البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

نقد الايديولوجية الليبرالية

الباحث :  آلان دي بينوا Alain de Benoist
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  1
السنة :  السنة الاولى - خريف 2015 م / 1436 هـ
تاريخ إضافة البحث :  January / 11 / 2016
عدد زيارات البحث :  2139
نقد الإيديولوجية الليبرالية

آلان دي بينوا Alain de Benoist
[1]

يقرِّر الفيلسوف وعالم الاجتماع السياسي الفرنسي آلان دي بينوا جملة من الأحكام الواقعية في معرض نقده للأيديولوجية الليبرالية بصيغتها التقليدية والما بعد حداثية، ففي رأيه أن الليبرالية مصطلح إشكالي حتى لجهة تعريفه، والسبب في ذلك عائد إلى الكم الهائل من التأويلات التي شهدتها عصور الحداثة ابتداءً من القرن الرابع عشر وحتى يومنا هذا. في مقالته التالية يجيب آلان دي بينوا على سيل من التساؤلات في هذا المضمار.
«المحرر»

لم تظهر الليبرالية يوماً على شكل مبدإ موحّد، ذلك لكونها ليست وليدة جهود شخص واحد. لقد فسَّرها كتّاب ليبراليون مختلفون بطرق مختلفة، لا بل متناقضة. مع ذلك، يجمع هؤلاء على ما يكفي من النقاط المشتركة لتصنيفهم جميعاً كليبراليين، وهي نقاط تسمح أيضاً بتعريف الليبرالية على أنها مدرسة فكرية. فمن جهة، الليبرالية مبدأ اقتصادي يجعل من نموذج السوق الذاتيِّ التنظيم مثالاً للواقع الاجتماعي برمّته [2]
من جهة اخرى، فإن الليبرالية مبدأ قائم على أنثروبولوجيا فردانية، بمعنى أنها قائمة على مفهوم الإنسان باعتباره كائناً غير اجتماعي بشكل أساسي.
تتمتع كل من هاتين الخاصّتين(لليبرالية) بمظاهر وصفية ومعيارية. إذ يوصف الفرد والسوق كحقيقتين ويُستعرضان كنموذجين، ومن ثم تتعارضان بشكل مباشر مع الهويات الجماعية. لا يمكن تحليل الهوية الجماعية بشكل اختزالي بحيث يقتصر مفهومها على كونها مجرّد مجموعة مواصفات وخصائص يمتلكها أفراد مجتمع ما. وبالتالي فإن هذه الهوية تفترض أن يعي أفرادها تماماً بأن انتماءهم يشمل كيانهم الفردي أو يتجاوزه. بمعنى أن هويتهم المشتركة هي نتاج هذه التركيبة. فحيث تكون الليبرالية قائمة على الفردانية، فإنها تميل إلى قطع جميع الروابط الاجتماعية التي تتخطى الفرد. ومن أجل عمل أمثل للسوق، فما من شيء يجب أن يعيق حرية تنقل الأفراد والبضائع، بحسب المفهوم الليبرالي. كما لو أن الحدود ـ وفق هذا المفهوم ـ غير موجودة، وهو ما يساهم في حل البنى والقيم المشتركة. لكن ذلك لا يعني بالتأكيد أن الليبراليين لم يستطيعوا الدفاع عن هويات اجتماعية، وإنما قاموا بذلك لأنه يتناقض مع مبادئهم.
لقد بيّن لوي دومون دور المسيحية في تحوّل أوروبا من مجتمع شمولي تقليدي إلى مجتمع فرداني حديث. نظرت المسيحية، منذ بدايتها، إلى الإنسان على أنه فرد تربطه علاقة داخلية بالله قبل أي علاقة أخرى، ثم يسعى إلى الخلاص من خلال السمو الذاتي. في هذه العلاقة مع الله، تترسخ قيمة الإنسان كفرد، مما يحتم في المقابل انحطاط العالم أو انحدار قيمته. فضلاً عن ذلك، يملك الفرد، كما سائر البشر، روحاً فردية. تطرح المساواة والكونية بالتالي على مستوى أسمى، إذ إنّ البشرية جمعاء تتشاطر القيمة المطلقة التي تُعطى للروح الفردية بفضل علاقة البنوّة مع الله [3].
يتناول المفكر الفرنسي مارسيل غوشيه، من جهته، مسألة وجود رابط سببي بين ظهور إله شخصي وولادة «إنسان داخلي» يعتمد مصيره في الحياة الآخرة على أعماله الفردية فحسب، ويستقي استقلاليته من علاقة خصوصية محتملة مع الله، الله وحده. يقول غوشيه: «كلّما بعد الله في لامحدوديته، أصبحت العلاقة معه شخصية بحتة إلى حد استثناء أي وساطة مؤسسية. فالإله، الكلّي بتعاليه، ليس له نظير شرعي على الأرض سوى الوجود الخصوصي، وبالتالي، فإن «الداخلية» الأساسية تتحول مباشرةً إلى فردية دينية» [4].
يكشف مبدأ بولين عن ضغط ثنائي يجعل المسيحي في علاقته مع الله «فرداً أخرويّاً»: ليصبح المرء مسيحيّاً عليه أن يتخلى بطريقة ما عن العالم. مع ذلك، وعلى مرِّ التاريخ، نقل الفرد «الأخروي» العدوى تدريجيّاً إلى الحياة الدنيا. فمع تحليه بالقوة لجعل العالم يتطابق وقيمه، عاد تدريجيّاً إلى الحياة الدنيا وانغمس فيها ليحوِّلَها من جذورها. لقد تمت هذه العملية على ثلاث مراحل أساسية.
بدايةً، لم تعد الحياة في هذا العالم مرفوضة رفضاً تامّاً، بل جرى جعلها نسبية، وتلك هي أطروحة القديس أوغسطين عن المدينتين(مدينة الله ومدينة العالم).
في المرحلة الثانية، تمتعت البابوية بسلطة سياسية، وأصبحت بالتالي قوة زمنية.
وأخيراً، مع ظهور حركة الإصلاح، استثمر الإنسان نفسه كليّاً في العالم حيث عمل من أجل تمجيد الرب عبر السعي وراء النجاح المادي الذي اعتبره دليلاً بحد ذاته على اصطفائه...
بهذه الطريقة، أعيد تدريجيّاً مبدأ المساواة والفردية، الذي لم يكن له وجود بالأساس سوى على مستوى العلاقة مع الله، والذي كان لا يزال يمكنه التكيُّف مع مبدإ عضوي وتسلسلي يؤسس بنية الكل المجتمعي، على الأرض. وهو ما أدى إلى ظهور الفردانية الحديثة التي تمثل انعكاسه الدنيوي (العالَماني). «من أجل نشوء الفردانية الحديثة»
ـ حسبما أشار آلان رونو مستعرضاً أطروحات لويس دومون ـ كان من الضروري أن ينقل العنصر الفرداني والكوني للمسيحية «العدوى»، إذا صح القول، للحياة الحديثة. وذلك إلى الحد الذي توحَّد فيه النظامان تدريجيّاً، وطُمِسَت الثنائية الأولية، و«تم بناء تصوّر جديد للحياة الدنيوية يجعلها قادرة على التكيّف كليّاً مع القيمة الأسمى»: في نهاية هذا المسار، «أصبح الفرد الأخروي هو نفسه الفرد الدنيوي الحديث» [5].
عند هذه الدرجة تبدد المجتمع العضوي الشمولي بطبيعته. وبالمفهوم الحالي، جرى الانتقال من الطائفة إلى المجتمع، أي إلى الحياة المشتركة التي ينظر إليها كتجمّع تعاقدي بسيط. على هذا النحو لم تعد الأولوية للكل المجتمعي، وإنما للأفراد الذين يتمتعون بحقوق فردية، وتربط في ما بينهم عقود عقلانية نفعية.
من المراحل المهمة، في مسار التطور هذا، النزعةُ الاسمية لوليم الأوكامي في القرن الرابع عشر والقائلة بأنه لا وجود لأي كائن سوى الكائن الفردي. من المراحلِ الأخرى البارزةِ الديكارتيةُ التي رسّخت فلسفيّاً مفهوم الفرد الذي افترضه لاحقاً المبدأ القانوني لحقوق الإنسان والمنظور الفكري لعصر التنوير. ومنذ القرن الثامن عشر، جرى تفسير تحرر الفرد من تعلّقاته الطبيعية دوماً من وجهة نظر التقدم الكوني بأنه أحد معالم انتقال البشرية إلى «سن الرشد». اتصفت الحداثة، الذي عزّزها هذا النبض الفرداني، بشكل أساسي بأنها المسار الذي تتفكك عبره المجموعات التي تجمعها صلات قرابة أو جوار، والمجتمعات الأكبر، تدريجيّاً بهدف «تحرير الفرد»، وتنحل جميع علاقات التضامن العضوية.
الفردانية كخاصِّية للتاريخ الغربي
أن يكون المرء إنساناً يعني، ومنذ الأزل، أن يكون شخصاً وكائناً اجتماعيّاً: فالبعد الفردي والبعد الاجتماعي مختلفان، لكنهما متلازمان. من حيث الرؤية الشمولية، يطوّر الإنسان نفسه على أساس ما يرثه واستناداً إلى سياقه الاجتماعي التاريخي. وهنا تأتي الفردانية، التي تعتبر من خاصيات التاريخ الغربي، بشكل مباشر لتتعارض مع هذا النموذج الأكثر شيوعاً في التاريخ.
الفردانية، بمعناها الحديث، هي الفلسفة التي تنظر إلى الفرد على أنه الحقيقة الوحيدة، وتعتمده كمبدإ لكل تقويم. يؤخذ شخص الفرد بالاعتبار، بتجرّد عن أي سياق اجتماعي أو ثقافي. في حين أن الشمولية تعبر عن المجتمع القائم بالاستناد إلى القيم التي ورثها، وأورثها، وتشاطرها، أي بحسب التحليل الأخير، بالاستناد إلى المجتمع بحد ذاته، تطرح الفردانية قيمها بشكل مستقل عن المجتمع بالشكل الذي تجده عليه. لذلك، لا تعترف بأي وضع وجودي مستقل للمجتمعات، أو الشعوب، أو الثقافات، أو الأمم. هذه الكيانات، بالنسبة إليها، ليست سوى مجموعات ذرّات فردية هي وحدها من تتمتع بقيمة.
إن أفضلية الفرد على المجتمع مسألة وصفية، ومعيارية، ومنهجية، وخلاّقيّة في آن. يفترض أن الفرد يأتي أولاً، سواءً من حيث اعتبار أنه يحظى بالأسبقية في إطار تصوير أسطوري لفترة «ما قبل التاريخ» (أسبقية حالة الطبيعة)، أو من حيث أنه يتمتع بأفضلية بسيطة معيارية (الفرد هو الأعلى قدراً). يؤكد جورج باتاي بأنه «وفي صميم كل كائن، يوجد مبدأ بعدم الاكتفاء». على العكس، تؤكد الفردانية الليبرالية على الاكتفاء التام للفرد المفرد. يمكن للإنسان من المنظور الليبرالي أن ينظر إلى نفسه كفرد بمعزل عن علاقته مع غيره من البشر ضمن مخالطة اجتماعية أولية أو ثانوية. فالإنسان، كونه مستقلاً بذاته، ومالكاً لنفسه، ومحفزاً بمصلحته الخاصة، بخلاف الشخص، «كائن معنوي، ومستقل بذاته، ولا سيما غير اجتماعي» [6].
يملك هذا الفرد، بحسب الأيديولوجية الليبرالية، حقوقاً متأصلة في «طبيعته» مستقلة تماماً عن التنظيم السياسي أو الاجتماعي. الحكومات ملزمة بضمان هذه الحقوق، لكنها لا تستطيع ترسيخها. بما أن هذه الحقوق سابقة لكل حياة اجتماعية، فهي غير مقترنة بشكل مباشر بواجبات، ذلك أن الواجبات تفترض بالضبط وجود حياة اجتماعية، وما من واجبات تجاه الآخر طالما أن هذا الآخر غير موجود. الفرد بالتالي هو نفسه مصدر حقوقه الخاصة، بدءاً بحقه في التصرّف بحرية وفقاً لحسابات مصالحه الخاصة، الأمر الذي يضعه في حالة «حرب» مع جميع الأفراد الآخرين لأنه يفترض بهؤلاء أن يتصرّفوا بالطريقة عينها ضمن مجتمع يصوّر كسوق تنافسية.
قد يختار الأفراد الترابط في ما بينهم، لكن الترابطات التي يشكلونها مشروطة وطارئة وعابرة، ذلك لأنها تظل رهينة قبول متبادل وليس لها غرض آخر سوى إرضاء المصالح الفردية لكل من الأفرقاء بشكل أفضل. الحياة الاجتماعية، بمعنى آخر، ما هي إلا مسألة قرارات فردية وخيارات نفعية، حيث يتصرف الإنسان ككائن اجتماعي ليس لأن ذلك من طبيعته، ولكن لأن ذلك يصب في مصلحته. فإن لم يجد منفعته في هذه الحياة الاجتماعية، يستطيع في أي لحظة، أقله نظريّاً، فسخ الميثاق الذي هو خير تعبير عن حريته. وبخلاف الحرية بمفهومها القديم والتي تتيح احتمال المشاركة في الحياة العامة، فإن الحرية الحديثة تعطي قبل كل شيء الحق في الانسحاب من هذه الحياة العامة. لذلك يميل الليبراليون دوماً إلى تعريف الحرية على أنها رديف للاستقلالية [7]. يشيد بنجامين كونستان، من جهته، «بالانتفاع المسالم بالاستقلالية الفردية الخاصة»، مضيفاً بأن «أكثر ما يسعد الإنسان هو التمتع باستقلالية تامة لناحية كل ما يتعلق بوظائفه، ومشاريعه، ونطاق أعماله، وأحلامه» [8]. يفهم من هذا «الانتفاع المسالم» أنه الحق في الانشقاق، الحق في ألا يكون الإنسان مقيّداً بأي واجب انتماء أو أي من المبايعات التي قد تبدو في بعض الأحيان متعارضة مع «الاستقلالية الخاصة».
فضلاً عن ذلك، يشدد الليبراليون على فكرة أنه ليس من الضروري التضحية بالمصالح الفردية في سبيل المصلحة العامة، أو الصالح العام، أو الخلاص العام، لأنها مفاهيم متناقضة في نظرهم. لقد خلصوا إلى هذه النتيجة انطلاقاً من فكرة أن الأفراد وحدهم يتمتعون بحقوق في حين أن المجتمعات، باعتبارها مجرّد مجموعات أفراد، ليس لها أي حقوق عائدة لها. بحسب أين راند، فإن «عبارة «الحقوق الفردية» مجرد تكرار ذلك لأن الفرد هو المصدر الوحيد للحقوق» [9]. يؤكد بنجامين كونستان في هذا الإطار بأن «الاستقلالية الفردية هي أولى الحاجات في العالم المعاصر. لذلك، لا يجب المطالبة بالتضحية بها ترسيخاً للحرية السياسية» [10]. هذا وقد سبقه جون لوك في التأكيد على أن «الطفل يولد من دون أن يكون خاضعاً لأي بلد» ذلك لأنه عندما يبلغ سن الرشد، «تعود له حرية اختيار الحكومة التي يروق له العيش تحت حكمها، والجهاز السياسي الذي يحلو له الاتحاد معه» [11].
تفترض الحرية الليبرالية بالتالي أن يتمكن الأفراد من نبذ أصولهم، وبيئتهم، والسياق الذي يعيشون فيه والذي يمارسون فيه خياراتهم، أي كل ما يجعلهم ما هم عليه، ولا شيئاً آخر. كذلك تفترض، بمعنى آخر، على حد قول جون راولز، أن يكون الفرد دائماً متقدماً على غاياته. مع ذلك، لا شيء يثبت بأن الفرد يمكن أن يعرف نفسَه متحرراً من أي ولاء، ومن أي حتمية. كذلك لا شيء يثبت أنه يفضل، في جميع الظروف، الحرية على أي خير آخر. يغفل مثل هذا المفهوم في تعريفه عن الالتزامات والارتباطات التي لا علاقة لها بالحساب العقلاني. إنه مفهوم شكلي بحت لا يسمح بفهم ما الذي يعنيه الشخص الحقيقي.
تتمثل الفكرة العامة في أن الفرد يحق له القيام بكل ما يريده طالما أن استخدامه لحريته لا يحد من حرية الآخرين. فالحرية بمفهومها هذا هي التعبير البحت عن رغبة ليس لها حدود نظرية سوى الرغبة المماثلة لدى الآخر، مع العلم أن هذه الرغبات مجتمعةً تنقلها التبادلات الاقتصادية. هذا ما أكده مسبقاً صاحب نظرية الحق الطبيعي، غروتيوس، في القرن السابع عشر: «أن يعمل الفرد من أجل مصلحته الخاصة أمر غير منافٍ لطبيعة المجتمع البشري، شرط أن يقوم بذلك من دون المساس بحقوق الآخر» [12]. لكن من الواضح بأن هذا التعريف ينطوي على المسالمة، إذ إنّ جميع البشر تقريباً يمارسون أفعالهم بشكل أو بآخر على حساب حرية الآخر، فضلاً عن أنه من شبه المستحيل تحديد اللحظة التي قد تعتبر فيها حرية فردٍ ما عائقاً لحرية الآخرين.

فلسفة تحقيق الذات
الحرية الليبرالية هي واقعا قبل كل شيء، هي حرية التملّك؛ إنها لا تكمن في ما يكون المرء عليه، وإنما في ما يملكه. يعتبر الإنسان حرّاً بقدر ما يكون صاحب ملكية، ولا سيما ملكية ذاته أوّلاً. وهذه الفكرة المتمثلة في أن ملكية الذات هي المَعْلم الرئيسيّ للحرية سيتبناها لاحقاً ماركس [13].
بحسب تعريف آلان لوران، فإن تحقيق الذات هو عبارة عن «تقوقع وجودي يهدف بشكل رئيس إلى البحث عن السعادة الخاصة» [14]. أما بالنسبة إلى الكتاب الليبراليين، فإن «البحث عن السعادة» يعني الحرية الجامحة في البحث دوماً عن تحقيق المصلحة الفضلى قدر الإمكان. لكن سرعان ما نجد أنفسنا أمام مشكلة فهم ما يفترض أن تعنيه «المصلحة»، لا سيما وأن من يؤمنون ببديهية المصلحة نادراً ما يهتمون بالحديث عن نشوئها أو بوصف عناصرها. كذلك فإن هؤلاء لا يتساءلون عما إذا كان جميع الفاعلين الاجتماعيين تحرّكهم بالأساس مصالح متشابهة، أو ما إذا كانت مصالحهم متكافئة ومتطابقة إحداها مع الأخرى. لكن إن كان لا مناص لهم من تعريف المصلحة، فغالباً ما يكون هذا التعريف مبتذلاً، إذ تصبح «المصلحة» في نظرهم مرادفة لرغبة، أو مشروع، أو عمل موجّه نحو هدف معيّن، إلخ. كل شيء قد يتحوّل إلى «مصلحة»، فحتى الفعل الأكثر إيثارا، والأكثر تجرّداً من المصلحة قد ينطوي في معناه على الأنانية والانتهازية بوصف كونه ردّاً على الرغبة الطوعية لدى صاحبه. لكن من الواضح أن المصلحة ـ بحسب تعريف الليبراليين ـ هي قبل كل شيء منفعة مادية يجب أن تكون محسوبة وقابلة للقياس إن كان لها أن تقدّر لما هي عليه، بمعنى أن يكون بالإمكان التعبير عنها في ضوء هذا النظير الكوني، ألا وهو المال.
لذلك، لا عجب أن يؤدي نشوء الفردانية الليبرالية بدايةً إلى تزحزح تدريجي لبنى الوجود العضوية التي تتصف بها المجتمعات الشمولية، ولاحقاً إلى تفكك معمم للروابط الاجتماعية، وأخيراً إلى حالة من التفسخ الاجتماعي النسبي، حيث أصبح الأفراد، وحتى الأعداء، متباعدين أكثر فأكثر ومنجرفين جميعهم بالتالي في هذه النسخة الجديدة من «حرب الجميع ضد الجميع» والمتمثلة في المنافسة المعمّمة. ذلك هو المجتمع في تصوّر دو توكفيل حيث كل فرد فيه «يقف على الحياد وأشبه بغريب في نظر الآخرين جميعهم». تميل الفردانية الليبرالية أينما وجدت إلى تدمير الاندماج المجتمعي المباشر الذي منع طويلاً ظهور الفرد العصري والهويات الجماعية المرتبطة به. في هذا الإطار، كتب بيار روزانفالون بأن «الليبرالية تجعل من عملية سلب العالم شخصيته شرطاً للتقدم والحرية» [15].
مع ذلك، تبدو الليبرالية ملزمة بالاعتراف بوجود الواقع الاجتماعي. لكن عوضاً عن التساؤل عن سبب وجود هذا الواقع الاجتماعي، ينشغل الليبراليون أكثر بمعرفة كيفية قيامه، واستمراره، وعمله. ففي النهاية، يشكل المجتمع بالنسبة إليهم، وبكل بساطة مجموع أفراده، والكل ما هو إلا مجموع أجزائه. فهو النتاج العرضي للإرادات الفردية، مجرد تجمّع لأفراد يسعون جميعهم إلى الدفاع عن مصالحهم الخاصة وتحقيقها. يقضي هدف المجتمع الأساسي إذن بتنظيم علاقات التبادل. يمكن رؤية هذا المجتمع إما كنتيجة لفعل طوعي عقلاني أولي (أو ما يسمّى وهم «العقد الاجتماعي») أو كنتيجة اللعبة الشاملة التي يشترك فيها إجمالي الأفعال الصادرة عن العناصر الفردية، لعبة تنظمها «اليد الخفية» للسوق التي «تولّد» الواقع الاجتماعي كنتيجة غير مقصودة للسلوكيات البشرية. لذلك، يستند الليبراليون في تحليلهم الواقع الاجتماعي إمّا إلى المقاربة التعاقدية (بحسب جون لوك)، أو إلى الاعتماد على «اليد الخفية» (بحسب آدم سميث)، أو حتى إلى فكرة نظام عفوي غير خاضع لأي غرض.
ولقد طوّر الليبراليون كامل فكرة التفوّق التنظيمي للسوق، التي يفترض أن تكون الوسيلة الأكثر فعاليةً، والأكثر عقلانيةً، وبالتالي الأكثر إنصافاً لتنسيق التبادلات. تبدو السوق، للوهلة الأولى، «تقنية تنظيمية» (على حد تعبير هنري لوباج) بشكل أساسي. أمّا من وجهة نظر اقتصادية، فهي المكان الفعلي لتبادل البضائع، وأيضاً الكيان الافتراضي الذي تتشكل فيه بطريقة مثلى شروط التبادل، أي تعديل العرض والطلب ومستوى الأسعار.
في المقابل، لا يتساءل الليبراليون حول مصدر السوق. فالتبادل التجاري بالنسبة إليهم هو فعليّاً النموذج «الطبيعي» للعلاقات الاجتماعية كافة، الأمر الذي يستنتج منه أن السوق هي أيضاً كيان «طبيعي» يطرح نظاماً سابقاً لأي مشاورة أو قرار. وبما أن السوق هي نموذج التبادل الأكثر انسجاماً مع الطبيعة البشرية، فإنها تعتبر موجودة منذ فجر التاريخ في المجتمعات كافة. يلاحظ ههنا ميل كل إيديولوجية إلى «تطبيع» افتراضاتها، أي إلى تقديم نفسها، ليس كما هي عليه أي بناء للروح البشرية، وإنما كمجرّد وصف للنظام الطبيعي، أو استنساخ له. وبما ان الدولة مرفوضة بالتزامن باعتبارها خدعة، فقد تطرح فكرة التنظيم «الطبيعي» للواقع الاجتماعي بواسطة السوق نفسها.
تفضي رؤية آدم سميث للأمّة كسوق إلى الفصل بشكل جوهري بين مفهوم المجال ومفهوم الإقليم. بخلاف العرف التجاري الذي كان لا يزال يميّز بين الإقليم السياسي والمجال الاقتصادي، يظهر سميث بأن السوق لا يمكن أن يكون بطبيعته منغلقاً ضمن حدود جغرافية معيّنة. فالسوق هو شبكة أكثر منه مكان، ومن المقدّر أن تمتد هذه الشبكة لتبلغ أطراف الأرض، ذلك أن ما يحدها في نهاية الأمر هو القدرة على التبادل فحسب. كتب سميث في إحدى فقراته الشهيرة بأن «التاجر ليس بالضرورة أن يكون من مواطني بلد دون غيره. فهو لا يبالي في أي مكان يقيم تجارته، ويكفيه أدنى شعور بالنفور حتى يقرر نقل رأسماله، ومعه كامل القطاع الذي يدعمه هذا الرأسمال، من بلد إلى آخر» [16]. تبرر هذه الأسطر النبوئية رأي بيار روزانفالون الذي يعتبر آدم سميث «أول المؤمنين المنطقيين بمبدإ الدولية». يضيف روزانفالون بأن «المجتمع المدني، الذي يصوّر كسوق غير مستقرة، يمتد ليشمل جميع البشر ويسمح لهم بتخطي الانقسامات الوطنية والعرقية».
من أبرز حسنات مفهوم السوق أنه يسمح لليبراليين بحل المسألة الصعبة حول كيفية جعل الواجب جزءاً من الميثاق الاجتماعي. يمكن اعتبار السوق بمثابة قانون يحكم النظام الاجتماعي من دون وجود مشرّع. تؤسس السوق، التي تحرّكها «اليد الخفية»، الحيادية بطبيعتها كونها غير متجسدة في أفراد ملموسين، نمطاً نظريّاً لتنظيم المجتمع بالاستناد إلى «قوانين» موضوعية تسمح بتنظيم العلاقات بين الأفراد دون أن تجمع بينهم أي علاقة مرؤوسية أو أمر. وهكذا على النظام الاقتصادي تأسيس النظام الاجتماعي، ذلك أن كلا النظامين ناشئ ولم يتأسَّس بعدُ. النظام الاقتصادي هو «النتيجة غير المقصودة وغير المرجوة لأفعال عدد كبير من الأشخاص المحفّزين بمصالحهم وحدها». هذه الفكرة، الذي تناولها هايك بإسهاب، مستوحاة من عبارة آدم فيرغوسون (1767) الذي أشار إلى وقائع اجتماعية «نابعة من فعل الإنسان، إنما ليس من رغبته».

نظرية «اليد الخفية»
من منّا لا يعرف استعارة «اليد الخفية» التي ابتكرها سميث: «الفرد الذي يبغي كسبه الخاص مدفوع بيد خفية للارتقاء بغاية لم تكن قط جزءاً من مراده» [17]. هذه الاستعارة أبعد من الملاحظة غير المجدية بمجملها والتي تفيد بأن نتائج أفعال البشر غالباً ما تكون مختلفة تماماً عن تلك التي توقعوها. ذلك ما يطلق عليه ماكس فيبر تسمية «تناقض النتائج». يضع سميث، من جهته، هذه الملاحظة ضمن إطار رؤية تفاؤلية بشكل حازم. يقول مضيفاً: «يبذل كل فرد دوماً كل ما في وسعه بحثاً عن التوظيف الأنفع لكامل الرأسمال الذي بين يديه؛ صحيح أنه يضع مصلحته الشخصية نصب عينيه، وليس مصلحة المجتمع، لكن العناية التي يوليها لمنفعته الشخصية تقوده بشكل طبيعي، أو بالأحرى ضروري، إلى اختيار نوع التوظيف الأنفع للمجتمع»، لا بل، «عبر السعي وراء مصلحته الشخصية، غالباً ما يعمل بفعالية أكبر من أجل مصلحة المجتمع منه مما إذا كان يهدف فعلاً إلى العمل من أجلها».
الدلالات اللاهوتية تظهر جليةً في هذه الاستعارة. «فـاليد الخفية» ما هي إلا تجسيد (دنيوي ـ عالَمَاني) للعناية الإلهية. يجب التأكيد أيضاً بأنه وبخلاف الاعتقاد السائد غالباً، لا يشبّه آدم سميث آلية السوق بحد ذاتها بلعبة «اليد الخفية» لأنه لا يستخدم الأخيرة إلا لوصف المحصلة النهائية لمجمع التبادلات التجارية، ناهيك عن أن سميث لا يزال يقر بشرعية تدخل القطاع العام عندما تعجز المشاريع الفردية وحدها عن تحقيق الخير العام. لكن هذا القيد سيتبدد قريباً. يختلف الليبراليون الجدد اليوم حول مفهوم الخير العام بحد ذاته. يمنع هايك بالمبدإ أي مقاربة شاملة للمجتمع: فما من مؤسسة، أو سلطة سياسية يجب أن تضع لنفسها أهدافاً قد تشكك في حسن سير «النظام العفوي». من هذا المنطلق، يجمع معظم الليبراليين على أن الدور الوحيد الواجب على الدولة هو بتهيئة الظروف الضرورية للسماح للعقلانية الاقتصادية بالتحرّك بحرية في السوق. لا يمكن للدولة أن تضع أهدافاً خاصة بها، فهي وجدت لضمان الحقوق الفردية، وحرية التبادلات، واحترام القوانين. يجب أن تبقى في المجالات الأخرى كافة حيادية وأن تتخلى عن اقتراح نموذج لـ «رغد العيش» [18] ، كونها تتمتع برخص أكثر منه بصلاحيات.
إن نتائج نظرية «اليد الخفية» حاسمة هنا، ولا سيما على الصعيد الأخلاقي. يعيد آدم سميث، في بعض الفقرات، الاعتبار للسلوكيات التي لطالما استُنكِرَت في القرون الماضية. فعبر التأكيد على أن مصلحة المجتمع خاضعة لمصلحة الأفراد الاقتصادية، يجعل سميث من الأنانية الطريقة الفضلى لخدمة الآخر. فعندما نسعى إلى تعزيز مصلحتنا الشخصية إلى أقصى الحدود، فنحن بذلك نعمل من غير دراية، ودونما رغبة منا، من أجل مصلحة الجميع. تسمح المواجهة الحرة في السوق بين المصالح الأنانية «بشكل طبيعي أو بالأحرى ضروري»، بالمواءمة بينها بفعل «اليد الخفية» التي تجعلها تساهم في الخير الاجتماعي. لذلك ليس في السعي وراء المصلحة الشخصية أولاً ما ينافي الأخلاق. ذلك لأن التصرّف الأناني لكل منّا سيؤدي في نهاية المطاف وبالصدفة إلى تحقيق مصلحة الجميع. وهو ما لخصه فريدريك باستيا في عبارة واحدة: «من يعمل لأجل نفسه يعمل لأجل الجميع» [19]. في النهاية، الأنانية ما هي إلا إيثار بكل معنى الكلمة، وسلوكيات السلطات العامة هي التي تستحق على العكس الاستنكار لكونها «غير أخلاقية» في كل مرة تتعارض فيها، باسم التضامن، مع حق الأفراد في العمل من أجل مصلحتهم الخاصة.
الى ذلك، تربط الليبرالية بين الفردانية والسوق من خلال التأكيد على أن حرية عمل الأخيرة تكفل أيضاً الحرية الفردية. كما تضمن السوق، عبر تأمينها أفضل مردود من التبادلات، استقلالية كل عنصر. في الحالة المثالية، في حال لم يظهر ما يعيق سير عمل السوق، يجري هذا التوافق بطريقة مثلى متيحاً بذلك تحقيق جملة من التوازنات الجزئية التي تساهم في التوازن العام. تشكّل السوق، التي يطلق عليها هايك اسم catallax، نظاماً عفويّاً ومجرَّداً يمثل الدعامة الفعالة الرسمية لممارسة الحرية الخاصة. لا تستجيب السوق فحسب لمثال اقتصادي من الأمثلية فحسب، وإنما أيضاً لكل ما يطمح إليه الأفراد الذين يُعتَبَرون مواضيع عامة للحرية. في النهاية، ثمّة التباس بين السوق والعدالة نفسها، الأمر الذي يدفع بهايك (Hayek) إلى تعريفها على أنها «لعبة تزداد فيها فرص جميع اللاعبين»، مضيفاً بعدها أنه في هذه الظروف، لا ينصح الخاسرون بالشكوى لأن اللوم يقع عليهم وحدهم. وأخيراً، السوق تسعى إلى المصالحة في جوهرها، ذلك لأنها قائمة على مبدإ «التجارة اللطيفة» وتستبدل مبدإ التفاوض بمبدإ الصراع، وتقضي بذلك على الخصومة والحسد.
يشار إلى أن هايك (Hayek) يعيد صياغة نظرية «اليد الخفية» في عبارات «ثورية». وبالفعل، يخالف هايك(Hayek) أنواع المنطق الديكارتي كافة، منها العقد الاجتماعي الذي يتضمّن التعارض، النموذجي منذ عصر هوبز(Hobbes)، بين حالة الطبيعة والمجتمع السياسي. في المقابل، يشيد دايفيد هيوم(David Hume) بالعرف والعادات التي يضعها في مواجهة كل «بنائية»؛ إلاّ أنه يؤكّد في الوقت عينه بأن العرف يختار قواعد السلوك الأكثر فعالية وعقلانية، أي تلك التي تستند إلى القيم التجارية، التي باعتمادها يتمّ رفض النظام القبلي للمجتمع القديم. لهذا السبب عندما يتحدث عن «التقاليد»، ينتقد القيم التقليدية ويدين بشدّة كل رؤية مجتمعية عضوية. بالنسبة إلى هايك، تستمدّ قيمة التقاليد في المقام الأول من كلّ شيء عفوي، ومجرّد، وغير شخصي، وبالتالي غير مناسب. هذا هو الطابع الانتقائي للعادات الذي يفسّر سبب فرض السوق تدريجيّاً. وبالتالي يعتقد هايك(Hayek) بأن أي أمر عفوي هو في الأساس صحيح، كما يؤكد داروين(Darwin) أن الناجين من «الكفاح من أجل البقاء» هم حتماً الأفضل. وهكذا يشكّل طلب السوق نظاماً اجتماعياً يحظر، من حيث التعريف، أي محاولة لإصلاحه.
من هنا نجد بأنّ مفهوم السوق، بالنسبة إلى الليبراليين، يتخطّى إلى حد كبير المجال الاقتصادي البحت، فهي أكثر من مجرّد آلية لتوزيع الموارد النادرة بالشكل الأمثل، أو منظومة لتنظيم مسارات الإنتاج والاستهلاك. تعبّر السوق قبل كلّ شيء عن مفهوم اجتماعيّ وسياسيّ. وبقدر ما جعل آدم سميث(Adam Smith) من السوق العامل الرئيس المشغّل للنظام الاجتماعي، فقد دفعه ذلك إلى تصّور علاقات إنسانية على أساس النموذج الاقتصادي، أي العلاقات بين البضائع. وبالتالي، فإن اقتصاد السوق يؤدي بطبيعة الحال إلى مجتمع السوق. في هذا المجال، يقول بيار روزانفالون (Pierre Rasanvallon) «إن السوق هي في المقام الأول وسيلة لتمثيل الفضاء الاجتماعي وتنظيمه، قبل اعتبارها آليّة لامركزيّة لتنظيم النشاطات الاقتصادية عبر نظام التسعير» [20].
بحسب آدم سميث(Adam Smith)، التبادل المعمّم هو النتيجة المباشرة لتقسيم العمل: «وهكذا يعيش الجميع من خلال التبادل، أو يصبحون إلى حدّ ما تجّاراً، فيتطوّر المجتمع بحدّ ذاته ليصبح مجتمعاً تجاريّاً بكل ما للكلمة من معنى» [21]. وبالتالي، فإن السوق، من المنظور الليبرالي، هي النموذج المهيمن في مجتمع يعرّف نفسه على أنه مجتمع السوق. أمّا المجتمع الليبرالي فهو المكان الذي تحصل فيه التبادلات المنفعية بواسطة الأفراد والمجموعات المنساقين جميعاً لرغبتهم في تحقيق مصلحتهم الذاتية إلى أقصى الحدود. يكون الفرد المنتمي إلى هذا المجتمع، حيث كلّ شيء يمكن أن يُباع ويُشترى، إمّا تاجراً، أو مالكاً، أو منتجاً، وفي جميع الحالات مستهلكاً. يقول بيار روزانفالون(Pierre Rasanvallon): «إن الحقوق الأسمى للمستهلكين هي بالنسبة إلى سميث كما الإرادة العامة بالنسبة إلى روسو(Rousseau)»
اتّسع التحليل الاقتصادي الليبرالي، في العصر الحديث، تدريجيّاً ليشمل الأحداث الاجتماعية كافة. فشُبّهت العائلة بشركة صغيرة، والعلاقات الاجتماعية بشبكة من الاستراتيجيات النفعية المتزاحمة، والحياة السياسية بسوق يبيع فيها الناخبون أصواتهم على من يعرض الثمن الأعلى. كذلك، يُنظر إلى الإِنسان على أنه رأس مال، وإلى الطفل كسلعة استهلاكية مستديمة. وهكذا انعكس المنطق الاقتصادي على الكلّ الاجتماعي، الذي كان مدمجاً به في السابق، إلى أن شمله كليّاً. وقد جاء على لسان جيرالد برتهود (Gerald Berthoud): «يمكن فهم المجتمع انطلاقاً من نظرية جازمة للعمل الهادف. وبالتالي، فإنّ العلاقة بين التكاليف والأرباح هي المبدأ الذي يحكم العالم» [22]. فيصبح كل شيء عاملاً من عوامل الإنتاج والاستهلاك؛ وكلّ شيء يفترض أن ينتج عن التعديل التلقائي للعرض والطلب؛ وكل شيء يعادل قيمته التبادلية نسبةً إلى سعره. في موازاة ذلك، يُعدّ كلّ ما لا يمكن التعبير عنه بعبارات قياسية وحسابية عديم الأهميّة أو غير واقعي. يتّضح بالتالي أن الخطاب الاقتصادي يجسّد بعمق الممارسات الاجتماعية والثقافية، البعيدة كلّ البعد عن أي قيمة لا يمكن قياسها من حيث الثمن. فهو يختصر جميع الحقائق الاجتماعية بعالمٍ من الأشياء القابلة للقياس، محوّلاً، في نهاية الأمر، الأشخاص أنفسهم إلى أشياء قابلة للمعاوضة والمبادلة مقابل المال.
ينتج عن هذا التمثيل الاقتصادي البحت للمجتمع عواقب خطيرة، تؤدي إلى تفكّك الشعوب وتآكل خصائصها المميزة بشكل منهجي عبر إتمام عمليّة العلمنة والتحرّر من أوهام عالم الحداثة. يؤدي تقبّل التبادل التجاري، من الناحية الاجتماعية، إلى تقسيم المجتمع إلى منتجين، ومالكين، وطبقات عقيمة، كالطبقة الأرستقراطية سابقاً، من خلال عملية ثورية بارزة أثنى عليها كثيرون بمن فيهم كارل ماركس (Karl Marx). على صعيد المخيلة المشتركة، يؤدي هذا التقبل إلى انقلاب القيم بشكل كامل وذلك عبر رفع قيم تجارية إلى القمة بعد أن كانت منذ الأزل ذات قيمة دنيا بامتياز باعتبارها من الضروريات. أمّا على المستوى الأخلاقي، فإنّه يُجدد روحَ حسابات المصلحة الذاتية والسلوك الأناني اللذين طالما أدانهما المجتمع التقليدي.

وهم المجتمع الشفاف
تعتبر السياسة خطيرة في جوهرها عندما تتعلّق بممارسة السلطة «غير المنطقيّة»، وبالتالي تقتصر، في هذا المنظور، على ضمان الحقوق وإدارة المجتمع عن طريق الخبرة الفنية فحسب. ذلك هو توهّم «المجتمع الشفّاف» ورؤية مجتمع ينسجم بسرعة مع نفسه بعيداً عن أي مرجع رمزي أو وساطة ملموسة. يفترض أنّ على الدولة والمؤسسات، في مجتمع تحكمه السوق بشكل تام ويستند إلى مسلّمة الاكتفاء الذاتي «للمجتمع المدني»، على الأمد الطويل أن تنحلّ تماماً كما في المجتمعات غير الطبقية التي يصوّرها كارل ماركس. فضلاً عن ذلك، فإن منطق السوق، كما حدّده ألان كاييه(Alain Caillé)، هو جزء من عملية أوسع تميل نحو تحقيق المساواة وقابلية التبادل بين الناس عبر وسائل ديناميكية تُلاحظ في الاستخدام الحديث للعملة. فبحسب كاييه(Alain Caillé): «تكمن عملية التلاعب في الأيديولوجية الليبرالية في مماهاة دولة القانون نسبة إلى الدولة التجارية من حيث اقتصار دورها على كونها نابعة من السوق. وبالتالي، فإن المطالبة بحرية الأفراد لاختيار أهدافهم الخاصة في الواقع تتحوّل إلى واجب تحقيق أهداف تجارية فحسب» [23].
المفارقة هي أن الليبراليين لا ينفكون يؤكدون أن السوق تزيد من فرص الفرد في تحقيق أهدافه الخاصة، في الوقت الذي يشددون فيه على أن هذه الأهداف لا يمكن تحديدها مقدماً، وكذلك، لا يمكن لأحد تحديدها على نحو أفضل من الفرد نفسه. ولكن كيف يمكن للسوق أن يحقّق الأفضل بينما هذا الأفضل غير معروف؟ في الواقع، يمكن التأكيد أن السوق يضاعف التطلعات الفردية أكثر بكثير من إعطاء الفرد الوسائل اللازمة لتحقيقها، وبالتالي فإن ذلك لا يبعث على الرضا وإنما على الاستياء بحسب المصطلح التوكوفيلي [24].
علاوة على ذلك، إذا اعتبرنا أنّ الفرد هو أفضل من يعرف مصالحه الشخصية، فما الذي يلزمه في هذه الحالة باحترام المبدإ الوحيد المتمثل بالمبادلة؟ بحسب المذهب الليبرالي، لم يعد السلوك الأخلاقي يستند إلى الشعور بالواجب أو إلى القانون الأخلاقي، وإنما إلى المصلحة الذاتية الفضلى. فعندما أمتنع عن انتهاك حريّة الآخرين، بذلك أثنيهم عن انتهاك حريّتي. الخوف من الشرطة يتكفل بالباقي. لكن إن كنت واثقاً بأنّني لن أواجه عقوبةً صارمة عند انتهاك القانون، وإذا كانت المبادلة لا تعنيني. فما الذي يمنعني من انتهاك القواعد أو القوانين؟ في الحقيقة، لا شيء. في المقابل، فإن الاهتمام بمصالحي الشخصية فحسب يحثني على عدم انتهاك القوانين قدر الإمكان.
يقول آدم سميث، بصراحة، في كتابه «نظرية العواطف الأخلاقية» (1759): «حتى في غياب الحب المتبادل والعاطفة بين مختلف أفراد العائلة، ليس بالضرورة أن ينحلّ المجتمع وإن كان أقلّ سعادة ورضىً. قد يظل المجتمع قائماً بين مختلف الناس كما بين مختلف التجّار انطلاقاً من نفعيته بعيداً عن أي حب متبادل أو عاطفة. وحتى لو لم يكن الأفراد يملكون أدنى واجب تجاه أحدهم الآخر أو يشعرون بالامتنان تجاهه، يبقى المجتمع قادراً على الاستمرار بفضل تبادل الخدمات وفقاً لقيمة متّفق عليها» [25]. معنى هذه الفقرة واضح. فالمجتمع يجيد عمليّة الاقتصاد، وهي عبارة أساسية، في جميع أشكال النشاطات الاجتماعية العضوية، من دون أن يخسر صورته كمجتمع. إذ يكفيه أن يصبح مجتمع تجّار حيث يندمج الرابط الاجتماعي مع الشعور بـ «منفعته» و«بالتبادل المثمر للخدمات». لذلك، من أجل أن يكون المرء إنساناً، يكفي المشاركة في المبادلات التجارية، والتصرف بحريّة بحقه الشخصي لتحقيق أقصى حدّ من مصلحته الفضلى. يقول سميث بالتأكيد أن مجتمعاً كهذا سيكون «أقلّ سعادة ورضى»، ولكن سرعان ما يصبح هذا الفارق الدقيق النسيان. قد يدعو ذلك إلى التساؤل أيضاً عمّا إذا كانت السبيل الوحيدة ليعبّر المرء عن إنسانيته، بالنسبة إلى بعض الليبراليين، هو بالتصرّف كتاجر، أي كأولئك الذين كانوا يعتبرون في مرتبة دنيا، ليس لأنه لم يكن يُنْظَر إليهم كأشخاص ذوي منفعة أو حتى ضروريين، وإنما بكل بساطة لأنهم نافعون ولكن رؤيتهم للعالم محدودة بالنفعية فحسب. يدفع ذلك حتماً إلى طرح السؤال حول مكانة أولئك الذين لا يتصرفون على هذا النحو، إما بسبب افتقارهم للرغبة أو للأساليب: فهل لا يزالون بشراً؟
في الواقع، فرض منطق السوق نفسه تدريجيّاً بدءاً من نهاية العصور الوسطى حيث بدأت التجارة الخارجية والمحلية تتوحّد داخل الأسواق المحلية في ظلّ زخم الدول الأمم الناشئة التوّاقة إلى جعل المقايضات غير التجارية بين المجتمعات مربحة بهدف فرض الضرائب. وهكذا، بعيداً عن كونها واقعاً عالميّاً، تعتبر السوق ظاهرة محدّدة بدقة من حيث المكان والزمان. وهذه الظاهرة لم تظهر بشكل «عفوي»، وإنما كانت مفروضة. ففي فرنسا، على وجه الخصوص، وكذلك في أسبانيا، لم تتأسّس السوق رغماً عن الدولة الأمّة، وإنما بفضلها. تولد الدولة والسوق معاً، وتتقدمان بالوتيرة عينها، فالأولى تشكّل الثانية في الوقت نفسه الذي تتأسّس هي نفسُها. يقول ألان كاييه: «على أقل تقدير، يستحسن عدم النظر إلى السوق والدولة ككيانين مختلفين كليّاً، وإنما كوجهين لعملة واحدة. على مر التاريخ، أنشئت الأسواق المحليّة والدول ـ الأمم على نفس الوتيرة، والواحدة تكمّل الأخرى» [26].
تتطوّر الاثنتان معاً في الاتّجاه نفسه. فالسوق تعزّز حركة الدولة الأمّة التي، من أجل بسط سلطتها، لا يسعها التوقّف عن التدمير المنهجي لجميع أشكال التنشئة الاجتماعية المتوسّطة التي كانت تشكّل في العالم الإقطاعي أنسجة أساسية مستقلّة نسبيّاً، تتكوّن من العشائر الأسرية، والمجتمعات القروية، والأخويات، والحرف، وغيرها. واصلت الطبقة البرجوازية، ومعها الليبرالية الوليدة، عملية تفكيك المجتمع هذه وزادت من حدّتها نظراً إلى أن تحرّر الفرد الذي تطلّعت إليه يتطلب التخلّص من جميع أشكال التضامن اللاإرادي أو الاتّكالية التي تمثل عقبات عدّة في وجه توسّع السوق. في سياق متّصل، يقول بيار روزانفالون: «من هذا المنظور، تعكس الدولة ـ الأمة والسوق التنشئة الاجتماعية عينها للأفراد في المكان. ولا يمكن تصوّرهم إلاّ في إطار مجتمع ممزّق حيث يُنْظَر إلى الفرد ككيان مستقل بذاته. وهكذا لا يمكن للدولة ـ الأمّة والسوق، بمعناهما الاجتماعي والاقتصادي، الاستمرار حيث يتواجد المجتمع كوحدة اجتماعية شاملة» [27].
وبالتالي، فإن الشكل الجديد للمجتمع الذي برز نتيجة أزمة العصور الوسطى تشكّل تدريجيّاً انطلاقاً من الفرد، ومبادئه الأخلاقية والسياسية، ومصالحِه، مُحطِماً شيئاً فشيئاً تماسك الفضاءات السياسية والاقتصادية والقانونية وحتى اللغوية التي دعمها المجتمع القديم. مع ذلك، ظلّ الإثنان (الدولة والمجتمع المدني) موّحدّين، في القرن السابع عشر: إنّ عبارة «المجتمع المدني» كانت لا تزال مرادفة للمجتمع المنظَّم سياسيّاً. ثم ما لبث أن ظهر الاختلاف في بداية القرن الثامن عشر، لا سيما مع لوك الذي أعاد تعريف «المجتمع المدني» على أنه دائرة الأملاك والتبادلات، في حين أن الدولة أو «المجتمع السياسي» وُجِد مُذّاك الحين لحماية المصالح الاقتصادية فحسب. يؤدي هذا الاختلاف الذي يقوم على إنشاء دائرة مستقلة ذاتيّاً للإنتاج والتبادل، والذي يعكس تخصص الأدوار والوظائف التي تتّسم بها الدولة الحديثة إمّا إلى تثمين المجتمع السياسي نتيجة العقد الاجتماعي، وفق رؤية لوك، أو إلى تعظيم المجتمع المدني على أساس التعديل التلقائي للمصالح، وفق رؤية ماندفيل [28] (Mandeville) أو سميث. يفتح المجتمع المدني، باعتباره دائرة مستقلة، المجال أمام الانتشار الجامح لمنطق المصالح الاقتصادي. ونتيجة ظهور السوق، يقول كارل بولاني(Karl Polanyi): «يُدار المجتمع كتابع للسوق. وبدل أن يكون الاقتصاد هو المندمج في العلاقات الاجتماعية، فإن العلاقات الاجتماعية هي التي تكون مندمجة في العلاقات الاقتصادية» [29]. ذلك هو المعنى الحقيقي للثورة البرجوازية.
يتخذ المجتمع، في الوقت عينه، شكل نظام موضوعي، مختلف عن النظام الطبيعي أو الكوني، يتطابق والمنطق العالمي الذي يُفترض بالفرد أن يكون قادراً على التواصل معه بشكل مباشر. تتبلور موضعة المجتمع التاريخي بدايةً في المبادئ السياسية للحقوق التي يمكن تتبّع تطوّرها انطلاقاً من زمن جان بودين(Jean Bodin) حتى عصر التنوير. في موازاة ذلك، يظهر الاقتصاد السياسي كعلم مجتمع عام جديد يُنظر إليه كعملية تنمية ديناميكية مرادفة للتقدّم. وبالتالي يصبح المجتمع خاضعاً لمعرفة علمية محدّدة. يجب أن يخضع العالَم الاجتماعي لعدد من القوانين، إلى الحد الذي يحقق فيه نمطاً وجودياً عقلانيّاً على ما يُفترض، وتخضع ممارساته لعقلانية أداتيّة باعتبارها مبدأ التنظيم الأمثل. لكن نتيجة هذه الموضعة، تتحوّل وحدة المجتمع، تماماً كما رمزيته، إلى إشكالية بارزة، لا سيما حين تؤدي خصخصة الانتماءات والعلاقات فوراً إلى تجزئة الجسم الاجتماعي، وتَضَاعُفِ المصالح الخاصة المتضاربة، وبداية التحرّر من المأسسة والانخراطِ في المجتمع. ثم ما تلبث أن تظهر تناقضات جديدة، ليس بين المجتمع البرجوازي وبقايا الحكم الأرستقراطي فحسب، وإنما أيضاً داخل المجتمع البرجوازي، كالصراع الطبقي على سبيل المثال.

الليبرالية تكره دولة الرفاه
استفحل التمييز بين العام والخاص، وبين الدولة والمجتمع المدني، خلال القرن التاسع عشر، معمِّماً وجهة نظر ثنائية ومتناقضة للفضاء الاجتماعي. ومنذ ذلك الحين، أسست الليبرالية، بعد أن تعاظمت قوتها، لمجتمع مدني يعرّف من خلال المجال الخاص فحسب، وأدانت تأثير القطاع العام المهيمن، فصارت تطالب بوضع حدّ للاحتكار الذي تمارسه الدولة على تلبية الاحتياجات الجماعية، وبتوسيع أساليب التنظيم التجارية بين المجتمعات. وهكذا، أخذ المجتمع المدني بعداً أسطوريّاً بامتياز. فبدا كقوة إيديولوجية أكثر منه كواقع محدّد المعالم لأن معناه بات يتضح أكثر فأكثر من خلال مقارنته بالدولة، إذ إنّ تعريفه الضبابي جاء من خلال ما انتزع نظريّاً من الدولة.
مع ذلك، في نهاية القرن التاسع عشر، كان لا بدّ من إدخال تعديلات على المنطق الاقتصادي البحت لتنظيم المجتمع وتكاثره. فنتجت هذه التعديلات عن التناقضات الداخلية للتكوين الاجتماعي الجديد أكثر منه عن المقاومة المحافظة. نشأ علم الاجتماع بحد ذاته نتيجة مقاومة للمجتمع الحقيقي للتغييرات السياسية والمؤسساتية، على هامش المطالبة بنظام طبيعي للتنديد بالطابع الرسمي والصناعي لنمط النظام الاجتماعي الجديد. ولّد صعود الفردانيّة، بالنسبة إلى علماء الاجتماع الأوائل، خوفاً مزدوجاً: الخوف من الفوضويّة الناجم عن تفكّك الروابط الاجتماعيّة، بحسب دوركهايم(Durkheim)، والخوف من المجموعات المكوَّنة من أفراد تفكّكوا ثمّ جُمعوا فجأة في كتلة خارجة عن السيطرة، بحسب غوستاف لوبون(Gustave Le Bon) أو غبريال تارد(Gabreil Tarde) اللذين يعزوان تحليل الوقائع الاجتماعية إلى علم النفس. يجد الخوف الأوّل صدًى لدى المفكّرين المعارضين للثورة بشكل خاص، أما الثاني فتلحظه أساساً البرجوازية المعنية في المقام الأول بحماية نفسها من «الطبقات الخطرة».
بينما أنشأت الدولةُ الأمةُ السوقَ ودعمتها، نما العداء بين الليبرالية والقطاع العام. فالليبراليون لا يَكُفُّون البتّة عن مهاجمة دولة الرفاه من دون أن يدركوا أنها امتداد دقيق للسوق التي تستوجب تدخّلات متزايدة من قبل الدولة. فالشخص الذي يخضع عمله للعبة السوق فحسب سريع العطب، لأنه قد لا يجد من يعرض عليه عمله أو قد لا يكون لعمله هذا أي قيمة تذكر. علاوة على ذلك، دمّرت الفردانية الحديثة علاقات الجوار العضوية التي كانت في الأساس علاقات مبنية على المساعدة والتضامن المتبادلين، الأمر الذي أدى إلى تدمير أشكال الحماية الاجتماعية السابقة. من ناحية أخرى، بالرغم من أن السوق تنظم عملية العرض والطلب، إلا أنها لا تنظم العلاقات الاجتماعية، لا بل تسبب الفوضى فيها لأنها لا تأخذ بعين الاعتبار الطلبات التي لا يمكن للمرء تسديد ثمنها. لذلك أصبح نشوء دولة الرفاه أمراً ضروريّاً بما أنها القوة الوحيدة القادرة على تصحيح الاختلالات الصارخة والحد من الضائقات الجلية. لهذا السبب، وعلى حد قول كارل بولاني، في كل مرّة بدت فيها الليبرالية منتصرة، كان ذلك للمفارقة بفضل تدخلات الدولة التي اقتضتها الأضرار التي لحقت بالنسيج الاجتماعي نتيجة منطق السوق. في المقابل، يرى ألان كاييه أنّه «من دون السلام الاجتماعي النسبي في دولة الرفاه، لكان نظام السوق اجتيح بالكامل» [30]. ميّز هذا التعاضد بين السوق والدولة النظام الفوردي لفترة طويلة، وما زال على بعض الأصعدة. أمّا بولاني فيخلص إلى أنّ «الحماية الاجتماعية هي الملازمة الحتمية للسوق ذاتية التنظيم» [31].
تلعب دولة الرفاه بطريقة ما دوراً في الحد من توجه الحياة الاجتماعية نحو السوق، حيث إن تدخلاتها تهدف إلى التعويض عن الآثار المدمّرة للسوق. مع ذلك، لا يمكنها أن تحلّ تماماً محلّ أشكال حماية المجتمع التي تلاشت نتيجة التطور الصناعي، ونشوء الفردانية، وتوسّع السوق. بالمقارنة مع أشكال الحماية الاجتماعية السابقة هذه، لدولة الرفاه سيئاتٌ بقدر ما لها من حسنات. ففي حين قامت أشكال التضامن القديمة على تبادل الخدمات المشتركة، حيث يتشاطر الجميع المسؤولية، تشجّع دولة الرفاه على اللامسؤولية، وتحوّل المواطنين إلى اتّكاليين. وفي حين كانت أشكال التضامن السابقة تقع ضمن شبكة من العلاقات الماديّة، تظهر دولة الرفاه كآلة مجرّدة، ومجهولة، ومعزولة يتوقع المرء منها أن تقدّم له كلّ ما يريد دون أن يتوجّب عليه شيء تجاهها. والحال أنّ إبدال نظام تضامن قديم وفوري بنظام تضامن مُجرَّد وخارجي ومبهم، لم يوّلِد شعوراً بالرضا، لا بل كان السبب وراء الأزمة الحالية في دولة الرفاه التي يقدر لها، بحكم طبيعتها، ألا تطبق سوى نظام تضامن غير فعّال اقتصاديّاً لأنه لا يتكيّف مع المجتمع. يقول برنارد إنجولراس(Bernard Enjolras): «لتجاوز الأزمة الداخلية في دولة الرفاه، يتطلّب ذلك إعادة اكتشاف الشروط التي تحقق تضامن جوار، وهي نفسها الشروط لإعادة تشكيل الرابط الاقتصادي لإعادة التزامن بين إنتاج الثروة وإنتاج الواقع الاجتماعي» [32].
يقول بيغي(Peguy)، من جهته: «إن انحطاط العالم المعاصر، أي انخفاض المعايير، وتردي القيم، يأتي من رؤية العالم المعاصر إلى القيم على أنها قابلة للتداول بخلاف العالمين القديم والمسيحي» [33]. تتحمّل الأيديولوجية الليبرالية مسؤولية كبرى تجاه هذا الانحطاط كون الليبرالية تستند إلى أنثروبولوجيا غير واقعية تنطوي على سلسلة من الاستنتاجات الخاطئة.
تعتبر فكرة أن الإنسان يتصرّف بحريّة وعقلانية في السوق مجرّد مسلَّمة وهميّة، حيث إن الحقائق الاقتصادية لا تتمتّع بأي استقلالية وإنما ترتبط بسياق اجتماعي وثقافي معيّن. إلى ذلك، لا يوجد عقلانية اقتصادية فطرية، بل هي نتاج تطور تاريخي اجتماعي واضح المعالم. من ناحية أخرى، لا يمثّل التبادل التجاري الشكل الطبيعي للعلاقات الاجتماعية، ولا حتى العلاقات الاقتصادية. فالسوق ليست ظاهرة عالمية، بل هي ذات إطار محلي حيث إنها لا يمكن أن تحقّق التنظيم الأمثل للعرض والطلب لأنها لا تأخذ بعين الاعتبار إلاّ العروض المقتدِرة. أما المجتمع فلا ينحصر أبداً بمكونّاته الفردية، تماماً كما لا تنحصر الطبقة الاجتماعية أبداً بالعناصر التي تتكوّن منها، لأنّ الطبقة هي التي تشكل العناصر على هذا النحو وبالتالي فهي مختلفة عن العناصر من الناحية المنطقية والهرمية، بحسب ما تبيّنه نظرية راسل(Russel) حول الأنواع المنطقية القائلة أنّ الطبقة الاجتماعية لا يمكن أن تكون فرداً من نفسها، كما لا يمكن لأي فرد فيها أن يشكّل منفرداً طبقة اجتماعية. في النهاية، فإن التصوّر المجرّد لفردٍ لا مبالٍ خارج عن السياق الاجتماعي، ويتصرّف تبعاً لتوقّعات عقلانيّة تماماً، ويختار هويته بحريّة من لا شيء هو رؤية مستحيلة. على العكس، لقد أظهر أصحاب النظريات المجتمعية وشبه المجتمعية، مثل ألاسدير ماسينتاير (Alasdair Macintyre)ومايكل سانديل(Mickael Sandel)، الأهميّة الحيويّة بأن يكون للأفراد مجتمع يشكّل حتماً الأفق الذي يتطلّعون إليه أو معرفتهم الإنسانية، ولو لتشكيل صورة نقدية عنه، وذلك من أجل بناء هويّتهم وتحقيق أهدافهم. وبالتالي، الصالح العام هو المبدأ الجوهري الذي يحدّد أسلوب عيش المجتمع وبالتالي هويّته الجماعية.
تتمخض الأزمة الحالية برمتّها عن التناقض الذي تفاقم بين مثال الشخص الكوني المعنوي مع ما يلازمه من تجزئة طبيعية للعلاقات الاجتماعية كافة وتجريدها من إنسانيتها، وحقيقة الشخص الملموس الذي من أجله تبقى الروابط الاجتماعية قائمة على الروابط العاطفية وعلاقات الجوار، مع ما يرافقها من تماسك، وتوافق، والتزامات متبادلة.
برأي الكتّاب الليبراليبن، يمكن للمجتمع أن يقوم على قيم الفردانية وقيم السوق، إلاّ أن ذلك مجرّد وهم. فالفردانية لم تكن ولن تكون يوماً المبدأ الوحيد للسلوك الاجتماعي، وثمة أسباب وجيهة للاعتقاد بأن الفردانية لا يمكن أن تتجلى إلا بقدر ما يظل المجتمع إلى حدّ ما شموليّاً. يقول لويس ديمون(Louis Dumont) «لا يمكن للفردانية أن تحلّ كليّاً محلّ الشموليّة وأن تسيطر على كامل المجتمع... كذلك، لا يمكنها الاستمرار بمنأى عن مساهمة الشمولية في حياتها بشكل غير مباشر وخفيّ إلى حدّ ما» [34]. أضف إلى ذلك أن الفردانية هي التي تمنح الإيديولوجيا الليبرالية بعدها الخيالي؛ وبالتالي، من الخطأ النظر إلى الشمولية على أنها إرث من الماضي محكوم بالزوال. ويبقى الإنسان كائناً اجتماعيّاً حتى في عصر الفردانية الحديثة. وتظهر الشمولية مجدداً، في اللحظة التي يُقَرُّ فيها بوجود مصلحة عامة تطغى على المصالح الخاصة، في مقابل النظرية الليبرالية للانسجام الطبيعي للمصالح.
----------------------------------------
[1] فيلسوف ومفكر سياسي فرنسي.
Alain de Benoit-Critique de L’idéologie Libérale-www.alaindebenoit.com
ـ ترجمة رشا طاهر.
[2] ما اصطُلح على تسميته الليبرالية السياسية، إن هي إلا إحدى وسائل تطبيق المبادئ المستنبطة من هذه المبادئ الاقتصادية على الحياة السياسية، وهو الأمر الذي يحد من دور السياسة قدر الإمكان. (من هذا المنطلق، يمكن القول إن «السياسة الليبرالية» هي مصطلح متناقض).
[3] كما في اللاهوت وعقيدة التثليث والتجسَّد في الايمان المسيحي (المترجم).
[4] «خيبة أمل العالم»Le désenchantement du monde، دار غاليمار، 1985، ص. 77.
[5] «عصر الفرد: مساهمة في تاريخٍ للذاتيّة»L’ère de l’individu. Contribution à une histoire de la subjectivité، دار غاليمار، 1989، ص. 76ـ77.
[6] لويس دومون، «نشأة وتطور الفكر الاقتصادي»، Homo aequalis: genèse et épanouissement de l’idéologie économique ، دار غاليمار، 1977، ص. 17.
[7] سعى بعض الكتاب الليبراليين مع ذلك إلى التمييز بين الاستقلالية والسلطة الذاتية، في حين حاول آخرون (أو أنفسهم) التفريق بين الموضوع والفرد، أو حتى بين الفردانية والنرجسية. بخلاف الاستقلالية، تبقى السلطة الذاتية في الواقع منسجمة مع الخضوع لقواعد تتخطى الفردانية، حتى عندما تأتي من معيارية تأسست ذاتيّاً. تلك، على سبيل المثال، وجهة النظر التي يتبناها آلان رونو(Alain Renaut) (مرجع مذكور، ص. 81ـ86)، إلاّ أنها ليست مقنعة جداً. تختلف السلطة الذاتية بشكل تام عن الاستقلالية، (وفي بعض الأحيان تشكّل النقيض تماماً)، ولكن يبقى السؤال الأساسي في معرفة ما الذي يمكن أن يجبر الفرد، من وجهة نظر ليبرالية، على الالتزام بما يقيّد من حريته حيث يتعارض هذا القيد مع مصلحته الذاتية.
[8] «من حريّة الأقدمين مقارنة مع حرية المعاصرين»،De la liberté des Anciens comparée à celle des Modernes .1819
[9] «فضيلة الأنانية»، La Vetru d’égoisme، Belles Lettres للنشر، 1993.
[10] مرجع مذكور.
[11] الاتفاقية الثانية للحكومة المدنية، 0961، الفصل الثامن. Deuxième Taité de gouvernenement Civil.
[12] «من قانون الحرب والسلم»، Du droit de la guerre et de la paix ، 1625.
[13] لا يؤيد ماركس الآلية الإيديولوجية الليبرالية التي منحها قيمة معرفية أساسية فحسب، لكنه يتقيّد بماورائيات الفرد التي جعلت ميشال هنري يرى فيه «أحد المفكرين المسيحيين البارزين في الغرب» (ماركس، دار غاليمار، المجلّد الثاني، ص. 445). نشأ واقع الفردية الماركسية، متخطياً واجهته الجماعية، على يد العديد من الكتاب بدءاً من لويس دومون. يقول بيار روزانفالون: «يمكن فهم فلسفة ماركس بأكملها على أنها محاولة لتعزيز الفردانية الحديثة (...) ما من معنى لمفهوم الصراع الطبقي نفسه خارج إطار التمثيل الفردي في المجتمع. في المقابل، ليس له أي دلالة في مجتمع تقليدي، «. (الليبرالية الاقتصادية: تاريخ فكرة السوق Le libéralisme économique: Histoire de l’idée du marché، سوي بوان للنشر، 1989، ص. 188ـ189). رفض ماركس وهم «الرجل ذو الوعي الاقتصادي» Homo economicus الذي ظهر اعتباراً من القرن الثامن عشر لمجرد أن استخدمته لإبعاد الفرد الحقيقي ودمجه بوجود يقتصر على دائرة المصلحة الذاتية فحسب؛ فالمصلحة الذاتية، بالنسبة إلى ماركس، هي مجرد تعبير عن الفصل بين الفرد وحياته. (ذلك هو أساس الجزء الأفضل من عمله، لا سيما نقده «تجسيد» العلاقات الاجتماعية). لكنه لا ينوي البتّة إبدال المصلحة الخاصة بالصالح العام. فهو لا يعترف حتى بالمصالح الطبقية.
[14] «الفردانية: دراسة حول عودة الفرد» De l’individualisme. Enquête sur le retour de l’individu ، المنشورات الجامعيّة الفرنسيّة، 1985، ص. 16.
[15] مرجع مذكور، ص. 7.
[16] التحقيق في طبيعة وأسباب ثورة الأمم، (Recherche sur la nature et les causes de la richesse des nations) غارنييه فلاماريون للنشر، 1991، المجلّد الأول، الكتاب III، الفصل الرابع.
[17] نفسه، الجزء الأول، الكتاب I.
[18] هذا هو الموقف الليبرالي الأكثر تداولاً في ما يتعلق بدور الدولة. فالمؤمنون بالحريات الشخصية التابعون لما يُعرف بـالـ «لاسلطوية الرأسمالية» يذهبون أبعد من ذلك، لأنهم يرفضون حتى «دولة الحد الأدنى» التي يقترحها روبرت نوزيك(Robert Nozick). فبالنسبة إليهم، الدولة هي حكماً «لص» إذ إنها لا تنتج رأس المال، بل تستهلك الأعمال.
[19] «الموافَقَات الاقتصاديّة» ، Harmonies économiques ، 1851، أطروحة شائعة يؤيدها ماندفيل(Mandeville) في كتابه «أمثولة النحل: الرذائل الخاصة والفضيلة العامة» fable des abeilles: Vices privés، vertu publique.
[20] مرجع مذكور، ص. 124.
[21] مرجع مذكور، الجزء الأول، ص. 92.
[22] «نحو أنثروبولوجيا عامة: الحداثة والغيرية» Vers une anthropologie générale. Modernité et altérité، دروز، جنيف 1992، ص. 57.
[23] «روائع ومآسي العلوم الاجتماعية: بداية ميثولوجيا» Splendeurs et misères des sciences sociales. Esquisse d’une mythologie، دروز، جنيف 1986، ص. 347.
[24] نسبة الى «دي توكفيل De Tocqueville.
[25] «نظرية العواطف الأخلاقية، The Theory of Moral Sentiments ، منشورات كلارندون، أوكسفورد 1976، ص86.
[26] مرجع مذكور، ص. 333ـ334
[27] مرجع مذكور، ص. 124
[28] «أمثولة النحل» fable des abeilles، 1714.
[29] «التحوّل الكبير: حول الأصول السياسية والاقتصادية لعصرنا»،La grande transformation. Aux origines politiques et économiques de notre temps، غاليمار، 1983، ص. 88.
[30] مرجع مذكور، 332.
[31] مرجع مذكور، 265.
[32] «أزمة دولة الرفاه، علاقات اجتماعية وجمعيات: عناصر لاقتصاد اجتماعي نقدي»، Crise de l’EtatـProvidence، lien social et associations: éléments pour une socioـéconomie critique، مجلّة MAUSS، الأول من أيلول 1998، ص.223.
[33] «مذكرة مشتركة عن م. ديكارت»، Note conjointe sur M. Descartes، غاليمار.
[34] مرجع مذكور.