البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الخطاب العلماني العربي المعاصر تاريخيّته وبنيته الموضوعيّة

الباحث :  د. عبد الأمير زاهد
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  27
السنة :  السنة السابعة خريف 1423هجـ 2002 م
تاريخ إضافة البحث :  February / 17 / 2015
عدد زيارات البحث :  1141

الخطاب العلماني العربي المعاصر تاريخيّته وبنيته الموضوعيّة

د. عبد الأمير زاهد (*)

تمهيـــــد
إذا كان عالم أوروبا وأمريكا قد انتهى من معضلة النَّهضة وشروطها، فإن العالم الثَّالث، كما كان يسمَّى سابقاً، لا يزال منشغلًا، بإمكانياته جميعها، في حل هذه المعضلة.
إذاً، فمن المسوَّغ، على المستويين: القومي والتاريخي، أن تنشغل أمَّتنا، وتسخِّر عقول أبنائها، وتحفِّز قواهم الفكريّة، لتحديد عوامل النكوص، وبلورة عوامل النهوض وتحديد البنى النظرية والفكرية لمشروعها النهضوي، وذلك لإقامة الحياة الكريمة للإنسان، والاستعداد للدُّخول إلى القرن الواحد والعشرين بنظرية نهضوية ناضجة تحقِّق المتطلَّبات المرجوّة منها. ومن النّاحية التاريخية، يمكننا أن نتصوَّر أن أمَّة العرب قد عانت من هذه المعضلة في مرحلة ما قبل البعثة المحمّدية، فبحثت عن مخرج لأزمتها الحضاريَّة، فكان الإسلام، آنذاك، هو العلاج الذي تحوَّل بعوامل التخلُّف إلى عناصر للنهوض والارتقاء، وبذلك اكتسبت أمَّة العرب هويّة حضارية تاريخية تحوّلت إلى هوية إنسانية عامة (1). وهنا يثار تساؤل مركزي: هل تلك الهوية دائمة بدوام بقاء الإنسان، أو أنَّها مؤقتة كغيرها من الهويّات الحضارية للأمم أو متغيرة تبعاً لتطور العقل البشري؟
وإذا حصل ـ لسببٍ أو لأسباب متعدِّدة داخلية وخارجية ـ أن أصيبت عوامل
________________________________________
(*)باحث من العراق
(1)عبد الأمير زاهد، «دور الجامعات في الحملة الإيمانية»، ص 5.


[الصفحة – 9]


النهوض تلك بعدم الفاعلية، وتضاءلت تمثُّلاتها في مجال السلوك العام، فأدَّى ذلك إلى تخلُّف الأمة في القرن الخامس الهجري، مهيِّئاً لسقوط بقايا الدولة الإسلامية عام 656هـ، فإنَّ ذلك لم يسقط «طريقة التفكير الإسلامية»، فبقيت الاءُسس والمرتكزات الأساسية لفكرة الحضارة في الوجدان الذهني، وفي ثقافة الأجيال العربية المتعاقبة حتى عصر المواجهة الفكرية مع الغرب في مطلع القرن التاسع عشر وما بعده، وهي المواجهة التي تحوَّلت إلى مواجهة على صعيد مقاومة الهيمنة الغربية وتحليل الثقافة الغربية ورصد أسسها الوثنية والمادية، وصار من الصعب جداً، نظراً للتلازم بين الثقافة الغربية والهيمنة الغربية، الفصل بينهما.
وبقاء أسس الفكر الإسلامي ومرتكزاته، في وجدان الإنسان العربي، جعل مشكلة التفكير في المشروع النهضوي العربي المعاصر أمام مجموعة من القضايا الفكرية، من أهمِّها:
أ ـ إقامة ثنائيَّة صراعية بين المشروع النهضوي الإسلامي والمشروع النهضوي العلماني.
ب ـ تقييم المشروعات النهضوية العربية وفقاً لمعايير الثقافة الإسلامية.
جـ ـ استبعاد الثقافة الإسلامية تماماً من نطاق التفكير بالمشروع النهضوي.
د ـ محاولات لترتيب مشروع نهضوي عربي يفكِّر بتجديد العقل الإسلامي في تعامله مع النصوص (الكتاب والسنَّة).
وهكذا تعدَّدت الوجهات المفكَّر فيها، بوصفها منطلقات للتفكير في مشروع نهضوي عربي، يخلِّص الإنسان العربي من وضع التخلُّف الشامل وآثاره في المجتمع العربي والإسلامي.
لقد صوَّر الاتجاه الماركسي قضية التخلُّف، في العالم الإسلامي، بأنها قضية، أو مشكلة، اقتصادية فنية في الأساس، وعليها تبنَّى ايديولوجيا التخلُّف (البنى الفوقية)، ورأت الاتجاهات الأخرى ـ علمانيةً وإسلامية ـ أن مشكلة التخلف في أصولها مشكلة فكرية ايديولوجية يشكل الاقتصاد رافداً من روافدها ووجهاً لها، وحاصلًا من معطياتها، لأنه مجال ضمن التصور الكوني لأية نظرية فكرية شمولية.
________________________________________

[الصفحة - 10]


وبأدلة متعددة وتجارب فعلية، ثبت تهافت الاءُطروحة الماركسية في تفسير التخلّف (2)، وعند ذلك استقرّ البحث على أنَّ مشكلة التخلف هي مشكلة الفكر والتنظير والايديولوجيا، وهنا برزت التساؤلات المهمة الآتية: هل تعالج المشكلة في نطاق فكر الأمة الموروث فقط، أو تعالج بمعزل عن جهود الأجيال السابقة من مفكّري الأمة الذين تسلسلت إبداعاتهم من منطلق واحد؟
وبعبارة أخرى: هل يكون تاريخ الفكر منطلقاً وتطوراً للنظرية التحديثية المعاصرة، أو نقطع الصلة به، ونبدأ بالتفكير في النَّهضة من نقطة الصفر، أو نختار عملية إدخال التعديلات المنهجية والمعرفيَّة على خزين التراث القومي المتراكم؟
ما الصِّلة، في المشروع النهضوي العربي المعاصر، بين الفكر الموروث والتجارب العالمية المعاصرة وأصولها؟
ثم، هل يمتلك المفكِّر النهضوي معياراً يزن به صحة برنامجه الفكري النهضوي؟
ثم، هل الحوار الذي دار بين الاتجاهات النهضوية العربيَّة المعاصرة قد جرى بوعي تام من المتحاورين، واتّجه نحو تقديس «مهمّة المشروع»، لا المشروع نفسه؟ وهل توصَّل المتحاورون إلى بعض المسلَّمات الفكريَّة حتى يقال: إنَّ هذا الحوار قد تقدَّم خطوة أو خطوات إلى الإمام؟
وإذا انتهينا إلى أن ذلك الحوار غير منتج لمثل هذه المسلمات، فبم تفسَّر هذه الظاهرة؟
ومن الواضح أن كلًّا من هذه التساؤلات وإجاباتها، قد يشكل ورقة علمية مستقلّة، إلَّا أنه، ولتداخلها في تحديد غاية البحث، يلحظ أن كل إجابة لها صلة بالإجابات الأخرى، فيمكن أن تكون نسيجاً واحداً وإن اختلفت طبيعة الصِّلة. ومن أمثلة ذلك ما يمكن تعقّله من أن فقدان المعيار المحدّد لقيمة الأفكار يعدُّ من أكبر الأسباب في عجز هذا الحوار عن أن يقدِّم بعض المسلّمات على صعيد الحد الأدنى، ولذلك يمكن القول: إنَّ هذا البحث ربّما يجيء محاولة متواضعة ليسهم في الكشف عن بعض هذه المفاصل بتحليله تاريخيَّة الخطاب العلماني وتحليل بنيته الموضوعيَّة.
________________________________________
(2)محمد عابد الجابري، نقد العقل العربي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيَّة، ص 2.

[الصفحة - 11]


تحليل عنوان البحث
ما الخطاب؟ وما الخطاب العلماني؟ وما المراد بالتحليل؟ وما هو مصطلح تاريخية الخطاب العلماني؟ وما المراد بتحليل بنيته الموضوعية؟
المراد بالخطاب مجموعة المنتجات الفكريَّة التي يراد إيصالها إلى متلقٍّ عبر نصوص مكتوبة أو مسموعة أو مرئية، تقدِّم موقفاً شمولياً ـ أو جزئياً ـ من قضية أو مشكلة قائمة، أو مفترضة، أي «ما يقدِّم من الفكر وجهة نظر في موضوع ما».
ولا يسمَّى المنتج الفكري هذا خطاباً إلَّا إذا تلقّاه المتلقّون، وإن تعدَّدت توصيفاتهم، سواء كانوا من نخبة المثقفين أم من عامَّة الناس، وتفاعلوا معه وفهموا مقاصده وغاياته في ما يجمل بتسمية «قراءة الخطاب»، فيكون الخطاب وسطاً للعلاقة بين منشىء لديه رغبة في إيصال فكرة ما، ومتلقٍّ يقرؤه ويستوعبه، سواء بقراءة محايدة أم بقراءة متضامنة أم بقراءة محايدة سلبية، أم بقراءة ناقدة وواعية.
ويدخل، في طبيعة الخطاب، أسلوب استدلاله على فرضياته ببرهان مقنع.
إن شرائح المتلقِّين المعاصرين للخطاب يتوزعون بين «مستسلم لهذا الخطاب مطلقاً وبين قارى له بأسبقيات ذهنيَّة مناقضة، أو متضامن مضيف له دليلًا أو جانباً معرفياً، وبين قارى موضوعي محايد مبدعٍ وواعٍ ولا يزج بانتمائه الفكري في تقييم أفكار ذلك الخطاب. وهذا النوع من المتلقِّين، في عالمنا العربي، نادر الوجود إن لم نقل منعدمه، لارتباط الوضع الفكري المعاصر للإنسان مع مشكلة «التخلف»، طالما قلنا: إنَّ ظاهرة التخلُّف تبدأ بتخلُّف الفكر والعقل والمتعقل، فلا يمكن الاعتماد في نقد أطروحة نهضوية على التماس وجود مثل هذا المتلقِّي. لذلك سنضطرُّ ـ لأغراض إثبات فرضية البحث ـ إلى التحدُّث عمَّن هو أدنى منه درجة، وهو المتلقي الواعي الذي يناقش مفاصل المشروع من خلال معطيات اتجاهه الفكري.
والثمرة، في ذلك، محاولة لالتماس معيار يفرزه ذلك الحوار بين منشى الخطاب العلماني، ونقد المتلقِّي الإسلامي، ذلك النقد الموضوعي، ليكشف الثغرات المنهجية والمعرفية في «مفاصل» ذلك الخطاب من جهة، وفي الحوار
________________________________________

[الصفحة - 12]


المضاد (نقد الخطاب) من جهة الإسلاميين أنفسهم في محاولاتهم لنقد الخطاب العلماني.
أمَّا العلمانية فهي، في ما شاع من استعمال هذا اللفظ، اتجاه فكري مرتكزه إبعاد الإسلام عن صيرورته نظرية توجِّه المعنيِّين في إدارة المجتمع وصياغة نظم الحياة. ويختلف دعاة هذا الاتجاه بين من يرى الإبعاد التام، وبين من يرى الإبعاد عن أغلب مجالات الحياة، وبين المحاولات الهادفة إلى تحكيم المرجعيات غير الإسلامية في النظم والفكر والثقافة، ولكن من بوابة الإسلام، «أي سوق هذه المرجعيَّات من خلال دعوى تجديد الإسلام، فهذه مفهومات ثلاثة لمصطلح العلمانية وتطبيقاتها».
ويدخل، في الفهم الأوَّل، جعل مرجعيَّات الفكر النهضوي الفلسفة البشرية والبرهان الفلسفي والعلمي، والعزوف تماماً عن النص الإسلامي والفكري المؤسس على هذا النص.
ويدخل، في الفهم الثاني، المحاولات التي بُذلت لإعادة ترتيب العلاقة بين الدين والمرجعيَّة الفكرية الموجهة لنظم الحياة والتطورات الكونية.
أمَّا الفهم الثالث فهو محاولة للإقرار بالنص، إلَّا أنه يرى أن ثقافة النص، «من الفقه والاءُصول» بالأخصّ، ثقافة متموضعة «بوعي عصر إنتاجها»، ولذلك فإنها بحاجة إلى تجديد يأخذ بنظر الاعتبار طبيعة العصر وضروراته. ويطلق على مثل هذا المشروع مصطلح التجديد الإسلامي، أي إقامة اءُصول معاصرة للاستنباط وفهم النص من خلال «طبيعة العصر».
والعلمانيَّة، بعد وضوح مسالك صيرورتها ومداخلها، مصطلح أوروبي، ربما يكون في الوسط الثقافي العربي والإسلامي أكثر المصطلحات مدعاة للَّبس وسوء الفهم، لأن الكلمة مترجمة ترجمة غير موفَّقة للفظه «اللايكيه» من الفرنسية، فأصلها اليوناني «لايكوس»، أي ما ينتمي إلى عامة الناس، مقابل «الاكليروس»، أي الكهنوت، فهي على هذا لا ترتبط من جهة الاشتقاق بالعلم، ثم استعملت بشطط في الدلالة على العداء للدين، وسرت إلى التعليم المدني (غير الديني).
________________________________________

[الصفحة - 13]


وينقل الجابري: «إن مفهوم العلمانية، في الأصل غير المترجم، لا تعني المقابل المعارض للدين، لكنها دعوة للتَّمييز بين ما هو دنيوي وما هو مقدّس» (3).
ويشاطر الجابري جمهور العلماء المعاصرين في قولهم إن «اللايكيه» فكرة مرتبطة بوضع أوروبا الخاص الذي أفرزه صراع عصر التنوير بين الكنيسة وسلطانها والمتمرّدين عليها، ثم نقل هذا الإقرار الأوروبي إلى ساحة العالم العربي أول ما نقل عام 1850 على يد المسلمين العرب الساعين إلى الاستقلال عن الدولة العثمانية، ثم ربطوه (4)بالدعوة القومية، فكان الثلاثي الملفَّق (العلمانية، الاستقلال عن العثمانيين، الدولة القومية) هو الأساس المركزي للاتجاهات العلمانية في مرحلتها الاءُولى.
مراحل تطوّر الاتجاه العلماني
لقد مرَّ الفكر الاستشراقي، أوَّلًا، بمراحل سيأتي تفصيلها. وبها، تقريباً، مر الفكر العلماني؛ حيث بدأ مرحلته الأولى بالتشكيك بالنص، ومرحلته الثانية بالتَّشكيك بالفكر المؤسَّس على النص، وفي المرحلة الثالثة حاول استبداله بفكر جديد لا تسنده الضوابط الأصولية للاستفادة من النص، ومع هذه المراحل تعدد مفهوم الناس لمصطلح العلمانيَّة.
إذاً، فالمحصَّلة أن العلمانية اتجاه فكري، يحاول، بوسائل متعددة، «بناء الحياة والإنسان والنظم من خلال النتاج البشري من دون الارتكاز إلى النص: القرآن والسنَّة».
وبذلك يكون الخطاب العلماني ذلك الفكر الموجّه للعقل العربي المعاصر، الذي يدعو إلى جعل المرجعيّات الفكرية للحياة والإنسان البرهان العقلي والإنجاز البشري، في مجال العلم والفلسفة والإحصاء والاستفادة من التجربة التاريخية.
أمَّا المراد بالتحليل التاريخي فهو متابعة متسائلة، ناقدة، ملتمسة للأسباب والمسبِّبات للتطور والنشوء والتكامل لأيِّ ظاهرة واقعة فعلًا، وإذا كان للخطاب العلماني نقطة ولد فيها، ومسار تطوّر فيه، وهيكل من الأفكار وصل إليه، فإنَّ التحليل يرصد ذلك التطور من خلال تلمس الأسباب، والمسبِّبات، والمقاصد،
________________________________________
(3)محمد عابد الجابري، الدين والدولة وتطبيق الشريعة، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيَّة، ص 108.
(4)م.ن، ص 111.

[الصفحة - 14]


والغايات، ويفسرها في ضوء أدوات للربط بين الأحداث المتعددة المتآصرة، ويوحدها ضمن غايات محددة، ويقارن بينها وبين نظائرها من حيث الإسهام بتحصيل تلك المقاصد.
أما البنية الموضوعية فإن المراد بها تحليل أهداف الخطاب وطبيعة المحتوى المعرفيّ له وسياقات عرضه وظواهره الشكلية، ثم أسلوب استدلاله على القضايا المساقة والنتائج التي ينتهي إليها وآثاره في المخاطبين. وضمن تحليل الأهداف ترصد مدى الإيجابية والرؤية البنَّاءة والمستقبلية. وفي صدق المحتوى يُلاحظ الضبط والدقة والسياقات المتخصصة للعرض، ومدى الحقائق النوعية المؤسسة على تلك المعرفيات المساقة من خلال المرور بمجال الاستدلال، ثم بمدى الترابط بين هذه العناصر مجتمعةً (5). ليتقرر بالانتهاء من هذا التحليل: هل كان الخطاب العلماني سليماً من جهة المنهج والمعرفة؟ وهل كان استدلاله رصيناً متيناً منتجاً لأهدافه التي خطط لها؟ وهل تحقق إنجاز واضح من جرَّاء ذلك الخطاب؟ وكيف تفسّر إحباطات ذلك الخطاب واضطرابه وتناقضاته؟
وهل كان الخطاب الإسلامي المضاد على درجةٍ من الوعي والتماسك في المنهج والمعرفة أعلى بناءً وأثبت أساساً؟
وبقي، للتمهيد، أن يعرِّف حدود البحث وأسلوبه ومرتكزاته وإجراءاته.
أما حدود البحث فتتمثَّل في أنَّه سيمرُّ على «تاريخ الخطاب العلمانيّ» منذ النشأة حتى الوقت الحاضر، ملتمساً الروافد، مجرياً إطلالة سريعة على النتاج العلماني للقرن الحالي.
ثمّ يحلل مجموعة نماذج معاصرة من ذلك الخطاب، وأسلوب الحوار المضاد للإسلاميين.
أما أسلوبه فهو عرض لأفكار ذلك الخطاب واستدلالاته، من خلال التاريخية الفكرية والبنيويَّة الموضوعية والردّ الإسلامي، ملتمساً طريق التحليل والاستنتاج.
أمَّا مرتكزاته فهي ورود الخطاب العلماني في نقده على تطبيقات إسلامية للنص على مستوى «الاستفادة الفكرية»، أو التفنيد العلمي للأفكار الإسلامية، من
________________________________________
(5)عبد الأمير زاهد، منهج الشيخ الطوسي في كتابه «الخلاف في الفقه»، ص 5.

[الصفحة - 15]


دون المرور بالأسس العقديَّة المنتجة للخطاب الإسلامي، والمقتضية لهذا النمط من التطبيق أو ذاك.
علاوةً على ملاحقة ظاهرة ردِّ الإسلاميين ـ دفاعاً عن التطبيقات ـ من دون البدء بالحوار من الجذور، بحيث دارت حوارات الفعل ورد الفعل في حيِّز البنى الفوقية، ثم افتقر كلا الحوارين إلى أسس ومعايير مشتركة، يحتكم إليها في حالات الخلاف والاختلاف.
أما إجراءات البحث فقد اعتمد البحث على عيِّنات، تغطِّي مراحل الخطاب العلماني، مركِّزاً على المرحلة الأخيرة التي لم تناقش ـ حالياً ـ مناقشة فكرية مستفيضة للوصول إلى اقتراح بعض المعايير للاحتكام إليها من قبل المتحاورين لإنتاج المسلَّمات، ثم الوصول إلى نتائج البحث وخاتمته.
إنَّ هذا البحث ـ في تقدير الباحث ـ ورقة علمية متواضعة ربما تسهم برصانة منهجية في إضاءة مسالك في حوار النهضويين العرب: علمانيين وإسلاميين. نرجو أن نوفق في ذلك، والله ولي القصد، وهو المستعان.
المبحث الأول: تاريخ الخطاب العلماني
المطلب الأول: نقطة الانطلاق
قبل تسعمئة عام، وبالتحديد في السابع والعشرين من شهر تشرين الثاني (1095م) ألقى البابا (اريان الثاني)، في جنوب فرنسا، خطبة دعا فيها المسيحيين في العالم إلى شنِّ حرب تحت راية الصليب على المسلمين، للوصول إلى بيت المقدس والاستيلاء عليه، وأكَّد للنَّاس أن ذلك هو الإذن للدخول إلى التاريخ، وعلى مدى المرحلة (1096 ـ 1291) كانت الحرب سجالًا، ثمَّ انتهت بخسارة الصليبيين واندحارهم وإخفاقهم في تحقيق أهدافهم، إلَّا أنها في الجانب الإسلامي لم تكن قليلة الأثر، فقد يرى بعضهم أن تلك الحروب كانت سبباً في إنهاء فاعلية قوى الإبداع والنمو في فكر الحضارة الإسلامية (6). ويرى غيرهم أن الأسس التي قامت عليها تلك الحرب كانت أسس صراع حضارتين مثَّلت الحروب الصَّليبيَّة إحدى صفحاتها (7).
________________________________________
(6)قاسم عبده قاسم، ماهية الحروب الصليبية، عالم المعرفة، رقم 149، ص 10.
(7)م.ن، ص 10.

[الصفحة - 16]


وكان لانتصار المسلمين، في دفاعهم عن وجودهم، آثار في الجانب الصليبي، فقد أعاد النظر في أسلوب المواجهة، فتحوَّل من الصدام العسكري المباشر غير الممهَّد له إلى صدام ثقافي يهدف إلى تعطيل تحوّل الوعي إلى ممارسة وفعل في الجانب الإسلامي، تمهيداً لحرب جديدة مضمونة النتائج.
فكان قرار مجمع فيينَّا عام 1312م الذي تم فيه استحداث مقاعد لدراسة اللغة العربية، والقرآن، والحديث النبوي، والفكر الإسلامي، في جامعات أوروبا (السوربون/ كيمبردج/ اكسفورد)(8)وغيرها للوصول إلى تشخيص الوسائل المنتجة للفصل بين وعي المعرفة الإسلامية، وقدرتها على التحول إلى سلوك ثابت فردي وجماعي للُأمة.
وهذا الذي حصل اءُطلق عليه، في ما بعد، الاستشراق (9)ولقد تلت هذا التطور، حملات للغزو الإسباني للجزائر (1463م) وليبيا (1510) وتونس (1535م)، والتغلغل البرتغالي في البحر العربي والبحر الأحمر، ثم غزو نابليون لمصر عام 1798م. وفي القرن التاسع عشر، ظهرت التطلُّعات الأوروبية للاستيلاء على الوطن العربي، فانتهجت لتطلُّعاتها عملية تمهيد «فكرية» تمثَّلت بالتوجّه إلى عناصر التماسك القومي بالهدم والتعطيل، فتم دعم دراسات الاستشراق وكتبه، وترجمت إلى العربية وإلى لغات الشعوب الإسلامية؛ وذلك لإدراك الأوروبيِّين أن السيطرة العسكرية، مع بقاء الفكر الفاعل، يجعل السيطرة مؤقتة وغير مأمونة.
وبعد أن أدَّت الدراسات الاستشراقية دورها إلى حدٍّ ما، توصَّل المعنيُّون إلى أنها ليست الأداة المنتجة للأهداف المخطَّط لها، لسبب بسيط، وهو أن هذه الدراسات لا تحظى بالثقة من المسلمين، فتحوَّل الهدف إلى أن تنشر أفكار الاستشراق بأقلام تحمل صفة المواطنة لتعميق الشكوك بالعقيدة والفكر والنظم الإسلامية. إلى جانب ذلك تتلاقى هذه النقلة بآثار إدراك المسلمين للدراسات الاستشراقية بأنها غير موضوعية، وفيها من الجهل بتاريخ الأمة والعدوانية الفاضحة على قيمها الشيء الكثير.
المطلب الثاني: مسارات التطور
وهكذا، بدأت المرحلة الثانية، وهي نشوء فكرة التغريب، «وهو محاولة لخلق عقل مسلم إلّا أنه مكوَّن من تصورات الفكر الغربي ومقاييسه في بناء الحياة الجديدة
________________________________________
(8)ادوارد سعيد، الاستشراق، ترجمة كمال أبو ديب، بيروت، ط1، 1981، ص 81.
(9)عبد الباسط عبد الصمد أحمد، الغزو الفكري، ص 147.

[الصفحة - 17]


مستبعداً المفاهيم الإسلامية» (10)، ونمت رعاية «تلك الأقلام المستغربة من قبل قوى كنسية، ومجمعات استشراقية، وإمكانات دولية هائلة».
وكان من أهم الأدوات التي سُرِّبَ بها الخطاب العلماني مجلة الهلال (1892) ومجلة الجنان لبطرس البستاني (1810 ـ 1886).
وتطوَّرت وسائل ذلك الخطاب إلى إصدار مؤلَّفات عربية تهاجم بعض الأحكام الفقهية، مثل مؤلفات قاسم أمين (تحرير المرأة 1899) و(المرأة الجديدة 1900) وفي المرحلة (1900 ـ 1924)، تم الإعداد لمؤلَّف الشيخ الأزهري علي عبد الرازق «الإسلام وأصول الحكم» وما أنتجه من مواقف من الخلافة الإسلامية، وهو ترجمة لأفكار المستشرق سير توماس أرنولد (11)، ليمهد إلى تجربة جمعية تركيا الفتاة وانقلاب أتاتورك.
ثمَّ هوجمت النُّصوص الإسلامية الأساسية في كتاب طه حسين «الشعر الجاهلي» الذي صوّر فيه النص القرآني على أنه تعبير عن الوقائع التاريخية لعصر النزول (12)، وبدا خطاب طه حسين صدى لأفكار هاملتون جب (13)وأفكار صموئيل مرجليوث في كتابه أصول الشعر العربي (14). ثم ركز طه حسين هجومه في كتابه «مستقبل الثقافة في مصر» الذي عالج فيه مشكلة التعليم، وبه هزَّ إحدى الحقائق التاريخية والجغرافية؛ إذ رأى أن مصر بلد غير شرقي في موقعه وحضارته وتفكيره، وحاول أن يقنع مخاطبيه بأنَّ العقل المصري ليس شرقي التصور والإدراك، وابتدع للثقافة في مصر اسماً هو «ثقافة البحر المتوسط» (15)وأخيراً جاء دور اللغة فأنتج سلامة موسى مشروعه لإبدال الحروف العربية باللاتينية (1945) (16).
إن هذه الإنجازات الفكرية التي التقطت بوصفها مجموعة عيِّنات لبواكير الفكر العلماني، لو قارنَّاها بما سبق التحول الأتاتوركي في تركيا وما بعده من إجراءات، لاكتشفنا الخيط الرابط، فالتحوُّل ارتكز على:
1 ـ إنهاء الدستورية الإسلامية للخلافة والتحوُّل إلى نمط للحكم مستقى من التجربة الأوروبية.
2 ـ استبدال الثقافة الإسلامية بثقافة ملفَّقة أوروبية/ متوسطية.
________________________________________
(10)م.ن، ص 148.
(11)قاسم أمين، تحرير المرأة والمرأة الجديدة.
(12)عبد الباسط عبد الصمد، الغزو الفكري، ص 175.
(13)م.ن، ص 175.
(14)محمد مصطفى هدارة، موقف مرجليوت من الشعر العربي، بحثه في محاضر «ندوة مناهج المستشرقين»، 1/398.
(15)طه حسين، مستقبل الثقافة في مصر، ص 13.
(16)سلامة موسى، البلاغة العصرية واللغة العربية، ص 137.

[الصفحة - 18]


3 ـ استبدال الحرف العربي بالحرف اللاتيني، وحظر استعمال أي لغةٍ غير اللغة الطورانية.
4 ـ إلغاء مظاهر التقنين الإسلامي في الواقع كالحجاب وممارسة العبادات.
5 ـ تمجيد ثقافة الغرب، وتصوير الثقافة الإسلامية بأنها أصل لأسباب التخلّف.
إن العالم الإسلامي، في المرحلة ما بين 1860 و1924، كان في مرحلة الإرهاص لكي يبلور مشروعه النهضوي الإسلامي، في هذه المرحلة بالذات كانت أوروبا تسعى إلى تشكيل جمعية الاتحاد والترقي في عهد السلطان عبد العزيز عام 1861، واءُصدرت الصحف واءُرسلت إلى داخل الدولة العثمانية بوساطة دوائر البريد الأجنبية المتمتعة آنذاك بامتيازات خاصة داخل تلك الدولة (17)، وهكذا تم ضرب «العاصمة» الموحَّدة للدولة الإسلامية بتشكيل فكري لمجموعةٍ تستلم مهماتها بعد الحرب الأولى.
وبوسائل متعدِّدة، أجبرت الدولة العثمانية على أن تتحالف مع دول المحور، وحين تمَّت هزيمتها عسكرياً.. استعدت تلك الطبقة المصنوعة والمُمَهَّد لها لأن تواصل تنفيذ تلك الإجراءات.
وهكذا تدخَّلت أوروبا، بشكل علني وواضح، في تعطيل المشروع الإسلامي للنهضة وإعاقة التقدّم الذي أرسى أسسه «رجال الصحوة في مطلع هذا القرن» (18). وفي أثناء مرحلة تقسيم العالم الإسلامي إلى مناطق نفوذ، ثم تشكيل الدّول القطرية في العالم العربي، قامت أوروبا بعملية غسل دماغ هائلة لمجموعة من المتعلِّمين لتؤهلهم لإدارة هذه الدُّول، فكان الخطاب العلماني، من جهة النشأة والدعم، ثنائي الرصيد، بدءاً من الإمكانيات الكنسية، إلى الدولة القومية في أوروبا، إلى ظاهرة الاستعمار، إلى الدولة القطرية العربية المشكلة حديثاً. وبدخول الخمسينات من هذا القرن، كان الجهد الصهيوني قد استكمل مقدمات إنشاء ما سموه بالوطن القومي لليهود في فلسطين، فكانت مقدماته من جهة الكلفة الأقل ثمناً موفرة، فقام، في آذار (مارس) عام 1948، بردود فعل سهلت تحقق هذا الهدف الذي ما كان ليقع في ظروف سيادة ثقافة الإسلام وقابليتها في التحول من معرفة إلى وعي، إلى فعل وممارسة.
________________________________________
(17)أحمد النعيمي، أثر الأقلية اليهودية في سياسة الدولة العثمانية، نقلًا عن رامزور ارنست وكتابه تركيا الفتاة وثورة 1908.
(18)علي حسين الجابري، فلسفة التاريخ في الفكر العربي المعاصر، بغداد: دار الشؤون الثقافية، 1993، ص 275.

[الصفحة – 19]


وعلى الصعيد الفكري، يلاحظ في التاريخ العربي المعاصر، العلاقة المتوترة والصراعية بين الدولة العربية الإقليمية المشكلة، وأصحاب الاتجاه الإسلامي الذي تمثَّل في تيَّارين: المؤسسات الدينية وإدارات الأوقاف التي سايرت تلك النظم وسوّغت لها تسلّطها وقمعها، والمعارضة الإسلامية التي اءُخضعت لحملات منظَّمة من إرهاب الدولة لها، بدءاً من تسخير وسائل الثقافة لتشويه مقولاتها إلى تصفيتها جسدياً وفكرياً.
واستمرَّ الأمر هكذا حتى أصبح الخطاب العلماني هو المنفرد بوسائل الثقافة كافة، بينما اءُحيط الخطاب الإسلامي بظروف من الرعب والتحفُّظ والتسرُّب عبر قنوات سريّة، أو الإعلان عن نفسه من خلال فكر مسموح به؛ الأمر الذي اضطره إلى فقدان التركيز والوضوح، ولذلك أُصيبت بعض مفاصله بالتشويه الذاتي ـ نتيجة لهذه الظروف ـ والتشويه الخارجي بوصفها وسيلة للعلاقة الصراعية بينه وبين الدولة القطرية المشكلة.
المطلب الثالث: المرحلة المعاصرة
وبسقوط الأطروحة القومية، في السبعينات، على أثر هزيمة الكيانات العربية في حرب 1967، وسرقة انتصار 1973، تشكَّل إرهاص جديد في الساحة العربية يهدف إلى البحث من مخرج للأزمة الحضارية، بين اليسار الماركسي، والاتجاه الإسلامي (غير المدجَّن بمؤسسات تابعة لأجهزة الدولة القطرية، فاحتاج هذا الخطاب إلى دم جديد وموضوع جديد يختلف عن مسالكه ودعواته القديمة في المرحلتين السابقتين).
وهكذا نرى أن الخطاب العلماني كان يعوِّل على:
أ ـ أن الدِّين هو المعوِّق في أنحاء العالم جميعها، وفي أوروبا اختير الحل باستبعاده وتحكيم العقل والديمقراطية، فبنيت التجربة الأوربية بناءً أدى بها إلى اعتبارها دولًا متقدِّمة.
ب ـ وأن القومية والوحدة بين أقطار العرب هي البديل عن الكيان الإسلامي الموحَّد.
________________________________________

[الصفحة – 20]


لكن، بعد أن سقطت هذه الأطروحات اتجه الخطاب العلماني إلى قبول الأصول النقلية الإسلامية بوصفها أساساً للثقافة المعاصرة في العالم العربي، ولكن الفكر البشري المؤسس على تلك الأصول، في ما يطلق عليه بثقافة النص، هو نتاج القرون الهجرية الثلاثة الأولى، فلا بدَّ من إعادة النظر بذلك النتاج كلِّه، والكشف عن إخفاقاته وعدم التسليم بمقولاته وقوانينه الاءُصوليَّة، وتحكيم المصلحة والعقلانية وجعلهما فوق النص، وتأويله تبعاً لنتائج هاتين المرجعيَّتين، فكانت كتابات الفكر المغاربي المتمثل بمؤلفات د. الجابري (19)، والهادي شقرون (20)، وسعيد بنسعيد(21)ومحمد أراكون (22)وكتابات المصريين مثل نصر حامد أبو زيد (23)والعشماوي(24)وحسن حنفي، والدراسات الصادرة في لبنان، فضلًا عما يصدر في أوروبا من مشاريع لإعادة النظر في ثقافة النص الإسلامي.
واستناداً إلى هذا العرض يمكننا القول: إنَّ مراحل تطور الفكر الاستشراقي بدأت من التشكيك بالنصّ، وتطوَّرت إلى التشكيك بالنص المؤسس على النص الأصلي، وصناعة الأقلام العربية الموالية لذلك الفكر وإبرازها. وإنَّ مراحل الفكر العربي العلماني قد بدأت من التشكيك بالنص، ثم تطوَّرت إلى التشكيك بفقه النص، ففي المرحلة الأولى دعوة لاستبعاد الدين تماماً، وفي الثانية دعوة لعدم تقبُّل ثقافة النص، وفي الثالثة دعوة لتجديد الفكر المؤسَّس على النص في ضوء المصالح المعاصرة والعقلانية.
وواضح ما يلحظ من تماثل في بعض الحلقات وتكامل في الحلقات المتتابعة في النشأتين ومساريّ التطور والأهداف والمقاصد.
المبحث الثاني: تحليل البنية الموضوعية
ممَّا تقدم يمكن لقارى هذه الورقة أن يستنتج أن البحث سوف لن يتناول الجهد الفكري العلماني في مرحلتيه: الأولى والثانية، وذلك لكثرة ما ورد عليهما من مناقشات وردود إلَّا بالقدر الذي يشخص فيه منهج الخطاب ومنهج قراءة الخطاب قراءةً نقدية. وإنَّما سيتناول، بغية التَّوصُّل إلى فرضيَّته، خطابات معاصرة تمثِّل المرحلة الثالثة:
________________________________________
(19)ظ له، نقد العقل العربي، والخطاب العربي المعاصر، والدين والدولة.
(20)ظ له، نقد العقلية العربية.
(21)ظ له، الفقه والسياسة.
(22)ظ له، من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي، والإسلام والغرب والهيمنة.
(23)ظ له، الخطاب الديني رؤية نقدية.
(24)ظ له، بحثه في ندوة عدن 1992 «تحديث العقل الإسلامي».

[الصفحة - 21]


أوَّلها: مُؤلَّفان للدكتور محمد عابد الجابري هما: «الخطاب العربي المعاصر» و «الدين والدولة وتطبيق الشريعة».
وثانيها: مؤلَّف لمحمد أراكون هو «من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي».
وثالثها: فصول من كتاب الهادي شقرون «نقد العقلية العربية».
وسيخصِّص البحث لكل أنموذج مطلباً أو أكثر، حسب ما يتطلَّبه المقام في المناقشة والاستنتاج.
المطلب الأول: الجابري والخطاب المعاصر
يرى محمد عابد الجابري، في كتابه: «الخطاب العلماني المعاصر» (25)، أن المرحلة الأولى للخطاب العلماني تتمثَّل بكتابات بطرس البستاني، فهذا الكاتب يطالب باستبعاد الدين تماماً عن إدارة الحياة، لأن الأديان في فهمه علاقة شخصيَّة بين العبد وربِّه، بينما المدنيات علاقة بين الإنسان ومجتمعه. ويرى الجابري أن هذه الدعوة تُعدّ أول تعبير عربي لفصل الدين عن الدولة. وينقد الجابري هذه الأطروحة بأنَّ التاريخ العربي لم يعرف ذلك الفصل بين السُّلطتين: الروحية والزمنية (26).
وفي جانبٍ آخر، يهاجم الجابري الأفغاني (الإسلامي المعاصر للبستاني) بأنه جرَّ نفسه إلى منطقة حوار العلمانية، فأقام فرضياته على أن مستقبل المسلمين مهدد إذا ما قام على أساس تقليد التجربة الأوروبية. وبذلك صوَّر الجابري الأفغاني على أنه يرفض مطلقاً التمدّن الأوروبي كلّه، مقابل رفض البستاني مطلقاً الفكر الإسلامي المنظّم للحياة والمجتمع كله، ويلحظ أن الأفغاني يلتمس الأعذار للتخلُّف الحاصل في الدولة العربية الإسلامية في ما بعد 656هـ، أو ما قبلها بانفصال الرتبة الحاكمة عن الرتبة الدينية في شخص الخليفة (27).
والمشكلة التي يجب أن تحلّ، كما يرى الباحث، هي: لماذا لم يبدأ حوار الأفغاني من الأسس والمنطلقات العقديَّة في نتائج الوحدانية لله في الخلق والحكم؟
أي لماذا جرى الحوار في التطبيقات (فقه العقيدة والنص) حتى ظهرت كتابات سيد قطب في ستينات القرن العشرين، إن قرناً من الزمان يمر حتى يكتشف سيد
________________________________________
(25)صدرت الطبعة الأولى منه، عام 1982، عن المركز الثقافي العربي في الدَّار البيضاء، فيه تحليل للخطاب النهضوي وجدليته والخطاب السياسي والقومي والخطاب الفلسفي: خلاصة وآفاق.
(26)الجابري، الخطاب العربي المعاصر، ص 61.
(27)الجابري، الأعمال الكاملة، ص 327 و366.

[الصفحة - 22]


قطب أنَّ الحوار يلزم أن يبدأ من الأسس، فالقضية ملفتة للنظر. ومع ذلك يصوِّر الجابري هذا الأصل على أنَّه صيحة خوارج معاصرة مستثمراً إجماع المسلمين على استبعاد نتاجهم الفكري. والحال أن فكرة تفرُّد الله تعالى بالحاكمية في الإسلام «مقولة يتفق عليها كل المسلمين من شيعة وخوارج ومعتزلة وأشعرية». ولم تختص بالخوارج فقط. وإن كانوا قد استثمروها في نزاعهم على السلطة مع الخليفة أمير المؤمنين (عليه السلام) (28).
وإذا كان حوار سيد قطب، في حقيقته، رقيَّاً منهجياً في الحوار مع العلمانية؛ فإنَّ الجابري يصوِّره بأنه تنازل في الأطروحة الإسلامية، من «تمجيدها» للماضي إلى صيحة خوارج (29)، ولأجل التقدم في أطروحة الجابري يرى أن العلمانية أيضاً تنازلت من تمجيد التجربة الأوروبية إلى المناداة بالدولة العربية على أساس قومي، والحال أن كلا الموقفين تطور في الحوار، ولكنه تطوُّر يوازي بعضه بعضاً؛ إذ إنَّهما لم يبدآ من نقطة واحدة ولم يلتقيا في منتصف الطريق، وسوف نرى أنهما لم يلتقيا في آخره.
إنَّ من الواضح للراصد أن سيد قطب لمَّا أدرك عدم جدوى حوار الأفغاني وأنه قد جرَّ إلى مسرح مهيأ من قبل خصومه، فإنَّه صمَّم حواره من وجهة نظر أخرى هي البدء من مقتضى الاعتقاد، ليكون الأمر، إما القبول بالعقيدة ومقتضياتها أو رفض المقتضى، وبالتالي رفض العقيدة لتكون الخنادق واضحة في مواقعها والأوراق متميِّزة، ويدلل على ذلك بأن حوار سيد قطب أجبر الخطاب العلماني على أن يرفع مشكلة الصراع الموهوم، أو المشكل عنوة بين الإسلام والعروبة كإثارة لمشكلة جديدة أمام الخطاب الإسلامي بانتباهة سيد قطب في حواره. إن المعية حوار سيد قطب كانت بارزة في مقصده بأن يكون الحوار من صحة المنطلقات، لا من صحة البنى الفوقية، فإذا ثبتت المنطلقات ترتَّب مقتضاها، ولهذا هرب الخطاب العلماني إلى إثارة مشكلة جديدة. ومع ذلك يُقيِّم الجابري هذه المشكلة بأنَّها صورة جديدة لقضية فصل الدين عن الدولة، فهي الوجه السياسي لها، لأن الخطاب العلماني لم يقصد الفصل كما حصل في أوروبا، بل كان يقصد إقامة كيان عربي منفصل عن الدولة العثمانية. ويلحظ أن الجابري قد اجتزأ، من «معالم في الطريق»، برنامج سيد
________________________________________
(28)الجابري، الخطاب العربي المعاصر، ص 66.
(29)م.ن، ص 66.

[الصفحة - 23]


قطب الفكري، وقدَّمه مقتطعاً من سياقه. ونلحظ أنه يعتِّم على هزيمة الخطاب العلماني، بل يعتذر عنه. ويتخلَّل تحليله تمجيد للجهد العلماني في إحياء كتب اللغة والأدب والتاريخ ممَّا لم يستطع ما سماه «التيَّار السَّلفي» إنجاز ذلك الإحياء الممهِّد للنهضة العلمية العربية المعاصرة. إننا نتساءل عن المقاصد التي تكمن وراء ذلك الإنجاز، هل هي مقاصد علمية صرفة أو أنها إشاعة لثقافة اللغة من حيث هي غاية وليست وسيلة، لبيان «المراد» من النص الإسلامي، وإشاعة للأدب ليكون بديلًا عن القصص القرآني الواعظ وإشاعة المعرفيات الجاهلية، وفي كتب التاريخ محاولة لإبراز الإحباطات والتشويهات التي أدخلها التطبيق المنحرف للشريعة الإسلامية ليتوصل بها جميعاً إلى أنها لم تخضع السلوك لقيمها طوال التاريخ...
وإذا كان الأفغاني، إزاء هذه الدعوة، أي «العروبة»، في ما يراه الجابري، مزايداً فلأنه منذ البداية قُدِّم لكي يكون متَّهماً مدافعاً لا محاوراً له مبادراته. وهي، أي العروبة، وإن كانت كذلك، إذ أبرزت أن العرب لما كانوا أقدر من غيرهم على فهم النص القرآني، فقد سلم الأفغاني لهم قيادة المسلمين، بينما حاول العثمانيون فصلهم عن المسلمين من غير العرب (30)وإخضاعهم للغرب وجوداً وثروات.
وبالتتابع مع أمثلة الجابري، في تصوره للصراع التاريخي بين العرب وغيرهم، نلحظ أنه هو الآخر قيَّم النظرية من خلال تطبيقات منحرفة ومشوّهة لها، ولم يشجع المحاولة الرائدة للبدء بالحوار من الأسس والمنطلقات العقديَّة صعوداً إلى فقه العقيدة، فظلَّ الحوار مقطوع الجذور في طرفيه، فهو في الجانب العلماني لا ينطلق من تاريخ معهود للأمَّة، فالإسلامي مسحوب إلى المقارعة والحوار في البنى الفوقية (فقه النص)، لا النص نفسه، وعوامل الإيمان به، وهكذا يتحاور النهضويون لكي يتوصَّلوا إلى نتيجة. وإذا كان الأفغاني ـ معذوراً ـ لما يمثله من بواكير الحوار، فإن الجابري لم يشر إلى أن الباقوري ـ وهو متأخر ـ وقع في مشكلة النقاش نفسها في البنى الفوقية، فأوضح فضل الإسلام على العرب رداً على العروبيّة في الطرح، وكذلك حال محمد المبارك ومحمد أحمد خلف الله.
إنَّ الجابري، وهو ينقل جانباً من نص لصلاح المختار الذي يلتمس عذراً للدولة الإسلامية في الماضي، ويعدّ سبباً لإطاحتها هو ما سمي بطائفية الدولة، ثم
________________________________________
(30)م.ن، ص 68.

[الصفحة - 24]


ينتقل منه إلى أنه يلزم أن تكون الدولة الحديثة على أساس قومي، وإنساني، يستوعب ظاهرة التعدد الديني والطائفي، إنما يشكّل عودة إلى تطبيقات حصلت بمعزلٍ عمَّن قيّم هذه الممارسات، فاحتسبت على النظرية الإسلامية، واستخدمت للكشف عن مواطن عجزها، لتستبدل بالحديثة.
ومهما يكن، فالجابري، وهو يقرر إخفاق الخطاب العلماني، في المرحلة السَّابقة، يجيب عن أسئلة هذا البحث بكشفه عن أسباب ذلك الإخفاق من أفكار رائعة لبرهان غليون الذي يقرِّر أنَّ «إشكالية فصل الدين عن الدولة إشكالية مصطنعة منقولة عن الغرب، وأن العلمانيَّة الغربية كانت فلسفة للثورة، بينما هي في الوطن العربي وسيلة لتقوية سيطرة الطبقة المسيطرة وعزل الغالبية عن السلطة» (31)، فأصبحت أيديولوجية تسوِّغ ضرب حرية الاعتقاد الأساسية، ويوافق الجابري على أن العلمانية جلبتها الدولة القطرية لعوامل كثيرة، وأنها ليست اختيار الأمة، ولم يوافق على أنها فلسفة للقمع، والحال أنها إن لم تكن الدافع له إلا أنها المسوِّغ لبقائه واستمراره، وأخيراً يقرِّر الجابري استخلاصاته المهمَّة في خاتمة كتابه، فقرّر:
1 ـ إن الخطاب العلماني لم يسجل تقدُّماً في أي قضية من قضاياه، بل إنه أخفق في إخفاء تناقضاته وإضفاء ما يلزم من المعقولية على نفسه، بل أخفق في تسويغ نفسه بوصفه خطاباً (32).
2 ـ استند الخطاب العلماني إلى طرح قضيَّة الهوَّة التي تفصل العرب عن أوروبا، جاعلًا منها مقدمة لنقد الاتجاه الإسلامي، مُعرضاً عن الأسباب الحقيقية للتخلّف.
3 ـ لم يقدِّم الخطاب العلماني نظرية شمولية للحياة.
4 ـ شدّ الخطاب العلماني نفسه بالثنائية (أنموذج السَّلف/ أنموذج التحديث)، فظلَّ في نطاق الذاكرة لا العقل، فانقطعت صلته بين الفكر المطروح وموضوعه.
5 ـ إن ذلك الخطاب ظل يحاول أن يخفي ضعفه المعرفي وثغراته المنهجية تحت مضامين ايديولوجيَّة ينقلها من هذه الجهة أو تلك.
6 ـ أشار الجابري إلى أنه لا توجد سلطة معرفية للتمييز بينه وبين الخطاب الإسلامي مستقلّة عن الخطابين.
________________________________________
(31)م.ن، ص 75. ناقلًا عن كتاب المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات.
(32)الجابري، الخطاب العربي المعاصر، ص 179.

[الصفحة - 25]


وقرر أنَّ حل المعضلة يتمثَّل في أن يتحرّر الخطاب العلماني من «ثغراته»، وفي أن يتحلّل الإسلاميون من تقديس التراث كلِّه بامتلاكه بفهم النص، وتفسيرات النص، ثم تجاوزه، وإعادة بنائه، وترتيب العلاقة بين أجزائه، وينبغي القطع بنسبية مفاهيمه، ومقولاته، وقد تطلَّب منه ذلك أن يطرح مشروعه «نقد العقل العربي» في جزئيه: تكوين العقل العربي وبنية العقل العربي، وهما دراسة تحليلية نقدية لنظم المعرفة في الثقافة العربية (33)دعا فيهما إلى تصنيف الثقافة العربية على أساس البنية الداخلية للمعرفة: «آلياتها ووسائلها ومفاهيمها الأساسية، فصنفها إلى علوم البيان، وعلوم العرفان، وعلوم البرهان، لينتقل إلى القسم الثاني من مشروعه في تجديد العقل العربي وتحديثه بالتحرر من سلطة التراث بنزعة عقلانية نقدية، ومن ثم نقل ذلك التراث إلى الحاضر على أساس متطلبات المستقبل وحاجاته، ليؤسس عليه أطروحته التي يعدّها الباحث تطبيقاً ـ كتابه الدين والدولة وتطبيق الشريعة». وإذا كان مشروع د. الجابري قد نوقش في غير ورقة، فسأناقش إحدى ثمرات ذلك المشروع المتمثِّلة في كتابه الأخير، من وجهة نظر إسلامية.
المطلب الثاني: الجابري وكتابه «الدين والدولة وتطبيق الشريعة»
صدر هذا الكتاب في شباط (فبراير) عام 1996، وقد تناول أكثر القضايا سخونةً في العالم المعاصر، وهي «علاقة الدين بالدولة» في تفكيرنا المعاصر، وشروطه لتطبيق الشريعة، وقد صمم بحثه على مقدمة وقسمين، اعتنت المقدمة بتأسيس مرجعيته الفكرية، وخصص القسم الأول لمناقشة علاقة الدين بالدولة، أمَّا الثاني فجعل لتطبيق الشريعة شروطاً فكرية وموضوعية.
وسنتابع مفاصل هذه الأطروحات وما يتيسر من مناقشته.
الفرع الأوَّل: إشكاليات في المرجعيَّة الفكريَّة
لقد بدأ الجابري بالبحث عن مرجعية أسبق وأكثر مصداقية، في ما يراه، من المرجعيات المذهبية، وذهب إلى أن النص «عموماً وكليات وأصولًا ذو دلالات إجمالية»، فلا بدَّ من عمل تفصيلي يفهم ذلك النص فهماً أصيلًا معترفاً بأصالته،
________________________________________
(33)الجابري، تكوين العقل العربي، ط، سنة 1984. وبنية العقل العربي، ط، سنة 1986.

[الصفحة - 26]


فاختار عمل الصحابة وتطبيقاتهم في عصر الخلافة الراشدة (34)، لأنَّ فعل النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) لا يكشف عن كونه قد أقرَّ توليته للإدارة الدولة ـ أثناء المرحلة المكيَّة (35)، ولذلك يرى أنَّ مسألة العلاقة بين الدين والدولة لم تطرح في القرآن طرحاً تفصيلياً، ولم تطرح في السنَّة طرحاً كاشفاً عن العلاقة، لأن «الأمر» الوارد في القرآن لا يعني الدولة.
أما العلماء الذين نظَّروا للإمامة وأبحاثها ووجوبها عقلًا أو شرعاً، فقد جعلهم الجابري مسوِّغين للحوادث «التاريخية» السابقة، وإضفاء المشروعية على حاضرهم، ولذلك جاءت العلاقة بين الدين والدولة في الفكر والتراث الإسلاميَّين ملتبسة وغامضة (36)، ويرى أن الدولة معلول النظرية، فالنظرية (التصور) لم تكتمل بسبب النزول المنجم في عصر النبي، فلم تقم الدولة إلَّا بعد اكتمال التصوّر الشموليّ (عصر الخلفاء الراشدين) إضافة إلى مشكلات النسخ.
وانتهى، في نهاية المقدّمة، إلى القول: إنَّ الراشدين أجمعوا على مجموعة مواقف «فهموا النص» فيها فهماً خاصاً بوعيهم وحاضرهم ومتطلباته كإيقاف حدِّ القطع، والزواج بالكتابية وحكم المؤلّفة قلوبهم، وكان مستندهم في ذلك الفهم «المصلحة».
هذه هي مقدمة الكتاب، وفيها مجموعة من الآراء التي تحتاج إلى نقاش، ومنها:
إن تعرُّض القرآن لموضوعة الدَّولة واضح ومعترف به، ولكنَّه تعرُّض عام تُحدَّد، في عموميته، مسألة الدولة وكيانها في الأطر العامة، وتُترك تفاصيلها وآلياتها إلى العقل البشري.. ويمكننا القول: إنَّ عموم حركة العقل في الثقافة الإسلامية يلزم أن تكون داخل حدود النص، لأنها ـ تلك الثقافة ـ ثقافة النص. فإذا ما تحرَّر العقل من حدود النص وأُطره، فإننا سنخضع النص لحركة العقل، وهذه هي المسألة التي يتنازع فيها الإسلاميون والعلمانيون.
لذلك تسلسلت أدلَّة الأحكام، في الشريعة الإسلامية، حسب قوة الدليل، فأقوى الأدلة هو النصّ القرآني الذي يُعدّ بمثابة الدستور، وهذا بالضبط ما قاله الشاطبي عن القرآن: إنَّه أصل الأصول، وإليه تنتهي أنظار أهل الاجتهاد
________________________________________
(34)الجابري، الدين والدولة وتطبيق الشريعة، ص 6.
(35)م.ن، ص 16 و17.
(36)م.ن، ص 34.

[الصفحة - 27]


ومداركهم (37)، فالسنة نفسها ترجع إلى القرآن لاعتبارها كاشفة ومفسِّرة له (38)، وطبيعة الدستور تقضي بأن لا يتطرَّق للجزئيات ولا يتضمَّن الأحكام التفصيلية، ولا يتناول كلّ شيء بالاسم، وإنَّما يقتصر على أمهات الأحكام، وتأسيس الأسس العامة، وصنع الإطار الذي يتحرك عقل المشرّع في حدوده، بحيث لا يشرع قانون يتعارض مع قواعده (39)، فهو إن لم يتطرّق إلى بيان طبيعة الحكم، ولا إلى طرق انتخاب ولي الأمر، ولا انتخاب أهل الشورى، فذلك لأن هذه الأمور تتغيَّر بتغير الحياة، لكنه أثبت أربعة أسس هي: «العمل بمبدأ الشورى، ورعاية العدل، وممارسة الحق والواجب ضمن قاعدة المساواة، ووجوب طاعة ولي الأمر في ما لا يصدر منه معصية لله» (40).
أما السنَّة فتتناول أموراً تفصيليَّة، ومن ذلك: وضع وثيقة المدينة وتطبيقها، وتولي القضاء، وإعلان الحرب، وعقد اتفاقيات السلام، وتسيير شؤون الدولة، ... فهذه الأعمال جميعها مارسها رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) ونقلت إلينا بالتواتر، وهذه ليست إلا ممارسة لإدارة الدولة. وإذا كان جمهور العلماء يرى أنّ النَّبي (صلي الله عليه و آله و سلم) لم ينص على من يتولى الأمر بعده، فإنَّ جمهور المعتزلة والإمامية والزيدية يرى أنه أوصى لمن وجد فيه سمات الأفضلية المطلقة بين أصحابه، وقد نصّ الله تعالى عليه.
أما ما يذهب إليه الجابري من إهمال هذه الحقائق ـ دفعةً واحدةً ـ فهذا ما نعدُّه غريباً من مفكّرٍ معروف مثله.
ثم إلى جانب إغفاله لهذه الحقائق، ارتكز على «عمل الصحابة»، فهذا العمل هو:
أولًا: إما استناد إلى نص وفهم دلالة ما فيه أو حكم اجتهادي لم يستند إلى نص.
ثانياً: نادر جداً، إن لم نقل لم يحصل لبساطة الحياة آنذاك وإحاطة النص بمشكلاتها.
أما المستند إلى نص، فإمَّا فهم جماعي فهو ما يطلق عليه بالإجماع الأغلبي، أو اجتهاد فردي، والأول حجَّة إذا استكمل شروطه، وقد حصل الإجماع على ضرورة الحفاظ على إقامة الدولة بهيكلها ومفاصلها بعد رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم). وما قتال
________________________________________
(37)الشاطبي، الموافقات، 3/346.
(38)الإمام محمد بن إدريس الشافعي، الرسالة، ص 19.
(39)د. مصطفى الزلمي، أصول الفقه الإسلامي، 1/39.
(40)م.ن، 1/30.

[الصفحة - 28]


المرتدين إلَّا وجه من وجوه حق الدولة في بسط سيطرتها في الداخل، وهذا الإجماع مجمع عليه للنص العام وتطبيق فعلي لإحدى مصاديقه، أمَّا الرأي الفردي للصحابي ممَّا لم يُعرف له مستند فقد نقل الاتفاق أنه ليس بحجة إلا على نفسه ومن يقلده، سواء كان الصحابي إماماً أم حاكماً أم مفتياً(41)، وهو ليس بحجه ـ في ما بعد عصره ـ كما هو حاله في عصره، لأن الصحابي من أهل الاجتهاد والخطأ عليه ممكن، ولو قلنا بالتعبّد به ـ مع اختلافهم الشديد في أكثر من قضية لكانت أحكام الله مختلفة متناقضة فضلًا عن مشهور الأصوليين الذي يمنع تقليد العالم للعالم (42)، وهذا كله مناقض لما عدّه الجابري مرجعية. أما اعتباره أن الصحابي مارس الإسلام عن فهم صحيح سابق للمذهبيات، فهذا فيه نقاش أيضاً لاختلافهم وتعارضهم إلى حد التضاد في المواقف.
وعلى العموم، فهذا ليس منا موقفاً لرفض فهم الصحابي، إنما هو رفض للتعبُّد به، ولكنه يبقى اجتهاداً يقبله من يقبله، ويرفضه من يرفضه، بعكس النص الذي لا خيار فيه للمخاطب به.
وعموماً فإنَّ هذه المرجعية ـ كما أسسها الجابري ـ تتناسق مع عموم الخطاب العلماني الذي يرفض التقيّد بالنص، ويركّز خطابه في التطبيقات.
أما القواعد الأصولية المقنَّنة بعد عصر التابعين، مثل: خصوص السبب لا يخص الحكم أو قاعدة دوران الحكم مدار علّته، فقد كانت حاضرة وراء إفتاءات الصحابة وإن لم تكن مقنَّنة ومدوّنة، وعدم تقنينها وتدوينها لا يلغي مشروعيتها. فإذا كان الجابري بذلك يريد إبطال العمل بها، لهذا السبب، فالسبب ساقط ومقتضاه سقوط المسبَّب بسقوط السبب، أما إذا أراد الجابري إبطال العمل بهما، أو بغيرهما من قواعد الأصول اللفظيَّة فإنَّهما قد ثبتتا ببرهان واستقراء، فيلزم إبطالهما ببرهان واستقراء وإقامة بدائلهما بالوسائل نفسها حتى لا نقع في فوضى منهجية تحت عنوان المصلحة التي هي غطاء مطاطي، غير منضبط بضوابط صارمة لحركة العقل. ويلزم التأكيد هنا أنَّ المنهج في الثقافة الإسلاميَّة مجعول بالنص ومُستقرأ بالأحكام، فهو وليد النصّ ومولد الثقافة. فهذه القواعد جزء من المنهج الذي ثبت بالبرهان لتطور المعرفة، فالمعرفة معلول للمنهج، وعلة له في آنٍ واحدٍ، وكلٌّ من المعرفة والمنهج معلول للنص.
________________________________________
(41)الشافعي، الرسالة المحققة، ص 596. الغزالي، المستصفى، 1/35. الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، 4/390. شرح الأسنوي على المنهاج، 3/4. السَّرخسي: أصول الفقه، 2/105. الشيراز، التبصر في أصول الفقه، ص 395. جمع الجوامع، 2/135، محمد تقي الحكيم، الأصول العامة للفقه المقارن، ص 439.
(42)المصادر المتقدمة نفسها.

[الصفحة - 29]


أمَّا تأكيد الخطاب العلماني أن فعل الصحابة كان يراعي مبدأ المصلحة دوماً، ولا شيء غيرها(43)، فهو محل تأمل شديد، لأن كل أفعالهم كان لها مستند من نص، وليس فيه أي درجة من الإعراض عنه، لأن شرعيَّة عمل الصحابي كانت مرهونة باتّصاله بالنصّ، أمَّا ما يذهب إليه أغلب أصحاب الاتجاه العلماني من أنَّ النص الفقهي (فقه النص) ذو نسبية تاريخية فهو في المصداق وليس في الحكم، فالحكم واحد غير متعدد، لكن الموضوع والوصف هما المتغيِّر، وعموماً فليس في علم الصحابي، في ممارسته لدور الدولة، غبار سواء قلنا: إنَّ ذلك من النص، وهو الراجح الأكيد، أم هو ضرورة عصرهم مبتناة على أصل الإباحة، أم دلت مقاصد الشريعة على رجحانه (وهو مرجوح، بل مردود بلا أدنى شك). إنَّ خطورة الموقف الشرعي المترتِّب على مثل تلك المقدّمات لا تظهر في أحداث عصر الصحابة، إنّما إذا عَدَدْناها مرجعية لبناء المواقف، فإن هذا يمنح المعاصرين، بل عموم الأجيال الحالية والقادمة، فرصة لتجاوز النصّ وضوابطه والتعويل على المدرك العقلي للمصلحة، بل توجيه النص الوجهة التي تستجيب لضغط أعراف العصر والقِيَم المكوّنة إقليمياً ودولياً... وبالتالي فتحت الأبواب أمام علمانية من خلال أسوار الإسلام والفكر الإسلامي، تلج حياتنا تحت غطاء إسلامي.
ثم يلزم التنبيه على أن «المصالح»، بوصفها أدلَّة للأحكام، قد حظيت بدراسات متعدِّدة وعميقة وحوارات وخلافات انتهت إلى أن الراجح فيها أن المصلحة التي تستحقُّ أن تكون مدركاً للحكم الشرعي، بعد فقدان النص عليه (إجمالًا أو تفصيلًا) وفقدانه الإجماع أو الحمل على النص أو استصحاب حال، أي مع انعدام الدليل وسكوت الأصول فيه، يلزم أن تكون ـ المصلحة مدركاً للحكم من جنس «الضرورية/ القطعية، الكلية» (44)، وهذا الأمر غير ما تم عرضه من اعتبارها هي المصدر الأول، ثم تحكيمها في جميع أصولها.
إنَّ مجموعة من المواضع تثير البحث في مرجعيات الجابري منها:
تعويله على رفض النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) أن يكون ملكاً في مكة، مقدّمةً لكي يتوصل إلى أن مهماته لا تكمن في أن يكون زعيماً، بل صاحب دعوة جديدة، فهذه المفردة
________________________________________
(43)الجابري، الدين والدولة، ص 12.
(44)الغزالي، المستصفى، 1/140، والشوكاني، إرشاد العقول، ص 242.

[الصفحة - 30]


مثيرة، لأن الزعامة غير مستهدفة منه كيفما جاءت، إنما هو رئيس الدولة التي يؤمن أفرادها جميعاً بالإسلام، وهو نبي مرسل، وقائد للأمة، وأمير للمؤمنين، أما الكلام على الزَّعامة فهو جزء من فرضيات عبد الرازق التي لم يستدل عليها، بل إنّ ما ساقه من أدلة تعرض للنقد الشديد الذي بلغ حدّ نقضه، وما تقلَّده في المدينة من أعمال، بوصفه زعيماً للأمَّة وقائداً للجماعة، إلَّا برهنة على ذلك، لذلك لم تكن الدولة ضرورة في عصر الصحابة، لأنَّ أوضاعهم قد تطورت فأصبحت هيكلية دولة (45)، لذلك نحن نشاطر الجابري رأيه في أن مسألة العلاقة بين الدين والدولة لم تطرح في زمن النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) ولا في عصر الراشدين لاعتبار توحد النطاقين في سلطة الخليفة.
أما صرف الأنظار، في لفظة الأمر (ولي الأمر)، إلى مفهوم الحربي فهو اختزال لإجماع مفسِّري الأمة على أنّه الدولة ورئيسها وأن الإمامة ـ بالإجماع ـ قاعدة دينية (46)لأن النجدات والفوطي والأصم إنما ذهبوا إلى عدم الحاجة لها، فعلى تعويل استقامة أمر الناس، وهو فرض محال، والمعول عليه مستحيل فالمعول لا يتمّ به.
فالخطاب العلماني يحاول الوصول إلى أن مفهوم الدولة في الإسلام لم تفصح عنه آيات الكتاب، ولا سنة النبي ولا الإجماع ولا القياس أو العقل، وإنما «أفصحت عنه التجربة التاريخية»، ولأن الدولة نتيجة لعصرها فهي ستكون ملوَّنة به، ويبقى النص خاضعاً لتأويل متطلَّبات «المصالح». وهذا النسخ هو الذي يحاول الخطاب العلماني تركيزه، وهو «ترك المناقشة في النص والتعويل سلباً وإيجاباً على تطبيقات النص» لا النص نفسه، وبالتالي يسهم الخطاب العلماني في تصنيع صفة مركزية في الثقافة الإسلامية، إنَّها ثقافة معيارية تزن الفكر الإسلامي، بل والإنساني كله، بمعيار النصّ، فحيث تمَّ تأصيل مسوّغات الإعراض عن النص تمَّت تهيئة المقدّمات لمصادرة صفة المعياريَّة في فقه النَّص، بل في مطلق فكر الإنسان، أما بقية الأدلّة المتناثرة، هنا وهناك، مثل: إن الدولة لا يتسنَّى لها أن تكتمل ما لم تكتمل نظريَّة الدَّولة، وحيث أن النزول متدرج، وفيه ما يمكن أن ينسخ فكيف تقام الدولة؟ فإنَّ الدولة أقيمت في الأسس الأولى لتنشأ وتتطور مع نشوء النص وتطوّره، ولتكتمل مع اكتمال النص ولتبقى مكتملة بعد انتهاء النزول وانتفاء النسخ.
________________________________________
(45)الجابري، الدين والدولة، ص 16 و17.
(46)الشهرستاني، الملل والنحل، ص 33.

[الصفحة - 31]


أما تغليب الواقع على النص فهو هرم تفكير مقلوب، لأن النص هو الذي يفترض أن يشكِّل الواقع.
كان ذلك كله في المقدّمة التي عدَّها الجابري نظريته التي أسَّس عليها القسمين الأخيرين اللذين سنتناولهما بالعرض والتقييم.
الفرع الثاني: مسألة الدين والدولة
قرَّر الجابري أنَّ هذه المسألة لا تطرح كما طرحت في المرحلتين السابقتين كون الواحدة نقيض الأخرى، واستناداً لمرجعيتين: الأولى أوروبية والأخرى «سلفية»، إنما يلزم أن تطرح من داخل المرجعيَّة المؤسسة، كما تقدّم عرضها وتقويمها، ثم تحليل عناصرها، وكيف يجب أن تطرح في المشروع النهضوي المعاصر، وبما يكشف عن علاقة بين الواقع الراهن وآفاق المستقبل، وللإجابة عن هذه التساؤلات بنى الجابري على المقدّمة السالفة، فتقرَّر:
ـ أنه لمَّا لم يكن للنص القرآني، ولا للسنَّة، دور في تشكيل الدولة في الإسلام، وإنما كان الدّور لعمل الصحابة، فإنَّ هذا العمل أقام الدولة على أساس الفكر والاجتهاد، وليس على أساس النسب، وإنَّما على أساس القوة، وهنا يظهر «نسغ» تغليب الواقع (العينة) في الخطاب العلماني، ليتقرر فيه أن البيعة كانت نوعاً من التسليم بالواقع (47)، فرأى أنّ «المصلحة» هي تغليب القوّة على الفكر والنص، وأن الأقوياء (الحكام والخلفاء) سيجتهدون ـ حتى في معرض التعارض مع النص ـ لتمشية الأمور وفقاً للوضع الراهن آنذاك، ولذلك صار طبيعياً أن تنقلب الخلافة إلى ملك بسبب «إجمال الدليل» (النص) في مجاله الدستوري، الذي لم يُحدِّد شروط من يتولّى الإمامة، ومتى يجب عزل الإمام، وما هو دور القوى المعارضة لاجتهاداته، وما مدة ولايته...؟ فتركها للاجتهاد، إن هذه الثغرات الدستورية، كان يفترض أن تسدّ باجتهاد الصحابي ـ وفقاً لفرضية الجابري ـ لأنه أفضل من فهم الإسلام، لكن الحال أن الصحابي والتابعي مارسا «فعل/ قبول: ضغط مراكز القوى» لتغيير النص وفقاً لما اءُطلق عليه ضرورات المرحلة، أو بعبارة أدق معطياتها.
________________________________________
(47)الجابري، الدين والدولة، ص 70.

[الصفحة - 32]


ولذلك، لا يمكن للقارى أن يساير الجابري في نظريته (تغليب المصلحة على النص) لأن إدخال معطيات العصر، أياً كانت، في إطار المصلحة، تنظير جديد للمصلحة فيه تأمُّل ونظر شديد، بل الأدق أن يُقال: تغليب الواقع ـ أياً كان ـ على المصلحة ولو كانت الحقيقة الفكرية هي تغليب فهم الصحابي، بل تغليب إرادة الصحابي على المصلحة كان المرجعية التاريخيّة الحقيقية، فقد كانت الدّولة الأموية، منذ تأسيسها، تحاول الحصول على مسوِّغ شرعي لوجودها وكيانها وهيكلها العام.
ويسير بنا الجابري إلى طرح البديل الذي يراه معادلًا لطرح طبيعة الدولة وعلاقتها بالدين، في التصور النهضوي المعاصر، ليقرر أن الذي يجب أن يطرح هو شعار «الديمقراطية والعقلانية»(48)وكل منهما لا يعني، كالعلمانية، استبعاد الإسلام. ثم ينتقل الجابري ليفكّ الثنائية المرفوضة: الدين والدولة، وهي المعضلة المطروحة أساساً في الفكر الغربي، فيرى أن الدين يمثِّل ما هو مطلق، ويقصد به هنا النصّ، وتمثّل الدولة سياسة تدبير المجتمع، أي النسبي، وبينهما تغاير في الماهيّة، والوصف، والأثر، لذلك فلا يعدان طرفين للمعادلة النهضوية المعاصرة (49).
ويرى أن هاتين المقولتين هما السبب في التطرّف والحرب الأهلية في لبنان والجزائر (50). وعلى هذه المداخلات الفكرية نورد الملاحظات الآتية:
أولًا: نحن نتفق تماماً مع الجابري في أن جدلية العلاقة بين الدين والدولة معضلة، ذات منشأ تاريخي غربي، تمَّ انتزاعها ونقلها إلى العالم الإسلامي بِتَعَمُّد، وعُدَّت وسيلة لتطبيق آليات غربيَّة في بيئة عربيَّة يرفضها تاريخ تكوُّن الشخصيَّة الفكرية للاءُمة وعقيدتها وصيرورتها. وقد أحسن الرجل رصد الظاهرة.
لكن اعتبار العلاقة بين الدين والدولة ـ مما خلا النص في بيانها ـ أمر مشكل جداً لأن الدين ـ النص والفكر المؤسس على النص موجه للفرد المسلم والمجتمع المسلم وأجهزة إدارة المجتمع التي هي الدولة بالمصطلح المعاصر.
أما تحويلها إلى علاقة بين «أحكام الفقهاء وشكل السلطة» فهذا مبحث أجنبي عن لبِّ هذه الجدلية لأن فيه محورين: الأول محور فقهاء السُّلطة والثَّاني محور فقهاء المعارضة، أما الاعتقاد بأنَّ الفقهاء مفكرون في حدود عصرهم فهو يجري على
________________________________________
(48)م.ن، ص 108.
(49)م.ن، ص 117.
(50)م.ن، ص 117.

[الصفحة - 33]


مجرى الفرضية العلمانية التي تستبعد النص، وتشكّك في ثقافة النص، أو على الأقل تعدُّه نتاج عصر ما، فتزيد نتاجاً معاصراً يستبعد النص هو الآخر أو يؤوله تبعاً للنتاج البشري المحض، وتسعى إلى إخضاع النص للواقع وليس العكس، ومهما يكن نوع التطبيق للنص/ أو للضرورة التاريخيَّة في مسألة الخلافة. إلا أنّ إجماع العلماء المستند إلى النص يُقرِّر ضرورة إقامة الدولة الإسلامية المشكلة بشخص الخليفة أو ولي الأمر، وسواء قَرَّرها النص ونفّذها الصحابة أم أنها ضرورة اكتشفها الصحابة، فإن المحصّلة، ووفقاً لمرجعيّة الجابري، كانت مؤسسات تخدم الدين، بل يُجمع العلماء على أنَّها موضوعة لخلافة دور النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا(51)وانعقادها على الأمة واجب «عقلًا أو شرعاً أو بهما».
وقد فصَّل الفقهاء في شروط الإمامة، فذهب الشيعة إلى أنها للمعصوم من الأئمة تثبت بالنص، وذهب غيرهم إلى أن شروطها سبعة: «العدالة، الاجتهاد، سلامة الحواس والأعضاء، والخبرة الأرقى في سياسة الرعية، وتدبير المصالح، ومواصفات أخلاقية أرقى، ثم شرط النسب». وتقرَّر أنها تنعقد باختيار أهل الحل والعقد (ممثِّلو الشعب الحقيقيّون)، أو بعهدٍ من إمام سابق يُصادق عليه أهل الحل والعقد إذا كان أكثر المرشحين فضلًا وأكملهم شروطاً، ومن يسرع الناس إلى طاعته. قال الماوردي: «ولو كان أحدهما أعلم، والآخر أشجع، روعي في الاختيار ما يوجبه حكم الوقت»، وإن كان الجمع أكمل ولا يصار إلى المفضول مع وجود الأفضل إلا لعذر ملجى، وذهب جمهور الفقهاء والمتكلمين إلى أنَّ إمامة من لم يختاره أهل الحل والعقد لا تنعقد، فالإمامة من الحقوق العامة المشتركة بين حق الله وحقوق الآدميين (52). ويرى الماوردي: إذا جرح الإمام في عدالته بما تابع فيه شهواته فهذا فسق يمنع من انعقاد الإمامة، ومن استدامتها، فإذا طرأ على من انعقدت إمامته خرج منها، ولو عاد إلى العدالة لم يعد إلى الإمامة (53).
إنَّ هذا النص، على طوله، يكشف لنا أنَّ الآية الكريمة الموجبة لنصب الإمام أساس في هذا الفكر، ويلحظ فيه ما يطلق عليه في التشريع الإسلامي «منطقة الفراغ»، وهي الفسحة التي تركها المشرع للاستفادة من قواعده العامة المستوعبة، لأن الأصل في النصِّ الإسلامي أنه الصورة النظرية الصالحة لجميع العصور (54)، ولا
________________________________________
(51)الماوردي، الأحكام السلطانية، ص 15.
(52)م.ن.، ص 15 ـ 37.
(53)م.ن.
(54)محمد باقر الصدر، اقتصادنا، ص 638.

[الصفحة - 34]


تدل منطقة الفراغ على نقص أو إهمال لبعض الوقائع، بل حددت تفكير المجتهد في إطار النصّ العام المتّفق عليه. إن «الاجتهاد السّليم المنضبط بضوابط النص» هو الذي يملأ منطقة الفراغ حسب مقتضيات الظروف. وإذا ما أهملنا منطقة الفراغ ودور هذا المبدأ، فإنَّنا سنقع في تجزئة إمكانيات التصوّر الدستوريّ الإسلامي ونتقيد بالنظر إلى العناصر الساكنة فيه من دون العناصر المتحرِّكة. وإذا كان الأمر كذلك فما لم يوجد حاكم «مستجمع لشروط الحاكميَّة المشروعة» يتمتع بما كان الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) يتمتع به لا يتاح ملء منطقة الفراغ (55)، لذلك فإنَّ إقامة الدولة أولًا على أساس الاجتهاد شرط في من يتولّى مؤسساتها، ومجلس للشورى من المجتهدين من أهل الخبرة... ليتقرّر بذلك ملء الفراغ، وهذا هو الإجراء الأدقّ في أن نملأ منطقة الفراغ من دون ضوابط النصّ وضوابط إقامة الدولة بمواصفاتها، ولذلك تظل تنظيرات المجتهدين، خارج تشكيل الدولة الإسلامية، إسهامات نظرية ترفد الخزين الثقافي الإسلامي إلى حين تحقق الشروط الموضوعيَّة، لذلك فالجابري يرى الصَّواب حين يقرِّر أنَّ الاجتهاد يختلف باختلاف الظروف، شريطة ولكن أن يتم ذلك في إطاره السليم والصحيح (56)الذي يبدأ من معرفة النص معرفة تفصيلية مستغرقة، والتأكد من صدوره عن المعصوم، والتماس حجّية النص، وخبرة عالية في المرجّحات في حالة التعارض أساسها الخبرة اللغوية، وضمن تسلسل تكرر الإجماع عليه من أجيال الأمة أن يبدأ بالقرآن ثم السنة، ثم الإجماع، ثم العقل، الذي ترد المصلحة المرسلة بوصفها إحدى مسالكه (57).
وبعد ذلك يُعدُّ من الشاذ الذي لا يعتد به القول: إن جل الاجتهاد، أو الاجتهاد كله، في ما لا نص فيه يرجع به إلى المصلحة (58).
بل حتى الشاطبي ـ صاحب نظريَّة المصالح ـ فإنَّه يقرّر أن الأدلّة ضربات النقل والرأي، فأمَّا الأول فالكتاب والسنة، أمَّا الثاني فالقياس والاستدلال.
ويقرر أنَّه حتى السنَّة لها رتبة متأخرة عن الكتاب (59)، ويرى أن أركان الاجتهاد علم لسان العرب، وعلم أسرار الشريعة ومقاصدها، والثاني تبع لفهم النص (60).
بعد ذلك كلِّه، فمن الغريب أن نحمِّل النظريّة الدستوريّة الإسلاميَّة وزر
________________________________________
(55)م.ن، ص 363.
(56)مسوغات الاجتهاد في: الآمدي، الأحكام، 4/396، محمد الخضر حسين، أصول الفقه، ص 357. محمد تقي الحكيم، الأصول العامة، ص 572 ـ 579.
(57)ابن قيم الجوزية، أعلام الموقعين، 3/181، الماوردي، أدب القاضي، 1/488. جمع الجوامع، 2/379، الغزالي، المستصفى، 2/351، الأسنوي، على المنهاج، 3/197، الشاطبي، الموافقات، 4/89، عبد الشكور، مسلم الثبوت، 3/399.
(58)الجابري، الدين والدولة، ص 74.
(59)الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، 3/41، 4/11.
(60)الشاطبي، الموافقات، 1/5.

[الصفحة - 35]


التطبيقات المنحرفة، ليحسب الجابري أن ما حصل، زمن عثمان ومعاوية، ثغرات في الدستوريّة الإسلاميَّة.
أما ما ذهب إليه الجابري من أن الدستوريّة الإسلاميّة تفتقد بعض القواعد، كوجود طريقة لاختيار رئيس الدولة، فقد مرّت آراء الفقهاء في نص الماوردي، وإن كان قد عدّها تسويغاً للماضي والحاضر، وهذا حكم عام وجائر إذ ليست كل أفكاره من هذا القبيل، وعلى الخطاب الإسلامي أن يبرز ما ذكرناه في مبدأ منطقة الفراغ، وإني أتساءل هنا: لو التزم رئيس الدولة بالعدالة وثبتت له الأعلمية والخبرة، وكان عادلًا دائماً، فما وجه الحاجة إلى تحديد مدّة ولايته، إن تحديد مدة الولاية إفراز للهوى والشطط الذي هو من طبيعة عدم تقيّد الفكر العلماني بنص يحتاج إليه لإثبات استمرار مشروعيَّة السلطة كاملة في الدستوريَّة الإسلاميَّة.
أمَّا لماذا لم يطالب المسلمون بإسقاط خليفة لم تتوافر فيه شروط الخلافة، فقد حصل ذلك في زمن عثمان، وحصل في زمن بني أُمية بالثورات العلويَّة وغيرها، وذلك كله إشكال في الموضوع لا في الحكم.
أما عن الديمقراطية والعقلانية فيمكن القول: فكما أن العلمانية وفصل الدِّين عن الدولة «معطيات بيئة غربية»، فإنَّ الديمقراطية كذلك، فلدينا نظام الشورى الذي يمكننا أن نجعله عنواناً يتقبل تجارب الاءُمم ممَّا لا يتعارض مع النص. وعندي أنه إن سكت النص عن شيء فلا مانع من ترتيب أسلوب للحكم يتفق مع اءُصول الشريعة.
أما العقلانية ففي تراث المعتزلة، والشيعة، والاتجاهات الإسلامية المعاصرة، درجة عالية من العقلانية في التعامل مع النصوص ومع الواقع، وطالما يجوز الأخذ بموقف إسلامي سليم، فإن ما لا يتلاءم مع العصر من آراء سلفية غير ملزم لأنَّ الإسلاميين لا يقدِّمون أيَّ فكر أيَّاً كانت وجاهته، إنَّما المرجعيَّة في النص فلا بدّ ـ في حالة التعارض ـ من إعادة النظر بالنصّ ضمن ضوابط أُصوليَّة مقرّرة مبرهن عليها.
وإن قضية التحسين والتقبيح لخير مثال على مثل هذا المدخل، وإلا فإنَّ العقلانيَّة إذا أُريد بها أبعد من هذا التصور أو كانت بديلًا عن النص؛ فإنَّنا نقع في معضلة «علمانية جديدة» تدخل من بوابة إسلامية، فلا بدَّ من التحديد، والتفصيل،
________________________________________

[الصفحة - 36]


والوضوح، والبرمجة، لئلا نسقط مرةً أُخرى في النقطة التي بدأ منها الحوار بين الخطابين وفي ما أنكره الجابري ورصده وعدّه إخفاقاً من إخفاقات الفكر النهضويّ المعاصر.
أما موضوع كون الدين مطلقاً والسياسة نسبية، فلا مانع من ذلك، لكن لا يلزم منه التباين، لأن المطلق أهم من جميع النسبيات، وإذا عرفنا أنَّ السياسة إجراءات لإدارة المجتمع ومؤسساته، وفن إدارة الصراع كما يُقال، فإن إطلاق النص جعل هذا الفن، أو الإجراءات، ضمن مقولة العناوين الأوليّة والثانويَّة. أما الكلام على موضوع الحرب الأهلية في لبنان والجزائر وغيرهما، فما يجري فيهما ليس صراعاً دينياً وإنَّما هو صراع معقَّد يمثل فيه التدخل الأجنبي العامل الأساس، وقد فرض على إرادة الاءُمة سواء بتقسيم المجتمع اللبناني أم بفرض العسكر والديكتاتورية على الجزائر. وإلَّا فإنّ حسن التعامل مع أهل الأديان في الإسلام واجب شرعي، وحسن احترام الأقلية للأغلبية في ما تقرره ضمن ضوابط الشريعة واجب شرعي، وإن أحكام المجتهدين تبعاً للنصّ تدور مدار احترام الإنسان وكرامته، بغض النظر عن دينه، على الرغم من أن دولته دولة فكرية وتوجهاته كذلك.
الفرع الثالث: تطبيق الشريعة
القسم الثاني من كتاب الدِّين والدَّولة
هذا القسم مجموعة من الآراء في تطبيق الشريعة، تنتقد شعار الإسلاميين: «الإسلام هو الحل» ضمن مجموعة من المقدِّمات والنتائج.
ومن تلك المقدِّمات: إنتقد الجابري مصطلح الصَّحوة الإسلامية، ورغب في استبداله بمصطلح التجديد، لأن المطلوب حالياً، في ما يرى، هو التجديد وليس الصحوة على عدم تطبيق الإسلام، وأفاد بأنَّ التجديد هو فعل العقل كما حدّده مشروعه في نقد العقل العربي (61).
وبما أنه يرى ـ كما هو الظَّاهر ـ أنَّ أمر الدنيا متجدِّد بطبيعته، فمفهوم الدين يلزم أن يتجدّد تبعاً لمتطلَّبات الظروف (62).
________________________________________
(61)الجابري، الدين والدولة، ص 139.
(62)م.ن، ص 130.

[الصفحة - 37]


ولكي لا يصطدم بمفهوم البدعة ـ كما هي عند الإسلاميين عموماً والسلفيين منهم خصوصاً ـ ميَّز بين البدعة الحسنة والبدعة المذمومة متكئاً على تفسيره لها، ومن ثمَّ استفاد من أن البيان الشرعي لمسائل السياسة والاقتصاد بيان عام وكلي، ومُصاغ صياغة مبادىء عامَّة بعكس العبادات والأحوال الشخصية المبيَّنة بياناً تفصيلياً، فرتب على ذلك أن مسائل الاقتصاد والسياسة ممَّا يخضع للاجتهاد والتجديد (63).
وأوضح أنَّ مراده بالتجديد «إيجاد الحلول العملية لما يطرحه علينا عصرنا من قضايا لم يعرفها ماضينا» (64)، شريطة أن تكون نافعة لنا على طريق التقدم، وإذا كان ذلك يتطلب شيئاً فإنما يتطلب «تجديداً في الأعماق ومن الأعماق»، كما هو نص عبارته (65).
وعلل ذلك بأن الحضارة العالمية التي نحن جزء منها تتطلب المواجهة معها بفكر جديد تماماً وأساليب جديدة تماماً (66).
وقرَّر الجابري أنَّ السلفية القديمة كانت علاجاً لظرفها، لأن الحضارة العالميَّة لم تكن تزاحم حضارتنا ولا تهددها، أمَّا حالياً فليست حضارة الغرب سوى حضارة غيرنا، والمسلمون حالياً متراجعون، إذاً فلا بُدَّ من أنموذج آخر غير الأنموذج السلفي، فتجربتنا حالياً تضاف إلى تجارب الاءُمم من طريق التقنيَّات المعاصرة التي تنشر المعرفة والأفكار والتوجّهات نشراً سريعاً ومؤثراً وتفصيلياً، فحضارات الاءُمم حضارة للعالم أجمع في ما يطلق عليه، اليوم، «العولمة» والكونية، وحيث أن الحضارة المعاصرة تتلخص في مبدأين هما: «العقلانية، والنظرة النقديَّة للحياة والفكر أيّاً كان» (67)، فإنَّ التصور السلفي المتمثل في أن الحياة قنطرة للآخرة لا يصلح للتعامل مع هذه الحضارة، وإن كان هذا المنطق قد أدَّى دوره في عصر الإيمان لا في عصر التقنية والعلم والايديولوجيات، فلا تنفع اليوم تجربة السّلف إنَّما نحن بحاجة إلى تجربة الخلف.
ويرى الجابري أنَّ الصراع السياسي المعاصر يدور في محور التشريع والفقه يجسده من الإسلاميين شعار «الإسلام هو الحل»، بينما الصراع في عصر السلف كان صراع مواقف عقديَّة، كلامية، وتساءل عن هذا «الاستدبار» في التوجُّه والمحورية
________________________________________
(63)م.ن، ص 133.
(64)م.ن، ص 133.
(65)م.ن، ص 134.
(66)م.ن، ص 134.
(67)م.ن، ص 141.

[الصفحة - 38]


في الصراع، فأفاد بأنَّ صراع الماضي كان رد فعل لآثار الحضارات العقديَّة السابقة، وليس هناك تحدٍّ قانوني، أما اليوم فالصراع في «القوانين العملية الحياتية، ذات المناشى المتعدّدة (غربية وإسلامية)».
إذاً فلا بُدّ من الضبط والعقلانية والاعتدال مقابل التطرف، وإذا كان الفقه الإسلامي غير مرفوض البتة، فلا بد من إعادة بنائه على أساس المناهج والمفاهيم المعاصرة في الاقتصاد والسياسة والاجتماع.
وهذا لا يحصل باستئناف الاجتهاد ـ كما يصوره المبدعون من الإسلاميين كالإمامية والزيدية وغيرهم، بل لا بد ـ عند الجابري ـ من إعادة بناء القواعد الُأصولية وإعادة بناء المجتهد المسلم(68)، فلا بد من إعادة النظر في قاعدة مقتضى الأمر الوجوب ومقتضى النهي الفساد، ولا بدّ من تقرير عدم صلاحية القياس في تحصيل حكم الفروع، وتحكيم المصلحة مكان ذلك كلِّه.
وإن الاجتهاد إنما اءُوقف ـ في نظره ـ لنضوب النص، ويرى أنه لا بد من أن يصار إلى عدم الوقوف عند النص والانحصار في القياس وتبني الأحكام على تحكيم المقاصد والمصالح، وبالضبط كما فعل الشاطبي، بل وكما فعل الراشدون في الإعراض عن النص في قضايا كثيرة، والعمل بموجب المصلحة مثل تصرف عمر في الأرض الخراجية، والمؤلفة قلوبهم، وإيقاف حد القطع... الخ.
ويرى أن الشريعة لم تطبَّق البتة، ففي مرحلة البعثة لم يكتمل النص حتى تطبَّق، فضلًا عن النسخ والتدرج وأن الفقهاء اختلفوا في المراد من النص؛ ذلك لأن للإسلام صيرورة حضارية تكمل أجزاؤها المتعاقبة أجزاءها السالفة.
هذا أبرز ما جاء في القسم الثاني، وسأورد عليه الملاحظات الآتية:
1 ـ إن ما يحتاجه الوضع العربي والإسلامي، إذا أقررنا بأنَّ الإسلام هو لب الحضارة وأبرز مشاريع النهضة الموازية لتاريخ الأمة، هو معرفة هذا الدِّين معرفة حقيقيَّة، فنعرف أنَّ فيه ثوابت ومتغيرات، فللثوابت نحتاج «صحوة» وللمتغيرات نحتاج «التجديد»، والتركيز على التجديد متساوق مع فرضية بحث الجابري وأهدافه. ويلحظ أن الجابري ركّز على «متطلبات التغير» فقط جاعلًا وظيفة المشروع
________________________________________
(68)م.ن، ص 153 ـ 157.

[الصفحة - 39]


النهضوي الاحتواء المطلق للتغيرات، وهذا بالضبط «دعوة» إلى عقلنة الفكر مطلقاً، وذلك يتعارض مع الأصل الذي انطلق منه، وهو تقديس النص واحترامه وعدِّه الأصل، لكن إجمال النص لا يرتفع مسوغاً للاجتهاد وقبالته، أمَّا ما لم يعرفه ماضينا من المشكلات فأمامنا خياران لاكتشاف «حكمه الشرعي».
الأول: أن نتحرك ضمن إطار النص ووفق الضوابط العقلية للوصول إليه.
الثاني: أن نجعل النص بوابة «لإعمال العقل الإنساني لاكتشاف الحكم حتى ما تعارض معه، وهذا الذي يفهم من عبارته: «إنَّ المطلوب هو التجديد في الأعماق من الأعماق»، وهذا ما تفيده الدعوة إلى التجديد التام في الفكر، والتجديد التام في الأساليب، وهذا ما تفيده الدعوة إلى الاندماج ـ اليوم ـ بالحضارة العالمية الحديثة، لأن المشروع معروض في ظلِّ الاعتقاد بأن الأمم الاءُخرى نجحت تماماً في فرض حضارتها على العالم أجمع.
وإذا كانت هذه المسوِّغات مقدمة لتقرير أن الوضع العربي الراهن بحاجة إلى العقلانية والنظرة النقدية للحياة، فإن المسألة محالة على مباحث التحسين والتقبيح التي انتهى المتطرِّفون فيها إلى أن هذه المباحث تكون في ما سكت عنه النص، ولم تعد في المسألة قابلية للحمل عليه، وليس اعتباره مرحلة لها آثارها الخفيفة الأثر إلى حلول مشاكلنا المعاصرة. ولعلنا نواجه دعوة أشبه بالصريحة للإعراض عن أحد أركان التصور الشمولي إذا افترضنا أن الدنيا لا علاقة لها بالآخرة طالما أن عصر اليوم هو عصر علم وتقنية وأيديولوجيات.
2 ـ لقد كشف لنا بحث الجابري أن السياسة كانت تمارس على مستوى العقائد، يوم كان التشريع الإسلامي لا تتحداه قوى منافسة له. أما اليوم فالمشكلة في التحدِّي القانوني الغربي للتشريع الإسلامي، فتحوَّلت السياسة لتمارس على مستوى الفروع الفقهيَّة كالحجاب والربا والجهاد.
ويرى الجابري أن الفقه يلزم أن يعاد بصورة تصورات متكاملة للنظم الاقتصادية، والسياسية، والقانونية، بتوظيف المناهج والمفاهيم المعاصرة التي أفرزتها المعرفة في القرن العشرين قبالة التجزئية في الأحكام.
________________________________________

[الصفحة – 40]


وهذه الفكرة أروع ما يلزم أن يسعى المفكّرون الإسلاميون من أجلها على أن تتم وفق القياسات الأصولية الشرعية. أما إذا أعيدت صياغة الفقه ـ تصورات متكاملة ـ مع إطلاق العقل في الشكل والمضمون بحجة عدم صلاحية النص ونضوبه، وعدم صلاحية مسالك الاستدلال ليصار إلى عقلانية جديدة، فهذا معناه أننا نتقدم في الصياغة، ونخفق في المضامين، فتحسس المشكلات المعاصرة ومتطلبات العصر وتلبيتها شيء، وتبديل ضوابط الاستفادة من النص شيء آخر.
إن التبديل يقع على «نتائج عامة» مُبرهن عليها، درستها أجيال من علماء الأصول، فإذا أريد تبديلها فإن ذلك يتطلب وعياً علمياً وحضارياً عالياً يثبت خطأ ما تقرر من قواعد أصولية وبطلانه، ويقيم البرهان على القواعد البديلة، ويفحص علمياً إنتاجية تلك القواعد لتتقرر بعدها مشروعية التبديل.
هذا على مستوى القواعد الأصولية، مثل «مؤدَّى الأمر، ومقتضى النهي، وقاعدة الدوران... الخ». أما على مستوى القياس، أو الاستفادة من النص الكلي والنص العام، فإن «افتراض كون المشكلات المعاصرة، لا تشكل فروعاً متحدة العلة» مع أصول لوقائع سابقة، فهذا يواجهه التشكيك بعموم النصوص التي اعترف بها الباحث، وجعلها مقدمة للركون إلى التطبيقات، وهو موقف عقدي يحتاج إلى إعادة نظر، وكذلك يحتاج إلى برهنة علمية على مثل هذا الفرض الهائل الخطورة الذي لم يقم البرهان عليه بعد، لا من جهة تحليل عناصره، ولا من جهة عدم خضوعه لعموم النص. إنَّ تبني «قضية» نضوب النص في استيعاب مشاكلنا المعاصرة، دعوة صريحة للإعراض عنه، لذلك يحتاج الإسلام نفسه إلى تجديد، لا الفكر الإسلامي. وإذا كان هذا الإعراض مجملًا بالعودة إلى المصلحة، فهل المصلحة مرجعية قطعية أو ظنية؟ وماذا لو تعارضت مصلحة ومفسدة؟
من يدعي أن الإنجاز العقلي قادر على حسم مثل هذا التَّعارض؟
وإذا كان مشروع الجابري امتداد لمشروع الشَّاطبي، فهو مباين له في تسلسل الأدلة وخضوعها لضوابط اللغة والقياس. والحق أنه دعوة مستندة إلى «الإضافة النوعية» إلى مشروع الشاطبي لكن تنقصه:
________________________________________

[الصفحة - 41]


أ ـ ضرورة فهم العلاقة بين النص وثقافة النص، والصلة بين التصوُّر العقدي، والتصوّر الفقهي (أصوله وفروعه).
ب ـ إيجاد البراهين على خطأ النتاج الأصولي جلّه أو كلّه.
جـ ـ جهد مؤسس لقواعد وأدلّة جديدة.
3 ـ في دعوة الجابري: إنَّ الراشدين تصرَّفوا من منطق المصلحة معرضين عن النص مسامحة كبيرة، وإذا تقصَّينا الأمثلة التي أوردها نرى:
ـ أن تصرف عمر في الأرض الخراجية صدر عن نص ذكره أبو يوسف في الخراج، وهو الآيتان7 و8 من سورة الحشر {ما أفاء الله على رسوله..} (69)والآية (9) التي أسست كون الخراج حقاً عاماً دائماً للمسلمين جميعاً، ولم يكتف عمر بالنص، بل أجرى مشاورة علنية ليكون الإجماع عليه دليلًا، أما المصلحة هنا فهي المعزِّز في صحة فهم النص، وليس الأصل في التشريع.
4 ـ في مبحث الجابري «الحدود تُدرأ بالشبهات» تعويل على تطبيق غير مستوعب للحقائق، فالذي عليه التحقيق أنَّ الإسلام لا يكون «فعلًا متكاملًا» إلَّا بعد توفير الظروف الاجتماعية والبيئية لتركيز الاعتقاد والقيم الأخلاقية «البناءة لذات الإنسان»، ثم تشريع التكافل، والضمان، والحريات الأساسية، ثم التطبيق للقانون الجنائي، وإن حصل عكس هذا في بعض التجارب فذلك يعود إلى قصور في الفهم أو إلى دفع من قوى معينة.
5 ـ إن دعوى أن الشريعة لم تطبق كونها لم تكتمل، في عصر الرسالة، هي شبهة مقابل بديهة؛ حيث أن «كل الأنظمة البشرية لم تطبق لما يرد عليها من مكملات دائمية». لقد أسس الإسلام في بدء نزوله منطلقات إقامة الدولة والمجتمع في مكة، وطبقها فعلًا في المدينة، وملأ الثغرات والفراغ، وهذا القول مبعثه توهم لتساوي المصادر والأدلّة، فالكتاب الكريم هو الأصل، والسنة شارحة، والإجماع توافق على فهم دلالة النص، والقياس والعقل مسالك عقلانية داخل النص، وتأسيس الدولة وسياسة المجتمع ـ كان يكفيها ـ اكتمال الأسس في النزول المكي وورود الأحكام في وقائع المستجدات.
________________________________________
(69)أبو يوسف، الخراج، ظ شروح الخراج، كشرح الرحبي، الرتاج، 1/192 و193. وأبو عبد القاسم بن سلام الهروي، الأموال، ص 233.

[الصفحة - 42]


أما الدفع بأن تدرّج النزول وظاهرة النسخ مسوغان للقول: إنَّ الشريعة لم تطبق كاملةً، فهو شبهة، لأن الدولة أقيمت بما يكفيها من النصوص وما ورد بعد تكوّنها أجاب عن حوادثها، وظل سقفاً لكل حادثة أو واقعة تحصل في ما بعد، ولم تكن، في لحظة ما من تاريخ المسلمين، آراء الفقهاء والاجتهادات جزءاً من الشريعة، إنَّما ثقافة مؤسسة على النص، تتبع دليلها فإن كان قطعياً قطع الخلاف فيه، وإن كان ظنياً جازت الرؤية له من زاوية أُخرى ضمن دلالات الدليل.
أمَّا النّسخ فالذي عليه أهل العلم، في الأغلب، أنه قليل جداً لا يتعدى عدد الأصابع..
________________________________________

[الصفحة - 43]