البحث في...
عنوان الحوار
إسم المحاور
إسم مجري الحوار
المصدر
التاريخ
ملخص الحوار
نص الحوار
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

December / 26 / 2020  |  531الغرب أسير أزمة مستدامة وما كان يعتبر تقدماً لديه صار نقمة عليه

الحوار مع :د. رشيد العلوي
الغرب أسير أزمة مستدامة وما كان يعتبر تقدماً لديه صار نقمة عليه

يبيِّن الدكتور رشيد العلوي أن الغرب يعيش أزمة دائمة في مختلف المجالات منذ الحرب الباردة وإلى يومنا هذا، والنظر إلى حجم الإنتاج العلمي والثقافي الغربي يُظهر كيف تهاوت الأرقام بشكل كبير ما دفع ببعض المراكز الغربية إلى الاعتراف بأفول حضارتها.

يرى العلوي أن العلاقة بين الشرق والغرب لا تصحُّ اليوم إلَّا بكونها وصفاً دقيقاً يتجاوز الثنائية المفهومية التقليدية، فتيار العولمة الجارف يحمل معه مدنيَّة معكوسة، وما كان بالأمس تمدُّنا وعُدَّ تقدُّماً، صار اليوم نقمة على الغرب كما على الشرق.

وهنا نص الحوار:


* كيف تشرحون معنى الغرب كمصطلح ومفهوم، وما المائز بين كونه تحيُّزاً جغرافياً وبين تَمظهُرهِ كأطروحةٍ حضارية وثقافية، وما حدود العلاقة ومستواها بين كلٍّ منهما؟

أظنّ أنّ السؤال حول الغرب كمصطلحٍ وكمفهومٍ يُطرح في علاقته الشائكة بمفهوم الشرق، بالنظر لسياقاته المتعددة الاقتصادية والسياسية والثقافية، بحيث طُرحت العلاقة بينهما كأطروحةٍ تروم غاياتٍ كبرى كانت محط الانتباه منذ القرن الثامن عشر، لذلك فهو سؤال المستقبل وإن تبدّى وكأنه سؤال الحاضر. فالعلاقة بينهما هي علاقةٌ لا تكافئيةٌ من جهة أنّ كل أمةٍ تتطوّر بفعل عاملين:

داخليٍّ: يتعلق بأحوالها وأوضاعها الداخلية، سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا...

خارجيٍّ: يتعلق بعلاقاتها بالأمم الأخرى، وبمستوى تطور البشرية عامةً...

إن الفصل بين العامليْن، الداخلي والخارجي، في تطور الأمم لا يستقيم ومنطقَ التطوّر العام للبشرية، ذلك لأن أحوال الأمم تختلف باختلاف المؤهلات ومستوى الوعي الاجتماعي. ولا يمكن الحديث عن خطٍّ واحدٍ للتطور تسلكه الأمم جميعها في تقدمها. فصحيحٌ أن أوضاع الشرق في القرن العشرين، النصف الأول منه على الأقل، شبيهٌ بأوضاع الغرب في القرن التاسع عشر، لكن التغيرات العالمية الحاصلة بعد الحرب العالمية الثانية، وبشكلٍ أشدَّ مع مطلع الألفية الثالثة تدعو إلى التأمل. فالوضع العالمي مع مطلع الألفية لا يشبه بأي حالٍ وضع العالم في عقد الثمانينات فما بالك به في النصف الأول من القرن العشرين؟ ولعل هذا الوضع العالمي يتميز:

على المستوى الاقتصادي: بتعزيز موقع الرأسمالية العالمية، واستحواذها المطلق على كافة قطاعات الإنتاج الفكري والمادي، والخدمات والتجارة... فحدة التناقضات الطبقية تضاعفت أكثر بكثيرٍ مما يمكن أن يتصوره منظِّرو الرأسمالية قبل الحرب الكونية الثانية. فالاقتصاد العالمي نزع في مطلع الألفية منزع الليبرالية الجديدة وفق ثلاثة مبادئ: نزع التقنين، الخصخصة، التسليع الشامل...

على المستوى السياسي: بشمولية الحكم السياسي والقدرة على التحكم في التغيرات الحاصلة في أغلب البلدان: فالاستقرار السياسي لم يعد شأنًا محليًّا بقدر ما هو شأنٌ عالميٌّ تحكمه مصالحُ استراتيجيةٌ بعيدةُ الأمد.

على المستوى الاجتماعي: بتزايد التفاوتات، وتعميم البلترة (Prolétarisation) والتفقير، وضرب الطابع الاجتماعي للشغل، وانعدام الاستقرار الاجتماعي نتيجة التغيّرات الناجمة من آثار العولمة، وضرب الحماية الاجتماعية وتراجعها وتفشّي الأمراض التي اعتقدت الرأسمالية أنها قضت عليها منذ عقودٍ بل منذ قرونٍ: الربو، الكوليرا، السل، الأنفلونزا...

على المستوى الثقافي والفكري: نسجل التغيّرات الحاصلة في ارتفاع نسب الأمية وتفشيها في العالم، وتدهور الأوضاع الثقافية وانهيار القيم والمبادئ التي كانت بالأمس القريب مكسبًا من المكتسبات. كما أن تسليع مجالات الثقافة، والسعي وراء الربح وإضفاء قيم السوق على قطاعات الثقافة والتعليم والتربية، تشكل ضربةً موجعةً للمستقبل الثقافي للشعوب. هذا على الرغم من التقدم الحاصل والظاهر على اللغات الأمهات وثقافات الشعوب الأصلية، والاهتمام الذي توليه بعض المنظمات بهذه القضايا وغيرها.

ولقد عززت الإمبريالية بفعل العولمة الصراع بين الثقافات والسعي نحو الهيمنة الثقافية بفضل تنامي الوسائط الإعلامية، فالنظر إلى حال اللغات المستعملة في الوسائل الإعلامية وهيمنة اللغة الانجليزية مثلًا التي تستحوذ على معظم التداول اللغوي العالمي يؤكد بشكلٍ جليٍّ تنامي الهيمنة اللغوية والثقافية.

إن العلاقة بين الشرق والغرب، لا تصح اليوم إلا بوصفها وصفًا دقيقًا يتجاوز الثنائية المفهومية التقليدية، فلا الشرق أصبح شرقاً ولا الغرب أصبح غربًا، بالمعنى المعتاد في كتابات النهضة. فاليوم لم تعد البلدان الشرقية أمام خيار: القديم والجديد، فكل شيءٍ قد تغيّرَ أيّما تغيّرٍ وتبدلت الأحوال عما كانت عليه قبل نصف قرنٍ، فتيار العولمة الجارف يحمل معه مدنيةً معكوسةً، فما كان بالأمس تمدُّنًا وعُدَّ تقدُّمًا صار اليوم نقمةً على الغرب كما على الشرق.

إن السؤال ينبغي أن يصب حول طبيعة المجتمعات العربية ـ  الإسلامية اليوم التي تعيش نمطًا هجينًا سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا، فلا هو بنمطٍ برأسماليٍّ ولا ما قبل رأسماليٍّ، وحتى الأوصاف التي نحتها بعض منظِّري الماركسية العربية قبل دخول الألفية الثالثة لم تعد صالحةً، ونقصد أساسا (نمط الإنتاج الآسيوي)، كنمط إنتاجٍ ما قبل رأسماليٍّ لوصف حالة البلدان الهجينة. إننا أمام أنماطٍ هجينةٍ يختلط فيها الحابل بالنابل، فلا نحن أمام رأسماليةٍ واعيةٍ انتقلت انتقالًا طبيعيًّا ومترافقًا مع ظهور الطبقة الوسطى، ولا نحن أمام أنماطٍ ما قبل رأسماليةٍ واعيةٍ بذاتها ترتهن بنمو طبقةٍ تدافع عن مصالحها المباشرة.

يختلف حصر كلٍّ من الشرق والغرب باختلاف المنظورات، فهما في المقام الأول مفهومان جغرافيان يحيلان على اتجاهين متباعدين، غير أن الدلالة الجغرافية لا تخدم غرضنا هنا، كما لا تخدم دلالة أي باحثٍ لعلاقة الشرق بالغرب، ومنه يتوجب القول أنّ الغرب والشرق المقصودين هنا يتعلقان بالمدلول الثقافي، وهذا ما يفرض علينا الحديث عن الأنا والآخر.

لم يكن الشرق واحدًا أبدًا كما لم يكن الغرب واحدًا أبدًا، وحتى التصنيف التاريخي والسياسي والاقتصادي للشرق والغرب، يخضع للتغير من جهة كونه تصنيفًا غيرَ بعيدٍ عن مصالح الأمم. ونكاد اليوم نجد أنفسنا أمام شرقٍ لم يعد هو شرق القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حيث يتم الحديث عن شرقٍ جديدٍ لا هو بشرقٍ ولا هو بغربٍ، ويتعلق الأمر بالصين التي عاشت حداثةً من نوعٍ آخرَ، حداثةً جديدةً ونوعيةً، ومختلفةً، بالتالي، عن حداثة أوروبا[1].

كما أن الغرب اليوم ليس هو غرب القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فالتفاوتات بين تطبيقات الرأسمالية الجديدة موجودةٌ في الغرب، والمواقف الصادرة عن الغرب اتجاه الشرق مختلفة باختلاف السياق.

فالشرق الذي عالجه الفكر العربي الحديث ليس هو الشرق الذي ندرسه اليوم، فالوضع العالمي الجديد يفرض علينا إعادة النظر في المفاهيم، حتى بالمعنى الثقافي لا الجغرافي فقط. فمشروع الشرق الأوسط الكبير يجعلنا من منظورٍ أمريكيٍّ أمام تحديدٍ سياسيٍّ للشرق الأوسط[2]، لا صلة له لا بالجغرافيا ولا بالتاريخ، بل إنه يتجه نحو محو تصوراتٍ تقليديةٍ حول الشرق. فشرق ابن سينا ليس هو شرق أوروبا في التحدِّيد الجغرافي، بل هو الشرق الإسلامي المقابل للغرب المسيحي[3].

يتضمّن تحديد مصطلح الشرق والغرب العديد من الدلالات منها: الدينية والثقافية، فإلى جانب المعنى الجغرافي، ارتكز النظر إلى الشرق والغرب بالمعنى الديني، حيث تم تعيين الشرق بهيمنة الإسلام والغرب بهيمنة المسيحية، واليوم نعتقد أن هذا التحدِّيد لم يعد في محله لأن ما يزيد عن قرنٍ من الحديث عن تعايش الأديان والالتزام بحقوق حقوق الإنسان: حقوق الأقليات والإثنيات وحفظ اللغات والثقافات، جعلت العالم لا يعرف مركزًا محدَّدًا لدينٍ ما. ففي كل دولةٍ تتعايش الديانات بهذا القدر أو ذاك، ولعل قرونًا من الاصلاحات الدينية في أوروبا والتغيرات الحاصلة في غيرها وضعت حدًّا لتماهي السلطة الدينية بالسلطة السياسية، وحتى إن تواجدت الدولة الدينية بالمعنى الوسطوي، فإنها لا تلغي تواجد طوائفَ دينيةٍ أخرى.

إننا اليوم إزاء شرقٍ متنوعٍ دينيًّا وغربٍ متنوعٍ دينيًّا أيضًا، وحتى الشرعية التاريخية التي كانت تزكي وجود ناطقٍ رسميٍّ باسم دينٍ معينٍ لم تعد، فليست هناك سلطةٌ واحدةٌ تملك الحق على هذا الدين دون غيرها، وهذا التفكُّك الذي أصاب السلطة الدينية لم يكن ممكنًا إلا بوجود تفكُّكٍ مترافقٍ أصاب السلطة السياسية.

* من أين يبدأ تاريخ الغرب حسب تصوّركم: مما قبل اليونان، أم من الفترة اليونانية والرومانية، أم من القرون الوسطى، أم ابتداءً من عصر الأنوار وصولًا إلى أحقاب الحداثة، أم أن هذا التاريخ يشمل هذه الأزمنة جميعها؟

أطروحة الغرب بدأت مع الحداثة الأوروبية تعبيرًا عن حاجةٍ روحيةٍ وثقافيةٍ تروم تمييز نفسها كحضارةٍ عن باقي الحضارات، غير أن التأسيس لها يستوجب النظر إلى الماضي الغربي وكأنه ماضٍ محكومٌ بنزعةٍ عِرقيةً وثقافيةٍ وتاريخيةٍ لضمان استمرارية الهيمنة على باقي الشعوب. كما أن تنامي النزعة المركزية الأوروبية مع مرحلة غزو المستعمرات منذ اكتشاف العالم الجديد (أمريكا) سيعزز من نموّ وعيٍ قوميٍّ لم يكن من قبلُ مطروحًا، فأوروبا التي أنهكتها الحروب الداخلية والانقسامات العائلية وتضارب المصالح خلال فترة حكم المماليك كانت على وعيٍ بنشوء فكرٍ قوميٍّ مبنيٍّ في البداية على التقسيم الجغرافي للعالم. ولكن أطروحة الغرب الحضارية تتجاوز الحدود السيادية الضيقة التي كانت رهينة حكم الفرنسيس والألمان والطليان وامتدت لتحتضن الحضارة اليونانية والرومانية، بحيث إن اليونان يمثل في نظر الفكر الغربي المتنامي مهد الحضارة الأوروبية والغربية عمومًا.

إن عودة الغرب الأوروبي تحديدًا إلى الأصل الإغريقي يمحو الفروق بين التداخل الجغرافي والثقافي لمشروع المركزية الأوروبية، ونحن نتذكر في هذا السياق هيمنة أطروحة الأصل اليوناني للفلسفة الذي يشدد في ما يشبه أسطورة الأصل بإرجاع أصل الفكر البشري إلى الحضارة اليونانية بخلفية ضرب عمق الحضارات الأخرى ما قبل اليونانية مع العلم أن الحضارة الصينية تعود إلى خمسين قرنًا قبل الميلاد وحضارة الفراعنة إلى القرن الثلاثين قبل الميلاد، فكيف يمكن إقناع الناس والضرب بحقائق التاريخ عرض الحائط.

لم تسلم أطروحة الأصل الإغريقي للفلسفة من النقد مع جهود مبحث برلين للدراسات الشرقية والتي وفرت قسطًا هائلًا من الوثائق للبحث في الحضارات الشرقية القديمة، وهو ما قام به جورج وليام فريديريك هيغل (G. W. F. Hegel) (1770 ـ  1831) في كتابيه: «محاضراتٌ في تاريخ الفلسفة» و«محاضراتٌ في فلسفة الدين»، اللّذيْن ركّز فيهما، على عكس ما فعل فرديريك نيتشه (F. Nietzsche) (1844 ـ  1900)، على نقد فكرة العود الأبدي لبيان تهافت أطروحة الأصل الإغريقي للفلسفة وللفكر عموما.

يتساءل هيغل: أين يجب أن يبدأ تاريخ الفلسفة؟ ويعتبر أن هذا التاريخ يبدأ حيثما «يبلغ الفكر في حريته مرتبة الوجود، عندما يتحرر من الطبيعة التي كان منغمسًا فيها فيخرج من وحدته معها، عندئذٍ يتكوّن الفكر لذاته، ويعود إلى ذاته فيمكث بالقرب من ذاته»[4]، يقول هيغل هذا لأنه يعود إلى الحضارات الشرقية للكشف عن تطور العقل والأصل الأول لبروز العقل، فإنه بذلك قد اختار سبيلًا لإشكال البدء والأصل، ذلك الأصل الذي يطرح دومًا الإشكال على مر تاريخ الفلسفة. لقد اختار هيغل البدء من الحضارات الشرقية القديمة: الهند، الصين، مصر، الفرس... على الرغم من أنه يركز اهتمامه أكثر على حضارة الصينيين والهنود حيث إن الديانة الفارسية لا يمكن أن نصفها بأنها فلسفةٌ دقيقةٌ، ولا ترتدي شكلًا فلسفيًّا، أما المصرية فيقر بأنه لا يعرف عنها شيئًا. إن البحث في الفلسفة الشرقية يقتضي حسب هيغل العودة إلى الوراء ثلاثةً وثلاثين قرنًا قبل ميلاد المسيح، وهو ما ليس سهلًا.

إن هذا الاختيار هو اختيارٌ واعٍ بذاته، ولكنه موجَّهٌ بخلفية أن ذلك المنبع الأول «الفكر الشرقي» ليس منبعًا أصيلًا ولا عقليًّا بل منبعًا روحيًّا، دينيًّا. هكذا نقرأ في محاضراته في تاريخ الفلسفة: «إن الفلسفة الأولى التي نصادفها إذا انتقلنا إلى تاريخ الفلسفة هي الفلسفة الشرقية». ففي مدرسة الإسكندرية جرى الاحتكاك بين الفلسفة اليونانية والفلسفة الشرقية. و«التاريخ يقر بذلك منذ القدم». إن الفلسفة الشرقية، فلسفةٌ دينيةٌ، في حين أن الفلسفة اليونانية فلسفةٌ بمعناها الدقيق، حيث يقول: «إن مضمون الفكر الشرقي هو بالحري ذو قوامٍ دينيٍّ مضطربٍ وملتبسٍ»، ويلح على أن الفلسفات الشرقية القديمة لم يتم التعرف عليها إلا في الأزمنة الحديثة، «من الوجهة الفلسفية، علينا أن نلحّ قليلًا على شعبين: الصيني والهندوسي»، و«حينما نتحدث عن الفلسفة الشرقية، يجب علينا التكلم في النهاية عن الفلسفة ذاتها، ومن هذه الوجهة، من المفيد أن نلاحظ على الفور أن ما نسميه في الشرق فلسفةً هو بوجهٍ عامٍّ وبالحري التصور الديني لهذا الشرق تصورٌ دينيٌّ للعالم نكاد نعتبره من الفلسفة»، إن «الفلسفة الشرقية فلسفةٌ دينيةٌ، تمثُّلٌ دينيٌّ بوجهٍ عامٍّ، ولا بد من تبيان السبب الذي جعلنا، ننجرّ بسهولةٍ إلى اعتبار هذا التمثّل من الفلسفة»، وأن «الديانة الشرقية تذكّرنا بالفلسفة على نحوٍ مباشرٍ أكثرَ فهي تقترب كثيرًا من التمثّل الفلسفي. وسبب هذه المفارقة هو أن مبدأ الحرية والفردية يتجلى بشكلٍ أكثرَ في كل الديانات الأخرى، لا سيما في المبدأ الإغريقي، ويتجلى بشكلٍ أكبرَ أيضًا في المبدأ الجرماني، والخلاصة أن التمثلات الدينية سرعان ما ترتدي فيها رداءً أشدَّ فرديةً، فيزداد ظهوره في صورة الأشخاص، أما في الديانة الشرقية فإن طابع الذاتية، الحرية الذاتية لم يتبلور بعدُ تبلوُرًا كافيًا... ».

و«الحقيقة أن التمثلات الهندية ترتدي شكلًا فرديًّا مثل البراهما (BRAHMA)، الفيشنو (VICHNOU)، الشيفا (اIVA)، ولكن الفردية فيها بالغة السطحية، بحيث إننا عندما نظن أننا أمام أشخاص معينين وأننا نرغب في الإحاطة بهم، نرى أن هؤلاء الأفراد يتلاشون فجأةً، ويمتدون إلى أن يصبحوا واسعين، بلا قياسٍ».

لا تشكّل هذه المقتطفات سوى حجةٍ على ما يصبو إليه هيغل في انطلاقته من الشرق. فإذا كان اختياره وتقريبه لمسألة الأصل والبدء مجرد محاولةٍ، وإن حاول أن يرسم نسقيةً لفكره، لطمس البحث وللحد «لربما» من كل محاولةٍ قادمةٍ، باعتبار نسقه هو الحقيقة المطلقة، فإن هذا لا يعني أن مسألة البدء علقت ولم تُطرح من جديدٍ، بل على العكس من ذلك (استطاع هيغل أن يضمن لفكرته استمراريةً) لم تتوانَ الفلسفة بعد هيغل عن أن تقدم أجوبةً تقريبيةً أخرى، وأن تقف على نقاط بدءٍ أخرى لا تقل أهميةً عن نظرية البدء عند هيغل. وفي هذا الإطار يعتبر هايدغر[5] أنه بالسؤال: ما هي الفلسفة؟ نتناول موضوعًا واسعًا جدًّا، موضوعًا متراميَ الأطراف، وعلى الرغم من ذلك ينبغي ألّا يبقى هذا الموضوع بدون تحديدٍ، بل ينبغي أن نوجّه الحديث وجهةً محدَّدةً، وأن نسير تبعًا لذلك على طريقٍ واحدٍ، على الرغم من وجهات النظر الأكثر اختلافًا حول معالجة الموضوع. إن هايدغر يسعى إلى الوقوف في وجه هيغل، كيف لا؟ وهو يقول: «ليس من الحكمة أن نعد الفلسفة ـ  مسبقًا ـ  أمرًا من أمور العقل» كما لا يصح أن نعتبرها تنتمي إلى مجال «اللامعقول»، فمن أين البدء؟

يختلف الأمر كليًّا مع نيتشه فالفلسفة إغريقية الأصل ومع الإغريق كانت البداية، معهم يصح الحديث عن البداية الفعلية حيث يقول: إن الإغريق (... ) قد عرفوا أن يبدأوا في الوقت المناسب[6].

نيتشه يعي جيدًا ما يقول، وهو يتعمد أن يجعل البدء مع الإغريق وأن يرسم في الوقت نفسه بدايةً للفلسفة الإغريقية، وهو بذلك يضرب عرض الحائط بنظرية البدء عند هيغل، ويجعل من كل محاولة إرجاع نشوء البداية مع الحضارة الشرقية (المصرية والفارسية أساسًا)، محاولةً غيرَ مجديةٍ، إلا أنه يستحضر في الآن ذاته فهم الإغريق للحضارات الأخرى، بل «للثقافات الحية لشعوبٍ أخرى»، لذلك يقول: «من العبث أن ننسب للإغريق ثقافةً أصيلةً: إنهم، بالعكس، هضموا الثقافة الحية لشعوبٍ أخرى. وإذا ما استطاعوا أن يوغلوا في البعد إلى هذا الحد فذلك نظرًا لأنهم عرفوا أن يلتقطوا الرمح من حيث تركه شعبٌ آخرُ، لكي يُلقوا به إلى أبعدَ. إنهم لجديرون بالإعجاب من حيث فنّهم في التعلّم بشكلٍ مفيدٍ، وعلينا أن نحذو حذوهم في التعلم من جيراننا واضعين المعرفة المكتسبة كدعامةٍ في خدمة الحياة».

ومع ذلك يسعى إلى أن يدقق قوله ما أمكن وهذا ما جعله يرد على من ينساق، بدل الفلسفة الإغريقية، وراء الفلسفات المصرية والفارسية، حيث يقول: «إن من يفضل الانسياق، بدل الفلسفة الإغريقية وراء الفلسفات المصرية والفارسية بحجة أنها «أكثرُ أصالةً» وأكثرُ قِدَمًا، إنما ينهج بطريقةٍ لا تقلّ تسرُّعًا عن أولئك الذين يردّون الميثولوجيا الإغريقية ذات البهاء والعمق، إلى تفاهات الفيزياء، إلى الشمس والصاعقة، والإعصار والضباب والتي ينظر إليها على أنها تشكّل أصل الميثولوجيا الأول».

لم يبتكر اليونان الأنساق الكبرى للفكر الفلسفي فقط، بل إنهم لم يتركوا لمجمل الأجيال اللاحقة أن تبتكر شيئًا جوهريًّا يمكن أن يُضاف إليها. فالفلاسفة الإغريق تفلسفوا بكونهم رجالًا حضاريين ومن أجل الحضارة، كيف لا؟ وهو ليس موجودًا بالصدفة، وبقدر سعي الفيلسوف وراء الحضارة، فإن تلك الحضارة منحتهم المكانة التي استحقوها، فالحضارة الإغريقية «هي وحدها القادرة على أن تمنح الفلسفة بشكلٍ عامٍّ شرعيتها»، بهذا يجعل نيتشه الفلاسفة الإغريق رجالًا عظامًا، كرّمتهم حضارتهم واعترفت بهم، ولهذا فإنّ لدى «الشعب الإغريقي حكماء، في حين أن لدى الشعوب الأخرى قديسين».

أعتبر أن عمق البعد الجغرافي والثقافي لمفهوم الغرب يستمد أساسه من الإشكالات التي صاحبت النقاشات في الصالونات الثقافية الأوروبية منذ عصر النهضة الإيطالية والتي انتقلت مع ظهور الطبقة الثالثة إلى فرنسا ومن ثمة إلى معظم أرجاء أوروبا بفضل تنامي حرية التعبير وتعزز مكانة المجال العام في تدبير شؤون الناس والأمم عمومًا.

* هل الغرب كتلةٌ واحدةٌ سياسيًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا بحيث إمّا أنْ نأخذه ككلٍّ أو أنْ نتركه ككلٍّ؟ أم بالإمكان فهم الغرب كما هو من أجل تكوين رؤيةٍ استراتيجيةٍ ومعرفيةٍ حياله؟

لا أعتقد أن النظر إلى الغرب يستقيم إذا أخذناه ككتلةٍ واحدةٍ ومنسجمةٍ من جميع النواحي السياسية والثقافية والاجتماعية. لقد فجر تقسيم العالم في مرحلة الاستعمار، أو ما يسميه زيغمونت باومان بمرحلة الحداثة السائلة، صراعاتٍ بين دولٍ إمبرياليةٍ تسعى للسيطرة على ثروات الشعوب، وهو ما أدى في بداية القرن العشرين إلى نشوب الحرب العالمية الأولى التي عرّت حقيقة مصالح الغرب اتجاه الشرق. يجري اليوم صراعٌ قويٌّ بين القوى الإمبريالية الكبرى لتقسيم ثروات العالم وعلى الأخص ثروات الدول المتأخرة تنمويًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا. وحتى بعض القوى الإقليمية، التي دشّنت تجربةَ سوقٍ مشتركةٍ واتحادَ دولٍ لحماية مصالحها وحضارتها من قوًى جديدةٍ تكتسح العالم، لا يمكن النظر إليها باعتبارها كتلةً واحدةً، فلكل واحدةٍ مصالحها الخاصةّ وهذا ما يبينه أكثرَ سعيُ بريطانيا لفك الارتباط بمشروع الاتحاد الأوروبي، ما ينذر بشكلٍ ملموسٍ بنهاية الحضارة الأوروبية ـ المسيحية بلغة ميشيل أونفراي، لأن العولمة على الرغم من إيجابياتها التي قامت عليها فهي تحمل معها سلبياتٍ جمةً، لا سيما في الاستثمار وتشجيع الرساميل العابرة للقارات ونهاية نمط الدولة ـ الأمة التي أسست لها معاهدة ويستفاليا سنة 1648، والحديثُ عن تكتلاتٍ عالميةٍ جديدةٍ وهو رهين محك المستقبل.

* ما الأسس والمباني المعرفية والفلسفية التي أخذ بها الغرب لتشكيل حضارته الحديثة، وما الآثار المترتبة على ذلك لجهة نوع وطبيعة العلاقة مع الآخر الحضاري، وبخاصة العالمين العربي والإسلامي؟

تتأسس البنية المعرفية الغربية على الفكر الجدلي الذي يقوم على السلب (بتعبير هيغل)، ذلك أنها تحدِّد الشيء انطلاقًا من نقيضه؛ فهي تحدِّد الذات انطلاقًا من الآخر، والسلب انطلاقًا من الإيجاب، والخير انطلاقًا من الشر، وهذا حال العقل الغربي منذ إسهامات مفكِّري اليونان؛ فقد كان هراقليطس يعتبر أن صراع الأضداد هو أساس الحياة، وفي ذلك يقول: «ولو لا التغير لم يكن هناك شيءٌ، فالاستقرار موتٌ وعدمٌ والتغير صراعٌ بين الأضداد ليحل بعضها محل بعضٍ». وقد ترتب عن هذا العقل الذي يعرف الأشياء انطلاقًا من أضدادها نزعةٌ مركزيةٌ، ترى في نفسها مصدر التنوير، وعين العقل، ومنبع التحدِّيث، بينما لا يعدو غيرها أنْ يكون مجًلى للظلام، وضربًا من ضروب اللامعقول، ومبعثًا للقِدَم والتقليد.

تجد هذه النزعة المركزية صدًى في الفكر الغربي، وهي نزعةٌ إقصائيةٌ وعنصريةٌ، سرعان ما سيدركها العقل الغربي نفسه، وهو ما تحقق بشكلٍ واضحٍ في إسهامات جاك درّيدا في نقده لنزعة التمركز المشروطة بفلسفة الذات والحضور التي أسسها ريني ديكارت، وشكلت عصب الحداثة الغربية.

والواقع أن الفكر العربي كان على وعيٍ بالمركزية الغربية، وبآفاتها التي جنت على العالمين، كما تشهد على ذلك الحروب الاستعمارية والليبيرالية، غير أن مقاومة هذه الحروب كانت مقاومةً أصوليةً، وهو ما تجلى في السلفية، التي رأت أن الفكر الغربي، بكل توجهاته حتى التيارات الراديكالية التي خصت المركزية الغربية بحظٍّ وافرٍ من النقد، وهو ما ضيع على الفكر والواقع العربيّيْن فرصًا كبيرةً من التقدم العلمي والازدهار الحضاري.

* تبعًا لمقتضيات وشروط الراهن العالمي، هل من منفسَحٍ لعقد حوارٍ متكافئٍ مع الغرب؟ إذا كان الجواب بالإيجاب فما هي المسوِّغات التي تقدّمونها، وإذا كنتم لا تجدون ذلك فما هي الأسباب الموجبة لذلك برأيكم؟

يبدو أن مجموع النقاشات التي تفجرت مع مطلع الألفية الثالثة من قبيل حوار الحضارات وحوار الأديان وتداخل الثقافات يستوجب القليل من الحذر والتريث لأنه قد تكون وراءه خلفيات الانفراد بتدبير شؤون الدول والمجتمعات الأخرى كما يمكنه أن يستبطن بطريقةٍ أخرى نزعةَ هيمنةٍ مسبقةً للتطلع إلى حكم العالم بموجب منطق تعارض المصالح. غير أن الحكم المنطقي والعقلي الذي يبدو مستساغًا دون خلفيةٍ هو تعزيز ثقافة العيش المشترك لضمان السلام الدائم بلغة إيمانويل كانط، لأن كل شخصٍ بما هو فردٌ حرٌّ يتطلع دومًا إلى الأمن والطمأنينة مهما كانت نزعة الشر الكامنة فيه والتي يسميها كانط الشر الجذري. ولذلك لا محيد عن تقديم السلم على الحرب والخير على الشر وتربية الناشئة على التعاون وتقديم مصالح الجماعة على مصالح الفرد وغيرها من القيم الإنسانية الكونية المتعارف عليها في مختلف مراحل تطور البشرية، دون أن يعني ذلك القبول بالرضوخ والاستسلام لقوة الاستبداد.

* في مناخ الكلام على الحوار بين الثقافات والحضارات، هل توجد عناصرُ مشترَكةٌ في ما بين العالم الإسلامي والعربي وبين الغرب؟ وإذا كان من نقدٍ لسلوك الغرب، فإلى أي حقلٍ يُوجَّه هذا النقد: «للشعوب»؟ أم «للحكومات» و«المؤسسات» صاحبة القرار؟

تشكّل الفكر العربي الحديث بمقتضى ثنائياتٍ عدةٍ ومفاهيمَ عميقةِ الدلالة ومتنوعةِ المعنى وشديدةِ الحمولة، تتأرجح بين الفلسفة والتاريخ والسياسة... ثنائياتٍ أضفى عليها كل خطابٍ من خطابات هذا الفكر لبوساتٍ إيديولوجيةً تتلون بها في كل وقتٍ وحينٍ، فمن خطاب الإصلاح والنهضة إلى خطاب الحداثة مرورًا بخطاب الثورة، احتلت فيها ثنائيةُ الأنا والآخر (الشرق والغرب، البراني والجواني... ) مكانةً هامةً تجسّد القلق المعرفي والوجداني الذي أصاب النخبة العربية الحديثة والمعاصرة.

وتجسد هذه الثنائية الوعي بعمق العلاقة بين هذا الجزء من العالم الذي ينتمي إليه العربي «المسلم» والذي يصطلح عليه عادةً بالشرق، وذاك الجزء الآخر من العالم الذي ينتمي إليه الأوروبي «المسيحي» والذي يصطلح عليه عادة بالغرب. فكل واحدٍ منهما يهدف إلى فهم الآخر بالقدر الذي يهدف إلى فهم ذاته، ويسعى إلى اكتشاف الذات من خلال الآخر، فقد اكتشف الغرب حضارة الشرق، بقدر ما اكتشف الشرق حضارة الغرب، إلا أن هذا الاكتشاف قد صيغ بأشكالٍ متعددةٍ ومتنوعةٍ ومتباينةٍ. هو اكتشافٌ يختلف باختلاف الزمان والمكان معًا، وباختلاف الشروط الثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تؤطر علاقة كل واحدٍ منهما بالآخر.

وبهذا يصح القول أنّ صورة الغرب في الوعي الشرقي إبان العصور الوسطى يختلف جذريًّا عن صورته في العصر الحديث والمعاصر، وبالمثل اختلفت صورة الشرق في الوعي الغربي من حقبةٍ إلى أخرى، على الرغم من أن الوعي بالآخر ظل في جوهره محتفظًا بثوابتَ ومرتكزاتٍ وبصورةٍ نمطيةٍ نجدها في أغلب الكتابات التي تناولت علاقة الأنا بالآخر.

ودون الخوض في بعض التفاصيل التاريخية حول علاقة الشرق بالغرب، فإننا نرى ضرورة حصر مجال بحثنا في تحديد هذه العلاقة في الحقبة الحديثة وتحديدًا لدى واحدٍ من أهم رجالات النهضة العربية.

ووعيًا منا بأن إشكالية الأنا والآخر لا زالت تخترق الوعي العربي المعاصر، ويتجسد ذلك في كتابات نخبتنا باختلاف مشاربها الإيديولوجية. فالفكر العربي المعاصر يعج بمساهماتٍ متفاوتةِ المقالات بتفاوت المنطلقات المعرفية والمنهجية، كما يعج الفكر الغربي المعاصر أيضًا بمساهماتٍ متفاوتةٍ أيضًا، فالأوضاع العالمية اليوم تفرض العودة إلى هذه المسألة وذلك بالنظر إلى السجال حول صورة الآخر، كنوعٍ من المبارزة لإثبات الذات. إلا أن هذا الحديث المتراكم حول صورة الآخر في الوعي المعاصر، تستدعي منا رصد المتخيل العربي في لحظات تشكُّله خلال القرن التاسع عشر، وهو متخيلٌ نسبيٌّ متغيِّرٌ يغذّيه شكلان من التمثّل:

التمثّل العامي الذي يسود لدى العامة (الجمهور).

التمثّل العالِم الذي يسود لدى الخاصة (النخبة المثقفة).

إنّ الإحاطة بالتمثّل (représentation) الشائع حول الآخر لدى العامة يكاد يكون مستحيلًا، في حين أن التصور[7] العالم هو ما يهمنا هنا لعدة أسبابٍ منها:

أنه تصوُّرٌ ومعارفُ مؤدلَجةٌ يدّعي أصحابها نوعًا من الحقيقة، ويُضفون عليه طابعًا نمطيًّا تقتضيه دواعي البحث والخلفيات الإيديولوجية التي تحكم كل تصوُّرٍ.

أنه تصوُّرٌ مكتوبٌ يلعب دوره في تنمية التمثّلات الشائعة وتغذية المتخيل العامي، وتبنى عليه استراتيجياتٌ سياسيةٌ كبرى لها دورها الملموس في تاريخ البشرية[8].

أنه نمطٌ من التفكير يتأسس أو يدّعي أنه يتأسس على مناهجَ علميةٍ متنوعةٍ: تاريخيةٍ، أنثروبولوجيةٍ، سوسيولوجيةٍ...

اهتم الفكر العربي الحديث بالآخر في سياقٍ تاريخيٍّ خاصٍّ، ذلك أن حملة نابليون بونابرت (Napoléon Bonaparte) على مصر في نهاية القرن الثامن عشر (1798)، وما تولّد عنها من صدمةٍ «هزّت الشرق هزًّا»، شكّلت منعطفًا في الوعي العربي الحديث، فالسؤال: لِمَ تقدّم الغرب وتأخرنا نحن؟ يعبّر عن كسب الغرب (أوروبا تحديدًا) لرهانٍ أوّلَ، ويعبّر عن حقيقةٍ أوليةٍ: «تقدُّم الغرب وتأخُّر الشرق». فالصورة التي سعت أوروبا إلى ترسيخها في الأذهان تتمثل في أنها لم تعد كما كانت عليه خلال غزو الفتوحات الإسلامية لبعض تخوم المسيحية، بل أصبحت في وضع قوةٍ لا تُقهر، وأنها تملكت ما يكفي من القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية لتجعل الشرق خاضعًا لها، بل لجعله يسير وفق ما تراه كفيلًا بانعتاقه من «الوحشية» و«البربرية» التي يتخبط فيها، نحو «مدنيةٍ» افتقدها ولم يعد بإمكانه تأسيسها من جديدٍ دون الثورات التي استنهضت همم أوروبا (العلمية، الاقتصادية، التكنولوجية، السياسية... ).

إن ما يبدو لأوروبا على أنه حقيقةٌ أوليةٌ، لم يكن العرب يبخسونه، بل عززت في متخيلهم إمكانية معالجة هذا «التأخر التاريخي» الذي أصابهم. فهول الصدمة التي أصابت العرب ناتجةٌ عن نمطين من إدراك الآخر:

إدراكه في ديارٍ غير دياره، فتواجد الأوروبي المستعمر في الشرق المستعمر، شكّل اللقاء الأول؛ إدراكه في دياره كما هو، حيث تواجد الشرقي في الغرب، والذي شكل اللقاء الثاني.

إن هذين النمطين من الإدراك، غير منفصلين، فالواحد منهما يكمّل الآخر، لأن استعمار أوروبا للشرق لم يقع في لحظةٍ تاريخيةٍ واحدةٍ. وتواجده يختلف من بلدٍ إلى آخر، كما أن تواجد الشرقي في الغرب لم يكن أيضًا واحدًا، فالبعثات والرحلات الفردية والدبلوماسية امتدت على طول الغرب على الرغم من اختلاف دواعيها. واختلاف هذين النمطين من الإدراك إنما يعبّر حق التعبير عن عمق الإشكال: فهل كان الغرب واحدًا والشرق واحدًا؟

يجري الكلام اليوم على أنّ الغرب يعيش أزماته التاريخية في الحقبة المعاصرة: (المعرفية، الثقافية، الاجتماعية، الاقتصادية)، هل يدل هذا على ما سبق وتوقعه شبنغلر قبل قرْنٍ عن سقوط الغرب أو أنه يوشك على الانهيار؟

بطبيعة الحال يبدو أن الغرب وخاصةً أوروبا وأمريكا، يعيش حالةَ أزمةٍ دائمةٍ كمركزٍ، بلغة سمير أمين، لا يؤدي ثمنها إلا المحيط، أيْ معظم دول ومجتمعات الشرق، مع استثناء بعض دول آسيا التي عززت مكانتها في المنظومة الدولية بفضل ذكائها التنموي وتربيتها التي أنتجت مواطنين يقدرون جهودهم وامكاناتهم الحضارية والثقافية. فمنذ الحرب الباردة والغرب يغرق في أزمةٍ تلو الأخرى، وقد تعمقت أكثر مع الأزمات المالية الجديدة التي أتت على الأخضر واليابس، ففي أواسط التسعينيات (1995)، وبسبب كثرة الثلج، تفجرت في المكسيك أزمةٌ ماليةٌ انتقلت بعدها بسنتين لتتفجر في أندونيسيا. ويكفي الرجوع إلى كتب المستثمر المالي الأمريكي جورج سوروس لفهم عمق وطبيعة الأزمات المالية والتي تنعكس بشكلٍ مباشرٍ وفوريٍّ على الإنتاج والأسواق المالية وبالتالي على عيش الناس. لم يدم الأمر أكثر من عقد لتتجدّد الأزمة المالية في سنة 2007 مع ما عُرِف بأزمة القروض العقارية. وهنا نحن نشاهد من جديد ثورات السترات الصفراء حيث لا يجد الفرنسي ما يسد به رمقه نتيجة التضخم المالي واختلال التوازن بين الطلب والعرض وتهاوي العملات الوطنية والجهوية والإقليمية. إننا إزاء طورٍ جديدٍ من أزمة الغرب والتي تمتد إلى مختلف المجالات فلننظر إلى حجم الإنتاج العلمي والثقافي الغربي حيث تهاوت الأرقام بشكلٍ فظيعٍ دفعت بعض المراكز الغربية إلى الاعتراف بأفول حضارتهم.

* صيحة «الفيلسوف ـ النجم» ميشال أونفري حول بداية نهاية الحضارية الغربية (المسيحية واليهودية تحديدًا) أشبه ما تكون بصيحة «رجال في الشمس»: «لماذا لم يدقوا جدران الخزان». فمن يريده أن يدق باب العتمة الروحيَّة والرمزيَّة؟ هل هناك «رجالٌ في الظِّل» يمكنهم فعل ذلك؟

تنطوي صيحة أونفري على نبراتٍ حادةٍ، تنبّأت بقرب نهاية الحضارة الغربيَّة، وقد سبق لفلاسفةٍ آخرين ومفكِّرين، بمن فيهم أصدقاؤه الفلاسفة من مختلف الأعمار، أن خصَّصوا ردودًا لصيحته بين مؤيِّدٍ ومعارِضٍ. وأعتقد أن ما أثاره يطرح العديد من القضايا التي لا تزال عالِقةً في الفكر الفلسفي منها أساسًا: العلاقة بين الإيمان والمعرفة، عودة الدين، موت الحضارة وحياتها. كان لنيتشه صيتٌ مع فكرة العود الأبدي (وأونفري يقتفي أثره كما يصرح)، كما كان لهيغل صيتٌ مع إعلانه نهاية و«موت الفلسفة».

الحضارة كمفهومٍ يستوجب إعادة النَّظر أمام التغيّرات الحاصلة في عالم اليوم حيث تتجه الأمم نحو التأسيس لما بعد الدولة ـ الأمة، وعلى الرغم من أن أوروبا أخفقت مؤقّتًا في تجسيد دستورها وتوحيدها، إلا أن ما تفرضه المؤسسات الماليَّة الدولية ولوبيات عالم المال والأعمال ستضطر أوروبا من جديد إلى مراجعة حساباتها ومصالحها التاريخية، كما أنّ تكتلاتٍ إقليميةً وجهويةً في مناطقَ عدةٍ تستعد لمرحلة ما بعد معاهدة ويستفاليا.

لهذا فإن صيحة «النجم» تنطوي على نزعةٍ طبيعيةٍ غارقةٍ في التماثل المطلق بين الفعل والصنع البشري وبين القانون الطبيعي الذي يحكم كل الكائنات الحيَّة، أو كما تقول حنة آرندت: «تم تفسير حركة التاريخ بصورةٍ تُماثل الحياة البيولوجيَّة»، حيث تم دمج دنيا التاريخ في دنيا الطبيعة، ودنيا الفناء في الكون الخالد. والحقيقة أن مآسي عالم اليوم في الغرب كما في الشرق هي واحدةٌ ينبغي التصدي لها بحزمٍ.

أما النقاش حول عودة الدين إلى الفضاء العمومي فلا يزال راهنيًّا ولم يُحسم بعدُ، وعلى الرغم ممّا قال عنه تايلور أو هابرماس أو دريدا أو راتسينغر، فهناك حاجةٌ إلى فرض قيمٍ عَلمانيةٍ جديدةٍ في مقابل مراجعةٍ جذريةٍ للنيوليبراليَّة وإيديولوجيَاها المخفِقة في إسعاد البشر.

* كيف ترون إلى فكرة السعي نحو تأسيس هندسةٍ معرفيةٍ لعلم الاستغراب، وهل ثمة ضرورةٌ لتنظيرها، أم إنّ الأمر يتوقف على مجرّد كونه ترفًا فكريًّا؟ ثم ما هي السبل التي ترونها لتأسيس هذا العلم؟

تجد فكرة تأسيس علم الاستغراب صداها في المحيط الثقافي العربي الإسلامي لأسبابٍ عديدةٍ يصعب الوقوف عليها هنا، ولكن يبدو أنّ هناك حاجةً مُلحّةً لفهم الآخر في مختلف أبعاده، ولا أظن أنه مجرد ترفٍ فكريٍّ يرضي حاجيات نخبةٍ قليلةٍ من المثقفين والباحثين، لأن التقدم عمومًا يتم عبر التطوّر الفكري والحضاري وعبر فهم الأسس العلمية والمعرفية التي ترتكز عليها كلُّ أمةٍ متقدمةٍ. فالماضي المجيد الذي افتخر به المسلمون لم يكن من صنع قوًى خارقةٍ، بل بتضافر جهود العلماء والمفكِّرين والباحثين وضلوعهم في معظم مجالات المعرفة.

التنظير لعلم الاستغراب يحتاج إلى التسلح بوسائلِ وأدواتِ إنتاج المعرفة في شموليّتها والمعرفة الدقيقة تحديدًا، وهو ما لن يتمَّ إلا باستراتيجيا علميةٍ ترتكز على مواردَ كافيةٍ لحمل مشروعٍ ثقافيٍّ وحضاريٍّ يستجيب لتطلعات الأمة.

يبدو أن السبيل إلى تأسيس هذا العلم هو الاسترشاد بالنخب الفاعلة والتي تمتلك صدقيّةً في الحقل الثقافي والعلمي، والسهر على ضمان عملية إعادة إنتاج النخب وفق القواعد المتعارف عليها داخل المراكز والمعاهد ومؤسسات البحث العلمي مع الحرص على تناغم الغايات والوسائل، لذلك أظن أن في مجتمعاتنا ما يكفي من الطاقات العلمية المتسلحة بكفاءاتٍ عاليةٍ، والتي تُستغَلّ أغلب الأحيان من طرف الغرب ذاته عبر تشجيع هجرة الأدمغة والكفاءات العلمية العالية فقط لأنه يوفر لها هامشا من الحرة المفقودة عندنا والموارد المالية اللازمة لمواجهة إكراهات العيش في عالم اليوم الذي يزداد توحُّشًا.

* يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى أنّ علم الاستغراب هو المقابل الضِّدِّيُّ لعلم الاستشراق، غير أن التمييز بينهما ضروريٌّ لجهة النظام المعرفي والتطبيقي لكلٍّ منهما. كيف ترون إلى هذا التناظر، وما الإشكالات المطروحة في هذا الصدد؟

طبيعي جدًّا أنّ عُمْقَ سؤال النهضة العربية الأولى: لماذا تأخرنا وتقدما غيرنا؟ يستبطن عمليًّا النظرة إلى الآخر من موقع الأنا كما أشرت أعلاه، لأن طبيعة العلاقة بين الشرق والغرب تستدعي التموقع بغاية تحقيق الأفضل فالتنافس بوابةٌ نحو التقدم. ولعل من جملة الإشكالات التي يطرحها التناظر بين الشرق والغرب نسجّل:

.) هل الشرق شرقٌ واحدٌ؟ ألا يمكن التمييز في الشرق بين الحضارة العربية الإسلامية وباقي الحضارات السائدة اليوم في آسيا؟

..) كيف استطاع الغرب فرض هيمنته الثقافية والسياسية والاقتصادية على باقي الأطراف واستفرد بقسطٍ هائلٍ من موارد الكرة الأرضية؟

... ) أي مشروعٍ بديلٍ وممكنٍ لمشروعٍ حضاريٍّ قائمٍ؟ وما هو المشروع الممكن لبناء مستقبلنا؟

... .) ما طبيعة العلاقة الممكنة بين مستقبلنا وماضينا؟ وكيف يمكن التعامل مع التراث؟

* أي المرجعيات الفكرية والفلسفية التي تقترحون مطالعتها ـ  سواءً أكانت عربيةً أم أجنبيةً ـ  ولا سيما منها تلك التي قاربت حقيقة الغرب بما فيها من محاسنَ وسلبياتٍ؟

لا أظن أنّ هناك قائمةً محدَّدة يمكن وضعها كوصفةٍ جاهزةٍ لسببين:

.) الأول، إنّ عملية بناء المعرفة، سواءً أكانت عامةً أو دقيقةً، تتم بفضل التخصّص في مجال العلوم الدقيقة وبفضل الاطلاع الواسع على مختلف مجالات إنتاج المعرفة في مجال المعرفة العامة.

..) والثاني يخص ضرورة تملّك المناهج العلمية بمستوى الرقي المعرفي وتطويرها وتجديدها، ما ينسجم مع استثمار الجهود السابقة في هذا المجال.

على الرغم من ذلك يبدو أن أهم وسيلةٍ لفهم الآخر في محاسنه وسلبياته هو الانكباب على ترجمة ودراسة مختلف وجهات النظر التي درست الغرب داخل بيته؛ وهنا يمكن الاسترشاد بالمدارس والنظريات النقدية في مختلف المجالات: الفلسفة، الأدب، الثقافة، العلوم الاقتصادية والسياسية... أقول هذا لأن النقد من الخارج قد يكون أغلب الظن رأيًا أو قد يتجنّى على حقيقة الآخر دون أن يعني ذلك غياب رؤًى وانتقاداتٍ ودراساتٍ موضوعيةٍ لحقيقة الغرب. وبناءً عليه سيكون إعادة ترتيب النقد الذي وجهه المشرقيون في مختلف مجالات المعرفة مهمًّا لرصد طبيعته ولبيان صدقية أحكامه لتمييز الذاتي منها عن الموضوعي، لأن معظم تلك النقود التي استغرقت قرنًا ونيِّفًا من عمر نخبنا المشرقية قد توجت بمشاريعَ مختلفةٍ ومتنوعةٍ ومتشعبةٍ، نحن بأمس الحاجة إلى وضعها موضع التساؤل لوضع خطوطٍ استراتيجيةٍ لمشروع علم الاستغراب.

-----------------------------

[1] ـ إن الحديث عن الحداثة بمعنًى ومفهومٍ واحدٍ، لا يتماشى والمعطيات الموضوعية ومنطق البحث، فالحداثة حداثاتٌ، تنطبع كل حداثةٍ ببيئتها وشروطها.

[2] ـ  يجب التنبيه هنا إلى أن الفضل يعود لبرنارد لويس (Bernard Lewis) في الحديث عن المشارق بدل الشرق بمعناه الفضفاض حيث ميز بين: الشرق الأدنى، الأوسط، والأقصى. وقد أصبحت اليوم هذه التمييزات تحصيلَ حاصلٍ.

[3] ـ  وفي هذا يقول محمد عابد الجابري: «وبالجملة لم تكن كلمة «غرب» في المرجعية العربية الإسلامية تعني في يومٍ من الأيام وجود «آخر» يقع بالتحدِّيد خارج بلاد الإسلام، ولا دينًا ولا حضارةً تمثل «الآخر» بالنسبة للإسلام، وإنما صارت هذه الكلمة تحمل بصورة ما هذه المعاني جميعها من خلال الترجمة من اللغات الأوروبية، وهكذا فاصطلاح «الغرب» (Occident, West) أي الدول الغربية، والشرق (Orient, Est) بمعنى دول الشرق، هما معا ترجمة من اللغات الأوروبية التي ميزت في هذا الأخير بين الشرق الأدنى والشرق الأوسط والشرق الأقصى، وذلك حسب القرب والبعد عن أوروبا»، الجابري: «الغرب والإسلام: 1 ـ الأنا والآخر... . أو مسألة الغيرية»، مجلة فكر ونقد، العدد الثاني.

[4] ـ  هيغل، «محاضرات في تاريخ الفلسفة»، ترجمة خليل أحمد خليل، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 2002، ص 192. ويرمي من وراء ذلك إلى أن الفكر يبلغ مرتبة الوجود حينما تتطور الفكرة المطلقة تطورًا عقليًّا حيث الفكرة المطلقة تكون أولًا في ذاتها وتخرج منها بفضل الصراع إلى الطبيعة، وتعود إلى ذاتها في الروح المطلق.

[5] ـ Heidegger : qu’est ـ ce que la philosophie ? (questions II).

[6] ـ friedirck neitzsche : la philosophie à l’époque tragique des grecs, œuvres philosophiques complètes, écrits posthumes, 1870 ـ  1873.

وقد اعتمدنا هنا أساسًا على ترجمة سهيل القش، المؤسسة الجامعية  للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الثالثة، 2005، بيروت..

[7] ـ  بمعنى المفهوم (concept) أي مجموع المعارف التي تراكمت حول تمثل الآخر.

[8] ـ  ونقصد أساس مبحث الاستشراق، إلى جانب مبحث الاستغراب بتعبير حسن حنفي.

 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف