وحدة التجربة الفلسفية

وحدة التجربة الفلسفية

تـاليف

إتيان جلسون

ترجمة

طارق عسيلي
 

مقدمة المركز

بسم الله الرحمن الرحيم

الفيلسوف والمتأله الفرنسي اتيان جلسون (1884 – 1979) يعد من التوماويين الجدد (أتباع توما الاكويني) درس الفلسفة في جامعات باريس وتخرّج منها وكان مختصاً بالفلسفة القروسطية وبدايات عصر النهضة.

له محاضرات فلسفية في كثير من الجامعات الاروبية والاميركية من قبيل جامعة تورنتو بكندا، وجامعة هارفارد بامريكا، وجامعة اباردين في اسكتلندا، كما عُيّن استاذاً في الكوليج دي فرانس.

له مؤلفات فلسفية كثيرة من أشهرها:

الحرية عند ديكارت وفي اللاهوت (اطروحة دكتوراه).

روح الفلسفة المسيحية في العصر الوسيط.

الافكار والرسائل.

الفلسفة في العصر الوسيط.

الالحاد العسير.

التوماوية.

وغيرها من المؤلفات التي أثرت الفلسفة واللاهوت المسيحي.

هذا الكتاب:

يُعد هذا الكتاب (وحدة التجربة الفلسفية) التاريخ النقدي والتحليلي للفلسفة الغربية منذ العصر الوسيط حتى القرن التاسع عشر، حيث يسير بنا المؤلف في رحلة فلسفية شائكة تمر عبر مفاوز قفار تبحث عن اليقين المعرفي أمام كم هائل من الشبهات والتشكيكات المنطقية والفلسفية؛ تزعزع كيان المعرفة وتحول دون وصولها الى ساحل الاطمئنان واليقين المعرفي.

تمر هذه الرحلة عبر محطات فكرية ثلاثة يعقبها استنتاج في الخاتمة للوصول الى وحدة فلسفية بمنأى عن غبار الشك والنسبية اللتان اديا الى انهيار الفلسفة الغربية لعدّة مرّات.

المحطة الاولى تبدأ من الفيلسوف المنطقي أبيلار وتنتهي على يد وليام الاوكامي، تشتمل هذه المحطة على أربعة فصول، رصد فيها المؤلّف خيوط الشكوكية وأسبابها، ففي الفصل الاول تحدّث عن مسألة الكليات وكيفية التعرّف عليها وتطرق الى آراء أبيلار المنطقي الذي مزج المنطق بالفلسفة، إذ إنّ مقاربة رجال القرن الثاني عشر للفلسفة كانت مقاربة منطقية، وهذا ما لا يرتضيه المؤلف وذهب انّه آل الى نفي الكليات والزعم الى انّها مجرّد تفوّهات صوتية وتماثلات خيالية ومختلقة، فلو (كانت المفاهيم مجرد كلمات من دون أيّ مضامين أقل أو أكثر من الصور المبهمة، لكانت كل المعرفة الكلية مجرد مجموعة من الآراء الاعتباطية) وهذا ما يؤدّي الى الشك، وعليه فلا يمكن تحصيل الفلسفة من المنطق المحض.

وفي الفصل الثاني يتابع المؤلف رصد خيوط الشكوكية عند دمج اللاهوت بالفلسفة ممّا أدّى الى نكران الفلسفة للحفاظ على اللاهوت وكانت النتيجة انّ الله هو كل شيء ويفعل كل شيء اما الطبيعة والانسان فلا شيء، ثم بعد هذا يأتي الفيلسوف ليبرهن على فشله في البرهنة على وجود الله تعالى، فتكون النتيجة المنطقية انّ الطبيعة مجردة تماماً عن الحقيقة والفهم لتفسح المجال لنوع آخر من التشكيك.

أما الفصل الثالث فيخصص جلّه بوليام الاوكامي وآراؤه الفلسفية والمعرفية في القرن الرابع عشر، حيث انّه حاول دمج الفلسفة واللاهوت وكان يرى انّ العقيدة اللاهوتية هي مصدر للنتائج الفسلفية والمنطقية الخالصة، من هذا المنطلق تطرق الى الاجابة عن سؤال كيفية معرفة الكليات والمجردات، لذا حاول تقسيم المعرفة الى حدسية ومجردة، من خلال ارجاع جميع الامور الى القدرة الالهية التي تخلق فينا المعرفة، وانّ الله وحده يمكن أن يحفظ في داخلنا الحدس بالأشياء الغائبة، والحكم بانّها موجودة او غير موجودة في الواقع الخارجي، ومن هنا بدرت خيوط الشكوكية من جديد، إذ إنّ الله تعالى اذا كان قادراً على أن يحفظ فينا حدس الشيء الذي ليس موجوداً في الواقع، فكيف سنتأكد من انّ ما ندركه كواقع هو شيء موجود فعلاً، بل ربما يكون من الاوهام التي لا شيء وراءها كواقع طالما انّ الله قادر على خلق ذلك فينا؟!

اما الفصل الرابع والاخير من المحطة الاولى فيتطرق المؤلف الى انهيار فلسفة العصور الوسطى بسبب فصل الفلسفة عن اللاهوت ورفع شعار العودة الى الانجيل، وقد ذهب بعض المفكرين آنذاك انّ الطريقة الأسهل لاثبات انّ الفلسفة لا يمكنها أن تبرهن على ما ينافي الدين، هي القيام باثبات انّ الفلسفة لا تستطيع البرهنة على أيّ شيء مطلقاً، هذه هي خطوط الشك التي امتدت الى القرن السابع عشر، ووسمت ادبيات تلك المرحلة بما ينبئ عن انتصار تام للشكوكية.

اما المحطة الثانية فقد انبنت على أنقاض فلسفة العصور الوسطى، وتطرق المؤلف في فصولها الاربعة البدء بالعصر الحديث على يد ديكارت، فخصص فصول هذه المرحلة بفلسفة ديكارت واعماله الفكرية منذ بزوغ نجمه والى انهيار فلسفته في عصر التنوير.

كونّ ديكارت فلسفته وبناها على الرياضيات تحاشياً من الشكوكية السائدة آنذاك لعدّة قرون، وزعم انّ كل العلوم ترجع الى اصل واحد ويجب حلّ كل المشاكل بنفس المنهج شريطة أن تكون رياضية فقط أو يمكن التعامل معها بالطريقة الرياضية، ومن هذا المنطلق أقام برهاناً رياضياً على روحانية النفس ففصل الذهن عن الجسم، وعندما انهارت فلسفة ديكارت ومات الذهن الديكارتي ترك الجسم بلا ذهن وصار مجرد آلة وعليه فانّ المسؤولية الرئيسية في انتشار المادية في القرن الثامن عشر لا تقع على عاتق فولتير او لوك بقدر ما تقع على عاتق ديكارت من حيث لا يشعر، ومن جهة ثانية كان يرى ديكارت انّ الله عندما خلق المادة سبّب فيها كماً من الحركة، وبناء على هذه الفرضية الاساسية سوف تستنتج كل قوانين الفيزياء على اساس دليل رياضي. يجب حذف الصور والطبائع من عالم الطبيعة كي لا يبقى شيء غير الامتداد ومقدار ما ودائماً من الحركة التي سببها الله، ولكن بعد ما نشر نيوتن مبادئه الرياضية للفلسفة الطبيعية نسخ آراء ديكارت وانهار بنيانه وعادت الشكوكية.

اما المحطة الثالثة فتبدأ بعد انهيار الديكارتية وظهور عصر التنوير، يشرحها المؤلّف ويحلّلها بنظرة نقدية ضمن فصول ثلاثة تكوّن الفصل التاسع والعاشر والحادي عشر من أصل الكتاب.

بدأ المؤلف بكانط وشرح فلسفته من دون أن يهمل رصد خيوط الشكوكية في كل مرحلة وكل عصر ولدى كل مفكر، وبخصوص كانط يرى المؤلّف انّ ايمانه اهتزّ بشرعية المعرفة الميتافيزيقية بعدما تعرف على ديفيد هيوم، ولذا اعتبر انّ الميتافيزيقيا كمعرفة ايجابية قد ماتت وسبب ذلك انّها غير قابلة للنقد، فالمنهج الصحيح عنده للميتافيزيقيا هو نفس المنهج الذي قدّمه نيوتن في العلوم الطبيعية، لكنّها لا تقدر على البرهان الفيزيائي ولا البرهان الرياضي.

ثم بعد هذا يسلط المؤلف الضوء في الفصل العاشر على أوغيست كنت حيث أراد أن يبيّن للناس كيف يعيشون من خلال تعليمهم بماذا يفكرون، ومن هذا المنطلق اتجه الى علم الاجتماع وبناه على العلم الوضعي وجعله كفلسفة يبتني على نظام فكري موحّد ودقيق تكون كل حقائقه مبرهنة علمياً وموصلة الى الحقيقة، وهكذا فقد اختار الانسان بشكل طبيعي أن يخسر الفلسفة ويفتح على نفسه باب الاضطراب الفكري والفوضى الاجتماعية، ممّا أدّى الى انهيار الحضارة الغربية كما يشرحه المؤلّف في الفصل الحادي عشر.

انّ استمرار الحضارة كان ممكناً عندما كان الانسان مسيطراً على الطبيعة، ولكن عندما بدأت الطبيعة تسيطر على الانسان بدأت المؤشّرات على زوالها، انّ الروح الوضعية حرّرت ذاتها تماماً من اللاهوت والميتافيزيقيا ممّا سبّب انتشار النسبية والشكوكية، وهكذا بدأت المدارس والمذاهب الفكرية تظهر وتضمحل، ولا مفرّ من هذه الدوامة الّا بالرجوع الى الميتافيزيقيا وموضوعها المنسي.

هكذا أنهى المؤلّف رحلته الشائكة في تاريخ الفلسفة ليستنتج في النهاية (أي الفصل الثاني عشر) من هذه التجربة الفلسفية القوانين التالية:

الفلسفة دائماً تدفن الحانوتي المكلّف بدفنها.

الانسان حيوان ميتافيزيقي بالطبع.

انّ الميتافيزيقيا هي المعرفة التي جمعت عن طريق العقل المتعالي بشكل طبيعي خلال بحثه عن المبادئ الاولى لمعطيات التجربة الحسية.

بما انّ الميتافيزيقيا تهدف للتعالي على كل المعارف الجزئية، فليس هناك علم جزئي مؤهّل لحلّ مشاكل الميتافيزيقيا ولا للحكم على حلولها الميتافيزيقية.

يجب أن نصل الى السبب الذي ادّى الى كل اخفاقات الميتافيزيقيا، وهو اهمال الميتافيزيقيين للمبدأ الاول للمعرفة البشرية أو إساءة استخدامهم لهذا المبدأ.

وبعد هذه المبادئ العامة يرى المؤلّف انّ التجربة الفلسفية واحدة وما أدّى الى فشل الفلسفة سابقاً سيؤدي الى فشلها لاحقاً وكذلك العكس أي ما أدّى إلى نجاحها سابقاً سيؤدي إلى نجاحها لاحقاً، وعليه يلزم أخذ العبر من هذه التجارب السابقة لعدم الوقوع في الخطأ وللتخلّص من الفوضى والشكوكية.

((إذا فُهم تاريخ الفلسفة بشكل صحيح، فهو يستطيع أن يساعدنا على ادراك الفلسفة، لانّ التاريخ الفلسفي للفلسفة إذا كان صحيحاً فإنّه يسلّط الضوء لا على الحقيقة الفلسفية فحسب، بل على فهم الخطأ الفلسفي أيضاً، وانّ فهم الخطأ بما هو خطأ هو نفس التحرّر منه)).

في نهاية المطاف يرى المؤلّف انّ المعرفة الفلسفية ترتبط في النهاية بالميتافيزيقيا، ولن تكون الميتافيزيقيا الّا معرفة المبدأ الأوّل ثم معرفة كل شيء في ضوء ذلك المبدأ، وهذا المبدأ هو الوجود. انّ فهم الوجود هو اول ما يجب تحصيله، وهو آخر ما تنحلّ اليه المعرفة في النهاية، وهو الوحيد الذي يجب أن تشتمل عليه كل إدراكاتنا، وعلى القوانين المجردة التي يجب بناء العلم وفقها.

هذا هو التعليم الاساسي للتجربة الفلسفية.

النجف الاشرف

المركز الاسلامي

المولد النبوي صلى الله عليه وآله

17ربيع الاول1438 هـ

تمهيد

لا يشكّل تاريخ العلم جزءاً من العلم بقدر ما يشكّل تاريخ الفلسفة جزءاً من الفلسفة.إذ يمكن للمرء أن يصبح عالماً كفوءاً من دون أن يعرف كثيراً عن تاريخ العلم، لكن لا يمكن لإنسان أن ينجح في تفكيره الفلسفي ما لم يبدأ بدراسة تاريخ الفلسفة. من هنا كان الكتاب الأوّل من “ما بعد الطبيعة لأرسطو “أوّل تأريخ معروف للفلسفة اليونانية، وما زال نموذجاً كاملاً لكيفية كتابة هذا النوع من التأريخ. إنه بالفعل تأريخ فلسفي للفلسفة، في حين أُلّف عدد كبير من الكتب الحديثة التي أرّخت للفلسفة بطريقة غير فلسفية، كالسلسلة المتّصلة من الأنظمة الهدّامة التي تبدأ من طاليس Thalesوصولاً إلى كارل ماركس Karl Marx التي هي تثبيط للعزائم أكثر منها إحياءً للأمل إلا إذا تمّ البرهان على الحقائق المعروضة فيها بدقّة.

إن الهدف والمجال الحقيقي لهذا الكتاب يبين أن لتاريخ الفلسفة معنى فلسفياً، وأن يحدّد معنى التاريخ بالنسبة للمعرفة الفلسفية ذاتها. لهذا السبب، لا ينبغي أن نعتبر التعاليم المختلفة ولا الأقسام المحدّدة للتعاليم، التي ذكرناها في هذا الكتاب، مجرّد شذرات منتقاة بشكل اعتباطي من بعض الكتابات المختصرة التي تناولت الفلسفة الوسيطة والحديثة، بل هي سلسلة من التجارب الفلسفية المترابطة التي اختيرت بعناية بسبب أهمّيتها العقدية، والتي تمثّل كلُّ واحدة منها محاولة محدّدة للتعامل مع المعرفة الفلسفية وفقاً لمنهج ما، والتي تشكّل بمجملها تجربة فلسفية، وأن وصول كل هذه التجارب إلى النتائج نفسها، كما أعتقد، يسوّغ النتيجة المشتركة التالية: أن هناك تجربة مرّت بها المعرفة الفلسفية عمرها قرون طويلة – وأن لهذه التجربة وحدة ملحوظة.

بيد أن القناعات الأساسية التي تكمن في أساس هذا الكتاب متأصّلة بعمق في الماضي الفلسفي لمؤلّفه، مع ذلك، ما كان لها أن تخرج إلى العلن، لو لم يكن الخوف من التقصير المفرط عن مستوى المحاضر الممتاز الذي دفع مؤرّخاً محترفاً لفلسفة العصور الوسطى للتعدّي على الفلسفة. لذلك أريد أن أعبّر عن امتناني لكلّية الفلسفة في جامعة هارفرد على الثقة الكبيرة في منحي مركز المحاضر بهدف تكريم ذكرى وليام جيمس. ومهما كانت الدوافع لذلك، فإن اختيارهم يبرهن، على الأقل، على مدى دقّة وصف جيمس لروح هارفرد في الفلسفة عندما كتب ل ج. هـ. بالمر  G. H. Palmerعام 1901، «أعتقد أن ما يبعث السرور فينا جميعاً في قسم الفلسفة، حيث لكلٍ منا مجموعة من الأفكار، العملية والنظرية، التي هي تفجير للخصوصية التي لا تقاوم، هو تقديرنا العميق بعضنا لبعض، وتعاوننا الكامل المتآلف تجاه غرس ما قد يكون حقيقة موضوعية في أذهان الطلاب. على كل حال هذه ليبرالية أصيلة، وليست دوغمائية.» ما كان يصحّ عن هارفرد وجيمس ورويس وبالمر، يصح بنفس المستوى عن هارفرد بيري، ووايتهد وهوكنغ ولويس وشفر، فعندما تُظهر اللادوغمائية نفسها بأنها سمحاء بما يكفي للترحيب حتى بالدوغمائية، يتّضح أنها وصلت إلى كمالها.

أُلقيت المحاضرات التي يتألّف منها هذا الكتاب في جامعة هارفرد في النصف الأوّل من العام الجامعي 1936 –1937. وهنا أشعر أنني مدين بشكل خاص إلى أصدقائي: الأستاذ Ralph Barton Perry من جامعة هارفرد، وسيادة Gerald B. Phelan رئيس معهد دراسات العصور الوسطى في تورنتو، الذين قرأوا الكتاب عندما كان مخطوطاً واقترحوا عدداً من التعديلات في الفكرة كما في التعبير. ويجب أن أشكر الأستاذ دانيال س. والشDaniel C. Walsh في معهد منهاتن فيل Manhattanville بمدينة نيويورك وجامعة كولومبيا، الذي إضافة إلى قراءة مخطوطتي وتقديم اقتراحات كثيرة مساعِدة حول الوضوح في التعبير، فإنه راجع التصحيحات أيضاً.

ETIENNE GILSON.

Institute of Mediaeval Studies

Toronto, Canada.

22nd November, 1937