البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

أهل البيت (عليهم السلام) ومنطق الثَّورة قراءة في موقف الإمام الصَّادق (عليه السلام) من ثورات عصره

الباحث :  أ. جواد جميل
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  29
السنة :  السنة الثامنة ربيع 1424هجـ 2003 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 15 / 2015
عدد زيارات البحث :  1507
أهل البيت (عليهم السلام) ومنطق الثَّورة
قراءة في موقف الإمام الصَّادق (عليه السلام) من ثورات عصره

أ. جواد جميل (*)

مـدخــــل
في البدء، لا أنوي، في هذه الأوراق، أن أقيّم إيجابية موقف الأئمة (عليهم السلام)أو سلبيَّته من الثَّورات التي اندلعت في زمانهم. كما لا أريد أن أربط بين ما توافر لديّ من النُّصوص التاريخية في هذا الإطار، لأعطي صورة مرسومة في ذهني مسبقاً عن موقف الأئمة من الثورة عموماً ومن ثورات بني عمِّهم (رحمهم الله) خصوصاً.
إلّا أنّني أراني مستقرئاً لصفحات معيَّنة من تاريخ تلك المرحلة، لأسلّط الضوء على نصوص مبعثرة نقلها الرّواة إمّا تحيُّزاً لهذا الموقف، أو تحاملًا على ذاك، أو أنهم نقلوها بوصفها أخباراً ليس إلّا.. لا علاقة له بالصورة السياسية القائمة، كي أخلص إلى بعض الحقائق التي تركها التاريخ مبهمة.
فقد حرص مؤرِّخو الزيدية، عموماً، على نقل نصوص توحي بإيجابية مواقف أئمة أهل البيت (عليهم السلام)من الثورة، فيما نقل مؤرخو الخط الحاكم آنذاك نصوصاً مخالفة. أمّا مؤرِّخو الشيعة فإنّهم ظلّوا يتحرَّكون في إطار إخبار الإمام بحتمية نهاية الثورات المؤسفة والمحزنة.
ولا أريد، هنا، أن أدرس صحّة النصوص التي سأنقلها من حيث السَّند، ولا من حيث قطعية صدورها عن الإمام، فذلك ليس من مهمتي.. إنّما أريد أن أطرح
________________________________________
(*)کاتب و شاعر،من العراق

[الصفحة - 118]


للبحث مجموعة من النصوص التاريخية التي مهما كانت ضعيفة السند فإنّها تعطي صورة للرؤية السياسية التي كانت تحيط بمجمل بؤرة الوعي آنذاك.
ويبدو أنّ الوثائق التي توافرت لدينا لا تكاد تعدو كونها تصريحات من قبل الأئمة (عليهم السلام)، صدرت إمّا عند اندلاع الثورة أو عند إخمادها من قبل السلطة. ولا أجد، في ما لدي من الكتب التاريخية، ما يؤكّد نصّاً اشتراك الإمام المعصوم في التخطيط للثورة وإعطاء منهج للتحرُّك الثوري خلالها بعد ثورة الإمام الحسين (عليه السلام).
نعم...، هناك نصّ فريد نقله أحمد بن سهل الرازي، من مؤرخي القرن الرابع الهجري، في مصنَّفه: «الحسين صاحب فخ وأخبار يحيى بن عبد الله»، وهو مخطوطة عثرت عليها في المكتبة المرعشية تعود إلى القرن السابع الهجري. هذا النص يؤكّد اشتراك الإمام الكاظم (عليه السلام)في الإعداد لثورة الحسين صاحب فخ قبل اندلاعها في المدينة. قال:
«بعث الحسين بن علي إلى موسى بن جعفر وإلى عبد الله بن الحسن الأفطس، فاجتمع رأيهم جميعاً على ألّا يعطوا بأيديهم وأن يبلغوا عذراً في الجهاد، إلّا أنّ موسى بن جعفر قال: أنا ثقيل الظهر بالعيال، ولو خرجت معكم لم يتركوا لي أحداً إلّا قتلوه، فاجعلوني في حل من تخلّفي عنكم. فعرفوا عذره فجعله الحسين في حلٍّ، فودّعهم موسى، وقال لهم: يا بني عمّي اجهدوا أنفسكم في قتالهم، وأنا شريككم في دمائهم، فإنّ القوم فسّاق يُظهرون إيماناً ويضمرون كفراً...» الخ...
وهذا النصّ يعطي انطباعاً واضحاً أنّ الإمام المعصوم حضر اجتماع الإعداد للثورة وأعطى رأيه في نهجها، وتحمّل المسؤولية الشرعية في الدِّماء التي تراق، والأرواح التي تزهق جرّاء اندلاعها، إلّا أنّه اعتذر عن الاشتراك الفعلي في الصراع لظرفه السياسي والاجتماعي، كما يوحي النَّص بذلك.
ثورة زيد بن علي
إنّ أولى الثَّورات التي طالت الواقع السياسي الإسلامي، في عهد الإمام الصادق (عليه السلام)، هي ثورة عمّه الشهيد زيد بن علي، زين العابدين (عليه السلام)، الذي
________________________________________

[الصفحة - 119]


صرّح بأنّ السبب الذي دعاه لتفجير ثورته هو أنه شاهد هشام بن عبد الملك وإلى جانبه رجل كان يسبّ النَّبي (صلي الله عليه و آله و سلم) ويشتمه!
ويصرّح زيد إلى جابر بن يزيد الجعفي بأنه لو لم يكن معه إلّا ابنه يحيى لخرج ثائراً وجاهد هشام أو يموت.
وكان يقول: لا أعلم شيئاً أحبّ إلى الله أفضل من جهاد بني أمية (1).
أمّا النصوص التي في أيدينا عن موقف الإمام الصادق (عليه السلام)من ثورة زيد (رحمه الله)فهي:
1 ـ قال الإمام الكاظم (عليه السلام): «سمعت أبي يقول: رحم الله عمِّي زيداً لقد استشارني في خروجه، فقلت له: يا عم إن رضيت أن تكون المقتول المصلوب في الكناسة فشأنك» (2).
وهذا النَّصّ يوحي بما لا يقبل الشك بأنّ الإمام (عليه السلام)لم يُرد في كلامه تحذير زيد من الثورة، وإنّما أخبره بأنّ الثورة ستحسم لصالح أعدائه.. وفي سؤاله لزيد استفسارٌ واضح عن مدى صبر زيد وصموده عند ملاقاة المصير المحتوم، فإن كان صابراً لما سيقع عليه، فله أن يثور على الظالمين، والنصّ يحمل موافقة الإمام الضمنية لموقف زيد.
2 ـ عن أبي بكر الحضرمي قال: ذكرنا زيداً وخروجه عند أبي عبد الله (عليه السلام)فقال: «عمي مقتول، إن خرج قتل، فقرّوا في بيوتكم، فوالله ما عليكم بأس» ، فقال رجل من القوم: إن شاء الله(3).
يعطي هذا النَّص انطباعاً واضحاً أن الإمام (عليه السلام)، إضافة إلى توضيح رأيه في نهاية الثورة وقتل الثائرين، كان يمنع بعض مواليه وأصحابه من المشاركة في الثورة، لأنّه لا يريد أن يُلقي بالكتلة السياسية المعارضة كلها في أتون الثورة.
ثم إنّ هذا النص يوضح أنّه ليس من واجب أصحابه الاشتراك في الثورة: {فوالله ما عليكم من بأس}، إلّا أنّ ردّ أحد رجال الإمام الصادق (عليه السلام)بقوله: إن شاء الله، يوحي بأنّ هذا الرجل اشترك في ما بعد في الثورة، لكونه فهم أنّ المشاركة
________________________________________
(1)تيسير المطالب، ص 108.
(2)الاحتجاج، 2/135، مسند الإمام الرضا، 2/505.
(3)كشف الغمة، 2/198.

[الصفحة - 120]


ليس أمراً منع منه الإمام (عليه السلام)، إلّا أنّه حبّذ عدم اشتراك أصحابه كونهم نخبة الأمَّة وخاصرة المعارضة الخفيّة للسلطة.
3 ـ عن مهزّم الأسدي قال: دخلت على الإمام الصادق (عليه السلام)فقال: «يا مهزّم، ما فعل زيد»؟» قلت: صلب، قال: «أين؟» قلت: في كناسة بني أسد، قال: «أنت رأيته مصلوباً في كناسة بني أسد؟» قلت: نعم، فبكى حتى بكت النساء خلف الستور (4).
إنّ هذا النصّ يفيض بالتفاعل العاطفي الكبير مع الثورة وقائدها، فالمأتم الكبير الذي ضجّت فيه الرجال والنساء بالبكاء يعطي انطباعاً جليّاً بأنّ الإمام كان يترصّد أخبار الثورة ونتائجها التي كانت واضحة لديه، وهو يركّز مفهوماً عاطفياً عند أصحابه عن قيمة الثورة وأهميتها.
4 ـ الفضيل بن يسار يقول: بعد قتل زيد ذهبت إلى المدينة لألتقي بالإمام الصادق (عليه السلام)فقال: «يا فضيل شهدتَ مع زيد قتال أهل الشام؟»».
قلت: نعم.
قال: «فكم قتلت منهم؟» .
قلت: ستة.
قال: «فلعلك شاكّ في دمائهم؟» .
قلت: لو كنت شاكاً ما قتلتهم.
قال: «أشركني الله في تلك الدماء. مضى، والله، عمّي زيد وأصحابه شهداء مثلما مضى عليه علي بن أبي طالب وأصحابه» (5).
يحمل هذا النص عدّة دوالّ موضوعية مختفية بين طيّات حواريّته:
الأولى: أنّ بعض أصحاب الإمام كانوا قد شاركوا في ثورة زيد، ويبدو أنّ الفضيل بن يسار كان من خواصّ الإمام (6)؛ وذلك لانفتاح الإمام عليه في شأن الثورة.
الثانية:؟ محاولة الإمام التعرّف على دقائق الواقعة وأحداث المعركة، ومحاولة معرفة ما إذا كان أصحابه قد اشتركوا في القتال الفعلي أم لا
________________________________________
(4)أمالي الطوسي، 2/672.
(5)أمالي الصدوق، ص 286.
(6)الفضيل بن يسار النهدي: أبو القاسم، عربي، بصري صميم، ثقة، روى عن أبي جعفر وأبي عبد الله ومات في أيامه. (معجم الرجال، 14/356).

[الصفحة - 121]


الثالثة: إثارة كوامن الأصحاب ومعرفة سرائر نفوسهم وموقفهم الحقيقي بعد هزيمة المحاربين مع زيد، فهل هم نادمون على ما فعلوا أو لا؟
الرابعة: اعتبار الإمام (عليه السلام)نفسه ممن اشترك في تلك الدماء، بل هو يدعو الله أن يشركه في دماء أصحاب تلك المعركة. وفي هذا تصريح واضح مطمئن إلى أنّ تلك الدماء إنّما سفكت في طريق الله.
الخامسة: التصريح بأنّ ثورة زيد وأصحابه الشهداء إنّما هي امتداد لموقف الإمام علي (عليه السلام)من حكومة الطغاة والمتجبرين.. وأن الثورة جزء من خط المواجهة المستمر بين الحق والباطل.
5 ـ عندما علم الإمام بصلب زيد، اتصل ببعض من كان معه في معركته وعاتبهم على عدم دفنهم له وإخفاء جسده عن الصلب. فينقل سليمان بن خالد أنّ الإمام (عليه السلام)سأله عن عدم دفنهم زيداً، فلمّا شرح له سليمان الموقف الصعب قال الإمام: «سبحان الله، أفلا كنتم أثقلتموه حديداً وقذفتموه في الفرات، فإنّ ذلك أفضل» (7).
ويعطي هذا النص أيضاً صورة واضحةً لمتابعة الإمام حتى لجسد الشهيد زيد، وكيف استخرج وصلب، وهي متابعة توحي بالانسجام العاطفي والنفسي مع رجل الثورة الشهيد، وأنّ رجل الثورة، وهو ميت، ذو أهمية كبيرة عند الإمام كما لو كان وهو حي!
6 ـ عبد الرحمان بن سيابة يقول: أعطاني الصادق ألف دينار فقسّمتها على عيال من أصيب مع زيد (8).
هذا النصّ وما سبقه من النصوص، إذا ما أخذناها باعتبارها نصوصاً، لها دلالات موضوعية كبيرة كونها جاءت في أجواء حذرة وخانقة بالنسبة لأتباع أهل البيت (عليهم السلام)، فإنّها تؤكد لنا أنّ الإمام الصادق كان يعلن المواجهة للسلطة آنذاك بتفاعله مع حركة زيد، بل إنه استخدم خطاب الثورة خطاباً له، مؤكداً في مقولة له: «إنّ الله عزّ وجل، أذِنَ في هلاك بني أمية بعد صلبهم زيداً بسبعة أيام» (9).
7 ـ وما أن يزور هشام مدينة النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) يستقبله الصادق (عليه السلام)بقوله: «كان أبوكم طليقنا وعتيقنا وأسلم كارهاً تحت سيوفنا» (10).
________________________________________
(7)الكافي، 8/250.
(8)أمالي الصدوق، ص 275.
(9)تفسير العياشي، 1/325.
(10)مناقب ابن شهراشوب، 1/321.

[الصفحة - 122]


في هذه النصوص جميعها انطباع قوي بأنّ الإمام جزّأ موقف المعارضة عن إصرار مسبق إلى موقفين: موقف رافض مقاوم ضمن مواجهة محسومة النتائج.. وموقف قويّ متَّحد داعم يختفي وراء أستار الهدوء والصمت. ويبدو أنّ زيداً كان شريكاً للإمام في هذا الموقف، وهو الأمر الذي أوضحه الإمام (عليه السلام)لخاصة شيعته بقوله:
«لا تقولوا خرج زيدٌ، فإنّ زيداً كان عالماً صدوقاً، ولم يدعكم إلى نفسه، إنّما دعاكم للرِّضى من آل محمد، ولو ظفر لوفى بما دعاكم إليه» (11).
وقد صرّح يحيى بن زيد بما يشابه ذلك لمّا سأله أحدهم عن موقف أبيه لو ظفر بالخلافة، فقال:
«كان أبي يدعوكم إلى الرِّضى من آل محمد، يعني بذلك ابن عمّي جعفراً» (12).
ثورة يحيى بن زيد
أمّا تصريحات الإمام عن خروج يحيى بن زيد فإنّ المتوكل بن هارون ينقلها بأمانة في مقدمة «الصحيفة السجادية»، فيقول: لما علم الإمام الصادق بقتل يحيى، بكى واشتدّ وجده به، وقال:«رحم الله ابن عمّي وألحقه بآبائه وأجداده..» .
وفي تصريح آخر قال: «يرحم الله يحيى....»
نص الصحيفة السجّادية؛ التفسير والمسوِّغ
إلّا أن نصَّاً في مقدّمة الصحيفة السجادية لا بدّ له من أن يدرس في إطار دلالات النصوص السابقة، وهو: «ما خرج ولا يخرج منّا، أهل البيت، إلى قيام قائمنا أحد، ليدفع ظلماً أو ينعش حقاً إلّا اصطلمته البلية وكان قيامه زيادة في مكروهنا».»
وهذا النص قد يفهمه بعضهم موقفاً سلبياً من الإمام من كل تحرُّك لمواجهة السلطة الظالمة، إلّا أن التأنّي في فهم إيحاءاته يؤكِّد عدة حقائق منها:
1 ـ تصريح الإمام بأنّ الثُّوّار إنّما كانوا يتحرّكون بدافع ردّ الظلم ودعم الحق وأهله، وهو وثيقة لا لبس فيها بأنّ من خرج من أهل البيت إنّما دفعهم الحق إلى ذلك.
________________________________________
(11)الحور العين، ص 188.
(12)الحاوي لابن إدريس، 3/550.

[الصفحة - 123]


2 ـ بيان أنّ أكثر هؤلاء الثوّار سيؤول أمرهم إلى القتل، وأنّ نهاية ثوراتهم هي الانحسار الفعلي من ساحات المعارك، إلّا أنهم لا يعدمون التأثير في الأمة إيجابياً.
3 ـ إنّ آثار هذه الثورات ستنعكس على الجماعة المعارضة انعكاساً سلبياً من ناحية السلطة، وأنّ السلطة ستعمل على اتخاذ إجراءات من شأنها التضييق على تحرّك المعارضة، وهو ما وصفه الإمام «زيادة في مكروهنا».
إذاً ليس في تصريح الإمام (عليه السلام)هذا ما يوحي بالتشكيك في أصل التحرك أو في نوايا رجاله وقادته، وإنّما هو استقراء لواقع مستقبلي لا بدَّ من أنّه سيكتنف حركات الثوّار.
وهنا يحق لنا التساؤل: لماذا يفعل الإمام ذلك؟!
أستطيع أن أقول: إنّ الإمام لم يكن ليعلن هذا الموقف على عامّة الأمَّة بجميع مستوياتها، وإنّما يعلنه لخاصة رجاله أو للثوّار أنفسهم، لكي يتقدّم من يتقدّم منهم إلى الثورة وهو على بصيرة من الأمر، وعلى موقف لا تشكيك فيه ولا قلق.
فليس في مقولات الإمام هذه تثبيط لحركة المقاومة، وإنّما جاءت مقصودةً لينعزل من صفّ الثوّار من لم يوطّن نفسه للقتل، وفي ذلك استخلاص للصفوة الفدائية من الشيعة، الذين كان قد أسند لهم دور المواجهة التي لا هوادة فيها ولا استسلام.
الإمام الصادق(عليه السلام)
وثورة الحَسَنِيَّيْن
ويبدو أن هذا الموقف الواضح للإمام (عليه السلام)من ثورة زيد الشهيد ونجله يحيى ليس هو نفسه موقفه من ثورات الحَسَنيِّين من أبناء عمومته.
وفي استقراء سريع لبعض النُّصوص يتبيَّن أنّ الحَسَنيِّين، ابتداءً من عبد الله بن الحسن المثنَّى، إنّما قدّموا أنفسهم بوصفهم الذين سيخرج «مهدي» هذه الأمَّة منهم.
وفي نصّ تاريخيّ لحوار دار بين الإمام الصادق (عليه السلام)وعبد الله بن الحسن، كان الإمام الصادق (عليه السلام)ينعى على عبد الله دفعه ابنه محمّداً للثورة والتصدّي على أنه «مهديّ» الأمة، بل ينعى عليه عدم وعيه السياسي لتلك المرحلة.
________________________________________

[الصفحة - 124]


يقول الإمام الصادق (عليه السلام): «يا أبا محمد، متى كان أهل خراسان لكم شيعة؟ هل أنت بعثت أبا مسلم إلى خراسان؟ هل أنت أمرت بلبس السواد؟! هل أنت أقدمت الناس إلى العراق؟! بل هل تعرف منهم أحداً؟!.»
فنازعه عبد الله بن الحسن الكلام وقال: ابني محمد هو مهدي هذه الأمَّة!
فقال أبو عبد الله (عليه السلام): «ما هو بمهدي هذه الأمة، ولئن شهر سيفه ليُقتلَنَّ».
فقال عبد الله: كان هذا الكلام منك لشيء ـ يعني الحسد ـ (13).
وواضح أنّ أسلوب الإمام (عليه السلام)في التعامل مع حركة أبناء عبد الله هو غير أسلوبه مع زيد ويحيى.. فإنّ أبناء الحسن المثنَّى إنّما كانوا يطرحون قضية عقدية يرون أنهم مصداقها، وهي قضية الإمام «المهدي»، الأمر الذي يرفضه الإمام الصادق (عليه السلام).
وفي هذا الإطار نشير إلى أنّ أبا الفرج الأصفهاني يذكر أن محمداً ذا النفس الزكية، ابن عبد الله بن الحسن، قد مال لرأي المعتزلة، يقول: قدم أبو أيوب الأدبر رسولًا لواصل بن عطاء داعياً إلى مقالته، فاستجاب له محمد بن عبد الله بن الحسن في جماعة من آل أبي طالب (14).
ورغم ذلك، فقد ظلّ الإمام الصادق (عليه السلام)على موقفه في دعم ثورات الحسنيين سرّاً، كونها تشكّل النصف الثاني من الموقف الموحّد للمعارضة، رغم وجود إشارات تأريخية على اعتراضه على الخطاب الإعلامي والسياسي لتلك الثورات، وهو اتّخاذ قضية «المهدي» شعاراً للثورة ومادة عقدية لها.
وينقل أبو الفرج، في مقاتله، نصّاً واضحاً عن علي بن عمر، قال: سمعت جعفراً يقول بعد لقائه بالمنصور: «رحم الله ابني هند ـ» أي محمد وابراهيم ابني عبد الله بن الحسن ـ إنّهما إن كانا لصابِرَيْن كريمين، والله لقد مضيا ولم يصبهما دنس» (15).
وقال أيضاً: «فما آسى على شيء إلّا على تركي إيّاهما، لم أخرج معهما..» (16).
ويبدو أن هذا النص هو إضافة من قبل مؤرِّخي الزيدية؛ وذلك لأنّ أبا الفرج عندما ساق النصّ الأوّل.. قطعه بقوله: «وقال غيره»، أي لم يُسند النص إلى علي
________________________________________
(13)مروج الذهب، 3/254، واليعقوبي، 2/349.
(14)المقاتل، ص 161.
(15)المصدر نفسه، ص 170.
(16)المصدر نفسه.

[الصفحة - 125]


ابن عمر.. هذا إذا لم نتّهم أبا الفرج نفسه بالسَّعي إلى الانتصار إلى مذهبه... وإلّا فما الوجه في ندم الإمام على عدم الخروج مع «محمّد ذي النفس الزكية» وأخيه على الرُّغم من كثرة أتباعهما وقدرتهما على التحرك ضد السلطة؟ ورغم كونه ينصح أباهما بعدم الخروج وأنّ مصيرهما القتل إن هما خرجا!
ثم إن أبا الفرج يسوق موقفاً آخر عن دفع الإمام الصادق ابنيه موسى بن جعفر وعبد الله بن جعفر للاشتراك مع محمد النفس الزكية.. وإنّهما اشتركا معه في الثورة وشهدا معه مشهده! رغم أنّ هذه المعلومة لا يذكرها أيّ مؤرخ قبل أبي الفرج ولا بعده، الأمر الذي يجعلنا نشكّ في أنّ أبا الفرج ورواة الزيدية كانوا حريصين على استمالة الشيعة إلى مواقفهم، وذلك بادّعاء أن أئمة الشيعة كانوا ممّن شاركوا في ثورات الحسنيين.
وعلى أية حال، فإنّ موقف الإمام الصادق كان واضحاً من ثورة محمد وإبراهيم، وهو ما ينقله أبو الفرج نفسه إذ قال لأبيهما: «فأمّا ابنك فوالله لا أبايعه» .
وأنه قال له: «إنّ هذا الأمر والله ليس لك.. ولا إلى بنيك...»
أو أنه قال: «والله ما هي إليك ولا إلى ابنيك» (17).
فالإمام يفرّق بين دعم الثورة بوصفها ثورة لها دوافعها الذاتية ومكاسبها الاجتماعية، وبين مادّتها العقدية وخطابها السياسي.
إنّنا نراه يدعم الثورة بوصفها تحرُّكاً مسلّحاً يؤدي، في ما يؤدِّي إليه، إلى إضعاف السلطة، وإعطاء شيء من الأمل للمضطهدين.
إلّا أنه يعترض على ادّعاءات قادة الثورة بأنّ منهم المهدي المنتظر.. في الوقت الذي يعترض على المنصور وسلطته لإعطائه لقب «المهدي» لابنه محمد أيضاً!
خلاصــــة
ونستخلص ممّا سبق أنّ مواقف الإمام الصادق (عليه السلام)من ثورة زيد الشهيد وولده يحيى كانت منسجمةً مئة في المئة على صعيد التَّحرُّك في الثورة والفكرة والعقيدة والخطاب السياسي.
________________________________________
(17)المصدر نفسه، ص 172.

[الصفحة - 126]


إلّا أنه كان ذا موقف إيجابيٍّ حذر من ثورات الحسنيين في عصره، بل كان متحفّظاً أيّما تحفّظ على مقولاتهم العقدية، وبخاصة في قضية مهمة تشكّل حجر الزاوية في مستقبل الرِّسالة الإسلامية، وهي قضية «المهدي» التي تكشف بعض النصوص أنّ بني الحسن إنّما اتّخذوا هذه الأطروحة شعاراً لثوراتهم رغم إيمانهم بأنّ المهدي ليس فيهم!
كانت تلك خلاصة إثارات عاجلة عن مواقف الإمام الصادق (عليه السلام)من الثَّورات في عصره، نأمل أن نوفّق لدراستها بصورة أكثر شمولًا ومستقبلًا.
________________________________________

[الصفحة - 127]