتشة في ما أوردناه سابقًا، يعبِّر عن المستجد الحضاري للتنوير، الذي بدأ باعتماد النفي الدائم لكلّ ما هو مخالفٌ لمنطقه، وللدلالة على ذلك، فلنتوقفْ قليلًا مع فوكو وكتابه «تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي»، حيث شرح مفهوم الجنون في الحضارة الغربية، فاعتبر أن مفكِّري العصور الوسيطة لم يعيروا الحمق أهميةً في أبحاثهم، فهم كانوا يتعايشون معه باعتباره أمرًا قد حصل نتيجة مزايدةٍ شيطانيةٍ على صنعة الله، ولكنّ هذه النظرة تحوّلت في عصر النهضة، وتحول الجنون إلى نقيض العقل بصورةٍ قطعيةٍ، ففُصل المجانينُ عن المجتمع، واحتُجزوا في مكانٍ خاصٍّ سُمِّي مستشفى المجانين. وما تكلّم عنه فوكو، يُظْهِرُ حجم التبدل الذي طرأ على التفكير الإنساني، فلكلّ شيءٍ تصنيفاته: جنون/ عقل، طيِّب/ خبيث.

وهذا يختزن في داخله دلالاتٍ هامةً، فهذه الحضارة التي توصف بالعقلانية، بدأت تولِّدُ منطق الإقصاء والسلب، فكلُّ شيءٍ خاضعٌ لنظام من التعريف الظاهري، وهو إما أن يدخل في الحقل، أو يتم الابتعاد عنه ويتعرض للقمع الجسدي والأخلاقي. فهذه الحضارة عندما عرَّفت الحمق أو الجنون عزلته عن سياق الفاعلية، وقامت بإقصائه في مستشفى المجانين، لأنه لا يستطيع أن يلعب دورًا في سياقات التقسيم الوظيفي للعمل في المجتمع، وبالتالي فما يظهر على أنه إنسانيٌّ يحمل في طياته إعدامًا للإنسان.

من هنا، نستطيع فهم طبيعة الحضارة الغربية التي قامت على أرضية النفي. وهذا الأمر وعاه التقليد الكاثوليكي الروماني وحاول مقاومته، ولكنّه ما لبث أن تراجع أمام دفق التغييرات التي عصفت بأوروبا، والتي وصلت إلى ذروتها مع الثورة الفرنسية ووصول نابوليون إلى السلطة، الأمر الذي حمل معه بداية عصرٍ جديدٍ في تاريخ الإنسانية، والأمور التي أوردناها سابقًا، عبر عنها ليو ستراوس أثناء حديثه عن موجات الحداثة الغربية. حيث قسمها إلى ثلاث موجاتٍ كبيرةٍ:

 ـ  الأولى: انطلقت مع ماكيافلي واستُكملت مع هوبز عبر إعادة فهم القانون الطبيعي على ضوء تراتبية غاياتٍ، والتي تحتل فيها مسألة الحفاظ على الذات مرتبةً متقدمةً، وهذا الأمر شرع حقوق الجسد وحريته بحيث لا يشعر بها بالسأم.

 ـ  الثانية: تبدأ مع جان جاك روسو وحديثه عن الإنسان الطبيعي الذي اكتسب إنسانيته عبر سيرورةٍ طويلةٍ. 

 ـ  الثالثة: بدأت مع نيتشة، وحملت معها تحولًا جذريًّا في تلك الحضارة.

فالغرب بدءًا من النهضة، عدّل نمط التفكير الإنساني، ومن هنا، نستطيع أن نفهم أنّ الديكارتية كمدرسةٍ فكريةٍ لم تكن مجرَّد منتجةٍ لفكرةٍ، إنما هي إعادةُ إنتاجٍ للفلسفة، وإقامةٌ لدعائمَ جديدةٍ لها، عبر العمل على تحريرها من اللَّاهوت من جهةٍ ومن المسيحية من جهةٍ أخرى. فالمشروع الديكارتي كان جذريًّا في التحولات التي حملها على ميدان الفكر، فمن خلال مقولاته سعى إلى ضرب القراءة اللاهوتية، وعمل على: «الكشف عن حقائقَ من الممكن أن تحل محلها». من أجل ذلك، قام ديكارت بإحداث ثنائيةٍ حاسمةٍ بين مجالين، الأول يتعلق بالروح والثاني بالجسد، وهذا التمايز لم يكن عشوائيًّا إذ أفسح في الطريق للمرة الأولى للفصل بين مجالين: العالم الفيزيائي وتتناوله الهندسة وعلم الحساب ويستبعد الغائية، وعالم النفس أو الروح ويتناول التحليلات الفلسفية. والأول يقوم على الكمية، والآخر يتناول الوعي.

 ويوضح ديكارت هذه الفكرة فيقول: «مع أن من الممكن أن يكون لي جسمٌ قد اتصلتُ به اتصالًّا وثيقًا، إلا أنه لمَّا كان لدي جهةٌ واضحةٌ ومتميزةٌ عن نفسي، من حيث إنِّي لست إلا شيئًا مفكِّرًا لا شيئًا ممتدًا، ومن جهة أخرى لدي فكرة متميزة عن الجسم، من حيث إنه ليس إلا شيئًا ممتدًا وغير مفكّرٍ، فقد ثبت أنّ هذه الإنية أعني نفسي التي تتقوم بها ذاتي وماهيتي متميزةٌ عن جسمي تميُّزًا تامًّا وحقيقيًّا، وأنها تستطيع أن تكون أو أن توجد بدونه».

هذا الموقف الديكارتي جاء نتيجة:

1ـ تقديم نظرةٍ متوافقةٍ مع الدين.

2ـ تجاوز النظرة الأرسطية التي كانت تعتبر النفس علةً ذاتيةً وغائية للجسد.

وهذه التبريرات للثنائية تفتح الباب أمام نقاشٍ جدِّيٍّ، خاصةً في النقطة الثانية. فالتصور الأرسطي للنفس ينطلق من خلفية التقسيم الذي أقامه بين المادة والصورة، حيث إن الثانية لا تمثّل شيئًا بدون الأولى، لذا فإن التمييز بينهما لا ينطلق من كونهما جوهرين مستقلين بل ينبثق من وجهة نظرٍ منطقيةٍ صِرفةٍ: «فالنفس لا وجود لها بدون الجسم، إنّها ليست جسمًا غير أنها تتصل بالجسم». في حين أن ما يقوله ديكارت، على الرغم من منهجيته القائلة بالثنائية، فهو في الحقيقة لا يحيل إلا باتجاه تأكيد الذات كوجودٍ قائمٍ بذاته ومحوريٍّ، وهذا ما نراه بشكلٍ أوضحَ في التأمل التاسع الذي قال فيه: «المقصود بالنظر كلّ ما نجده في أنفسنا بحيث تدركه ذواتنا إدراكًا مباشرًا».

 هذا الأمر يظهر بوضوحٍ أكثر عند تحليل موقف ديكارت من مسألة وجود الله، حيث نراه ـ  أثناء مخاطبته اللاهوتيين من أتباع القديس توما الأكويني في التأمل الثالث ـ ، فعلى الرغم من حديثه عن اللامتناهي ووضعه له على رأس الأفكار الفطرية، استخدم مصطلح «الواقع الموضوعي»، وهو مرادفٌ لفكرة الكمال، ثم انطلق للوصول إلى علة هذا الواقع، وبرهن على أن هذه العلة هي الله. في حين، أنه في التأمل الخامس عند مخاطبته اللاهوتيين الأفلاطونيين، برهن على أن الله موجودٌ بذاته، وماهيته تستوجب وجوده، وهو هنا لا يستند إلى واقعٍ موضوعيٍّ. وما نقلناه يثير تساؤلًا حقيقيًّا عن مقصده في ما يقول لا سيما في حديثه عن الواقع الموضوعي، والذي وإن استخدم سابقًا، لكنّه تحوّل معه إلى أمرٍ صوريٍّ متسامٍ.

على كلِّ حالٍ، إنّ ما قدمه ديكارت من أدلةٍ على وجود الله، تنطلق من خلفيةٍ تحمل في طياتها بعدًا رياضيًّا كميًّا، ففكرة الكمال هي التي جعلت وجود «الكائن الكامل» واجبًا. الكمال، إذً، هو العلة الفاعلة، وما ينطلق منه أُسِّس على عنصرٍ عقليٍّ، وهو ما يجعله مخالفةً للتقليد، ولعلَّ هذا ما دفع هوبز إلى القول: «المكان اللامتناهي والعدد اللامتناهي هما اللذان استوجبا تسامي هذه الصفات عند ديكارت، فتسامى بها إلى مستوى الكمال. ولا بأس في هذا المورد من أن نستعرض ما أورده الدكتور جعفر في كتابه من حوارٍ بين هوبز وديكارت، حيث أكد هوبز أن طبيعة الإله وصفاته التي تحمَّس لها ديكارت تصور كائنًا يتعذر تمثُّله، وأردف قائلًا أنّ فكرة الإله تبدو كأنّها ذاتُ طبيعةٍ اجتماعيةٍ. ولوحظ أنّ ديكارت لا يحتاج إلى شرحٍ إزاء هذا الموقف، ويقتصر على القول بأنه تناول هذا الموضوع وشرحه بما فيه الكفاية».

نلاحظ هنا أن ديكارت بدأ الموجة الجديدة في الفكر الفلسفي، هذه الموجة التي تضع الإنسان كذاتٍ مفكِّرةٍ في مواجهة الواقع، وبالتالي تقوم بعزله عن كل المسبقات، بمعنًى آخرَ، أصبح الإنسانُ هو المحورَ المنتجَ للأفكار والأحداث، وهذا يحمل في طياته نقلةً كبيرةً في الفكر الإنساني. فالنظرة التقليدية للإنسان كانت مبنيةً على العلاقة بين العلة والمعلول، بين الخالق والمخلوق، وتقوم على الهويات الجامعة المؤسسة على التراتبية والتفاضل داخل نسق التقليد بحسب إنتاجه وتنوعه بين تقليدٍ وآخر، بينما النظرة الجديدة مرْكَزَت الإنسان وأحدثت قطيعةً مع التصور الأنطولوجي وأبدلته بتأسيسٍ إناسيٍّ «أنثروبولوجيٍّ» ينطلق من فكرة الطبيعة الإنسانية في حالة الطبيعة. وعملت هذه الرؤية، التي رمت الإنسان في الطبيعة، على البحث عن مبررات تنقله إلى الحالة الاجتماعية، فكان الحديث عن العقد الاجتماعي الذي لا يمكن أن يكون ممكنًا إلا بتصوّر الأفراد؛ أي أدى إلى الانتقال من هويةٍ متعاليةٍ تعترف باستقلالية الإنسان وتميّزه إلى تصنيفٍ للإنسان مع توحده في حال الطبيعة عبر الاشتراك بطبيعةٍ حيوانيةٍ تقوم على الصراع، لا يستقيم ضبطها إلا من خلال عقدٍ اجتماعيٍّ ينظم في أطر قانونية حادة الحقوق والواجبات، مع الأخذ بعين الاعتبار مفهوم التفاضل على أسسٍ تفاضليةٍ داخل الفكر الاجتماعي المؤسس للاجتماع الإنساني.

وهنا، وقعت الخديعة الكبرى في لعبة تزييف الوعي الإنساني، فما تمَّ تناوله تحت عنوان تحرير الإنسان من اضطهاد الهويات الكبرى له، حمل في طياته بُعدًا آخر أكثرَ خطورةً لأنه غيرُ مرئيٍّ، فعصر الأنوار وصولًا إلى الحداثة فتحت أفق النقاش داخل حقل التداول، ولكنّها أسست لهويةٍ كليةٍ جديدةٍ غيرِ مرئيةٍ، تتمثل بمفهوم السيادة. وقبل أن نوضح هذا الأمر، سنتوقف قليلًا لنستعرض بعض النصوص لتزيفتان تودروف يقول فيها عن عصر الأنوار: «لقد قام هذا المشروع في الأصل على ثلاثة أفكارٍ ما انفكَّت تنمو وتتطوّر أيضًا بحكم نتائجها التي لا تُحصى، وهي الاستقلالية، والغائية الإنسانية لأفعالنا، والكونية»، وهنا نلاحظ أنّ عصر الأنوار يقوم على مركزية الذات الإنسانية بعيدًا عن كل رؤيةٍ متعاليةٍ، بل أن هذه الرؤية نظرت إلى هذه الرؤية باعتبارها سببًا لتخلّف الإنسان، ويعبّر تودروف: «المطلوب أن تكفّ سلطة الماضي عن توجيه حياة الناس وأن توكل هذه المهمة إلى مشروعهم المستقبلي»، الذي يهدف إلى تحرير الإنسان من كل تسلّطٍ، فليس للمعرفة سوى: «مصدرين هما العقل والتجربة، وكلاهما في متناول كل إنسانٍ».

* هل الغرب كتلةٌ واحدةٌ سياسيًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا بحيث إننا إما أن نأخذه ككلٍّ أو أن نتركه ككلٍّ؟ أم بالإمكان فهمه كما هو من أجل تكوين رؤيةٍ استراتيجيةٍ ومعرفيةٍ حياله؟

 ـ  إذا نظرنا إلى الغرب كمجتمعٍ تعدّديٍّ، فهو أشبه ما يكون بسرابٍ، إذ إن التعدُّد لا يتعدى كونه في الحقل، أما في الأسس المكونة والنظرة الكونية الحاكمة فهو واحدٌ، فالتأسيسات النظرية هي الأصل الباني، والتحولات عبارةٌ عن حقل من التداول يحفظ المجتمع من تحولاتٍ عميقةٍ. وبالتالي، فإنّنا، عندما نتعامل مع الغرب، لا بد من الانطلاق من الرؤية الكونية المؤسٍّسة له، فإما أن نقبلها ونندمج بها، أو أنْ نرفضها ونتثاقف معها من دون تبنّيها وإدغامها في المشروع الحضاري الخاص، لأنّ كل فعلٍ توفيقيٍّ من دون فهم آليات أعمال المنظومة الخاصة، يؤدي مع الوقت إلى ضرب الأصل المنظومي وتخريب الحقل الخاص، وهذا ما وقعت به المجتمعات الشرقية عندما استخدمت التقريب المفاهيمي، واستعارت مفاهيمَ ومصطلحاتٍ غربيةً، وعملت على إدماجها في منظوماتها من غير تنبّهٍ إلى أنّها نابعةٌ من رؤيةٍ مختلفةٍ، لها أسسها ومرجعياتها، ولا يمكن أن تصلح حتى لو عُرِّبت لأنّ اللفظ المستخدم إما له تاريخه الخاص، وبالتالي لا يمكن فصله عن نسقيته ومرجعيته المعرفية، وإمّا هو إسلاميٌّ مبنيٌّ على لُحمةٍ منطقيةٍ خاصةٍ، ويعمل ضمن ظروف موضوعية لها علاقةٌ بالذات وفهمها للعالم.

بالتالي، لا يمكن الذهاب باتجاه التبني أو الأسلمة، فكلا الخيارين لا يُعدُّ مناسبًا لقيام نهضةٍ حضاريةٍ أو تقدمٍ حضاريٍّ. فالخيار الأول يُدخل الأمة في باب التحوّل المعرفي الذي يُلغي الخصوصية، والمقصود منها الجانب المعرفيّ فيها، فإذا كان الدين سيعاد إدماجه باعتباره تجربةً روحيةً، ولكنّه سيقصى عن مجالات الحياة وبالتالي سيفقد دوره الشامل لكافة البنى الحياتية والثقافية والاجتماعية، وسيتحوّل إلى مظهرية تعبِّر عنها الطقوس والشعائر. أما الخيار الثاني فعلى الرغم ممّا يتبدّى فيه من إمكانية انفتاحٍ على الذات إلا أنّه يشكّل بحدّ ذاته عمليةً اندماجيةً لا واعيةً بسبب الذهاب إلى تمثُّل الآخر كتجربةٍ مثاليةٍ ومقياسٍ لا بد من العودة إليها ومراجعتها، وهو ما ينتج عنه إعادة إلحاق الذات بالآخر وتفريغها من محتواها.

الكلام الذي أوردناه، يستتبع الحديث عن إعادة تفعيل الذات المعرفية، بما هي ذاتٌ مقتدرةٌ تعي نفسها وآليات عملها، وتقوم بمقاربة الوافد الثقافي برؤيةٍ نقديةٍ، لا تأخذ شيئًا إلا بعد إدماجه في النظام المعرفي الخاص، وهذا ما فعلته النهضة الإسلامية الأولى، فهي لم تتوانَ عن الأخذ، ولكنّها لم تكن تعيش هاجس الأسلمة، فهي اعتبرته منجزًا حضاريًّا، يمكن الاستفادة منه بعد القيام بعملية الدمج، لذلك عملت على تمثّله معرفيًّا من خلال المرجعية المعرفية. وفي هذا المجال يمكننا أن نعطي كثيرًا من الأمثلة، فالفيلسوف المسلم لم يلجأ إلى نظام العقول كترفٍ معرفيٍّ أضافه إلى فلسفة أرسطو، إنّما عمل على ذلك بعدما رأى أنّه بحاجةٍ إلى نظامٍ يستطيع من خلاله تفعيل مفهوم الوحي، وحتى في هذه النقطة اعتبر العقل الفعال غير دائم الحركة حتى لا يوجد نظام وسائط، فاعتبره يتحرك ويتوقّف لكي يعيد كلّ شيء إلى الباري عزّ وجل.

* ما الأسس والمباني المعرفية والفلسفية التي أخذ بها الغرب لتشكيل حضارته الحديثة، وما الآثار المترتبة على ذلك لجهة نوع وطبيعة العلاقة مع الآخر الحضاري، وبخاصةٍ مع العالميْن العربي والإسلامي؟

الأسس المعرفية هي:

1ـ النزعة الإنسانية: التي بدأت بالانتشار في أوساط المثقفين الأوروبيين منذ أواسط القرن الخامس عشر، وذلك عبر الدعوة إلى ضرورة استلهام الروح الأوروبية المتمثلة بالتراث الفلسفي لقدماء اليونان والرومان بدلًا من فلاسفة العصر الوسيط، وبالتالي إعادة بعث القِيم والمثُل العليا التي احتوتها المؤلفات اليونانية القديمة على اختلافها.

فعصر النهضة سعى إلى إعادة إحياء التاريخ الأوروبيّ وإيجاد مرجعياتٍ جديدةٍ تقضي على الحصرية التي كانت تشكّلها التعاليم الكنسية من دون أن يعني ذلك التخلي عنها، وهذا ما ظهرت معالمه في الأعمال الأدبية التي ظهرت في ذلك الحين على يد كبار الأدباء من أمثال بيترارك ورابليه وشكسبير وسرفانتس ودانتي والرسامين والنحاتين والموسيقيين، فـهؤلاء هم من طراز الرجال الذين بحثوا لأنفسهم عن سبيلٍ وسطٍ بين المسيحية التقليدية على نحو ما تلقوها، وبين النزعة العقلية التي حاولت تجريد الكون من كلّ ما فيه من سحرٍ وغموضٍ.

 هذا التيار الفكري عمل على إعادة فهم الواقع الذي يعيش فيه من جديدٍ، وسعى إلى إعادة إنتاج إنسانٍ جديدٍ عبر فهم طبيعته الإنسانية، فلجأ إلى التراث الحضاري اليوناني/ لإظهار ما فيه من تأكيدٍ لوجود الإنسان وقيمته بما يتوافق مع نظرته الإنسانية الجديدة. وهذه العودة لم تكن نوعًا من الاستنساخ للتراث الحضاريّ القديم بكلّ تفصيلاته، إنّما أخَذ معنى جديدًا تتشابك فيه روح الحضارة اليونانية بمعالم العصر الوسيط من خلال مزيجٍ يُطيح بمفهوم الحصرية، ويؤكِّد على تعدد المرجعيات الفكرية.

فالحضارة الغربية أخذت تعتبر أصالة الإنسان أسلوبًا في التفكير، يجعل من شخصيته محورًا لكلّ شيءٍ؛ ويؤكِّد مفكِّرو هذه المدرسة على أن التفكير والعمل بالعلم يجب أن يكونا عن طريق التأكيد على الحيثية الإنسانية. وقد طغى هذا النوع من التفكير على الكثير من الآراء والنظريات الفلسفية، الدينية، الأخلاقية، الأدبية، الفنية، وكذلك على الرؤى السياسية، الاقتصادية والاجتماعية في الغرب. فكان إحدى البنى الأساسية للتفكير في هذا العالم الجديد.

ويؤكِّد منظِّرو هذه المدرسة الفكرية أمثال فولتر، مونتسكيو، لوك وهيوم، على أنّ الوجود الإنساني هو المسألة الأساسية والمحورية التي يجب أن تُنظَّم الحياة الفردية والاجتماعية على أساسها، وذلك بناءً للموازين العقلية، لا لكشف الإرادة الإلهية أو الجنة الموعودة.

بعبارةٍ أخرى، تؤكِّد المدرسة الإنسانية وتصرّ على أصالة الإنسان ومركزيته ومحوريته، عبر التقيّد بإرادته وميوله الفردية، لا بإرادة وميول المجتمع؛ من هنا، لم يعد الإنسان خليفة الله في الأرض، إنّما تحوّل إلى كائنٍ عاديٍّ ينطبق عليه ما ينطبق على العوالم الطبيعية الأخرى، وعلى هذا الأساس، انتقل المفكِّرون الغربيون من الحفريات بكلِّ معانيها الحفرية والكتابية وحتى الفنية إلى الحفر في الذات، فانصَّبت الاستكشافات على الكائن الإنساني باعتباره المكان الأمثل للحفر فيه، وبالتالي فإن الإنسان كما سبق ونقلنا عن ميشال فوكو في كتابه «الكلمات والأشياء»، أصبح المكان الأمثل للاكتشافات.

2ـ الانفصال عن الكنيسة والتقليد: الكنيسة التي كانت تعتبر نفسها مركزًا للمعرفة والعلم، عملت على منع التقدم؛ فالنظارات اكتشفت في القرن العاشر ومنعتها من التداول لأنها عملٌ شيطانيٌّ، كما وضعت قيودًا على الاكتشافات العلمية لأنّها لا تتطابق مع رؤيتها، كما أنّها كانت تعاني من فسادٍ فيها، ووصل بها الأمر إلى حدّ أنّها أخذت تبيع الأراضي في الجنة وتبيع صكوك الغفران، وهو ما أدى إلى ردود فعلٍ في صفوف الكهنة حيث رفض لوثر إجراءات الكنيسة ودعا للعودة للأصول المسيحية الأولى، ما أدى إلى دخول القارة الأوروبية في حربٍ مذهبيةٍ دامت مئة عامٍ، ولم تنتهِ إلا بعد معاهدة وستفاليا، التي كانت مقدمةً للقيام الدولة القومية.

3ـ الفردانية: من خلال ما أوردناه سابقًا، نلاحظ تبلور مفهوم الفردانية، التي تجعل من الفرد أصلًا ومقدَّمًا على المجتمع والمؤسسات والبنى الاجتماعية، وتعطيه قيمةً حقوقيةً وأخلاقيةً كبيرةً؛ لذلك تعتبر نجاح الفرد وتحقيقه لميوله وحاجاته مقدَّمةً على المجتمع. وعلى الرغم من أنّ هذا الفكر يعتقد أنّ على كل فرد ألّا يضرّ بالآخرين أثناء قيامه بتأمين احتياجاته وميوله، ولكن هذه المسألة كانت سببًا في تسهيل الطريق أمام الهيمنة والسيطرة على الآخرين واستعمارهم واستغلالهم، ذلك أنّها لا تأخذ بعين الاعتبار أيّ محدوديةٍ في استخدام الأدوات والوسائل والأساليب وتكتفي بجعل ميول الفرد مِلاكًا لأي شيءٍ. ففي الحضارة الجديدة، يبني الأفراد علاقاتهم ضمن منظومةٍ خاضعةٍ للسلع والأدوات، ويسعى كل فردٍ إلى تأمين مصلحته الشخصية وجمع ثروته، فهو بذلك يعتبر نفسه أصلًا ويعتبر الآخرين فروعًا وأدواتٍ.

4ـ أصالة اللذة (الشهوانية): وتعتبر هذه النظرة إلى اللذة أساس العمل، وتعتبر الخير في ما يُنتج اللذة؛ وتسعى الشهوانية أو أصالة اللذة إلى الإجابة عن هذين السؤالين:

     ـ  ما هي الحياة السعيدة للإنسان؟

     ـ  كيف يجب على الإنسان أن يتصرف؟

طبقًا لأصالة اللذة الأخلاقية، الحياة السعيدة للإنسان هي الحياة المليئة باللذة وعلى الإنسان أن يتصرف بما يوصله إلى تحقيق لذته، والأكثر نجاحًا وتوفيقًا وربحًا هو من يكتسب لذةً أكبرَ. وبما أنّ الأصل في الوجود هو الفرد الإنساني نفسه، وبما أن غاية الإنسان هي الوصول إلى اللذة، وبما أن تأمين اللذة يتم من خلال النفع والربح المادي؛ بناءً على ما تقدّم، يصبح السعي إلى السيطرة على ثروات الآخرين للحصول على ربحٍ أكبر، جائزًا، لا بل واجبًا.

وما أوردناه يوضح أنّنا لسنا أمام مراجعاتٍ فكريةٍ، إنما نحن أمام تحوّلٍ في الرؤية الكونية. يستتبع ذلك تغيّر نظرة الإنسان للكون، وهو ما عُبِّر عنه من خلال تحوُّلاتٍ في الاجتماع السياسي والاقتصاد والبنى الأخلاقية... الأمر الذي لم يتنبه إليه المسلمون، فأخذوا بالاندماج في هذا النظام، ما نحن بحاجة إليه هو إعادةِ قراءةٍ متأنيةٍ للوقائع من أجل رؤية آليات اختراق هذه المجتمعات وإِيجاد الحلول الوقائية لها. نحن بحاجةٍ إلى تحليلٍ من نوعٍ آخرَ، ينطلق من كوننا الرجل المريض، وهو الوصف الذي أُعطي للدولة العثمانية قبيل الحرب العالمية الأولى لمعرفة سبب المرض وآليات علاجه. فمشكلتنا ليست بما يمكن أن نأخذ من الغرب أو إمكانية التأثير عليه، فالغرب لا ينظر إلى المجتمعات الأخرى إلا باعتبارها مكانًا جغرافيًّا، يحقق مصالح الدولة القومية، وعلى هذا الأساس يبني موقفه السياسي، فهو في المكان الذي يحقق هذه المصلحة يتناسى كل الشعارات المتعلقة بحقوق الإنسان والحريات، وفي حال تضارب مصالحه، يعيد اكتشاف الخروقات في النظام السياسي ليتدخل تحت شعاراتٍ إنسانيةٍ. فمن العبث تصوّر إمكانية التأثير فيه لأن ما يحكمه هي المصالح لا الأخلاق.

* تبعٍا لمقتضيات وشروط الراهن العالمي، هل من منفَسحٍ لعقد حوارٍ متكافئٍ مع الغرب؟ إذا كان الجواب بالإيجاب فما هي المسوَّغات التي تقدّمونها، وإذا كنتم لا تجدون ذلك فما هي الأسباب الموجبة لذلك برأيكم؟

 ـ  الحضارة الغربية حضارةٌ نابذةٌ، حتى لو أرادت الحضارات الأخرى الحوار معها، فهي لا تستطيع القيام بذلك لطبيعتها والأسس التي قامت عليها، من هنا، هي ترى بذاتها اكتمالًا للتطور الحضاري، وما مقولة نهاية التاريخ وما تبعها من صدام الحضارات إلا نموذجٌ توضيحيٌّ، فالغرب في حركيته يريد أن يستوعب الحضارات الأخرى أو إعادة تأويلها على حدّ تعبير كيلفورد غيرتس لكي يقوم بدمجها في منظوره للعالم. لا بد من إعادة توجيه الذات نحو الذاتية الإسلامية، وإعادة تفعيلها من دون القطيعة مع الغرب على الصعيد المعرفي والإنسانيّ، وفي هذا يكون التوجه الحقيقي باتجاه الهوامش، لا الغرب، فالغرب على حدِّ تعبير أحدهم بؤرةٌ ثوريةٌ منطفئةٌ.

* يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى أن علم الاستغراب هو المقابلُ الضِّدِّيُّ لعلم الاستشراق، غير أن التمييز بينهما ضروريٌّ لجهة النظام المعرفي والتطبيقي لكلٍّ منهما. كيف ترون إلى هذا التناظر، وما الإشكالات المطروحة في هذا الصدد؟

 ـ  الاستشراق جاء في إطار دراسة المجتمعات الشرقية مقدِّمةً لاستيعابها أو التعامل معها، بينما الاستغراب يشكّل هاجسًا مَرَضيًّا عند الشعوب المضطهدة، ولكن هذا لا يعني القطيعة مع الغرب، فما نحن بحاجةٍ إليه هو فهم حركية الفكر الغربي والاستفادة المنهجية منه بدون الذوبان فيه، أو جعله مرجعيةً مباشرةً أو عبر استبطانه واعتباره نموذجًا قياسيًا، وفي هذا الإطار لا بد من إعادة تفعيل مفهوم الذاتية التي تكلم عنها زعماء الإصلاح كجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ومحمد إقبال. نحن لسنا بحاجةٍ إلى علم الاستغراب، فهو حاضرٌ في اللاوعي الخاص بنا، ونحن نعيشه كحقيقةٍ فاعلةٍ في مجتمعاتنا وحياتنا العلمية والثقافية والأكاديمية، فما نحتاج إليه مراجعاتٌ نقديةٌ لواقعنا، فالغرب أصبح فينا ولكثرة الحديث عنه فنينا فيه حتى لم نعد نرى في الوجود إلَّاه، وكلّ همّنا اليوم هو النظر إلى مدى القرب بين مفاهيمَ إسلاميةٍ وأخرى غربيةٍ، فنحن نرى ابن عربي في هايدغر، والشورى في الديمقراطية والدولة في وثيقة المدينة، وكلّ هذا لا يتعدّى كونه تقريبًا يشير إلى حالة مَرَضيّةٍ، وما نحن بحاجةٍ إليه هو قراءة الذات على حقيقتها، لكي نوصِّف واقعنا ونقوم بعلاجه.

 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف