البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الأقلِّيات وإشكاليَّات المواطنة نظرة في الفكر السياسي للإمام علي (عليه السلام)

الباحث :  الشيخ عباس علي عميد الزنجاني
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  31
السنة :  السنة الثامنة خريف 1424هجـ 2003 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 16 / 2015
عدد زيارات البحث :  1267
الأقلِّيات وإشكاليَّات المواطنة
نظرة في الفكر السياسي للإمام علي (عليه السلام)

الشيخ عباس علي عميد الزنجاني (*)

تمثل النُّصوص الواردة عن الإمام علي (عليه السلام) وسيرته المصدر الأساس للبحث في حقوق الأقليات الدِّينية، كما تتجلَّى في فكره السياسي، الذي يعد تفسيراً ناطقاً لتعاليم الإسلام، ويوفِّر إطلالة جديدة من العلم والوعي والفضيلة على الأفق الإسلامي الرحيب، لأنه فكر مستقى من الوحي وسيرة النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) .
الأخوَّة الإنسانية
«فإنهم صنفان، إمّا أخ لك في الدِّين، أو نظير لك في الخلق» (1) .
يرى الإمام علي (عليه السلام) أن ليس لأحد الحق، أيّاً كان، في أن يستصغر الآخرين أو أن يستهين بهم {لا يسخر قوم من قوم} [الحجرات/2] .
فلا ميزان للتفاوت والتفاضل عنده سوى التقوى، فالتمايز المبدئي بين الأفراد على أساس التقوى يمثل معياراً لتوزيع الواجبات بينهم، ووسيلة لتحقيق الأهداف الإنسانية السامية، وليس عاملًا للتمييز على المستوى المادي، كما أشار إلى ذلك النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) في قوله: {أيها الناس، إنَّ ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم} ، وليس لعربي على عجمي، ولا لأحمر على أبيض، ولا لأبيض على أحمر، فضل إلَّا بالتقوى» (2) .
________________________________________
(*)باحث من إیران، ترجمة: السَّید علي الموسوي
(1)نهج البلاغة، عهد الإمام إلى مالك الأشتر، الكتاب 53.
(2)من كلام النبي في حجة الوداع، انظر: تحف العقول، ابن شعبة الحراني، ص 29.

[الصفحة - 229]


وهذا الكلام ينطلق من مبدأ قرآني يرى أن جميع أفراد الإنسان مخلوقون من أب وأم مهما اختلفت انتماءاتهم وتباينت خصوصياتهم: {الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيراً ونساء} [النساء/1] .
العواطف الإنسانية
«ولا تحقرن لطفاً تعاهدتم به وإن قل،... فلا تغدرنّ بذمتك،... ولا تخيسنّ بعهدك» (3) .
إنّ الحديث بشكل مطلق عن علاقة ود، أو عداء، بين أديان يرجع تاريخها إلى قرون متمادية لقول فج، كما أن اعتماد حالات اضطهاد الأقليات التي شهدها التاريخ في بعض مقاطعه، أو التمسك بأقوال ذات صبغة تعسفية تجاه الأقليات، لو كان وسيلة لتكوين تصور عن التاريخ، هو تصور سيكون قابلًا للانطباق على جميع أقليات التاريخ من دون استثناء، وليس بعيداً عن الصواب تقييم ما يقوم به الغرب من التأكيد على حقوق الإنسان بأنه محاولة للتخلُّص من الشعور بالذنب، وترميم صورته المشوَّهة التي يحتفظ بها التاريخ له.
من الأمور التي يمكن ذكرها بوصفها نتائج للعلاقة الإيجابية البنَّاءة بين الإسلام والأقليات، هو ملاحظة مدى تأثير الثقافة والحضارة الإسلاميَّتين في بناء الحضارة والثقافة الغربيتين، سواء على المستوى العلمي أم الفني، أم السياسي، أم الاجتماعي. إننا نتحدث عن علاقات الإسلام بالغرب في زمن كان قد انقضى فيه الازدهار العلمي والثقافي للمسلمين في ساحة الكفاح، وبقي للمسلمين شرف الإسهام في بناء حضارة ثائرة. ذلك اليوم الذي لم يكن المسلمون فيه مجرد حاملي حضارة وثقافة بل دعاة تعايش مع الأمم.
الأزمة العالميَّة للأقليات
لا بد من النَّظر إلى أزمة الأقليات بوصفها أزمة عالمية، إنها أزمة ترتبط بالماضي والحاضر والمستقبل، فاليوم، وبالمقدار نفسه الذي يُطْلب فيه أن تتحلى الأقليات المسيحية واليهودية وسائر الأقليات الدينية في البلاد الإسلامية بحقوق
________________________________________
(3)نهج البلاغة، عهد مالك الأشتر، الكتاب 53.

[الصفحة - 230]


إنسانية لائقة، لا بدَّ من أن تستوفى للمسلمين في المقابل حقوقهم في البلاد غير الإسلامية، لا سيما الغربية منها.
وهنا أتذكر قصة أحد المثقفين الإيرانيين المقيمين في السويد؛ حيث منحه راديو السويد، وبناء على طلبه، فرصة خمس دقائق (في الأسبوع) لبيان حقيقة ما يجري في إيران في ما يتعلق بحقوق الأقليات، فكان هذا الرجل يشعر بأن مواجهة هذا الكم الهائل من الشائعات في هذه القضية عبر برنامج إذاعي من خمس دقائق، أشبه بمواجهة فرد عادي لجيش منظَّم.
التقارب بين الأديان السَّماويَّة
«واعلم أن الرعيَّة طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض،... منها أهل الجزية والخراج من أهل الذمَّة ومُسلِمة النَّاس... وإن عقدت بينك وبين عدوك عقدة، أو ألبسته منك ذمة، فحط عهدك بالوفاء، وارع ذمتك بالأمانة،... فتعصبوا لخلال الحمد من الحفظ والجوار والوفاء بالذمام» (4).
يبدو، لدى دراسة حالات التقارب بين الأديان التوحيدية، أن مبدأ التقارب كان يعدّ مبدأ أساسياً لا يتوقع من أحد مخالفته، فأي إنكار لضرورة التقارب بين الأديان يمكن أن ينتهي إلى نفي جميع الأديان أو أحدها، لينتهي الأمر أخيراً إلى الانصراف عن الحوار بين الأديان، أي إلى إلغاء الموضوع من الأساس.
لكن التقارب بين الأديان، في المجال السياسي وتطبيق مبدأ التقارب، سواء على مستوى الثقافة السياسية أم على مستوى المبادى، بحاجة إلى مجموعة أسس وعوامل تمهيدية، نصطلح عليها باسم بؤر التقارب.
ولكن ليست جميع بؤر التقارب في مستوى واحد، لا سيما ما يرتبط منها بالتقارب النظري في مجال الفكر السياسي، مقارنة بما يرتبط منها بالمجال العملي وتحديد مبادئه العامة. فالقراءات المتعدِّدة لأصول الأديان وتعاليمها تخلق عقبات أمام التوصل إلى ثقافة مشتركة، لأنها تستتبع موضوعات غير سياسية، لبعدها النظري، وتستدعي المصير إلى نوع من التقارب، بدلًا من المثالية خلال المماحكات الكلامية والتحدِّيات المستمرة.
________________________________________
(4)المصدر نفسه، الخطبة 192.

[الصفحة - 231]


ومثالًا على ذلك، يمكن ذكر العلمانية، فإن مما لا شك فيه أننا إذا أردنا أن نستقرى رأي الأديان في هذا الأمر، فلا بد لنا من مراجعة جملة من البنى الفلسفية والكلامية، والتمعن فيها لمعرفة رأي الأديان في العلمانية سلباً أو إيجاباً، في حين أن التقارب ممكن لدى جميع الأديان على المستوى السياسي، وتوحيد المسيرة، وذلك لوجود عنصر المصلحة والعقلانية أو الصلاحيات. وعلى أي حال، يمكن تلخيص بؤر التقارب بين الأديان السماوية في المجال السياسي بالموارد الآتية:
1 ـ إعادة بناء الفكر العالمي وإحياء ثقافة الوطن العالمي، لإعطاء الأديان السماوية دورها المؤثر في الساحة الدولية.
2 ـ إمكان بناء سبل لتمتين العلاقة المعنوية بين الإنسان وربه، وتقديم خطط مبدئية لمواجهة العناصر المناهضة للدين بطريقة إيجابية (إزالة أسباب العداء لله وللدين)، لأجل تنقية الساحة السياسية من الفكر الإلحادي.
3 ـ ترويج منطق التسامح والتساهل في الحوار بين الأديان، وجعله معياراً في السَّاحة السياسية.
4 ـ اتخاذ خطط مشتركة ومنطقية في مواجهة عناصر العداء للدِّين على المستوى الدولي، وترتيب سبل للمقابلة بالمثل.
وفي تاريخ الإسلام، نماذج مختلفة من علاقة المجتمع الإسلامي بالأقلِّيات، وبإمكاننا أن نحصل على أنموذج إسلامي متكامل يطابق تعاليم الإسلام الأصيلة في طريقة تعامل الإمام علي (عليه السلام) مع الأقليات الدينية. في حين أن تعامل المسيحيين مع المسلمين طوال القرون الوسطى، وكذلك في مرحلة الاستعمار في القرون الأخيرة، لم يكن مقبولًا على الإطلاق، وهكذا الشأن في مقابل ذلك بالنسبة لحالات الإساءة التي بدت من المسلمين تجاه المسيحيين في بعض المقاطع من التاريخ خلافاً لتوصيات القرآن والنبي الأكرم (صلي الله عليه و آله و سلم) .
لقد زامن سقوط الحكم الأموي في مشرق العالم الإسلامي قيام دولة أموية في أسبانيا حكمت جزءاً من أوروبا مدة تزيد على القرنين والنصف، وعلى الرغم من بلوغ الحضارة الإسلامية عصرها الذهبي في سنة 1000 ميلادية، إلا أنها بدأت
________________________________________

[الصفحة - 232]


بالانهيار منذ سنة 1008، ولم تنجح محاولات المرابطين الذين أقاموا حكم البربر في شمال أفريقيا سنة 1085 في إعادة الحكم للمسلمين. وقد ألقت هذه الصراعات بظلالها على العلاقة بين الإسلام والمسيحية، فالصراعات المستمرة في أثناء الحرب الصليبية، ومقتل حجَّاج بيت الله الحرام في البحر الأحمر على أيدي بعض المسيحيين المتطرفين، كانت له آثار سيئة على العلاقات بين الطرفين، ثم إن الفتوحات العثمانية في أوروبا من جهة، واحتلال الصهاينة لفلسطين والمسجد الأقصى من جهة أخرى، قد حوّلت الصورة التاريخية إلى جراحات قديمة.
فالمسيحي أو المسلم الذي تتبلور مشاعره في إطار هذه الخلفية التاريخية، تجده يعيش قلقاً من مستقبل يراه معتماً. فهي تخلق جواً يساعد على التوتر في عصرنا الراهن. ولكن على الرغم من هذه الخلفية التاريخية، فإن ظروف هذا العصر، لا سيما ونحن في مطلع الألفية الثالثة، جعلت استبدال التخاصم بالتعاون بين الإسلام والأقليات أمراً ضرورياً لا محيص عنه. فتحقيق الأمن والسلام، وإقرار نظام دولي عادل، والرغبة في التبادل التجاري والتقني لتنمية التكنولوجيا الحديثة، يتطلب تعاوناً متبادلًا، وهو ما لا يمكن تحقيقه من دون احترام متبادل بين الطرفين.
ومع أن المستشرقين عملوا على تفعيل الأزمة الناشئة من التعاطي التاريخي والصورة الحاصلة من الماضي، بدلًا من معالجة الجراح وتسكين المشاعر، إلا أننا نجد العالم الإسلامي اليوم يعيش صحوة عامة، حثت مفكريه ومثقفيه على السعي إلى إحياء الإسلام وتجديده، وما الثورة الإسلامية في إيران المنبثقة من فكر الإمام الخميني (قده) في الربع الأخير من القرن العشرين، إلا تعبير عملي عن هذه الصحوة، ولا شك في أن هذه الصحوة شملت في جانب منها علاقة الإسلام بسائر الأقليات.
ومنذ فجر الإسلام وبداية تكوّن المجتمع المسلم، كانت هناك جاليات من سائر الأديان، تعيش إلى جانب المسلمين في دولة الإسلام مع بقائها على دينها، وقد فضَّلت بقاءها بين المسلمين على الهجرة وعلى اعتناق الإسلام. لكن هذه الجاليات لم تتوسع بشكل ملحوظ، رغم وصول الإسلام إلى مختلف شعوب العالم، والنمو الهائل للأمة الإسلامية، واتساع رقعة بلاد الإسلام، ورغم تمتعها بالحرية الدينية
________________________________________

[الصفحة - 233]


والحياة اللائقة، فمنها من اعتنق الإسلام، ومنها من فقد الباعث والقدرة على مواصلة نشاطاته الدينية والرغبة في ذلك.
وقد لا نعثر، طوال تاريخ الإسلام، ولا سيما إبَّان الحكم العلوي، على حالة صراع أو ثورة لجأت إليها الأقليات الدينية للمطالبة بحقوقها وبحريتها في الدولة الإسلامية، وما نراه من حالات نادرة جداً، هو أحداث ترتبط بظروف سياسية خاصة لا شأن لها بالأسس الإسلامية.
إن بقاء الأقليات الدينية داخل المجتمعات الإسلامية، وفي دولة الإسلام، على الرغم من توسع الفكر الإسلامي، كان مثاراً للدهشة والتساؤل، لكنه في الحقيقة راجع إلى نفي الإكراه في الدين وروح التعايش والسلام، ومنح الحقوق والحريات الواسعة، وكذلك جاذبية الإسلام وأساليب الدعوة المنطقية. وذلك كله إما أنه كان محجوباً عن الغرب، أو أن الغرب لم تكن لديه الجرأة على الاعتراف به، فكان لا بد لهم من أن يفسروا الإسلام تفسيراً مغلوطاً؛ وذلك باتهامه بالعنف والإكراه.
4 ـ الإقرار بالحق
«ولكن الله، سبحانه، أراد أن يكون الإتباعُ لرسله والتصديقُ بكتبه» (5) .
يبيّن الإمام (عليه السلام) في كلامه المستوحى من الآية الكريمة: {نزّل عليك الكتاب مصدقاً لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان} [آل عمران/3 و4] مبدأ احترام عقائد الأقلِّيات الدينية، والتصديق بكتبهم السماوية الأصلية. والإمام (عليه السلام) في كلامه هذا لم يقتصر على التعبير عن احترامه للمعتقدات والكتب السماوية التي يؤمن بها هؤلاء، بل يرى أن من حق أهل الكتاب أن يدخلوا في حوارات عقدية مع المسلمين، وأن يناقشوهم في عقائدهم ويدافعوا عن معتقداتهم في إطار العقل والبرهان، بحرية وبعيداً عن التعصُّب.
ولقد كان النَّبي (صلي الله عليه و آله و سلم) يحترم علماء سائر الأديان الذين كانوا يأتون إلى المدينة، ويأذن لهم ببيان ما لديهم من قضايا وإشكالات، ويدخل معهم في الحوار معتمداً منهج الاستدلال وإقامة البرهان، حتى يثبت لهم صحة رسالة الإسلام السماوية
________________________________________
(5)المصدر نفسه.

[الصفحة - 234]


وأحقيتها. وكذلك الإمام علي (عليه السلام) ، إذ استطاع في مواقف كثيرة أن يقنع أشخاصاً كثيرين بالدخول في الإسلام، من خلال منهجه المنطقي في النقاش. وهكذا في عصر سائر الأئمة، فقد كان كبار علماء أهل الكتاب يخوضون الحوار مع الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) ، وما أكثر الحلقات التي عُقدت في حضور خلفاء زمانهم وأئمة المذاهب الأخرى، فكان الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) يشتركون أحياناً بأنفسهم في مناظرة كبار علماء اليهود والنصارى، أو يأمرون في أحيان أخرى بعض أصحابهم للقيام بذلك (6) .
واعتماد أسلوب الحوار المنطقي في التعاطي مع الأقليات الدينية مستوحى من الأمر القرآني الذي يبين وبشكل صريح: {وجادلهم بالتي هي أحسن} [النحل/125] ، ويوصي في شأن الأقليات الدينية بقوله: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} [العنكبوت/46] (7) .
إن منشأ مشروعية الحوار بين الأديان التوحيدية، واحترام عقائدها، والالتزام بأسلوب الحوار العقلاني معها، هو كون الإسلام قد جاء مصدِّقاً بالكتب السماوية لأهل الكتاب: {نزل عليك الكتاب مصدقاً لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل، من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان} [آل عمران/3 و4] ، {والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقاً لما بين يديه} [فاطر/31] ، وبملاحظة أسلوب الدعوة هذا يمكن القول: إن أهل الكتاب هم استمرار لطريق الأنبياء: {يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم} [النساء/47] .
إن دراسة الآيات الواردة في هذا الشأن ترفدنا بمجموعة إرشادات، تتصف كل مفردة منها بأهمية كبيرة، كقوله تعالى: {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون} [البقرة/136] ، وقوله تعالى: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله} [البقرة/285] ، وفي بعض الآيات يجعل ما جرى على الأنبياء السابقين قدوة لنبي الإسلام وسبباً لثبات قلبه: { وكلا نقص عليك من}
________________________________________
(6)ينقل الشيخ الطبرسي في كتابه الاحتجاج نماذج عديدة من الجدال الذي دار بين النبي الأكرم (صلي الله عليه و آله و سلم) وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) مع مخالفي الإسلام وأهل الكتاب ومطالعة ذلك تغني هذا البحث.
(7)ففي: الاحتجاج، أحمد بن علي الطبرسي، ج1، ص 14، إن الإمام الصادق قال في تفسير هذه الآية الكريمة: «أما الجدل بغير التي هي أحسن، فأن تجادل به مبطلًا فيورد عليك باطلًا فلا ترده بحجة قد نصبها الله ولكن تجحد قوله أو تجحد حقاً يريد بذلك المبطل أن يعين به باطله، فتجحد ذلك الحق مخافة أن يكون له عليك فيه حجة، لأنك لا تدري كيف المخلص منه، فذلك حرام على شيعتنا لأنك مثله، جحد هو حقاً وجحدت أنت حقاً آخر».

[الصفحة - 235]


{ أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك} [هود/120] ، ويوصي القرآن نبي الإسلام باتباع طريقة الأنبياء السابقين والتأسي بهم: {فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل} [الأحقاف/35] ، {وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك} [فاطر/4] ، ويصفه في بعض الآيات لدى بيان صفاته البارزة بأنه النبي المصدق للأنبياء والتعاليم والكتب السابقة: {نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان} [آل عمران/3 و4] ، وقوله تعالى: {والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقاً لما بين يديه} [فاطر/31] ، ونقرأ في آية أخرى: {وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله} ، وفي الآية (111) من سورة التوبة يجعل القرآن والتوراة والإنجيل في مستوى واحد: {وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن} .
5 ـ الجنسية المكتسبة للأقلِّيات الدينية
«لا ينقضون عهدهم لمعتبة عاتب» (8) .
والأقليات الدينية الملتزمة، في نظر الإمام، ليست أجنبية أو مسلوبة الإرادة في تعيين حقوقها وتقرير مصيرها، ولا وجود عنده في المجتمع الإسلامي لأقلية دينية عرقية أو لغوية أو غير ذلك من العناصر المادية (التي تتقوم بها الجنسية في القوانين المعاصرة)، فهذه عناصر لا دور لها في تحديد الجنسية في نظر الإمام (عليه السلام) ، بل الجنسية مبدأ قانوني منبثق من الاختيار، ومرتبط بعقيدة الأفراد وإرادتهم. فكل فرد يصبح عضواً في المجتمع الإسلامي وجزءاً منه بمجرد دخوله في الإسلام، فتزول في هذه النظرة الاختلافات المادية والشكلية، فالشريف والوضيع، والفقير والغني، والكبير والصغير، والأبيض والأسود، والأحمر والأصفر، والآري والسامي، والعربي والعجمي، والآسيوي والأوروبي والأمريكي والإفريقي، جميعهم أخوة وأفراد في المجتمع الإسلامي (9) ، والقرآن استعمل كلمة «أمة» بدل كلمة شعب، لأنه يرى المجتمع المتنوِّع في مظاهره المادية أمة واحدة (10) .
ويلخِّص الإمام علي (عليه السلام) هذا المبدأ الإسلامي ببيان قصير وعميق في جوابه على الذين جاؤوا يطالبونه بامتيازات على أساس الشرف في الدم والعرق بقوله:
________________________________________
(8)نهج البلاغة، الكتاب 74.
(9)وهو ما أكد عليه نبي الإسلام (صلي الله عليه و آله و سلم) تأكيداً بليغاً في خطابه التاريخي في حجة الوداع: «يا أيها الذين آمنوا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب إن أكرمكم عند الله أتقاكم ليس لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أبيض ولا لأبيض على أحمر فضل إلا بالتقوى، ألا بلَّغت، اللهم فاشهد فليبلغ الشاهد منك الغائب». وروى العلامة المجلسي في كتابه: بحار الأنوار، ج14، ص 137: «أن امرأتين أتتا علياً (عليه السلام) إحداهما من العرب والأخرى من الموالي فسألتاه، فدفع إليهما دراهم وطعاماً بالسواء، فقالت إحداهما: إني امرأة من العرب وهذه من العجم، فقال: إني والله لا أجد لبني إسماعيل في هذا الفيء فضلًا على بني إسحاق».
(10)إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون [الأنبياء/92]، إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون [آل عمران/110].

[الصفحة - 236]


«من استقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، وآمن بنبيِّنا وشهد شهادتنا، ودخل في ديننا، أجرينا عليه حكم القرآن وحدود الإسلام، ليس لأحد على أحد فضل إلا بالتقوى» (11) .
فبإمكان الأقليات الدينية، في هذا النظام، أن تحصل على الجنسية المكتسبة بشروط خاصة، لتلحق بالأمة الإسلامية بشكل رسمي، وتكتسب جنسية تعاقدية من خلال معاهدة ثنائية، وهو ما يطلق عليه في الفقه اصطلاحاً «الذمَّة»، ويقال لمن يمضي مع المسلمين مثل هذه المعاهدة بأنه ذمِّي. ويمكن لكل من اليهودي والمسيحي والمجوسي الدخول في هذه المعاهدة، للحصول على عضوية المجتمع الإسلامي، وتابعية عقد الأمة ـ الإسلامية، والتمتع بالحرية والأمن والحقوق الاجتماعية، بوصفهم معاهدين في الدولة الإسلامية. ويعد عهد النبي الأكرم (صلي الله عليه و آله و سلم) مع يهود المدينة الذي عقده في الأيام الأولى لهجرته، أنموذجاً بارزاً لهذا النوع من المعاهدات.
فقد وحّد النبي الأكرم (صلي الله عليه و آله و سلم) بعقده لهذا العهد بين القبائل المختلفة في المدينة، وجعل من المسلمين واليهود والعرب أمة واحدة؛ حيث صرحت المعاهدة بأن المتعاهدين يشكلون أمة تضم طيفاً متعدِّد الألوان، للمسلمين فيها دينهم ولليهود دينهم، وما اختلف فيه يرد حكمه إلى الله عز وجل ولرسوله، أي أن الكلمة الفصل للقانون الإسلامي (12) .
وعلى هذا الأساس لا يعامل من يعيش داخل نطاق الدولة الإسلامية، من أتباع سائر الديانات الأخرى، معاملة الأجانب والغرباء، فيتبدل عنوان الأجنبي في الفقه والقانون الإسلامي إلى «معاهد»، الأمر الذي يحمل صورة أكثر إنسانية، وحيث أن عقد «الذمة» يتم بشكل ثنائي متبادل واختياري، فإن ذلك يضفي عليه روح الوحدة والانسجام والتلاحم المعنوي النابع من الإرادة والاختيار، ويلقي روح التراحم والعدل والإنصاف والتعاون على علاقات المسلمين بمعاهديهم.
وسنشير، عند البحث في عقد الذمة، إلى الحقوق والامتيازات المقنَّنة في هذا العقد للمعاهدين من أهل الذمة. ولكن هناك في الحقيقة طريقان للدخول في عداد الأقليات الدينية في المجتمع الإسلامي، بإمكان كل منهما أن يشكل معياراً عملياً في النظام الإسلامي:
________________________________________
(11)محمد بن يعقوب الكليني، الكافي، ج8، ص 360.
(12)راجع كتاب: سيرة ابن هشام، ج2، ص 348 ـ 394.

[الصفحة - 237]