البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الثَّورة الحسينيَّة دراسة في الأهداف والدَّوافع (2)

الباحث :  آية الله السيِّد محمود الهاشمي الشَّاهرودي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  30
السنة :  السنة الثامنة صيف 1424هجـ 2003 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 15 / 2015
عدد زيارات البحث :  1512
الثَّورة الحسينيَّة
دراسة في الأهداف والدَّوافع (2)

آية الله السيِّد محمود الهاشمي الشَّاهرودي

في القسم الأوَّل، من هذه الدِّراسة، التي تبحث في دوافع الثَّورة الحسينيَّة وأهدافها، تمَّت الإشارة إلى بعض المقدِّمات الضَّرورية، وهي: 1 ـ الدَّور الرِّسالي لأئمة أهل البيت (عليهم السلام)، 2 ـ أسباب الاختلاف في المواقف السياسيَّة للأئمَّة، 3 ـ أبعاد صيانة الرِّسالة في حياة كل إمام، 4 ـ فقدان البحوث التحليليَّة لتاريخ الأئمة (عليهم السلام)، 5 ـ أبعاد الثورة الحسينيَّة المتعدِّدة. ثم تمَّ البحث في دوافع الثورة، فصُنِّفت في صنفين: أوَّلهما صنف التَّفسيرات الباطلة، ويتضمَّن تفسيرين: أحدهما قبلي عشائري، والآخر شخصي مزاجي، وثانيهما: صنف التفسيرات التي يمكن أن تكون صحيحة، ويتضمَّن ثلاث نظريات: أولاها النَّظرية الغيبيَّة، وقد تم تعريفها وتقديم أدلَّتها ومناقشتها، وفي ما يأتي نكمل البحث في هذا الموضوع بدءاً من النَّظرية الثانية.
النَّظرية الثَّانية ـ التفسير السياسي
وهي النَّظرية التي تفترض أن القضية كانت قضية بشرية، وأن دوافعها دوافع واضحة بشرية اجتماعية، وهي الاستيلاء على السلطة وإقامة الحكم الإلهي والإسلامي في الأرض، فالإمام الحسين (عليه السلام)كان يستهدف، من حركته المباركة، إقامة حكم الله، وإرجاع الحق الذي اغتصب منه ومن الأئمة من قبل المنحرفين والظَّالمين.
________________________________________

[الصفحة - 9]


كان هذا هو الدَّافع، ويضيف أصحاب هذه النظرية: إن الإمام الحسين (عليه السلام)خطّط من أجل الوصول إلى هذه النتيجة، وبحسب منطق الأحداث والمنطق البشري الاجتماعي الذي يعرفه أهل الرأي والعقل، وكان مخططه أن يستولي على السلطة، والمقدِّمات التي أعدَّها وأمر بها كانت توصله إلى هذه النتيجة، فكانت حركة الإمام ثورةً على الظلم والطغيان والباطل بقصد الاستيلاء على الحكم، وكان هذا دافعه عندما تحرّك من المدينة إلى مكّة ثم إلى العراق بعدها، وبالعلم العادي كان يرى أن هذا الأمر سوف يتحقّق فاندفع، كما رأى النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) أنه سوف يغلب الكفَّار في غزوة أحد، فاندفع إلى الحرب معهم، إلّا أنَّه بحادثة ما انكسر المسلمون واندحروا في معركة أحد، وكذلك الإمام الحسين (عليه السلام)عندما خرج إلى العراق كان خروجه كخروج النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) إلى أحد، وكخروج الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)إلى صفّين لمحاربة الأمويّين ومعاوية وزمرته.
فالدَّوافع نفسها التي دفعت بالإمام علي (عليه السلام)إلى أن يخرج إلى صفّين وأن يقاتل معاوية، كانت موجودة في ضمير الإمام الحسين (عليه السلام)، فدفعته إلى أن يتوجَّه إلى العراق، لأنّ في العراق شيعةً له منذ زمن الإمام الحسن وبعده، وقبل موت معاوية وبعده، طلبوا منه القدوم وكانوا موالين له، ومتأثّرين بمدرسة الإمام علي (عليه السلام)، ودعوه إلى الثورة ورفض النِّظام القائم والإطاحة به، وكانوا مستعدِّين أيضاً لأن يكونوا جنوده، فاندفع اندفاعاً عقلائياً واضحاً كاندفاع النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) عندما خرج إلى أحد بعد عدَّة غزوات، إلّا أنّه شاءت المشيئة الإلهية والمصادفات والمتغيرات أن لا يصل إلى النتيجة المستهدفة، كما لم تصل معركة صفّين إلى النتيجة المستهدفة من قبل الإمام علي (عليه السلام)، بالعكس كانت النتائج على الإمام (عليه السلام)، بحيث أدّت إلى حصول مشكلة الخوارج والنهروان، وبالتالي قتل الإمام نفسه، فهذا من قبيل ذاك.
هذه نظرية أخرى، أيضاً، يطرحها بعض الكتّاب الشِّيعة، وهي نظرية غير صحيحة أيضاً بهذا الشكل الذي هي عليه، بل تحتاج إلى تمحيص.
طبعاً، لا بدَّ من أن يعلم أن أصحاب هذا التفسير لا يريدون من هذه النظرية أن
________________________________________

[الصفحة - 10]


الإمام الحسين (عليه السلام)كان دافعه التسلّط والتأمّر على الناس، فإنّ هذا خلاف منطق الإمام الحسين (عليه السلام)ولا يتناسب مع مقامه، وهذا أمر واضح، إنّما كان تخطيطه أن يقيم حكم الله في الأرض، يستلم السلطة لأن استلامها هو الطريق الشَّرعي بالنسبة للمعصوم لإقامة حكم الله في الأرض، حيث إن الرِّسالة وأحكامها وأنظمتها، في زمن المعصوم، لا يمكن أن تقوم إلّا من خلال خلافته وحكومته على الناس، فالهدف السياسي ـ وهو استلام السلطة الذي كان يخطّط له الإمام الحسين (عليه السلام)ـ كان بدافعٍ من التكليف الشرعي، وبدافعٍ من أداء المسؤولية القيادية الملقاة على عاتق المعصومين (عليهم السلام)، تماماً كموقف النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) حينما كان يتصدّى لاستلام السلطة في المدينة وفي مكة لإقامة الحكم الإسلامي في الأرض، فعندما فتح مكَّة مثلًا كان يريد أن يتسلّط بما هو نبي لا بما هو سلطان، وبما أن هذه السلطة هي الطريق المنحصر بحسب الحقيقة، سيّما في ذلك الزَّمن، لإقامة حكم الله في الأرض، إذن فلا ينبغي أن يتصوّر أن هذا التفسير السياسي يقصد منه أن الإمام الحسين (عليه السلام)كان ينوي التسلّط على الناس، بل كان ينوي إقامة حكم الله فيهم، وهو أمرٌ متوقِّف على أن يكون هو ولي أمرهم كما كان تشريعاً وقانوناً وليّ أمرهم، فلا بدَّ لهذا الولي التشريعي من أن يكون وليَّاً بالفعل، وماسكاً زمام الأمور، ومبسوط اليد لكي يمكن أن يقوم بأعمال الولاية وأعباء القيادة والخلافة والمسؤولية الملقاة على عاتقه.
إذن فاستلام السلطة كان بدافع التكليف الشرعي وتحمّل المسؤولية الرِّسالية، ويضيف أصحاب هذا التفسير: إن تحرُّك الإمام الحسين (عليه السلام)كان، منذ البداية، واضحاً في استهداف الوصول إلى ذلك، وبما هو إنسان وبشر، كان يخطّط للوصول إلى هذا الهدف الرِّسالي، وهو استلام السلطة وإرجاع قيادة التجربة الإسلامية إلى أصحابها وأوليائها الشرعيين، وإقامة أحكام الله بالشكل الصحيح الكامل، إلّا أنه بعد أن سعى إلى تحقيق هذا الهدف، ووصل إلى العراق، ونتيجة بعض المصادفات والاتفاقات، انعكس الأمر، ولم يصل هذا التخطيط إلى نهايته، بل انقلب أهل الكوفة عليه، فانتهى إلى ذلك المصير المأساوي المُفجع.
ففرق بين تحديد تخطيط الإمام الحسين (عليه السلام)، وبين وصوله أو عدم وصوله إلى هذه النتيجة، فربّما كان تخطيطه وتحرّكه يهدفان إلى الوصول إلى نتيجة معيّنة،
________________________________________

[الصفحة - 11]


لكن، وفي أثناء السعي إلى تحقيق الهدف ينكشف أن تلك النتيجة لا يمكن الوصول إليها، أو تعترض بعض العقبات التي تمنع الإمام من الوصول إليها، يقول الإمام علي (عليه السلام): «عرفت الله سبحانه بفسخ العزائم وحل العقود» (7)، فكون الإمام الحسين (عليه السلام)خطّط للوصول إلى هذه النتيجة، لا يلازم تحقُّقها حتماً، بدليل أن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)خطّط لإزالة معاوية من الحكم ومحاربته وإسقاطه في حرب صفين، فجيّش الجيوش، وأخرج الناس إلى الحرب، ووقعت المعركة وكثر القتلى والضحايا، إلّا أن النتيجة كانت لصالح معاوية، وذلك بعدما اعترضت الطريق لعبة معاوية وعمرو بن العاص، ومسألة التحكيم ورفع المصاحف...
فالتصدِّي والتخطيط لاستلام الحكم، من قبل إمامٍ ما، لا يعنيان أن تلك النتيجة لا بدَّ من أن تتحقق، فربما لا تتحقق، لأنّ الأئمَّة في عملهم الاجتماعي ـ كما أشرنا آنفاً ـ لا يخرجون عن الجانب البشري، إلّا في بعض الحالات الخاصة، بأن يكون هناك توجّه إلهي خاص إلى عالم الشهادة، فتأتي مبادرة غيبية وتحدِّد الموقف.
وعليه، فلا يعني عدم النجاح، لظروف طارئة أو لخصوصيات أو خلل في الناس أو بعض الجوانب الخارجة عن اختيار النبي أو الإمام المعصوم، أن الإمام لم يكن يخطط، فالحسين (عليه السلام)كان مخطّطاً نتيجة ما كان يعلم به من اكتمال الشرائط اللازمة في الأمة للتحرك ضد السلطة والثورة على الطاغين الحاكمين، وكان يعمل وفاقاً للقنوات التي ارتبط من خلالها بالناس في الكوفة والموالين والشيعة، إلّا أن الخيبة وقعت في النهاية بعدما كان الإمام مصمّماً على المجيء ومتوجهاً إلى العراق، ولهذا وصل إليه هذا الخبر، وهو قريبٌ من العراق.. هكذا يقول أصحاب هذا التفسير.
وقد حاول أصحاب هذه النظرية الاستدلال على هذا التفسير ببعض النصوص الصادرة من الإمام الحسين (عليه السلام)نفسه.
لكن، وقبل أن ندخل في استعراض هذه النصوص، توجد نقطة في هذه النَّظرية تعدّ إيجابيةً إلى حدٍّ ما.
________________________________________
(7)نهج البلاغة، 54، شرح الإمام الشيخ محمد عبده، نشر دار المعرفة، بيروت.

[الصفحة - 12]


امتياز التَّفسير السياسي عن التَّفسير الغيبي
أ ـ إن هذا التَّفسير يجعل قضية الإمام الحسين (عليه السلام)قضيةً معقولةً اجتماعياً، وعلى مستوى الرأي العام، لا كالتفسير الأوَّل الذي يجعلها قضية غيبية مبهمة خاصَّة بالمعصومين.
ب ـ يتميَّز هذا التفسير عن التفسير الغيبي بأنَّه يجعل لقضية الإمام الحسين (عليه السلام)مدلولًا روحياً ورسالياً، يثبت أن للمسؤوليَّة الرسالية وللتكليف المأساوي هدفاً مشخَّصاً واضحاً وسياسياً، وهو استلام الحكم، ولهذا يثبت للناس أن مسألة استلام الإسلام للسلطة، من أساسيّات الرسالة وأصولها، فليست الرسالة الإسلامية مجموعة تكاليف وأحكام مرتبطة بالجانب الفردي للإنسان من صلاة وصوم وحج.. بل هناك مسؤوليات وتكاليف أخرى، وهذا التكليف له أولويّة على التكاليف الاءُخرى كافة، أي التكليف والمسؤولية السياسية للإنسان، فكل إنسان مسلم ـ كما هو مكلّف بأن يصلّي ويصوم ويحج ـ مكلَّف بإقامة حكم الله في الأرض، وهو في سعي متواصل لكي يكون النظام نظاماً إسلامياً، والشخص الحاكم موجداً للحاكمية الإسلامية ومطبِّقاً لمبادىء الإسلام، والإمام الحسين (عليه السلام)إنما تحرّك لهذه المسؤولية، إذن فهذه المسؤولية من أعظم التكاليف الشرعية، التكليف الذي يحرّك الإمام الحسين (عليه السلام)، ويجعله يعطي ويبذل دمه وأهله وعشيرته..
إن التَّكاليف الشرعية التي كان يمكن للإمام الحسين (عليه السلام)ممارستها، لو بقي حياً، وترك الجانب السياسي والاجتماعي من وضع الأمة الإسلامية، وانشغل كما انشغل الآخرون، هي الصلوات والعبادات في المساجد، والاقتصار على الأعمال الفردية والشخصية.
إذن، لهذا التفسير ميزة إيجابية، إذ يعلّمنا أن العمل الاجتماعي السياسي من أركان الواجبات الشرعية، وعلى أفراد المسلمين كافة عدم تركه أو الإعراض عنه.
وهذا المفهوم يقف بالضبط قبال المفهوم الذي أوجدته السلطات في أذهان المسلمين، أي مفهوم الفصل بين الدِّين والسياسة، وهو ليس بالمفهوم الجديد، وإن كان قد طرحه الاستعمار في العصر الحديث، فقد طرحه بنو أميّة أيضاً، ففي
________________________________________

[الصفحة - 13]


التاريخ، أنّه كانت تأتي الأم والأب يأخذان بيد ابنهما، ويقولان: ما لك وشغل السلاطين؟ كان هذا المفهوم مطروحاً من قبل السُّلطة الجائرة لجعل الساحة السياسية ملكاً طلقاً لها، لا يفكر فيها ولا يزاحم أصحابها فيها أحد من المسلمين بدافع التكليف الشرعي.
هذا التفسير لقضية الإمام الحسين (عليه السلام)فيه هذا الامتياز المتمثِّل بجعله القضية السياسية قضية رسالية محورية تتقدم على جميع المسؤوليات الشرعية الأخرى، وعلى جميع الواجبات الفردية الأخرى، ولعل صاحب هذا التفسير ـ أو بعض من قالوا به ـ إنّما أصرّوا عليه من أجل هذه الميزة.
أدلّة التفسير السياسي
أمّا الأدلّة والشواهد التي يستشهد بها أصحاب هذه النظرية على نظريتهم فكثيرة، من جملتها:
1 ـ إرسال مسلم إلى الكوفة، فالإمام الحسين (عليه السلام)لو كان يريد أن يستشهد، وكان يعلم أنّ هذا الطريق طريق ينتهي به إلى الشهادة، فلماذا يبعث مسلم إلى الكوفة؟!
لقد بعث رسولًا إلى الكوفة ليفاوض النَّاس أربعين يوماً، ولفحص المسألة ودرس وضع الأمَّة والموالين، ثم ليكتب للإمام الحسين (عليه السلام): «وإنما تقدم على جند لك مجنَّدة» (8)وصدّق الإمام الحسين (عليه السلام)الكتب التي كانت قد وصلته، فإرسال مسلم معناه أن الإمام كان يحتمل احتمالًا قويّاً جداً أنّ المسألة مسألة واقعية جادّة، وأنّ الأرضية وجدت، وأن الوضع على استعداد للقيام بتحرّك إسلامي جماهيري قوي يُسقط النظام الحاكم على المسلمين.
2 ـ التَّصريحات الصادرة من الإمام الحسين (عليه السلام)نفسه، إذ يوجد هناك الكثير من التصريحات التي تدل على أن الإمام الحسين (عليه السلام)كان يستهدف من تحرّكه هدفاً سياسياً، بالمعنى الذي أشرنا إليه، فمن جملة النصوص الصادرة عنه (عليه السلام)ما ينقله الطبري: «أمَّا بعد، فإن الله اصطفى محمَّداً على خلقه، واختار أهل رسالته، ثم قبضه الله إليه، وكنّا أهله وأوصياءه، وأحق الناس بمقامه في الناس،
________________________________________
(8)مقتل الحسين (عليه السلام) ، أبو مخنف الأزدي، نشر مكتبة آية الله المرعشي النجفي، قم، عام 1398هـ، ص 118.

[الصفحة - 14]


فاستأثر علينا قومنا بذلك، فرضينا وكرهنا الفرقة، وأحببنا العافية، ونحن نعلم أنّا أحقّ بذلك الحقّ المستحق علينا ممن تولّاه... وقد بعثت رسولي (هذا كتابه إلى أهل الكوفة بعثه مع مسلم) إليكم مع هذا الكتاب، وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه، فإنّ السنّة قد أميتت، وإن البدعة قد اءُحْيِيَت، وأن تسمعوا أمري وتطيعوا قولي، أهدكم سبيل الرشاد» (9).
يقول صاحب هذه النَّظرية: إنَّ هذه الرسالة واضحة في الدلالة على أن الإمام الحسين (عليه السلام)كان يستهدف الإطاحة بالحكم، وكان الهدف من حركته إزاحة الحكم الجائر المنحرف، واستلام المقام والحق الشرعي الذي هو حقُّه، والذي من دونه لا يمكن إقامة حكم الله، ولا يمكن تطبيق شريعة الله بالشكل الكامل، التام.
3 ـ رسالة أخرى بعثها مع شخص آخر عندما تحرّك من مكة إلى العراق، ينقلها الطبري أيضاً، وجاء فيها: «أمّا بعد، فإن كتاب مسلم بن عقيل جاءني يخبرني فيه بحسن رأيكم واجتماع ملئكم على نصرنا والطلب بحقِّنا، فسألت الله أن يحسن الصنع، ويثيبكم على ذلك من أجر» (10).
وواضح أنَّ هذه الرسالة مليئة بالدَّلالة على أن الإمام الحسين (عليه السلام)كان يستهدف الإطاحة بالحكم، وكان يدعو الله لأولئك الذين اجتمع شملهم وملأهم على نصرته وإرجاع حقِّه إليه، وكلّه تفاؤل وأمل: «وقد شخصت إليكم من مكة، يوم الثلاثاء، لثمانٍ مضين من ذي الحجة، يوم التروية، فإذا وصلكم رسولي، فانكمشوا في أمركم وجدّوا، فإنّي قادم عليكم في أيامي هذه».
4 ـ رسالة أخرى ثالثة، بعثها الإمام مع مسلم إلى الكوفة، ولعلّها تكملة الرسالة السابقة، حيث يقول فيها: «قد بعثت رسولي إليكم، وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيه، فإنّ السنّة قد أميتت...»، إلى أن يقول: «فإنه كتب إليّ قد اجتمع رأي ملئكم وذوي الحجا منكم على ما قدّمت به رسلكم، أقدم إليكم إن شاء الله، فلعمري ما الإمام إلّا العامل بالكتاب والقائم بالقسط والدائن بدين الحق والصلاح».
والنَّص واضح في الدَّلالة على أن الإمام الحسين (عليه السلام)بعث مسلماً من أجل
________________________________________
(9)تاريخ الأمم والملوك، ابن جرير الطبري، نشر مؤسسة الأعلمي، بيروت، ص 266.
(10)المصدر نفسه، ج4، ص 297.

[الصفحة - 15]


استطلاع الوضع، وليرى إن كان الملأ وذوو الحجا مستعدِّين واقعاً للحرب، والنهوض بهذا العبء الثقيل؟ حتى يتحرك هو بنفسه، وقد علّق المسألة على إخبار مسلم: «إذا أرسل لي قد اجتمعت الكلمة سوف أقدم عليكم وشيكاً» (11)يؤكد الكلمة ويعطي المفهوم، ويقول: «فلعمري ما الإمام إلّا العامل بالكتاب»، هذا الشخص المتصدّي (يزيد)، ليس صالحاً وعاملًا بالقسط، فهو (عليه السلام)لم يرد أن يكون أميراً عليهم ومتسلطاً وحاكماً، بل من أجل إقامة الكتاب والقسط.
5 ـ خطبة الإمام (عليه السلام)يوم عاشوراء في كربلاء، عندما يدعو على أهل الكوفة الذين كتبوا له الرسائل، وبعثوا له الرسل، ثم غدروا به، وقد جاء فيها قوله: «... تبّاً لكم أيّتها الجماعة وترحاً، أحين استصرختمونا والهين فأصرخناكم موجفين، سللتم علينا سيفاً لنا في أيمانكم، وحششتم علينا ناراً اقتدحناها على عدوِّنا وعدوّكم، فأصبحتم ألباً لأعدائكم على أوليائكم، بغير عدلٍ أفشوه فيكم، ولا أملٍ أصبح لكم فيهم، فهلّا لكم الويلات، تركتمونا والسيف مشيم، والجأش طامن، والرأي لما يستحسن» (12).
وهذا الكلام يدلّ على أنّ مجيء الإمام، من المدينة، كان من أجل إقامة حكم الله في الأرض، نتيجة الطلب الذي طُلِب منه.
هذه الأقوال وأمثالها من الشواهد، يوردها أصحاب هذا التفسير (التفسير السياسي)، ليؤكدوا أن الدافع الحقيقي لتحرُّك الإمام الحسين (عليه السلام)، والهدف الذي خطط له في حركته، إنَّما هو إقامة حكم الإسلام والإطاحة بالحكم الطاغوتي القائم.
لقد كنت أتصوَّر أن هذه النظرية من النظريات المستحدثة، لكني في مراجعة لكتاب بحار الأنوار، في الجزء الخامس والأربعين منه، رأيت أن صاحب البحار، ينقل مقطعاً عن كتاب تنزيه الأنبياء للسيد المرتضى، يذكر فيه هذا التفسير نفسه.
كلام السيد المرتضى في تنزيه الأنبياء
قال السيد (رحمه الله)، في كتاب تنزيه الأنبياء: «فإن قيل: ما العذر في خروجه، صلوات الله عليه، من مكّة بأهله وعياله إلى الكوفة، والمستولي عليها أعداؤه، والمتأمّر فيها من قبل يزيد اللّعين منبسط الأمر والنّهي، وقد رأى صنع أهل الكوفة
________________________________________
(11)انظر، في شأن هذه النصوص، الإرشاد، للشيخ المفيد، ج2، ص 39.
(12)تحف العقول، ابن شعبة الحرّاني، الطبعة الثانية، 1303هـ.ق، نشر جماعة المدرسين، ص 240.

[الصفحة - 16]


بأبيه وأخيه، صلوات الله عليهما، وأنهم غادرون خوّانون، وكيف خالف ظنّه ظن جميع نصحائه في الخروج، وابن عباس (رحمه الله) يشير إليه بالعدول عن الخروج ويقطع على العطب فيه، وابن عمر لمّا ودّعه (عليه السلام)يقول له: أستودعك الله من قتيل، إلى غير ذلك ممَّن تكلّم في هذا الباب.
ثم لما علم بقتل مسلم بن عقيل، وقد أنفذه رائداً له، كيف لم يرجع ويعلم الغرور من القوم، ويفطن بالحيلة والمكيدة، ثم كيف استجاز أن يحارب بنفر قليلٍ لجموعٍ عظيمةٍ خلفها مواد لها كثيرة، ثم لمّا عرض عليه ابن زياد الأمان، وأن يبايع يزيد، كيف لم يستجب حقناً لدمه ودماء من معه من أهله وشيعته ومواليه، ولِمَ ألقى بيده إلى التهلكة وبدون هذا الخوف سلّم أخوه الحسن الأمر إلى معاوية، فكيف يجمع بين فعليهما في الصحة؟
الجواب قلنا: قد علمنا أن الإمام متى غلب على ظنه أنّه يصل إلى حقه والقيام بما فوّض إليه بضرب من الفعل وجب عليه ذلك، وإن كان فيه ضرب من المشقّة يتحمّل مثلها تحمّلها، وسيّدنا أبو عبد الله لم يسر طالباً للكوفة إلا بعد التوثّق من القوم وعهود وعقود، وبعد أن كاتبوه طائعين غير مكرهين ومبتدئين غير مجيبين، وقد كانت المكاتبة من وجوه أهل الكوفة وأشرافها وقرّائها تقدّمت إليه في أيام معاوية، وبعد الصّلح الواقع بينه وبين الحسن، فدفعهم، وقال في الجواب ما وجب، ثم كاتبوه بعد وفاة الحسن ومعاوية باق فوعدهم ومنّاهم، وكانت أيام معاوية صعبة لا يطمع في مثلها، فلما مضى معاوية وأعادوا المكاتبة وبذلوا الطاعة وكرّروا الطلب والرغبة، ورأى من قولهم على ما كان يليهم في الحال من قبل يزيد وتسلّطهم عليه وضعفه عنهم ما قوّى في ظنه أن المسير هو الواجب، تعيّن ما فعله من الاجتهاد والتسبّب، ولم يكن في حسبانه أن القوم يغدر بعضهم، ويضعف أهل الحق عن نصرته، ويتفق ما اتفق من الأمور الغريبة، فإن مسلم بن عقيل لما دخل الكوفة أخذ البيعة على أكثر أهلها، ولما وردها عبيد الله بن زياد لعنه الله وقد سمع بخبر مسلم ودخوله الكوفة وحصوله في دار هاني بن عروة المرادي على ما شرح في السيرة، وحصل شريك بن الأعور بها جاءه ابن زياد عائداً، وقد كان شريك وافق مسلم بن عقيل على قتل ابن زياد عند حضوره لعيادة شريك، وأمكنه ذلك، وتيسّر له فما
________________________________________

[الصفحة - 17]


فعل، واعتذر بعد فوت الأمر إلى شريك بأن ذلك فتك، وأن النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) قال: إن الإيمان قيد الفتك، ولو كان فعل مسلم من قتل ابن زياد ما تمكّن منه، ووافقه شريك عليه لبطل الأمر ودخل الحسين (عليه السلام) الكوفة غير مدافع عنها، وحسر كلّ أحد قناعه في نصرته واجتمع له من كان في قلبه نصرته وظاهره مع أعدائه، وقد كان مسلم بن عقيل ـ لما حبس ابن زياد هانياً ـ سار إليه في جماعة من أهل الكوفة حتى حصره في قصره، وأخذ بكظمه وأغلق ابن زياد الأبواب دونه خوفاً وجبناً حتى بث الناس في كل وجه، يرعبون الناس ويرهبونهم ويخذلونهم عن نصرة ابن عقيل، فتقاعدوا عنه وتفرّق أكثرهم حتى أمسى في شرذمة وانصرف، وكان أمره ما كان، وإنما أردنا بذكر هذه الجملة أن أسباب الظفر بالأعداء كانت لائحةً متوجهةً، وأن الاتفاق السيء عكس الأمر إلى ما يرون، ومن صبره واستسلامه وقلّة ناصره على الرجوع إلى الحق ديناً أو حميَّةً فقد فعل ذلك نفر منهم حتى قتلوا بين يديه شهداء، ومثل هذا يطمع فيه ويتوقَّع في أحوال الشدة.
فأما الجمع بين فعله وفعل أخيه الحسن (عليه السلام)فواضح صحيح، لأن أخاه سلّم كفَّاً للفتنة وخوفاً على نفسه وأهله وشيعته، وإحساساً بالغدر من أصحابه، وهذا لمّا قوي في ظنِّه النصرة ممن كاتبه، ووثق له، ورأى من أسباب قوة نصّار الحق، وضعف نصّار الباطل ما وجب معه عليه الطلب والخروج، فلما انعكس ذلك وظهرت أمارات الغدر فيه وسوء الاتفاق رام الرجوع والمكافَّة والتسليم، كما فعل أخوه (عليه السلام)فمُنع من ذلك، وحيل بينه، فالحالان متفقان إلّا أن التسليم والمكافّة عند ظهور أسباب الخوف لم يُقبلا منه، ولم يجب إلا إلى الموادعة وطلبت نفسه (عليه السلام)، فمنع منها بجهده، حتى مضى كريماً إلى جنة الله ورضوانه، وهذا واضح لمتأمِّله» (13).
على كل حال هذا التفسير هو التفسير الثاني، بحسب تسلسل العناوين التي بيّناها.
التَّحفُّظات تجاه التفسير السياسي
هذا التفسير، على الرُّغم ممَّا فيه من امتياز أشرنا إليه، وعلى الرُّغم من الشواهد التي يمكن أن تذكر، وذكرت لتثبيته، على الرغم من ذلك لا يمكن الأخذ به وتبنّيه لخصوصيات وملاحظات هي:
________________________________________
(13)تنزيه الأنبياء، الشريف المرتضى، الطبعة الثانية 1409هـ.ق، نشر دار الأضواء، بيروت، ص 227 ـ 231.

[الصفحة - 18]


الملاحظة الأولى: إنَّ قسماً من هذه الشواهد التي يذكرها هؤلاء قابل للتفسير على ضوء نظرية ثالثة، وهي النظرية التي سمّيناها بالنظرية التاريخية الرسالية، فهذه النصوص فيها دلالة على أنّ الإمام الحسين (عليه السلام)كان يطرح أمام النَّاس مفهوماً مفاده أنّ الحق لا بدّ من أن يرجع إلى أهله، وأنّ الحاكمية ـ الخلافة لا تكون إلّا لأهلها، وأنّ هؤلاء الحكّام ظلمة، لا يقيمون كتاب الله، ولا القسط في الأرض، ولا بدّ من أن يسقطوا عن هذا المنصب الذي أخذوه ظلماً وعدواناً.
إلّا أنّ هذا لا يعني أنّ الدافع الحقيقي للإمام الحسين (عليه السلام)كان منحصراً بهذا، ولا يعني أنّ الإمام الحسين (عليه السلام)ـ منذ تحركه ـ يتصوّر، أو يظن ظنّاً قويّاً، أو يعلم علم اليقين، أنه لن يستشهد، هذه النصوص والكلمات جميعها قابلة للتفسير بشكل آخر، لأنّ الإمام الحسين (عليه السلام)حتى إذا كان مصمّماً على أن يقوم بعمليةٍ واقعها الاستشهاد لغرض جعل الأمَّة تاريخياً في مسارها الصحيح، كما سنشرحه في النظرية الثالثة، لا بد له من أن يعطي لحركته معنىً معقولًا، ويبيّن لثورته مغزى رسالياً إسلامياً، فإنّ حقيقة المحنة والمشكلة كانت تتمركز في الجانبين: السياسي والاجتماعي من حياة الناس، إذ إنَّه في تلك الآونة كانت الأمَّة ـ كأفراد ـ تطبق الأحكام الشرعية، فكانوا يصومون ويصلّون ويحجّون..، كما قال لهم معاوية عندما دخل مسجد الكوفة وصعد المنبر: «أيّها الناس، ما حاربتكم لتصوموا وتصلّوا وتحجّوا...» (14)كانوا في زمن معاوية يصومون ويصلّون، فالتكاليف والأحكام الفردية في تلك الآونة كانت مقامة.
نعم هذا الخط القيادي المنحرف كان يؤدِّي إلى مسخ الرسالة حتى في جانبها الفردي على الخط الطويل، إلّا أنّ المشكلة الآنيَّة في تلك الآونة بالذات لم تكن بادية في الجانب الفردي، ومقابل الأحكام الفردية، بل كانت في الجانب السياسي، وهذه حقيقة كانت موجودة آنذاك، وهي مشكلة الأمة الإسلامية، أو مبدأ المشكلة، ومبدأ انحراف الأمة، والإمام (عليه السلام)كان يعرف أن هذه المشكلة ـ الانحراف لا تنتهي إلّا إلى مسخ كل الشريعة بجميع جوانبها، فهو عندما يطرح المشكلة الحقيقية، يطرح الإسلام الحقيقي، والمبدأ الحقيقي، للأغراض في التجربة الإسلامية، لكنَّ علمه بأنه لن يرجع الأمور إلى هذا النصاب، لا يعني أنه لا يجب أن يطرح المسائل،
________________________________________
(14)انظر نصّ الحديث في الغدير، للشيخ عبد الحسين الأميني، ج1، ص 326.

[الصفحة - 19]


بل على العكس، لا بد من أن يبين للناس أن هذه العملية التي سوف يقوم بها هي من أجل هذا المبدأ الأساسي الذي يمثل في الواقع روح الإسلام، ومن دون ذلك لا يمكن للرسالة أن تحكم.
إذن فطرحه مفهوم الحاكمية، وأن الحقَّ لا بد من أن يرجع إلى أهله، وأن الإمام عامل في كتاب الله ومقيم بالقسط، هذه المفاهيم والشعارات التي كان يطرحها لثورته عنواناً، لا بد من أن تطرح على كل حال، حتى ولو كان يعلم بأنَّه سوف يستشهد، وذلك من أجل تنبيه الأمة إلى منشأ الخطر ومبدئه وأساسه، وأن ضياع الحق الذي قام به هؤلاء ـ وأسهمت الأمة أيضاً فيه ـ سوف يؤول إلى تلك النتائج الخطيرة، فكان لزاماً على الإمام أن يُفهم الأمة ذلك بطرحه الحق أو الشهادة، فمن جانب يوعي الأمة على هذا المفهوم، ويبين لها من أين يأتي الخطر، وفي الوقت نفسه يبيّن أمراً واقعياً وصحيحاً ـ ولعله بعلمه العادي لا بعلمه الغيبي ـ فبعلمه العادي كان يظن ويرجّح أنه يستشهد، وهناك احتمال ضعيف أن لا يستشهد، ولعل أمراً يحدث تستطيع الأمة أن تنهض من خلاله وترجع للإمام زمام التجربة الإسلامية، هذا الاحتمال لو كان موجوداً يساعد على طرح هذا المفهوم، سيما وأنهم هم الذين ربّونا وعلَّمونا أن الله، سبحانه وتعالى، قد يفدي في بعض الأمور، فدى الله إسماعيل.. {يمحو الله ما يشاء، ويثبت وعنده أمّ الكتاب} ، فلعله ـ ولو على احتمال ضعيف ـ يتوفَّق في الإمساك بزمام الحكم وإقامة حكم الله.
هذه الشِّعارات والمفاهيم لا تدل على أن التخطيط كان تخطيطاً لاستلام الحكم فقط، ولم يكن هناك أي هدف آخر للإمام، وأنه لم يكن يحتمل شهادته احتمالًا قوياً، بل قد يحتمل، أو يتيقن بحسب العلم العادي.
والمشورات التي أجراها الإمام (عليه السلام)مع بعض الصحابة والأصحاب، تشير إلى أنه كان يظن أنه سيستشهد، ومع ذلك طرح هذه الشعارات لتكون مربِّية للأمَّة وموعيَّة لها على المسؤولية الإسلامية، وعلى تحديد مصدر الخطر والانحراف الذي يترك آثاراً ونتائج وخيمة جدَّاً على أصل الرسالة.
إن الشواهد جميعها، مهما كثرت، لا تعين أن الإمام لم يكن ليستشهد أو كان
________________________________________

[الصفحة - 20]


احتمال استشهاده ضعيفاً، نعم، كان القوي ـ في نظري ـ أنه سوف يتوفق في الإطاحة بنظام الطاغية يزيد، ويحكم الأمة الإسلامية.
الملاحظة الثانية: هناك شواهد عكسية، ذكر قسماً منها أصحاب هذه النظرية أنفسهم، لكنَّهم حاولوا مناقشتها، وهي التصريحات الواردة عن الإمام الحسين (عليه السلام): «شاء الله أن يراني قتيلًا» «من رحل معي استشهد».
وقد ناقش أصحاب النظرية الثانية هذه الرِّوايات سندياً وتاريخياً، ووصلوا إلى هذه النتيجة، وهي أن هذه الروايات ليست ذات أصول صحيحة.
لكنَّنا، في الحقيقة، لانحتاج إلى تصحيح هذه الروايات التي تنقل عن الإمام الحسين (عليه السلام)، والتي تدل دلالةً صريحةً على أنه سوف يستشهد في هذا الطريق، فهناك شواهد أخرى، من جملتها، طبيعة الأحداث التي تقع، والتي إذا درسناها نستطيع استخلاص معطيات تؤكد أن الإمام الحسين (عليه السلام)كان ـ على الأقل ـ يظن (إن لم يكن يتيقن) أن النتيجة كانت هي الاستشهاد، وكسب المظلومية، وإيجاد ما يدل أمام جمهور المسلمين على المستوى الكبير من الإجرام والجناية والبعد عن الإنسانية ـ فضلًا عن البعد عن الإسلام والمبادى الإسلامية ـ التي وصل إليها هؤلاء الحكّام والسلاطين، فلو لاحظنا نسق الوقائع نجد أن الإمام الحسين (عليه السلام)قد أخرج معه أهله وأطفاله وجميع أفراد عائلته إلى الكوفة، فإذا كان له غرض سياسي فقط ـ كما يقول صاحب هذه النظرية ـ ويظن ويتأكد من نجاح عمله السياسي، فما هو دور النساء والأطفال في هذه الخطّة السياسية، نعم لهؤلاء دور محتمل في تحقيق الهدف الذي تعيّنه النظرية الثالثة أو التفسير الثالث، وهو إيجاد النتيجة المأساوية على مستوى جميع المبادى والتصورات لتهزّ مشاعر جميع الناس، وتسقط اعتبار الحاكمين والمتسلّطين أمام كلّ منطق وكل تصوّر.
فإذا كان هذا هو الهدف فهو يتوقّف على أخذه (عليه السلام)لأطفاله وعياله، وشحن كل ما يضاعف ويفاقم من حجم الأمور، ويزيد في المأساة مأساةً، أو يعطي المظلومية الحقيقية للإمام الحسين (عليه السلام)، ويبرز الأعداء على مستوى أبشع المجرمين، هذا الوضع الذي كان موجوداً في قافلة الإمام الحسين (عليه السلام)
________________________________________

[الصفحة - 21]


يشهد على أن الذي كان يستهدفه هو ـ على الأقل ـ الشهادة المحتملة إن لم تكن المؤكَّدة عنده.
وبالحد الأدنى، كان ذلك هدفاً منشوداً له، فإذا لم يقدّم الله، سبحانه وتعالى، النجاح له يتنزَّل إلى الهدف الثاني، وهو إيجاد تلك الهزّة العنيفة، عبر جميع هذه الأمور التي تزيد مأساوية القضية وبشاعة المجرمين.
ومن الشواهد الأخرى على ما نقوله، عدم التراجع بعد العلم بمقتل مسلم بن عقيل، فلو كان للإمام هدف سياسي فقط لا غير، بالمعنى الذي شرحناه، فهو قد علم في الطريق أنّ مسلماً قد قتل، وكان بإمكانه التراجع، لأن الهدف انتهى، إذا كان الاستيلاء على السلطة فحسب، بحيث لو كان يعلم منذ البداية أنه لن يصل إلى النتيجة لم يكن ليتحرك أساساً، إذن فبعد أن علم، في هذه الأثناء، وانتهى إليه غدر أهل الكوفة بمسلم وقتله، كان لا بدّ له من الرجوع، إذ في غير الكوفة لم يكن له من مطيع، نعم في البصرة كان له بعض الموالين لكنهم لن يفعلوا شيئاً أمام عبيد الله بن زياد، فعندما يُحكم قبضته على الكوفة مع ما فيها من أنصار، فمعنى ذلك أنه أقدر على الاستيلاء على البصرة ومن يأتي منها، وعليه فإذا كان هدفه منحصراً في هذا التفسير فلا بد له من أن يرجع ويترك الأمر.
وهكذا بعد تأكيد الفرزدق له بتلك الكلمة المعروفة: «إن قلوب الناس معك وسيوفهم عليك» (15)، وعدم تكذيبه قوله، كان عليه التراجع، وعدم تراجعه معناه أن عنده هدفاً أكبر من هذا، فلم يكن ينظر إلى مسألة الحكم في إطار تلك المرحلة الزمنية المحدودة من التاريخ الإسلامي فحسب، بل كان له نظر أبعد، نظرٌ إلى جميع أزمنة الأمة الإسلامية وتاريخها، وذاك متوقّف على عمليّة أخرى تشرحها النظرية الثالثة.
ومن جملة الشواهد، على هذا الموضوع، أنّ الإمام الحسين (عليه السلام)، عندما نراجع التاريخ، بادر إلى القيام بهذا العمل بعدما واجه الضغوط من حكّام بني أميّة في المدينة، ولم يبادر بنفسه ارتجالًا، بل وجِّهت الضغوط إليه، أولًا، بطلب مبايعة يزيد حتّى كلّف يزيد والي المدينة بضرب عنقه إن لم يبايع، وعقب ذلك قام بثورته.
وأيضاً هناك كلمات صادرة من الإمام الحسين (عليه السلام)تبيّن أن هؤلاء لن يتركوه
________________________________________
(15)مقاتل الطالبيين، أبو الفرج الأصفهاني، تحقيق كاظم المظفّر، نشر مؤسسة دار الكتاب، قم، الطبعة الثانية، ص 73.

[الصفحة - 22]


إلا بعد أن يخرجوا هذه العلقة من جوفه (16)، أي يقتلونه، وهذه التعبيرات الواردة عنه (عليه السلام)تعني أنّ تحرُّكه في الواقع قد انطلق من أنهم سوف يقتلونه، ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة، فلو كان له هدف إقامة الحكم الإسلامي فقط بالنحو الذي يقوله أصحاب هذه النظرية، لأن الشروط كانت مؤاتية والشيعة والموالون للإمام الحسين (عليه السلام) كانوا مؤهلين، كما كاتبوه وراسلوه، فهذا يقتضي التحرك سواء أراد الأمويون قتله أم لم يريدوا، وهذا معناه أنه (عليه السلام)لا يملك إلَّا خيارين لا ثالث لهما، إما أن يترك الأمة ويذهب إلى الهند أو غيرها، ويصبح إنساناً مجهولًا، وهذا ما يخالف المسؤولية الشرعية الملقاة على عاتق كل إنسان، إذ فيه ترجيح لأصالة السلامة الذاتية على سلامة الأمّة، أو أن يأخذ بالخيار الثاني، وهو الشهادة بهذا الشكل، ومن ثم يقوم بالهدف التاريخي.
وهناك شواهد أخرى من هذا القبيل، بالإمكان استخلاصها من مسيرة الإمام وكلماته، تدل على أنه منذ أن تحرك من المدينة ومكة كان قد نصب أمام عينيه فكرة النهاية الاستشهادية لهذه الحركة، أو ترجيح ذلك، وكانت إمّا تمام غرضه وهدفه أو ـ على الأقل ـ أحد الهدفين، لو فرض أنه عُدم التقدير الإلهي بالنجاح في استلام الأمور، وكان لهذا الاستشهاد الدور التاريخي الذي نشرحه في النظرية الثالثة.
النظرية الثالثة: التفسير الرِّسالي
كان ما تقدَّم حديثاً عن التفسير السياسي لحركة الإمام (عليه السلام)، طبعاً بالمعنى الرِّسالي للسياسة، أي السياسة من أجل إقامة حكم الله، وقلنا: إن هذا التفسير، رغم ما فيه من مزايا ونقاط إيجابية، ليس هو التفسير الذي يعكس تمام الواقع والحقيقة في قضية الإمام الحسين (عليه السلام).
هذا التفسير تفسير جزئي ومرحلي، يجعل من هدف الإمام، ومن دافع ثورته، هدفاً ودافعاً محدودين؛ وذلك على الرُّغم من أنهما شرعيَّان صحيحان يستحق أن يبذل في سبيلهما الدم، إلا أن الدافع الذي نتصوره لهذه الثورة المباركة أعمق وأوسع ممَّا يذكره هذا التَّفسير، وسوف نشرح تصوراتنا عن أبعاد الثورة الحسينية ودوافعها وأدوارها بعد عرض سلسلة مقدّمات تهدف إلى توضيح رؤيتنا هنا.
________________________________________
(16)الإرشاد، مصدر سابق، ج2، ص 76.

[الصفحة - 23]


ضرورة تحويل المفاهيم الذِّهنية إلى إيمان قلبي
1 ـ إن الأفكار والمفاهيم والقيم الكمالية والرسالية والإنسانية، إذا ما بقيت على مستوى المفهوم والنظرية، وفي إطار عالم الذهن والعقل والإدراك، لا تستطيع تحريك الإنسان، ولهذا لا بد لأي فكرة صحيحة، يراد لها تحريك الإنسان نحو عمل، أو موقف أو سلوك، من النزول من عالم الإدراك الذهني المجرّد إلى عالم القلب والعاطفة والوجدان... لأن الذي يحرّك الإنسان إنما هو القلب، لا العقل المجرّد، والقلب، وما يسمّيه علم النفس «حب الذات»، هو الباعث والمحرّك الأساسي لكل شيء، وهو الشوق والحب والعاطفة، لا الفكرة المجرّدة، مهما كانت صحيحة وسليمة وقوية من الناحية النظرية المجرَّدة، فلا تكفي سلامتها وصحتها النظرية إذا أريد من ورائها أن تكون فاعلةً ومؤثِّرةً ومغيِّرة لحياة المجتمع ونمط عيشه، بل لا بد من أن تكون قابلة للهبوط إلى عالم الوجدان الفردي.
لهذا نجد أن الأنبياء استطاعوا تغيير التاريخ والبشرية، أمّا الفلاسفة فلم يتمكَّنوا من ذلك، مع ما عندهم من الأفكار والاستدلالات المجردة والمصطلحات البارعة التي لعلها لا تقل عمّا في كلمات الأنبياء وأحاديثهم أو بعضهم على الأقل؟ فلماذا لم يستطيعوا تغيير الإنسانية تغييراً جوهرياً أساسياً مشهوداً بمقدار ما غيَّر الأنبياء؟
أحد عوامل هذه الظاهرة هو في الواقع خطاب الفلاسفة، حيث يتكلمون مع العقل المجرّد، ولا يتمكَّنون من النزول من عالم العقل هذا إلى عالم القلب، ليناجوا ويناغوا قلوب الناس ومشاعرهم وأحاسيسهم ووجدانهم وفطرتهم.
ضرورة القدوة المجسّدة المحسوسة في تربية الإنسان
2 ـ يتأثر الإنسان ـ لكونه حسِّياً ـ بالمحسوس أكثر منه بالمعقول، يتأثَّر بالقدوة المجسَّدة أمامه أكثر مما يتأثر بالمفهوم الخاص، فإذا أردت أن تبيِّن لشخص تريد تربيته ونصحه ورشده، مفهوماً من المفاهيم، كمفهوم الأمانة، أو المواساة، أو التضحية في سبيل المبدأ، فتارةً تشرح له هذه الفكرة بوصفها مفهوماً، فتبيّن له ذلة الخيانة، وأن الأمانة من الصفات القيّمة الحميدة، أو توضح له معنى المواساة، لكن
________________________________________

[الصفحة - 24]


الأثر لا يبلغ تلك المرتبة التي تنقل له فيها قصة إنسان اتخذ موقفاً يتّسم بالمواساة، ذلك أن درجة التأثّر ومستوى التربية سوف يتضاعفان ويتزايدان، لأنه سوف يواجه أمامه إنساناً قدوة، مجسَّداً في الخارج، بينما في الحالة الأولى لا يوجد غير مفهوم ونظرية، وكم هو الفرق كبير بين أثر النظرية والمفهوم وأثر القدوة والتعبير الخارجي!
وهذه الحالة تنشأ من النزعة الحسية في الإنسان، فالقدوة هي شيء محسوس ملموس أمامه، تأثير الإحساس وانجذاب الإنسان له أكثر بكثير من القضية المفهومية المفرّغة من التجسيد الخارجي، وهذا أمرٌ ثابت، ولهذا نجد الأئمة (عليهم السلام)يؤكدون ضرورة أن نكون لهم دعاةً بغير ألسنتنا، أي بالأعمال والأفعال والسلوك (17).
يمكننا القول: إنَّ النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) والأئمة (عليهم السلام)نجحوا ـ وبنسبة الثمانين في المئة ـ في أداء أدوارهم نتيجة عنصر التجسيد هذا لأنموذج الإنسان الصالح في المجتمع الذي كانوا يمثِّلونه، أمَّا لو اكتفوا في مجال التغيير بمجرد التعبيرات والتنظيرات والمفاهيم والكليات والقضايا العامّة فما كانوا لينجحوا أكثر من عشرين في المئة، ولعل بعض أدوارهم لم يكن ليكتب لها النجاح أساساً.
مرض الفتور في إرادة الأمّة الرساليّة وروحيَّاتها
3 ـ هناك مرض وبيل تبتلى به أكثر الرسالات وأكثر الحضارات البشرية، وإذا استعرض الإنسان الحضارات لعله يجد أنّه لم تشذ عنه أية حضارة بشرية ولا رسالة سماوية، والتي قلنا سابقاً: إنَّها سارت وفاقاً للطُّرق البشرية والوسائل الإنسانية الاعتيادية في حركتها، عندما هدفت إلى التَّغيير الاجتماعي البشري، لا الطرق الغيبية، قال تعالى: {ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلًا وللبسنا عليهم ما يلبسون} .
هذا المرض يحدث في أيَّة أمّة ـ تبدأ نهضتها ونموّها ـ بعد مرحلة، فينتشر في عروقها عادة وغالباً إن لم يكن دائماً، فأيّ رسالةٍ في بداية أمرها لها جذوة ودفعة معيّنة في نفوس الموالين لها، وذلك قبل بروزها وشخوصها في الخارج واستيلائها على مقاليد الأمور، هناك حالة من الأمل والطاقة الروحية تدفع الناس إلى التضحية في سبيل تحقيق الرسالة التي اعتقدوا بها وآمنوا بصحتها، وعندما تتحقّق الرسالة وتحكم، يسري إليها المرض البشري من خلال نقاط الضعف الموجودة في التركيب
________________________________________
(17)مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، المحقق النوري، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، الطبعة الأولى، 1408هـ.ق، ج1، ص 116.

[الصفحة - 25]


الإنساني، ويدبّ هذا المرض في عروق الأمّة الرساليّة، لأنّ البشر ـ كأفراد ـ عندهم نقاط ضعف كثيرة، وأهواء تعود إلى تركيبة الإنسان من معجون الترابية والسماوية التي تضع فيه مزيجاً من النزوات والشهوات المنبثقة عن النفس الأمَّارة بالسوء.
هذه المداخل للضعف البشري تبدأ في هذه الأمّة تفاعلًا وبروزاً وشخوصاً للاستيلاء عليها والنفوذ في جسدها، فتأخذ هذه الأهواء بالتفاعل والطفو على السطح، وتظهر حالة الفتور في الأمّة الرساليّة، بعد أن لم تكن فيها مشكلات كهذه، وبهذه الدرجة، وبعد مرور مرحلة التأسيس، تبدأ نقاط الضعف البشريّة والشيطانيّة وتبرز الأهواء وتتفاعل وتحاول أن تسيطر على الوضع.
هذا المرض ليس مرتبطاً بالجانب المفهومي بقدر ما يرتبط بالجانب النفسي والإرادي من وجود الإنسان، وليس ناتجاً عن غموض المفهوم، بل إن الرسالة أسست وترسخت مفاهيمها ومعالمها، لكن نقاط الضعف الإنساني تبدأ بالحركة إلى أن تؤدي إلى أن تصبح الأمة الرسالية فاقدة لتلك الحالة من الاستعداد النفسي التي كانت عليها في بداية أمرها، حينما كانت متوجِّهة نحو تأسيس أصل الرسالة والحضارة التي آمنت واعتقدت بها، وهذه الحالة تنتاب المجتمعات البشرية، لأن أفرادها بشر، حتى لو كانت الرِّسالة ربَّانية، فبشرية الأفراد في ظل هذه الرسالة تجعلهم محكومين لهذا الواقع، رغم التربية الرسالية والربانية، فإن هذه التربية ربما لا تستطيع في بداية أمرها وإلى مدَّة طويلة من الزمن، أن تقتلع جذور هذه المشكلات وهذه الأمراض جميعها.
قراءة الشهيد محمد باقر الصدر لدوافع الثورة الحسينية
من مجموع هذه الأمور، نستطيع أن نخرج بتفسير ثالث لقضية الإمام الحسين (عليه السلام)، كان يذكره سيدنا ومولانا الشهيد الإمام محمد باقر الصدر، الذي كانت قضيته أشبه القضايا في عصرنا الحاضر، بقضية الإمام الحسين (عليه السلام)، كان يردد هذا التفسير بشكل أو بآخر، بين الفينة والأخرى، وكان يقول: إن الإمام الحسين (عليه السلام)كان يواجه خطراً من هذا القبيل (الفتور) في المجتمع الإسلامي في حياته.
________________________________________

[الصفحة - 26]


الأمَّة الإسلامية، وبعد أن ربّاها النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) وأسس رسالتها وحوّلها إلى أمة إسلامية رسالية، تفاعلت فيها نقاط الضعف وتمخّضت عن مسألة السَّقيفة، فالسَّقيفة عندما يدرسها الإنسان يجدها في الحقيقة بروزاً لعوامل الشرّ والهوى وحب السلطة والإمرة في نفوس المسلمين الذين كانوا يتحركون بين يدي النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) في القتال والجهاد، إلّا أن تلك الطاقة الحرارية والروحية التي كانت لديهم خفتت بعد وفاة النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)، وحيث أصبحت الأمة أمام إغراء الإمرة والسلطة، وهي محنة وابتلاء عظيمين، هذه النفوس التي كانت ضعيفة ولا تزال غير متربّية تربية كاملة، أخذت تتفاعل فيها النزعات والأهواء، فبرزت مسألة السقيفة، وحرفت قيادة الأمة الرسالية بالشكل الذي نعرفه جميعاً.
هذا التحريف أدَّى إلى تشوُّش مفهوم القيادة الإسلامية نتيجة استحواذ الشيطان على بعض المسلمين وإغرائهم بالسلطة، ما دفعهم إلى اغتصاب الحق من أهله، والمسألة في بداية أمرها، وتصوّر بعض من الناس ـ ونتيجة اشتراك بعض كبار الصحابة ـ أن ما وقع كان إسلامياً، لأن هؤلاء صحابة رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم)، وهم الذين نأخذ عن طريقهم الروايات والأحاديث عن رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم)، ففعلهم كأقوالهم، فكما أن أقوالهم معتبرة في نقل الحديث النبوي، إذن ففعلهم الخارجي معتبر أيضاً.
لقد وقع التشوُّش فعلًا، في أصل مبادىء الإمامة والولاية، وفي نوع الحكم الإسلامي وصيغته، ومضى التشويش أكثر من هذا، بحيث حازت أعمال عثمان في خلافته التي كانت واضحة في مخالفتها أوليات الإسلام، على حملٍ على نصحه في البداية لأنه خليفة، يجتهد، فتارة يخطى فيكون معذوراً عند الله، وأخرى يصيب.
هذه المشكلة تركزت مدَّةً ما، قبل الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام)، أي زمن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، واستطاع الإمام علي (عليه السلام)إبَّان المدة القصيرة من حكمه، أن يصون الرسالة منها، ويدفع خطر هذا المرض المفهومي الذي كان يدبّ في نفوس الأمة الإسلامية، والذي أدى إلى تشويه هذا الجانب من الرسالة، من خلال حكمه الناصع لسنوات أربع، استطاع تقديم المثل الأعلى لشكل الحكم الإسلامي العادل، والعدالة السياسية والاجتماعية في الإسلام، ولذلك نجد منذ
________________________________________

[الصفحة - 27]


البداية حدّية قوية لدى الإمام (عليه السلام)إلى درجة تصوّره متطرّفاً، فالعناوين الثانوية لم تكن بأي وجهٍ من الوجوه مما يمارسه الإمام (عليه السلام)، ولا نلاحظ في حياته السياسية والاجتماعية أي دورٍ لهذه العناوين، لقد قيل له: لا تعزل معاوية الآن، لو تسكت على الأقل، عن تعيينات عثمان للولاة إلى أن يعترف هؤلاء بخلافتك ويبايعونك، وبعد ذلك تستطيع عزلهم، بعد أن أخذت منهم البيعة، إذ لا يمكن لهم مخالفتك، لأنهم سيناقضون أنفسهم بذلك، كما لن تقبل الأمة، ولا أهل الشام عذرهم حينئذٍ.
وقد طرح عليه بعضهم عناوين من هذا القبيل، لكن الإمام لم يقبل منذ اللحظة الأولى ولم يراهن، ولم يجامل، ولم يجر على يديه سلوك من هذا النوع، بل منذ البداية حاول أن يعطي العنوان الأوّلي والصيغة الإسلامية الصحيحة للحكم الإسلامي العادل والقيادة الإسلامية العادلة، لأنه كان يريد بعمله الذي يجسّده في الخارج بحكمه، أن يدفع تلك التشويشات التي كانت قد أصيبت الرسالة الإسلامية بها نتيجة السقيفة، ونتيجة الأعمال التي قام بها من قبله، ما شوّش تلك الذهنية الإسلامية وصورة الحكم الإسلامي، ولو عمل الإمام (عليه السلام)بالعناوين الثانوية لما كان قادراً على تصحيح الواقع، فقد عرف الناس بطلان تلك الصورة من القيادة والحكم، من خلال التطبيق الكامل الحدّي الأوّلي للسياسة والقيادة الإسلامية التي جسّدها الإمام إبَّان حكمه، وقد كان (عليه السلام)موفَّقاً في علاجه بهذا المقدار.
لكن بماذا ابتلي الإمام الحسن (عليه السلام)؟
المشكلة التي امتحن، وابتلي بها، هي زيف معاوية الذي كان يمتلك من السمعة التاريخية المزيفة وتاريخ الصحبة مع النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) وحيثيات أخرى من هذا القبيل ما دفعه ليظهر بمظهر أحد الصحابة، فالإمام علي (عليه السلام)أحد الصحابة وهذا أيضاً واحدٌ منهم، نعم الإمام (عليه السلام)أفضل منه وأرفع منه وأكثر منه علماً إلخ...، إلّا أن هذا صحابي وذاك صحابي، ما يجعل الأمر ملتبساً أمام الناس، وقد كان معاوية قادراً بدهائه على تشويش ذهنية الأمة الإسلامية على هذا الصعيد، ليجعل من القضية قضية صراع بين صحابي وآخر أو صراع بين قبيلتين من القبائل المنتسبة معاً إلى المسلمين، وإلى قريش وإلى رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) على الحكم فلا فرق بينهما، إلا في أن هذا من الفخذ الهاشمي وذاك من الفخذ الآخر، وقد انطلت هذه الشبهة على
________________________________________

[الصفحة - 28]


الناس، وراج سوق هذه المغالطات بين المسلمين، وكان معاوية نفسه ممّن يروج هذه المغالطة بين الجماهير، بحيث بلغ الأمر حدَّاً لا يدري فيه الإنسان الذي يخرج إلى حرب معاوية مع الحسن (عليه السلام)سوى أنه يقاتل ليطيح بمعاوية ويأتي بدلًا عنه شخص من بني هاشم، ولم تكن الأبعاد الحقيقية للصراع بادية جلية أمام عموم الناس، كما لم تكن الخطوط التي تقود الصراع واضحة ومفهومة، ولم يدرك الكثيرون أن الصلح الذي قام به الحسن (عليه السلام)كان دافعه كشف أوراق معاوية بن أبي سفيان وخطه، ليعرف أن الحرب لم تكن بين فلانٍ وفلان من الصحابة، أو من قريش.
ومن هنا أصبحت صورة القيادة، بعد صلح الحسن، واضحةً أمام الناس على صعيد مشكل الحكم أو شخص الحاكم، ذلك كله نتيجةً لما قدمه الإمام علي (عليه السلام)من المواقف في السنين الأربع من الحكم، وما فعله الإمام الحسن في مسألة الصلح مع معاوية الذي جاء بعده إلى الكوفة مصرحاً بكلمته المشهورة: «ما حاربتكم لتصوموا أو تصلوا إنما حاربتكم لأتأمّر عليكم، وكل شرط شرطته للحسن تحت قدميّ هذين» (18)، مبيِّناً بهذه الصورة الصارخة تمام غرضه، وأن هدفه هو السلطة وحب السيطرة على الناس، وقد بدت الأمور أكثر وضوحاً من خلال ممارساته بعد ذلك مع شيعة علي، من قتله للنَّاس وسفكه للدماء الطاهرة، والصراعات والفتن التي كان يفتعلها بين القبائل...
وعقب ذلك، فإن ذاك الشخص الذي كان يخرج مع الإمام الحسن لمحاربة الشام وهو متردِّد في حربه، صار واضحاً لديه الآن، لماذا محاربة خط معاوية؟ وهو أمرٌ لم يمكن إعطاؤه في اليوم الأول لأصحاب الإمام الحسن بالمفهوم الكامل، بل عندما صالح الإمام الحسن (عليه السلام)وانحسر سياسياً وأخلى الساحة لهذا الطاغية الذي كان مبرقعاً ببرقع الإسلام وصحبة النبي وكتابة الوحي...، أضحت هذه الحقيقة واضحة خلال المدّة التي حكم فيها معاوية.
إذن ففي عهد الإمام الحسين (عليه السلام)كانت صورة القيادة الإسلامية وشرائط القائد الإسلامي واضحة أمام الذهن الجمعي للناس، فماذا كانت المشكلة إذن؟
لقد كانت هناك مشكلة أخرى بدأت من حيث انتهى معاوية نفسه، استطاع
________________________________________
(18)المصدر نفسه.

[الصفحة - 29]


انحراف السقيفة أن ينتهي إليها، هذا المرض هو أن معاوية وخلال المدَّة التي حكم فيها أسهم ـ بعد وضوح أمره على مستوى الوعي العام ـ في خلق انحراف آخر في الأمة، وهو إفساد الضمائر والإرادات بالمغريات والتَّرغيب من جانب والترهيب والقتل من جانب آخر، فزيادٌ كان من أصحاب الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وكان والي فارس من قبله، لكنه انقلب إلى عدوّ لدود له بعد استشهاده، لا لأن قلباً في المفاهيم والتصورات الإسلامية، حصل عنده، بل قلبته، في الواقع المغريات التي قدمها له معاوية، والتي كان منها إلحاقه بأبي سفيان، وهذه المغريات أثَّرت على شخصيته، فانقلب من موالٍ للإمام، بل ممن نصَّبهم (عليه السلام)ـ وهو لا ينصّب إنساناً فاجراً فاسقاً منحرفاً بل كان حينها إنساناً عادلًا ـ إلى معادٍ، إذ غلب جانب العواطف والشهوات فيه جانب الفكر والمنطق والعقل، لأن في الإنسان جانبين، قد يمرض أحدهما ويكون الآخر صحيحاً سليماً، فقد يعرف الحق لكن يتركه مع علمه بخطأ ما يفعل.
لو راجعنا التاريخ لرأينا أن معاوية قام في هذه المرحلة (عشرون سنة) بأشياء عجيبة وغريبة في هذا المجال، فقد استطاع واقعاً أن يفسد بها أكثر أفراد الأمة الإسلامية إلا من عصمهم الله، أو بقي على صلة بالأئمة وبكتاب الله، أو كان مشرَّداً أو مقتولًا، كما هي الحال في عصرنا الراهن في عدة نقاط في العالم بما في ذلك عالمنا الإسلامي.
فالإمام الحسين (عليه السلام)تولَّى الإمامة، وهو يجد أمامه أمَّةً خائرةً في إراداتها، عالمةً بأن الحق معه، لكنها مائعة في ضميرها، ذليلة تلهث وراء المصالح الشخصية والمقامات والعطاءات التي كان يعطيها الوالي أو الخليفة، إننا نجد في محاورات الإمام الحسين (عليه السلام)مع عمر بن سعد يوم عاشوراء ما يدل على ذلك من كلام عمر بن سعد: إن لي ضياعاً كذا وكذا، جملةٌ من استدلالات واهية، وهو يعرف أن الإمام الحسين (عليه السلام)ابن بنت رسول الله لا يشك في ذلك، ويعرف أنه أحقّ بالخلافة من يزيد، سيما وأن الأخير شخصية معروفة مكشوفة، وهو ليس من قبيل معاوية، فليس عنده صحبة معاوية مع رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم)، ولا له تاريخ معاوية أيضاً... هذا كله كان واضحاً للمسلمين جميعاً، بمن فيهم قتلة الحسين (عليه السلام)وقوّاد قتلته أمثال عمر بن
________________________________________

[الصفحة - 30]


سعد، إلا أن الذي كان يمنعه ضياعه، يريد مُلك الرّي، وهذا يعني أن الضمير قد أفسد فساداً كاملًا من قبل الجهاز الحاكم، واستطاع هذا الجهاز أن يحوِّل هؤلاء من أناس يملكون إرادتهم ويترفَّعون عن المغريات والشهوات إلى ذليلين استعبدتهم الملذَّات حق الاستعباد.
ومع الحالة المرضية لا يكفي، في إصلاح الأمَّة وتخليصها، مجرّد الكلام بالمفاهيم والنظريات، فالمفاهيم جميعها مفهومة لا التباس فيها، ولهذا يقول له الفرزدق: «قلوبهم معك»، أي يعرفون أنك أحق ولا نقاش في ذلك.
هذا المرض من أخطر الأمراض التي تبتلى بها الأمم الرسالية جميعاً، وهو مصدر شقائها وبلائها بالتسافل والانحطاط، ومثل هذا الخطر لا تمكن معالجته إلا من خلال تجسيد عملية من العمليات التي يقبل بها أي ضمير إنساني مهما تسافل ومهما انتكس، لأنها «أفجع» وأقوى من كل شيء، عملية تستطيع إنقاذ الموقف، ولو بعد مدَّة من الزمن، وإلا فهذا المرض سوف يستشري ويتفاقم أكثر فأكثر، وينتهي بالأمة رأساً، ولا تبقى بعد انتهاء الأمة رسالة، كما حصل مع الرسالات السماوية السابقة، مثل هذه الحالة لا يمكن علاجها إلا من خلال ضرب مَثَل رائع من أمثلة الترفّع عن الأهواء والشهوات، وتقديم مصالح الآخرين والقيم على جميع ما يملك، في عملية فيها منتهى التضحية، ليس فقط بالنفس، وبمقام اجتماعي كبير وبكل تاريخ الوجاهة والزعامة في الأمة، بل يضحي بأهله وأولاده وأمواله، وبجميع الامتيازات والاعتبارات المادية والاجتماعية الكبيرة، ذلك كله من أجل هذا المستضعف وذاك، علماً أن الإمام الحسين (عليه السلام)كانت تصله من قبل الخليفة أو واليه عطاءات، إذ يذكر التاريخ أن والي معاوية ويزيد كان يعامل الأئمة معاملة جيدة من الناحية المادية، ويحاول إعطاءهم عطاءات ربما أكثر من الآخرين باعتبار أنهم قريشيّون أولًا ومن بني هاشم ثانياً، وذوو اعتبارات ووجاهة اجتماعية ودينية كبيرة ثالثاً، فلم يكن الإمام نفسه من ناحية وضعه الشخصي والمادي في ضيق، حتّى من قبل الحاكمين.
يقول والي المدينة بعد ما بلغه مقتل الحسين (عليه السلام)، وصعد المنبر: كنا نصله ويقاطعنا، ونصله ويقاطعنا أكثر، ونحن نعطيه أكثر، عطاؤنا كان مستمرَّاً له.
________________________________________

[الصفحة - 31]


فالإمام والأئمة (عليهم السلام)، ومن خلال عطاءاتهم، يظهر أن وضعهم المادي كان جيداً وربما أحسن من بقية الناس، ومع ذلك يتنازل الحسين (عليه السلام)عن هذا الوضع المادي والاجتماعي الجيد وعن دمه ودم إخوانه وعشيرته، من أجل ذاك الإنسان الذي يُظلم في العطاء، والذي يذوق وبال الحكم المنحرف لبني أمية، هذا الشخص الآخر عندما يجد أن الإنسان العظيم قد تنازل عن هذا كله في سبيله، فإذا كان له أدنى مراتب الإنسانية الموجودة في ضمير كل كائن إنساني ومخلوق حي فسنجده وكأن جذبة كهربائية هزت كل جسده، ويعجب له أيّما عجب، ويستغرب من نفسه الانغماس في الإغراءات بعدما شاهده من إنسان أنموذجي واستثنائي، وينبذ الرجوع إلى ذاك الأموي الظالم، وهذا ما سيجعل من شخص الإمام قدوةً عملية ورائعة.
ثم الجانب المأساوي الموجود في التضحية، كان الإمام الحسين (عليه السلام)دقيقاً في التخطيط له، بحيث أخرج حتى الطفل الرضيع معه إلى المعركة، وفي داخل المعركة، عندما كان يخرج كان يلبس عمّة رسول الله ويشبه نفسه به وبهيئته، وهذه الخصوصيات التي يجدها الإنسان في تاريخ القضية الحسينية ومشاهد هذه الملحمة الكبرى وفصولها، يدرك من خلالها أن الإمام الحسين (عليه السلام)أراد هذا الجانب المأساوي، وخطَّط له أيضاً.
إذن لم تكن المسألة مسألة استيلاء على الحكم وهزيمة يزيد، ثم انعكس الأمر بأحداث ومصادفات سيئة غير متوقَّعة، بل كان هناك تخطيط دقيق للجانب المأساوي، ولأبشع صوره الممكنة، حتى تكون هذه الصورة فوق إحساس كل ضمير إنساني، مهما كان هذا الضمير منتكساً في الرذيلة، الأمر الذي جعلها تغلب حالة الخور والجمود والخدر التي ابتليت بها ضمائر الأمة الإسلامية.
فهؤلاء الذين شاركوا في صنع هذه المأساة، بشكل أو بآخر، أو أسهموا فيها، مع الجيش أو جلوساً في البيوت، أو هروباً إلى البساتين وخارج الكوفة، عندما انتشرت فصولها ومشاهدها وأخبارها بدأت ضمائرهم التي كانت خائرة ميتة خوفاً من سطوة ابن زياد، أو أمواله أو ترهيبه وترغيبه، تتحرك وتصحو، وقد حرّكها وأيقظها هذا الجانب الذي كان مجسَّداً في وضع الإمام الحسين (عليه السلام)لا المفاهيم والمقولات.
________________________________________

[الصفحة - 32]


وهذا التحريك لضمير الأمة لم يكن ليقتصر على تلك المرحلة، ذلك أن الإمام، وإن نظر نظرة عادية من دون العلم الغيبي، لكنه بما يتحمل من رسالة خالدة يجده مضطراً لإيقاظ ضمائر الناس عندما تبتلى بهذا المرض، ودائماً تبتلى به.
ومن هنا تبقى قضية الإمام الحسين (عليه السلام)هي الرائدة والدواء الحقيقي لهذا المرض، وحتى الساعة لا تزال كذلك، في أكثر من بلد إسلامي، تحرّك ثورته قضية الحسين (عليه السلام)، وتشكل العنصر الأساسي لانتفاضته وجهاده، رغم كل الضعف الموجود في الأمّة، وهذا معناه أن هذه الثورة ـ القدوة التي جسدها الإمام الحسين (عليه السلام)إلى الأبد هي فوق جميع الضمائر المنتكسة والخائرة والمخدّرة، وهي القادرة على هزّها وإيقاظها بما تحوزه من خصوصيات، كلّ بحسبه ومقداره، وكلما استغلت هذه القضية بشكل أفضل ـ كما استغلها الأئمة بعد الإمام الحسين (عليه السلام)ـ كان لها تأثير أكبر، كما حصل في الثورة الإسلامية في إيران، وفي سنوات الدفاع المقدّس، فقضية الإمام الحسين (عليه السلام)هي التي تحرّك اليوم مع الفاصل الزمني عنها، لأنها فوق جميع الحالات المرضية التي يمكن أن يبتلى بها ضمير الإنسان، سيما وأن هذه القضية فيها من المظلومية والمأساوية ما يمتزج مع قلب أقسى الناس، وقد قلنا: إن القيم والمفاهيم عندما لا تنزل من عالمها إلى عالم القلب، ولا تمتزج مع الأحاسيس والشعور، ولا تحرّك العاطفة فلا تحرك الإنسان، والمحرك الحقيقي إنما هو هذا الإحساس، وذاك الشوق وتلك العواطف والإرادة النابعة من القلب والوجدان.
النتيجــة
وبهذا تبدي المقدمات الثلاث ـ التي أشرنا إليها ـ دورها في شرح ما يمكن شرحه من هذه النظرية، أي الثالثة، وعليه فالإمام الحسين (عليه السلام)كان دافعه ومنظوره في هذه الحركة والثورة المباركة اقتلاع هذا المرض، ومنح العلاج الناصع الصريح له، وهو مرض دائماً ما تبتلى به الأمم، حتى الأمم الربانية، لكن بعد زمن، نتيجة ضعف البشرية نفسها، في تركيبتها وخلقتها، فقضية الإمام الحسين (عليه السلام)سوف تبقى ذات دوافع تاريخية وزمنية، لكن غير محدودة بالمرحلة التي عاشها الإمام الحسين (عليه السلام)نفسه.
________________________________________

[الصفحة - 33]