البحث في...
عنوان الحوار
إسم المحاور
إسم مجري الحوار
المصدر
التاريخ
ملخص الحوار
نص الحوار
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

December / 24 / 2020  |  1152من أهداف علم الاستغراب مواجهة التقليد الأعمى للقيم الغربية

الحوار مع :د. علي الطالقاني
من أهداف علم الاستغراب مواجهة التقليد الأعمى للقيم الغربية

لقد ابتُلينا بالانبهار بالغرب وتقليده بشكل أعمى من جهة، وابتلينا، من جهة أخرى، بعداء ونزاع معه لا أساس له معادلة خلص إليها، الدكتور علي الطالقاني، الحائز على شهادة الدكتوراه في الفلسفة التحليليَّة من كلِّيَّة العلوم الجذريَّة في طهران، والمنشغل حالياً في الأروقة الجامعيَّة والحوزويَّة في مدينة مشهد المقدَّسة، حيث يمارس التأليف والتدريس في حقل الفلسفة الإسلاميَّة والغربيَّة. في مناقشة آراء بعض المفكِّرين، من أمثال: باول موسر، وويلفيرد مادلونغ، وسول كريبكي، وكارل بوبر وآخرين.

نسعى في هذا الحوار إلى تناول بعض المسائل الهامّة في حقل الاستغراب، ولا سيما منها الناظرة إلى نمط التعاطي مع الغرب.

في ما يلي وقائع الحوار:


* كيف تحلِّلون رؤية المسلمين للغرب؟ وبعبارةٍ أخرى: إلى أيِّ مدى ترون هذه الرؤية الثابتة والراسخة في أذهان الكثيرين، والتي تنظر إلى الغرب بوصفه كُلَّاً واحداً يقف في وجه العالم الإسلامي بوصفه كُلَّاً واحداً آخر، الأمر الذي وضع أمام المسلمين أنواعاً من التحدِّيات البنائيَّة والمبنائيَّة، صحيحة واستراتيجيَّة؟

ـ أرى أنّ هناك مشكلةً في هذه الرؤية، إذ إنها من وجهة نظري غيرُ صحيحةٍ، وتنطوي على بعض المشاكل، من قبيل:

أولًا: إن هذه الرؤية تنظر إلى الغرب بوصفه حقيقةً واحدةً منسجمةً، وكأنها بدأت منذ عددٍ من القرون في الحد الأدنى، وأن هذه الحقيقة الواحدة لا تزال تواصل حياتها.

وثانيًا: إنّ علينا أنْ نحدِّد موقفنا من الغرب بشكلٍ وآخرَ.

وثالثًا: في تحديد موقفنا مع هذا الكيان الواحد والفرد يجب أن يكون لدينا اتجاهٌ ناقِدٌ. إنّ لديّ توجُّهًا سلبيًّا إزاء كل واحدٍ من هذه المواقف المذكورة؛ بمعنى أنني في المسألة الأولى لا أرى الغرب بوصفه شيئًا أو موضوعًا واحدًا. إن مفهوم الغرب ينطوي في حدّ ذاته على غموضٍ، وفي الأساس لا ينبغي الحديث عن الغرب، وإنما يمكن الحديث عن التجديد. وفي الحقيقة فإن الغرب الذي يتم استعماله في هذه الأدبيات، إذا كان هو الغرب الجغرافي، فإن هذا الغرب الجغرافي في الوقت الذي تكون أنظمته السياسية والإدارية حديثةً نوعًا ما، ولكن في حدود معرفتي واطلاعي المباشر على بعض جوانبه في الولايات المتحدة الأمريكية، لا يمثِّل الغرب كُلًّا واحدًا. والمسألة الثانية القائلة بضرورة تحديد موقفنا من الغرب، ليست واضحةً بالنسبة لي تمامًا. فإذا كان القرار على تحديد موقفنا من واحدٍ آخرَ، فإننا في الواقع سوف ننشغل في صنع واحدٍ آخر، وهذا الواحد الآخر هو الغرب. في حين أن هذا الواحد الآخر لا يختصّ بالغرب فقط، إذ هناك آخرون أُخَرُ أيضًا، يجب طبقًا لهذا الاتجاه أن نحدِّد تكليفنا وموقفنا منها أيضًا، ولا أرى لـ «يجب تحديد الموقف» هنا معنًى ومفهومًا محصَّلًا. فمن ذا الذي عليه أن يحدِّد هذا الموقف؟ هل هم رجال السياسة، أم المدراء أم المثقفون، أم العلماء؟ ومن الذي يمثِّلنا في هذا الخصوص؟ هل هم العلماء، أم الفلاسفة، أم علماء الإلهيات، أم المختصون في مجال الفن؟ فهل يجب على هذه الفئات أن تحدد موقفها وتكليفها من هؤلاء الآخرون أيضًا؟! وأما المسألة الثالثة، وهي فرضية الانتقادية في هذا التحدِّيد للموقف والتكليف وأن يكون الاتجاه الانتقادي بدوره موقفًا معتدلًا بطبيعة الحال، إذ يتجه البعض إلى اتخاذ موقفٍ متشنّجٍ فإنّها موضعُ تأمّلٍ. وعلى هذا الأساس فإني لا أوافق على مثل هذا التعبير، وبدلًا من الغرب، أتوجه إلى أخذ الحداثة بنظر الاعتبار، بمعنى تحدّي المسلمين في ما يتعلق بالتجديد والحداثة، دون الغرب. فما هو المراد من الغرب في هذا الادعاء؟ لنفترض أن الولايات المتحدة الأمريكية تمثّل نموذج الازدهار والتطوّر والازدهار في الغرب. فما الذي نراه من خلال دراسة نمط حياة الناس في الولايات المتحدة الأمريكية؟ إن الكثير من المواطنين الأميركيين أو في الحد الأدنى ذلك الجزء الذي عشت فيه، أي في غرب الولايات المتحدة الأمريكية، حيث ولاية نيويورك وماساتشوسيت لم يكونوا حداثويين بالمعنى الحرفي والحقيقي للكلمة، ولم يكونوا يعيشون حياةً حداثويةً. وفي الحقيقة لم أجد هناك شيئًا مما قرأته في الكتب بشأن التجديد، والحداثة، ونبذ الأساطير، والعقلانية. لقد وجدت الناس هناك يعيشون حياتهم ببساطةٍ، ولربما الكثير من المواطنين الإيرانيين الأعم من الناس العادين أو الدارسين والجامعيين يتمتّعون بحياةٍ أكثرَ حداثةً من المواطنين الأمريكيين في الولايات المتحدة الأمريكية. إنّ الكثير من الفلاسفة الأمريكيين، على الرغم من اتصاف أبحاثهم بالعمق الكبير، إلا أنهم الأشد قروسطيةً. إنهم يجلّون ويحترمون سلسلةً من المسائل الميتافيزيقية، ولكنهم هنا لا يبدون استعدادًا إلى التأمل بشأنها. من ذلك على سبيل المثال بشأن الذات والعليّة وما إلى ذلك، لديهم نقاطٌ وإثاراتٌ ظريفةٌ، كانت لدينا في حواشي كتاب الشفاء لابن سينا، أو الثقافة الاستهلاكية بوصفها نموذجًا للحياة الحديثة، أو مثال النظام الرأسمالي في الكثير من المدن الإسلامية الذي هو أكثرُ بمراتبَ من بعض المدن الأكاديمية الأمريكية. من الممكن أن تصادف في أحد البيوت في الغرب (الأمريكي) كرسيًّا يعود عمره إلى ما قبل قرنٍ من الزمن، ولا يزال صالحًا للاستعمال، ويشعر صاحبه بالفخر به، لأنه يرتبط بذكرى جده الأكبر، في حين قد لا تشاهد مثل هذه الظاهرة في إيران وربما في الكثير من البلدان الإسلامية، حيث الثقافة الاستهلاكية طاغيةٌ عندنا. ومن هنا يجب علينا العمل على تحليل ودراسة أنفسنا، لكوننا قد أصبحنا متجدّدين، ومن الأفضل أن نتعرّف على أنفسنا بدلًا من التعرف على الغرب.

* لو عمدنا إلى خفض المواجهة بين الثقافة الإسلامية والثقافة الغربية إلى مستوى الحداثة، بمعنى القول بأن التحدِّي الماثل أمام المسلمين ينظر إلى التجديد الحاصل والقائم حاليًّا، عندها في أي اتجاهٍ سوف يصبّ النقد الأهم للحداثة؟

ـ أرى أن العلمانية تمثل المشكلة الأهم بالنسبة إلى التجديد، وإلا ربما كان بعض الوجوه الأخرى للحداثة أمرًا ساميًا. وفي الحقيقة فإن العلمانية تعدّ من أكبر مواطن الخلل في التجديد، ونحن نعمل باختصارٍ على تعريف العلمانية بوصفها: «أفول الشمس الغيبية». وأشير هنا إلى أن مرادي من العلمانية هو العلمانية الفلسفية دون العلمانية السياسية. إن غروب الشمس الغيبية يمثل واقعًا جديدًا أدى إلى شرخٍ عميقٍ، إذ لم يسبق لمثل هذا الأمر أن حدث في أي موضعٍ من التراث التقليدي. فقد كان للغيب والشمس الغيبية حضورٌ متواصلٌ في التراث، فحتى أديان الشرك لم تكن تخلو من الغيب، لأن المشركين بدورهم كانوا يؤمنون بالشمس الغيبية، فقد تعاملوا مع الشمس الغيبية، وكانوا يستمدون مفهوم الحياة من الشمس الغيبية. غاية ما هنالك أن شموسهم الغيبية كانت متعددةً، وفي المقابل فإن الشمس الغيبية لعددٍ آخرَ من الناس تتمثل بالتوحيد والعبادة التوحيدية. أما العلمانيون فهم أشخاصٌ غربت شمس الغيب عن سمائهم وعن الأرض التي يعيشون عليها. في التفكير العلماني ليس هناك من وجود للسماء، إذِ انحصر كل شيءٍ لديهم بالوجود الأرضي. وفي الحقيقة فإن جميع المفاهيم السماوية قد انتكست وتراجعت وتحوّلت إلى مفاهيمَ دنيويةٍ؛ وعلى هذا الأساس لو أخذنا العلمانية، فإن عمود هذه الخيمة قد تهاوى في الواقع وأصبحت فارغةً من المعنى. وبعبارةٍ أخرى: لو لم تكن العقلانية علمانيةً، ولم تكن النزعة الإنسانوية علمانيةً، يمكن لنا الحصول على عقلانيةٍ توحيديةٍ، أو إنسانويةٍ توحيديةٍ ومؤمنةٍ. وبعبارةٍ أدقَّ: لن يعود مصطلح الإنسانوية في قبال مصطلح الإيمان. وعلى أي حالٍ هناك أهمية للإنسان، وإن الاهتمام بالإنسان موجودٌ في التعاليم الإسلامية، وعلى هذا الأساس أرى أن المشكلة الرئيسة تكمن في العلمانية.

* ما هي نسبة طيف المستنيرين الدينيين الذين ابتعدوا عن القراءات التقليدية في العالم الإسلامي، وأخذوا يقدّمون المفاهيم الدينية على أطباقٍ من الآراء التجديدية إلى العلمانية؟ وفي الحقيقة ألا تذهبون إلى الاعتقاد بأن القراءة العلمانية للنصوص الدينية، سوف تؤدي من تلقائها إلى مثل هذه الآراء؟

ـ إن التنوير الديني يعني، بمعنًى من المعاني، العلمانيين أو الأفكار العلمانية التي تسعى إلى تفريغ المفاهيم السماوية من مضامينها الغيبية، ومنحها مضمونًا أرضيًّا بالكامل. إن هذا النوع من الأفكار الصادرة عن المستنيرين الدينيين تشتمل على ماهيةٍ دينيةٍ وعلمانيةٍ مزدوجةٍ. وبطبيعة الحال يمكن للعلمانية في حد ذاتها أن تكون مفردةً حياديةً، وأن تشمل الماركسية وعموم المعتقدات المعارضة للدين أيضًا، وهي في الحقيقة تمثّل نوعًا من التنصّل عن الدين أو التهرّب من المفاهيم الغيبية، حيث يؤدي إلى مواجهة ومحاربة تلك المفاهيم. إن المستنيرين الدينيين قد قاموا بهذا الدور، ومن هنا فإنّ ضررهم على المجتمعات الدينية أكبرٌ بكثيرٍ من ضرر المستنيرين العلمانيين. وذلك لأن المستنيرين الذين لم يرفعوا الشعارات الدينية ولم يكن لهم شأنٌ بالمفاهيم الدينية، لم يعملوا أبدًا على تفريغ المفاهيم الدينية من محتوياتها ومضامينها الدينية، ولم يكن لهم بطبيعة الحال مخاطَبٌ دينيٌّ (متديِّنٌ). وعلى هذا الأساس كان هناك على الدوام شرخٌ بين العلمانيين والمتدينين، بيد أن هؤلاء المستنيرين الدينيين هم الذين لعبوا دور المحفّز، وعملوا على تفريغ المفاهيم الدينية من مضامينها عند تقديمها إلى المخاطب المتديّن. إن أغلب المتدينين كانوا بدورهم في غفلةٍ من صياغة هذه المفاهيم للهويات أيضًا. وبالتالي فإن هذا المسار سوف يؤدي في نهاية المطاف إلى هذه النتيجة، وهي أن هذا الإله ليس هو ذلك الإله، وأنّ هذا الوحي ليس هو ذلك الوحي، وأنّ هذا القرآن ليس هو ذلك القرآن، وأن هذا ليس هو الإمام علي، وأنّ هذه ليست هي تلك الشهادة، وما إلى ذلك. وفي الحقيقة تم تحويل تلك المفاهيم إلى أمورٍ دنيويةٍ لخدمة الدنيا. ومن المشاكل المضاعفة للتنوير الديني أنه يشتمل على جميع آفات التجديد، التي هي من وجهة نظري تمثل مشاكل العلمانية بعينها. ثم إن الحُفَر الموجودة في الحياة التقليدية والتي كان من المقرر ترميمها أصبحت أكثرَ عمقًا وأبعدَ غورًا. ومن هنا فإنهم سوف يتمكنون على أفضل الحالات من تحويل الشباب المتديّن إلى شبابٍ علمانيٍّ، يقطع صلته بالغيب، فيُبتلى في الوقت نفسه بمصائب التجديد وآفاته أيضًا.

* اسمحوا لنا بالعودة إلى المسألة الأولى، وهي: إذا اعتبرنا مثل هذا التفسير عن الغرب الذي تعرّضنا له على نحو الإجمال قراءةً خاطئةً، فما هو الغرب من وجهة نظركم، وكيف يجب أن يكون موقفنا منه؟

ـ حاليًّا هناك الكثير من الحركات الطليعية والقوية التي أخذت في الغرب تتعرّض إلى مسألة التديّن والإيمان بالله، وهي تدافع عن هذا النمط من الأفكار على خير وجهٍ. وأرى أن المسلمين بعيدون جدًّا عن مثل هذه الاتجاهات والتيارات. إن الأبحاث القروسطية أصبحت اليوم شائعةً في كافة الجامعات الفلسفية في الغرب، في حين ينظر إليها في الكثير من جامعات العالم الإسلامي بوصفها من الأمور البالية والقديمة. وفي الحقيقة فإننا قد أصبنا بتخلُّفٍ ثقافيٍّ. تحدث حاليًّا دراساتٌ عميقةٌ حول ابن سينا وصدر المتألهين، ولم يعد الاستشراق والأبحاث التاريخية تستقطب أنظارهم كثيرًا، بل الأعمال الجادّة والأصلية تدور حول المسائل الفلسفية. ولكننا نتصوّر أن تاريخ هذه الأبحاث قد انتهى، وفقدت أهميتها وانتهت صلاحيتها. وفي حدود علمي فإن الكثير من الجامعيين لا يحملون أفكارًا علمانيةً. وإن الكثير من الفلاسفة ليسوا علمانيين، وإنما يبحثون عن نموذجٍ مناسِبٍ من نماذج الحكومات الدينية، وفلسفة السياسة الدينية والأخلاق الدينية. إن بناء الفلسفة السياسية يقوم على فلسفة الأخلاق، ومن هذه الناحية هناك رؤيةٌ شبهُ أشعريةٍ في طريقها إلى الظهور والتبلور، ولكن المفكِّرين في العالم الإسلامي، لم يتمكّنوا للأسف الشديد من إقامة العلاقة والارتباط مع هذه التيارات. وفي الحقيقة فإن تصورنا عن العالم الغربي في القرن الحادي والعشرين، شبيهٌ بتصورنا له في القرن الثامن عشر للميلاد، في حين أن الواقع الغربي ليس كذلك. تصدر في الغرب حاليًّا مقالاتٌ حول مسائلَ، من قبيل: البحث عن جذورٍ للإيمان عند ديفد هيوم مثلًا. في حين أننا في المقابل نسعى دائمًا إلى إظهار هيوم بوصفه شخصًا ملحدًا. إننا نبحث عن شخصياتٍ كبيرة، لتكون نموذجًا للإلحاد، وعليه عن أيّ غربٍ نتحدث نحن؟ عن الغرب في القرن الثامن عشر والتاسع عشر للميلاد. ثم إن عالم التفكير ليس هو عالم رسم الخطوط، إذ يمكن الاستفادة من أكثر الفلاسفة إلحادًا، على أفضل وجهٍ للدفاع عن الأفكار والآراء الدينية. من ذلك على سبيل المثال  أنّه يمكن لنا أن نقتبس من برتراند راسل الذي ألف كتابًا ضد المسيحية، وهذا الكتاب في واقعه مخالفٌ لجميع أنواع الإيمان بالله واللاهوت بعض الأفكار لتوضيح بعض المسائل الدينية، من قبيل: المعاد الجسماني والمادي. إن هذا الاتجاه كان يمثّل جزءًا من تحقيقٍ كنت قد أنجزته؛ وعلى هذا الأساس فإن القول بأن ديفد هيوم شخصٌ سيئٌ، وعليه ينبغي عدم قراءة أفكاره، لا أراه توجُّهًا خاطئًا فحسب، بل أذهب إلى الاعتقاد إلى ضرورة قراءتها والاستفادة من أفكاره وآرائه لصالح الدين. إن الأبحاث المطروحة حاليًّا في النظريات الإلهية أو نظرية الأخلاق الإلهية تقوم على أساس أفكار ديفد هيوم، وعلى أساس التمايز بين الواقعية والقيَم. وعلى هذا الأساس فإن الأمر من وجهة نظري ليس بحيث إنّه حتى كبار المؤسسين من أمثال: ديكارت وهيوم وكانط وغيرهم في مواجهةٍ مع الأفكار الدينية. كيف امتزجت الفلسفة الأفلاطونية والأرسطية بفلسفة ابن سينا والفارابي وأضحت إسلاميةً، في حين أنّه إنْ لم نقل بأسلمتها، فلا أقل من عدم رميها بالشرك. وعلى كلٍّ فقد أمكن لهذه الأفكار أن تمتزج بالتعاليم النبوية، أو أن تكون في الحدّ الأدنى في خدمة التعاليم النبوية. وأرى أن التفكير الحديث من هذا النمط أيضًا. ومن ناحيةٍ أخرى، صحيحٌ أن السياسة في البلدان الغربية قد تحولت بشكلٍ تقليديٍّ إلى سياسةٍ علمانيةٍ، إلا أن الكثير من رجال السياسة هم من المتدينين، ويسعون إلى تحطيم جدار العلمانية، ويعملون على إدخال الدين في المؤسسات السياسية ومصادر القرار الاجتماعي. ولا يخفى بطبيعة الحال أنهم يواجهون الكثير من التحدِّيات الجوهرية في هذا الشأن، ولكنهم يحملون هذا الهاجس ويصارعون من أجل تحقيق أهدافهم وتطلعاتهم. ولربما يسود عكس هذه الحالة في بعض البلدان الإسلامية، حيث نجد أن المناخ الرسمي دينيٌّ بالكامل، ولكن البعض يسعى إلى إدخال العناصر العلمانية إلى السياسة. بمعنى تحكيم القشرة الدينية والروح العلمانية في السياسة.

* هل المواجهة الانتقائية مع الغرب صحيحةٌ وممكنةٌ؟ بمعنى أن نعمل من خلال التفكيك والفصل بين العقائد والتداعيات والمعطيات الغربية في حقل «الحسن» و«القبيح»، على أنْ نأخذ من الغرب كلَّ حسنٍ ما هو، وأن نجتنب منه كلَّ قبيحٍ.

ـ إن التعاطي العلمي يصبّ في مصلحة الإنسانية. ففي مثل هذا التعاطي يحصل كل طرفٍ على معطياتٍ جديدةٍ. إن هذا النوع من التعاطي يتحقق بين أبناء البشر. وقد تم إيجاد هذا الانفتاح بين الغربيين بالتدريج أيضًاً. من ذلك على سبيل المثال ما هي الضرورة إلى الإحالة إلى «المنقذ من الضلال» لأبي حامد الغزالي[1] في مقالة وجه ستانفورد؟ مع أن تلك المقالة تهتم بمطالعة الإيمان الإلحادي. في الكثير من المقالات الصادرة ما بين عاميْ 2015 2017 م تتمّ الإحالة إلى ابن سينا. فما الذي يعنيه هذا؟ هل يعني ذلك شيئًا غير إيجاد الانفتاح. إن هذا المناخ لم يعد مناخًا سياسيًّا. في الحقيقة حينما يقوم فيلسوفٌ غربيٌّ في موضوع فلسفة الدين بالإحالة إلى ابن سينا، فهذا يعبّر عن وجود نوعٍ من الانفتاح عندهم. وقد كان هذا الانفتاح من جهتنا ومنذ عصر الآغا علي المدرّس[2] أيضًا. فقد كان الآغا علي المدرّس الطهراني شغوفًا بفهم أفكار الفلاسفة الفرنسيين من أمثال ديكارت أيضًا. وأرى أن الذين كان بإمكانهم العمل على تسهيل هذا الحوار والتعاطي من الذين يحظون بالكثير من حسن السمعة والشهرة من أمثال أمير كبير[3] لم يقوموا بالدور الفاعل في هذا الشأن. إن أمير كبير بدلًا من أن يعمل على تسهيل عملية تحديث وتطوير الحوزات العلمية، لتتحول هذه الحوزات إلى ما يُشبه جامعة أكسفورد، صار إلى تأسيس محفلٍ علميٍّ جديدٍ باسم دار الفنون، وهو يؤدي شاء أم أبى إلى ما يُشبه الجامعة[4]، الأمر الذي أدى بدوره إلى إحداث شرخٍ في المنظومة التعليمية والتحقيقية في إيران، أي: الانشقاق بين الحوزة العلمية والجامعة، حيث لا نزال نعاني من هذا الشرخ إلى يومنا هنا. فلا نزال نعاني من بيان كيفية التعاطي الذي يجب أن يقوم بين هاتين المؤسستين، ومشاكل أخرى من قبيل: الاتحاد بين الحوزة العلمية والجامعة، والتفاعل بين الحوزة العلمية والجامعة، والمواجهة بين الحوزة العلمية والجامعة. إن هذا الاتجاه أدّى إلى تقطيع أوصال جميع العلوم التي كانت تدخل ضمن المناهج الدراسية في الحوزة العلمية، لتنحصر العلوم في الحوزة العلمية بالعلوم الدينية من قبيل: الفقه والأصول وغيرهما. في حين كانت الحوزة العلمية في السابق تدخل في مناهجها التعليمية دروسًا من قبيل: الأدبيات، والفلك، والطب، والرياضيات وما إلى ذلك أيضًا. وقد أدى هذا الاتجاه إلى خروج الكثير من مؤلفات العلماء الإسلاميين من أمثال: ابن الهيثم[5]، وابن سينا، وأبي ريحان البيروني[6] وآخرين، عن دائرة اهتمام الطلاب في الحوزة العلمية. لقد حدثت مثل هذه الأمور والوقائع غير المحمودة للأسف الشديد وبلغت بنا إلى هذا الوضع، وإلا فقد كان هناك مثل هذا الانفتاح من هذه الجهة أيضًا، وكان هناك من يمكنه أن يسهم في هذا التعاطي والتلاقح الفكري. وفي الحقيقة كان بالإمكان بدلًا من إرسال مجاميعَ من الشباب إلى أفضل البلدان الأوربية أن نعمل على إرسال الآغا علي المدرّس الزنوزي مرّةً واحدةً إلى أوروبا ولفترةٍ لا تتجاوز الستة أشهر. ألم نكن نحصل من ذلك في مثل هذه الحالة على فوائدَ أفضلَ وأجدى للمجتمع الإسلامي؟ بيد أن هذا النهج الخاطئ لا يزال متواصلًا إلى يومنا هذا. لقد ابتُلينا، من جهةٍ، بالانبهار بالغرب وتقليده بشكلٍ أعمى، ومن جهةٍ أخرى، ابتلينا على العكس من ذلك بعداءٍ ونزاعٍ مع الغرب لا أساس له. وبعبارةٍ أخرى: إن المسلمين قد وقعوا في نوعٍ من الإفراط والتفريط تجاه التعاطي مع الغرب، في حين أننا بحاجة إلى تعاطٍ وتحاورٍ علميٍّ وتحقيقيٍّ مع الغرب، وأن ندرس أفكارهم، ونأخذ الصحيحة منها، وننبذ الخاطئة.

* بالالتفات إلى قراءتكم الخاصة للغرب والثقافة الغربية والحداثة وضرورة التعاطي والتعامل مع الغرب، ما هي نصيحتكم بشأن المشروع الذي يحمل عنوان «الاستغراب»، والتعاطي الفكري مع العالم الغربي؟

ـ أقترح أن يكون هناك عملٌ على تسهيل الحوار العلمي مع المراكز العلمية والمفكِّرين في العالم. للعمل من خلال ذلك على نقل أفكارها والتأسي بأفكار الغربيين، والعمل من خلال ذلك على رفع مستوى المعرفة البشرية. وفي الحقيقة فإن هذه ليست قضية ومسألة البشرية، أو قصة هؤلاء القوم أو أولئك القوم، أو هذا المذهب أو ذلك المذهب. للأسف الشديد هناك الكثير من المراكز الإسلامية التي تعمل حاليًّا على مفاقمة ونشر نوعٍ من النزعة الغربية باسم الاستغراب، بمعنى أنها تعمل على الترويج للآراء العلمانية الغربية، دون الآراء الغربية الدينية. إن هذه المراكز للأسف الشديد لا تعمل على نشر آراء المفكِّرين الغربيين من أمثال: وليم ألستون[7]، وألفين بلانتينغا[8]، أو أنها لا تقدم إيمانويل كانط برؤيةٍ دينيةٍ. إن المنهج الراهن للاستغراب في هذه المراكز يؤدي من وجهة نظري إلى تقليدٍ غيرٍ واعٍ للأفكار العلمانية الغربية. فقد عملنا أولًا على تقديم صورةٍ علمانيةٍ بالكامل عن العالم الغربي برمّته، في حين أرى أن هذه الصورة لا وجود لها إلا في الكتب، بمعنى الغرب بالحمل الذاتي الأولي، وليس الغرب بالمعنى الشائع الصناعي. إن الغرب بالحمل الشايع ليس علمانيًّا برمّته. أجل، يمكن أن تكون أوروبا كذلك، ولكن ظروف أوروبا تختلف عن الولايات المتحدة الأمريكية، فلا أقل من أن الولايات المتحدة الأمريكية ليست علمانيةً بالكامل. وللأسف الشديد يعود سبب هذه الرؤية الخاطئة إلى غياب الحوار. ليس هناك حاليًّا في الجامعات الغربية من يقدس ديكارت أو هيغل أو هايدغر أو فيتغنشتاين[9] وأمثالهم، إذ إنهم ينظرون إليهم كما ينظرون إلى مئات الفلاسفة الآخرين، بيد أن هؤلاء ملهمون. ومن هنا فإنه يتمّ الرجوع إلى هؤلاء الفلاسفة، ولكن لا أحد يقدّسهم. إن المسلمين بحاجةٍ ماسّةٍ إلى الحوار. وعليه يجب أن يكون هناك حوارٌ بين المفكِّرين الإسلاميين والمفكِّرين الغربيين. وهذا في الحقيقة يمثّل الأسلوب الصحيح للتعايش العلمي.

------------------------------

[1] ـ  أبو حامد الغزالي الطوسي النيسابوري (450 505 هـ): فقيهٌ وأصوليٌّ وفيلسوفٌّ صوفيٌّ. عُرف كأحد مؤسسي المدرسة الأشعرية في علم الكلام، من أشهر ألقابه (حجة الإسلام). ألف كتبًا في عدّة علومٍ، مثل: الفلسفة، والفقه، وعلم الكلام، والتصوّف، والمنطق. المعرّب.

[2] ـ  الآغا علي الزنوزي المعروف بـ (المدرّس) (1234 1307 هـ): من حكماء القرن الثالث عشر وبداية القرن الرابع عشر للهجرة. وكان من أساتذة مدرسة سبهسالار، حيث درّس الحكمة والفلسفة في طهران لما يقرب من ستين سنة، فلقّب بالمدرّس وأستاذ الأساتذة، وبسبب إبداعاته في حقل العلوم العقلية تمّ تلقيبه بـ (الحكيم المؤسس). ولتحليه بالمكارم الأخلاقية والروحية عرف بـ (الحكيم الإلهي) أيضًاً. دفن في الري إلى جوار مرقد عبد العظيم الحسني. من أعماله: (بدائع الحكم)، و(سبيل الرشاد في إثبات المعاد)، و(حاشية على شوارق الإلهام). المعرّب.

[3] ـ  الميرزا محمد تقي خان الفراهاني (أمير كبير) (1807 1852م): رئيس وزراء الحكومة الإيرانية (الصدر الأعظم) في بداية عهد الملك ناصر الدين شاه القاجاري على أمد ثلاث سنواتٍ ونيّفٍ، وزوج أخته. كان من الشخصيات المؤثرة والكبيرة حيث سعى إلى الصعود بالبلاد وإصلاح أوضاعها بالتدريج، حتى اعتبر المصلح الإيراني الأول. واجه التيارات الدينية المنحرفة مثل البابية والبهائية. أسس جامعة دار الفنون في طهران. أطيح به في مؤامرةٍ حاكتها ضده حاشية الملك، وأبعد إلى كاشان ليقتل هناك في حمام فين بقطع وريديه بأمر من ناصر الدين شاه. ودفن في مدينة كربلاء المقدسة. المعرّب.

[4] ـ  University.

[5] ـ  ابن الهيثم أبو علي الحسن بن الحسن (965 1040م): عالمٌ موسوعيٌّ عربيٌّ مسلمٌ قدّم إسهاماتٍ كبيرةً في الرياضيات والبصريات والفيزياء وعلم الفلك والهندسة وطب العيون والفلسفة العلمية والعلوم بصفة عامة بتجاربه التي أجراها مستخدمًا المنهج العلمي، وله العديد من المؤلفات والمكتشفات العلمية التي أكدها العلم الحديث. المعرّب.

[6] ـ  أبو ريحان البيروني محمد بن أحمد (973 1048م): باحثٌ مسلمٌ ورحّالةٌ وفيلسوفٌ وفلكيٌّ وجغرافيٌّ وجيولوجيٌّ ورياضياتيٌّ وصيدليٌّ ومؤرّخٌ ومترجمٌ. وُصف بأنه من بين أعاظم العقول التي عرفتها الثقافة الإسلامية في القرون الوسطى، حيث شملت معرفته الفيزياء والرياضيات والعلوم الطبيعية، وكان له مكانةٌ مرموقةٌ كمؤرّخٍ وعالمِ لغوياتٍ وعالم تسلسلٍ زمنيٍّ، وهو أول من قال أنّ الأرض تدور حول محورها. ومن أهم كتبه: (تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة). المعرّب.

[7] ـ  وليم باين ألستون (1921 2009 م): فيلسوفٌ أمريكيٌّ. قدم مساهماتٍ مؤثرةً في فلسفة اللغة، ونظرية المعرفة، والفلسفة المسيحية. وكان عضوًا في الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم. المعرّب.

[8] ـ  ألفين بلانتينغا (1932؟ م): فيلسوفٌ تحليليٌّ أمريكيٌّ. معروفٌ على نطاقٍ واسعٍ لعمله في فلسفة الدين، ونظرية المعرفة، والميتافيزيقا واللاهوت الدفاعي. وصفته مجلة (تايم) بأنه (فيلسوف الله الأرثودوكسي البروتستانتي القيادي لأمريكا). له العديد من المؤلفات، ومن بينها: (الله والعقول الأخرى)، و(طبيعة الضرورة)، و(الإيمان المسيحي المبرر). المعرّب.

[9] ـ  لودفيغ يوسف يوحنا فيتغنشتاين (1889 1951 م): فيلسوفٌ نمساويٌّ وأحد أكبر فلاسفة القرن العشرين. كان لأفكاره أثرها الكبير على كل من (الوضعانية المنطقية) و(فلسفة التحليل). أحدثت كتاباته ثورةً في فلسفة ما بعد الحربين العالميتين. قال فيتغنشتاين بأن معظم المشاكل الفلسفية تقع بسبب اعتقاد الفلاسفة أن أكثر الكلمات أسماء. إن اللغة عند فيتغنشتاين هي الطريق إلى المعرفة باعتبارها وسيلةً لفهم تكوين المعنى في الخطاب. من أبرز أعماله: (مصنفٌ منطقيٌّ فلسفيٌّ)، و(تحقيقاتٌ فلسفيةٌ)، و(الكرّاسة الزرقاء)، و(الكراسة البنية). المعرّب.

 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف