البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

مراجعة ونقد لأثر صادر من مستشرق معاصر

الباحث :  أ.د. فاضل الحسيني الميلاني - الجامعة العالمية للعلوم الإسلامية في لندن
اسم المجلة :  دراسات إستشراقية
العدد :  1
السنة :  صيف 2014 م
تاريخ إضافة البحث :  January / 5 / 2016
عدد زيارات البحث :  1278
مراجعة ونقد لأثر صادر من مستشرق معاصر

( الشيعة ـ تأليف: هاينس هالم)

أ.د. فاضل الحسيني الميلاني(*)

· ترجمة حياة المؤلف:

◘ هاينس هالم مستشرق ألماني ولد عام 1942، ودرس العلوم الإسلامية، والسامية، والعصور الوسطى.

◘ يشغل في الوقت الحاضر منصب أستاذ التاريخ الإسلامي في جامعة توبنغن الألمانية.

◘ اهتمّ بدراسة وتحقيق بعض عقائد الإسماعيلية، فأصدر بحثاً في عام 1978 عن (علم الخلاص لدى الإسماعيليين الأوائل). كما تناول بالتحليل الصلة بين الفاطميين والاعتقاد بالمهدي في تصوير خاص به أسماه بـ(إمبراطورية المهدي وصعود الفاطميين) الذي نُشر عام 1991. وكذلك ركّز على الفكر الصوفي في كتابه عن (الغنوصية في الإسلام) الذي نُشر عام 1982.

◘ أما كتابه الذي نتناوله بالمراجعة في هذا المقال، فقد حمل في نسخته الألمانية عنوان (DIESCHITEN)، ويبدو أنه نفس الكتاب الذي ترجم إلى اللغة الإنجليزية بعنوان ((SHICISM والذي نُشر من قبل جامعة ادنبره في المملكة المتحدة عام 2001. وقد ترجمه إلى اللغة العربية مؤخراً (محمود كبيو) ونُشر من قبل شركة الوراق للنشر المحدودة في لندن عام 2011.


· محتويات الكتاب:

يتألّف الكتاب من خمسة فصول: تضمّن الفصل الأول لمحة موجزة عن الأئمة الاثني عشر للشيعة، بينما قفز في الفصل الثاني إلى مواكب العزاء والمآتم. أما الفصول الثلاثة الباقية فقد ركز فيها على النشاط السياسي والدور الذي يمكن إسناده إلى الفقهاء، فعنون الفصل الثالث لما أسماه بـ(إسلام الملالي)، وعنون الفصل الرابع للشيعة الثورية، أما الفصل الأخير فيتحدث فيه عن الشيعة خارج إيران.

في الطبعة الثانية للكتاب باللغة الإنجليزية يجد الباحث إضافات كثيرة تتعلّق بفرق الشيعة، فيتحدث المؤلف عن غلاة الشيعة وأسباب الغلوّ، ويخصّص فصلاً للحديث عن الإسماعيلية، يناقش فيه الدولة الفاطمية في مصر، ونشوء القرامطة، ويختم بالحديث عن طائفة الدروز. ثم يلحق ذلك بفصل موجز عن الزيدية.

سنحاول في الفقرات القادمة إبداء بعض الملاحظات على الكتاب منهجاً ومضموناً.


هل كان الشيعة خارج دائرة الضوء؟

ملاحظات على المنهج:

يبدأ المؤلّف في مقدمته بتعريف الشيعة ودخولهم إلى وعي قطاع عريض من أوساط الرأي العام العالمي بتمكن الثوريين الشيعة سنة 1979 بإسقاط شاه إيران، وتأسيس جمهورية إيران الإسلامية. وهو يؤكد على أن معتقدات الشيعة وتقاليدهم الدينية التي (يزيد عمرها على 1300سنة حسب تعبيره) بقيت إلى حدّ كبير خارج دائرة الضوء، لكن برز الشيعة إلى الواجهة كقوة سياسية فاعلة فقط بعد قيام الثورة في إيران.

وإذا أخذنا بنظر الاعتبار دول الشيعة في طول التاريخ الإسلامي بدءاً بالبويهيين ومروراً بالحكومات التي عبّرت عن الوجه المشرق للشيعة الاثني عشرية، وانتهاءاً بالسلالة الصفويّة، تبيّن أن الدراسة التي يقدمها (هالم) مبتورة من بدايتها.

ولكي نعطي الموضوع حقّه نشير إلى أهم الحقب التاريخية التي سطع فيها نجم الشيعة، ولم يبقوا خارج دائرة الضوء على حدّ زعم هذا المستشرق.

وهذه الأمة سريعة بمظاهر القوة لدى الشيعة في بقاع عديدة من العالم:

1ـ حكومة العلويين في طبرستان التي امتدّت من 250 إلى 421 هجرية.

2ـ حكومة البويهيين من 320 إلى 440 هجرية.

3ـ السلالة الإيلخانية التي حكمت من 656 إلى 736هجرية، والتي كان من أهم الأحداث التي تميزت بها تشيّع السلطان محمد خدابنده المشهور بالجايتو (703ـ 716). والملاحظ أن أول عملة نقدية في تاريخ الإسلام حملت التصريح بـ (لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي ولي الله) تم إصدارها في هذا العصر(1).

وكان من أهم الأعمال التي قام بها استدعاء العلامة الحلّي (المتوفى 726هـ) وولده فخر المحققين إلى إيران، ودعى لبثّ دعائم المذهب الشيعي،(2) وتأسيس المدرسة السيارة(3).

4ـ الدولة المشعشعية في خوزستان التي امتدّت من 845 إلى 1176 هـ، والتي قادها السيد محمد بن فلاح (المتوفى سنة 870 هجرية) والذي كان من ذرية محمد العابد ابن الإمام موسى بن جعفر 7. لقد كان مؤسس هذه الدولة ذا إحاطة بالفقه والعلوم الإسلامية، فقد عُدّ من تلاميذ الشيخ أحمد بن فهد الحلي (المتوفى في سنة 841 هجرية). بدأت هذه الدولة في أطراف مدينة (واسط) بالعراق وغطّت مناطق واسعة من منطقة الفرات الأوسط، والجنوب الغربي من إيران(4).

5ـ الدولة الصفوية: تأسست هذه الدولة كأقوى ما يمثل السلطة الشيعية بشكل رسمي في سنة 907 هجرية واستمرت حتى 1135 هـ. لقد زخرت هذه الدولة على يد مؤسسها الشاه إسماعيل الأول ـ الذي حكم لمدة 15 عاماً ـ بفتوحات وانتشار سلطتها على مناطق واسعة.

في هذا العصر هاجر عدد كبير من علماء جبل عامل إلى إيران، وقاموا بنشاطات علمية واسعة بدعم من الدولة الصفوية، نذكر منهم على سبيل المثال: المحقّق الكركي، والشيخ حسين بن عبد الصمد الجعبي ـ والد الشيخ البهائي ـ وابنه محمد بن الحسين بن عبد الصمد المعروف ببهاء الدين العاملي، ومحمد بن الحسن المعروف بالحرّ العاملي(5).

6 ـ الدولة العيونية التي امتدت من (466 إلى 642 هـ) في شرق الإحساء. لقد نظم أحد شعراء هذه الدولة وهو ابن المقرب (المتوفى 629 أو 631 هـ) قصائد كثيرة في رثاء الإمام الحسين الشهيد 7، ويبيّن فضل الجد الأعلى للدولة العيونية، وفضل عبد القيس المنحدر عن ربيعة في قصيدته العينية:

هم نصــروا بعــد النبـــي وصيه ولا يستوي نصر لديه وخذلان(6)

7 ـ الزيدية في اليمن.

8 ـ الدولة الحمدانية في حلب بين (317 و406هـ)، والتي كان سيف الدولة الحمـداني أشهر وأنشط ملوكها. ويكفي أن نشير هنـا إلى قصيدة أبي فـراس الحمداني ـ ابن عم سيف الدولة ـ الذي كان ذا لهجة جريئة في الدفاع عن التشيع في قصيدته الرائعة التي مطلعها:

الــدين مخترم والحـــق مهتضم وفيء آل رسـول الله مقتــســـم

إلى أن يقول:

والركن والبيت والأستار منزلهم وزمـزم والصفا والحجـر والحرم

صلى الإلــه عليهم أينــما ذكـروا لأنهم للورى كهف ومعتصم(7)

9ـ كما ظهرت إمارات للشيعة في الهند وباكستان وبخارا وسمرقند والقفقاز وتركيا لا مجال لاستعراضها هنا.

ولو راجع هذا المستشرق (تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام) للسيد حسن الصدر الكاظمي وموسوعة (أعيان الشيعة) و(الذريعة إلى تصانيف الشيعة) بالإضافة إلى الدول التي حكمت باسم الشيعة، كان حريّاً به أن يغيّر قناعاته!!


نشأة المذهب الشيعي

أما عن نشأة المذهب الشيعي فانّ (هالم) يشير إلى حقيقتين:

الأولى: إنّ الشيعة قديمة قدم الإسلام.

الثانية: إنّ المذهب الشيعي نشأ في العراق الذي لم يزل حتى اليوم أحد البلدان الأساسية للإسلام الشيعي. ثم يعود ليؤكد أنّ (الشيعة إذاً في الأصل ظاهرة عربية كالإسلام نفسه، والجزء الأكبر من مراجعها مكتوب باللغة العربية) ص 15ـ16.

بهذا المقطع يدحض هذا المستشرق فرية لاكها ألسن الأعداء والجهلة في ربط التشيّع بجذور غير عربية.


ملامح شخصية الإمام علي 7

حين يتحدّث عن ملامح شخصية الإمام علي بن أبي طالب 7 وشجاعته يغرق في الخيال، ويستند إلى الفولكلور الشيعي بدلاً من النصوص الواضحة والدقيقة عن شجاعته التي اعترف بها العدوّ قبل الصديق. إنه يقول في ص 26:

«وبعد وقت قصير بدأ أنصار علي يعطون صورته طابعاً مثالياً، وينسجون حوله الأساطير. فهو بالنسبة للشيعة النموذج الخالص للبطل الشاب. فهم يروون بكل سرور كيف أبدى عند حصار خيبر قوة خارقة وانتزع باب المدينة من أركانه، واستعمله ترساً ثم رماه في الخندق».

كان يكفي هذا المستشرق الإطلاع على إحدى القصائد السبع العلويات للعالم المعتزلي المشهور ابن أبي الحديد حيث يخاطب الإمام 7 قائلاً:

يا قالـع الباب الذي عــن هزّه عجــزت أكفٌ أربعون وأربـع

أما الأساطير التي تتناقلها العامّة ـ لو صحّت النسبة فيها ـ فإنّها لا تصلح للنقد والمناقشة!!


بلاغة الإمام 7

وحين يتحدّث عن بلاغة الإمام 7 يقول: (فالخطب والرسائل المنسوبة له، والتي جُمعت في وقتٍ متأخّر جداً ـ وهناك خلاف على أصالتها ـ لم تزل تعتبر حتى اليوم نموذجاً للبلاغة في النثر العربي) ص 27.

ومن حقّ النقاش العلمي البنّاء أن ينّبه هذا المستشرق إلى الجهد العلمي العظيم الذي قدّمه العلاّمة السيد عبد الزهراء الحسيني في كتابه القيّم (مصادر نهج البلاغة وأسانيده) المطبوع في أربعة أجزاء، والذي يثبت فيه نسبة كل خطبة وكلام وحكمة للإمام 7 من قبل رواة ومؤلفين قبل الشريف الرضي جامع (نهج البلاغة).


الإمام الحسن 7

وفي مجرى حديثه عن الإمام الحسن بن علي 8 يقول: «والشيء الوحيد الجدير بالملاحظة الذي ترويه عنه المصادر التاريخية (انّه كثير الزواج، وأنه خلّف عدداً كبيراً من الأولاد» ص 28 من الترجمة العربية عن الأصل الألماني.

ويضيف في الطبعة الثانية الإنجليزية ص13 بعد عبارة (كثير الزواج) انّه عُرف بلقب (المِطلاق) وانّه كان له (ما لا يُحصى) من الأولاد.

وليته طالع كتاب (صلح الحسن) للعلاّمة الحجة الشيخ راضي آل ياسين، كي ينقل لنا صورة أنصع عن الظرف المعقّد الذي عاشه الإمام الحسن 7، وتقاعس أنصاره عن نصرته في مواجهة الباطل. والآثار التي تركها صُلحه على حقن دماء المسلمين. أما فرية كون الشيء الوحيد!! الجدير بالملاحظة عن حياة الإمام الحسن السبط 7 هو كثرة زواجه، وأنه كان له ما لا يُحصى من الأولاد، فقد تصدّى العلاّمة المحقق الشيخ باقر شريف القرشي في كتابه (حياة الإمام الحسن 7) لردّها وأثبت زيف المصادر التي ذكرت ذلك.

وتجدر الإشارة هنا إلى ما انتهى إليه مستشرق بريطاني معاصر (البروفيسور مادلونج) في كتابه (خلافة محمّد 9) SUCCESSION TO ONOHAMMAD من بطلان هذه الأقاويل، وعدّه من الأساطير الموضوعة على لسان الخصوم.


تصوير خاطئ عن عصمة المجتهد الشيعي

في سياق حديثه عن السجال بين السلاطين وفقهاء الشيعة في العصور المختلفة، يتعرّض هاينس هالم إلى موقف المقدس الأردبيلي (المتوفى سنة 993هـ / 1585م) الذي رفض دعوة الشاه طهماسب إلى البلاط، ووصف الشاه عباس الأوّل وحكمه بـ (السلطة الممنوحة على نحو العارية).

بعد ذلك يعتمد على تقرير لرحّالة فرنسي اسمه شاردين استقرّ في البلاط الصفوي في أصفهان في فترتين: أولاهما من 1666 إلى 1667م، والثانية من 1672 إلى 1676. في هذا التقرير ينقل شاردين موقف المقدس الأردبيلي وسائر علماء عصره من السلطان، بأن الأخير يجب أن يخضع لرقابة المجتهد المعصوم!! (لاحظ ص90 الطبعة الإنجليزية الثانية). ويقول بأن الاتجاه العام هو أنّ المجتهد المعصوم هو عالم يتمتع مثل الرسول والأئمة بكونه معصوماً من الخطأ والذنب.

ويستمر هاينس هالم في أن ما لاحظه شاردين لم يكن هو الملحظ الوحيد، بل إن طبيباً مرافقاً للبعثة السويدية في أصفهان، عاش هناك في عامي 1684 و 1685 ميلاديين، اسمه (انجلبرت كامفر) يؤكد نفس المعنى في بحثه الذي نشر عام 1712.

ولنقف قليلاً عند هذا التصوير الذي ينقله هذا المستشرق عن رحّالة فرنسي وطبيب مرافق للبعثة الدبلوماسية السويدية إلى البلاط الصفوي، فأول ما يلفت نظر الباحث المتعمّق أنّه لم يدّع أحد من الفقهاء منذ عصر الغيبة الكبرى إلى زماننا الحاضر ثبوت العصمة لغير المعصومين الأربعة عشر، وهم خاتم الأنبياء والمرسلين 9 وبضعته الصديقة الطاهرة والأئمة الاثني عشر (سلام الله عليهم أجمعين). ذلك أن الضرورة العقلية التي يدعمها الواقع الخارجي والتي يلتزم الشيعة الإثنا عشرية على أساسها بلزوم عصمة الرسول والإمام لا مسرح لها بالنسبة إلى المجتهدين.

هذا مضافاً إلى منهج الشيعة في الاجتهاد وتطابق الفتوى مع الواقع هو (التخطئة) لا (التصويب). فلئن كان الاتجاه العام في الفقه السني يؤكد على أن الفتوى الصادرة من الفقهاء تطابق الحكم الواقعي، يُجمع فقهاء الإمامية على أن قيمة الفتوى من مصاديق الأمارات الظنية التي قام على اعتبارها دليل.

وملحظ أخير على المنهج هو أنّه كيف نسمح في المنهج العلمي التحليلي، ولباحثٍ متمرّس في الأبحاث العلمية أن يعتمد على انطباعاتٍ أقصى ما نقول فيها أنها نتيجة فهم لمجرى الأحداث قد يطابق الواقع وقد يكون وهماً!!


مراسيم العزاء والتكفير عن الخطيئة في العقيدة المسيحية

يقع هذا المستشرق في مأزق حرج حين يحاول تفسير مراسيم العزاء لدى الشيعة بفكرة التكفير عن الخطيئة الأصلية عند المسيحيين.

إنه يبدأ معالجته لهذا الموضوع بقوله:(كثيراً ما يُشار ـ من الجانب الشيعي أيضاً ـ إلى التشابه في بعض المواقع بين العقيدة الشيعية والتصورات المسيحية) ص 36 من الترجمة العربية. والظاهر أنه عندما يشير إلى موافقة الجانب الشيعي في هذا الشأن، يقصد ما عبّر عنه الدكتور محمود أيّوب في كتابه (Redemptive Suffering in Islam ) المطبوع سنة 1971، حيث اعتبر الشفاعة والتوسّل من تداخلات الفكر المسيحي في العقيدة الإسلامية. وعلى هذا الأساس فان الشيعة حين يضربون أنفسهم في ذكرى مأساة كربلاء وجرح أجسامهم بالسيوف، يحاولون التكفير عن الذنب العظيم في عدم نصرتهم للإمام الحسين 7.

بهذا التصوير ينفي هذا المستشرق أن تكون مظاهر العزاء في عاشوراء تعبيراً عن الأسى والحزن، ويركّز على أنها شعائر تكفير. انظر ص 37.

ولكي تتضح الصورة في هذا الموضوع لابدّ أن نعرف أن فكرة التكفير عن الخطيئة الأصلية (The original Sin) في المسيحية ابتدعتها الكنيسة تعبيراً عن الرحمة المتأصلة في عيسى 7 حينما رضي أن يُصلب ويعذّب تكفيراً للخطيئة التي ارتكبها أبونا آدم 7 في الأكل من الشجرة التي نُهي عنها، إذاً قدم عيسى نفسه فداءاً ليطهر بنو البشر من الذنب العظيم الذي ارتكبه أبوهم!!

وشتّان بين هذا الفكر وبين الحركة الداعية لأنصار الإمام الحسين في فهم أهداف النهضة الحسينية؟ وما هو وجه الصلة بين استشهاد الإمام الحسين 7 الذي ضحّى بكل غالٍ ونفيس في مقارعة الظلم والفساد والإنحراف الذي ساد كل مصير الأمة الإسلامية في زمن يزيد، والعقيدة الخاطئة التي تقول بأن صلب عيسى تمّ تكفيراً لذنوب البشر؟

إن الندم الذي لحق بالتوّابين نتيجة للخطاب الذي ألقاه (سليمان بن صُرد الخزاعي) كان نتيجة خذلانهم الإمام الحسين بعد أن تعهّدوا بمناصرته، والتوبة في المفهوم الإسلامي هي العلاج الوحيد للخطأ الذي يصدر من الشخص، وأي وجه للمقارنة بين ذلك وبين عقيدة التكفير عن الخطيئة الأصلية لدى المسيحيين؟

وليت هذا المستشرق توقف عند هذا الحد، لكنه على العكس انتهى إلى القول بأنه (يمكننا القول إن حركة التوابين تشكل المنشأ الحقيقي للإسلام الشيعي. فقد صاغت هذه الحركة جميع العناصر الجوهرية ومفاهيم التديّن الشيعي وأهمّها: الفشل، والندم، والتوبة، والعقاب) انظر ص 38.

ولا ندري كيف صار الفشل والندم والتوبة والعقاب عناصر أساسية للتديّن الشيعي؟

لقد خفي على الرحّالة الفرنسي جان ـ بابتيت تا فرنييه ـ فهم التصوير الحيّ لبعض وقائع عاشوراء، والتي تسمّى بالتشابيه، فاعتبرها نوعاً من قتال الشوارع، ونفس الشيء نجده عند الطبيب في البعثة السويدية (انجلبرت) حيث يقول: (أسوأ الاصطدامات تحدث في الذكرى السنوية لمقتل الحسين تحت تأثير الانفعال الشديد للمصير الشائن الذي لقيه الشيعة، تهاجم الجماهير بعضها بعضاً، ويُدمي كل طرفٍ الآخر ضرباً على الرأس).

هذا الفهم يذكّرني بحادثة واقعية حصلت في لندن قبل 30 سنة حين شكا جيران مركز شيعي واقع في وسط لندن ـ وهم من المسنّين الذين أودعهم أهاليهم في دور العجزة ـ إلى الشرطة قائلين: (في جوارنا يوجد مركز للاجتماع يحضره إيرانيون يبدأون مساء كل يوم بالتوافد على المركز، وكل شيء هادئ على ما يرام، ثم تطفأ المصابيح ويهجم بعضهم على بعض بالضرب المبرح لفترة، ثم تُعاد إضاءة المصابيح والكل يجلسون لتناول الطعام، ويصافح بعضهم بعضاً وينصرفون!!).

تصوّر هؤلاء أنّ اللطم على الصدور في هذا المركز ليالي عاشوراء إنّما هو هجوم من قبل البعض على غيرهم بالضرب المبرح، والعجيب لديهم أنهم بعد ذلك يودّع بعضهم بعضاً في جوّ من الصداقة والمحبة!!


معلومات تاريخية بعيدة عن الواقع

(8ـ 1) يقول هذا المستشرق عن وصول عثمان إلى الحكم بأن علياً 7 (لم يعترض على انتخاب عثمان، ولكن يبدو أنه لم يكن موافقاً عليه، وقد أدى هذا التناقض بين الرجلين إلى حدوث توترات أدّت خلال وقت قصير إلى صراعات دامية) ص 23 من الترجمة العربية عن الأصل الألماني.

لكن الطبعة الثانية للترجمة الإنجليزية ص 6 تقول: (إن انتخاب الخليفة الثالث عثمان بواسطة شورى تضم ستة من الصحابة البارزين لرسول الله 9 بمن فيهم علي، ابن عم الرسول وصهره، في سنة 23 هجرية/ 644 ميلادية، أنتجت قيادة الأمة لأول مرة بواسطة ممثّل لبني أمية) والواقع أن كلّا ً من الإمام علي بن أبي طالب 7 وطلحة خالف ترشيح عثمان للخلافة بصراحة، إلا أن جعل القرار النهائي بيد عبد الرحمان بن عوف هو الذي صيّر النتيجة لصالح عثمان(8).

(8ـ2) يذكر (هالم) أن (الاحتفال بالثامن عشر من شهر ذي الحجة ليكون عيد الغدير لدى الشيعة، تمّ على يد الحكومات الشيعية في عصور متأخرة، ولا يزال هذا اليوم عيداً مهماً للشيعة) ص 8 من الطبعة الثانية للترجمة الإنجليزية.

والواقع أن الاحتفال بهذا اليوم عيداً تم التنبيه عليه في زمن الإمامين الباقر والصادق 8، أي أواسط القرن الثاني الهجري. أما الإعلان عنه رسمياً من قبل الحكومات الشيعية فقد بدأ جلياً في زمن (معزّ الدولة البويهي) سنة 352 هجرية/ 964 ميلادية في بغداد، ثم في زمن (المعزّ لدين الله الفاطمي) في القاهرة سنة 362 هجرية / 973 ميلادية.

(8ـ3) يقول (هالم) عن الإمام الصادق 7: إنه (كان على اتصال وثيق مع شيعة العراق لكنه امتنع كما في السابق عن القيام بأي نشاط سياسي، ولذلك لم يتعرّض له الحكام الجُدد بأذى) ص 41 من الترجمة العربية عن الأصل الألماني.

والواقع أن والي المدينة في زمن العباسييّن قام بإشعال النار في دار الإمام الصادق، وقتل المعلّى بن خُنيس أحد أصحاب الإمام.

(8ـ4) يذكر هذا المستشرق في ص 47 من الترجمة العربية عن الأصل الألماني، وكذلك في ص 33 من الطبعة الثانية للترجمة الإنجليزية أن الإمام الحسن العسكري7 توفي في سامراء في الثامن من ربيع الأول سنة 260 هجرية دون أن يخلّف ولداً. لكنه يعود بعد أسطر ليقول: (إحدى هذه الفرق كانت تدّعي منذ البداية أنه ليس صحيحاً أن الإمام الحادي عشر توفي بلا عقب، بل كان له ابن صغير اسمه محمد ولد سنة 255 هجريه لكن أباه خبّأه لكي يحميه من بطش الخليفة).

وليته راجع (كمال الدين وتمام النعمة) للشيخ الصدوق، و (الغيبة) للشيخ الطوسي ليعلم أن الشيعة الإثني عشرية تعتقد بالإجماع على أن الإمام الثاني عشر (عجل الله تعالى فرجه) ولد في 15 شعبان 255 هجرية، وكان له من العمر عند استشهاد والده الإمام العسكري خمس سنوات. إن نفيه للولد بضرس قاطع أولاً، ثم التعبير بادّعاء إحدى الفرق ما تقدم ذكره؛ بعيد عن التحقيق.

(8ـ5) يقول هذا المستشرق: (إنّ كثيراً من الباحثين الشيعة توصّلوا إلى أن التشيع والتصوّف كانا وجهين لعملة واحدة، وأن التشيع في حقيقته ليس إلا المظهر الخارجي للتصوف. لقد أشار المستشرق الفرنسي هنري كوربان المتوفى 1978 ميلادية في عدد من محاضراته إلى هذا الأمر، كما أن السيد حسين نصر تابعه على ذلك) لاحظ الطبعة الثانية للترجمة الإنجليزية ص 69.

هذا التعبير من هنري كوربان إن صدق على بعض الغُلاة ثم الإسماعيلية، فانه لا يصدق على الشيعة الإثني عشرية في الطابع العام.

(8ـ6) يذهب هاينس هالم إلى أن آية الله البروجردي (أعلى الله مقامه) كان تلميذاً وخليفة لآية الله الشيخ عبد الكريم الحائري 1. لاحظ ص 113 من الطبعة الثانية للترجمة الإنجليزية، سطر 9.

وهذا خطأ فظيع، لأن السيد البروجردي لم يحضر أبحاث الشيخ الحائري، ولم يكن خليفة له، بل الواقع أن ثلاثة من العلماء البارزين (الخوانساري، والصدر والسيد محمد الحجّة) قاموا بإدارة الحوزة العلمية في قم بعد وفاة الشيخ الحائري.


* هوامش البحث *

(1) تجد تفصيل ذلك في سلسلة سبك النقود 53: 145، 146.

(2) تحدّثت زابيه شميتكه في رسالتها للدكتوراه التي أجيزت من جامعة اكسفورد بعنوان (المنهج الكلامي للعلامة الحلّي) عن الصلة الوثيقة بين الجايتو والعلامة الحلي والأمور التي دعته إلى اعتناق التشيع.

(3) أنظر: محمد باقر الخوانساري في (روضات الجنات) ج2/281.

(4) لدراسة موسعة انظر: جاسم حسن شبر في مؤلفه عن (مؤسس الدولة المشعشعية).

(5) تكفل كتاب (أمل الآمل في تراجم علماء جبل عامل) بترجمة ضافية عن هؤلاء العلماء.

(6) العماري في (الامارة العيونية) نشر مكتبة التوبة، الرياض.

(7) ديوان أبي فراس الحمداني ص204.

(8) راجع: تاريخ الطبري ج 3/ 297ـ 302.العقد الفريد لابن عبد ربه ج 3/76. الإمامة والسياسة لابن قتيبة ص 26.


***

---------------------------------------------

(*) عميد الجامعة العالمية للعلوم الإسلامية في لندن وأستاذ الفقه وأصوله في الكلية الإسلامية بلندن.