البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

مع ابن تيمية في ردوده على المنطقيين‏

الباحث :  إدريس هاني‏
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  14
السنة :  السنة الرابعة صيف 1420 هجـ 1999 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 14 / 2015
عدد زيارات البحث :  968
مع ابن تيمية
في ردوده على المنطقيين‏

إدريس هاني‏ (*)

ليس ابن تيميَّة خصماً أشعرياً تقليدياً للفلسفة، على غرار أبي حامد الغزالي أو الشهرستاني أو ابن خلدون. أولئك الذين وإن وقفوا منها موقفاً سلبياً، فهم ممَّن مارس إحدى كيفياتها بصورة ما. لكننا الآن أمام حالة فارقة في عالم النقض على الحكماء والمناطقة؛ إنّه المدعو ابن تيمية الحراني، ذلك المحدث السلفي الذي حمل على عاتقه مهمَّة الدفاع عن الحديث، وعقيدة السلف من وجهة النظر الظاهرية.
وهو موقف صريح جداً وواضح في انتصاره للسماع، ودحضه للعقل. والسماع بالنسبة لابن تيمية، هو الملاذ الذي يحتمي به أثناء مقارعته لكل ما يمت بصلة للعلوم العقلية؛ سواء الصنعات المجردة أو تلك التي أصبحت مستنداً للعلوم الإسلامية، نظير علم الكلام وأصول الفقه. فالأمر إذاً على درجة عالية من التناقض مع موقف الخصوم الأشعرية.
لقد كان بعض خصوم الحكمة والمنطق يقدمون من حيث لا يشعرون، خدمة للفلسفة رغماً عن كل محاولاتهم في النيل منها ومن رجالاتها؛ بل إن بعضاً منهم استثنى من نقوضه صنعة من الصنعات؛ شاهداً بذلك على أن حبله السري بينه وبين خطاب العقل لم ينقطع البتَّة.
فقد ناصر أبو حامد الغزالي المنطق وصنَّف فيه تصانيف تأسيسية على غرار «معيار العلم» فاق فيه روَّاد الصنعة أنفسهم، كما خطا خطوة أخرى على منوال مشروعه السابق في مجال التأسيس لعلم أصول الفقه ـ كتاب المستصفى ـ ومثل ذلك أقر ابن خلدون بعلم الكلام، لا أقلّ، الصورة الأولى له مع القدامى. وناصر العقلانية في غير ما مكان. لكن ابن تيمية، وعلى غرار ابن الصلاح صاحب المقدمة ـ في علم الحديث ـ يقف على رؤية سلفية، وهواجس مناقضة للنزعة العقلانية على أنّ النقد المبني على درجة
________________________________________
(*)باحث من المغرب .

[الصفحة - 92]


ما من الإحاطة بالمطلب، يؤدِّي خدمة غير مباشرة، قد تؤسس رغماً عن مقاصد أصحابها، لوجهٍ آخر من النظر. هكذا نلاحظ بأن المحدِّث حينما يتجه بنقده إلى الفلسفة أو العلوم العقلية، فإنه يظهر بمظهر حسِّي، يكاد يضارع موقف التيَّارات التجريبية الناقضة للمنطق الصوري الأرسطي. ومع ذلك، فإن الإشكالية التي ترد في هذا النمط من الخصومة، هي في أساسها إشكالية كلامية متخلفة عن النقاش الفلسفي. فابن تيمية يقف موقفاً ـ وإن كان حاسماً، شأنه شأن كافة المحدثين ـ أكثر قسوةً من الأشعرية.
فالإشكالية تتصل في جوهرها بموقع العقل ذاته من التصور السلفي لأهل الحديث؛ وهو موقف لا يرقى حتى إلى مستوى الموقف الأشعري كما تبينا قبل ذلك. ويعترف ابن تيمية بأن احتفاء أهل الحديث ـ الذين هم ضمانة النجاة ـ بالأشعرية، إنَّما ينحصر في ما يوافق فيه عقائد المحدثين. وبعد ذلك فليس الأشعري وأتباعه على شي‏ءٍ بعد أن ابتعدوا عن عقائد أهل الإثبات. إذاً، في هذه النقطة تحديداً، يفترق أهل الحديث عن الأشاعرة، أي في الموقف من العقل الذي سقط في شِراكه الأشاعرة، من حيث لا يشعرون؛ يقول:
«... إنما قبلوا [الأشعرية] واتبعوا واستحمدوا إلى عموم الأمة بما أثبتوه من أصول الإيمان من إثبات الصانع وصفاته وإثبات النبوة، والردّ على الكفار من المشركين وأهل الكتاب وبيان تناقض حججهم، وكذلك استحمدوا بما ردوه على الجهمية والمعتزلة والرافضة والقدرية من أنواع المقالات التي يخالفون فيها أهل السنة والجماعة [...] وكل من أحبه [أي الأشعرية] وانتصر له من المسلمين وعلمائهم فإنما يحبه وينتصر له بذلك» (1).
والحق، إن ابن تيمية وغيره من أنصار الحديث، على الرغم من ضعف احتجاجاتهم، ظلُّوا أكثر تماسكاً في مواقفهم الصريحة والوفية لأصولهم من نظرائهم الأشاعرة.
فقد كانوا على حقّ حينما رأوا في طريقة الأشعرية ما يخالط آراء الفلاسفة. الأمر الذي ينفيه الأشاعرة عن أنفسهم. إذاً، المشكلة في جوهرها، موقف من العقل، لا يرى فيه مجرد طريق قاصر عن بلوغ المعرفة فحسب، بل يعتبره طريقاً فاسداً وعقيماً.
________________________________________
(1)ابن تيمية، نقض المنطق، ص 10 - 11 المكتبة العلمية، بيروت، بلا تاريخ.

[الصفحة - 93]


لقد صنَّف ابن تيمية كتابه الشهير «نقض المنطق» دفاعاً عن أهل الحديث، ودحضاً لمزاعم المتكلِّمين والفلاسفة وأهل المنطق. طبعاً، وعلى طريقة أهل التجريح من المحدِّثين، لم يدخر شيخ الإسلام شيئاً من الذم والقدح إلاّ وجاد به في مصنّفه، حيث نعت الفلاسفة بالكفر والزندقة والبدعة.. فيصف ـ مثلاً ـ السهروردي بقوله:
«مثل كلام السهروردي المقتول على الزندقة صاحب التلويحات والألواح وحكمة الإشراق» (2).
ويقول عنهم في موارد أخرى متفرِّقة: «.. إنَّ الذين لبسوا الكلام بالفلسفة من أكابر المتكلِّمين تجدهم يعدون من الأسرار المصونة والعلوم المخزونة، ما إذا تدبره من له أدنى عقل ودين وجد فيه الجهل والضلال ما لم يكن يظنُّ أنه يقع فيه هؤلاء [...] وجميع ما تقوله الصابئة والمتفلسفة وغيرهم من الكفار [...] فإن هؤلاء الملاحدة من المتفلسفة ومن سلك سبيلهم من المخالفين لما جاء به الرسول في الأمور العلمية كالتوحيد والمعاد وغير ذلك [...]» (3).
أما البديل الذي قدَّمه، فقد جاء متخماً بالتهوين من قدر المنطق والمناطقة، ومفعماً بالترويج لأهل الحديث، الذين وسمهم بأهل الحق والطريق الصحيح؛ «فإذا كانت هذه حال حججهم، فأي باطل وحشو يكون أعظم من هذا؟! وكيف يليق بمثل هؤلاء أن ينسبوا [إلى الحشو] أهل الحديث والسنة، الذين هم أعظم الناس علماً ويقيناً وطمأنينةً وسكينةً، وهم الذين يعلمون ويعلمون أنهم يعلمون، وهم بالحق يوقنون لا يشكون، ولا يمترون؟ فأما ما أوتيه علماء أهل الحديث وخواصهم من اليقين والمعرفة والهدي، فأمر يجل عن الوصف. ولكن عند عوامهم من اليقين والعلم النافع ما لم يحصل منه شي‏ء لأئمَّة المتفلسفة المتكلمين..» (4).
فمن هذه الناحية، لم يظهر من كلام ابن تيمية سوى ما جرت عليه العادة عند جمهور الحشوية من إيراد مسلك السفسطة، وخلط المفاهيم، وسوء الفهم والتدبُّر في مقالات الخصوم. فالناقد من أهل الحديث ـ أو بالأحرى الناقض السلفي ـ عادة ما يستهين بخصمه، ولا يكلِّف نفسه جهداً في الإطلاع على ما يقصده مخالفوه،
________________________________________
(2)ابن تيمية، المصدر نفسه، ص 165.
(3)المصدر السابق، ص 53 - 90 ـ 131.
(4)المصدر السابق، ص 26.

[الصفحة - 94]


وحينما يصل الأمر إلى مناقشة المفاهيم الفلسفية أو المنطقية، فإنه يسلك طريق الفلاسفة ذاتها، محاولاً دحض ادعاءاتهم.
هكذا ينسى الناقد بأنه يضفي على طريقته ـ المستعارة من مذاهب الفلاسفة ـ ضرباً من اليقين، يؤكِّد على أهمية طريقهم من حيث لا يشعر. فإذا كان طريق الفلاسفة، وسبيل المنطق، لا يؤدي إلى يقين، ولا يحقق المراد، فكيف يسلِّم شيخ الإسلام في حربه الدروس على أهل المنطق، بأن نقضه عليهم يتمتع بالدرجة نفسها من اليقين. فهل يعقل أن يتم النفي اليقيني على قاعدة غير يقينية. هذا بالفعل ما وقع فيه ابن تيمية وهو يعالج آراء الفلاسفة ومنطقهم، بكثيرٍ من الجهل والسطحية التي لا يستسيغها إلاّ عقل العامة من الناس، وهو ما كان يراهن عليه ابن تيمية في ما يظهر من أسلوب خطابه. فلقد وضع هذا الأخير معياراً لمشروعيَّة الآراء والمذاهب المختلفة. كان ذلك هو القرب أو البعد من عقيدة السلف التي تعني عنده عقيدة أهل الإثبات من أهل الحديث، أمثال: مالك وابن حنبل والأوزاعي، فكلما اقترب مذهب من المذاهب أو رأي من الآراء من عقيدة المحدثين، كان ذلك حسنة في هذا المذهب أو ذلك الرأي. فيكون التسلسل في المشروعية وفق هذا الاعتبار. فهناك أولاً، أهل الحديث الذين يمثلون أهل المعرفة الحقة واليقين، وبعدهم الأشاعرة، ثم المتقدمون من الشيعة فالمعتزلة، ويليهم الروافض والخوارج وعموم المتفلسفة؛ «فالمعتزلة أوَّلاً وهم ـ فرسان الكلام ـ إنما يحمدون ويعظّمون عند اتباعهم وعند من يغضي عن مساويهم لأجل محاسنهم عند المسلمين بما وافقوا فيه مذهب أهل الإثبات والسنة والحديث وردّهم على الروافض بعض ما خرجوا فيه عن السنة والحديث [...] وكذلك الشيعة المتقدِّمون كانوا يرجحون على المعتزلة بما خالفوهم فيه من إثبات الصفات والقدر والشفاعة ونحو ذلك، وكذلك كانوا يستحمدون بما خالفوا فيه الخوارج من تكفير عليٍّ وعثمان وغيرهما [...] وكذلك متكلمة أهل الإثبات مثل الكلابية والكرامية والأشعرية..» (5).
لقد كان المقصد النهائي لابن تيمية، هو القضاء على كافة مسالك البرهان، محيلاً إلى مسالك بديلة؛ هي مسالك الفطرة، والمسالك الشرعية التي تجعل طرق اليقين أوسع وأضمن من طرق البرهان. فبينما كان يرى نفسه يجترح ما به يتعالى
________________________________________
(5)المصدر السابق، ص 10.

[الصفحة - 95]


الفكر على الأقيسة البرهانية الأرسطية، نراه سقط في ما هو دون ذلك من آراء يعتورها الكثير من النقائض. فقد أعاد بعث الإشكالات التي كان أرسطو قد تجاوزها. وعلى مسلك أهل الحديث فالذين مردوا على إيراد الحوشيِّ من الأخبارف يحاول ابن تيمية أن يجعل من بعض المسالك الظنيَّة، طرقاً لليقين؛ جاعلاً من التواتر والشهرة ـ اللتين نظر إليهما كمحدث ـ أقوى دلالة، وأسلم طريقاً إلى اليقين من البرهان نفسه. وهو بذلك يعيد إلى المنطق أزمة جديدة، فضلاً عن أزمته الصورية ذاتها. فجاءت آراؤه في الحدود والأجناس والقياس، محفوفة بكثيرٍ من المغالطات، وهول من الجدل.
وإذا تجاوزنا هذه المسألة ـ لأنَّ المقام لا يتسع لذلك ـ وحاولنا التعرُّف على منازعه ومقاصده العامة في الموقف السلبي من المنطق؛ للاحظنا أَنَّ شيخ الإسلام، لا يكلف نفسه مزيداً من البرهان في نقضه على من رآهم خصوماً لأهل الحديث. وقد لا يرى مذمّة في أن يسلك سبيل السفسطة والإسقاط للكثير من النعوت، طعناً وتجريحاً على مخالفيه. فلا حرج عنده أن ينعت أهل المنطق بالحشو، وهو كلامٌ لا معنى له في هذا المقام، فضلاً عن أنه من إسقاطاته السلفيَّة. لقد ربط ابن تيمية بين المنطق والإلهيات. وبما أنه جعل المنطق سليل الإلهيات اليونانية، فإنه لا مناصة من الحكم بضلال هذه الصنعة المتكلفة وفسادها؛ فمن «حسن الظن بالمنطق وأهله إن لم يكن له مادة من دين وعقل يستفيد بها الحق الذي ينتفع به، وإلاّ فسد عقله ودينه» (6). ويبدو أنَّ كلاماً من هذا القبيل يظل غريباً حتى على الغزالي نفسه، الذي أجهد نفسه لتوضيح حيادية المنطق وتجرُّده، إذْ لم يكن ليفعل أكثر من إيجاد مقابل لهذه الاصطلاحات في صميم الشرع، معرباً بذلك عن مدى اتصال المنطق بالشريعة. فالمنطق بهذه الصفة الحيادية ـ حسب الغزالي ـ معيار العلوم؛ «فكل نظرٍ لا يتزن بهذا الميزان ولا يعاير بهذا المعيار؛ فاعلم أنه فاسد العيار غير مأمون الغوائل والأغوار». والحق، إن الغزالي فصل المنطق عن الفلسفة حتى يتسنى له إدخال هذا الفن في مجال النظر الفقهي والأصولي من الإبقاء على مقررات النظر الأشعري في مجال الإلهيات؛ وهو المنزع الغائي ذاته الذي قد يدفع بابن تيمية، لأن يرفض المنطق بعد
________________________________________
(6)المصدر السابق، ص 309.

[الصفحة - 96]


أن ربطه بالإلهيات؛ حتى لا يعترف للفلسفة بأيِّ مأثرة.
ولأنه لا يؤمن بالنظر العقلي في هذه المجالات كلِّها، سواء أتعلق الأمر بالإلهيات أم بالفقه.. فعالم ابن تيمية، هو عالم ظاهري وحسي. بل إنّه يرى في دقَّة ميزان المنطق، وتقنية الصنعة ما يخالف الفطرة.
وما كان له ليدرك بأن الأرغانون الأرسطي، إنَّما كشف عن طرائق التفكير الفطرية هذه، ولم يضع شيئاً جديداً. وهي الطرق التي يسلكها الإنسان أثناء تفكيره بصورة فطريَّة لا واعية.
ولم يكن المنطق سوى التنظيم الواعي لهذه المسالك، بقصد تفادي سقوط الفكر في الخطأ، فالفطرة ههنا ـ وبحسب ابن تيمية ـ تؤدِّي دور إحدى مقاصد الشريعة، بالمعنى الذي نحاه الشاطبي؛ ألا وهي أميّة الشريعة.
فكل استدلال يقوم على تكلف الصنائع، هو مناقض بالضرورة للفطرة التي فطر الناس عليها. أي أنَّ معيار الرفض للمنطق أتى من حيث تعاليه على الذِّهن الأمِّي. فابن تيمية يرى الفطرة، بمعنى «الأميَّة»!
________________________________________

[الصفحة - 97]