البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

حقوق الأسير عند الإمام علي (عليه السلام) مقارنة بالقانون الدولي

الباحث :  د. محمد طي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  31
السنة :  السنة الثامنة خريف 1424هجـ 2003 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 16 / 2015
عدد زيارات البحث :  1261
حقوق الأسير عند الإمام علي (عليه السلام)
مقارنة بالقانون الدولي

د. محمد طي (*)

الأسير والمواقف منه
مشكلة الأسرى من أخطر المشاكل التي تنجم عن الحروب وأكثرها تعقيداً. وقد مرّ وضعهم، عبر التاريخ، بمراحل من التطوّر، إلى أن وصل إلى ما هو عليه اليوم، فمن هو الأسير؟
جاء في لسان العرب: الأسير الأخيذ، وكل محبوس في «قد» أو سجن أسير. والقد سيور (رباط) من جلد يوثق به.
وفي مفردات الرَّاغب أن الأسير هو المشدود بالقيد.. ثم قيل لكل مأخوذ ومقيّد.
وفي المصطلح هو من أخذ من مقاتلي العدو، فقد جاء في الأحكام السلطانية للماوردي: الأسرى هم الرجال المقاتلون من الكفار إذا ظفر المسلمون المسلّحون بأسرهم أحياء (1) . ويصدق الأمر على الرجال المقاتلين من المسلمين بدليل ما أورده الماوردي من أنه لا يقتل أسرى المسلمين (2) .
وفي القانون الدَّولي الإنساني يعرّف الأسير بأنه من يؤخذ من رجال العدو سواء كان من أفراد القوات المسلحة أم من الأشخاص الملحقين بها من إداريين وكذلك من يؤخذ من الثوار وأفراد الشعب المقاتلين (3) .
________________________________________
(*)أستاذ في الجامعة اللبنانية
(1)الماوردي، ص 131.
(2)المرجع نفسه، ص 60.
(3)راجع: اتفاقية جنيف الثالثة، 1 آب 1949، م4.

[الصفحة - 258]


لقد كان للأديان السماوية، على وجه العموم، موقف إنساني من الأسير ـ لا سيما غير المرتكب ـ يحض على معاملته بالحسنى وبفكاكه ما أمكن ذلك.
وقد حدَّدت الشريعة الإسلامية الموقف من الأسير، فجاء على شيء من التفصيل، إذ ميَّزت بين الأسرى من غير المسلمين والأسرى من المسلمين.
وفي عملية الأسر، من غير المسلمين، ميّزت بين الحالة التي كان يفترض فيها أن يظهر الإسلام قوته ليرهب أعداءه، وبين الحالة التي تتلو ذلك، وهذه أمور ظهرت في القرآن الكريم والسنَّة المطهَّرة.
أما الموقف من الأسرى المسلمين، فقد قُيّض للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) أن يبيّنه، ولا نقول يشرّعه لأن الشارع هو الله تعالى، ولا نقول هو خاص بعلي (عليه السلام) لأن علياً يقول قول الإسلام ويفعل فعله. وفي ما يأتي سنستعرض الموقف الإسلامي من الأسرى غير المسلمين، لنتوقَّف بعدها وقفة أطول نسبياً عند موقف الإمام علي (عليه السلام) القولي والعملي.
الإسلام والأسير غير المسلم
لقد ميّز القرآن الكريم بين مرحلتين من مراحل القتال لتبيان أحكام الأسر.
1 ـ مرحلة خفاء قوة الإسلام وطمع أعدائه به. وذلك مع بدايات قتال النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) المشركين، خصوصاً في غزوة بدر، ولعلّ هذا الأمر يصح في سائر الأديان التي تمارس القتال، حيث حثَّ على كسر شوكة الأعداء وزرع الرُّعب في قلوبهم، وقضى في هذه المرحلة بألَّا يقبل النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) بأسر من يستسلم من المشركين؛ وذلك بقوله تعالى:
{ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} )الأنفال/6( (4) .
ولعلّ هذا خاص بالأنبياء كما يشير صريح الآية. وقد أشار بعضهم إلى أنه نسخ (5) .
2 ـ مرحلة ظهور قوَّة الإسلام: كان الهدف من القتال في هذه الحالة نشر
________________________________________
(4)راجع: تفسير الجلالين وتفسير الميزان.
(5)المرجع نفسه.

[الصفحة - 259]


الدين الحنيف، الأمر الذي كان يقضي بإزالة المعوِّقات من أمام حملة أحكامه حتى يستطيعوا إبلاغها، حيث يكون المبلَّغون فريقين:
أ ـ إمَّا أهل الكتاب، وهؤلاء يقرّون على دينهم شريطة نزع إمكاناتهم العسكرية كي لا يقاتلوا المسلمين يوماً، لا سيما وأنهم قد يجدون في أبناء عقيدتهم من أعداء المسلمين عوناً.
ب ـ وإما المشركون، وهؤلاء لا يقبل منهم إلا الإسلام، فإن لم يوافقوا فهناك العقاب.
والأسرى من الفريقين يخضعون لحكم النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) أو خليفته، فإما أن يقتلهم أو أن يسترقهم أو يفادي بهم أو يمنّ عليهم، وقيل غير ذلك (6) ، وقد قال الله تعالى: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدّوا الوثاق فإما منّاً بعد وإمَّا فداء حتى تضع الحرب أوزارها} .
لعلّ أهم أسباب القتل الذي تقرر في مواجهة الأسرى لدى المسلمين، وبخاصة لدى الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) ، كانت ما ارتكبه الشخص قبل أسره من جرائم ضد المسلمين.
أما إذا أسلم الأسير، فيسقط عنه القتل، وتبقى الخيارات الأخرى بين يدي الآسر (7) .
وأياً يكن الأمر، فإن الحروب التي تستهدف نشر الدين قد توقَّفت منذ زمن بعيد، لذا فإننا نرى أن هذه الأحكام ليست مبدئياً محل تطبيق.
المسألة في القانون الدَّولي الإنساني
بعيداً عن الشرائع السماوية، وبخاصة الإسلام، كان وضع الأسرى، أساساً، مزرياً للغاية، فقد كانوا يتعرضون لمعاملة همجية، لعلّ أخفّها استرقاقهم، ولعلّ المعاملة بالمثل هي التي جعلت المسلمين يسترقُّون سائر الأسرى ممَّن لم يرتكبوا جرائم ضد المسلمين.
________________________________________
(6)راجع: الماوردي، الأحكام السلطانية، مركز النشر: مكتب الاعلام الإسلامي 1406، ص 131 وما بعدها.
(7)المرجع نفسه.

[الصفحة - 260]


إلَّا أن المآسي التي كانت تنجم عن الحروب، لا سيما مآسي الأسرى، وعلاوة على أن الأسر يمكن أن يطال الآسر يوماً، أدَّى إلى أن السعي لفرض شيء من المعاملة الإنسانية تجاه الأسرى، فكانت المحاولات الأولى لتدوين الأعراف، ثم لوضع القواعد الإنسانية، وكان للصليب الأحمر الدولي جهود شاقة على هذا الصعيد استهدفت الضغط بكل الوسائل الممكنة على حكومات القوى العظمى لإقناعها بتبنّي القواعد التي تخفف من مآسي الحروب، وقد استطاع بعد تحريك الضغوط الشعبية أن يرتقي بمسألة الأسرى إلى وضع مقبول، فأقرّ نظام لاهاي الملحق بالاتفاقية الرابعة لسنة 1907 التي تلت حروباً مثل الحرب الألمانية الفرنسية لسنة 1870، والحرب الروسية اليابانية لسنة 1905. ثم اءُقرّت اتفاقية جنيف في 27 تموز 1929، لتحسين ظروف سجناء الحرب، وقد تلت الحرب العالمية الأولى التي كانت أكبر حرب حصلت حتى تاريخها، ثم كانت أخيراً اتفاقيات جنيف بتاريخ 12 آب 1949 الأربع، ومنها الاتفاقية الثالثة الخاصة بالأسرى، التي تلت الحرب العالمية الثانية بكل مآسيها وظروفها، حيث بلغت أعداد الأسرى أرقاماً مذهلة، فقد أسر الألمان، عام 1940، 000,400,1 جندي فرنسي، وأسر الحلفاء 000,800,4 جندي ألماني في الحرب، منهم مليون أسرهم الغربيون و 000,800,3 أسرهم السوفيات.
وقد مات أو فُقد من هذه الأعداد نسب كبيرة، فمن دول المحور:
000,321,1 أسير ألماني لدى السوفيات، أي 35% من مجموع الأسرى.
63000 من أصل 75000 أسير إيطالي، أي 84% من مجموع الأسرى.
150000 من أصل 615000 أسير ياباني، أي 24% من مجموع الأسرى.
ومن الحلفاء:
000,300,2 أسير سوفياتي ماتوا بالتيفوس لدى الألمان.
16000 من أصل 46000 أسير من الحلفاء الغربيين لدى اليابان، أي 8,34% من مجموع الأسرى.
كما أن بعض الدول رفضت المصادقة على المعاهدات السابقة، ومنها الاتحاد
________________________________________

[الصفحة - 261]


السوفياتي والصين واليابان. ثم إن المانيا لم تعد منذ 1941 تعترف بكيان الدولة لعدد من الأقاليم التي غادرتها حكوماتها ومنها:
بولونيا، بلجيكا، هولندا، النروج، اليونان، يوغوسلافيا، وهي أجبرت صفوف الضبَّاط من الأسرى على العمل، كما أجبرت 30000 من الأسرى الفرنسيين على العمل في المصانع الحربية أو في أشغال غير صحية، وطُبِّقت عقوبات جزائية على من حاولوا الهرب فأعدمت 27 ضابطاً في 22 آذار 1944.
كما برزت مشكلة استخدام الأسرى لدى الفرنسيين؛ إذ خيّر الفرنسيون الأسرى الألمان بين العمل لمدة سنة والعودة إلى بلادهم، أو بين البقاء في الأسر فوافق 137000 أسير من أصل 300000 على العمل.
وأخيراً، ظهرت مسألة عودة الأسرى الذين كانت القوى المهزومة تعيدهم فوراً فيما تتحكم الدول الظافرة بهذه المسألة. فقد عاد الأسرى الألمان من أسر القوات الأميركية في آب 1947، ومن بريطانيا في تموز سنة 1948، ومن الاتحاد السوفياتي في أيار سنة 1950، وحتى في عام 1952 قُدّر عدد الأسرى الذين كانوا لا يزالون لدى السوفيات بـ 340000 من اليابانيين و 100000 من الألمان (8) .
لهذا كله، جاءت اتفاقيات جنيف، لا سيما الاتفاقية الثالثة لتؤكد المبادى القديمة وتعدلها وترسي مبادى جديدية، ومنها:
1 ـ الحفاظ على حياة الأسرى وصحتهم وتغذيتهم وكسوتهم ومعاملتهم كما تعامل الدولة الآسرة جنودها، وعدم جواز إسكانهم في الأماكن المعرّضة للخطر والمظلمة.
2 ـ الابتعاد عن إنزال العقوبات الجنائية بهم والاكتفاء بالعقوبات المسلكية وعدم اللجوء إلى العقوبات الجسدية في أي حال من الأحوال. وكذلك عدم إنزال عقوبات جماعية على أعمال فردية وعدم سجنهم، والاكتفاء بحجزهم.
3 ـ المعاملة كقوات الدولة الآسرة والحفاظ على المركز الاجتماعي لا سيما للضباط والأطباء الملحقين وغيرهم.
4 ـ الحفاظ على مقتنياتهم الشخصية وأموالهم.
________________________________________
(8)راجع في صدد هذه المعلومات: Charles Rousseau, droit intenational public. Recueil Sirey 1953, Paris. P563.

[الصفحة - 262]


5 ـ إعطاؤهم مرتبات شهرية كافية تستوفى من دولتهم في ما بعد.
6 ـ عدم تشغيل الضباط والاكتفاء بتشغيل الأفراد مقابل أجر، لكن بعيداً عن المصانع الحربية.
7 ـ إطلاق نهائي بعد انتهاء الحرب وإجراء الصلح.
على أن هناك اتفاقيات تسمح، لا بل توجب محاسبة مرتكبي جرائم الحرب سواء كانوا من الأسرى أم من غير الأسرى (9) .
الإمام علي (عليه السلام) والقانون الإنساني في الحرب
قلنا سابقاً: إن علياً (عليه السلام) كشف القواعد المتعلِّقة بأسرى الحرب بين المسلمين، وسنستعرضها في ما يأتي مقارنة بأحكام الاتفاقيات الدولية، وبخاصة اتفاقيات جنيف وملحقيها، حسبما أوجزناها أعلاه مع التحفُّظ لجهة الدين الذي سنعالجه في نقطة مستقلة:
1 ـ الحفاظ على حياة الأسير وصحَّته وتغذيته
أ ـ الحفاظ على الحياة: هذا الحق كفلته المادة 13 مانعة كل ما يؤدِّي إلى الموت وكل تمثيل وكل ما يعرّض الصحة للخطر، لا سيما التجارب الطبية غير المسوَّغة لعلاج الأسير المريض. وقد أتى البروتوكول الإضافي الأول ليؤكد في مادته الثانية هذه المبادى ويفصِّلها.
كما نصت المادة 23 على منع احتجاز الأسرى في الأماكن الخطرة.
وهذا ينطبق على موقف الإمام علي (عليه السلام) الذي أبلغه مالك الأشتر عندما أسر الأصبغ بن ضرار الأزدي من «أن أسير أهل القبلة لا يفادى ولا يقتل» (10) ، وهو بالتالي لا يحتجز في الأماكن المعرَّضة للخطر بالضرورة.
كما أن الإمام علياً (عليه السلام) أمر بمعاملة ابن ملجم بالحسنى وبعدم التمثيل به، لأن المثلة لا تجوز حتى بالكلب العقور (11) ، وكان يعده في خطابه أسيراً.
________________________________________
(9)راجع: اتفاقية منع الإبادة الجماعية وجرائم الحرب لسنة 1948. راجع كذلك: اتفاق لندن بتاريخ 8 آب 1945 بخصوص مجرمي الحرب في دول المحور الأوروبية وميثاق 19 كانون الثاني 1946 بخصوص مجرمي الحرب اليابانيين. ثم نظام محكمة نورمبرغ الملحق باتفاق لندن ومحكمة طوكيو الملحق بميثاق 1946.
(10)المنقري، وقعة صفين، مكتبة المرعشي النجفي، 1382، ص 467. راجع، كذلك، مستدرك الوسائل، 11/55.
(11)راجع: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، دار الرشاد الحديثة، م4، ص 112.

[الصفحة - 263]


ومن هنا فإن التجارب الطبية، غير الضرورية، تعد مثلة على الأقل وممارستها ممنوعة على الأسير وعلى غير الأسير.
ب ـ التغذية واللباس: تقضي اتفاقيات جنيف بإطعام الأسير طعاماً يساوي طعام جيش الدولة الآسرة، وتمنع التلاعب بهذا الطعام. فقد نصت المادة 26 (فقرة أولى) على تخصيص حصة غذائية كافية ومن نوعية جيدة ومنوَّعة، ولا تسمح بأي نمط تغذية ينقض الوزن.
كما نصَّت في فقرتها الثانية على أنه لا يجوز اتخاذ أي تدابير عقابية جماعية تمسّ الحصص الغذائية.
وقد حثّ الإمام علي (عليه السلام) ابنه الإمام الحسن (عليه السلام) على الرأفة في معاملة ابن ملجم بقوله: «بحقي عليك، يا بني، إلَّا ما طيَّبتم مطعمه ومشربه... وتطعمه مما تأكل وتسقيه مما تشرب...» (12) .
أما اللباس فيجب أن يؤمَّن بنوعية مقبولة، وأن يقي الأسير عوامل المناخ كما نصت المادة 27 من اتفاقية جنيف الثالثة، والتي تقضي أيضاً باستبدال الثياب والأحذية بشكل دوري، وهذه أمور من الضروريات للأسير. وقد كان الإمام علي (عليه السلام) يعدّ الإحسان إلى الأسير حقاً واجباً (13)واللباس الملائم الذي يقي حرّ الشمس وبرد الشتاء من الأشياء التي تحفظ صحة الأسير تدخل في باب الإحسان إليه.
2 ـ العقوبات
تقضي اتفاقية جنيف الثالثة بعدم إنزال العقوبات الجنائية بالأسرى والاكتفاء بالعقوبات المسلكية على المخالفات التي يرتكبونها كلما كان ذلك ممكناً، وحتى إذا حاولوا الهرب يجب عدم اللجوء إلى السِّلاح إلا عند الضرورة القصوى..
فقد نصب المادة 83 من الاتفاقية على أنه: «إذا اقتضى الأمر معرفة نوع العقوبة التي يجب إنزالها بأسير الحرب، عند خرقه القانون، أهي عقوبة مسلكية أم قضائية، فعلى القوة الآسرة أن تسهر على أن تلجأ الجهة الصالحة لإنزال العقوبة إلى
________________________________________
(12)نهج البلاغة، مذكور سابقاً، م3، ص 79.
(13)الوسائل، 6/96.

[الصفحة - 264]


أعلى درجات الحذر في تقييم المسألة، وأن تعطي الأولوية للتدابير المسلكية على العقوبات القضائية كلما كان ذلك ممكناً».
وإذا كان الإسلام يقضي بالرفق بالأسير، فإنه لن يعامله إلَّا بأقصى درجات العدالة عندما يرتكب أي مخالفة. أما مسألة هرب الأسير فمتروكة لتقدير الإمام لأنها ليست من الجرائم التي تستدعي بحد ذاتها، إقامة الحد.
3 ـ المعاملة اللائقة
تقضي الاتفاقية، في مادتيها 44 و45، بمعاملة الأسرى معاملة لائقة، كلٌّ حسب رتبته وإعطاء الضباط وضعاً خاصاً والحفاظ على رتبهم وشاراتهم.
وهذه الأمور يمكن إدراجها في الإسلام في باب المعاملة اللائقة، التي تقضي بمعاملة كل إنسان حسب قيمته الشخصية.
4 ـ مسائل الملكية والرَّواتب والأجور
أ ـ الملكية والأشياء الخاصة: تقضي الاتفاقية، في مادتيها الـ 18 و58، بحفظ مقتنيات الجنود الأسرى والنقود التي يحملونها، إما معهم أو حفظها إلى حين الحاجة إليها أو حتى تحريرهم. ولا يجوز مصادرة أي شيء سوى السلاح والخيل والتجهيزات العسكرية من دون الكمَّامات وما يُستخدم للحفاظ على الصحة أو الحياة.
وقد شدد الإمام علي (عليه السلام) ، في خصوص أسرى المسلمين، على أمور الملكية. فقد كان يقول: «ما أجلب به أهل البغي (المقاتلون المسلَّحون ضد الإمام) من مال وسلاح وكراع ومتاع وحيوان... فهو فيء» (14) . ولعلّه واضح من هذا الكلام أن المقصود هو المال الخاص بالجيش لا بالأفراد وكذلك سائر الأشياء، لأن الإمام علي (عليه السلام) حسبما روى مروان ابن الحكم: «ردّ على الناس أموالهم» بعد معركة الجمل (15) .
وكان بعض قادته سأله أن يوزِّع عليهم غنائم الحرب في يوم الجمل، فقال: «ما أجلبوا به واستعانوا به على حربكم وضمه عسكرهم وحواه فهو لكم. وما كان في دورهم فهو ميراث على فرائض الله لذراريهم» (16) .
________________________________________
(14)راجع: مستدرك الوسائل، 11/59 و57.
(15)الوسائل، 6/58.
(16)مستدرك الوسائل، 11/56.

[الصفحة - 265]


ب ـ المرتبات والأجور: تقضي اتفاقية جنيف الثالثة المادة 60 بأن يعطى الأسرى مبالغ نقدية كسلفات على الراتب تحاسب بها دولتهم في ما بعد.
وهذا أمر يدخل في باب سد حاجات الأسير، وما دام على عاتق دولته الأصلية، فهو لدى الإمام علي (عليه السلام) من باب تحصيل الحاصل.
أما مسألة عمل الأسرى، فإن الاتفاقية تميز بين الضباط والجنود. فالضباط لا يمكن إلزامهم بالعمل في حين أنه يمكن أن يطلب العمل من الجنود (م 49). غير أن هذا العمل يجب ألا يتم في المصانع الحربية، أو في الأماكن المعرَّضة للخطر، أو يكون حاطَّاً بالكرامة (م 49 ـ 52). ولكن شريطة أن يكون هذا العمل بأجر يدفع للأسير.
وفي الإسلام يترك هذا الأمر للإمام، شريطة ألّا يخلّ بالرفق بالأسير والإحسان إليه.
5 ـ إطلاق الأسير
ينص الباب الرابع من اتفاقية جنيف الثالثة على إطلاق سراح الأسرى وإرجاعهم إلى بلادهم، إذ يقضي، في المادة 118/1، أن أسرى الحرب يحرّرون ويعادون إلى بلادهم من دون أي تأخير بعد نهاية الأعمال العدائية الناشطة.
وكان الإمام علي (عليه السلام) سبّاقاً في هذا الأمر، فقد رفض المفاداة بالمال، وذلك بقوله: «إن أسير أهل القبلة لا يفادى ولا يقتل» (17) .
كما أن الإمام علياً (عليه السلام) كان يطلق الأسرى من دون مفاوضات. فقد أسر يوم صفين رجالًا من أهل الشام فخلّى سبيلهم، فأتوا معاوية وقد كان عمرو بن العاص يقول لأسرى أسرهم معاوية: «اقتلهم». فما شعروا إلّا بأسراهم قد خلَّى سبيلهم الإمام علي (عليه السلام) . فقال معاوية: «يا عمرو، لو أطعناك في هؤلاء الأسرى لوقعنا في قبيح من الأمر، ألا تراه قد خلَّى سبيل أسرانا. فأمر بتخلية من في يديه من أسرى علي» (18) .
أما اليوم، فإن الأمر لا يتم إلا بعد مفاوضات، وغالباً ما تكون شاقَّة.
________________________________________
(17)المنقري، مذكور سابقاً، والمستدرك، 11/50.
(18)المرجع نفسه، ص 518 و519.

[الصفحة - 266]


مسؤولية الأسرى عن جرائمهم
تتيح اتفاقية جنيف الثالثة، المادة 99، محاكمة الأسرى لدى محاكم مختصَّة وكفؤة إذا ارتكبوا جرائم في نظر قانون القوة الآسرة أو القانون الدولي.
كما تنص اتفاقية «منع أعمال الإبادة الجماعية وسائر جرائم الحرب» لسنة 1948، وكذلك اتفاق لندن لسنة 1945، وميثاق 1946، ونظاما محكمتي نومبرغ وطوكيو على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة وتفرض معاقبتها. وتقضي نصوص عديدة أخرى، كنظام المحكمة الجنائية الدولية (روما 1998)، بمحاكمة مجرمي الحرب، وقد عوقب هؤلاء المجرمون من اليابانيين والألمان والأفارقة واليوغوسلاف أمام محاكم دولية وأحياناً محلية.
إذاً المبدأ الدَّولي هو ضرورة، أو على الأقل، إمكانية محاكمة الأسير على ما يرتكبه. وفي الإسلام يحاسب الأسير على ما يرتكبه حتى ولو كان القتل في ميدان القتال، فقد كان الإمام علي (عليه السلام) إذا أخذ أسيراً من أهل الشام خلَّى سبيله (كما رأينا) إلا أن يكون قد قتل أحداً من أصحابه فيقتله به (19)، وهذا تكريس للمسؤولية الفردية، فهل يمكن تطبيق هذا المبدأ اليوم؟
بحسب طبيعة الأسلحة، كان يمكن في زمن الإمام علي (عليه السلام) تحديد القاتلين، لأن القتل يتمّ بالسيف أو بالرمح. وحتى لو تمّ برمي السهام فإنه يمكن معرفة القاتل.
أما اليوم، فالمسألة أصعب بما لا يقاس؛ وذلك بسبب استخدام الأسلحة من مسافة بعيدة أو استخدام النار الغزيرة من مسافة قريبة. فإذا تمّ التحقُّق من قتل شخص شخصاً فإن الأمر لا يعدو أن يكون القاتل تعمّد قتل شخص معيَّن، وهذا أمر نادر الوقوع، وغالباً ما ينطبق عليه الحظر لأنه يكون قتلًا من دون ضرورة، الأمر الذي تمنعه الاتفاقيات الدولية لأنه يدخل في باب إلحاق الآلام الزائدة عن الضرورة أو القتل غير الضروري، فهو إذاً محرّم.
يبقى القتل في حالات الضرورة، فهل ينطبق عليه معيار الإمام علي (عليه السلام) .
________________________________________
(19)المنقري، مذكور سابقاً.

[الصفحة - 267]


إن القتل دفاعاً عن النفس مباح مبدئياً، من جهة. وإذا سئل: لماذا يزج القاتل نفسه في معركة ليضطر إلى هذا الأمر. كان الجواب:
إذا كان الإنسان مشاركاً في المعركة بإرادته متطوعاً، فإنه يمكن أن يحاسب. أما إذا تمّ تجنيده إلزامياً، بحيث لا يستطيع الامتناع، فالمسؤولية لا تقع عليه.
والجيوش الحديثة لا تقاتل بإرادة الأفراد ولا بالمتطوعين. والقوانين العسكرية تعاقب التمرّد بشدّة، ولهذا فالجندي مجبر على القتال، فعليه بالتالي أن يقاتل، ولكن يحرّم عليه إلحاق أذى غير مسوَّغ بخصمه أو قتله من دون مسوِّغ كالدفاع عن النفس أو بسبب عدم إلقاء السلاح.
أما في زمن الإمام علي (عليه السلام) فالمقاتلون متطوِّعون، يقاتل كل ضمن قبيلته يدفعه الدين أو الحمية، فهو إذاً مسؤول إذا تعمد القتل.
تبقى أخيراً مسألة جرائم الحرب التي لا مناص سواء، في نظر الإمام علي (عليه السلام) ، أم بموجب القانون الدولي الإنساني، من معاقبة مرتكبيها وردعهم جنوداً كانوا أم قادة عسكريين أم قادة سياسيين.
التحفُّظ لجهة اختلاف الدين
ما أثرناه لدى الإمام علي (عليه السلام) قواعد تطبَّق على أسرى المسلمين. وقد حدّد الإسلام القواعد المتعلقة بالأسرى من غير المسلمين. فهل هذا يعني استحالة اللقاء بين الإمام علي (عليه السلام) وبين القانون الدولي الإنساني إلا إذا كان خصمه مسلماً؟
ما نستطيع الفراغ منه، بداية، أن معاملة أسرى المسلمين هي أرحم كما يبيّن الإمام علي (عليه السلام) من معاملة القانون الدولي لسائر الأسرى. أما ما يذهب إليه بعضهم من أن ما فعله الإمام علي (عليه السلام) كان تفضُّلًا لا واجباً، فإنَّنا نرد عليه بأنه إذا كان ذلك ضمن صلاحيات الإمام فلا مانع من تكريسه باتفاقات مع القوى الأخرى. أما الموقف من الأسرى الآخرين فيحتاج إلى تفصيل.
لقد رأينا أن الإمام مخيّر بخصوص هؤلاء الأسرى بين القتل والاسترقاق أو المن والفداء.
________________________________________

[الصفحة - 268]


ونحن مع القائلين: إن الاسترقاق هو معاملة بالمثل، لأن سائر الجيوش المقاتلة كانت تسترقُّ الأسير إذا أبقته على قيد الحياة. ولما كان الاسترقاق اليوم قد منع، فإنه في الإسلام يمنع.
تبقى الحلول الأخرى التي يخيّر بينها الإمام: إما القتل وإما الفداء وإما المنّ.
ولما كانت معظم الدول قد تعاهدت على إطلاق الأسير إن لم يكن ارتكب ما يوجب محاسبته قضائياً، فإن الإمام، المدفوع بحسن معاملة الأسير، يستطيع الموافقة مبدئياً على المن.
أما لجهة معاملة الأسير في الإقامة والمأكل والملبس والعناية الصحية والاحترام، وهي جميعاً أقل شأناً من المن، فلا نعتقد بوجود ما يمنع الإمام من التعاهد بشأنها مع القوى الأخرى، لا سيما ونحن نعلم اليوم توقف الحروب الدينية التي كانت تسمح بمعاملة المشركين بقسوة من أجل القضاء على الشرك، وتقضي بالتشدّد مع أهل الكتاب الذين كان يخشى أن يعودوا إلى قتال المسلمين.
الخلاصة
إن وضع الأسير، بشكل عام، عند الإمام علي (عليه السلام) ، وكما أثبتت الممارسة، وضع قابل لأن يكون وضعاً جيداً، هذا الوضع الذي اكتشفت الإنسانية، بعد إراقة سيول الدماء والدموع والعرق، ضرورته، وهي ما زالت تناضل من أجل إرساء القواعد التي تؤكد هذا الوضع.
ونحن عندما نقول: «وضع قابل لأن يكون وضعاً جيداً»، فلأن هذا الوضع رهن بالاتفاق مع القوى الأخرى التي قد تكون في حالة حرب مع المسلمين، لأنه من دون هذا الاتفاق، يكون أسرى القوى الأخرى، فيما إذا كانت القواعد الإنسانية تطبق تلقائياً، في وضع أفضل، الأمر الذي قد يدفع هذه القوى إلى التنكيل بأسرى المسلمين، ما دامت لا تخشى مغبة المعاملة بالمثل.
يبقى أخيراً أن نقول: إن القواعد التي يرسيها الإمام علي (عليه السلام) تحمل ضمانات تنفيذها لأنها مرتبطة بالعقيدة والأوامر الملزمة تحت طائلة عصيان أحكام
________________________________________

[الصفحة - 269]


الدين، في حين أن الدول الملتزمة بالقانون الدولي لا توفر الضمانة نفسها. وقد مرّ بنا في ثنايا هذا البحث ما فعلته القوى العظمى بملايين الأسرى إبان الحرب العالمية الثانية وبعدها، ولندرك حجم المأساة لنتصوّر كم من العائلات، وهي عائلات هؤلاء الأسرى، تعرّضت للضيق والقهر والعنت.
ولعلّ من أولى واجباتنا، نحن المسلمين أن نصوغ ما قدّمه الإمام علي (عليه السلام) ، لا سيما في مجال التحرير التلقائي للأسرى ونتقدم به إلى المؤتمرات الدولية لعلّ البشرية تخطو، في مجال تخفيف معاناة الأفراد والعائلات، خطوات جديدة إلى الأمام.
________________________________________

[الصفحة - 270]