البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

القراءة الإحصائيّة للدِّين أو العقل الإحصائي الدِّيني

الباحث :  الشيخ حيدر حبَّ الله
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  22
السنة :  السنة السادسة صيف 1422 هجـ 2001 م
تاريخ إضافة البحث :  February / 8 / 2015
عدد زيارات البحث :  1167

القراءة الإحصائيّة للدِّين أو العقل الإحصائي الدِّيني

الشيخ حيدر حبَّ الله (*)

تمهيـد
يعدُّ علم الإحصاء (statistics) ، اليوم، من أهم العلوم التي تتوقَّف عليها التَّنمية السِّياسية والاقتصادية والثَّقافيَّة إلخ...، وللإحصاء حصَّة أساسيَّة من عمل الدُّول والمؤسَّسات والمنظَّمات السِّياسية والاقتصادية والاجتماعية، عالميّاً ودوليَّاً ومحلِّيَّاً، وكثيراً ما يرتهن مصير مشاريع أو قرارات كبرى بالنتائج التي يقدّمها الإحصاء في مجال معيَّن.
وبصورةٍ عامَّةٍ، فإن افتقاد الجهد الإحصائي، في مجالٍ من المجالات، يمنع من التأكُّد وتحصيل الضَّمان في استجابة أي مشروعٍ للواقع، كما يحول دون تحديد مدى نجاحه أو إخفاقه، ويجعل في الإقدام عليه شيئاً من المخاطرة.
وأمام هذا الحجم الكبير من التأثيرات التي يؤدّيها هذا العلم في حياتنا المعاصرة يطرح السؤال الآتي نفسه: هل يمكن توظيف هذا العلم ومنجزاته في خدمة الدِّين والتديُّن والمعرفة الدِّينية على غرار التوظيف الذي حصل له في المجالين: السياسي والاقتصادي، أو أن الدِّين لا يتقاطع مع هذا العلم لا من قريبٍ ولا من بعيد؟ وكما تمّ توظيف جملة من العلوم الطبيعية، سيما الطب والفيزياء، في تقديم نتائج تصلح سنداً بشكل أو بآخر للدِّين، أو على الأقل للمعرفة الدينية، واستخدمها العلماء المؤمنون كثيراً في تثبيتهم للأفكار الدينية في القرن الأخير، أو في تفسيرهم لها، بقطع النظر عن مدى التَّوفيق في ذلك.. هل يمكن، على النَّسق نفسه، كسب
________________________________________
(*)أحد علماء الدِّين العالمين في مجال البحث و التًّحقيق،من لبنان

[الصفحة - 133]


الفائدة من علم الإحصاء في تحصيل نتائج معيَّنة تصب في هذا الإطار أيضاً ليتشكل عندنا علم الإحصاء الديني، لا بالمعنى السلبي لأسلمة هذا العلم، بل بمعنى فتح مجالٍ جديدٍ له هو الدِّين؟
وإذا كان الجواب عمّا تقدم إيجابياً، فما هي مواطن هذا التَّوظيف والاستخدام؟ وكيف يجب أن يتم التلاقي؟ وما هي طبيعة هذه العلاقة؟
إن ما تسعى هذه السطور إلى تحقيقه هو تقديم تصوّر أوَّلي، أو مسودّة عملٍ، لوجهة نظر، أو لمشروع يقوم على الإيمان بإمكانية هذا التَّوظيف بل وضرورته، وهي بالتالي لن تدخل في التفاصيل الواسعة للمسألة، وإنما ستبذل جهدها لتقديم صورةٍ أوَّليةٍ ـ مادَّةً للبحث والمطالعة ـ بغية توصُّل الباحثين الكفوئين إلى نتيجة مرضية في هذا المجال.
علم الإحصاء
جاء في موسوعة لالاند حول الإحصاء: «جوهريَّاً يُقصد بالإحصاء، كما يدلُّ على ذلك علم الاشتقاق، مجموعة الوقائع التي يؤدِّي إليها اجتماع البشر في مجتمعات سياسية... لكن الكلمة عندنا سترتدي مفهوماً أوسع، فنحن نعني بالإحصاء العلم الذي يكون موضوعه جمع وتنسيق وقائع كثيرة في كل صنف، بحيث يمكن الحصول على نسبٍ عدديةٍ مستقلَّةٍ استقلالًا ملموساً عن المصادفة واستثناءاتها، ودالَّة على وجود العلل المنتظمة التي اندغم فعلها بوجود العلل الفجائية» (1).
وفي موسوعة المورد العربية جاء: «علم جمع وتصنيف وتعليل الوقائع أو المعطيات الرقمية أو العدديَّة، يُتَّخذ طريقةً للتحليل في العلوم الدقيقة والعلوم الاجتماعية وفي المشروعات الاقتصادية على اختلافها. وهو يُعنى، في آنٍ معاً، بوصف الوقائع وبالتنبُّؤ باحتمالات حدوث أمر بعينه أو حالة بعينها. وعلم الإحصاء علم حديث نشأ في مطالع القرن العشرين، وتطوّر تطوّراً كبيراً بعد الحرب العالمية الثانية، وإنما يُعزى هذا التطوّر الكبير إلى استحداث الحاسبات الالكترونية التي تتعامل مع كمِّيات من الأرقام ضخمة تعاملًا سريعاً...» (2).
________________________________________
(1)أندريه لالاند، موسوعة لالاند الفلسفية، بيروت وباريس، دار عويدات، الطبعة الأولى ـ 1996م، ج3، ص 1335 و1336.
(2)منير البعلبكي، موسوعة المورد العربية، بيروت: دار العلم للملايين، الطبعة الأولى ـ 1990م، ج1، ص 50.

[الصفحة - 134]


يفيد تعريف علم الإحصاء أنه منهج يتعاطى بالدَّرجة الأولى مع ظواهر رقميَّة وعدديَّة معيَّنة، ثم يقوم بتصنيفها وتحويلها إلى نسب عددية خاصة، فيستطيع بالتالي تقديم وصفٍ ميدانيٍّ مرقَّمٍ وأكثر دقَّة للواقع، ويرفق ذلك الوصف بتقديم تصوّر علمي للعلل والأسباب التي ولّدت الظاهرة المدروسة.
وينقسم علم الإحصاء إلى قسمين:
الأوّل: الإحصاء الوصفي (Descriptive Statistics) ، وهو الذي يقوم على جَدْوَلة المعطيات وتصنيفها وتنسيقها، وعرضها بشكلٍ بيانيٍّ يساعد على وصف الميِّزات والخصائص. فمثلًا إذا أحصينا ظاهرة المدخِّنين، فإن الجهد الوصفي يحاول فرز المعلومات الصغيرة التي قام بها جهاز الإحصاء على الأرض واختزالها وعرضها ببيانٍ يشير إلى أنه في سنة كذا كان معدل المدخِّنين هو كذا، وبعده بسنةٍ كان كذلك، وهكذا...
الثَّاني: الإحصاء الاستدلالي التحليلي (Inferential statistics) ، وهو إحصاء يعتمد على تحليل المعطيات وتفسيرها ودراسة أسبابها ومناقشتها وتأثيراتها والعوامل المؤثرة فيها سلباً أو إيجاباً (3)، وبالتالي فهذا الإحصاء ـ كما يقول الدكتور عبد الرحمن عيسوي ـ يسمح للباحث بإصدار أحكام أو التَّنبُّؤ أو ما شابه ذلك (4). كما «تساعد الطرق الإحصائية في معرفة أثر كل عامل من العوامل المختلفة على السلوك (أو غيره) والتحكُّم في هذه العوامل وضبطها» (5).
ويساعد الإحصاء على تنظيم المعلومات المبعثرة والمكدّسة التي تكون إمَّا بلا فائدة «أو خطرة أحياناً»، فهو يمنحنا رؤيةً أكثر وضوحاً وأكثر ترتيباً للأشياء (6)، بل يسهم أيضاً في تحديد درجة الثِّقة التي نوليها لما حصلنا عليه من نتائج، ويحدد لنا مدى التعميم والشمول (7).
لقد أصبح الإحصاء من العلوم الأساسية والضَّرورية التي يدرسها طالب علم النفس في جامعات العالم جميعها، والمعروف أن الإحصاء لا يفيد في الدراسات النفسية وحسب، ولكنه أيضاً أداة مفيدة جدَّاً في العلوم الاجتماعية والانتربولوجية والاقتصادية وعلوم الحياة والعلوم الزراعية وجميع الدِّراسات التي تعتمد على العيِّنات (8).
________________________________________
(3)م.ن. وراجع: عبد الرحمن عيسوي، الإحصاء السيكولوجي التطبيقي، بيروت، دار النهضة العربية، 1989م، ص5 و6.
(4)الإحصاء السيكولوجي التطبيقي، مصدر سابق.
(5)م.ن.
(6)راجع: م.ن، ص 9.
(7)م.ن.
(8)م.ن، ص 6.

[الصفحة - 135]


ومن هنا كان المنطق الإحصائي والتفكير الإحصائي والعمليات الإحصائية والاستدلال الإحصائي جميعها ـ كما يقول عيسوي ـ (9)من سمات الأخصَّائي الناجح.
إن قدرة الإحصاء على تقديم وصفٍ دقيقٍ للظواهر يمنحه القيمة الكبرى، فالوصف الدقيق الرياضي أكثر دقَّةً من الوصف اللفظي، والدقّة والموضوعية من صفات العلم الحديث (10)، فالعلماء يشعرون بأنهم على أرضٍ صلبةٍ عندما يستطيعون أن يعرضوا نتائجهم عرضاً كمِّياً (11).
ويمكننا فهم الإحصاء بصورة مختصرة كالآتي:
أوَّلًا: الإحصاء قادر على توصيف الظَّواهر توصيفاً رقمياً كميّاً دقيقاً وأكثر وضوحاً وقرباً من الواقع.
ثانياً: يستطيع الإحصاء أن يفسّر الظَّواهر، وأن يحدِّد مدى تأثير العوامل المفترضة، كما يمكنه التنبُّؤ بالمستقبل بالمعنى العلمي للكلمة.
ثالثاً: يعتمد الإحصاءُ المعادلاتَ الرياضية وحساب الاحتمالات، ويرتكز على أسسٍ علميةٍ رياضيةٍ مبرهنٍ عليها.
رابعاً: الإحصاء ـ كما في موسوعة لالاند (12)ـ ليس علماً، وإنما هو منهج وعقل وتفكير وآلية تأمُّل ونمط قراءة. فهو غير محدَّد بمادة علمية سوى بتلك التي تحتوي نظام العيِّنات.
خامساً: ترتكز عملية الإحصاء التحليلي على فرضيات متلقَّاة من علوم أُخرى تؤدِّي دوراً في تحديد التقييم، وهذه مسألة في غاية الأهمية سيما إذا أردنا تفعيل العمل الإحصائي في السَّاحة الدِّينية.
والمقصود، هنا، أن دراسة الإحصاء لظاهرة معيَّنة لا تسمح له منفرداً بأن يحكم إيجاباً أو سلباً على الواقع بمعزل عن التصوُّرات التي افترضها في نموذجيَّة هذا الواقع، وبالتالي فهذه التصوُّرات هي الحد/ الميزان الأساس في الحكم بأن المؤشر الإحصائي يتَّخذ جانباً إيجابياً أو سلبياً في نتائجه.
________________________________________
(9)م.ن.
(10)م.ن.
(11)م.ن، ص 11.
(12)موسوعة لالاند، مصدر سابق، ص 1336.

[الصفحة - 136]


فمثلًا، إذا أردنا إحصاء معدّل الذَّكاء لدى مجموعة من التلاميذ، فمن الطَّبيعي أن تكون الأسئلة التي نطرحها عليهم، مثلًا، ذات صلاحية للتَّدليل على هذا المعدّل بحسب سنّهم وعمرهم، وهذا معناه أننا فرغنا في المرحلة الأسبق من البرهنة على أن النموذجية في الذكاء تتكشّف من خلال مدى القدرة على الإجابة عن هذه الأسئلة وليس عن أي أسئلة أخرى. وهكذا الحال في الدِّين، فلا بدّ أوّلًا من وضع قاسم مشترك يقع مورداً لاتفاق المفكرين حول نموذجية اجتماعية معينة ليرشدنا الإحصاء إلى الوضع القائم وفقاً لهذه النموذجية. أما نمذجة بعض التصوّرات الشرقية أو الغربية، ثم إجراء إحصاءٍ على أساسها فهو أمر ـ على أهميته ـ لا يمكنه أن يجعل النتيجة التقييمية للإحصاء ملزمةً علمياً بصورة عامة أو غالبة. ومن هنا فعملية النمذجة تجب دراستها بهدوء أولًا كما يجب أن تعطى النتيجة الإحصائية قيمتها العملية على ضوء النموذجية المفترضة من دون تحميل أو فرض على النموذجيات الأخرى، وهو أمر نواجهه في الخلاف الإسلامي الغربي حول موضوعة حقوق الإنسان، وهو خلاف سيبقى اجتراراً وترفاً ما لم يجر النقاش في البنى القبلية الفلسفية للتصوُّر المفترض حول الإنسان بوصفه ظاهرةً.
التَّوظيف الإحصائي في مجال الدِّين
بعد أن تعرّفنا بصورةٍ موجزةٍ إلى علم الإحصاء ونمط التفكير الإحصائي، من الضَّروري أن نحاول تلمُّس المواقع الدِّينية التي يمكن للعقل الإحصائي أن ينفذ إليها، ووضع اليد على أماكن توظيف مثل هذا العقل في المجال الدِّيني، وهو ما سنتعرّض له ضمن محاور ونماذج مختصرة ومشيرة.
نظرة تاريخيَّة للتَّوظيف الإحصائي دينيَّاً
ليس هناك ما يرشد إلى توظيفٍ إحصائي، في الدَّائرة الدينية، سوى مجموعة متفرِّقة من الكتابات التي ظهرت في القرن الأخير، وحاولت أن تثبت مقولات أخلاقية أو حقوقية إسلامية من خلال الاستعانة بالإحصاءات التي تدل على مدى المخاطر التي تحدث نتيجة الابتعاد عن هذه التعاليم الدينية، من قبيل ما يرتبط بالزِّنا واللواط وشرب الخمرة و...، وهي إحصائيات تم إجراؤها من قبل الآخرين
________________________________________

[الصفحة - 137]


لأهداف أخرى قد لا يكون لها ارتباط قوي ودائم بالهدف الذي نتوخَّاه نحن من إحصاءٍ من هذا القبيل.
وهذا النَّوع من الكتابات والتوظيفات، على أهميَّته وضرورة مواصلته، يعاني من مجموعة مشكلات أهمّها:
1 ـ إنحصاره في الدَّائرة الجدليَّة، لأن الهدف منه هو تبكيت الخصم وإيطال تصوّراته، فإننا نريد أن نثبت له مضرّات عدم تجنُّب الخمرة، والمنطق الجدلي ـ بهذا المعنى للكلمة ـ لا يمكن أن نبني عليه مشروعاً بقدر ما نهدف من خلاله إلى نقد مشروع آخر، ونحن اليوم بحاجةٍ ماسّةٍ إلى مشاريع تأسيسية يمكن وضع بناء عليها، لا إلغائية فقط تهدف إلى إبطال رؤى الآخرين وتجنّبها. وهذه الملاحظة لا تعني إفراغ هذا الجهد من قيمته، وإنما تعني إكماله ليتحوَّل إلى مشروع تأصيلٍ وبناء.
2 ـ إن الإحصاءات التي تمّ الاعتماد عليها ترصد، في الغالب، المجتمع الغربي، كإحصاءات معدّلات الجريمة أو الزنا أو... ونادراً ما يكون اهتمامها منصبَّاً على المجتمع الإسلامي الذي نتوخّى ـ كما سنلاحظ ـ التعرّف على معادلةٍ معيَّنةٍ فيه، من دون تهميش دور المعلومات التي يقدّمها لنا الإحصاء عن المجتمعات الأخرى، فالخطوة كانت ناقصة وبحاجةٍ إلى إكمال.
3 ـ إن مجموعةً من هذه الإحصاءات غير نافعة وحدها حتى في الرَّد على الآخر، فكون 86% من فتيات الجامعات أو المدارس في سويسرا أو أمريكا أو... يضعن في حقائبهنّ أقراصاً لمنع الحمل مثلًا أو... لا ينفع في الرَّد على الآخر، لأن الآخر يعدّ ذلك علامةً صحِّيةً وحالةً غير مَرَضية، بل على العكس يرى أن عكس ذلك هو المَرَضية عينها، ومجرّد تقديم معلوماتٍ من هذا القبيل لا يفيد شيئاً على هذا الافتراض سوى في تحريك مشاعر الإنسان الشرقي الذي له طبيعة خاصة في هذه الأمور.
4 ـ إنّ مجموعةً لا بأس بها من هذه الكتابات قدّمت عرضاً لإحصاءات كثيرة من دون أن توثِّقها، أو أنها وثَّقتها بمصادر صحفية من الدرجة الثانية لا تملك دائماً القيمة العلمية والاعتبار لتمنحها بالتالي الحجِّية والدَّلالة. ومراجعة بعض ما كتب في هذا الصدد من قبل بعض العلماء والباحثين المصريين أو الإيرانيين أو الباكستانيين أو
________________________________________

[الصفحة - 138]


الهنود يؤكّد ذلك، وهذه مشكلة جادّة تنسف أحياناً كل القيمة التي تكتسبها النتيجة النهائية المطلوبة من وراء الاستعانة بمثل هذه الإحصاءات. ومن هنا فهي بحاجة إلى اعتماد مصادر موثوقة عالمياً ودولياً ومحلياً ومن أكثر الطرق قرباً ومباشرةً، وهو أمرٌ صار اليوم متوفراً بصورةٍ كبيرةٍ جداً.
إضافةً إلى غير ذلك من الأخطاء والنواقص التي ستظهر للقارىء خلال تقديم الاقتراح الآتي، من دون أن نلغي قيمة هذه الجهود جميعها إطلاقاً.
ولا يفوتنا التذكير بأن هناك جهوداً في هذا الإطار غير ما تقدَّم أبرزها ما قدّمه الشهيد السَّيِّد محمد باقر الصدر كما سنلاحظ. ومن هنا فلا ندّعي أن الجهد الإحصائي ليس له وجودٌ في الدَّائرة الدِّينية أصلًا، وإنما نريد أن نتحدّث عن أنّ كثيراً من هذه الجهود كانت ناقصةً، والأهم أنها لم تتحوّل إلى ثقافةٍ معيشةٍ وعقلٍ حاكمٍ، ومن هنا اعتُمدت الألفاظ في الفكر الديني شرحاً للمفاهيم لا الأرقام.
وعلى أي حال، وبالعودة إلى صلب الموضوع، يمكن توظيف الآليَّة الإحصائيَّة دينيَّاً ضمن محورين هما: المحور النَّظري المعرفي والمحور الميداني.
أولًا: المحور النَّظري المعرفي
ونقصد بهذا المحور التَّوظيفات التي يجري استخدام الجهد الإحصائي فيها بهدف التوصُّل إلى معارف دينية، أو إثبات أفكار دينية، أو منسوبة إلى الدين، أو نفيها.
والذي يبدو أن أبرز ـ ولعلّه أوَّل ـ مفكِّر قام بهذه الخطوة، أو نظّر لها، هو الشهيد محمد باقر الصدر في منهجه الاستقرائي المعرفي الذي وظّفه في علم الأصول والفقه والكلام والرجال والحديث و... فقد استخدم هذا المفكّر الدِّراسات الإحصائية وبُناها الفلسفية والرياضية في تأسيس تصوُّرات ومناهج على صعيد العلوم الدِّينية، ونجح بالتالي في تقديم بنية معرفية جديدة ومتميِّزة في النطاق الديني. والمقام هنا ليس مقام الحديث عن فكر الشَّهيد الصَّدر إلا أنه يمكن تقديم موجزٍ سريعٍ لبعض النماذج مما قدّمه الشَّهيد، أو لم يقدّمه على هذا المستوى النظري، وأبرزها:
________________________________________

[الصفحة - 139]


الأنموذج الأوّل: ما قدّمه الشَّهيد الصَّدر في مجال الفلسفة والكلام في ما يتعلّق بمسألة إثبات الباري تعالى، إذ استبدل «قده» القبليات العقلية التي جرى عليها الفلاسفة والمتكلّمون مستبعداً مقولات المحرّك الأوّل والإمكان والوجوب والحاجة والفقر والوجود والتواطؤ والتشكيك و... واستبدل ذلك بنهج استقرائي، فقام بملاحقة ظواهر كونية عديدة لاحظ من خلال حجم الاحتمال الذي تتطلَّبه كل جزيئة لتجتمع على هذا الشكل المنتظم جداً مع ملايين الجزيئات الأخرى، لاحظ أن الفرضية الوحيدة التي يمكنها أن تفسّر هذا الاجتماع والانسجام هي فرضية وجود الخالق الحكيم تعالى، وأن أي فرضية أخرى من قبيل المصادفة أو غيرها غير محتملة رياضيَّاً، لأن احتمال حصولها على هذا النحو يساوي الواحد من المليارات الكثيرة جدَّاً، وهو احتمالٌ منعدم ذهنياً وفق المنطق الذاتي للمعرفة ومنطق الاكتشاف العلمي (13).
وتتبُّعُ الشَّهيد لمفردات الظَّواهر الكونيَّة من معطيات العلوم الطبيعية ما هو إلَّا عملية إحصاء توصيفي، أعقبه الشهيد وفق بناه الفلسفية بإحصاء استدلالي نجم عنه إثبات الصانع تعالى.
الأنموذج الثَّاني: ما أشار له السيِّد الصَّدر أيضاً في كتاب المعالم (14)وطبَّقه في كتاب اقتصادنا (15)من تجميع جميع النصوص والأحكام التي تلتقي في محورٍ واحدٍ بمدلولها المطابقي أو الالتزامي أو التضمني، وبتكاثر القرائن الاحتمالية على المركز يصل الباحث إلى اليقين ضمن شروط منطقيَّة ورياضيَّة خاصَّة.
والمثال الذي استخدمه الصَّدر في كتاب «اقتصادنا» يتلخَّص في ملاحظة مجموعة أحكام متفرِّقة ومتباينة المورد تحكم بسببيَّة العمل للملكية كصيد الطيور والأسماك والعمل في إحياء الأرض والمعدن و... فاستحصل نتيجة هذا التجميع والإحصاء لعيّناتٍ موزعةٍ وكثيرةٍ نتيجةً كبرويَّةً مفادها «العمل أساس الملكية»، وهذا نهج لو جرى توسعة تطبيقه لأحدث ما يشبه الثورة الفقهية، ولأصّل الكثير من مقاصد الشريعة وأهدافها العامّة.
الأنموذج الثَّالث: أن نعمد إلى تتبُّع نصوص اتجاهٍ معين عند الرُّواة وإحصائها،
________________________________________
(13)محمد باقر الصدر، الأسس المنطقية للاستقراء، ضمن المجموعة الكاملة لمؤلفاته، ج1، بيروت: دار التعارف للمطبوعات، ص 403 ـ 413، وأوضحه مبسَّطاً في «المرسل، الرسول، الرسالة». راجع: الفتاوى الواضحة، بيروت: دار التعارف للمطبوعات، الطبعة السابعة، ص 26 ـ 30.
(14)المعالم، 170 ـ 171 ضمن المجموعة الكاملة، ج3.
(15)محمد باقر الصدر، إقتصادنا، 533 ـ 537.

[الصفحة - 140]


مثلًا لنلاحظ تميُّز هذه النصوص بخاصية غير موجودة لدى الرُّواة الذين لا ينتمون إلى هذا الاتجاه، وهذا عمل إحصائي في حد ذاته يجري في المرحلة التالية تحليله، ووفقاً لذلك قد نستطيع اتخاذ موقفٍ ما من هؤلاء الرُّواة أو من ذاك الصنف من الرِّوايات، إيجابياً كان الموقف أم سلبيَّاً. وهكذا إحصاء نصوص الواقفية، الفطحية، الباطنية، الغلاة، المفوّضة، الإمامية، الحشوية، أهل السنة، الرُّواة المعروفون بولائهم للسلطة الحاكمة، أو المعروفون بمعارضتهم الشديدة لها سيما المشاركين في عملٍ مسلّحٍ ضدها... نصوص الرواة العرب وغير العرب أو رواة المدينة والعراق ومصر... فإن هذه الإحصاءات وتحليلها تنفع في الحكم على جملة من رواياتهم سيما تلك التي تتعلّق بقضايا تمس توجُّهاتهم الفكرية والعقديَّة، أو تمس قومياتهم وأعراقهم ولغاتهم وأعيادهم وعاداتهم وتقاليدهم، كنصوص تقسيم أنهار الدنيا إلى أنهار جنَّةٍ وأنهار نار في مثالٍ بسيط، أو نصوص لغة أهل الجنَّة وأهل النار، أو بعض أنواع الأطعمة المعروفة في بلدان محددة، إلى غيرها من الأمثلة الكثيرة التي من بينها النُّصوص التي تذم بعض عادات الفرس وتمدح بعض عادات العرب، وبالعكس، أو ما ورد في ذم بعض الأقوام... فإن التأمُّل في رواة هذه النصوص قد يوحي للباحث بشيء من القرينة والاستشهاد.
وهكذا إجراء فرزٍ للنُّصوص التي رواها كبار العلماء من الرُّواة أو صغارهم أو الرُّواة العاديين يمكنه أن يساعدنا في مسألة تحديد الخطاب والأسلوب لنجد درجة تدخُّل الرَّاوي في نقل الرِّواية، ودقَّته من حيث اللفظ والمعنى، فإنه كلّما كان أكثر تخصُّصاً في ما ينقله كانت درجة ابتعاده عما يرويه أبعد طبيعةً. وهناك ما يشبه هذه الخطوة ـ مع الفارق الطبيعي ـ في النص القرآني، فقد أحصى العلماء والمفسِّرون الآيات والسور المكية والمدنية وقاموا بتحليل ما يميِّز بينها، وخرجوا من ذلك بالكثير من المعطيات المفيدة. وهكذا أيضاً عمليات الإحصاء الزمني للنصوص عن المعصومين (عليهم السلام)قد تفيد في قراءة طبيعة ردود الفعل المختلفة في الظروف الزمنية المختلفة. فمثلًا إذا أخذنا عيِّنةً وقمنا بإحصاء زمني لما ورد فيها من نصوص بحيث فرزنا نصوص كل معصوم، أو كل حقبة على حدة، فقد نعثر على بعض المعطيات، وفي أنموذجٍ حاصلٍ فعلًا فكرةُ خمس أرباحِ المكاسب التي ذهب بعض الفقهاء
________________________________________

[الصفحة - 141]


الشيعة إلى أن نصوصها ظهرت في زمن الصادقين (عليهما السلام)، فقد تسبّبت هذه الفكرة في فتح الباب أمام الكثير من التَّحليلات التي أوصلت بعض الفقهاء إلى تأسيس مبانٍ أصوليَّة وفقهيَّة لتفسيرها. ومن هذا القبيل ترقُّب النصوص التي سبقت حادثةً تاريخيَّةً معينةً وتلتها، كتحوّلٍ سياسي أو ظهور فرقةٍ مذهبية أو سياسيّة جديدة، وهكذا...
وفي هذا الإطار تدخل مسألة إحصاء النصوص الطويلة وفرزها عن النصوص القصيرة ودراسة الميِّزات، أو تتبُّع النصوص الشفويَّة وفرزها عن المكاتبات وتحليل الخصائص.
مثل هذه النماذج وغيرها الكثير مجالات واسعةٌ لعمل الإحصاء ونظرية الاحتمال، وأرضيَّةٌ مناسبةٌ لبروز أفكار صغيرة جديدة ومتفرقة، وهي نافعة ـ إذا جرى تنسيقها ـ في أحكام وحالات عديدة.
وليست النتيجة المتوخَّاة من وراء ذلك كلّه هي تصحيح نصٍّ أو رفضه فحسب، بل حتى تبيُّن ميِّزات أخرى متعلِّقة بالأحكام الأولية والثانوية وبالأحكام ذات الديمومة أو المرحلية وغير ذلك الكثير على صعيد الفقه، ولعل ما هو على الصَّعيد غير الفقهي أكثر.
الأنموذج الرَّابع: ما يتعلَّق بتحليل الخطاب، فإن الباحث، إذا أراد قراءة شخصية كاتبٍ ما أو استشراف فكره مثلًا، يمكنه أن يرجع إلى الكتاب الذي ألّفه ويقوم بإجراء عَمَلٍ إحصائي، فمثلًا إذا لاحظ وجود عدد كبير ومميز من كلمة الحب فإن هذا يمنح الباحث تصوُّراً عن عقلية الكاتب، وإذا وجد كلمة المعنويات كثيراً فإن ذلك يضيف عنده معطى جديداً وهكذا، وطبعاً فهذه طريقة لها ضوابطها، لكنها بالتأكيد ـ وبدعمٍ من الدِّراسات النفسية ـ تستطيع أن ترشد القارىء إلى طبيعة تفكير الكاتب بما لا مجال للإطالة فيه هنا.
هذه الطريقة يمكن تطبيقها على النص الديني، وأخص بالذكر هنا القرآن الكريم، إن إحصاء كلمات مثل القتال، المحبة، السلام، المغفرة، القوّة، الرحمة، الأوامر، وصيغ النواهي، المؤمنين، الكافرين، العفو، الصدق، الويل، النبي، الإيمان، الإسلام، بني إسرائيل، الجنة، والنار، القيامة... وإجراء
________________________________________

[الصفحة - 142]


مقايسات يمكنه أن يرشد إلى معطيات كثيرة جداً في تحديد البنى المفاهيمية التي طرحها القرآن الكريم.
فمثلًا إحصاء آيات القيامة والآخرة، بما يزيد على الألفي آية أو يقرب منها، يمكن تحليله ومعرفة حجم الدور الذي تلعبه فكرة الآخرة في الدين الإسلامي، وكذلك إحصاء الآيات المتحدِّثة عن الجهاد والقتال والنفر... يمكنه أن يرشد إلى موقعية هذه الفريضة ومقدار أهميتها عند المولى سبحانه وتعالى، وهكذا تجميع الآيات التي وردت فيها تعابير المحبة والسلام والرحمة والرأفة والمغفرة واللطف و... يمكنه أن يقدّم بتحليله رؤى عديدة حول هذه العناوين عقديّاً وحقوقياً، وهكذا إحصاء الكلمات المتحدثة عن الصدقة والزكاة والإنفاق ونحوها من شأنه أن يدلِّل على الموقعية التي تحتلها هذه المفاهيم في المنظومة الأخلاقية والحقوقية الإسلامية...
وتؤدِّي هذه الطريقة دوراً مهماً في تحديد السلَّم الرتبي للمفاهيم والأحكام كما أشار إليه بعض الأصوليين (16)، فإن كثرة نصوص فكرةٍ معينةٍ أو حكمٍ معينٍ يمكنها أن تدلِّل على مقدار الأهمية، وبالتالي على كيفية تقديم أحدهما على الآخر في موارد التزاحم ورسم الأولويَّات.
إلَّا أن هذه الطريقة يجب أن تستبعد الاحتمالات الأخرى في تفسير سبب الكثرة الكمية، فلعل الظرف الزماني قد فرض أحياناً شيئاً من هذا القبيل، وهو أمر أكثر ما يكون في عالم الرِّوايات، كما بيّن ذلك الشَّهيد الصَّدر في مباحثه الأصولية (17).
إلى غير ذلك من النماذج العديدة التي نعرض عنها طلباً للاختصار.
ثانياً: المحور الميداني العملي
ونقصد بهذا المحور المجال الميداني للدِّين. وسوف نحاول أن نبحث هذا المحور ضمن مسألتين نتعرض في إحداهما للتأثيرات الميدانية للدَّين فيما نحاول في الأخرى أن نقرأ المؤسسة الدينية على ضوء التفكير الإحصائي.
________________________________________
(16)السيد محمود الهاشمي، بحوث في علم الأصول، تقريرات بحث الشهيد الصدر، ج7.
(17)م.ن.

[الصفحة - 143]


المسألة الأولى: القراءة الميدانيَّة للدِّين
فكرة دور الدِّين في حياة الإنسان كتب عنها الكثيرون من أبناء الديانات المختلفة، وحاولوا أن يؤكدوا، من خلال كتاباتهم وكلماتهم، أن للدِّين دوراً إيجابياً في الحياة البشرية، وأنه إذا ما طبّق فمن شأن ذلك أن تنعم البشرية في ظلّه بالرفاهية والاستقرار والرخاء، وقد استفيد هذا المعنى من بعض النصوص الدينية نفسها، كما في قوله تعالى: {وألّوِ استقاموا على الطَّريقة لأسقيناهم ماءاً غدقاً} {الجن/16}، {ولو أنّ أهل القرى آمنوا واتَّقوا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء والأرض...} {الأعراف/96}.
وقد أثارت هذه العلاقة بين التَّطبيق السليم للدين وبين تحقيق السعادة الإنسانية حفيظة جملة من العلماء والباحثين، فأخذوا يستطلعون طبيعة هذه العلاقة ويحاولون قراءتها فلسفياً عرفانياً نصِّياً، فالصَّدقة مثلًا كيف تدفع البلاء؟ هل هناك رابطة وحلقة وصل غيبية بين دفع المتصدّق للصدقة وبين اندفاع بلاء الاصطدام بحادث سير عنه، أو أن دفعه للصدقة يؤدِّي بحسب تسلسله الطبيعي المادي إلى تداعيات تفضي بدورها إلى انخفاض حجم الكوارث والمصائب في المجتمع فيندفع بالتالي البلاء عن هذا المتصدّق بوصفه أحد أفراد هذا المجتمع؟ الأمر الذي يترك أثره في تحويل مسار الخطابات الدِّينية من خطابات فردية إلى خطابات جمعية ومجتمعية.
وبعيداً عن الجدل في هذه المسألة ـ وهو جدل مطلوب ومنتج ـ فإن ما تشترك فيه كلتا الرؤيتان هو التأثير الواقعي للتطبيق الديني، أي أن تنفيذ تعاليم الدين، كلًّا أو بعضاً، من شأنه أن يؤدِّي من الناحية العملية والميدانية إلى انعكاساتٍ حقيقيّةٍ على حياة الإنسان فرداً ومجتمعاً على المستوى الدُّنيوي كما تلك الحاصلة على الصعيد الأخروي، وكما هي الانعكاسات السلبية الأخروية كالعذاب والبعد من الله تعالى بوصفها نتيجةً لمخالفة التعاليم الدينية، كذلك النتائج السلبية الدُّنيوية بوصفها معادلًا لهذه النتيجة في هذا العالم.
وهذه النَّظرية يفترض بها ـ بحسب السِّياق المتقدِّم ـ أن ترتكز على مجموعة مبانٍ ومرتكزات جرى الفراغ منها في علم الكلام، ومن أبرزها قانون تبعية الأحكام
________________________________________

[الصفحة - 144]


للمصالح والمفاسد في المتعلقات، وبعض نتائج بحث العقل العملي كقاعدة اللطف والأصلح وغيرهما مما ذهبت إليه العدلية من الشيعة والمعتزلة.
غير أن الطريقة الكلامية في إثبات معادلة السلب والإيجاب بين الإجراء العملي للدِّين وعدمه وبين النتائج الموضوعية المترتبة على ذلك هي على أقصى الحدود طريقة عقلية تعتمد المنطق الصّوري في إثبات الأمور، فتؤكّد المعادلة من دون أن تدلّنا على مفرداتها في الخارج؛ أي أنها تقف أمام القضايا الذهنية لتضعها في نسق الترتيب المنطقي المقرّر سلفاً، فتؤكّد الصغرى ـ ولو كانت بنفسها إطاراً كلياً ـ انطلاقاً من الكبرى فهي طريقة تنازلية لا تصاعدية، أما على المستوى العملي ـ أي في الواقع الفعلي ـ فهل أن الأحكام التي طُبِّقت بين المسلمين كان لها تطابق بحسب النتيجة مع تلك المعادلة الكبرى التي أسسها علم الكلام الإسلامي؟ هل أن ترك المسلمين لشرب الخمرة ـ بأي نسبة كان ـ قد حقَّق عملياً وميدانياً نتائج إيجابية ملحوظة أو أنه سبّب في تورطهم بسلبيات عديدة أخرى؟..
هذا النَّوع من القراءة للمصالح والمفاسد الناجمة عن إجراء الدين كعقيدة أو إيمان أو مفاهيم أو أخلاق أو عادات أو شريعة.. ـ لا فرق ـ ينطلق في التقييم من الأسفل ثم يصعد ليثبت النتيجة وليدلِّل بالأرقام لا بالعناوين على تلك الكبرى الكلامية وأمور أخرى أيضاً، وهو ما نسمِّيه القراءة الميدانية للدين، والتي يمكنها أن تلتقي والأطروحات الحديثة في علم النفس الديني أو علم الاجتماع الديني وتدعمها، لكن لا على طريقة تحليل النصوص كما فعل جملة من الباحثين وهو جهد مهمّ وضروري جدَّاً، وإنما على طريقة تحليل الواقع ـ من أفراد وجماعات ـ وقراءة تأثيرات الدين في هذا الواقع الإنساني، وهو أمر يعتمد بالدرجة الأولى على منهج العمل الإحصائي.
ولا بأس هنا بذكر نماذج موجزة لتقريب الفكرة إلى الأذهان.
العيِّنة الأولى: الظَّاهرة الرمضانية، فإن تتبُّع تأثيرات هذه الظاهرة نفسياً وروحياً وجسدياً يمكنه أن يقدّم لنا صورة ميدانية عن نتائجها، وفي مثالٍ بسيط نحن نرى أن الكثير جدَّاً من غير المتدينين، فضلًا عن المتدينين، يحاول ـ هيبةً من قداسة هذا
________________________________________

[الصفحة - 145]


الشهر الناشئة من بعده الديني ـ أن يبتعد قدر الإمكان عن الذنوب، فترى بعضهم يصلي فقط في شهر رمضان ويترك شرب الخمرة ويحاول الابتعاد عن السرقة ونحوها. هذه الظاهرة البسيطة إذا أخضعت لإحصاء يمكنه ـ ونحن هنا نستقرب لا نجزم، لأننا لم نخض التجربة كاملة ـ أن يؤكد لنا انخفاض معدَّلات الجريمة في المجتمع الإسلامي في هذا الشهر، وهكذا يمكن تبيُّن تأثير هذا الشهر في المجالين: النفسي والجسدي...
العيِّنة الثَّانية: ظاهرة الصَّدقة تدفع البلاء، المستمدة، بوصفها سلوكاً عامّاً، من النُّصوص الدِّينية، فإننا لو حسبنا الحالات التي يتصدّق فيها كل فرد مسلم كل سنة نتيجة تعرّضه لحادثٍ مؤلمٍ أو خوفاً من تعرّضه له، لربما جمعنا مليارات الدولارات سنوياً مما يصرف على الفقراء، وهذا من شأنه أن ينبئنا عن مدى الآثار الطيِّبة التي تحدثها قناعة من هذا القبيل على صغر حجمها، إلا أن توسعة الأفق من الجانب الفردي إلى النظرة الشاملة يرفع من شأن هذا المفهوم الدِّيني.
العيِّنة الثَّالثة: فكرة رعاية اليتيم النَّابعة في المجتمع الإسلامي من الدَّافع الدِّيني غالباً، فإن إحصاءات بسيطة عن تأثير هذا الدَّافع يمكنه أن يدلنا على مئات الآلاف من الأيتام ـ وربما الملايين على مستوى العالم الإسلامي ـ الذين ينعمون بدرجة أو بأخرى بالنعم المادية من خلال هذا الدافع، وأمر من هذا القبيل يمكن قراءة تداعياته النفسية والاجتماعية، فإن سدَّ حاجات اليتيم كلًّا أو بعضاً يؤدي إلى الوقاية من تولّد عناصر إجرامية ومكوّنات فاسدة وعدوانية في المجتمع...
العيِّنة الرَّابعة: صلة الأرحام التي تعود الكثير من جذورها ودوافعها ماضياً وحاضراً إلى أسباب دينية، فإن قراءةً إحصائيةً لتأثيراتها قد ترشدنا إلى حجم الكوارث الأسرية التي يتم تلافيها عبر هذا المفهوم. لا أقل على المستوى الاقتصادي، إذ تسهم هذه الألفة في سد العجز الاقتصادي نسبياً لعوائل كثيرة من خلال حس القرابة الحي، وتؤدِّي بالتالي إلى تفادي ظواهر شاذة في المجتمع نتيجة إقفال أبواب الخلاص المادي.
العيِّنة الخامسة: ظاهرة البكاء الدِّيني في أثناء قراءة القرآن أو الصَّلاة أو جوف
________________________________________

[الصفحة - 146]


الليل أو الدّعاء أو التوبة أو...، ويمكن تقديم قراءة إحصائية تلاحظ تأثيرات هذا البكاء على الفرد المتديِّن مرفقةً بدراسة نفسية علمية، ولعلنا نجد ـ كما قيل ـ أن الكثير من الاحتقان أو الإحباط أو الضغط النفسي أو الإرهاق العصبي أو القلق والاضطراب يمكن تنفيسه من خلال هذا البكاء...
وهكذا الحال في ثقافة التوبة والاستغفار وحدها من ظواهر اليأس والقنوط والإحباط والفشل والركود، سيما في ما يعدّه المجتمع أيضاً ذنباً كبيراً ينبذ صاحبه بسببه.
العيِّنة السَّادسة: المفاهيم الدينية في ما يتعلّق بالغنى والفقر، وهو ما يمكن قراءة تأثيراته ميدانياً لنجد مدى حدها من الفارق الطبقي ومن مفاهيم الاستغلال والاستعباد ومن أمراض التكبُّر والتعالي، وقد نعثر في هذا البناء المفهومي على السر في قدرة هذه المفاهيم المنتجة لمثل الخمس والزكاة والصَّدقات ورعاية الأيتام و... على الحد من إحساس الغربة لدى الطبقة الفقيرة وتهدئة ثورتها وإحباطها النفسي، وبالتالي تجنُّب مؤثرات اجتماعية ذات طابع ثوري على غرار ما حصل في روسيا القيصرية وبعض ما حصل في التاريخ الإسلامي... وهكذا الحال في فكرة الخمس والزكاة وإيجابياتها الضخمة مهما كان حجم السوء في التَّوزيع.
العيِّنة السَّابعة: ثقافة المحرّم الديني، والأعمال على قدر المشقَّة، ودراسة مدى تأثير ثقافة تجنُّب المحرّم المملوء باللذة والرخاء على الشَّخصية التي يتميز بها المؤمن، فقد نجد عناصر قوة الإرادة والصلابة والإصرار والجدّية والتحمّل والصبر والثبات في هذه الشَّخصية بصورة متميزة قد لا نجدها في الكثير من الشَّخصيات الأخرى.
العيِّنة الثامنة: فكرة احترام الوالدين وقداستهما المستمدَّة من الثقافة الدينية والرَّاسخة فيها، وقراءة دورها في الحدّ من مشكلات العجزة وكبار السن النفسية والعاطفية، إذ تدفع هذه المفاهيم إلى إيواء الوالدين والاستغناء عن دور العجزة، وهذا من شأنه أن يوفر الأمن والطمأنينة والاستقرار، فضلًا عن التلاحم الأسري...
العيِّنة التاسعة: الزواج المؤقَّت، ودراسته ميدانياً وإحصائياً مع تحليل نفسي
________________________________________

[الصفحة - 147]


واجتماعي، خصوصاً لو كان مقارناً بين مجتمعين محافظين سنّي وشيعي، وتحليل مدى الآثار التي يخلِّفها وجودُه وعدمُه في كلا المجتمعين، ومدى دوره في الحد من الفاحشة والإحساس بالذنب والصراع مع الذات وتنفيس الكبت الجنسي، وكذلك حل بعض المشكلات المستعصية لبعض الشرائح كشريحة النساء الأرامل والمطلَّقات من دون التورّط في الزنا الذي له آثاره الأخرى التي تستحق القراءة هي الأخرى.
العيِّنة العاشرة: نظام العقوبات ومفرداته، إذ يمكن دراسة تأثير العقوبات الإسلامية في الأماكن التي يجري تطبيقها فيها، ومحاولة مقارنة هذه النتائج مع ما تخلِّفه تطبيقات قوانين جزائية وجنائية وضعية أخرى.
العيِّنة الحادية عشرة: فكرة الحجاب بمعناها الواسع الشامل للستر واللمس وأنواعٍ من الاختلاط ونحو ذلك، وملاحظة مدى حدِّها من الانفجارات الغريزية أو العكس، ومثالًا على ذلك، فقد قرأ الدكتور علي الوردي في «مهزلة العقل البشري» (18)هذه الظاهرة وعدّها ـ بعد دراسة عيِّنات متكرّرة من رجال البحرية والجنود والمساجين ـ سبباً أساسياً لظهور حالات اللواط والشذوذ الجنسي.
العيِّنة الثانية عشرة: ثقافة الجنَّة والنار ودورها الميداني في الشعور بالأمل في استرداد الذات، وأساساً فكرة الثواب والعقاب هي من أهم الركائز في الفكر التربوي وعلم النَّفس، وقد قرأ علماء النفس التربوي هذه الفكرة وتأثيراتها ميدانياً على مستوى العائلة والمدرسة و...، ممَّا يمكن قراءته مجدّداً مع الأخذ بعين الاعتبار الاتجاه الديني.
العيِّنة الثَّالثة عشرة: الظاهرة الدينية نفسها وتأثيراتها العملية في الحد من نزاعات اللاإنتماء واللاتمذهب واللامبالاة والإفراغ الفكري وعدم تحسُّس العناصر الشابة للهم والمسؤولية وغيرها، مما قد يتحول إلى أمراض في الشخصية الاجتماعية...
العيِّنة الرَّابعة عشرة: دراسة ظاهرة الحج وتأثيراتها الميدانية سيما على الصعيدين النفسي والاقتصادي، فالحج مادة دسمة لدراسات من هذا القبيل..
العيِّنة الخامسة عشرة: ثقافة أن الميزان إنما هو العلم والتقوى لا الأبيض والأسود أو اللغة أو المال أو السلطة وقراءة تأثيرات هذه الثقافة على التآلف
________________________________________
(18)الدكتور علي الوردي، مهزلة العقل البشري، قم: انتشارات الشريف الرضي، الطبعة الأولى ـ 1997م، ص 15.

[الصفحة - 148]


والتواصل الإنسانيَّين، والحد من صراعات لُغوية أو عرقية أو لونية أو قومية أو وطنية بالمعنى السياسي الحديث لكلمة وطن، ويمكن هنا إجراء مقايسات بين التجربة الأميركية في ما يتعلق بالعنصر الأسود والتجربة الإسلامية الحالية.
العيِّنة السادسة عشرة: المفاهيم الإجتماعية الدينية كمفاهيم إلقاء السلام وردِّه، الابتسامة، مساعدة الكبير سنَّاً واحترامه، رعاية الصِّغار، إطعام الطعام، الضيافة، الصداقة، الكرم، الاجتماع في مجلس واحد، آداب الاستماع، التحادث في المجالس العامة حتى من دون معرفة مسبقة، ثقافة السؤال والجواب، تبادل الزيارات... وغيرها الكثير جداً، وهي خصال منتشرة إلى حدٍ جيدٍ في مجتمعاتنا الإسلامية، وإن كانت مهدَّدة بالخطر نتيجة الثقافة الغربية والوضع الاقتصادي والمعيشي. ويمكن دراسة تأثيرات هذه المفاهيم في الاستقرار الاجتماعي، رفع الغربة الاجتماعية، التآلف والتآزر، التكافل الاجتماعي، رفع الإحساس بالوحشة، التأثير على السلوك والشخصية وتقليل مظاهر النكوص والانطواء، تخفيف المعاناة الاقتصادية، رفع الكآبة وظاهرة الخوف و... وغيرها الكثير، وقد شهدت النصوص الكثيرة جدَّاً قرآنياً وروائياً بهذه المفاهيم وبالتفصيل.
إضافةً إلى غير ذلك من العيِّنات الكثيرة جداً التي لا مجال لذكرها، كفكرة الإيمان بالله تعالى نفسها، وأحكام اللقطة، وتعدُّد الزَّوجات، والتردُّد إلى المساجد والمناسبات الدينية وغيرها...
ولا بأس هنا من الإشارة إلى بعض الأمور الضَّرورية، وباختصار:
1 ـ إنّ عرض هذه العيِّنات لا يعني استباق النتائج والحديث عن نتائج إيجابية فحسب، فقد تكون هناك نتائج سلبية عديدة تجب دراستها حتى تكون الصورة أكثر وضوحاً.
2 ـ من الضَّروري أن يتوخَّى القائم بهذه المهمَّة جانب الحياد، فلا يعمل على التحيُّز لما فيه مصلحة المفاهيم الدِّينية التي يراها، بل يجب أن يكون موضوعياً وأن يطرح الأرقام والتحليلات بلغة علميّة واضحة وهادئة وشفافة من دون تعمية أو تغطية أو مواربة وبروحٍ مرنة.
________________________________________

[الصفحة - 149]


3 ـ لا تعني النتائج هنا أنها لا تتوفر في دينٍ آخر أو اتجاه فكري آخر دائماً، بل القضية مفتوحة لكلا الأمرين بحسب طبيعة المقارنة، وبالتالي فالنتيجة لا يمكن احتكارها.
4 ـ هذه الجهود يزداد نفعها بمواصلتها عبر الأيام وتكرار النتائج حتى يأتي الجيل اللاحق ليحلّل مادة ميدانية أكبر زماناً، وهذا ضروري أيضاً، فهذا مشروع مستمر وليس محدد، وهو ما تتطلَّبه طبيعة النتائج التي نتوخاها منه.
5 ـ هذه الخطوات تحتاج إلى عمل مؤسَّسي كبير جداً يستتبعه إنشاء بنوك معلومات ذات جهوزية دائمة، ولا يمكن لأفراد أن يقوموا به مكتملًا، لكن يمكن الاستفادة بقدر كبير من جهود المؤسسات العالمية والدولية وإحصاءاتها ودراساتها، ومن إحصاءات حكوميّة محلية وكذلك من مؤسسات خاصة ومستقلة. وسجلّ العمل الإحصائي حافل بالعمل والنشاط حتى على مستوى العالم الإسلامي. كما يقترح هنا أن تكون بعض الدراسات المطلوبة من المتخصصين في العلوم الدينية لتحصيل شهادة معينة هو أن يقوم بدراسة عيِّنة في مجتمع ما أو منطقة ما.
المسألة الثَّانية: القراءة الميدانيَّة للمؤسسة الدينية
لا نقصد بالمؤسَّسة الدِّينية هنا مؤسَّسة علماء الدين فحسب، وإنما كل جهد جماعي تقوم به مجموعة من الناس تكون الغاية منه تقديم خدمة للدين، ويكون على تماس مباشر مع الظاهرة الدينية، كالمرجعية الدينية، الحوزات والجامعات الدينية، مؤسسات وجماعات التبليغ والدعوة والتوجيه، مؤسسات نشر الفكر الديني، التنظيمات السياسية الدينية، الدولة الدينية.. أي كل شيء يمس الدين في واقعه من قبل جماعة وظَّفت أو تقول إنَّها وظَّفت نفسها للمصلحة الدينية. والشيء الذي يدفع إلى تفعيل دور الماكينة الإحصائية في دراسة مثل هذه الظواهر الدينية هو محاولة استشراف أكثر قرباً من الواقع لدور هذه الجماعات وتأثيراتها، وبالتالي امتلاك قدرةٍ أكبر على تحديد وضعها بدقَّةً، من حيث مشكلاتها وميزاتها من جهة، ومحاولة ترشيد هذه الجماعات والطاقات نحو خدمة أكبر للدين يتم فيها تفادي قدر أكبر من الأخطاء والمشكلات من جهةٍ أخرى.
________________________________________

[الصفحة - 150]


وعلى سبيل المثال، فإن حركة التبليغ الديني غالباً ما لا تقوم بتقييم نفسها ميدانياً ودورياً، فالتبليغ الديني في القارة الأفريقية، مثلًا، في الوسط الشيعي، ما هي النتائج التي قدَّمها ويقدّمها وبالأرقام؟ ما هي الآثار السلبية التي استتبعت النشاط التوجيهي هناك خلال العقدين الماضيين مثلًا؟ أساساً كم هو حجم النشاط الذي حصل من خلال أعداد المبلِّغين، أعداد المهتدين، تأسيس المؤسَّسات والمدارس والمعاهد والحوزات والمساجد الخ...؟، ما هو مستوى المبلِّغين الديني والعلمي، إطلاعهم على الأرض التي يعملون فيها، معرفتهم باللغات اللازمة؟ إن عدم وضع ملفَّات كاملة لمثل هذه الأمور وبشكلٍ دوريٍّ يعزِّز من أحكام التعميم الناتج عن قراءة شخصية أو ناقصة للواقع، سواء كان الحكم إيجابياً أم سلبياً، وما لم تكن هناك توثيقات إحصائية شاملة فلا يمكن الحكم على الواقع حكماً شاملًا كذلك.
وفي هذا الإطار، يمكن أن يوضع تصوّر أوّلي ومختصر لمشروع استكشافي للواقع الديني بهذا المعنى هنا، على الشكل الآتي:
1 ـ الحوزة العلميَّة: ومجالات الإحصاء والدِّراسة الميدانية التي تطول الحوزة العلمية كثيرة أبرزها:
أ ـ إحصاء أعداد العلماء والطَّلبة من المناطق والدول المختلفة، وإجراء مقايسة بينها وبين مدى الحاجة في تلك البلاد، فلربما نجد أنَّ بعض البلدان يوجد نقصٌ شديدٌ فيها وأنَّها بحاجةٍ إلى وجود علماء مستقرّين يتابعون الشأن الديني بمجالاته المختلفة، بينما نجد في أماكن أخرى حالة من الزيادة التي قد تسبِّب أحياناً حدوث مشكلات جوهرية وشكلية من خلال توظيف الطاقات العلمائية ضمن دائرة محدودة لا تستوعب هذا العدد كلّه، وهذا الإحصاء المدروس يساعد على إصدار أحكام واضحة في الحث على طلب العلم الديني وعلى القيام بأنشطة في هذا المجال، أو محاولة تجميد هذا التشجيع والتقليل من شأنه وهذه الأحكام تصدر، في غياب المعرفة الإحصائيَّة، بصورة تعميميَّة غير مستوعبة للواقع كله في أكثر الأحيان، والشواهد الخارجية على اختلاف المناطق أكثر من أن تحصى.
ب ـ إحصاء العلماء والطلَّاب العاملين في المجال السياسي وأولئك الخارجين
________________________________________

[الصفحة - 151]


مطلقاً عن هذا الإطار، وتحديد ذلك باستمرار لنعرف ما إذا كان هناك توجُّه نحو الهروب من العمل السياسي الحوزوي أو إقدام عليه؟ وهذا ما يجعل من خطواتنا في هذا الصدد أكثر دقة.
ج ـ إحصاء الطلَّاب والعلماء من خلال توجُّهاتهم الفكرية والثقافية وكذلك السياسية، وهو إحصاء مهمّ يرشدنا إلى تحديد أكثر وضوحاً للواقع الحوزوي، ويمكن هنا إجراء إحصاء بوساطة أخذ عيِّنات فكرية، سياسية، ثقافية، تربوية، اجتماعية.. لمعرفة مدى تفاعل الحوزويين معها ومستوى تعاطيهم الثقافي والسياسي و... من قبيل عيِّنات الحداثة، العولمة، الوحدة الإسلامية، الدولة الإسلامية، العنف، التعصُّب، المذهبية، تحديث المرجعية، إصلاح الحوزة، الحرية، القومية...
د ـ إحصاءات الحوزويِّين من حيث انفتاحهم على غير دوائرهم الخاصَّة كالسنّة والمسيحيين والمختلفين معهم في القومية... أو تواصلهم مع شبكات المعلوماتية كالكمبيوتر والانترنت والصحف والمجلات والراديو... ومدى اهتمامهم بهذه الأمور. ومن هذا القبيل إجراء إحصاءات على الطلَّاب والعلماء المنتسبين إلى الجامعات أو خريجيها وملاحظة النسبة سنوياً لنرى المؤشر إلى أين يتجه في ما يتعلّق بالانفتاح الحوزوي والتقارب الحوزوي الجامعي.
هـ ـ إحصاء النَّشاطات الفكرية والثقافية للحوزويين، كمؤسسات البحث والتحقيق والكتابة والترجمة والمؤسسات القضائية، وعدد الكتَّاب وأصحاب القلم، وعدد الشعراء والأدباء والفنِّيين.
إضافةً إلى غير ذلك من الموارد الكثيرة جداً، كإحصاءات التقليد التي تساعد على التبليغ الصحيح وتعرّف بالموقف الجماهيري الشيعي، وحتى إحصاءات تتعلق بالواقع وتستبق طرح أي مجتهد لمرجعيته الدينية حتى لا تحدث ردود فعل غير مدروسة سلفاً..
والجدير ذكره أن كبرى الحوزات العلمية الشيعية اليوم تقع في مدينة قم المقدسة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهذا أمر يوفِّر للحوزة الشيعية المجال الكبير والفرصة الذهبية لإنجاز مشاريع من هذا القبيل، سيما بعد التوجّه الإصلاحي
________________________________________

[الصفحة - 152]


الحوزوي الواضح لقائد الجمهورية الإسلامية السيد علي الخامنئي (حفظه الله تعالى) والتغطية المادية والمعنوية الكبيرة جداً من قبله، ما من شأنه أن يغذِّي ليس هذا البنك المعلوماتي حول الحوزة فقط بل كل هذا المشروع المتقدّم ذكره.
وفي تقديري فإن أي إصلاحٍ للحوزة العلمية يجب أن يرتكز ـ عمليَّاً ـ على قواعد معلوماتية إحصائية موثَّقة تكشف الواقع وتعالجه عن قرب أكثر، بدل الاقتصار على وضع حلول ضبابية عامة أو شبه عامة بعضها غير مطّلع بصورةٍ كافية، فبالإحصاء يمكننا أن نعرف النقاط الفارغة في الحوزات، ونركِّز النشاط عليها، مستخدمين أساليب التغيير غير المباشر والمثير.
2 ـ التَّبليغ ونشر الدعوة:
ويمكن هنا استخدام العمل الإحصائي ضمن مجالات أبرزها باختصار:
أ ـ إحصاءات يعرف منها أعداد المبلِّغين الثابتين وغير الثابتين في مختلف البلاد والمناطق، وبالتالي تحديد الأماكن التي لا يوجد فيها مبلّغ مستقر والتي يوجد فيها أكثر من مبلّغ.
ب ـ إجراء إحصاءات حول مدى تأثير كل مبلّغ في منطقته، أو تأثير مجموعة مبلِّغين في منطقة معيَّنة كالقارة الأوروبية، مثلًا، وتحديد مدى الفراغ الذي تمّ ملؤه، والإجابة عن أسئلة مثل: هل ردود الفعل الشَّعبية تعبِّر عن ارتياح أو لا مبالاة أو امتعاض؟ ما هي النقاط التي جذبت الجمهور لمبلّغٍ ما؟ ماذا تريد القاعدة من هذا المبلّغ في منطقتها؟ هل تريد بناء مسجد أو مدرسة أو حسينية أو مجمَّع ثقافي أو حوزة علمية أو مجمّع رياضي أو خدمات اجتماعية؟ وما هي الأولويَّات؟...
ج ـ إحصاءات عن الواقع الذي يُراد إرسال مبلّغ إليه، من قبيل المستوى الذهني للناس، توجهاتهم السياسية والمذهبية، مدى اطّلاعهم على الدين ومدى حضور ظاهرة التديُّن عندهم، عنصر الشباب وهمومه، الفراغ الديني بدءاً من أبسط المعاملات كالزواج والطَّلاق والوصيَّة والإرث وصلاة الميت والجماعة وقراءة الدعاء ومجالس العزاء الحسيني... إضافة إلى المهمَّات التبليغية الأصعب والأكثر تعقيداً، وضع المرأة والطفل في هذا المجتمع، أبرز المشكلات الأخلاقية كعدم صلة الأرحام
________________________________________

[الصفحة - 153]


أو الفحش أو السرقة أو..، تجاربهم مع مبلّغين سابقين، هل المشكلة في تعلّم الوضوء والصلاة... أو في الغيبة والنميمة، أو في خلافات سياسية وحزبية حادة، أو في ضعف المستوى العلمي والثقافي؟ مدى الحضور العلمي في وسطهم كالمدارس والجامعات ومراكز الأبحاث، حوزات علمية، أعداد خريجي المدارس والجامعات، ظاهرة الأمّية، المطالعة... وبإعداد تقرير شامل ودوري حول هذه الموضوعات وغيرها، سواء على مستوى قرية أو مدينة أم على مستوى دولة أو قارة يمكن أن يوضح الصورة، ويجري العمل على وضع الشخص المناسب في المكان والزمان المناسبين، كما يساعد ذلك على تحديد الأولويَّات بشكل ملفت، إضافةً إلى غير ذلك من النماذج.
3 ـ مؤسَّسات الفكر الديني
وهي المؤسَّسات المهتمة بالشأن الفكري والثقافي والبحثي كدوائر المعارف، ومراكز تحقيق التراث، ومراكز الأبحاث والدراسات، ومؤسسات النشر والترجمة، ومؤسَّسات المعلوماتيَّة ومواقع الانترنت، والمجلات والإصدارات والكتب... ويمكن هنا توظيف الإحصاء في ما يأتي:
أ ـ إحصاء مدى التجاوب الثقافي مع الخطاب الديني المتجلِّي في نتاجات هذه المؤسَّسات، مدى الرغبة والإقبال والتفاعل مع المجلات والإصدارات والكتب الدينية الصادرة يوماً بعد يوم، الملاحظات المشتركة عليها، مدى حضورها وترددها في الوسط الثقافي، مدى تأثيرها على الوعي العام، نقاط ضعف هذا الخطاب بالنسبة للشباب، مدى اهتماماتها بمشكلات العصر، إحصاء الإصدارات التَّخصُّصية سيما المجلَّات ومعرفة الفرع العلمي الذي يوجد فيه نقص على هذا الصَّعيد...
ب ـ إحصاء معدّلات الإنتاج، من حيث عدد الكتب الدينية والفكرية الصادرة سنوياً، المجلات، النَّشرات، الصحف ذات الخلفية الدينية، المؤتمرات والملتقيات والمنتديات الدينية ونشاطاتها، أعداد الكتب التراثية المحقَّقة سنوياً، أعداد الكتب المترجمة... وتقديم جداول إحصائية في كلِّ فرع من فروع المعرفة الدينية، من حيث درجة الإصدارات والنتاجات وتحديد الفرع الأكثر نقصاً والأكثر كمالًا...
________________________________________

[الصفحة - 154]


إلى غير ذلك مما لا مجال لذكره في هذا المختصر ممّا تقوم بإنجازه بصورة متفرّقة الكثير من الدول والمؤسسات الإسلامية بيد أنه بحاجة إلى قراءة أكثر عمقاً وموضوعية وشمولية وتوظيفية.
* * *
________________________________________

[الصفحة - 155]