البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

المستشرقون والسنّة النبوية استعراض للشخصيات، الأعمال، والردود

الباحث :  الشيخ حيدر حب الله
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  58
السنة :  السنة الخامسة عشر صيف 1431هجـ 2010 م
تاريخ إضافة البحث :  June / 25 / 2015
عدد زيارات البحث :  8513
المستشرقون والسنّة النبوية
استعراض للشخصيات، الأعمال، والردود
الشيخ حيدر حب الله (*)
تمهيد
تهدف هذه المقالة المختصَرة لتكوين مدخل موجز عن المستشرقين الذين اهتموا بالسنّة النبويّة والحديث الشريف وعن أعمالهم والردود التي كتبها المسلمون عليهم، لتكون بدايةً لدراسةٍ أُخرى تتعرّض لنظريَّات المستشرقين ومناقشاتها والملاحظات التي ترِد عليها، وعناصر قوّتها وضعفها.
وسوف نفهرس هذا البحث في مقدّمة تَتَّصل بالاستشراق عامّةً، يتلوها الحديث عن المستشرقين الذين اشتهروا في مجال الحديث الشريف، ثمَّ أعمالهم، ثمَّ الردود عليهم، وسنعتمد مبدأ التعرّض لنماذج دالّة لعدم إمكان الحصر. والله الموفق.
1 ـ الاستشراق، مدخل عام
1 ـ 1 ـ تعريف الاستشراق
الاستشراق ـ على وزن استفعال ـ كلمة تعني غالباً طلب شيء ما، فكأنه طلبٌ للشرق وقصد له كي يحصل عليه وعلى حضارته وعلومه، وربَّما يكون بمعنى الدخول في الشرق، فالمستشرق هو من يُسافر إلى مشرق الشمس.
________________________________________
(*) كاتب وباحث، رئيس تحرير مجلة نصوص معاصرة، من لبنان.
[الصفحة - 39]
ويقصد بالاستشراق اصطلاحاً التخصّص الذي يمارسه الغربيّ في مجال دراسة الشرق على مستوى لغاته وتاريخه ودياناته وثقافته وحضارته، انطلاقاً من زوايا علميَّة متعدّدة.
وانطلاقاً من ذلك نجد:
أ ـ إنّ الاستشراق لا يختصّ بدراسة الغربي للعالم العربيّ أو الإسلاميّ، بل يمتدّ ليشمل الحضارة الهنديَّة والصينيّة واليابانيّة وغيرها من الحضارات الشرقيّة أيضاً.
نعم، نتيجة غلبة الاهتمام بالبلاد الإسلاميَّة صار هنا ما يشبه الانصراف إلى هذه المساحة الجغرافيَّة من بلاد الشرق، ونحن نعرف أنّ بعض المستشرقين كانوا يتخصّصون ببعض البلدان أو بعض الحضارات، ولهذا أُطلِقَ على بعضهم المستعربين، وكان الاستعراب فرعاً من فروع الاستشراق؛ لأنَّه دراسة في الشرق العربي خاصّة.
ب ـ قد يُطلَق الاستشراق على ممارسة باحث شرقي لدراسة حول الشرق، فقد يسمّون الياباني الباحث في قضايا الإسلام مستشرقاً، وهذا إطلاق تسامحي يبرّره انطلاقه من خارج المناخ الإسلامي مستخدماً مناهج الدراسات الغربيَّة.
ج ـ لا يختصّ الاستشراق بدراسة الظاهرة الدينيَّة، بل يَستوعب دراسة التاريخ والأدب والعادات والتقاليد والحياة السياسيَّة والاجتماعيَّة وغير ذلك. من هنا فتصوّر الاستشراق اختصاصاً منحصراً بالإسلام أو الدّين غير صحيح إطلاقاً.
د ـ ليس نقد الشرق جزءاً من هويّة المستشرق، بل دراسة الشرق هي مقوّم الهوية، ومجرّد أن عدداً كبيراً من المستشرقين كان ناقداً للشرق وتاريخه وحضارته لا يجعل النقد عنصراً مقوّماً للعمل الاستشراقي؛ فهناك العديد من المستشرقين لم يكونوا ناقدين، بل بعضهم كان معجباً بالشرق ومدافعاً عن قضاياه.
________________________________________

[الصفحة - 40]
2 ـ 1 ـ الاستشراق، مطالعة تاريخيَّة
تختلف الدِّراسات في تحديد البدايات التي نشأ فيها الاستشراق، وفي هذا الإطار ظهرت عدَّة نظريَّات أو آراء، أهمّها:
1 ـ العود ببدايات الاستشراق إلى القرن الميلادي الأوّل، ويَستشهد أصحاب هذا الرأي بالعثور على كتاب لمؤلّف غربيّ مجهول الهويَّة تحت عنوان (الطواف حول البحر الاريتيريّ)، وقد ذهب هؤلاء إلى تأكيد أنّ هذا الكتاب يعود إلى القرن الميلادي الأوَّل، معتمدين على رأي الباحث الدكتور جواد علي.
ويبدو أنّ الأخذ بهذا الرأي يواجه مشاكل من ناحية الإثبات التاريخيّ تارةً، وتجنّب النقض تارةً أُخرى، فالمؤرّخ اليونانيّ هيرودوتس الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد وأرّخ للحروب اليونانيّة ـ الفارسيّة.. قام برحلات كثيرة طالت مصر جنوباً وبابل شرقاً والبحر الأسود شمالاً، وقد كتب ما شاهده في تلك البلدان حتى عُدّ كتابه المؤلّف من تسعة أجزاء موسوعةً كبيرة في تاريخ الحضارات الشرقيَّة، وهذا معناه أنّ الاستشراق لابدّ أن يكون قبل الميلاد أيضاً، وفقاً لطريقة الاستدلال التاريخي التي اعتمدها هذا الرأي.
2 ـ إنّ بدايات الاستشراق تعود إلى أواخر القرن السابع الميلاديّ، ويرى هؤلاء أنّ مساهمات بعض العرب المسيحيِّين في دراسة الإسلام تشكّل بدايات الاستشراق، ويمثِّلون لذلك بيوحنا الدمشقي (749م) الذي ترك الكثير من المصنّفات التي يحمل بعضها طابعاً نقديّاً ضدّ الإسلام، كان من أشهرها كتابه (منهل المعرفة)، وكان الدمشقيّ من آباء الكنيسة الشرقية.
بل إنّ مساهمات النصارى في العصر العباسيّ في ترجمة الفكر اليونانيّ يُمكن أن تدخل ضمن هذا السياق أيضاً.
لكن يبدو أنّ هذا الرأي غير دقيق؛ لأنَّه تصوّر أنَّ نقد الإسلام من جهةٍ
________________________________________
[الصفحة - 41]
ومسيحيَّة الباحث من جهةٍ أُخرى عناوين مقوّمة للاستشراق، مع أنَّنا قلنا بأنّ النقد ليس العنصر المقوّم للاستشراق، والمسيحيَّة ليست ظاهرة محض غربيَّة حتّى نحسب كلّ مساهمة مسيحيَّة في دراسة الإسلام استشراقاً.
3 ـ تعود بدايات الاستشراق إلى الفترة التي قام فيها المسيحيِّون بنقل الفكر اليونانيّ والغربيّ إلى بلاد الغرب من الحواضر العلميَّة الإسلاميَّة، أي إلى تلك الفترة التي أعاد فيها الغرب اطّلاعه على حضارته عبر المسلمين الذي كانوا قد ترجموا هذه الحضارة واستوعبوها وعمّقوها.
وقد كانت مقدّمة ذلك أن تعلَّم الكثير من مسيحيِّ الغرب اللغة العربية وعاشوا في بلاد المسلمين أو زاروها، كي يتمكّنوا من التعرّف على حضارة المسلمين، وعبر ذلك إعادة نتاجهم الفكريّ ـ المطوّر هذه المرة ـ إلى بلادهم.
ويبدو أنّه قبل القرن العاشر الميلاديّ كانت هناك بعض الجهود البسيطة في هذا المجال، لكنّها لم تكن لتشكّل تيَّاراً أو ظاهرةً يُمكن الحديث عنها.
4 ـ يعود الاستشراق إلى القرن العاشر الميلاديّ مع انطلاقة مشروع الراهب المسيحيّ الفرنسيّ جربير سلفستر الثاني (1003م) الذي أطلَق عمليَّة دراسة الشرق، حيث كان قد تعلّم العربيَّة في قرطبة، ثمَّ رجع إلى بلاده ليصبح (البابا سلفستر الثاني)، ويُطلق مشروع البحث في الشرق بحكم موقعه ومنصبه.
5 ـ تعود البدايات الحقيقيَّة للاستشراق إلى فترة الحروب الصليبيّة، ففي هذه الفترة وقع صدام الحضارات بين الشرق والغرب، وكان من الطبيعيّ أن يولّد هذا الصدام اطّلاعاً متبادلاً على الطرف الآخر؛ لأنَّه يزيد في العادة من الاحتكاك الحضاريّ، لاسيّما وأنّ الحروب الصليبيّة كانت طويلة المدّة، حيث استطالت لقرابة القرنين من الزمان.
ويمكن التكهّن بهذا الرأي من خلال تحليل ما يسمّى في الدِّراسات
________________________________________
[الصفحة - 42]
التاريخيَّة ببرهان طبيعة الأشياء، وهناك ما يشهد عليه، حيث ظهر ما يُعدّ عند بعضهم أوَّل نتاج استشراقي في القرن الثاني عشر الميلاديّ من خلال ظهور أوّل ترجمة للقرآن الكريم، وأوّل قاموس عربيّ ـ لاتينيّ.
6 ـ إنّ الاستشراق يرجع تحديداً إلى حملة نابليون بونابرت (1821م) التي طالت مصر عام 1798 ـ 1799م، فقد شكّلت هذه الحملة انطلاقة تواصل ثقافيٍّ وفكريٍّ بين الغرب والشرق، حيث رافق نابليون في حملته على مصر عددٌ من العلماء والباحثين الغربيين، كما أخذ معه مطبعة لطباعة الكتب.
من خلال هذه الآراء الستّة يتبيّن أنَّ الباحثين في تاريخ الاستشراق أرادوا أن يرجعوا بالمعطيات التاريخيَّة المتوفِّرة إلى أقدم تجربة غربيَّة للتعرّف على الشرق، وإذا تأمّلنا قليلاً سنجد أن تعرّف الغرب على الشرق فيما نسمّيه بالاستشراق، وتعرّف الشرق على الغرب فيما نسمّيه بالاستغراب ظاهرة قديمة على المستوى الفرديّ والمحدود، تعود إلى الرحلات المتبادلة والعلاقات السياسيَّة بين الامبراطوريَّات القديمة من خلال السفراء وغيرهم، إلا أنَّنا عندما نريد أن نتحدّث عن الاستشراق بوصفه ظاهرةً أو مشروعاً فمن الطبيعيّ أن نتأخّر زمنيَّاً إلى الحروب الصليبيَّة بوصفها مرحلة أولى، وإلى القرن الثامن عشر بوصفه مرحلة ثانية.
3 ـ 1 ـ مدارس الاستشراق
يطول الحديث عن مدارس الاستشراق كثيراً؛ لأنّ تقسيم الاستشراق إلى مدارس واتِّجاهات كانت له عند الباحثين أشكاله وأساليبه.
وأبرز التقسيمات التي اتُّبعت كانت كالتالي:
1 ـ المنهج الموضوعيّ في تقسيم مدارس الاستشراق
نقصد بهذا المنهج فرز المستشرقين وجهودهم من حيث نوعيَّة الموضوعات التي اشتغلوا عليها، وقد استخدم العديد من دارسي الاستشراق هذا النوع من
________________________________________
[الصفحة - 43]
تقسيم المستشرقين، ومن باب المثال نذكر بعض التقسيمات التي طُرحت وفقاً لهذا الأساس.
أ ـ تقسيم الدكتور نجيب العقيقي ـ وهو باحث متخصّص في الاستشراق وشخصيّاته ـ حيث قسّم الاستشراق إلى مدرستين كبيرتين هما:
1 ًـ المدرسة السياسيَّة، وهي ـ عنده ـ المدرسة التي ركّزت جهودها على الأدب بشكل عام، بما للأدب من مفهومٍ واسعٍ يَطال الفكر الإنسانيّ والإنسانيَّات، وفي هذه المدرسة تندرج دراسات المستشرقين حول الدين والتاريخ واللغة والأعراف و..
2 ًـ المدرسة الأثريَّة، وهي المدرسة التي عنت بالآثار.
وكما نرى، فإنّ تقسيم العقيقيّ واسع سعةً كبيرة، ولا يعطينا الكثير من الإضاءات على خصائص كلّ مدرسة؛ لأنَّ العنصر الجامع لكلٍّ من المدرستين ليس عنصراً رئيسيّاً في تكوين هذه المدرسة أو تلك، وإنَّما هو أشبه بالوصف العرَضيّ الذي يطال ذوات متباينة.
ب ـ تقسيم الدكتور حسين الهراوي، الذي قسّم الاستشراق إلى مدارس ثلاث هي:
1 ًـ مدرسة القرآن الكريم: وهي المدرسة المختصّة بدراسة القرآن الكريم وتاريخه وجمعه وما يتصل بقضايا الوحي ونحو ذلك.
2 ًـ مدرسة التاريخ النبويّ: وهي المدرسة المختصّة بحياة النبيّ محمد(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) وما جرى معه في سيرته، وأعماله، وحروبه وسياسته و...
3 ًـ مدرسة التاريخ العربيّ: وهي المدرسة التي تُعنى بتاريخ العرب قبل الإسلام وبعده، وباللغة العربيَّة، وبتاريخ الإسلام في عصر الصحابة، والعصر الأمويّ والعباسيّ إلى يومنا هذا.
________________________________________
[الصفحة - 44]
هذا التقسيم يُعاني من مشكلة رئيسة، وهي أنَّه يضع الاستشراق في مواجهة حصريَّة مع الإسلام وقضاياه، مع أنّ الاستشراق لا يَختصّ بالإسلام وإنَّما يستوعب ـ كما أشرنا سابقاً ـ الشرق على امتداده الحضاريّ بما فيه من حضارة هندية ويابانية وفارسيّة ومصريّة قديمة وفينيقيّة وسومريّة وغير ذلك.
يُضاف إلى ذلك أنَّنا لا نجد هذا التقسيم واقعيّاً، فمثلاً لا نلحظ اتِّجاهاً متخصّصاً بالسيرة النبويّة لا يعنيه البحث القرآني، كما نجد الكثير من المستشرقين درسوا أكثر من موضوع، فجولدتسيهر (1921م) درس التاريخ النبويّ والقرآن وتاريخ العرب بعد الإسلام، وثيودور نولدكه (1930م) درس القرآن في كتابه (تاريخ القرآن)، كما درس السيرة في كتابه (حياة محمد)، ودرس التاريخ العام فيما كتبه تحت عنوان (تاريخ الفرس والعرب في عصر الساسانيين). وكثير من المستشرقين درسوا القرآن ودرسوا اللغة العربيَّة وتاريخ العرب معاً؛ لأنّ هناك ترابطاً عضويَّاً وثيقاً بين هذه الأمور.
2 ـ المنهج الجغرافيّ في تقسيم مدارس الاستشراق (مشروع العقيقيّ أنموذجاً)
وهو التقسيم الذي يَعتمد على بلد المستشرق، فيقسّم الاستشراق وفق الجغرافيا، وهذا ما فعله الدكتور نجيب العقيقي عمليَّاً في كتابه المشهور حول المستشرقين، حيث قسّم الاستشراق إلى انجليزيّ وفرنسي وإيطاليّ ومجَريّ وألمانيّ وأسبانيّ و...
وكأنّ العقيقي نسي تقسيمه المتقدّم، واستبدله ميدانيَّاً بالتقسيم الجغرافي، وربَّما يكون السبب في ذلك سهولة اعتماد المعيار الجغرافيّ في الفرز والقسمة، إضافة إلى تجنيب هذا التقسيم الباحث مهلكة التداخل في العادة.
ومن الطبيعي أن نُلاحظ على هذا التقسيم أنَّه غير وافٍ بتكوين مدرسة،
________________________________________
[الصفحة - 45]
فأهميّة تقسيم المدارس تكمن في الجانب الموضوعيّ الدقيق تارةً، وفي الجانب المنهجي تارةً أُخرى، فنحن قادرون على أن نقول: هناك مدرسة فقهيَّة في الفكر الإسلامي، ومدرسة فلسفيَّة، ومدرسة قرآنيَّة، وفقاً لفرز موضوعيّ، أو هناك مدرسة إخباريَّة ومدرسة أصوليَّة وفقاً لفرزٍ منهجيّ. أمَّا المدرسة الجغرافيَّة فتحتاج إلى الكثير من العناصر الحافّة حتّى تكون مدرسةً لها استقلالها وامتيازها عن غيرها.
3 ـ المنهج الغائيّ في تقسيم مدارس الاستشراق
وهو التقسيم الذي يَعتمد غايات المستشرقين أساساً، وفي هذا السياق يُمكن تقسيم مدارس الاستشراق وتيَّاراته إلى ما يلي:
أ ـ الاستشراق الدّيني الأيديولوجيّ: وهو الاستشراق الذي كانت دوافعه دينيَّةً، وهو ذاك الاستشراق الذي قادته المؤسّسات الدينيّة المسيحيّة خلال الحروب الصليبية وما تلاها، وقد كانت أهداف الكنيسة في تلك الفترة الدِّفاع عن العقائد المسيحية ومواجهة التوسّع الثقافي الذي كان يقوم به العالم الإسلامي نحو الغرب، لاسيّما بعد سقوط الأندلس في يد المسلمين، أو الهجوم على الثقافة الإسلاميّة من جهة ثانية وممارسة عمليّات التنصير والتبشير.
ب ـ الاستشراق الاستعماريّ: وهو الاستشراق الذي كان يَنطلق بدافعٍ سياسي ـ عسكري ـ توسّعي، وقد كان الهدف منه التعرّف على ثقافة بلدان الشرق وأحوالها وأوضاعها وعاداتها وتقاليدها وحضارتها بهدف التمكّن من وضع الخطط الكفيلة بتحقيق الغزو العسكريّ والثقافيّ والإبقاء على القوات العسكريّة الأجنبيَّة في بلاد الشرق فترةً أطول.
وفيما كان الدعم الكنسي هو المرجع المموّل للاستشراق بمدرسته الدينيّة ـ الأيديولوجيّة، كانت وزارات المستعمرات في الدول المستعمرة كفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وغيرهـا تقوم بتمويل الحـركة الاستشراقيّة، ولهـذا كان الكثير من
________________________________________
[الصفحة - 46]
المستشرقين حتّى النصف الأوّل من القرن العشرين موظّفين أو تابعين لوزارة المستعمرات أو وزارة الخارجيّة في حكومات بلدانهم.
ج ـ الاستشراق العلميّ: وهو الاستشراق الذي لم يرَ في دراسة الشرق سوى مادّة علميّة، وقد بدأ شيوع هذا النوع من الاستشراق وهذا الجيل من المستشرقين بالأخصّ بعد الحرب العالميَّة الثانية وانهيار كلٍّ من الاستعمار الأجنبيّ المباشر وسلطة الكنيسة المطلَقة.
والذي يُلاحظ في هذا النوع من الاستشراق أنَّه صار مدعوماً من الجامعات ووزارات العلوم والأبحاث في البلدان الغربيَّة أكثر من كونه تابعاً لوزارة الدِّفاع أو الخارجيَّة، ولهذا ظهر جيل من المستشرقين يختلف من حيث أسلوبه وعمقه وأدب حديثه حول الشرق عن الأجيال السابقة.
4 ـ 1 ـ مجالات العمل الاستشراقيّ
تنوّعت وتعدّدت الجهود والأعمال التي قام بها المستشرقون في دراساتهم للإسلام، كما كثر عددهم حتَّى أُلّفت حولهم كتب تحصيهم مثل كتاب (طبقات المستشرقين) للدكتور عبد الحميد صالح حمدان، وكتاب (المستشرقون) لنجيب العقيقي، وألّفت أيضاً أعمال تحصي نتاجاتهم وكتبهم ومقالاتهم مثل كتاب (كتابشناسي خاورشناسان) الذي دوّنته مجموعة من الباحثين والمترجمين، وصدر عن (انتشارات بين المللي الهدى) في طهران عام 1993م. بل لقد ألّفت العديد من المعاجم والموسوعات المعنيَّة بدراسة المستشرقين وحالهم وأعمالهم مثل (موسوعة المستشرقين) لعبد الرحمن بدوي.
ونظراً لكثرة عدد المستشرقين وأعمالهم، نجد أنّه لم يخلُ مجال في التُّراث والفكر الإسلاميَّين إلا وطَرَقَه المستشرقون إلى يومنا هذا، حتّى كان لهم فضل كبير في إخراج أمَّهات الكتب الإسلاميَّة من رفوف المكتبات إلى عالم التصحيح
________________________________________
[الصفحة - 47]
والإخراج والتعليق والطباعة الجديدة.
إلى جانب ذلك، كانت للمستشرقين دراسات هامَّة في مجال الأدب واللغة العربيّين، وحول الشعر الجاهلي، وقد استخدموا في ذلك مناهج البحث التاريخيّ والألسنيّات وعلوم اللغة الجديدة، كما درسوا التاريخ العربيّ والإيرانيّ والتركيّ، والإسلاميّ، وعالجوا الكثير من الأحداث التاريخيّة على طريقتهم، كالثورات والحياة السياسيّة والسيرة النبويّة وعلاقات المسلمين بغيرهم لاسيما باليهود، ودرسوا القرآن لاسيما على مستوى تحليل ظاهرة الوحي وما يتَّصل بتاريخ القرآن وجمعه وتدوينه وتطوّر كتابته والقراءات القرآنية، كما ترجموه ترجمات عديدة، وكتبوا في علم المعاجم والفهارس القرآنيّة.
وتناول المستشرقون الفتح الإسلاميّ، ودرسوا الشعوب والبلدان التي طالتها الفتوحات الإسلاميَّة، وتحدّثوا عن أحوالها قبل الفتح وبعده، ودرسوا السلالات التي حكمت مختلف أقطار العالم الإسلاميّ، من العباسيّين والأمويّين والعثمانيّين والحمدانيّين والفاطميّين و...
كما درسوا الفِرَق الإسلامية وتطوّرها وعلاقاتها، لاسيما المعتزلة والإسماعيليَّة والزيديّة والقرامطة و... ودرسوا الفقه الإسلامي وتطوّره وعلم الكلام، ورصدوا علاقات المسلمين بالحضارات الأخرى وغير ذلك الكثير، حتّى أبدعوا في دراسة الفنّ المعماريّ الإسلاميّ.
5 ـ 1 ـ عناصر النجاح ونقاط الضعف في أعمال المستشرقين
أ ـ عناصر القوّة والنجاح
ثمّة عناصر ساعدت على نجاح الدِّراسات الاستشراقيَّة، أهمّها باختصار:
1 ـ دراستهم باهتمام اللغات والحضارات القديمة كالآريّة والكلدانيّة والآشوريّة والعبريّة والسريانيّة والعربيّة والفارسيّة والتركيّة، وقد صنّفوا فيها الكثير.
________________________________________
[الصفحة - 48]
فالمستشرق بيتز مثلاً أحسن 51 لغة ولهجة، والمستشرق فرموند أتقن 30 لغة، والمستشرق روكرت تحدّث 30 لغة.
2 ـ اتّباع مناهج متطوّرة في العلوم الجديدة وأخذهم بالمناهج الجديدة للمعرفة البشريّة.
3 ـ التخصّص في مجال محدّد، من لغة أو دين أو..، لهذا نجد أنّ أعمالهم مركّزة جدّاً.
4 ـ الجدّية العالية في إنجازهم لأعمالهم، وصبرهم الكبير أثناء القيام بمشاريعهم الكبرى التي تستغرق أعماراً بأكملها.، فالمستشرق كاستل ظلّ 18 سنة في وضع معجمه في اللغات الساميّة.
5 ـ الدعم المالي الذي كانت توفِّره لهم في كثير من الأحيان الدول والمؤسسات الدينيّة والمدنيّة.
ب ـ عناصر الضعف والإخفاق
ثمّة عناصر ضعف ابتلي بها المستشرقون في غالب دراستهم، أهمّها بإيجاز:
1 ـ النزعة العدائيَّة عند بعضهم، والتي أعمَتهم في كثير من الأحيان عن رؤية الواقع بأمانة ودقّة.
2 ـ عدم معايشة ثقافة الشعوب الأخرى بشكل حقيقيّ، ولهذا كانت عندهم مشاكل لغويّة.
3 ـ استخدام التفسير المادّي السلبيّ دائماً للظواهر والأحداث والابتعاد عن القِيَم السامية في تفسير الظواهر لصالح الفهم المصلحيّ للحدَث التاريخيّ.
4 ـ عدم إقامة أدلّة على عددٍ لا بأس به من نظريَّاتهم، واكتفائهم بجماليَّة عرضها وتناسقها الداخليّ.
________________________________________
[الصفحة - 49]
5 ـ اعتماد مصادر ضعيفة وغير أصليّة، لاسيما في دراساتهم حول الشيعة الإماميّة.
6 ـ إسقاط نظريَّات مسبَقة أحياناً (جولدتسيهر أنموذجاً)
7 ـ اعتماد مبدأ التشابه بين الديانات والحضارات لتفريغ الإسلام من كلِّ جديد.
6 ـ 1 ـ منهج التعامل مع الاستشراق
انطلاقاً من هذا التنوّع الموجود في حركة الاستشراق يتبادر إلى ذهننا سؤال هام: كيف يُفترض فهم الظاهرة الاستشراقيَّة؟ كيف نتعامل مع هذه الظاهرة بشكل يكون فهمنا لها صحيحاً؟ كيف نتجنّب بعض المفاهيم والتصوّرات التي تُعيق فهمنا الصحيح لها؟ ثمَّ كيف نخوض معها حواراً علميّاً؟ وما هو المنهج العلميّ المفترَض الذي نتمكّن من خلاله تسجيل ملاحظات علميَّة على هذا المستشرق أو ذاك؟
في هذا السياق تجدر الإشارة السريعة للنقاط التالية:
1 ـ لا تتّحد صيغة التعاطي الفكريّ مع المستشرقين، وإنَّما تختلف تبعاً لانتماءات المستشرق الفكريّة والمنهجيّة.
ولتوضيح هذه النقطة الهامَّة نمثِّل بالاستشراقين: الدينيّ، والعلميّ ـ العلمانيّ، فالمستشرقون الذين كانوا يَنطلقون من منطلقات دينيَّة، وبعضهم رجال دين مسيحيِّون أو يهود، يُمكن الإيراد عليهم بما في النصوص الدينيَّة لدياناتهم؛ فإذا أشكلوا مثلاً بأنّ الحديث النبويّ غير ثابت، وأنّ هناك فترة معتمة لم يدوّن فيها حديث النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم)، ومن ثَمّ فنحن غير قادرين على الوثوق بهذه الأحاديث، أمكن ممارسة جواب نقضيّ عليهم بأنّ نصوص (السنّة) في الديانتين اليهوديَّة والنصرانيَّة دوّنت بعد عقود من وفاة عيسى(عليه السلام) وقرون من وفاة موسى (عليه السلام)، لكن إذا جاء
________________________________________
[الصفحة - 50]
مستشرق علمانيّ وقال هذا الكلام بعينه، فلا يُمكن الجواب عنه بذلك؛ لأنَّه سوف يقول تلقائياً بأنَّه يَقبل بذلك وبأنّ إشكاله يسري إلى المسيحيَّة واليهوديَّة كما على الإسلام. هذا كلّه يعني أنّ الانتماء الفكريّ للاستشراق ضرورة لمعرفة كيفيَّة خوض الحوار الفكريّ معه.
وفي هذا السياق لا يصحّ اتِّباع منهج واحد على مستوى الأسلوب مع جميع التيَّارات الاستشراقيَّة، فبعضها له أغراض استعماريَّة، وبعضها ليس كذلك، فلا يصحّ الخلط بين الأوراق في هذا المجال.
2 ـ لا ينبغي الخلط بين دوافع المستشرق وقيمة بحثه العلميّ، فلكي يكون حوارنا الفكريّ مع الاستشراق وزيناً وأكاديميَّاً علينا النَّظر في الدِّراسة التي يقدّمها هذا المستشرق أو ذاك، بصرف النظر عن دوافعه، فحُسن نواياه أو سوئها لا يُبطل فكرةً قالها ولا يصحّح مقولةً أطلقها، وواحدة من أشهر أخطاء الدَّارسين المسلمين لقضايا الاستشراق هي:
إما حُسن الظنِّ بالمستشرقين بحيث يُعمي عن رؤية أخطائهم حتّى تكوّنت تيَّارات فكريّة في عالمنا الإسلاميّ لم تكن سوى ترجمةً حرفيَّةً أمينةً لأعمال المستشرقين، ولهذا نجد الكثيرين ممّن ينزعجون من نقد الاستشراق وأنَّ هذا النقد تعبير ـ بالضرورة ـ عن تخلّفنا العلميّ.
أو سوء الظنِّ بهم وتطبيق منطق المؤامرة على أعمالهم بأجمعها، إلى حدّ أنَّ هذا أفقدنا العديد من الأفكار الصحيحة التي اكتشفها المستشرقون، والتي كان من شأنها أن تطوّر معارفنا الفكريّة والدينيّة.
لقد بَلغ سوء الظنِّ حدّاً أن حمل مفكّر كبير مثل مالك بن نبي، حمل مدح المستشرقين للحضارة الإسلاميّة على أنّه حقنة اعتزاز كان الهدف منها ذرّ الرماد في العيون وتخدير المسلمين بماضيهم وتعمية أبصارهم عن الخطط الاستعماريّة.
________________________________________
[الصفحة - 51]
من هنا، فالمطلوب في الحوار الفكريّ مع الاستشراق وأعماله أن ننظر إلى النِتَاج الاستشراقيّ لتفكيكه وتحليله وتقييمه بصرف النظر عن الدَّوافع والنوايا.
2 ـ الاستشراق والسنّة النبويّة
ومن جملة ما أولاه المستشرقون أهميَّةً في دراساتهم الإسلاميّة (السنّة النبويّة والحديث الشريف)، فقد كان هناك تركيزٌ كبير على هذا الملفّ، وقد أثار المستشرقون العديد من الأفكار وقدّموا الكثير من الطروحات التي سرعان ما تركت أثراً على بعض الدّراسات الإسلاميّة مخلّفةً وراءها مدرسةً جديدة بدأت بالتكوّن في الدَّاخل الإسلاميّ.
بدورنا سوف نطالع في هذه الأوراق جهود المستشرقين في مجال دراسة السنّة النبويّة والحديث الشريف، وذلك عبر العناوين التالية التي سنتعرف من خلالها تارةً على أهمِّ المستشرقين الذين اشتغلوا على الحديث النبويّ وحياتهم وأعمالهم الفكريّة، وأخرى على أهمِّ الأعمال الفكرية والكتب والمقالات التي قدّموها في هذا المضمار، وثالثة على أهمّ الأفكار التي قدّموها وفهرسة هذه الأفكار. أمّا نظرياتهم ومناقشاتها فنتركه إلى دراسة أخرى.
1 ـ 2 ـ المستشرقون المساهمون في دراسة السنّة النبويّة
برزت في الوسط الاستشراقيّ بعض الأسماء التي تخصّصت أو اهتمّت بدراسة السنّة النبويّة والحديث الشريف، وأهمّ هذه الشخصيّات:
أ. أجناس جولدتسيهر / Ignaz Goldziher( 1850 ـ 1921م)
يُعـدّ المستشرق المجـريّ المعروف أجنـاس جولدتسيهر من أشهر المستشرقين وأعمقهم، ولد في مدينة اشتولفيسنبرغ في بلاد المجر من أسرة يهوديَّة على قدر كبير ومكانة مرموقة.
________________________________________
[الصفحة - 52]
قضى سنيّ حياته الدراسيّة الأولى في بودابست، ثمّ ذهب إلى برلين عام 1869م، حيث بقي فيها سنةً، انتقل بعدها إلى جامعة ليبستك، حيث تتلمَذ على يد المستشرق فليشر، وحاز هناك على شهادة الدكتوراه الأولى عام 1870م، وخصّص رسالته حول أحد الشرّاح اليهود للتوراة في القرون الوسطى ألا وهو تنخوم أورشلمي.
عاد جولدتسيهر إلى بودابست، وعُيّن مدرّساً مساعداً في الجامعة عام 1872م، وسرعان ما أرسلته وزارة المعارف المجريّة في بعثة دراسيّة إلى الخارج، ليُكمل دراسته في فينّا وليدن، ثمّ ذهب إلى الشرق عام 1873م وأقام بالقاهرة مدّة، ثمّ سافر بعدها إلى سوريا بصحبة الشيخ طاهر الجزائري ثمّ إلى فلسطين، وقد أعطته فترة إقامته بالقاهرة فرصة لحضور بعض الدروس في الأزهر، حيث حضر عند الشيخ محمّد عبده.
ومنذ مجيئه إلى بودابست ركّز اهتماماته على الدراسات العربيّة والإسلاميّة، فحاز على شهرة واسعة، ثمّ صار أستاذاً للغات الساميّة عام 1894م، حيث كان متقِناً لعدّة لغات، وهي: التركيّة والعربيّة والفارسيّة، إضافةً إلى أنّه كان خبيراً بالتراث اليهوديّ.
لقد درس جولدتسيهر علم مناهج نفسيّة الشعوب (البليونتولوجيا) وكانت عنده مكتبة ضخمة تربو على الأربعين ألف كتاب.
ومن اهتمامه المبكر باللغات الشرقيَّة نجده ترجم وهو في السادسة عشرة من عمره قصةً من التركيّة إلى المجريّة، نشرتها له إحدى المجلات التي وضعت العنوان التالي: «مستشرق في السادسة عشرة».
ومنذ ذلك الحين استقرّ جولدتسيهر في بودابست ولم يعد يخرج منها إلا للمشاركة في المؤتمرات أو لإلقاء بعض المحاضرات في الجامعات الأجنبيّة. وقد
________________________________________
[الصفحة - 53]
تربّى على يدي جولدتسيهر جيلٌ من المستشرقين، حتّى عُدّ واحداً من أهمِّ المستشرقين حتّى يومنا هذا.
انُتخِبَ جولدتسيهر عضواً في عدد من المجامع العلميّة، مثل مجمع العلوم المجريّ عام 1893م، وكتب في المجلات الآسيويّة والغربيّة بكلٍّ من اللغة الألمانيّة والفرنسيّة والإنجليزيّة والروسيّة والمجريّة والعربيّة، وصنّف أشهر كتبه بالألمانيّة والفرنسيّة والإنجليزيّة.
توفّي جولدتسيهر في بودابست في 13 نوفمبر عام 1921م.
مطالعة عامّة في الأعمال الفكريّة لجولدتسيهر
لم يُساهم جولدتسيهر في أيِّ نشاطٍ سياسيّ أو دينيّ أو اجتماعيّ أو تواصليّ، ولأجل ذلك امتاز عن العديد من المستشرقين بل غالبيّتهم؛ لأنّ الكثير من المستشرقين كانوا يكتبون نتيجة تواصلهم مع الشرق وكانوا يكتبون عن حال الشرق في زمانهم، أمّا جولدتسيهر فكان منكبّاً على المصادر والكتب أكثر من اعتماده على طريقة الاتِّصال الحيّ المباشر.
من هنا، ظهرت عند جولدتسيهر إسهامات هامّة في دراسة الكتب والوثائق والتراث، فكان بحراً في جمع الوثائق والمعطيَات وممارسة تحليل ظاهراتيّ لها.
يَمتاز جولدتسيهر بقراءته التاريخيّة للتراث الإسلامي، فهو يصرّ على الدوام على تفسير كلّ الأمور وفقاً لحراك تاريخيّ زمنيّ، فالمذاهب عنده وليدة أوضاع زمنيّة، وتفسير القرآن وفهمه ليس سوى نتيجة للتجاذبات السياسيّة والاجتماعيّة التي عصفت بالمسلمين في القرون الأولى، والحديث النبويّ ليس سوى صنيعةً للتيّارات المتحاربة لمواجهة بعضها بعضاً، أمّا الفقه وعلوم الشريعة فيراها جولدتسيهر أبسط بكثيرٍ في أصل الدّين الإسلاميّ ممّا صارت عليه بعد ذلك، إذ يفسّر تطوّر الفقه بأنّه مجرّد استجابة لتطوّر الأوضاع التي فاجأت العرب بعد
________________________________________
[الصفحة - 54]
الفتوحات فردموا الهوّة بخلق قوانين منحت شرعيّتها بتغطية من نصوص دينيّة مختلَقَةٍ برأيه.
بهذه الطريقة استخدم جولدتسيهر ـ كما يقول د. عبد الرحمن بدوي ـ المنهج الاستدلاليّ أكثر من استخدامه المنهج الاستقرائيّ، فقد كانت في ذهنه مجموعة من المناهج والتصوّرات التي أخذها من العلوم المختلفة، وكان يَكفيه أن يَنظر إلى بعض المعطيَات التاريخيّة لكي يقوم بإسقاط مناهجه على ذاك الوضع التاريخيّ مستخدِماً التحليل والاستدلال، ولهذا كان تحليل جولدتسيهر للتاريخ الفكريّ الإسلاميّ تحليلاً يضع كلَّ الأمور الجزئيّة داخل تيّارات كبرى، ويفتح مربّعات ودوائر كبيرة تستوعب ما كان يجري بين المسلمين من خلافات في الفقه والكلام والتفسير.
حاول جولدتسيهر في العديد من دراساته ـ وبحكم خبرته في التراث اليهوديّ ـ أن يقوم بملاحقة جذور بعض الأفكار الإسلاميّة في الموروث اليهوديّ، فنحن نجده مثلاً ـ كما في كتابه (العقيدة والشريعة) ـ يُحيل في مواضع عدّة أفكاراً أو أحكاماً أو عقائد عند المسلمين أو بعض فرقهم... يُحيلها إلى جذرٍ يهوديّ ولو على سبيل الإشارة، ويَرجع ذلك إلى قدرة جولدتسيهر الكبيرة على القيام بمقارنات، حيث امتاز بعنصر المقارنة بين التيّارات والديانات عموماً.
ترك جولدتسيهر 592 بحوثاً يتراوح حجمها بين المجلّد ومجموعة تعليقات، وأوّل أبحاثه التي اشتهر بها في الدّراسات الإسلاميّة كان كتابه «الظاهريّة: مذهبهم وتاريخهم» درس فيه بإسهاب علم الفقه وتطوّره وأصول الفقه الإسلاميّ، وبعد هذا الكتاب يأتي كتاب هامّ آخر له وهو كتاب «دراسات إسلاميّة (أو محمديّة)»، حيث تحدّث فيه عن الإسلام والوثنيّة، وعن صراع الروح العربيّة والروح الإسلاميّة، ثمَّ الروح الفارسيّة والروح الإسلاميّة، كما تحدّث في هذا الكتاب عن
________________________________________
[الصفحة - 55]
السنّة والحديث، وتحدّث في آخره أيضاً عن ظاهرة تقديس الأولياء محلّلاً عبر مقارنات موسّعة التراث العربيّ الوثنيّ والتصوّرات الشعبيّة للموضوع، مستعرِضاً فرق تقديس الأولياء. وفي بحثه «الإسلام والدين الفارسيّ» تحدّث جولدتسيهر عن تأثير الفرس في الإسلام.
في كتابه «مذاهب التفسير الإسلاميّ» تحدّث عن تطوّر حركة التفسير ومدارسه واتِّجاهاته، معتبراً أنّ القراءات القرآنيّة شكّلت البدايات الأولى للخلافات التفسيريّة. أمّا في كتابه «العقيدة والشريعة في الإسلام» فقد أسهب جولدتسيهر في دراسة الفرق الإسلاميَّة في مجالي العقيدة والشريعة، وهو من أهمّ كتبه وأكثرها إثارةً.
هذا كلّه إلى جانب تحقيقه لسلسة من الكتب الشرقيّة، منها كتاب المعمّرين للسجستانيّ.
ب ـ جوزيف شاخت / Joseph Schacht (1902 ـ 1969م)
ولد المستشرق الألماني جوزيف شاخت في 15/3/1902م، في راتيبور في ألمانيا، ودرس هناك علوم اللاهوت والفيلولوجيا الكلاسيكيّة، واللغات الشرقيّة، وذلك في جامعتيَّ برسلاو وليبيتسك، وفي عام1925 عُيّن ـ بعد أن حصل على الدكتوراه في التأهيل ـ للتدريس في جامعة فرايبورغ، لينتقل عام 1932 إلى جامعة كينجسبرغ.
عام 1934 انتُدب للتدريس في الجامعة المصريّة ـ وهي اليوم جامعة القاهرة ـ في فرع فقه اللغة العربيّة واللغة السريانيّة بقسم اللغة العربيّة بكليّة الآداب، وقد استمرّ أستاذاً في القاهرة حتّى عام 1939م.
وباندلاع الحرب العالميّة الثانية انتقل من مصر إلى لندن، حيث عمل في الإذاعة البريطانيّة BBC لصالح بريطانيا وحلفائها ضدّ وطنه، حيث كان شاخت
________________________________________
[الصفحة - 56]
معارضاً ساخطاً على النازيّة، ولم يَعد إلى ألمانيا إلا عام 1945 بعد انتهاء الحرب، ورغم خدماته لبريطانيا وحصوله على شهادة دكتوراه فيها من جامعة أكسفورد، لكنه لم يُعيَّن مدرِّساً هناك، فعاد وترك بريطانيا عام 1954، ليُعيّن أستاذاً في جامعة ليدن في هولندا. وهناك في ليدن، اشترك شاخت في الإشراف على الطبعة الثانية من (دائرة المعارف الإسلاميّة). وفي عام 1959 انتقل إلى نيويورك ليُعيّن أستاذاً في جامعة كولومبيا.
انتُخِبَ شاخت عضواً في العديد من المجامع العلميّة، ومنها المجمع العلميّ العربيّ في دمشق. وتولّى مع برونشفيج مجلّة (الدّراسات الإسلاميّة)، وأخذ شهرته في دراساته حول التشريع الإسلاميّ (الفقه والأصول) ونشأته وتطوّره ومدارسه.
توفّي شاخت في شهر آب/أغسطس من عام 1969م.
مطالعة عابرة للأعمال العلميَّة لجوزيف شاخت
اشتغل شاخت على عدّة محاور أبرزها:
1 ـ دراسة المخطوطات العربيّة، حيث اهتمّ ببعضها ممّا كان موجوداً في اسطنبول والقاهرة وتونس وفاس.
2 ـ تحقيق نصوصٍ مخطوطةٍ في الفقه الإسلاميّ، من بينها كتاب الحِيَل والمخارج للخصّاف، وكتاب الحِيَل في الفقه لأبي حاتم القزويني، وكتاب الشفعة للطحاوي، وكتاب اختلاف الفقهاء للطبريّ.
3 ـ دراسات في علم الكلام الإسلاميّ، مثل دراسته التي حملت عنوان «مصادر جديدة تتعلّق بتاريخ علم الكلام الإسلاميّ»، والتي نشرها عام1953.
4 ـ دراسات في تاريخ العلوم والفلسفة في الإسلام، كما في تعاونه مع مايرهوف في نشر بعض النصوص المخطوطة في الطبّ.
________________________________________
[الصفحة - 57]
كان شاخت يعتقد بأنّ للفكر الإغريقي والجاهليّة العربيّة فضلاً على الإسلام حيث أَخذ منهما الكثير.
5 ـ دراسات في الفقه الإسلاميّ، وكان هذا أبرز مجال عُرِفَ شاخت به، ومن أهمِّ أعماله في هذا المضمار كتابه الأهمّ «بداية الفقه الإسلاميّ» الذي طُبِعَ في 350 صفحة عام 1950، ودرس فيه بالدرجة الأولى مذهب الإمام محمّد بن إدريس الشافعي (204هـ)، محلّلاً رسالة الشافعي في علم أصول الفقه.
كتب شاخت أيضاً كتيِّباً صغيراً أخذ أهميَّته أيضاً بعد كتابه المتقدّم، وحمل عنوان «مخطَّط تاريخ الفقه الإسلاميّ»، وقد نشر في باريس بعد ترجمته إلى الفرنسية عام 1953.
ألّف شاخت أيضاً باللغة الإنجليزيّة: «مدخلاً إلى الفقه الإسلاميّ» ولم يكن بتلك المثابة من الأهميّة كما في سائر أعماله.
إضافة إلى ذلك، اهتمّ شاخت بالدِّراسات الجديدة في العالم الإسلامي، لاسيما بالقانون في مصر الحديثة، وقد كتب مقالاً تحت عنوان «الشريعة والقانون في مصر الحديثة، إسهام في مسألة التجديد الإسلاميّ.
امتاز شاخت بالدقَّة العلميّة والحرص في عرضه للمذاهب الفقهيّة، ولم يكن يشبه جولدتسيهر في إعمال التحليلات والفرضيَّات بقدر ما كان يتتبَّع الظواهر ويؤلّف منها مشهداً متكاملاً، من هنا تركت أعماله بصماتها على دارسي الإسلام والتشريع الإسلاميّ.
تحوّلت نظريَّة شاخت في أنّ الفقه ليس سوى وليد تطوّر تاريخيّ إلى مادّة أصليّة للدِّراسات الجامعيّة في الغرب، وصارت أشبه بالمسلّمة التي يتمّ الانطلاق منها لدراسة الفكر الإسلاميّ.
عُرف شاخت في الحديث بنظريّة اختلاق الإسناد التي سمّاها (القذف
________________________________________
[الصفحة - 58]
الخلفيّ)، وقد كان لهذه النظريّة بدايات سابقة مع كلٍّ من كايتاني 1926، وميور 1905، وشبرنجرا 1893، وجولدتسيهر 1921.
امتازت أهمُّ أعمال شاخت بنشرها في أهم المجلات في العالم، وفي دائرة المعارف الإسلاميّة.
ج ـ الأمير ليوني كايتاني Leone Caetane ( 1869 ـ 1926م)
واحد من أبرز المستشرقين الإيطاليِّين، ولد في روما في 12/9/1869 وعاش فيها، وتعلّم في جامعاتها، وكان أميراً من أسرة كيتاني، وهي أسرة من كبار الأمراء في إيطاليا الحديثة. كان يُتقِن عدَّة لغات بلَغَت السبع، منها العربيَّة والفارسيَّة، وقد عمل سفيراً لإيطاليا في الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة.
زار كايتاني الكثير من البلدان الشرقيَّة، مثل الهند ومصر وإيران ولبنان وسوريا، وزار شبه جزيرة سينا، وكتب عنها كتاباً خاصّاً سمّاه «في صحراء سينا»، وذلك عام 1881م.
تعلَّم في جامعة روما الحديثة، وحصل على الإجازة عام1891م، وكان مشغوفاً بالعالم الإسلامي منذ أن كان طالباً بالجامعة، وبعد زيارته لشبه جزيرة سينا، قرّر كتابة تاريخ مفصّل لبدايات الإسلام، وقرّر أن يجمع مكتبة ضخمة حول كلّ ما أُلِّف بهذا الصدد باللغات الأوروبيّة والإسلاميّة وما استطاع تصويره من المخطوطات غير المطبوعة بعدُ حول التاريخ والسيرة.
كان عمله مطلَع شبابه مقسّماً بين هذا الجهد العلمي وبين إدارة أملاك أسرته الموجودة في شسترنا وفوليانو.
أنفق كثيراً من أمواله على البعثات العلميّة لدراسة الشرق، وجهّز على نفقته الخاصّة ثلاثة بعثات لترتاد مناطق الفتح الإسلاميّ وترسمها جغرافيَّاً، وجمع كلّ المعلومات المتَّصلة بحركة الفتح في اللغات القديمة.. وقد دفع كلّ أمواله في هذا السبيل حتَّى أفلس تماماً.
________________________________________
[الصفحة - 59]
لم تقف أعمال كايتاني عند البحث العلميّ، فقد خاض غمار السياسة كأجداده وانتخب نائباً، وكان راديكاليَّاً معادياً للكهنوت، كما عارض الغزو الإيطاليّ لليبيا عام 1911م ومعه الحزب الاشتراكيّ، وبسبب ذلك خسر موقعه الشعبيّ، ونتج عن ذلك خسارته في انتخابات عام 1913م.
عقب اندلاع الحرب العالميَّة الأولى، تطوّع في الجيش سنة 1915م وقاتلَ لعامين بصفة ضابط في المدفعيّة الجبليّة. وعقب انتصار موسوليني عام 1922م صار كايتاني معارضاً للنظام الفاشستي، فخاف على نفسه ومكتبته، ولكي ينقذها أهداها إلى أكاديمية (لنشاي)، لتكون النواة لما سمّي بعد ذلك باسم «مؤسّسة كايتاني للدراسات الإسلاميّة».
بعد يأسه من الإصلاحات السياسيّة، فكّر في الهجرة من إيطاليا، فتركها عام 1926 أو 1927 وهاجر إلى كندا، واشترى مزرعةً أقام بها حتّى أواخر عمره، وكانت له زيارات متقطّعة الى فرنسا وإنجلترا دون أن يعود أبداً إلى وطنه إيطاليا. وقد حصل على الجنسيّة الكنديّة عام 1935 فعاقبته ايطاليا بسحب جنسيّته.
توفّي في 24/12/1935م في فنكوثر بكندا.
نظرة في أعمال كايتاني العلميّة
من أهمّ أعماله ما كتبه مطلع القرن العشرين، تحت عنوان (حوليَّات الإسلام)، وهو كتاب مؤلّف من عشرة مجلَّدات، درس فيه تاريخ الإسلام إلى عام 40هـ، صدر المجلّد الأوّل منه عام 1907، وتتالت الإصدارات إلى عام 1926م. ويُعدّ هذا الكتاب أحدّ أهم المراجع التي اعتمد عليها المستشرقون فيما بعد، ويَحوي معلومات كثيرة عن تاريخ الإسلام الأوّل كما يَشتمل على خرائط ورسوم مفصَّلة، وكانت له فيه أفكار كثيرة، منها تشكيكه في وجود عبد الله بن سبأ، حيث اعتبر أنّ
________________________________________
[الصفحة - 60]
المجتمع العربيّ لا يعرف في تلك الفترة نظماً وتنظيمات ومؤامرات بهذا النحو من الدقّة والتفكير، إنّه لا ينكر وجوده لكنّه ينكر هذه الشخصيّة التي مُنحت له.
نظّم كايتاني كتابه على طريقة تاريخ الطبريّ، وهو التاريخ الحوليّ، ومن بعض أبحاث هذا الكتاب أخرج كايتاني كتاباً آخر تحت عنوان «دراسات في التاريخ الشرقيّ» تحدّث فيه عن الإسلام والمسيحيّة، الجزيرة العربيّة قبل الإسلام، العرب القدماء، سيرة محمد نبيّاً ورجل دولة، بداية الخلافة، فتح الجزيرة العربيّة.
كانت لدى كايتاني مكتبة عربيّة وإسلاميّة عظيمة، جمع فيها مخطوطات كثيرة وذات حجمٍ ضخم كان يَقصدها الباحثون، وقد تركها بعد وفاته للمكتبة الإيطاليّة.
يَرجع الفضل لكايتاني في نشره طبعة هامّة لكتاب تجارب الأمم لمسكويه الرازيّ مرفقاً معه مقدّمات مفيدة وفهارس موسّعة.
استعان كايتاني بثلاثة مستشرقين إيطاليين وهم: ميكلنجلو جويدي، وجورجيو ليفي دلافيدا، وجوزبي جبرييلي، حتّى ترجموا له بعض المصادر العربيّة، ولم يُساعدوه في غير الترجمة، وهناك شائعات أطلَقت أنّ هؤلاء الثلاثة هم الذين ألّفوا كتاب حوليّات الإسلام وليس كايتاني، فرفع كايتاني دعوى قضائيّة وشهد الثلاثة بالعكس تماماً وأنّ عملهم كان الترجمة إلى الإيطاليّة.
بعد كتاب (حوليّات الإسلام) كتب كايتاني «التاريخ الإسلاميّ» وهو مختصر عن مشروعه الأم، يبدأ من الهجرة وحتّى عام 922، تاريخ استيلاء الأتراك على مصر، وقد صدر منه خمسة كرَّاسات ما بين عامي: 1912 ـ 1928.
العمل الثالث الذي قام به كايتاني، هو «معجم الأعلام العربيّة»، وهو معجم أبجديّ لأسماء الأشخاص والأماكن المذكورة في كتب التاريخ الأساسيّة، وكتب التراجم والجغرافيا المطبوع منها والمخطوط.
________________________________________
[الصفحة - 61]
تمتاز دراسات كيتاني للسيرة النبويّة والإسلاميّة بنزعة نقديّة شديدة؛ إذ تسيطر عليه ظاهرة الشكِّ المفرط في كلِّ حقائق التاريخ الإسلامي، فقد أهمل بشدّة الجانب الدينيّ بوصفه محرّكاً تاريخيّاً، وركّز على الجوانب الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والجغرافيّة. ومن أمثلة ذلك اعتقـاده بنظريّة العالم الجغرافيّ هوغو فنكلر بحدوث تصحّر قبل الإسلام في الجزيرة العربيّة، وأنّ هذا التصحّر كان أحد العوامل الأساسيّة لظهور النبيّ محمّد وقوّة انتشار الإسلام في المنطقة.
ينتمي كايتاني إلى النظرة الوضعيّة التاريخيّة التي كانت مهيمنةً على المؤرّخين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأوّل من القرن العشرين، وتعطي الماديّات أهمَّ تأثير في الحركات الفكريّة والدينيّة.
د ـ جورجيو ليفي دلاّفيدا / Giorgio Livi Dellavida ( 1886 ـ 1967م)
مستشرق إيطالي ولد في 22 آب (أغسطس) 1886م، من أسرة يهوديّة ـ وإن كانت زوجته وأولاده مسيحيِّين ـ كانت تعيش في إيطاليا منذ زمن بعيد. وأكمل دراسته الثانوية في جنوة، ثمَّ انتقل إلى روما للجامعة، وانتسب لكليّة الآداب، وحصل على ما يُعادل الليسانس عام 1909.
سافر في عامي 1908 و 1909 إلى الشرق بصحبة ميكلنجلو جويدي، وسافر إلى القاهرة عام 1910 ـ1911، ولمّا عاد تعاون مع الأمير كايتاني في تحرير كتاب حوليَّات الإسلام، وكانت مهمّته الترجمة إلى الإيطاليّة، وقد أهداه كايتاني المجلّد التاسع معترِفاً بفضله.
درّس اللغة العربية في المعهد الشرقيّ في نابلس عام 1914 ـ 1916، وعام 1917 فاز في مسابقة الترشيح لكرسيّ العبريّة واللغات الساميّة المقارنة في جامعة تورينو 1920.
________________________________________

[الصفحة - 62]
انتقل إلى روما حيث خلف أستاذه جويدي على كرسيّ اللغات الساميّة، وظلّ حتّى عام 1931؛ لأنّ حكومة موسوليني كانت طلبت من كلِّ الأساتذة أن يقسموا يَمين الولاء للحكومة، فرفض أحد عشر أستاذاً، كان هو من بينهم، فصدر قرار عام 1932 بفصله من الجامعة.
بعدها اشتغل دلافيدا في مكتبة الفاتيكان بين عامي 1932 ـ 1939، وفهرسَ المخطوطات العربيّة الإسلاميّة، وهناك ألّف كتابه (ثبت المخطوطات العربيّة الإسلاميّة في مكتبة الفاتيكان) فيه 120 مخطوطة، ثمَّ عقَّبه بدراسة حملت عنوان «أبحاث في تكوين أقدم مجموعة من المخطوطات الشرقيّة في مكتبة الفاتيكان» فيه 276 مخطوطة، وقد نشر عام 1965 ثبتاً ثانياً بالمخطوطات العربيّة الإسلاميّة في مكتبة الفاتيكان.
كتب دلافيدا دراستين هامّتين إلى جانب الأعمال الثلاثة السابقة هما: «قِطع القرآن بحروف كوفيّة في مكتبة الفاتيكان»، و «مخطوطات عربيّة من أصل إسباني في مكتبة الفاتيكان».
كانت هذه الأعمال نقلة نوعيّة لهداية الباحثين إلى مخطوطات الفاتيكان، جاءت بعد أعمال السمعاني، وهو أحد اللبنانيِّين الذين كانوا كتبوا فهرساً للمخطوطات فيه أخطاء كثيرة.
بعد صدور القوانين المميِّزة ضدّ اليهود عام 1939، فكّر في الهجرة وحصل على دعوة من جامعة بنسلفانيا في أمريكا، وهناك درّس اللغات الساميّة إلى عام 1945، حيث عاد بعد الحرب العالميّة الثانية للتدريس في جامعة روما، ثم درّس التاريخ الإسلامي والنظم الإسلامية ـ وهو ما بات يعرف اليوم بكرسيّ الإسلاميات ـ إلى أن أحيل للتقاعد عام 1961م.
توفي دلافيدا في 25 نوفمبر 1967م.
________________________________________
[الصفحة - 63]
جولة حول أعمال دلافيدا العلميّة
أمّا الأعمال العلمية له فتتلخّص في:
1 ـ الدراسات العربيّة الإسلاميّة، وكان من ثمراتها ما كتبه نتيجة تعاونه مع كايتاني، وحمل عنوان (خلافة عليّ وفقاً لكتاب أنساب الأشراف للبلاذريّ)، والذي ظهر عام 1915م. وهنا قارن بين معطيَات الطبريّ والبلاذريّ وغيرهما.
وفي عام 1938 ترجم القسم الخاص بمعاوية بن أبي سفيان في أنساب الأشراف، وسمّاه «خلافة معاوية الأوّل وفقاً لكتاب أنساب الأشراف للبلاذريّ».
ولاهتمامه بالأنساب أُوكلَت إليه في دائرة المعارف الإسلامية كتابة ما يتَّصل بالأنساب العربية. كما كتب مادّة «عرب» في دائرة المعارف الإيطاليّة، ونشر العديد من المقالات حول التاريخ الإسلاميّ، ومنها بحث السيرة الذي كتبه في دائرة المعارف الإسلاميّة، وهو ما يهمّنا هنا، لتعرّضه فيه للسنّة النبويّة العمليّة.
2 ـ الدِّراسات الأدبيَّة العربيّة، حيث كتب عن طبقات الشعراء لمحمّد بن سلاّم، وبعض أبيات من الشعر للخليفة يزيد الأوّل، وعميرة بن جعيل شاعر لا وجود له. كما كتب بحثاً طويلاً عن الترجمة العربيّة.
3 ـ اللغات الساميّة، وكانت له مساهمات عديدة في هذا المجال.
4 ـ النقوش، حيث اهتمّ بالنقوش الفينيقيّة بدرجة كبيرة.
وضعت له جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلس معرضاً مخصّصاً له في قسم الدِّراسات الشرقيّة.
وكان مساهماً في عدد من المجلات الفكريّة.
هـ ـ جيمس روبسون / J. Robson
مستشرق إنجليزي تخرّج باللغات الشرقيّة من جامعة جلاسجو، وعيّن أستاذاً
________________________________________

[الصفحة - 64]
مساعداً في اللغة العربيّة فيها عام 1915 ـ 1916، وتنقّل بين العراق والهند في عام 1916 ـ 1918، واختير مُعيداً للإنجليزية في لاهور عام 1918 ـ 1919، ثمَّ سافر إلى عدن بين 1919 ـ 1926، وعُيّن وزيراً في شاندون (1926 ـ 1928)، وأستاذاً للغة العربيّة في جامعة مانشستر عام 1949.
ترك عشرات الأعمال العلميّة منها: آلات الطرب العربيّة القديمة، المدخل إلى علم الحديث، الإعجاز في القرآن، الإسناد في الحديث عند المسلمين، هل تكلّم الكتاب المقدّس عن النبي محمد؟، المسيح في الإسلام، موادّ الحديث، الأساس الثاني في الإسلام (الحديث)، الغزاليّ والسنّة، فهرس المخطوطات الشرقيّة في جامعة جلاسجو.
تركت أفكار جوزيف شاخت تأثيراً عليه، وإن ناقشه في بعض الأبحاث، وكان يعتقد بصناعة الأحاديث والأسانيد واختلاقها، وأنّه لم يظهر كتاب حقيقيّ في تدوين السنّة قبل عام 120هـ.
و ـ جوزيف هوروفتس / Joseph Horovitz ( 1874 ـ 1931م)
مستشرق ألماني يهوديّ، ولد في لاونبرج عام 1874م، وتعلّم في جامعة برلين، حيث حضر دروس أدوارد سخاو، وعُيّن مدرساً في جامعة برلين 1902. واشتغل في الهند من 1907 إلى 1914، حيث كان يعمل مدرّساً للغة العربيّة في كليّة عليكرة الإسلاميّة. كما اشتغل أميناً للنقوش الإسلاميّة في الحكومة الهندية البريطانية. وكان ثمرة هذا العمل أنّه نشر مجموعة «النقوش الهنديّة الإسلاميّة» (1909 ـ 1912).
عاد إلى ألمانيـا في 1914، وعيّن مدرساً للغـات السامية في جامعة فرانكفورت، من 1914 حتّى وفاته في 1931.
كان عضواً في مجلس إدارة الجامعة العبريّة في القدس منذ إنشائها 1925،
________________________________________
[الصفحة - 65]
وهو الذي أنشأ فيها قسم الدراسات الشرقية، وصار مديراً له، وهو الذي اقترح قيام هذا القسم بجمع كلّ الشعر العربي القديم (الجاهليّ وأوائل صدر الإسلام).
كانت رسالته للدكتوراه الأولى في 1898 عن كتاب «المغازي» للواقديّ. وتولّى تحقيق جزأين من أجزاء «طبقات ابن سعد»، يتعلّقان بغزوات النبيّ محمد. وعهد إليه ليوني كايتاني بالبحث في مكتبات القاهرة ودمشق واستانبول عن المخطوطات العربيّة المتعلّقة بتاريخ الإسلام.
تركّز اهتمامه في فترة أُستاذيّته في جامعة فرانكفورت (1914 ـ 1931) على الدِّراسات المتعلّقة بالقرآن والسيرة النبويَّة. وأهمُّ أعماله في هذا الباب كتابه: «مباحث قرآنيَّة» (1926) ومنهجه فيه التحليل التفصيليّ للغة القرآن؛ لكنّها تحليلات ثبَّت ما فيها من مغالاة وافتعال، ممَّا جعل نتائج بحثه مشكوكاً فيها منذ البداية، ومرفوضة كلّها فيما بعد. واستعان في عمله هذا بمعاني الألفاظ القرآنيَّة كما تُستنبط من الشعر الجاهليّ، ومن ثمَّ اقترح خطّة لتصنيف معجم للشعر الجاهلي، وعهد إلى القسم الشرقي في الجامعة العبريَّة في القدس بعمل جُذاذات لكلّ دواوين الشعر المطبوعة للشعراء الجاهليين والمخضرمين والإسلاميِّين حتَّى آخر العصر الأمويّ. وهو الذي اقترح أيضاً على هذا القسم القيام بنشر كتاب «أنساب الأشراف» للبلاذريّ (وقد نشر هذا القسم منه: المجلد الرابع، القسم الثاني، بتحقيق ماكس شليزنجر، والمجلد الخامس بتحقيق جويتاين، وتوقَّف عن النشر بعد ذلك).
نشر هوروفتس «هاشميَّات» الكميت بن زيد الأسدي في 1904؛ لما لها من أهميَّة تاريخيَّة ودينيَّة.
وفي مجال العلاقات بين الإسلام واليهوديَّة، كتب هوروفتس بحثاً بعنوان: «أسماء الأعلام اليهوديَّة ومشتقَّاتها في القرآن» ـ نُشر في مجلة Huca ج2 (1925)
________________________________________
[الصفحة - 66]
ص145ـ227؛ وأُعيد طبعه 1964ـ كذلك كتب بحثاً بعنوان: «الجنّة في القرآن» ـ نشر في منشورات الجامعة العبرية، الشرقية واليهودية، رقم1 (1923) وكذلك نشر في Ha-Tekufah ج23 (1925) ص276 وما بعدهاـ .
ومن تلاميذه: هينرش اشباير (1897 ـ 1935) الذي كتب كتاباً بعنوان: «قصص التوراة في القرآن»، وفيه قارن بين قصص الأنبياء كما وردت في القرآن وبينها كما جاءت في الكتب اليهودية والمسيحية وخصوصاً السريانية.
ونكتفي بهذا القدر من التعريف بأهمّ الشخصيَّات التي اشتغلت بالحديث والسنّة النبويَّة (1).
2 ـ 2 ـ الدِّراسات الاستشراقيَّة حول الحديث، المصادر والأعمال
تعدّدت دراسات المستشرقين حول السنّة النبويَّة والحديث الشريف، وكانت لهم كتابات وأعمال عديدة، ونحن نوجز هنا أهمّ الأعمال التي تحوي أبرز نظريَّاتهم في هذا المجال:
1 ـ 2 ـ 2 ـ دائرة المعارف الإسلاميَّة
ألّف المستشرقون «دائرة المعارف الإسلاميَّة» لتشكّل عصارة تصوّراتهم عن الفكر والتراث والتاريخ الإسلاميّ، وتُعدّ «دائرة المعارف الإسلاميَّة» مصدراً أساسياً لفهم الرؤية الاستشراقيَّة للإسلام، حيث نُشرت باللغات الأجنبيّة، ثمَّ ترجمت إلى اللغة العربيّة، فبلغت اثنين وثلاثين مجلّداً.
إنّ دائرة المعارف هذه تُعدّ موسوعةً أكاديميَّة تدرس بعمق الحضارة الإسلاميَّة بجميع أبعادها الدينيَّة وغيرها. صدرت طبعتها الأولى بين عامي 1913 ـ 1938 بالإنجليزيَّة والألمانيَّة والفرنسيَّة، وفي عام 1953م صدرت نسخة مختصرة لها ترجمت إلى كلٍّ من العربيَّة والتركيَّة والأورديَّة.
________________________________________
(1)ـ فيما يخصّ المعلومات الشخصية حول المستشرقين المترجَمين أعلاه، يُمكن مراجعة الكتب المعجمية، وهي كثيرة مثل: المستشرقون لنجيب العقيقي، وموسوعة المستشرقين لعبد الرحمن بدوي، وغيرهما مما اعتمدناه في الوثائق التاريخية الشخصيّة هنا.
[الصفحة - 67]
أشرف على الطبعة الأولى لها آرندجان فنسنك الذي كان عضواً في مجمع اللغة العربيَّة بالقاهرة، كما شارك في إعدادها المستشرق الفرنسيّ المعروف لويس ماسينيون.
وصدرت الطبعة الثانية عام 1954 لتستمرّ إلى 2005م، وأضيفت إليها الكثير من المقالات، ليشارك فيها هذه باحثون شرق أوسطيّون، هذا ويتمُّ إصدار هذه الموسوعة من قبل شركة بريل الهولنديّة.
بدايةً ـ كما قلنا ـ تُرجِمَت بعض أجزائها إلى العربيَّة، وصدرت في مصر في ستينيّات القرن العشرين، ثمَّ أُعيد طبع النسخة العربيَّة في الشارقة عام 1998. وفي عام 1999 صدرت النسخة الالكترونيَّة لهذه الموسوعة في أقراص مدمَّجة على صفحات الانترنت.
الإصدار أو الطبعة الثالثة لدائرة المعارف الإسلاميّة بدأ العمل عليه عام 2007م، وما يزال مستمرِّاً إلى اليوم، حيث تظهر المقالات تباعاً كلَّ فصل.
يوحي ظاهر هذه الموسوعة أنَّها عمل إسلاميّ من خلال عنوانها حتَّى أنَّ بعض الباحثين يتصوّرونها معبّراً عن وجهة النظر الإسلاميَّة، إلا أنّ الصحيح غير ذلك، فهي منهج علمانيّ في فهم الحضارة الإسلاميَّة، وهناك نقاش كبير في الوسط الإسلامي حول حياديَّة هذه الموسوعة وعدم حياديِّتها، إذ يعتقد نقَّادها أنَّها تهدف إلى مهاجمة الإسلام وأنَّها لا تلتزم بالمنهج العلميّ الأكاديميّ المتوازن، وأنَّها مُغرِضَة. ومن الكُتب المعروفة في نقد دائرة المعارف هذه كتاب (دائرة المعارف الإسلاميَّة، أضاليل وأكاذيب) للدكتور إبراهيم عوض، وقد صدر هذا الكتاب عام 1998م.
وهناك في دائرة المعارف الإسلاميَّة مداخل ومصطلحات ذات صلة وثيقة بموضوع السنّة والحديث، أهمُّها:
________________________________________

[الصفحة - 68]
1 ـ الحديث، وهو المصطلح الذي كتبه المستشرق جوينبل، ويقع في النسخة العربيَّة (دار المعرفة) في17 صفحة، تحدّث فيه عن موضوع الحديث وصفته، وعن نقد الحديث عند المسلمين، وعن تصنيف الحديث إلى أنواع وأصناف، وعن المجموعات الحديثيَّة. كما تحدّث عن الكتب الحديثيَّة الخمسة عند الشيعة بإضافة نهج البلاغة، وقال بأنّ الشيعة لا يأخذون إلا الحديث المرويّ عن علي وأهل بيته، ثمَّ تحدّث خامساً عن رواية الحديث وطرقها وأساليبها.
وقد كتب الدكتور أحمد محمَّد شاكر تعليقات نقديَّة على هذا المصطلح في الهامش.
2 ـ الأصول، وقد كتبه المستشرق جوزيف شاخت، ويقع في 25 صفحة، في المجلَّد الثاني من الطبعة العربيَّة، وقد تعرّض بمناسبة الحديث عن أصول الفقه لموضوع السنّة النبويَّة والروايات، وكتب أمين الخولي تعليقات نقديَّة على هذا المدخل، ثمَّ عاد وأدرجها ضمن سلسلة كتب دائرة المعارف الإسلاميَّة مستقلاً في 101 صفحة، لينشرها دار الكتاب اللبنانيّ.
3 ـ السيرة، وقد كتبه المستشرق لوي دلافيدا، ويقع في 16 صفحة، تحدّث فيه عن السيرة النبويَّة، وقد كتب أمين الخولي تعليقات نقديَّة على هذا المصطلح.
4 ـ الأصحاب، وقد كتبه المستشرق أجناس جولدتسيهر، وبلغ صفحتين، وتحدّث فيه عن تعريف الصحابي ومكانته في الفكر السنيّ والمعاقبة على سبّه وأهميَّة الصحابة في الحديث، وأنّ الخلفاء الأربعة هم أفضل الصحابة ثمَّ الستة الذين تلتئم به مجموعة العشرة المبشَّرين بالجنة، كما تحدّث عن طبقات الصحابة.
كان جولدتسيهر يتَّخذ موقفاً متشدّداً من الشيعة حتَّى أنّه وصف موقف الشيعة النقديّ للصحابة في هذا المصطلح بقوله: «تلك الخصومة التي وصلت بهم
________________________________________
[الصفحة - 69]
إلى حدّ التعصّب المثير للكراهية» (2). وأنهى جولدتسيهر بحثه المختصر بسلسلة من المؤلّفات.
علّق على هذا البحث الدكتور أحمد محمَّد شاكر.
5 ـ السيرة، وقد كتبه المستشرق الإيطالي دلافيدا في 16 صفحة (439 ـ 455 من الطبعة العربية ـ دار المعرفة)، وعلّق بشكل مفصّل على هذا المبحث أمين الخولي.
إلى غيرها من المصطلحات مثل: مدخل إجازة، وآحاد، والسنّة وغير ذلك.
تقوم طريقة التصنيف في هذه الموسوعة على اختيار مداخل متنوّعة، ثمَّ إيكال كلِّ مصطلح إلى باحث أو مجموعة مصطلحات تتَّصل بموضوعٍ ما إلى باحث أو باحثين، ويَكتب هناك عصارة تصوّره عن هذا الموضوع ساعياً إلى الاختصار وتكثيف النص، وتذكر في نهاية المقالة قائمة بأهمِّ المصادر والمراجع المعدّة لهذه الدِّراسة.
وفي بعض الأحيان تُستخدم المصطلحات الإحاليَّة، بمعنى أنَّ مصطلحاً يُذكَر ثمَّ يُحال إلى غيره ويُرجَع إليه، مثل مصطلح (أصل) الذي أُحيل مباشرة إلى مصطلح (أصول) (3)، وهنالك في مصطلح (أصول) بُحث الموضوع بالتفصيل.
وحسب الموضوعات تتوزَّع أحجام المقالات، فتارة يكون الموضوع أصليَّاً وأخرى فرعيَّاً يُعالج محوراً جزئيَّاً من قضيَّة كبرى.
2 ـ 2 ـ 2 ـ الأحاديث القدسيَّة والأحاديث النبويَّة في الإسلام، وليام آلبرت جراهام
هذا الكتاب كان في الأصل عبارة عن أطروحة دكتوراه بالإنجليزيَّة قدّمها الكاتب في جـامعة هارفرد الأمريكيَّة، ودافع عنها عام 1973م ثمَّ نشرها عام 1975.
________________________________________
(2)ـ دائرة المعارف الإسلامية 2: 238، مدخل: أصحاب.
(3)ـ انظر: دائرة المعارف الإسلامية 2: 264.
[الصفحة - 70]
ذهب الكاتب إلى أنَّه اكتشف حقائق هامّة حول الحديث القدسيّ، وأنَّه سبق الباحثين الذين أتوا قبله في هذا المجال مثل: صموئيل زويمر، ولويس ماسينيون، وجيمس روبسون، ونابيه ابوت و.. فقال بأنّ قدماء المسلمين لم يميّزوا بين الأحاديث القدسيَّة والنبويَّة، وقد تسبّب الصحابة في إرباك من جاء بعدهم في هذا الأمر، وأنّ الأحاديث القدسية لم تنظَّم وتحدَّد بدقَّة إلا في القرن السابع الهجريّ، وأنّ أكثرها مأخوذ من كتب أهل الكتاب ومن الفلسفة الهلينيقيَّة.
وقد قامت الدكتورة عزية علي طه بنشر دراسة نقديَّة لكتاب جراهام عام 1414هـ في مجلَّة الشريعة بالكويت (214، ص8) حملت عنوان: «صور من افتراءات المستشرق جراهام على الأحاديث القدسيَّة».
3 ـ 2 ـ 2 ـ دراسات محمديَّة (إسلاميَّة) أو درس في الإسلام، أجناس جولدتسيهر
صدر هذا الكتاب لجولدتسيهر عام 1889 و1890م، وقد استعرض في الجزء الثاني منه موضوع الحديث الشريف. ترجم هذا الكتاب عن الإنجليزيَّة إلى اللغة العربيَّة بعد أن ترجمه د. سترن من الألمانيَّة إلى الإنجليزيَّة، ونُشر في مصر، وقد نُشرت بعض فصوله في مجلّة كليَّة الدعوة الإسلاميَّة في ليبيا (ع3 ـ 8 و 13)، وقد كتب صديق بشير نصر نقدين على ما ترجم ونشر في المجلّة المذكورة، وذلك في عددين منها هم الثالث والثامن.
كما نشرت مؤسّسة دار الحديث في قم ـ إيران ثلاثة فصول من هذا الكتاب حول الحديث، وذلك في الكتاب الحادي عشر من سلسلة (حديث بجوهي)، شتاء عام 2001م. لتشكّل ثلاث مقالات من هذا الكتاب، وهي الرابعة والسادسة والثامنة.
تعرّض جولدتسيهر في الجزء الثاني من دراسات محمديَّة للحديث عن
________________________________________
[الصفحة - 71]
العوامل الشعبيَّة والدينيَّة في تطوّر الإسلام، وهو يُشير إلى أنَّ ما سطَّره في هذا الجزء كثير منه لم يتعرّض له في أيّ موضع آخر، ويُقدِّم مسرداً في بداية الجزء بالمخطوطات التي اعتمد عليها، وهو يوجّه شكره للسيد فولرس ـ مدير مكتبة «وليّ العهد» بالقاهرة ـ لدعمه له بالكتب والمصادر.
يضع جولدتسيهر الفصل الأوَّل المخصّص لدراسة الحديث تحت عنوان «عن تطوّر الحديث النبويّ، ويدرس هناك تفكيك مقولة «السنَّة والحديث» وهناك درس حركة تحديث الصحابة، وكيف أنَّهم قاموا بعد وفاة الرسول بإضافة أشياء اعتقدوا أنَّها من رأيه لكونها نافعة.
يركّز جولدتسيهر على أنّ الحديث مرآة لرؤية التطوّر الإسلامي، فهو مصدر تاريخيّ مهم، ويتحدّث كذلك عن السند والمتن، ويدرس قضية تدوين الحديث في العقود الأولى، ويرى ضرورة التمييز بين مصطلح السنّة والحديث، كما تحدّث عن انطلاقة فكرة السنّة في المدينة ضمن مناخ سياسي، وسياق محاربة البدعة، وقد تحدّث عن البدعة باهتمام، وتحدّث عن تطوّر سلطة السنّة يوماً بعد يوم مع بداية القرن الثاني الهجري، وقيمتها أمام القرآن، وعن إحياء السنّة، وإقامة البدعة.
وفي الفصل الثالث من كتاب دراسات محمديَّة، تحدّث جولدتسيهر تحت عنوان «الحديث النبويّ وصلته بنزاع الفرق في الإسلام»، عن دور العامل السياسيّ وعامل السلطة والمعارضة في تنامي الحديث، وأسهب في دراسة الفرق ودورها في وضع الحديث من المرجئة، الذين اهتمّ بهم كثيراً، إلى الفقهاء الذين ركّزوا على طاعة الدولة، وصنعوا الأحاديث ـ لاسيما في العصر العباسي ـ لدعم الدولة الحاكمة، وتحدّث عن أزمة الوراثة في الخلافة وكيف كانت الأحاديث مثار جدل بين أنصار الدولة العباسيَّة ومعارضيها وبين العلويين وغيرهم.
تحدّث جولدتسيهر أيضاً عن وضع الحديث عند أحزاب المعارضة مركّزاً
________________________________________
[الصفحة - 72]
على الشيعة بمعناهم السياسيّ والدينيّ، ومستعرِضاً مقولات تُنسَب لهم مثل تحريف القرآن وغيرها.
شنّ جولدتسيهر نقداً على الشيعة وعقائدهم وتوجّهاتهم، وتحدّث أيضاً عن الدسّ الجزئيّ في الأحاديث بواسطة زيادة كلمة أو تنقيصها أو ما شابه ذلك، وقال بأنّ العلويين استخدموا هذه الطريقة بشكل حقيقي.
في الفصل الثامن من كتاب دراسات محمديَّة ـ الذي تَرجمه أيضاً الصدّيق بشير بن نصر وراجعه د. محمد بن الحاج ـ تحدّث جولدتسيهر عن مصنّفات الحديث وعن بدايات تصنيفه وتدوينه، وعن الموسوعات الحديثيَّة و..
هذا، وقد كتب مترجم هذه الأبحاث مقالات نقديَّة عليها.
4 ـ 2 ـ 2 ـ أصول الشريعة المحمّدية، جوزيف شاخت
طُبِعَ هذا الكتاب باللغة الإنجليزيَّة ولم يترجم بعدُ، وقد كتب الدكتور الأعظميّ نقداً عليه حمل عنوان: المستشرق شاخت والسنّة النبويّة، وقد طبع هذا النقد في كتاب: مناهج المستشرقين في الدِّراسات العربيَّة الإسلاميَّة.
يُتَّهم شاخت في هذا الكتاب وغيره بأنّه لم يكتفِ بتشكيكات أستاذه جولدتسيهر، بل جعلها حقائق تاريخيَّة مسلّمة.
5 ـ 2 ـ 2 ـ العقيدة والشريعة في الإسلام، أجناس جولدتسيهر
يُعدّ هذا الكتاب من أهمِّ كتب جولدتسيهر، وقد قسّمه مؤلّفه إلى ستّة أقسام، تحدّث في الأوّل عن النبيّ محمّد(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم)، وفي الثاني عن تطوّر الفقه، وفي الثالث عن نموّ العقيدة وتطوّرها، وفي الرابع عن الزهد والتصوّف، وفي الخامس عن الفرق، وفي السادس عن الحركات الدينيَّة الأخيرة.
وقد بحث جولدتسيهر حول الحديث في القسم الثاني من هذا الكتاب،
________________________________________
[الصفحة - 73]
بمناسبة حديثه عن تطوّر الفقه الإسلاميّ، واستغرق بحث الحديث عنده حوالي ثماني صفحات، بعضها يَلتقي مع ما ذكره بصورة مسهَبة في كتاب دراسات محمّدية.
تُرجِمَ هذا الكتاب إلى اللغة العربيَّة مع تعليقات عليه كلٌّ من: محمَّد يوسف موسى، وعبد العزيز عبد الحق، وعلي حسن عبد القادر، ونشرته دار الرائد العربيّ في بيروت، في طبعة مصوّرة عن دار الكتاب المصريّ عام 1946م.
يُعدّ هذا الكتاب دراسة شاملة عن الإسلام، وهو موثَّق بمصادر كثيرة جداً، وكان الكتاب في الأصل سلسلة من المحاضرات والدروس حول تاريخ الأديان دعته إليها اللجنة الأمريكية في خريف عام 1908م، لكنّ صحّته ـ كما يقول في مقدّمة الكتاب ـ حالت دون قدرته بعد كتابة الأبحاث على السفر إلى أمريكا، فقرّر إجراء بعض التعديلات وأنجزها ـ وفق تاريخ المقدَّمة ـ في 22 يونيو 1910م في بودابست.
يَقع الكتاب في مقدّمة وستَّة فصول، ثمَّ حواشي متتالية لكلِّ فصل تقارب المائة صفحة، ثمَّ كشَّافاً ألفبائيَّاً في حوالي عشرين صفحة.
وقد كتب الشيخ محمَّد الغزالي، العالم المصري المعروف، نقداً على هذا الكتاب وغيره من أفكار المستشرقين مثل مرجليوت (1940م) الذي نفى تدوين الحديث إلى عام 90هـ، حمل عنوان: «دفاع عن العقيدة والشريعة ضدّ مطاعن المستشرقين».
6 ـ 2 ـ 2 ـ ملاحظات نقديَّة عن القيمة التاريخيَّة لأقدم ما روي من السنّة عن شؤون الرسول، الأمير كايتاني
هذا البحث عبارة عن مقالة كتبها كايتاني في المجلَّد الأوَّل من مشروعه «حوليَّات الإسلام»، وقد امتاز هذا البحث أنَّه شكَّل مفتاحاً قد يكون لأوّل مرة بهذا
________________________________________

[الصفحة - 74]
المستوى فيما طرحه المستشرقون حول نقد المتن، حيث يتهمون المسلمين بعدم ممارستهم النقد المتنيّ.
ويُتَّهم كايتاني في هذه المقالة بأنَّه اعتمد المنهج الإسقاطي حيث يضع فكرةً ثم يقوم بحشد الشواهد لها.
كانت هذه بعض النماذج من المساهمات الاستشراقية حول السنّة والحديث النبوي، نكتفي بها هنا.
3 ـ 2 ـ دراسات إسلاميَّة حول (الاستشراق والسنّة الشريفة)
كتب المسلمون العديد من الدراسات حول الاستشراق، وحول دراسة المستشرقين للسنّة النبويَّة، وكثير من هذه الدِّراسات جاء نقدياً، ونذكر هنا بعضاً من أهمّ ما كُتِبَ في هذا المجال ممَّا حمل عنوان الاستشراق والحديث الشريف ولو في أحد فصوله، وإلا فإنّ الكثير جداً مما كتب حول السنّة في القرن الأخير جرى التعرّض فيه بشكل أو بآخر لنظريَّات المستشرقين.
1 ـ 3 ـ 2 ـ المستشرقون والسيرة النبويَّة، عماد الدِّين خليل
هذا البحث كتبه الدكتور عماد الدِّين خليل، ونُشِرَ في دار الثقافة في الدوحة عام 1989م، وتدور أبحاثه حول القيام بمقارنة في منهج المستشرق البريطاني مونتغمري وات الذي ترك كتاباً هاماً حمل عنوان (محمد في مكّة)، حيث أخضع خليل هذا الكتاب للنقد والتحليل، معتبراً أن الكثير من المسلّمات التاريخيّة أخضعها وات للتشكيك.
وبصفته مؤرّخاً، عاب عماد الدين خليل على وات وكثير من المستشرقين إساقطهم فرضيَّات مسبَقَة تعاطوا معها على أنَّها أمور قطعية مؤكّدة، فيما أطاحوا بالكثير من الوثائق التاريخية الواضحة بممارسة منهج التشكيك.
________________________________________

[الصفحة - 75]
2 ـ 3 ـ 2 ـ تاريخ تدوين السنة وشبهات المستشرقين، حاكم عبيسان المطيري
صدر هذا الكتاب للدكتور المطيري عن مجلس النشر العلميّ في جامعة الكويت عام 2002م، ويقع في 212 صفحة ضمن ثلاثة فصول أوّلها: السنّة ومراحل تدوينها، حيث يقسّمها إلى مرحلة الكتابة ومرحلة الجمع والتدوين ومرحلة التصنيف، ومرحلة ظهور الموسوعات. أمَّا الفصل الثاني فيخصّصه المؤلف لـ(آراء المستشرقين حول تدوين السنّة ومناقشتها) حيث يردّ فيه على آراء كل من موير، وجولدتسيهر، وشاخت، وروبسون.
أمَّا الفصل الثالث فيحمل عنوان: كتب أحاديث الأحكام ومراحل تطوّرها. ويَدرَس فيه الكتب الحديثية الخاصّة بالفقه.
3 ـ 3 ـ 2 ـ الاستشراق دراسات تحليلية تقويمية، د. محمد عبد الله الشرقاوي
صدر هذا الكتاب في 199 صفحة، عن دار الفكر العربي. خصّص المؤلّف قسمين منه لدراسة قضايـا السنّة وهمـا: المستشرقون والسنّة المطهرة، والمستشرقون وسيرة الرسول(عليهما السلام).
اعتمد المؤلِّف في هذا الكتاب على المصادر الأساسيَّة لأعمال المستشرقين ومارس نقداً عليها.
4 ـ 3 ـ 2 ـ المستشرقون ومصادر التشريع الإسلاميّ، د. عجيل جاسم السنحشي
صدر هذا الكتاب في طبعته الأولى في الكويت عام 1984م، وقد درس فيه مؤلّفه نظريَّات المستشرقين في مصادر التشريع: القرآن، السنّة، الإجماع، القياس، المصادر المختلف فيها، والمصادر الماديَّة مثل العرف ورأي القضاة والفقهاء.
________________________________________

[الصفحة - 76]
والفصل المخصّص في هذا الكتاب لبحث نظريَّات المستشرقين حول السنّة كان عبارة عن الفصل الثاني، والتركيز الأساسي فيه جاء على نظريَّات كلٍّ من جولدتسيهر وشاخت، في موضوعات مثل: التدوين، التعريف، الوضع وجعل الأحاديث وأمثال ذلك.
5 ـ 3 ـ 2 ـ المستشرقون والسنّة، د. سعد المرصفي
جاء هذا البحث في كتاب من 80 صفحة، نشرته مكتبة المنار الإسلاميَّة في الكويت ومؤسسة الرمان في بيروت عام 1994م.
يتألَّف هذا الكتاب من ثلاثة فصول أولها: «أضواء على الاستشراق والمستشرقين»، تحدّث فيه المؤلّف عن دوافع المستشرقين وإشكاليَّاتهم. وثانيها: «شبهات حول مفهوم السنّة وتدوينها». وثالثها: «جهالات حول السند والمتن»، حيث انتقد نظريات المستشرقين فيما يخصّ علم الرجال ونقد المتن.
6 ـ 3 ـ 2 ـ المستشرق شاخت والسنّة النبوية، د. محمد مصطفى الأعظمي
نُشرت هذه الدراسة مقالاً في كتاب: مناهج المستشرقين في الدِّراسات العربيَّة، وقد صدر عن المنظَّمة العربيَّة للتربية والثقافة والعلوم في تونس.
حلّل الأعظمي ـ وهو من المختصّين المعروفين بدراسة الحديث النبويّ ـ عَمَلين لشاخت هما: المدخل إلى الفقه الإسلاميّ، وأصول الشريعة المحمديّة، وقد اهتمّ الأعظمي بالردّ على الفكرة التي طرحها شاخت حول انفصال الشريعة عن الدِّين. وقد تناول الأعظمي أبحاث المستشرقين وخصوصاً شاخت حول الحديث والأسانيد وبشكل موسّع في الجزء الثاني من كتابه المعروف: دراسات في الحديث النبويّ وتاريخ تدوينه.
________________________________________

[الصفحة - 77]
7 ـ 3 ـ 2 ـ مناقشة آراء المستشرق روبسون الواردة في دراسته: «أساليب صياغة حديث المسلمين»، د. مصطفى بن عمر الحلبي
كتب هذه الدِّراسة التي تقع في 35 صفحة، الدكتور مصطفى بن عمر الحلبي، من جامعة طيبة في المملكة العربية السعوديَّة، ونُشِرَت في أعمال المؤتمر الدولي: المستشرقون والدِّراسات العربيّة والإسلاميّة، والذي انعقد في مارس 2006م، ونشرت أعمال المؤتمر جامعة المنيا وكليَّة دار العلوم ورابطة الجامعات الإسلاميّة.
بعد مقدّمة مختصرة عن روبسون وعن منهج البحث، خصّص الحلبي المبحث الأوَّل لدراسة: رأي المستشرق في أنّ صحة الحديث ودرجته تُبنى على أساس طريقة النقل فقط، وقد بيّن الكاتب أهميَّة نقد المتن عند المحدّثين.
في المبحث الثاني تحدَّث عن: موقف المستشرق من الأسانيد، وقد ناقش فيه ظاهرة الريبة والشك التي تهيمن على موقف المستشرقين من الأسانيد.
أمَّا البحث الثالث فخصّص لدراسة: افتراض المستشرق أنّ تفصيل الكلام بعد إجماله من أساليب العصور المتأخرة.
أمَّا المبحث الرابع فحمل عنوان: زعمه أن أسلوب السؤال والجواب في الحديث نتاج أفكار فترة متأخِّرة.
وخصّص المبحث الخامس للبحث في الأحاديث التي اعتبرها روبسون أنها تمثل أسلوباً في رفض ما تفعله بعض أقاليم المجتمع.
8 ـ 3 ـ 2 ـ نقد الخطاب الاستشراقي، د. ساسي سالم الحاج
يتألّف هذا الكتاب من جزأين كبيرين، عالج فيهما كاتبه الاستشراق ودراساته ومساهماته معالجةً مطوّلة، وقد نُشر هذا الكتاب دار المدار الإسلامي في بيروت بطبعته الأولى عام 2002م.
________________________________________

[الصفحة - 78]
خصّص المؤلِّف لدراسة السنّة والحديث عند المستشرقين فصلاً كاملاً، وهو الفصل الثاني من الباب الثاني، وبلغ حجم هذا الفصل 164 صفحة تحدّث فيها الكاتب عن مواقف المستشرقين حول مصطلحات الحديث، وتطوّره في العصرين الأموي والعباسي، وأسباب وضع الحديث، وتدوينه، وظاهرة القصّاصين وغير ذلك.
استخدم الكاتب منهج النقد بصورة عامة، وحاول الخوض في التراث الإسلامي الحديثي للعثور فيه على ما يُساعد على ردّ إشكاليَّات المستشرقين.
9 ـ 3 ـ 2 ـ مدخل إلى الدراسات الحديثية للمستشرقين، الشيخ مهدي مهريزي
هذا العنوان عبارة عن فصل من المجلّد الثاني من كتاب «حديث بجوهي/ البحث الحديثي، لأستاذنا الشيخ مهدي مهريزي، وقد كان في البداية مقالاً جرى نشره في العدد 28 من مجلّة علوم حديث الفارسية، شتاء عام 2003م.
تحدّث الكاتب فيه عن الجهود التي بذلها المستشرقون وما كتبوه حول الحديث الشريف، ثمَّ تحدّث عن بعض المساهمات النقديَّة الإسلامية، وختم مقاله الذي بلغ 18 صفحة بفهرس جمع النقاط الأساسيّة التي طرح المستشرقون إشكاليَّاتهم فيها، ثم علّق ببعض التعليقات المختصرة.
الدِّراسة في طابعها العام محايد، وإن سجلت بعض الملاحظات القليلة.
10 ـ 3 ـ 2 ـ من افتراءات المستشرقين الفرنسيين على السنّة ودفاع ناصر الدين دينيه عنها، د. بلقاسم محمد الغالي
هذه الدراسة التي كتبها الدكتور بلقاسم محمد الغالي، من جامعة الشارقة، نشرت في الجزء الأول من أعمال المؤتمر الدولي «المستشرقون والدراسات العربية والإسلامية، والذي عقد عام 2006م.
تحدّث الكاتب ـ بعد مقدّمة عامة حول الاستشراق ونشأته ودوافعه ـ عن
________________________________________
[الصفحة - 79]
تحامل الاستشراق الفرنسي على شخصية النبي وأحاديثه، ثم عن دفاع ناصر الدين دينيه عن السنّة عبر تسجيل العيوب المنهجية التي وقع فيها المستشرقون.
11 ـ 3 ـ 2 ـ اهتمام المحدّثين بنقد الحديث سنداً ومتناً ودحض مزاعم المستشرقين وأتباعهم، د. محمد لقمان السلفي
هذا الكتاب المؤلَّف من 599 صفحة، كتبه الدكتور محمد لقمان السلفي، رئيس جامعة ابن تيمية ومركز العلامة عبد العزيز بن باز للدراسات الإسلامية في الهند، طبع هذا الكتاب في دار الداعي للنشر والتوزيع في الرياض، وذلك بطبعته الثانية عام1420هـ بعد مدخل مطوّل، تحدّث فيه عن الحديث وعلم نقده.
خصّص الكاتب الباب الأول تحت عنوان «اهتمام المحدثين بنقد سند الحديث، مستعرضاً أبحاثاً مختلفة، وباحثاً في شروط الراوي والاتصال والانقطاع في الأسانيد، والشذوذ، أما الباب الثاني فخصّصه الكاتب تحت عنوان «اهتمام المحدثين بنقد المتن» ودرس فيه المتن وقواعد نقده واهتمام العلماء بذلك. في الباب الثالث الذي حمل عنوان «مزاعم المستشرقين وأتباعهم في عدم اهتمام المحدّثين بنقد المتن، ودحضها» تحدّث الكاتب عن حركة الاستشراق وأهدافها وعن آراء المستشرقين في السنّة والحديث، مثل جولدتسيهر وشاخت وهاملتون جب وغليوم وكايتاني وغيرهم، كما تحدّث عن الحركة التي تأثرت بالمستشرقين في العالم الإسلامي، مثل القرآنيين في باكستان وغيرهم.
وقد بلغ الباب الثالث المخصّص للمستشرقين حوالي الثمانين صفحة.
12 ـ 3 ـ 2 ـ الاستشراق في السيرة النبوية، أ. عبد الله محمد الأمين النعيم
هذا الكتاب هو الرقم 21 من سلسلة الرسائل الجامعية التي يصدرها المعهد العالمي للفكر الإسلامي في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد كتبه عبد الله محمد
________________________________________

[الصفحة - 80]
الأمين النعيم ـ من السودان ـ وهو في الحقيقة رسالة ماجستير حاز عليها عام 1994م من جامعة الخرطوم، وقد صدر الكتاب عن المعهد بطبعته الأولى عام 1997م.
يدرس الكتاب الآراء التاريخية لثلاثة من المستشرقين المختصّين بالسيرة النبوية، وهم وليام منتغمري وات، وكارل بروكلمان، ويوليوس فلهاوزن.
يتألف الكتاب من سبعة فصول مع تمهيد وخاتمة، تحدث في الأول عن «منهج وات وبروكلمان وفلهاوزن في دراسة السيرة»، وفي الثاني عن: «رؤية وات وبروكلمان وفلهاوزن للسيرة النبوية في العهد المكي»، وفي الفصل الثالث تحدّث عن: «معالم دولة المدينة»، وفي الرابع: «معارضة المنافقين»، وفي الخامس: «العلاقات الإسلامية ـ اليهودية»، وفي السادس: «العلاقات الإسلامية ـ المسيحية»، وفي السابع: «العلاقات الإسلامية بالقبائل العربية الوثنية».
13 ـ 3 ـ 2 ـ الردّ على مزاعم المستشرقين إجناتس جولدتسيهر ويوسف شاخت ومن أيدهما من المستغربين، د. عبد الله عبد الرحمن الخطيب
درس المؤلّف في هذا الكتاب نظرية السنّة الشريفة في ثلاثة أقسام، سبقها بمقدّمة ولحقتها خاتمة وتوصيات، اعتمد فيها الكاتب على مصادر عربية وأجنبية.
في القسم الأول تحدّث عن «عرض لآراء المسلمين حول منهجية توثيق السنّة بالاعتماد على نقد السند والمتن معاً». وفي القسم الثاني تحدّث عن «عرض لآراء المستغربين والمستشرقين فيما يتعلّق بتوثيق السنّة عبر نقد المتن والسند والردّ عليهم»، فيما خصّص القسم الثالث لبحث «نظرية الإسناد عند شاخت والردّ عليه».
يتألّف الكتاب من 72 صفحة. يدعو الباحث في آخره إلى عقد ندوات ومؤتمرات تتخصّص في الردّ على مزاعم المستشرقين.
________________________________________
[الصفحة - 81]
14 ـ 3 ـ 2 ـ السيرة النبوية وأوهام المستشرقين، عبد المتعال محمد الجبري
صدر هذا الكتاب في طبعته الأولى عن مكتبة وهبة في القاهرة عام 1408هـ في 178 صفحة.
فُهرس هذا الكتاب على أربعة فصول، تحدّث المؤلّف في الأول منه عن «أسلوب المستشرقين وحقدهم»، وفي الثاني عن «مترجمو القرآن وكتب السيرة»، وفي الثالث عن: «الشبهات المشتركة بين المستشرقين»، وفي الفصل الرابع تحدّث عن نظريات سيديو، ولامانس، نقداً وتمحيصاً.
إلى غيرها من الدراسات مثل : موقف المستشرقين من السنّة والسيرة النبوية، للدكتور أكرم ضياء العمري، و منهج المستشرقين في دراسة الحديث النبوي، للدكتور أحمد نصري، والتي نشرت في مجلّة دعوة الحق، العدد: 347، السنة الأربعون، 1999م.
والذي يلاحظ من خلال الدراسات النقدية التي كتبت ضدّ المستشرقين ضعف كامل للحضور الشيعي، فلا نكاد نجد دراسة شيعية جادّة حول الحديث والمستشرقين حتى باللغة الفارسية، على خلاف نظريات المستشرقين حول القرآن، حيث برز في العقود الثلاثة الأخيرة اهتمام شيعي واسع بهذا الأمر، إلى جانب نظريات المستشرقين حول التشيّع.
ولعلّ السبب في ذلك يرجع إلى وجود تصوّر مهيمن يدور حول أنّ إشكاليات المستشرقين هي في غالبيّتها العظمى ـ على الأقل ـ تسجّل على السنّة والحديث عند أهل السنّة، ولا ترد وفقاً للعقائد الشيعية؛ لأنّ الشيعة عرفوا التدوين في عصر النص وليس بعده و..
لكن مع صحّة هذا التصوّر في الجملة، لا يفترض الاغترار به؛ لأنّ العديد من
________________________________________

[الصفحة - 82]
دراسات المستشرقين لا تختصّ بأهل السنّة، مثل موضوع نقد المتن، واختلاق الأسانيد، والوضع والدس، بل قد صرّح العديد من المستشرقين باسم الشيعة في قضايا الحديث، الأمر الذي يستدعي بحثاً مركّزاً حول هذا الأمر.
يضاف إلى ذلك، أنّ تشكيك المستشرقين بأصل حجية السنّة ـ بصرف النظر عن الحديث ـ يطال جميع المذاهب الإسلامية، وكذلك الحال في السيرة النبوية.
________________________________________

[الصفحة - 83]
 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف