البحث في...
عنوان التقرير
إسم الباحث
المصدر
التاريخ
ملخص التقرير
نص التقرير
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

September / 26 / 2020  |  875الغرب يعزز صورة الصراع بين المسلمين ويغذيها، السنة والشيعة لم يقتتلون؟

نقد ومناقشة: جهاد سعد المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية شتاء 2020 م / 1441 هـ
الغرب يعزز صورة الصراع بين المسلمين ويغذيها، السنة والشيعة لم يقتتلون؟

يأتي هذا الكتاب الفرنسي في إطار حرص المستشرقين المحدثين على تعميق وتظهير الإنقسام المذهبي الإسلامي، وإبقاء الشروخ التاريخية كعامل سياسي يصنع الحاضر والمستقبل، ضمن المبدأ المقدس عند المستعمرين فرق تسد.

منطلقةً من حادثة مقتل الصحفية أطوار بهجت عام 2006 على يد تنظيم القاعدة، وأنها كانت شيعية الأم سنية الأب، تطور غوزلان مرثيتها للاسلام والحضارة الإسلامية التي ماتت في مدينة ألف ليلة وليلة، تحت أقدام المليشيات الطائفية من الطرفين.

يضمّ  الكتاب ديباجة وأربعة فصول وخاتمة.

الفصل الأول: إلى أي تاريخ يَرجع الانفصال؟

الفصل الثاني: هل هناك نسختان للإسلام؟

الفصل الثالث: كيف أصبح العراق قلب الصراع؟

الفصل الرابع: لِمَ عمّ الشقاق كل أرجاء العالم الإسلامي؟

في الفصل الأول (إلى أي تاريخ يرجع الانفصال؟) تسرد الكاتبة المحطات الرئيسية من تاريخ الإسلام مُنطلقة من لحظة وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والأحداث التي وقعت بعدها.  أشارت الكاتبة إلى أنّ وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ليس فقط أطلقت صرخات التأوّه من قلوب المسلمين، وإنّما شكّلت مدخلًا إلى مرحلة جديدة عنوانها الشقاق بين المسلمين. واعتبرت أنّ الحروب التي عصفت بأرض المسلمين بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) دارت بين السنة والشيعة.

يفتقر هذا الوصف إلى الدقة لأن آل البيت(عليهم السلام) والصحابة كانوا شاركوا معًا في حروب الردة دفاعًا عن الإسلام، واعتمد الخليفتين الأول والثاني على فقه الإمام علي (عليه السلام) في القضاء ومرجعيته العلمية حتى أثر عنهم لا «بارك الله في معضلة لست فيها يا أبا الحسن» و«لولا علي لهلك عمر»، لأن سياسة آل البيت(عليهم السلام) في تلك الفترة اعتمدت على بيان الحق من جهة وخدمة الأمة من جهة أخرى، والتي كانت دخلت مرحلة التأويل بعد التنزيل، فتصدى الإمام(عليه السلام) لإرساء التشريع وبيان الأحكام وتفسير القرآن كان مهمة تأسيسية لا غنى عنها باعتباره الأعلم في كتاب الله جل وعلا وسنة رسوله صلى الله عليه وآله...

ثم أن مقاربة ما حدث في العراق وغيره من الدول بعد الغزو الأميركي من هذه الزاوية التاريخية بالذات، فيه تجاهل لأدوار الدول الفاعلة التي تحدد مصالحها السياسية أولاً، ثم تستخدم «العتاد» المذهبي في أي دولة وفقاً لتلك المصالح، والبسطاء لا يقرؤون إلا سطح الأحداث فيرون أميركا مع الشيعة في العراق ضد السنة، ومع السنة في لبنان وسوريا ضد الشيعة، والحق أنها مع نفسها، وضد أي استقرار في العالم العربي والإسلامي يهدد هيمنتها على الموارد وأمن إسرائيل.

أريد لهذه الصراعات أن تبدو مذهبية، وسخرت فضائيات ووسائل التواصل الإجتماعي لإبراز هذا الجانب كغطاء للمصالح الكامنة خلفها، وقد اعترفت جهات سياسية مرموقة بأن نشر الوهابية كان بإيعاز أميركي ضد الشيوعية في الحرب الباردة، وضد الشيعة اليوم، فيما لا تعبر الوهابية المعاصرة عن الرأي العام السني ولا تمثله، بل تهيمن عليه بالإمكانيات المادية وليس بالتمثيل العددي.  

تغوص الكاتبة في تفاصيل الأحداث واصِفة أوضاع أسرة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أو أهل البيت، كما يُسمّيهم الشيعة. وتتناول العلاقات الاجتماعية بين أسرة النبي من جهة وبعض المسلمين، لا سيما الخليفتان أبو بكر وعمر، من جهة أخرى. تتألف أسرة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) من ابنته فاطمة وزوجها علي وولديهما الحسن والحسين. وهؤلاء الخمسة هم «أهل الكساء» حسب الموروث الشيعي. تصِف الكاتبة الصبر الأسطوري الذي تعاطى به علي وفاطمة مع الفاجعة. فعليّ مشغول بغسل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) فيما المسلمون يتناحرون على تحديد الشخص الذي سيتولّى أمور الخلافة. وقد انقسم المسلمون بين أهل المدينة الذين احتضنوا وآزروا محمد ومَن جاء معه من مكة بحثًا عن ملاذ، وهؤلاء يرفضون بطبيعة الحال أي إمرة مكّيّة؛ وبين أهل مكة الذين رأوا أنّ الخلافة تختص بأهل مكّة لأنّ الرسول هو مكّي الولادة وقد ترعرع فيها. لم يتأخّر أبو بكر، وهو والد إحدى زوجات الرسول، عائشة، ومن صحابة النبي. إضافة إلى ذلك، هو من أسياد قبيلة قريش ويكبر عليًا بسنوات ويحظى بالوجاهة بين قومه لذلك كان مرشّحًا قويًا لتولّي منصب الخلافة. لكنّ أبو سفيان لم يعجبه الأمر فسارع إلى عليّ بن أبي طالب يحثّه على طلب الخلافة. والواقع أنّ أبا سفيان لم يكن شخصًا يمكن الوثوق به وأصبح فيما بعد عدوًا لدودًا لعليّ.

ثم عاد وتحالف أبو سفيان مع أبي بكر عندما عَلِمَ أنّ الأخير سيُعيّن ابنه معاوية واليًا على الشام. تولّى أبو بكر الخلافة والمسلمون في حالة من الفوضى والقبائل تثور على بعضها البعض لكنّه نجح في فرض سلطته عليها. كان عمر من أثرياء مكة وحليفًا قويًا لأبي بكر، وحاميًا له في أيام خلافته. يرى الكاتب تصوّرين اثنين للإسلام: فمن جهة، هناك علي بن أبي طالب الذي ما فارق الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) حتى وفاته وهو الذي تولّى غسله ودفنه، مُنزّهًا نفسه عن الصراعات الدائرة على منصب الخلافة. ومن جهة أخرى، هناك أبو بكر صاحب شعار التفرّد بالسلطة وبناء أكثرية. وهو الشعار الذي التقى عليه أغلب المسلمين الذين باتوا يُعرفون بأهل السنة.

ولم تنسَ الكاتبة ابنة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وزوجة الإمام علي(عليه السلام)، فاطمة(عليها السلام)التي لها ألقاب كثيرة منها (الزهراء) و(البتول) و(المعصومة) و(أم أبيها). فمحمد(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يُسرع الخطى إلى بيت عليّ وفاطمة كلما سمح الوقت له. وهذا الالتصاق وهذه المودّة من جانب النبي لفاطمة وبعلها وابنيهما هو، بنظر الشيعة، أجر الرسالة المحمدية. وهذا السلوك النبوي يعكس الجانب الشعوري والعاطفي للإسلام.

يعود الكتاب إلى قضية الخلافة مُستعرضًا ما قام به عمر. إذ جاء الأخير إلى دار فاطمة يطلب عليًا كي يذهب ويبايع أبا بكر. وتأخذ الأحداث منحىً دراماتيكيًا عندما يُهدّد عمر بإحراق دار فاطمة إذا لم يُلبّي علي مطلبَه. يوافق علي أخيرًا على المجيء إلى أبي بكر لكنّه يأبى مبايعته. ويَصِفه عمر بالمتمرّد. لكنّ أبا بكر لا يجبره على مبايعته. وبعد وفاة زوجته فاطمة يبايع علي أبا بكر. كما لا تنسى الكاتبة قضية فدك. فبالنسبة إلى أبي بكر، ليست القضية التنازل لِفاطمة عن أرض فدك. والحقيقة أنّ أبا بكر كان ينسِب حديثًا إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول فيه: نحن معشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة. رفضت فاطمة الحديث مع أبي بكر وما لبثت أن مرضت وماتت. عاشت فاطمة بعد الرسول ستة أشهر. طلبت من زوجها علي أن يدفنها سرًا ولا يُعلم أحدًا.

وهنا عدة نقاط ينبغي التوقف عندها:

الأولى: أننا لو لجأنا فقط إلى المنهج الوصفي الفينومنولوجي للأحداث، فإننا سنجد أن موقف الأئمة هو عدم استخدام حقهم كمادة للنزاع في الأمة، بل المساهمة في خدمة الأمة وتماسكها وبيان حقائق الدين وشريعته طالما أن الظروف تسمح لهم بذلك... المعرفة ونشر العلم وإضاءة البصائر وتأسيس العلوم الإسلامية كانت هي الوسيلة التي اتبعها الأئمة في طول التاريخ المبكر للإسلام.

والثانية: هي مسألة المودة لآل البيت(عليهم السلام) التي ينسبها الكاتب للشيعة، وهي مسألة جامعة لكل الأمة الإسلامية، باعتبارها مبدءًا قرآنيًّا: (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ). إلا من أتخذ السفيانية الأموية ديناً له فإنه لا يعبر بالضرورة عن الموقف السني العام.

ما يفيده التفسير الصحيح للآية هو أن هذه المودة يجب أن تفهم في إطارها القرآني أيضاً مع آية التطهير وآية الولاية، حيث يؤمن التطهير الإلهي سلامة المصدر من أيادي العابثين، وتؤسس المحبة للولاية، وانطلاقًا من هذه المعرفة القرآنية يرى الشيعة أن المحبة لا بد أن تربط بولاية آل البيت(عليهم السلام).

