البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الجهاد الشِّيعي تحت المجهر قراءة في كتاب: جهاد الشيعة في العصر العبَّاسي الأوَّل

الباحث :  بقلم : د. محمد حاجي تقي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  29
السنة :  السنة الثامنة ربيع 1424هجـ 2003 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 15 / 2015
عدد زيارات البحث :  4173
الجهاد الشِّيعي تحت المجهر
قراءة في كتاب: جهاد الشيعة في العصر العبَّاسي الأوَّل

بقلم : د. محمد حاجي تقي (*).

مــدخـــــل
أدَّى الشِّيعة دوراً بارزاً يأبى الإنكار في إثراء الفكر الإسلامي وصياغة الحضارة الإسلامية وتشكيلها، فقد كان للتَّشيُّع، بطيفه الفكري المتمثل بفرقه الثلاث: الاثني عشرية والإسماعيلية والزيدية، سهم وافر وأساسي في التطوُّرات السياسية والاجتماعية والثقافية أواخر العهد الأموي، وإبَّان استقرار الخلافة العباسية حتى أواخر عصرها الأول. تجسَّد هذا الدَّور في العصر العباسي الأوَّل على شكل حركات وثورات مسلَّحة، ومدارس علمية، واتجاهات فكرية، وتنظيمات سرِّية، فكانت ثورات الشيعة المتواصلة، لا سيّما الزيدية منها، قضية رئيسية استأثرت بجهود خلفاء العصر العبَّاسي الأوَّل وطاقاتهم، وحازت موقع الرِّيادة في بلورة أحداث ذلك العهد.
التَّعريف بالكتاب
وبالرُّغم من الأهمِّية التاريخية لدور الحركات الشيعية، في تلك المرحلة من تاريخ الإسلام، إلَّا أنَّ الدِّراسات والبحوث تكاد تكون نادرة في هذا المجال، وربما كان كتاب «جهاد الشيعة في العصر العبَّاسي الأوَّل» (1)، للدكتورة سميرة مختار الليثي، الأستاذة والباحثة المصرية، محاولة فريدة ومهمَّة في هذا المضمار، استوفت شروط البحث العلمي والدقَّة المنهجية، في دراستها التحليلية للحركات والثورات السياسية
________________________________________
(*)باحث متخصّص في التاريخ الإسلامي، من إيران .ترجمة :أ . أحمد العبيدي
(1)سميرة مختار الليثي، جهاد الشيعة في العصر العباسي الأول، (نشر البطحاء، 1994).

[الصفحة - 196]


والمسلحة التي قام بها الشيعة منذ بداية الخلافة العباسية حتى أواخر العصر العباسي الأوَّل (232هـ)، وكذلك الحركات الشيعية منذ عام 100هـ فلاحقاً، باعتبارها الأساس والمنطلق لسائر حركات العصر العباسي.
تنطلق مؤلِّفة كتاب «جهاد الشيعة» من اعتقادها بأن الصور التاريخية المجيدة التي تقدمها، في كتابها «جهاد الشيعة»، تعبِّر تعبيراً صادقاً عن روح الشيعة التي بدت في أطوار جهادها المستمر الثوري والديني والفكري والاجتماعي، حتى ربما اتخذ جهاد الشيعة شكل الثورة من أجل وضع المبادى والتعاليم موضع التنفيذ العملي والإيجابي (2).
من هنا، اختارت المؤلِّفة الحركات والثورات الشيعية، في ذلك العصر، محوراً تدور فصول الكتاب في فلكه؛ الأمر الذي سوَّغ لها تهميش فرق شيعية ذات تراث فكري وثقافي بارز لعدم قيامها بنشاطات عسكرية، والتركيز على دراسة الحركات الثورية للشيعة، بالرغم من أنها ترى أن الحياة الفكرية والدينية والعلمية والاجتماعية للشيعة إن هي إلا صور من جهادهم وحركتهم النضالية.
تعاملت مؤلِّفة الكتاب مع تاريخ الحركات والثورات الشيعية التي ظهرت على مسرح الحياة السياسية والفكرية للعالم الإسلامي، في ذلك العصر، من خلال الرجوع إلى عدد كبير من المصادر(3)، والاستعانة بمنهج التحليل الفلسفي للتاريخ، الذي يقوم على أساس التوثيق والاستقصاء والربط المنطقي والمنهجي للأحداث، ومن ثم إخراجها في أسلوب جذَّاب خال من التعقيد والانغلاق، ويتمتَّع بانسيابية ومرونة.
لقد سعت المؤلِّفة، في مقدِّمة الكتاب، إلى التأكيد أن جهاد الشيعة جاء ثمرة من ثمرات ثقافة المجتمع الإسلامي «الديمقراطية» التي جعلتهم يتمسكون أبداً بحرِّية الرَّأي والتعبير. وهذا الجهاد، وإن أدَّى أحياناً إلى الصراع، فهو في الحقيقة تعبير عن حيوية الأمَّة الإسلامية ورغبتها في التطور وحرصها على التجديد، فنجد أن جماعات الشيعة شاركت في جميع الأحداث السياسية في التاريخ الإسلامي، وكان لها شأنها وتأثيرها في المجالات الحضارية، وبخاصَّة الدينية والفكرية. وظلت
________________________________________
(2)إن رؤية المؤلفة التي ألقت بظلالها على الكتاب بأجمعه، هي نفسها الرؤية الزيدية، في حين أن غالب الشيعة لا ينظرون إلى الجهاد بتلك الرؤية نفسها.
(3)حيث اعتمدت الكاتبة على 169 مصدراً عربياً، وثلاثين مصدراً باللغة الإنجليزية، وتسعة عشر مصدراً أجنبياً مترجماً إلى العربية، وأربع عشرة مخطوطة. انظر: جهاد الشيعة، ص 402 ـ 414.

[الصفحة - 197]


الشيعة، طوال التاريخ، تتصدر سائر الفرق والجماعات الإسلامية، وكان من نتائج التشيع دولة إسلامية عظمى، هي الدولة الفاطمية التي لا تزال القاهرة وجامعة الأزهر العريقة تشهدان على أمجادها.
عرض ما يتضمَّنه الكتاب
يتكوَّن كتاب «جهاد الشيعة» من خمسة أبواب واثنين وعشرين فصلًا:
حمل الباب الأوَّل منه عنوان «موقف الشِّيعة من قيام الدولة العباسية»، وقد أغرقت المؤلفة، في فصله الأول، في بحث معنى «شيعة» ودلالاتها والأقوال المختلفة في تاريخ ظهور التشيُّع وبدايته مذهباً. حيث عبرت هناك عن اعتقادها بأن كلمة «شيعة» كانت تطلق قبل حادثة كربلاء على الأنصار والأتباع، ولم تكن تطلق على فرقة دينية ذات عقائد خاصة، أما بعد هذه الحادثة فقد أصبحت الشيعة جماعة منظَّمة تربطها روابط سياسية وآراء دينية تمتاز عمَّا لدى السنَّة، وكانت جماعة التوَّابين بقيادة المختار أول مظهر لذلك كله.
إن إصرار المؤلِّفة على كون ثورة التوَّابين، بقيادة المختار، ذات الطبيعة العسكرية والبعد الجهادي، هي نقطة بداية تبلور المذهب الشيعي، نابع من الرؤية الشخصية التي تبنَّتها الباحثة وعبَّرت عنها بوضوح في ثنايا صفحات الكتاب غير مرة، ومن طبيعة الموضوع الذي خصَّصت الكتاب لدراسته، أي الحركات والثورات الشيعية. غير أن الشواهد المتوفِّرة الدلالة على نضج التشيُّع، بوصفه مذهباً تميَّز بمبادى دينية وسياسية مستقلَّة عن السنَّة في مراحل سابقة على ثورة التوّابين كثيرة (4). وربما أمكننا أن نصوِّب رأي المؤلفة لو نظرنا إلى التشيُّع من زاوية تاريخه الحركي الثوري والجهادي لا الطائفي.
تواصل المؤلِّفة الفصل الأول بذكرها للحركات الشيعية في العراق ونشوء فرقتي الإمامية والكيسانية ومتبنَّياتهما الفكرية باعتبارهما يمثلان خلفية ايديولوجية لهذه الحركات.
تنتقل المؤلفة، في الفصل الثاني، من الباب الأول، إلى دراسة «أثر جهاد
________________________________________
(4)انظر: أمير محمد القزويني، التشيع (نشوؤه ـ مراحله ـ مقوماته)، ط 6، (دمشق، دار الصباغ، 1417)، ج6؛ علي أحمد السالوس، مع الاثني عشرية في الأصول والفروع، ط1، (دار التقوى، 1997)، ج1، ص 38 و39.

[الصفحة - 198]


الشيعة في سقوط الدولة الأموية»، لتبيِّن، وفق رؤية نقدية، أثر كل واحدة من الحركات الشيعية، كالكيسانية وميراث أبي هاشم وثورة زيد ويحيى وعبد الله بن معاوية (بين عامي 100 إلى 130هـ)، في ظهور الدعوة العباسية وتوسيعها، معرِّجة في حديثها على دراسة طبيعة تلك الثورات من نواح كثيرة، وتفسير موقف العباسيين حيالها ودورهم، وآثارها السلبية والإيجابية على الدعوة العباسية وبالعكس. تناول هذا الفصل، أيضاً، بالبحث الموسَّع دور هذه الحركات في سقوط دولة بني أمية، والفرق والحركات الشيعية التي ظهرت بعد سقوط بني أمية.
وفي الفصول الثلاثة التالية يتناول الكتاب تطوُّر العلاقات بين البيتين العلوي والعباسي، حيث استقصت المؤلِّفة، في هذه الفصول، تاريخ البيت العباسي وتطوُّرات علاقات العبَّاسيِّين مع آل الزبير وبني أمية وبني مروان والعلويين منذ عهد العباس حتى المنصور، ثم قامت باستبيان للشرعية التي ادَّعاها العباسيون وأنصارهم لأنفسهم في ممارستهم الحكم، من خلال مراجعة النصوص التاريخية التي وثَّقت على هذا الصعيد ما اءُلْقِي من خطب واءُنشد من قصائد وجرى من حوارات.
تلا ذلك تعريف بآراء بعض الفرق وعقائدها ومواقفها، كالسبئية والكيسانية والهاشمية والبيانية والزيدية، والفرق المتفرعة منها كالجارودية والصالحية والبتريَّة، باعتبارها تشكل أسساً فكرية وعقديَّة للحركات الشيعية الأولى في العصر العباسي الأول. وقد خُصِّص، في ختام هذا الباب، بحث عن شخصية أبي سلمة الخلال، ومحاولاته في تحويل الخلافة إلى العلويين ودوافعه إلى ذلك، مشفوعاً ذلك البحث بتحليل ما قيل في شأنه وتبعات مصرعه.
أما الباب الثاني الذي حمل عنوان «جهاد الشيعة الزيدية والإمامية في عصر الخليفة العباسي المنصور» فقد ضم العناوين الآتية:
ثورة محمد النفس الزكية في الحجاز، ثورة إبراهيم بن عبد الله في البصرة، موقف الإمام الصادق والشيعة الإمامية من المنصور، الصراع الفكري بين الشيعة والعباسيين، مواقف الإمامين مالك وأبي حنيفة.
وقد تناولت الباحثة، في الفصل الأول، ثورة محمد ذي النَّفس الزكية،
________________________________________

[الصفحة - 199]


باعتبارها أبرز حركة ناهضت العباسيين في تلك المرحلة، فأعادت قراءة الرِّوايات الواردة في شأنها ودرستها دراسة نقدية، ثم انتقلت منها لإبراز شخصية ذي النفس الزكية ومكانته العلمية والسياسية، لتنتقل منها إلى تقديم صورة عن أبعاد ثورته وظروف حركته. ضم الفصل، أيضاً، موقف المنصور وإجراءاته العملية إزاء حركة النَّفس الزكية.
تواصل الباحثة الباب الثاني بذكر ما جرى من مراسلات بين المنصور والنَّفس الزكية، لتدلي بعد ذلك برأيها في شرعية ثورة النَّفس الزكية وأسباب إخفاق دعوته.
ضم هذا الباب، أيضاً، تحليلًا عميقاً لمواقف طبقات وشرائح متعدِّدة من المجتمع الإسلامي، وكذلك مواقف أئمة المذاهب الإسلامية الكبرى من هذه الثورة، كمالك بن أنس، وأبي حنيفة، وشخصيات بارزة من علماء المدينة. وامتد البحث، في فصول تالية من هذا الباب، ليشمل دور قبائل بلاد الحجاز ومستوى دعم كل واحدة منها للنَّفس الزكية ومواقفهم منه، ودور ولاة الخليفة العباسي في المدينة ووجوهها في مساندة ثورة النفس الزكية وتأييدها. وفي الفصل الرابع، قدَّمت صورة عامة عن ظروف تبلور ثورة محمد النفس الزكية واتساعها وحيثيات قمعها والقضاء عليها.
سلَّطت الباحثة، في فصل آخر من هذا الباب، الضوء على ثورة إبراهيم بن عبد الله، فرصدت خلاله عوامل اتساع دعوته وانتشارها في العراق وبلاد فارس، وذلك في عناوين: إبراهيم بن عبد الله، عوامل اختيار البصرة مركزاً لثورته، اتساع دعوته، الخ... شمل هذا الفصل أيضاً تبييناً لمستوى مساندة سائر الفرق والمذاهب في الدولة الإسلامية لدعوة إبراهيم ودعمها له، ولا سيما الزيديين والحنفيين والمالكيين وفقهاء البصرة، واستغرقت المؤلفة في تحليل هذه الثورة وانعكاساتها على شريحة كبار الفقهاء والمحدِّثين المعاصرين للثورة. ثم راحت بعد ذلك ترصد العوامل السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية التي أدت إلى إخفاق ثورتي النَّفس الزكية وأخيه إبراهيم.
تنتقل الباحثة، في فصل لاحق، إلى دراسة موقف الإمام الصادق (عليه السلام)والشيعة الإمامية من المنصور، فتقدِّم لمحات من سيرة الإمام الصادق (عليه السلام)
________________________________________

[الصفحة - 200]


، ومقامه العلمي ومواقفه السياسية، وعقائد الإمامية وآرائهم، وكذلك مواقف الإمام من الثورات العلوية والعباسية، مشيرة إلى رأي الإمام الرافض لتحرُّك النَّفس الزكية، ودوره وموقعه في هذه الثورة، مع الإشارة إلى مساندته العملية لمحمد النَّفس الزكية، من قبيل سماحه لابنيه موسى وعبد الله بالانضمام إلى ثورته، وإيوائه للحسن بن زيد ويحيى بن عبد الله، وهما من زعماء الثورة، الأمر الذي أغضب المنصور، وجعله يأمر بنفيه.
وتنتهي، من مجمل ذلك، إلى نتيجة مفادها أن الإمام لم يكن مخالفاً للثورة من الناحية المبدئية، غير أنه كان يرى أن الظروف غير مؤاتية لتحرُّك مسلَّح، لأن تحرُّكاً من هذا النوع سيعطي العباسيين المسوِّغ لمضاعفة ظلمهم وتضييقهم على العلويين، ومن هنا فقد اختار الإمام الانصراف عن السياسة والعكوف على العلم والعبادة، معتبرة أن أبرز آرائه، في مجال السياسة، تتمثل في قوله بالنص في الإمامة، والعصمة، وعلم الإمام، والتقيَّة، وعدم الطعن بأبي بكر وعمر، وإدانته لبني أمية وبني العباس.
أمَّا الباب الثالث فقد خصَّصته المؤلِّفة لجهاد الشيعة في عهد الخليفتين المهدي والهادي، فقدّمت لذلك بمتابعة مراحل تطور الطائفة الشيعية في ذلك العصر، وظهور فرقتيها الرئيسيَّتين: الاثني عشرية والإسماعيلية، بوصفهما أبرز فرق الإمامية، ومن ثم انتقلت إلى بيان عقائد الإسماعيلية ومنهجها السرِّي، والتطورات والانشقاقات الداخلية لها، وتفاعلاتها السياسية تأثيراً وتأثُّراً، منذ نشأتها حتى أواخر العهد العباسي الأوَّل.
وفي الفصل الثاني من هذا الباب، تتعرَّض الكاتبة لسياسة التسامح واللين التي اتبعها المهدي مع العلويين، وموقف الشيعة الزيدية من المهدي، والحركات المناهضة للعباسيين التي قادها عيسى بن زيد وعلي بن عباس، وموقف الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)من المهدي.
حمل الفصل التالي (الثالث) عنوان «تشيُّع الوزير العباسي يعقوب بن داود ومحاولته تحويل الخلافة إلى العلويين»، فتناولت الباحثة فيه طبيعة وزراء الخلفاء
________________________________________

[الصفحة - 201]


العباسيين، وحصة الفرس في وزارات الخلافة العباسية، مع ترجمة للوزير يعقوب بن داود، بوصفه أنموذجاً للوزير الذي ينحدر من أصول فارسية في ذلك العهد.
تحتل ثورة الحسين بن علي، في خلافة الهادي، عنوان الفصل الرابع والأخير من الباب الثالث، حيث تضمن هذا الفصل تعريفاً بالحسين بن علي، ودراسة موثَّقة لبوادر الثورة العلوية الجديدة في المدينة، وموقف الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)من تلك الثورة، مع تحليل لفلسفة أحداث الثورة، ورصد لعوامل إخفاقها السريع.
ننتقل، في الباب الرابع من الكتاب، إلى «جهاد الشيعة في عهد هارون الرشيد» لنتعرف خلال فصوله إلى حركتي يحيى وإدريس ابني عبد الله، وموقف البرامكة من العلويين والشيعة، وما تمخَّضت تلك الثورتان عنه من نتائج. وقد حاولت الباحثة، في أثناء الفصل الأول من هذا الباب، الإجابة عن تساؤلات في شأن مسالمة الرشيد في بادى الأمر للزعيم العلوي «يحيى بن عبد الله»، ثم الانقلاب عليه من ثم بتغيير معاملته له، إذ عبّرت عن تساؤلاتها بالصيغة الآتية: هل كان الخليفة الرشيد صادقاً في ما أبداه في أول الأمر من مشاعر طيبة نحو يحيى بن عبد الله؟ وما الذي جعله يحيد عن سياسة اللِّين والتسامح؟
وقد عملت على استنباط إجاباتها من نصوص ومصادر تاريخية متعدِّدة، سنقوم بنقدها وتقويمها في صفحات مقبلة من هذا المقال.
وفي فصل تال، تابعت سياسة هارون الرشيد في مرحلتين:
المرحلة الأولى متمثِّلة في سياسة التسامح والإحسان للعلويين، والمرحلة الثانية تجلَّت في سياسة الشدَّة والقهر معهم، إذ كان من نماذجها الظلم الذي حاق بالإمام الكاظم (عليه السلام)وسجنه.
تطرق هذا الفصل (الأول) أيضاً إلى ثورة إدريس بن عبد الله في بلاد المغرب وما حققته ثورته فيها.
أما الفصل الذي يليه (الثاني) فقد حمل عنوان «سياسة الرشيد نحو الشيعة والإمام موسى الكاظم»؛ حيث تعرَّض لبيان مواقف الرشيد المتناقضة، وسياسة العنف التي انتهجها مع زعماء البيت العلوي، وفي مقدمتهم: عبد الله بن الحسن،
________________________________________

[الصفحة - 202]


ومحمد بن يحيى، والعباس بن محمد، وموسى بن جعفر (عليه السلام). حيث عملت المؤلِّفة على تحليل هذه السياسة تحليلًا منهجياً من خلال الإجابة عن مجموعة تساؤلات تتعلَّق بهذه السياسة طرحتها على النحو الآتي:
هل كان الرَّشيد مضطرَّاً إلى اتباع سياسة الشدَّة والاضطهاد مع العلويين؟ وهل كانت هذه السياسة نابعة من نفسه وعقله، أو كان موصى بها من غيره من رجال الدولة؟ وهل اضطره العلويون إلى انتهاج هذه السياسة؟ وهل كانت الظروف تسوِّغ ما ألحقه الرشيد بالعلويين؟
ثم اختتمت الباب الرابع بفصل خصَّصته لموقف البرامكة من العلويين والشيعة، فدرست النصوص التاريخية الواردة في شأن علاقة البرامكة بالعلويين والشيعة دراسة نقدية سعت من خلالها إلى إعادة صياغة تلك النصوص وترتيبها وفق رؤية منطقية.
ننتقل، بعد ذلك، إلى الباب الخامس والأخير الذي حمل عنوان «ثورات الشيعة في عهد المأمون والمعتصم»، ويبدأ بتمهيد عن الظروف السياسية للعالم الإسلامي ووضع الشيعة في عهد الأمين، ثم شرع فصله الأول بذكر ثورة محمد بن إبراهيم (الذي عرف بابن طباطبا) وأبي السرايا، حيث سلَّط الضوء على بوادر ثورة ابن طباطبا، وعلاقة أبي السرايا بابن طباطبا وبمحمد بن محمد بن زيد، واتساع تحركات أبي السرايا والعلويين وثوراتهم، في أثناء سيطرتهم على البصرة والكوفة وواسط والحجاز واليمن، وأسباب إخفاق أبي السرايا، وفلسفة ثورته، ثم تستطرد المؤلفة لبيان موقف نصر بن شيث من العلويين. لتنتقل بعد ذلك، في الفصل الثاني، إلى ثورة محمد الديباج بن جعفر الصَّادق، فتذكر أسباب ثورته وقيام حكومته في الحجاز، وتختتم الفصل بدراسة العوامل التي أدت إلى إخفاق حركته.
يركز الفصل الثالث على دراسة موقف الشيعة من بيعة المأمون للإمام علي الرضا (عليه السلام)بولاية العهد، وتتساءل، في بداية الفصل، عن الدوافع التي دعت المأمون لتوليته العهد، وموقف علي بن موسى الرضا (عليه السلام)والشيعة من هذا الحدث، فتستعرض آراء المؤرخين والكتَّاب من سنة وشيعة، لتستشف، من بين
________________________________________

[الصفحة - 203]


سطورها، «الدوافع الحقيقية في ذلك» كما تراها هي، وفي خاتمة الفصل تبحث في أخبار وفاة الإمام الرضا (عليه السلام)، لتقدم في النهاية رأياً جديداً في هذا الشأن لا وجود له في المصادر التاريخية، فتفترض «أن يكون بعض العباسيين قد حرّضوا من دس السم لعلي الرضا في العنب، وقد عرفوا حب الرضا له، فقد أراد العباسيون أن يتخلَّصوا من علي الرضا ليمنعوا مشروع تحويل الخلافة إلى البيت العلوي».
وفي الفصل الرابع الذي كان عنوانه «ثورة علي بن محمد بن جعفر الصادق وأبي عبد الله أخي أبي السرايا»، تقرر المؤلفة أن ثورة علي بن محمد في الكوفة تمثل أنموذجاً بارزاً لرفض الشيعة وموقفهم السلبي من تولية المأمون الرضا العهد وأخذ البيعة له، لأن الشيعة قاتلت في هذه الثورة الجيش العباسي الذي يقوده العبَّاس بن موسى الكاظم، وهو أخو الإمام الرضا الذي صار والياً للكوفة من قبل المأمون (5).
تطالعنا، بعد ذلك، دراسة عن ثورتي الشيعة في اليمن والعوامل والأسباب التي أفضت إلى قيامهما، وما تمخَّض عنهما من نتائج، وهما ثورتا إبراهيم بن موسى الكاظم وعبد الرحمن بن أحمد العلوي.
أما الفصل اللاحق (وهو الفصل السادس) فيختص بثورة محمد بن القاسم في عهد الخليفة المعتصم وكذلك أوضاع الشيعة في عهد الواثق بالله.
وفي خاتمةٍ للكتاب تتعرض المؤلفة إلى عوامل استمرار جهاد الشيعة عبر العصور التي تبرز «أثر تلك الثورات في انتشار التشيع في معظم الأمصار الإسلامية حتى أصبح التشيع يمثل جانباً كبيراً من المسلمين وقوة من أبرز القوى التي تشكل التاريخ». وترى أن الحركات الشيعية كانت تتفق جميعها في أنها قامت من أجل القضاء على الحكم العباسي ونقل الخلافة إلى أبناء البيت العلوي؛ وذلك بالرغم من اختلاف طوابعها وظروفها ومدى فقهها. ثم تلخص أسباب استمرار حركات الشيعة في العصر العباسي في جملة نقاط منها:
1 ـ تفرُّق الشيعة إلى عدة فرق وانتشار هذه الفرق في عدة أمصار.
2 ـ لجوء الأئمة العلويين إلى التقيّة والكتمان.
________________________________________
(5)فقال أهل الكوفة لواليهم (عباس بن موسى): «إن كنت تدعو للمأمون ثم من بعده لأخيك، فلا حاجة لنا في دعوتك، وإن كنت تدعو إلى أخيك، أو بعض أهل بيتك أجبناك»؛ انظر: محمد بن جرير الطبري، الأمم والملوك، تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم، ط1، (روائع التراث العربي)، ج2، ص 144.

[الصفحة - 204]


3 ـ حب المسلمين لآل البيت (عليهم السلام)بصفة عامة وللبيت العلوي منهم بصفة خاصة.
4 ـ كون بيت الإمام علي (عليه السلام)في نظر المسلمين جميعهم مصدراً للعلم والأدب، إلى جانب انحسار العلم عن بيوت كثير من أبناء الصحابة.
5 ـ فتح باب الاجتهاد في الفكر الشيعي.
6 ـ قدرة الفكر الشيعي على التكيُّف بالبيئات والتأقلم بظروفها وأحوال سكانها.
وقفات نقدية
احتوى كتاب جهاد الشيعة، إلى جانب الإيجابيات والمزايا التي توفَّر عليها، على مجموعة أخطاء نشير، في ما يأتي، إلى جملة منها:
1 ـ جاء، في الصفحة 63، عبارة: «وبدأ، منذ مطلع العصر العباسي الأوَّل، صراع عنيف بين البيتين: العلوي والعباسي منذ قيام الدولة الأموية سنة 40هـ إلى سقوطها سنة 132هـ». وكان ينبغي أن تصحَّح هذه العبارة لتكون هكذا: منذ قيام الدولة العباسية سنة 132هـ إلى سنة 232هـ نهاية العصر العباسي الأول.
2 ـ صنّفت المؤلِّفة الثورة التي قادها عبد الله بن معاوية ضمن الثورات العلوية، وسمَّتها بهذا الاسم في تسعة مواضع في الفصل الذي خصصته لها، كما عدّت عبد الله بن معاوية أحد رجال العلويين(6). في حين أن عبد الله بن معاوية يعود بنسبه إلى جعفر بن أبي طالب، وربَّما عدّته علوياً تسامحاً، غير أن التعبير العام لأبناء أبي طالب هو «طالبي» والتعبير العام لأبناء علي (عليه السلام)هو «علوي»، كما أن لقب «العباسي» خاص بأبناء العباس بن عبد المطلب (7).
3 ـ «أبدى أبو مسلم روحاً شعوبية متطرِّفة... حتى أنه قتل ستمئة ألف عربي صبراً بالسيف عدا من قتل في الحرب...» (8).
«... إلى جانب شعوبيته وقسوته (أبو مسلم)، وما أقدم عليه من اضطهاد للعناصر العربية... مما حفلت به المصادر العربية القديمة» (9).
________________________________________
(6)جهاد الشيعة، ص 54، 56 و57.
(7)انظر: حسين مؤنس، أطلس تاريخ الإسلام، ط1، (الزهراء للإعلام العربي، 1987)، ص 85.
(8)جهاد الشيعة، ص 60.
(9)المصدر نفسه، ص 101.

[الصفحة - 205]


تعبِّر هذه الكلمات التي وردت في الكتاب عن رأي سميرة الليثي في أبي مسلم الذي ركَّزت فيه على مسألتين:
أ ـ العصبية والشعوبية المتطرفة لدى أبي مسلم.
ب ـ قتل العرب.
وتستند، في رأيها هذا، إلى نصوص وردت في تاريخ الطبري وتاريخ الفخري وتاريخ بغداد، غير أن مراجعة هذه المصادر تكشف عن النتائج الآتية:
أ ـ إن أياً من هذه الكتب الثلاثة لم ترد فيه إشارة إلى شعوبية أبي مسلم (10).
ب ـ إن مصدر أخبار قتل أبي مسلم للعرب هو تاريخ بغداد الذي نقل الخبر بدوره عن البلاذري والطبري، فقد جاء في تاريخ الطبري: «وكان أبو مسلم قد قتل في دولته وحروبه ستمئة ألف صبراً» (11).
وقد أضاف البغدادي إلى رواية الطبري لفظة «عربي» من ناحية، وجعل الستمئة ألفٍ عدداً للمقتولين من العرب في دولة أبي مسلم، في حين أن الطبري أعطى هذا العدد لمجموع ضحايا حروبه ودولته، وبهذا يتضح مقدار التحريف الذي طال هذه الرواية. أضف إلى ذلك، أن الفخري لم يشر في تاريخه إلى قتل العرب وظلمهم (12)، وهذا يكشف عن أن المؤلفة إنما تبنَّت هذا الرأي متأثرة ببعض المفكرين العرب من دون الرجوع في هذا الشأن لتلك المصادر. وفي الحقيقة أن الرأي القائل: إن الحركة العباسية حركة شعوبية استهدفت العرب، رأي قديم ومرفوض، فمع أن الفرس قاموا بدور بارز في الحركة العباسية، إلا أن العرب أيضاً كان لهم حضور فاعل في تلك الحركة إلى جانب الفرس، بل كان بعضهم في مواقع قيادية في تلك الحركة (13). أما لماذا عدّت المصادر الحركة العباسية حركة مناهضة للعرب فذلك: أولًا، لاستهداف هذه الحركة الحكم الأموي باعتباره حكماً عربياً خالصاً، وثانياً، طبيعة النسيج السكاني لخراسان. فإن بعض من هاجر من العرب إلى خراسان واستقر في مدنها وقراها انصهر في مجتمعها المحلي، واكتسب صبغة أهلها الفرس بشكل تدريجي، فيما بقي بعض آخر منهم محافظون على تركيبتهم العشائرية والعربية. وكان لهؤلاء العرب أدوار مباشرة في الشؤون السياسية
________________________________________
(10)انظر: الأمم والملوك، ج7، ص 363 ـ 367، 377 ـ 385، 479 ـ 494؛ وكذلك: محمد بن علي بن طباطبا المعروف بابن الطقطقي، الفخري في الآداب السلطانية والدولة الإسلامية، ط1 (منشورات الرضي، 1414)، ص 168 ـ 171؛ وكذلك: أحمد بن علي الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، دراسة وتحقيق مصطفى عبد القادر عطا، ط1، (بيروت، منشورات دار الكتب العلمية، 1997)، ج10، ص 205 ـ 209.
(11)الأمم والملوك، ج7، ص 491.
(12)الفخري، ص 168 ـ 171.
(13)فالهاشمية والراوندية والكفية من العرب الذين كان لهم دور رئيسي في حركة العباسيين. انظر: عبد الحسين زرين كوب، تاريخ إيران بعد الإسلام، ط5، (طهران، منشورات امير كبير، 1999)، ص 391.

[الصفحة - 206]


والعسكرية، إذ كان ولاة خراسان على عهد الأمويين ينتخبون من بينهم دوماً، بينما كان أغلب أتباع الحركة العباسية والموالين لها ينتمون إلى مدن خراسان وقراها. من هنا كان انصهار القسم الأول من العرب، وصعوبة تمييزهم من الفرس في تلك المنطقة، سبباً في فهم المواجهات التي جرت بينهم وبين القبائل العربية على أنها ثورة فارسية في وجه الوجود العربي (14).
4 ـ كتبت الدكتورة سميرة الليثي في شأن دوافع ثورة الحسين بن علي (عليه السلام)تقول: «ولم يقم الحسين معارضته على أساس أنه وارث لعلي أو زعيم البيت العلوي، ولكن كواحد من أبناء المهاجرين الذين اعتبروا أنفسهم ولاة الأمر» (15). وهذا الكلام مقتبس من كتاب «الدولة العربية الإسلامية» للدكتور الخربوطلي الذي ينقله هو بدوره من كتاب مخطوط بعنوان «الإعلام بالحروب الواقعة في صدر الإسلام» (16). وقد بنى هؤلاء المؤلفون رأيهم على أسس ثلاثة:
أ ـ إن المهاجرين وأبناءهم يرون أنفسهم ولاة الأمر.
ب ـ إن الحسين بن علي (عليه السلام)قام بثورته انطلاقاً من كونه أحد ولاة الأمر.
ج ـ إن هدف الإمام الحسين من اتخاذ هذه السياسة هو الاتحاد مع بقية المهاجرين لإحباط مشروع معاوية في تولية يزيد (17).
ولعلَّه من الممكن اعتبار المواجهة التي جرت بين المدينة والشام وانتهت بواقعة الحرة، تجسيداً لدعوى المهاجرين بكونهم ولاة الأمر، ولو من باب المسامحة في التعبير، لأن كثيراً من أكابر المهاجرين وأبنائهم كانوا قد اختاروا اعتزال السياسة والابتعاد عنها ما أمكنهم ذلك. فقد قرر عبد الله بن عمر منذ خلافة علي (عليه السلام)أن اعتزال الفتنة أولى (18). أما في شأن النقطتين (ب) و(ج) فليس لدينا نص تاريخي، سواء من خطب الإمام الحسين (عليه السلام)أو الكلمات المروية عنه، دال على كون معارضته قائمة على أساس كونه واحداً من أبناء المهاجرين الذين يرون أنفسهم ولاة الأمر، وبهدف كسب التأييد والدعم للمهاجرين. فقد كانت قاعدة ثورته في العراق والكوفة تحديداً، أما مكة والمدينة، فلم يكن لهما في ثورته دور يذكر علاوةً على أن التاريخ لم يرو لنا أن الحسين بن علي (عليه السلام)طلب النصرة من المهاجرين (19).
________________________________________
(14)المصدر نفسه، ص 392 و393، 370.
(15)جهاد الشيعة، ص 67.
(16)علي حسن الخربوطلي، الدولة العربية الإسلامية، ط1، (القاهرة، دار إحياء الكتب العربية، 1960)، ص 189 ـ 190.
(17)المصدر نفسه، ص 190؛ جهاد الشيعة، ص 67.
(18)علي بن الحسين المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، ط4، (القاهرة، 1965)، ج3، ص 24 و25؛ علي بن أبي الكرام الشيباني المعروف بابن الأثير، الكامل في التاريخ، ط1، مؤسسة التاريخ العربي، 1994، ج2، ص 523.
(19)راجع: محمود الشريفي، سيد حسين الزينالي، وآخرين، موسوعة كلمات الإمام الحسين (عليه السلام) ، ط1، (معهد دراسات باقر العلوم (عليه السلام) ، مؤسسة الهادي، 1415).

[الصفحة - 207]


5 ـ وصفت المؤلِّفة عقائد الشيعة، باستثناء الزيدية، بالانحراف والغلو، كالقول بعصمة الأئمة، وانتظار المهدي، وحق علي في خلافة النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)، معتبرة الزيدية حركة معتدلة في آرائها في قبال التطرف الشيعي (20).
وقد كان المرجع، في كلامها هذا، هو محمد أبو زهرة في كتابه: «الإمام زيد»، من دون أن يضع مقياساً ومعياراً لمفاهيم كالغلو والانحراف، ولم يفعل ذلك أبو زهرة من قبل، كما لم تدلل على دعواها بانحراف الشيعة وغلوهم (21). ويبدو أنها وقعت في هذه النقطة تحت تأثير ميولها وقبْليَّاتها الذهنية، فابتعدت بذلك عن روح البحث العلمي الذي يستدعي الحياد والتجرُّد.
6 ـ كتبت، في ترجمة الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، تقول: «كان الإمام جعفر ـ كما يذكر الشهرستاني أيضاً ـ معتدلًا في آرائه، فقد أعلن براءته من القول بالرجعة والبداء والتناسخ والغلو والحلول والتشبيه» (22)، متخلِّية بقولها هذا عن منهج البحث العلمي وشروطه لصالح انتمائها المذهبي، لأننا نجد أن براءة الإمام الصادق من التناسخ والغلو والحلول والتشبيه قد روتها المصادر السنية والشيعية، أما الرجعة (23)والبداء (24)فإن أقدم مصادر الإمامية روت عن الإمام الصادق (عليه السلام)أحاديث مستفيضة تؤكد هاتين المسألتين (25). فهل يمكن التمسُّك بقول الشهرستاني، الشافعي المذهب، الذي عاش في القرن السادس، ونتجاهل روايات المصادر الشيعية المدوَّنة في القرنين الثالث والرابع، لغرض إثبات رأي الدكتورة الليثي؟!
7 ـ ترفض مؤلِّفة الكتاب الرواية التي تفيد بأن الإمام الصادق مات مسموماً وتعدّها رواية واهية، مستدلة على ذلك بقول اليعقوبي: «إن المنصور قد أبدى ألماً شديداً حين علم بوفاة الإمام الصادق (عليه السلام)، وبكى حتى اخضلَّت لحيته بالدموع، ووصف جعفر بأنه كان ممن اصطفى الله، وكان من السابقين بالخيرات» (26).
لقد تواصى الخلفاء العباسيون على سياسة التباكي وذرف الدموع في مآتم من يقتلون من العلويين وذكرهم بإجلال. وقد روت المؤلفة شبيه هذا الموقف للهادي عندما جيء له برأس الحسين بن علي (شهيد فخ) (27)، وتساءلت بعد أن استذكرت كيف أن المنصور قد أبدى ألمه وحزنه هو الآخر لمقتل محمد النفس الزكية قائلة:
________________________________________
(20)جهاد الشيعة، ص 91.
(21)محمد أبو زهرة، الإمام زيد، ط1، (المكتبة الإسلامية، 1999)، ص 186 و187.
(22)جهاد الشيعة، ص 192.
(23)الرجعة من نوع المعاد الجسماني، فإن معنى التناسخ هو انتقال النفس من بدن إلى بدن آخر منفصل عن الأول، وليس كذلك معنى المعاد الجسماني، فإن معناه رجوع البدن الأول نفسه بمشخصاته النفسية، فكذلك الرجعة. انظر: محمد رضا المظفر، عقائد الإمامية، تحقيق محمد جواد الطريحي، ط1، (مؤسسة الإمام علي (عليه السلام) ، 1417)، ص 338 وما بعدها.
(24)إن الله تعالى قد يظهر شيئاً على لسان نبيه أو وليه في ظاهر الحال لمصلحة تقتضي ذلك الإظهار، ثم يمحوه فيكون غير ما قد ظهر أولًا. انظر: عقائد الإمامية، ص 272؛ مع الاثني عشرية في الأصول والفروع، ص 312 وما بعدها.
(25)فقد روى الكليني في أصول الكافي ـ وهو أقدم مصدر حديثي لدى الشيعة ـ أحد عشر حديثاً عن الإمام الصادق في البداء. انظر: محمد بن يعقوب الكليني، أصول الكافي، ط1، (إيران، دار الأسوة، 1418)، ج1، ص 166 ـ 169.
(26)جهاد الشيعة، ص 199.
(27)«إن الخليفة الهادي أبدى حزنه لمقتل الحسين بن علي، وأنزل سخطه على الذين دخلوا عليه مستبشرين...» انظر: المصدر نفسه، ص 269.

[الصفحة - 208]


«فهل كان الخليفتان صادقين في مشاعرهما وحزنهما؟»، وتجيب على ذلك بقولها: «أراد أن يخفف من ثورة وسخط المسلمين عليه؛ إذ أغضبهم مصرع حفيد لرسول الله ولعلي بن أبي طالب»(28)، لذا لا يصح اعتبار تظاهر خلفاء بني العباس بالحزن والألم على موت العلويين دليلًا على براءة المنصور من دم الإمام الصادق (عليه السلام).
8 ـ تطرَّقت المؤلفة، لدى حديثها عن الآراء السياسية للشيعة الإمامية، إلى مسألة عصمة الأئمة (عليهم السلام)، فقررت هناك أن هذه العقيدة ذات منشأ سياسي لا ديني، وتستدل على ذلك بالشكل الآتي:
إن فكرة العصمة ظهرت في عهد الإمام الصادق (عليه السلام)، لتثبيت دعوى الأئمة تجاه الخلفاء السنِّيين، وأن الموقف من موضوع العصمة مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالموقف من الإمامة، والإمامة موضوع سياسة قبل أن يكون موضوع دين، إذن فالعصمة موضوع سياسي أيضاً تبعاً للإمامة(29).
ولمناقشة هذا الرأي نقول: إن القول بكون الإمامة موضوع سياسة، راجع إلى تفسير نشوء التشيُّع تفسيراً سياسياً. ولكن الأدلة والنصوص من الحديث والسنة التي تؤكد كون الإمامة أصلًا من أصول الإسلام كثيرة ولا يمكن التغاضي عنها (30). ثم إن أقدم ما بين أيدينا من الروايات في موضوع العصمة يعود إلى زمن الإمام زين العابدين، علي بن الحسين (عليه السلام)، وليس الإمام الصادق (عليه السلام)حفيده (31)، غاية ما في الأمر أن جو الانفتاح السياسي والثقافي الذي عاصره الإمام الصادق قد ساعد على ظهور هذه الفكرة والتعبير عنها (32).
9 ـ «فلا نعلم فقهاً خاصاً لموسى الكاظم، كما لم يكن له دور كلامي في عقائد الإمامية، ولم يرد عنه روايات وأحاديث تذكر» (33).
في هذا النص تنفي المؤلفة أي دور فقهي أو كلامي للإمام موسى الكاظم (عليه السلام)في فقه الشيعة وكلامهم، مستندة في موقفها هذا على رأي الدكتور علي سامي النشّار في كتابه «نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام»، وهو كلام لا يقوم على أساس متين.
فبين أيدينا مجموعة غنية من الأحاديث والروايات المنقولة عن الإمام موسى
________________________________________
(28)المصدر نفسه، ص 270.
(29)المصدر نفسه، ص 203.
(30)انظر: عبد الحسين أحمد الأميني، الغدير في الكتاب والسنة والأدب، ط1، (مركز الغدير للدراسات الإسلامية، 1995)؛ محمد جواد مغنية، الشيعة في الميزان، ط10، (بيروت، دار الجواد، 1989).
(31)قال الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) : «الإمام منا لا يكون إلا معصوماً، وليست العصمة في ظاهر الخلقة فيعرف بها، فلذلك لا يكون إلا منصوباً... المعصوم هو من اعتصم بحبل الله وحبل الله هو القرآن». انظر: محمد بن علي بن الحسين القمي المعروف بابن بابويه، معاني الأخبار، تحقيق علي أكبر الغفاري، (انتشارات إسلامي، 1982)، ص 132.
(32)انظر: أصول الكافي، ج1، ص 185؛ وللتعرف على آراء الرافضين لفكرة العصمة، راجع: ناصر بن عبد الله القفاري، أصول مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية، ط2، 1994، ج2، ص 775 وما بعدها.
(33)جهاد الشيعة، ص 251، 306.

[الصفحة - 209]


الكاظم (عليه السلام) (34). وقد اعترفت المؤلفة بذلك في موضع آخر من الكتاب (35)، الأمر الذي يجعلنا نتصور أنها اقتبست ذلك المقطع من كتاب النشار من دون تأمُّل أو تأنٍّ.
10 ـ تتساءل المؤلفة في شأن ما دار بين يحيى بن عبد الله العلوي وهارون الرشيد قائلة:
أ ـ هل كان الخليفة الرشيد صادقاً في ما أبداه في أول الأمر من مشاعر طيِّبة نحو يحيى بن عبد الله؟
ب ـ وما الذي جعله يحيد عن سياسة اللِّين والتسامح؟
وفي معرض الجواب عن هذه التساؤلات، تعرب المؤلفة عن اعتقادها بأن الرشيد «كان راغباً في مسالمة الزعيم العلوي، صادقاً في ترحيبه به وإحاطته بمظاهر التكريم» (36)، مستدلة على ذلك بالنقاط الآتية:
أ ـ استياء المسلمين من وقوف فريقي بني هاشم (العلويين والعباسيين) في مواجهة بعضهما البعض، وكانوا يتمنون أن يعيش بنو هاشم جميعاً في سلام وأمان.
ب ـ كان يحيى من كبار شخصيَّات البيت العلوي، وكانت له منزلة كبيرة في قلوب الشيعة، فرأى الرشيد أن وضع يحيى تحت عينيه وفي رقابته خير له من قتله وإراقة دمه.
ج ـ ومن عوامل تغيُّر الرشيد على يحيى سعاية خاصة الرشيد بيحيى وتحريضهم للخليفة عليه، ووشاية مصعب الزبيري بيحيى (37).
وكما هو واضح فالأدلَّة المذكورة لا تمتلك أساساً علمياً. فالأول والثاني مرفوضان، وذلك لأن مثل هذه الحيثيات لم تمنع أحداً من خلفاء العباسيين من مواجهة العلويين، وليس في التاريخ ما يدل على أن الرشيد قد اتخذ قراره بدافع من ذلك. أما قضية وشاية مصعب الزبيري، فهي على خلاف رأي المؤلفة أدل، لأن يحيى «طلب من الرشيد أن يكون الفصل في الأمر هو أن يقسم مصعب يمين البراءة، ورفض مصعب أن يقسم بهذه اليمين، فهدّده الرشيد بالعقاب إن امتنع عن القسم، فاضطر للاستجابة... ويذكر المؤرخون أن الله عز وجل أنزل سخطه على مصعب
________________________________________
(34)انظر: عزيز الله العطاردي، مسند الإمام الكاظم (عليه السلام) ، ط1، (المؤتمر العلمي للإمام الرضا (عليه السلام) ، 1409).
(35)«... حتى أن الراوي إذا روى الحديث عنه ـ الإمام الكاظم (عليه السلام) ـ لا يسنده إليه بصريح اسمه...» انظر: جهاد الشيعة، ص 300.
(36)المصدر نفسه، ص 286.
(37)المصدر نفسه، ص 290.

[الصفحة - 210]


الزبيري في اليوم نفسه، فيذكر الطبري أنه أصيب بالفالج فمات من ساعته، بينما روى المسعودي والأصفهاني أنه أصيب بالجذام فتورم جسمه فمات. ويتفق المؤرخون جميعاً على أنه حدث عند دفن مصعب أن انخسف قبره، وأنهم كلما هالوا عليه التراب تسرب إلى باطن الأرض...» (38)، فكيف انطلى مع ذلك كله كذب مصعب على الرشيد، فصدّق سعايته بيحيى، وعمل بمقتضاها؟ ولا ننسى أن نشير إلى أثر حركة إدريس بن عبد الله أخي يحيى في بلاد المغرب عام 172هـ ونجاحه في تشكيل دولته، عام 176هـ، في موقف الرشيد من يحيى وتغير معاملته له (39). والحق ما قاله الأصفهاني في هذا الشأن: «إن الرشيد لم يكن صادقاً في ما أبداه من مشاعر نحو يحيى... وأنها كانت مداهنة وليست مسالمة... وفي نفسه الحيلة على يحيى... وطلب العلل عليه وعلى أصحابه»(40).
11 ـ قال المؤلِّفة: «فكان الفضل بن سهل وزير المأمون شيعياً... إن الطاهريين كانوا كلهم شيعة»(41).
ليست هناك وثيقة معتبرة تؤكد تشيُّع الفضل بن سهل، حتى أنه لم يرد اسمه في كتاب أعيان الشيعة(42). أما رواية تشيُّع الطاهريين المأخوذة من ابن الأثير، فهي معارضة بروايات كثيرة تقلِّل من احتمال صحة مفادها.
وقد أشار ابن الأثير إلى دور طاهر بن الحسين في اختيار المأمون لبس السواد (شعار العباسيين) بعد أن كان يلبس الأخضر لدى حديثه عن هذه القضية (43). وذكر الشيخ الطوسي في كتابه: «رجال الكشي»، أيضاً، أن الفضل بن شاذان المتكلم الشيعي البارز نفاه عبد الله بن طاهر من نيسابور، وأن محمد بن طاهر هجم على أبي يحيى أحمد بن داود الجرجاني العالم الإمامي المعروف فأمر بقطع لسانه ويديه ورجليه وبضربه ألف سوط وبصلبه (44). ويرى ابن اسفنديار أيضاً أن: «الطالبيين لم يكونوا على وفاق مع أولاد طاهر بن الحسين بسبب قتل عبد الله بن طاهر ليحيى بن عمر في الكوفة» (45).
12 ـ ذكرت المؤلِّفة حيثيات تولية المأمون العهد لعلي بن موسى (عليه السلام)، نقلًا عن المسعودي في كتابه: «مروج الذهب» فكتبت بالنص: «عقد المأمون العزم على
________________________________________
(38)المصدر نفسه، ص 291.
(39)المصدر نفسه، ص 295.
(40)أبو الفرج الأصفهاني، مقاتل الطالبيين، شرح وتحقيق أحمد صقر، ط1، (منشورات الشريف الرضي، 1414)، ص 394.
(41)اقتبست المؤلفة هذه الفكرة من دونلدسن في كتابه عقائد الشيعة، ولم تراجع في ذلك المصادر التاريخية الرئيسية، إذ أن الدكتور دونلدسن لم يذكر لمدعاه مصدراً. انظر: جهاد الشيعة، ص 352 ـ 356؛ دوايت م. دونلدسن، عقيدة الشيعة، تعريف ع.م، ط2، (بيروت، مؤسسة المفيد، 1990)، ص 170 و171.
(42)هناك تساهل شديد في معيار اعتبار تشيع الأشخاص في كتاب أعيان الشيعة، لدرجة أن الكثير من رجال السنة ومشاهيرهم قد وردت أسماؤهم في هذا الكتاب في زمرة رجال الشيعة. انظر: محسن الأمين، أعيان الشيعة، حققه وأخرجه حسن الأمين، ط1، (بيروت، دار التعارف للمطبوعات).
(43)... وقيل: إنَّه أمر طاهر بن الحسين أن يسأله حوائجه، فكان أول حاجة سأله أن يلبس السواد، فأجابه إلى ذلك. انظر: الكامل في التاريخ، ج4، ص 182.
(44)محمد بن الحسن بن علي الطوسي، اختيار معرفة الرجال المعروف برجال الكشي، صححه حسن المصطفوي، ط1، ص 539.
(45)محمد بن حسن بن اسفنديار، تاريخ طبرستان، تصحيح عباس اقبال، ط1، ص 238.

[الصفحة - 211]


أن يعهد بولاية العهد للإمام علي الرضا فبعث بعض رجاله... لاستدعاء علي الرضا، فاستجاب للدعوة، ورحل هو وبعض العلويين إلى مرو؛ حيث أصبحوا موضع حفاوة وتكريم» (46)في حين أن النص الوارد في مروج الذهب هو بالنص: «وفي سنة... بعث المأمون... إلى علي بن موسى... لإشخاصه، فحُمل إليه مكرهاً». فقد وقع تحريف من قبل المؤلفة لنص مروج الذهب؛ وذلك من خلال استخدام ألفاظ من قبيل «لاستدعائه.. فاستجاب»؛ الأمر الذي يصوِّر أن المأمون كان قد وجَّه دعوة «استدعاء» لعلي بن موسى الرضا (عليه السلام)لولاية العهد، فقبلها (استجاب) الإمام الرضا (عليه السلام)عن طيب نفس، في حين أن عبارة المسعودي هي: «لإشخاصه... فحُمل إليه»؛ وهو ما لا يعطي معنى كهذا مطلقاً.
لقد كان كتاب «جهاد الشيعة»، بالرغم من ذلك، مشروعاً موفَّقاً بما استطاعه من إبراز موضوع كادت تتجاهله الدراسات المعاصرة في الأوساط الشيعية، فضلًا عن السنية، فحاز الكتاب بذلك قصب السبق وموقع الريادة في أرض كانت قبله بكراً.
________________________________________
(46)جهاد الشيعة، ص 354.

[الصفحة - 212]