والثالثة: تدخلنا إلى نقد المقاربات الأجنبية ككل التي تبدو سطحية في تناولها للمسائل الإسلامية، كسولة في البحث عن جذور المسائل، ربما لأن المهم عندهم هو الإعتماد على وجهات النظر الخلافية المنقولة عن دعاة السوء، فما إن يلتقط الباحث الأجنبي نقطة خلافية إلا ويسارع إلى إبرازها خارج السياق الطبيعي، أضف إلى ذلك جهلهم بالقرآن الكريم وتفسيره بسبب ضعف اللغة أو المصادر أو تغليب التاريخي والملتبس على النص القرآني الصريح. ولذلك فإنك قد تقرأ كتابًا كاملاً في معظم كتب المؤرخين من المستشرقين من غير أن تجد آية قرآنية واحدة إلا ما ندر.  

في أيام خلافة أبي بكر دخلت الجزيرة العربية في الإسلام. وبعده حمل عمر لواء الإسلام إلى القدس والشام والإسكندرية وبلاد فارس. وخلفه عثمان الذي تولّى جمع القرآن وعمل على توحيد الأمم التي غزاها لتكون كيانًا واحدًا ولها كتاب سماوي واحد. بعد انتهاء خلافة عمر كان مُرَجّحًا أن تكون البيعة لِعليّ لكنّ عثمان حصل على البيعة وتصدّى لأمور الخلافة ثم اغتيل وتولّى عليّ الخلافة بعده. خاض عليّ معركة الجمل، أودت معركة الجمل بحياة الآلاف وانتصر فيها جيش علي. كذلك وقعت حرب صفين بين علي ومعاوية كان المُنتصر فيها عليًا. لجأ معاوية إلى الحيلة وطلب من جنوده أن يرفعوا المصاحف على رؤوس الرماح بهدف إثارة البلبلة لدى جيش علي، الأمر الذي أجبر عليًا على وقف القتال والقبول بهدنة مؤقتة. كانت حصيلة القتلى أربعين ألف قتيل. بعض الجنود الذين كانوا يقاتلون مع علي لم يعجبهم قرار وقف القتال فخرجوا من صفوف جيش علي وشكّلوا فرقة سُمّيَت بالخوارج. اغتيل علي بن أبي طالب في سنة 661 هجري على يد أحد هؤلاء الخوارج. بعد موت علي فضّل نجلُهُ الحسن مهادنة معاوية الذي كان يدعو الخطباء إلى سبّ علي على المنابر، مُحاوِلًا بذلك إثارة البغض والعداوة ضدّ عليّ وأتباعه في وجدان المسلمين. ورأى معاوية أنّ وجود الحسن يُمثّل خطرًا عليه فلم يلتزم بوعده وقام بدسّ السمّ في طعام الحسن عن طريق زوجته. أراد معاوية أن تكون الخلافة بعده لابنه يزيد الذي كان يعيش حياة المجون ويشرب الخمرة فرفض الحسين تولّيه الخلافة وغادر المدينة مصطحبًا معه نساءه وعياله وبعض الأنصار والأصحاب. حطّ الرحال في كربلاء. لحقه عسكرُ يزيد ومنع عنه الماء. فقُتِل وفُصِلَ رأسُه عن جسده وأرسِل إلى يزيد في الشام. تُشكّل واقعة كربلاء بأبطالها وأحداثها وتفاصيلها ومبادئها وكل جوانبها وأبعادها السياسية والاجتماعية والدينية والنفسية الهوية الشيعية. فدماء الحسين سالت في سبيل الحفاظ على الرسالة المحمدية.

_ قلنا إنّ الائمة(عليهم السلام) سلكوا طريق التعليم والإرشاد للحاكم والمحكوم طالما أن ما هو معلوم من الدين بالضرورة بخير، ولكن الملك العضوض خصوصاً في فترة حكم يزيد بن معاوية خرق أبسط قواعد الدين وهدد البنية العقائدية للدين والبنية الاجتماعية للأمة الإسلامية. فقد تحول الحاكم إلى مصدر لبيان الأحكام بما القي على موقع الخلافة من قداسة، وتأسّس في أيام معاوية مدرسة لوضع الأحاديث المكذوبة، وتطور الأمر إلى تعيين حاكم لا يلتزم حتى بشكليات التدين.  فأصبحت مهمة الإمام هي نزع الشرعية الإسلامية عن انحرافات الحاكم وبيان ضلاله ولو بأثمن التضحيات، وكانت شهادة الإمام الحسين(عليه السلام) في تلك الظروف الصعبة حيث الدعاية الأموية في أوجها، خياراً لا بد منه لهز الضمائر وإنارة البصائر أمام عمق التهديد الذي يشكله الحكم اليزيدي للدين والمجتمع والأمة بأسرها. وهذا ما سماه الإمام الحسين(عليه السلام) «بالفتح»، فقد نزعت القداسة نهائياً عن مكانة الحاكم المنحرف، ومنحت الأمة مشروعية الثورة ضد الإنحراف الذاهب إلى  تكريس الإستبداد وتزييف الحقائق والإنتقام من الإسلام ككل.

وإذا عدنا إلى من أرخ لتلك الفترة من علماء السنة والشيعة باستثناء من كان خادماً منهم للحكم الأموي، فإننا سنقرأ هذه الأطروحة كتفسير إسلامي عام لواقعة كربلاء، بمعنى نزع القداسة عن يزيد والتبروء من كل من رضي بقتله للإمام الحسين(عليه السلام): ومن أشهر هؤلاء العلماء كان جمال الدين عبد الرحمن ابن الجوزي الحنبلي (ت. 597هـ)، والذي صنّف كتاباً كاملاً في تلك المسألة سمّاه «الرد على المتعصب العنيد المانع من ذم يزيد».

ابن الجوزي رد في هذا الكتاب على أحد مشاهير فقهاء الحنابلة في عصره، وهو عبد المُغيث البغدادي، الذي كان قد صنف كتاباً في تحريم سب يزيد ولعنه.

يشير شمس الدين الذهبي، في كتابه «سير أعلام النبلاء»، إلى البُعد السياسي للمسألة في ذلك العصر، إذ أن الخليفة العباسي الناصر «لما بلغه نهي عبد المغيث عن سب يزيد تنكر، وقصده، وسأله عن ذلك، فتباله عنه، وقال: يا هذا إنما قصدت كف الألسنة عن لعن الخلفاء، وإلا فلو فتحنا هذا لكان خليفة الوقت أحق باللعن، لأنه يفعل كذا، ويفعل كذا، وجعل يعدد خطاياه».

من هنا يمكن فهم المعاني المُبطنة التي حملها كتاب ابن الجوزي، وكيف كان بشكل مستتر ينزع صفة القداسة والتنزيه عن خلفاء وسلاطين العصر.

أيضاً، وفي السياق نفسه، وجّه بعض من كبار علماء أهل السنّة سهام نقدهم إلى العلماء الذين التمسوا الأعذار ليزيد في قتله للحسين، ومن هؤلاء علامة اليمن بدر الدين الشوكاني (ت. 1250هـ)، في كتابه المشهور «نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار»، إذ قال: «أفرط بعض أهل العلم كالكرامية ومَن وافقهم في الجمود... حتى حكموا بأن الحسين السبط، باغٍ على الخمير السِّكِّير الهاتك لِحرم الشريعة المطهرة يزيد بن معاوية لعنهم الله، فيا لله العجب من مقالات تقشعر منها الجلود ويتصدع من سماعها كل جلمود».

أما شهاب الدين الألوسي (ت. 1270هـ)، فقد ذهب في تفسيره «روح المعاني في تفسير القرآن الكريم والسبع المثاني»، إلى جواز لعن يزيد تأسيساً على بعض الأحاديث التي تثبت جواز لعن العاصي المُعين، فقال: «لا توقف في لعن يزيد لكثرة أوصافه الخبيثة وارتكابه الكبائر في جميع أيام تكليفه... والطامة الكبرى ما فعله بأهل البيت ورضاه بقتل الحسين، واستبشاره بذلك وإهانته لأهل بيته».

ومن العلماء الكبار الذين تواترت أخبار لعنهم ليزيد وسبهم له في مؤلفاتهم، كل من القاضي أبي يُعلى الفراء في القرن الخامس، وسعد الدين التفتازاني في القرن الثامن، وجلال الدين السيوطي في القرن التاسع للهجرة.[1]

أمّا الفصل الثاني (هل هناك نسختان للإسلام؟) فتخبرنا غوزلان أنّ المذهب الشيعي بالغ التعقيد وترى من شبه المستحيلٍ إعطاء دعم شعبي لتصوّرات دينية يصعب فهمها على الأشخاص العاديين. وتورِد غوزلان تحليل هنري كوربان الذي يذهب إلى أنّ القاعدة الوحيدة المرئية والمفهومة في القرآن هي الآية القرآنية التي تُقدّس أهل البيت، وهم: محمد وفاطمة وعلي والحسن والحسين، موضِحة الحديث الوارد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): مَن كنتُ مولاه فهذا علي مولاه، من دون أن تُغفِل القراءة السنية للحديث التي تتمسّك بالمعنى اللغوي لِكلمة (مولى)، وهو الصديق المُقرّب. تعتقد الكاتبة أنّ عدم تحقّق طموحات ذرّية محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) كان من شأنه أن يؤدّي إلى أفول المذهب الشيعي.  من أجل ذلك بقِيَ أحفادُ الحسين في منأى عن الثورات ولم يتدخّلوا في الشؤون السياسية والعسكرية وبذلك حافظوا على استمرار سلالة محمد وامتدادها مهما تبدّلت الدول وانقلبت العهود. تلفِت الكاتبة إلى تزايد الحروب بين المسلمين بعد قتل الحسين، مُسلّطةً الضوء على ثورة المختار، وبات الإسلامُ ساحةً كبيرة للحرب تدور عليها المعارك المتواصلة.. يسقط العهد الأموي أخيرًا تحت ضربات العباسيين فيعتقد الشيعةُ أنّ الوقت حان للثأر من قتلة الحسين وأن يتولّى أئمة أهلُ البيت أمورَ الدولة الإسلامية. لكنّ القمع الذي مارسته السلطة العباسية ضدّ الشيعة كان أقوى من القمع الأموي بأضعاف. وتُشبّه الكاتبة الخليفة المأمون بالملك لويس الرابع عشر من ناحية أنّه كان مُسْتبدًّا، ويتّهم المأمون بأنّه أتاح المجال للمعتزلة لكي ينشروا أفكارهم. والحال أنّ المأمون كان مُهتمًا بالمذهب الشيعي ما دفعه إلى تأسيس «بيت الحكمة». ثم عرض على الإمام الرضا ولاية العهد. تُشير غوزلان إلى نظرية الإمام الغائب، والغريب أنّها تربط بينها وبين الحرب التي دارت بين تنظيم داعش والشيعة عام 2006، مُعتبرةً أنّ المنطقة التي بدأت فيها غيبة الإمام الثاني عشر، أي سامراء، هي نفسها المنطقة التي شهدت حربًا بين السنة والشيعة على حد تعبيرها.

في الكلام ما فيه من الإختزال والتعميم والربط التعسفي بين الماضي والحاضر، وملاحظاتنا أيضا ً في المنهج والمحتوى:

أولاً: إن ما تنسبه الكاتبة من تعقيد للتشيع ناتج أساساً عن أن مصدرها الرئيسي للتعرف على مدرسة آل البيت(عليهم السلام) هو المستشرق الفرنسي هنري كوربان، الذي أخذ عليه علماء الإمامية أنفسهم استغراقه في الغنوصية والإتجاهات الباطنية في عرض فهمه للتشيع[2]، وباختصار شديد فإن الشيعة يعتبرون صلة «أهل الكساء» بالرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة من بعدهم ...ضمانة لسلامة التأويل بعد انتهاء مرحلة التنزيل، حيث لا توجد فترة زمنية فاصلة بينهم وبين الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وقد حرصوا على تدوين الحديث النبوي والتفسير الصحيح وتوارثوه جيلا بعد جيل من دون أن تنال تراثهم أيادي العابثين حتى في العهود التي منع فيها التدوين. ورغم اضطهادهم فإن علوم الإسلام من حديث وتفسير وفقه ولغة وكلام تعود إليهم في الأصل تأسيساً، بدءاً بالإمام علي(عليه السلام) وصولاً إلى الإمام الثاني عشر(عليه السلام) . وليست فكرة الإمامة إلا استمرار طبيعي للرسالة الخاتمة، وتلبية لحاجات الأمة في علاقتها بدينها وكتابها وهذا هو المعنى الحقيقي لقول الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم): إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض. والحديث بهذه الصيغة موجود في صحاح كتب أهل السنة، بخلاف ما يعتقده البعض من صيغة غير موجودة في الصحاح وهي : «كتاب الله وسنتي» الموضوع أساساً لصرف الأمة عن الإرتباط الوثيق بين الكتاب والعترة.[3]

 ثانياً: أحيا الحكم الأموي كل ما حاربه الإسلام ككل فأعاد الإعتبار للنزعة القبلية والقومية الشوفينية، ونشر مذهب الجبرية والتسيير ليحول الحكم الظالم إلى قدر لا يمكن تغييره مما أدى إلى المس بصفات الله سبحانه على المستوى الكلامي، وكأن الله سبحانه يرضى بحكم الظالم ولا سبيل إلى الخروج عن طاعته بل إن الخروج يساوي الكفر كما هو الحال في أدبيات بعض الأنظمة العربية اليوم. هذا وآيات القرآن الكريم تضج بدعوة الناس «للقيام بالقسط» وتقدم الأنبياء(عليهم السلام) كثوار على الظالمين والمستكبرين في عصرهم. ولذلك فإن السعي لاختزال السنة بالأمويين في مقابل الشيعة يجانب حقائق التاريخ. فمن المعروف أن علماء السنة يعتبرون استشهاد الإمام علي(عليه السلام) نهاية الخلافة الراشدة وبداية الملك العضوض، هذا المصطلح الذي يعني «العض» على السلطة بالنواجذ واعتبارها المقدس الوحيد الذي تهون من أجله باقي المقدسات. ثقافة خطيرة نشرتها الأموية في مقابل كل ما هو إسلام في الحقيقة. وما يعبر عن الموقف من الأمويين  هو موقف كبار الفقهاء في زمانهم وبعده سواء كانوا من مدرسة آل البيت(عليهم السلام) أو من خارجها. فلو بدأنا بكبير «الفقهاء السبعة» سعيد ابن المسيب التابعي والمحدث الشهير ومحنته مع بني أمية وبني مروان، تقول المصادر: كان سعيد بن المسيب شديدًا في الحق، لا يماليء الحكام ولا يسكت عن خطاياهم، وكان يقول: «لا تملئوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بإنكار من قلوبكم، لكي لا تحبط أعمالكم الصالحة”، فكانت بينه وبين الأمويين خصومة لما رأى من سوء سيرتهم، وكان لا يقبل عطاءهم المفروض له في بيت المال حتى جاوز بضع وثلاثون ألفًا، وكان يدعى إليها فيأبى ويقول: «لا حاجة لي فيها حتى يحكم الله بيني وبين بني مروان»، وكان سعيد يدعو عليهم في صلاته. وقد بادله بنو مروان العداء، حتى نهوا الناس عن مجالسته في المسجد.  وقد حاول الأمويون استمالة سعيد بن المسيب، فخطب الخليفة عبد الملك بن مروان ابنة سعيد لولده الوليد، فأبى سعيد، وزوّجها لفتى من قريش يُدعى «كثير بن عبد المطلب بن أبي وداعة السهمي «بمهر قدره درهمين.[4] أما عروة بن الزبير فيكفي أن أخوه عبد الله كان صاحب مشروع ضد الأمويين، وقد قتل إبنه مع عمّه. وكان القاسم بن محمد بن أبي بكر من أصحاب الإمام علي ابن الحسين(عليه السلام) وثالث الفقهاء السبعة الموثقين في كتب الجرح والتعديل عند السنة . وهو إبن الشهيد المقتول على يد الأمويين في مصر في خلافة الإمام علي(عليه السلام)، تروي المصادر أنه كان قليل الكلام صموتاً ورعاً متهرباً من أي مسؤولية مع الأمويين على رغم احترامهم له.[5] وهذا ما يفسر تأييد الإمام أبي حنيفة لثورة الشهيد زيد بن علي ابن الحسينE، فمن المعروف عن أبي حنيفة أنه كان يؤيد زيداً في ثورته ويواليه، ومشت بينهما الرسل وتبودلت الرسائل، ويقول الزمخشري: «كان أبو حنيفة يفتي سراً بوجوب نصرة زيد بن علي وحمل الأموال إليه، والخروج معه على اللص المتغلب المتسمى بالإمام أو الخليفة.»[6] ومحنة الإمام مالك مع الخليفة العباسي المنصور بسبب تأييده لثورة محمد بن عبد الله بن الحسن (النفس الزكية) معروفة في سيرته. ومن تتبع سير كبار الفقهاء في تلك المرحلة الإنتقالية الحرجة بين الحكمين الأموي والعباسي لرأى كيف كانت مواقف العلماء تتفاوت بين الرفض الصريح أو الإمتناع بالحد الأدنى عن تسلم المناصب بسبب إشكالية معونة الظلمة، كما حدث مع الليث بن سعد الذي رفض أن يتولى مصر متذرعا بضعفه رغم مكانته عندهم...وهو على قول الشافعي «أفقه من مالك ولكن أصحابه لم يقوموا به».[7]

وعليه فإن حقائق التاريخ تفيدنا أن الإنقسام كان فعلياً بين كبار العلماء والفقهاء من السنة والشيعة من جهة، وبين السلاطين من بني أمية وبني العباس وأعوانهم ممن تلبس بلبوس العلم وآثر السلامة والإرتزاق. وقد كان السلاطين يتبنون مذهباً فقهياً أو كلامياً كإيديولوجيا للسلطة ويضطهدون من يخالفه بغض النظر عن كونه من أنصار مدرسة آل البيت(عليهم السلام) أو من فقهاء العامة، كما حدث في محنة أحمد بن حنبل في قضية «خلق القرآن».

القرن الرابع الهجري

إنّه القرن الشيعي. فالمذهب الشيعي لا يسود في بغداد وحسب، بل في اليمن من خلال الطائفة الزيدية، ومصر من خلال الفاطميين، وفي السعودية والبحرين من خلال القرامطة حتى بات الشيعة يقضّون مضاجع السلطات السنية في العالم الإسلامي. وبعد مرور ثلاثة قرون على واقعة كربلاء نرى مراسم إحيائها تجتاح مدن وأحياء العاصمة العراقية. وتُذكّر الكاتبة بأنّ ملايين الشيعة عادوا يحيون مراسم عاشوراء بعد الغزو الأميركي وسقوط صدام حسين الذي كان يمنع إقامة المجالس العاشورائية. وتربط الكاتبةُ بين ظهور المذهب السني واحتجاج فاطمة على أبي بكر ومعارضتها ومقاطعتها له حتى وفاتها، وترى أنّه ردّة فعل على المواقف التي رفعها أنصارُ عليّ..

ترى الكاتبةُ أنّ المذهبَ السنّي عَمَدَ منذ القرن العاشر إلى إقفال باب التأويل (الاجتهاد) في القرآن وذلك بحجّة التصدّي لأي انحراف قد يطرأ على الرسالة المحمدية. وتُلاحظ  وجود نقاط مشتركة بين الصوفية والمذهب الشيعي. فعلماء الصوفية يُلبِسون تلامذتهم كساءً تمامًا كما فعل النبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) مع أهل بيته عندما جمعهم تحت الكساء فكانت قصة أصحاب الكساء الخمسة التي تناقلتها كتب السيرة عند عموم المسلمين. ومن الملاحظات التي يُسجّلها الكتاب أنّ الفقه السنّي يَركن إلى التكرار بدلًا من البحث والاجتهاد بخلاف الفقه الشيعي الذي يعتمد منهج الاجتهاد في قراءة الأحاديث وتعقّب المعنى لاستخراج الحكم المناسِب.

إسقاط التاريخ على الحاضر والإعتماد على عامل واحد أو اثنين في تفسير ظهور المذاهب، يفتقر إلى المقاربة الموضوعية، في المحصلة أدى سلوك أنظمة الجور إلى مزيد من الالتفاف حول آل البيت(عليهم السلام)، وساهم القتل على العقيدة في نشر التوجهات الباطنية، أما التصوف فقد بدأ رفضا سلبياً للواقع ثم تحول إلى طرق كلها يدعي صلة ما بآل البيت(عليهم السلام) طلباً للمشروعية. نتج عن ذلك انفجار سياسي في القرن الرابع الهجري وظهور الدولة  البويهية في بغداد وحولها، والفاطمية في مصر وتونس، والزيدية في اليمن...وكلها سجلت تسامحاً مع المذاهب الإسلامية الأخرى، فقد كانت مساجد الأمة تعلم الآراء الفقهية على اختلافها في دور الحكمة، وكان من اللافت محافظة البويهيين على مكانة الخليفة حتى على المستوى الشكلي، وصولاً إلى الدولة العثمانية التي استعانت في بداياتها بفرقة شيعية صوفية هي «البكتاشية» لتنظيم الجيش الذي دخل القسطنطينية مع محمد الفاتح ... وما كانت هناك جغرافيا سياسية مذهبية كما توحي الكاتبة، وإلا لما توفر لهذه الدول أنصار وحتى وزراء من كافة المذاهب والقوميات الإسلامية. وفي هذا الإطار أيضاً لا نجد مبرراً لاعتبار حكم البعث العلماني في العراق سنياً إلا عند من يريد توظيف الأمر سياسياً، فلا يوجد شك أنه لم يسلم أحد من الإستبداد الذي استدعى بأخطائه الإحتلال.

إبن تيمية 

تضع الكاتبةُ ابن تيمية في خانة العلماء الذين غذّوا بأفكارهم القتالَ بين السنة والشيعة، موضِحةً أنّ ابن تيمية ادّعى أنّ الشيعة يبغضون المسلمين ومشروعهم هو إثارة الفرقة والتشرذم داخل المجتمع الإسلامي، كما أنّهم يضمرون الحقد تجاه الخلفاء الثلاثة أبو بكر وعمر وعثمان. بل إنّ ابن تيمية يُحمّل الشيعة مسؤولية سقوط بغداد مُتّهمًا إياهم بأنّهم تحالفوا مع المغول، وأنّ ابن طاووس الشيعي صاحب مقولة «الحاكِم الكافر العادل أفضل من الحاكِم المسلم الجائر» هو مَن أفتى بجواز التعاون مع المغول لإسقاط الحكم في بغداد. لذلك يربط الكاتبُ بين هذه الواقعة والاحتلال الأميركي للعراق فالقوات الأميركية –برأي الكاتب- أنقذت الشيعة من ظلم صدام حسين. ويُعبّر الأشعري، وهو من علماء السنة، عن إعجابه بأفكار ابن تيمية مُدَّعِيًا ضرورة الطاعة العمياء للحاكِم الإسلامي وإن يكن ظالمًا جائرًا فذلك بحسب رأيه من مستلزمات حماية الإسلام؛ وبدون هذه الطاعة تكون الفتنة التي كثيرًا ما يُنبّه ويُحذّر منها المذهب السني.  ولا تنسى الكاتبة أنّ تذكر فضل الوهابية في حماية أفكار ابن تيمية من الاندثار: فمحمد ابن عبد الوهاب -مؤسّس التيار الوهابي- الذي احتضنته قبيلة آل سعود قام بِنشْر أفكار ابن تيمية في شبه الجزيرة العربية وتحوّلت تلك الأفكار إلى مذهب قائم بذاته تخطّت رقعته الجغرافية حدود الجزيرة العربية. ولا يُبدي ابن تيمية أي درجة من التسامح تجاه مَن يطعن في أحقّية أبي بكر وعمر في الخلافة ويرى أنّ مَن يطعن في خلافتهما إنّما يخرج من الصف الإسلامي. تعتقد الكاتبُة أنّ مذهب ابن تيمية زاد من البؤس الاجتماعي للمجتمع الشيعي وشجّع على ولادة خلايا نائمة تترقّب الفرصة لإطلاق الثورة. تستعيد الكاتبةُ سؤال هنري كوربان: هل ثمّة في الإسلام تياران فكريّان، الأول مُنفتح يُمثّله المذهب الشيعي، والثاني مُنغلق على ذاته يُمثّله المذهب السني؟

لا يسعنا إلا أن نوافق الكاتبة هنا على الدور الخطير الذي لعبه إبن تيمية الحراني والوهابية فيما بعد، في وصول التحريض المذهبي الموظف سياسياً إلى الحد الأقصى، حتى أصبحت كتبه مادة نشر التطرف في العالم الإسلامي ومرجع الحركات الإرهابية ولكن نعود فنؤكد على الخطأ المنهجي في اختزال السنة عموما بهذه الإتجاهات المتطرفة. أما ما يتعلق بالرد الشامل على موقف العلماء الشيعة من الغزو المغولي فقد تكفلت بحوث متخصصة ستنشر في العدد القادم من المجلة إن شاء الله.

كيف أصبح العراق قلب الصراع

في الفصل الثالث تسرد الكاتبة بعض تفاصيل الأحداث التي وقعت في العراق بعد دخول الأميركيين.. ثم تطرح سؤالًا كبيرًا: هل يمكن أن يجلس الشيعة، الذين ذاقوا المرارة وتعرّضوا لأبشع أنواع القهر والتعذيب على يد صدام حسين، والسنّة، الذين حكموا العراق منذ حوالى ألف وثلاثمائة سنة، أن يجلسوا إلى طاولة المفاوضات للتشاور والبحث في كيفية بناء عراق ينعم بالديمقراطية بعيدًا عن المشاحنات الطائفية والمذهبية؟...فيما لعبت القوات الأميركية بالورقة المذهبية بعد غزو العراق...

تستغرق الكاتبة في هذا الفصل في سرد الأحداث المأساوية، وتفترض أن كل شيعي أو سني يجلس على طاولة المفاوضات في العراق، يحمل معه ذلك الإرث التاريخي من الصراع وكأنها تؤكد استحالة التوافق على صيغة حكم ديمقراطي عادل في العراق.

أثبتت أحداث تحرير الموصل فيما بعد، وتغيّر شكل التحالفات في الإنتخابات الأخيرة، أن التوافق ليس ممكناً فحسب بل هو قدر العراقيين... أما الإحتجاجات الشعبية التي توجهت تحديداً ضد الفساد باستثناء من يحمل أجندات خارجية فشملت كل السياسيين من كل الطيف العراقي.

كل التجربة منذ سقوط النظام السابق إلى الآن أثبتت آنية المشكلة السياسية، بل أحرقت الأوراق المذهبية وفضحت من يستخدمها لشدة علاقتها بمصالح الدول لا بعقيدة المذاهب.

ولا يزال الأمل بوحدة وطنية عراقية رغم الآلام يزداد سطوعاً لأنه بحق خشبة الخلاص، خصوصا عندما يتأسس رأي عام عراقي ضد الإستثمار السياسي للدين لحماية الفاسدين.

ليس الصراع في العراق اليوم بين السنة والشيعة بل بين دولة عادلة تدعمها المرجعيات الدينية ، ودولة تحكم على نفسها بالفشل بسبب الفساد وسوء إدارة الموارد الوطنية.

لِمَ عمّ الشقاق كل أرجاء العالم الإسلامي؟  

في الفصل الرابع تُوضِح الكاتبة زبدة ما تريد قوله: السنة والشيعة مِلّتان قويّتان تتّسمان بالظلامية ولكلّ منهما أنصاره، وكلاهما مسؤول عن الفوضى التي تعمّ المجتمعات الإسلامية. وتتناول  الوهابية التي تصفها بالمذهب السني الجديد مُعتبرةً أنّها استفادت من الحماية العسكرية التي وفّرتها الولايات المتحدة للسعودية مقابل السيطرة على آبار النفط، وموضِحةً أنّ النظامَ الملكي السعودي رعى واحتضن الوهابية وأشرف على إدارة الحج فأصبحت السعودية «العمود الفقري» للأمة. بذلك تصدّرت الوهابية الإسلام السني وراحت تنشر أيديولوجيتها الظلامية في العالم الإسلامي. إنّ العداء للمذهب الشيعي هو جزء أساسي في برنامج الوهابية التي تُحرّم استخدام العطور والاستماع إلى الموسيقى الأجنبية. وامتدّ هذا العداء إلى دول إسلامية غير السعودية. ثم تصف العداء الوهابي للشيعة بالهستيري كونه ظهر في بلدان ليس فيها أصلًا أتباع للمذهب الشيعي، مثل الجزائر. وبرأي الكاتبة فإنّ الأيديولوجية الوهابية يشوبها الخلل العقلي وهذا الأمر هو الذي عمّق الخلاف بين المذهبين. وانعكس ذلك في المؤتمرات الإسلامية التي عُقِدَت للتقريب بين الفريقين.

في الخاتمة ترى الكاتبة أنّ الأكثرية والأقلّية في الشرق الأوسط جرى توظيفهما أولًا من قبل القوى الأوروبية (فرنسا وبريطانيا)، وثانيًا على أثر ظهور حركات التحرّر والاستقلال في العالم العربي حيث قام تشكيلُ الجيوش والإدارات السياسية على أساس مذهبي. تعتقد الكاتبة أنّ الشيعة العراقيين قاموا بالثورة ليس لأنّهم يؤمنون بأسبقية علي وأحقيّته، بل لأنّ سياسة التمييز أدّت إلى إقصائهم. وتعتقد أيضًا أنّ ادّعاء الغرب حلّ الخلاف بين السنّة والشيعة بالاحتكام إلى السلاح أدّى إلى تأجيجه. وتخلص إلى أنّ خيار المواجهة المسلّحة ضدّ الإسلام من شأنه أن يُفجّر الخلاف بين جناحَيه.  

الحكم على المسلمين بالظلامية بحد ذاته مقاربة استعلائية غربية، تتجاهل دور الغرب والسياسة في تأجيج الصراع هذا من جهة. ومن جهة أخرى لا نتوقع من باحثة غربية أن تكون منصفةً في مقاربة الواقع الإسلامي لأن مسؤولية النهوض بهذا الواقع تبقى على عاتق المسلمين وحدهم. 

-------------------------------------


[1] https://raseef22.net/article/1075026

[2]  أنظر مقدمة السيد موسى الصدر على كتاب تاريخ الفلسفة الإسلامية لهنري كوربان.

[3] خصص الدكتور عدنان إبراهيم الداعية الإسلامي الشهير خطبة كاملة لشرح هذا الموضوع  موجودة في حسابه على اليوتيوب.

[4] https://ar.wikipedia.org/wiki/

[5] راجع موقع دار الإفتاء في الأزهر الشريف.

https://www.dar-alifta.org/ar/Viewstatement.aspx?sec=new&ID=5991&

[6]  علي الوردي : مهزلة العقل البشري، ص124

[7] مناهج التشريع الإسلامي في القرن الثاني الهجري، محمد بلتاجي، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، الطبعة الثانية، 1428 هـ/2007 م، ص383

 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف