البحث في...
عنوان الحوار
إسم المحاور
إسم مجري الحوار
المصدر
التاريخ
ملخص الحوار
نص الحوار
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

January / 9 / 2021  |  458مقتضى علم الاستغراب فهم الغرب وتشريح أسباب مركزيته

الحوار مع :أ. د. بهاء درويش
مقتضى علم الاستغراب فهم الغرب وتشريح أسباب مركزيته

في هذا الحوار مع أستاذ الفلسفة في جامعة المنيا الدكتور بهاء درويش نتوقف عند وجهة نظر مفارقة في فهم الغرب وكذلك فهم السيرورة التاريخية للعالمين العربي والإسلامي في صلتها وتفاعلها الاحتدامي مع الحضارة الغربية الحديثة.

يرى الباحث أن علم الاستغراب ينبغي أن يتأسّس على معرفة حقيقة الغرب قبل أن الدعوة إلى نزع مركزيته وهيمنته على العالم الحديث منتقداً ما ذهب إليه المفكر المصري حسن حنفي في كتابه المعروف «مقدمة في علم الاستغراب»، لجهة التأصيلات والتصورات المتعلقة بالمباني المعرفية لأطروحته.


* الغرب كمصطلح ومفهوم كيف تنظرون إليه، وما المائز بين كونه تَحيُّزاً جغرافيَّاً وبين تَمظهُرهِ كأطروحة حضاريَّة وثقافيَّة، وما حدود العلاقة بين كلٍّ منهما؟

 ـ الغرب بالنسبة إليَّ هو المجتمع الأوروبيُّ والأميركيُّ الشماليُّ عبر كلِّ العصور ـ وان كانت القارة الأميركيَّة قد اكتُشفت حديثاً نسبيَّاً ـ ، فهو الآخر الذي تُمثِّله مرحلة الفكر اليونانيِّ التي بدأ بها الفكر الفلسفيُّ والعلم قبل الميلاد بدءاً من طاليس، مروراً بالعصور الوسطى ـ أي الفترة الممتدَّة تقريباً من سقوط الأمبراطوريَّة الرومانيَّة الغربيَّة في القرن الخامس حتى القرن الخامس عشر ـ  والتي يمثَّل القدِّيس أوغسطين وتوما الأكويني وأنسلم أبرز فلاسفتها، ثم مرحلة الانفصال عن الدين في أوروبا التي يُطلَق عليها الإصلاح الدينيَّ خلال القرنين الخامس والسادس عشر، مروراً بالعصور الحديثة فالمعاصرة في أوروبا وأميركا. الغرب أيضًاً يتميَّز بثقافته التي تختلف عنا اختلافاً جزئيَّاً، إذ تشترك معنا في بعض العناصر مثل القيم الإنسانيَّة الواحدة وتختلف عنا في بعض العادات والتقاليد.

* من أين يبدأ تاريخ الغرب حسب تصوُّركم: مما قبل اليونان، أم في الفترة اليونانيَّة والرومانيَّة، أم القرون الوسطى، أو ابتداءً بعصر الأنوار مروراً بأحقاب الحداثة، أو أن هذا التاريخ يشمل هذه الأزمنة بجملتها؟

 ـ  رغم أن كتب التاريخ تبرهن أن الغرب اليوناني قد أفاد في حضارته من الحضارات الأخرى ـ مثل الحضارة الفرعونيَّة ـ  إلَّا أنَّ تاريخ الغرب بالنسبة إليَّ يبدأ انطلاقاً من المرحلة اليونانيَّة في القرن السادس قبل الميلاد، ثم المرحلة الرومانيَّة حيث أنها المرحلة التي أنتج فيها الغرب فكراً ـ فلسفة وعلماً ـ  ونُظُماً سياسيَّة وقانونيَّة ارتبطت بإسمه وأثَّرت بمن بعده. 

* هل الغرب كتلة واحدة سياسيَّاً وثقافيَّاً واجتماعيَّاً بحيث نأخذه ككلّْ أو نتركه ككلّْ؟ أم بالإمكان فهمه كما هو من أجل تكوين رؤية استراتيجيَّة ومعرفيَّة حياله؟

ـ يتوقَّف تعاملنا مع الغرب ككتلة واحدة أو ككيانات متعدِّدة ـ  على المنظور الذي ننظر به إليه: فإذا كنا نتحدَّث عن الغرب من حيث أنه الآخر المختلف الذي نريد تكوين رؤية استراتيجيَّة تجاهه، فعندئذٍ يمكن النظر إليه ككيان واحد، أما إذا كنا ننظر إليه من حيث الثقافات والأفكار التي يتبنَّاها فهماً وهضماً له من أجل القدرة على التعامل معه بشكل أفضل، فحينها من الأفضل النظر إليه ككيانات متعدِّدة جغرافيَّاً وسياسيَّاً تتبنَّى توجُّهات فكريَّة مختلفة أحياناً، تحليلاً نهدف به إلى دراسة تشريحيَّة له.

* ما الأُسُس والمباني المعرفيَّة والفلسفيَّة التي أخذ بها الغرب لتشكيل حضارته الحديثة، وما الآثار المترتِّبة على ذلك لجهة نوع العلاقة مع الآخر الحضاري وطبيعتها، وبخاصة العالمين العربيِّ والإسلاميّْ؟

 ـ  لا شكَّ في أن ثمة روافد متعدِّدة شكَّلت حضارة الغرب الحديثة، وهو لم يأخذ بها عن قصد ولكنها أحدثت تأثيراتها في الحضارة الغربيَّة بشكل طبيعيٍّ غير مقصود حكمه مسار التقدُّم، أي أن الانتقاء لم يفعل فعله في تحديد الأُسُس المعرفيَّة والفلسفيَّة للغرب.

يمكننا بطبيعة الحال أن نبدأ بذكر إسهام اليونان والرومان ـ وكلٌّ منهما تعد حضارة بحد ذاته ـ  في تطوير الحضارة الغربيَّة، بل إن هاتين الحضارتين هما بداية حضارة الغرب كما قلت، وهذا أمر لا أراه مثار خلاف.

فرغم أن اليونان مرَّت بحربين طويلتين هما الحرب البلوبونيزية والحرب الفارسية ـ وكلٌّ منهما استمرت لأكثر من أربعين عاماً ـ ، إلَّا أنها أسهمت في الوقت نفسه في مجالات عدَّة كالفلسفة والعلم والهندسة والفن مثَّلت أُسُس الحضارة الغربيَّة. فلا تخفى على أحد إسهامات سقراط وأفلاطون وأرسطو في تطوُّر الحضارة الإنسانية جمعاء في مجال البحث عن الحقيقة. وإذا أردنا أن نأخذ أمثلة قليلة، فإن المنهج السقراطي المعروف بالتهكُّم والتوليد ما زال يستخدم حتى الآن، كذلك آمن أرسطو بأن الإنسان الذي يحيى وفقاً لمنطق العقل أفضل من غيره من البشر.

لقد امتازت الحضارة اليونانيَّة أيضًاً بإسهاماتها في مجال المسرح بالملهاة والمأساة من خلال إبداعات أرستوفان وسوفوكليس ويوربيدس وإيسخيلوس. وما زالت أفكار هذه الملهاة والمأساة تمثِّل الإلهام للكثير من كتَّاب المسرح الغربيِّ الحاليين.

أما الرياضيات والعلوم فتمثِّلان أهم إسهامات الحضارة اليونانيَّة القديمة، ولا سيما في علم النفس والفلك والهندسة والبيولوجيا والطب. ففي مجال الفلك ذهب اليونان إلى أن الشمس تكبر الأرض بثلاثمائة مرة، كما وصلوا إلى الحجم الصحيح للأرض. وفي مجال الهندسة توصَّل أقليدس إلى أنه إذا تقاطع خطَّان مستقيمان، فإن الزوايا المتقابلة تكون متساوية. وفي مجال الفيزياء اخترع أرشميدس وفيثاغورس الرافعة بالبكرة التي تطوَّرت إلى المحرِّك البخاري.

كذلك تدين الحضارة الأوروبيَّة لليونان بنظامها القضائي وبآرائها في الديموقراطيَّة، إذ تشتقُّ كلمة democracy من الكلمتين اليونانيتين demos وتعني الشعب، ثم كلمة kratia وتعني حكم. فالديموقراطيَّة تعني «حكم الشعب».

أما عن تأثير الحضارة الرومانية، فلا شكَّ في أن فكرة القانون هي أفضل ما نقلته عنها الحضارة الغربيَّة، ومنها القاعدة القانونيَّة «الفرد بريء إلى أن تثبت إدانته». كذلك عرف الرومان «مجلس الشيوخ»: مجلساً يشبه إلى حد كبير ماهو معروف الآن. ومع اتِّساع أمبراطوريَّتهم طوَّر الرومان مفاهيمهم القانونيَّة ليقبلوا تطبيقها على الجميع فقراء وأغنياء، ومع الوقت عرف القضاء مبادئ العدالة، وهي المبادئ التي تعلَّموها من الفلسفة الرواقيَّة، وطبَّقوا مبدأ أن البيِّنة على من ادَّعى. وهكذا تُعدُّ مبادئ القانون الحالية في البلاد الأوروبيَّة والولايات المتَّحدة الأميركيَّة إلى القوانين الرومانيَّة. كما أن فكرة التقويم الميلادي وبدء السنة انطلاقاً من ميلاد السيد المسيح كان الرومان أول من جاء بها وطبَّقوها.

جدير بالذكر أن هذا التراث اليوناني والروماني ـ  والذي أكمل بعده الغرب إنجازاته ويعدُّ أحد أو أول مكوِّن من مكوِّنات الحضارة الغربيَّة ـ  قد انتقل إلى الغرب من خلال المسلمين الذين ترجموا حصيلة الفكر اليونانيِّ والرومانيِّ ثم أبدعوا على منوالهم في العلوم والفلسفات التي عرفوها من خلال الغرب. فلم يتوقَّف إسهام المسلمين عند كونهم قناة انتقلت من خلالها الحضارة اليونانيَّة الرومانيَّة إلى الغرب الحديث، إذ أن تأثير الحضارة الإسلامية في تشكيل الحضارة الغربيَّة الحديثة أوضح من أن يحتاج إلى عرض. فلقد عرف العلماء والفلاسفة المسلمون، عن طريق الترجمة والشرح والتأليف، الكثير عن الحضارة اليونانيَّة بجوانبها العلميَّة والفلكيَّة والطبيَّة والأدبيَّة والفلسفيَّة، ثم نسجوا على منوالها، وأبدعوا في كلِّ هذه الجوانب مضيفين إليها تفلسُفَهم حول أمور الدين التي تخصُّهم من دون غيرهم كخلق القرآن والأسماء والصفات، وإلى غير ذلك من أمور العقيدة الإسلامية التي ثار حولها جدالٌ فلسفيّْ.

كذلك تعدُّ الديانة المسيحيَّة والتي تجد جذورها الأولى في اليهوديَّة القديمة أيضًاً أحد روافد تشكيل الحضارة الأوروبيَّة الحديثة، أو أنها تمثِّل خيوطاً في نسيج هذه الحضارة. إلَّا أن هناك قراءتين لهذا التأثير:

 ـ القراءة الأولى: والأكثر شهرة هي أن الديانة المسيحيَّة قد اقتصر دورها في تأثيرها على الحضارة الغربيَّة على تقديم بعض المبادئ الأخلاقيَّة والعادات والتقاليد، وأنه لم يعد لها تأثير بعد ما عُرف بالإصلاح الديني، وانتشار مبادئ العلمانيَّة، وانفصال الدين عن الدولة.

 ـ القراءة الثانية: ترى أن المسيحيَّة تمارس تأثيرها في الحضارة الغربيَّة حتى الآن، ذلك أن فهم هذه الحضارة وتعظيمها المعاصر لحقوق وواجبات الأفراد في المجتمع المدني إنما جاء مستمدَّاً من التصوُّر المعاصر المسيحي للفرد. فإذا كان العالم القديم قد اتَّخذ من مبدأ الاختلافات الطبيعيَّة بين البشر مبدأ مسلَّماً به، فلقد أعلت المسيحيَّة من شأن المساواة بين البشر انطلاقاً من فهمها لهم بأنَّهم خلقوا على صورة الإله (P. Kurti 2017: 11). كذلك يمثِّل الفصل المعاصر بين الدين والدولة الفهم المسيحيِّ المعاصر لمعنى العلمانيَّة (ibid). فالعلمانيَّة في أحد معانيها تعني الاختيار الحرَّ للعقيدة، ولمَّا كان الإنسان مخلوقاً حرَّ الإرادة، كان من الطبيعي أن تكون حريَّة العقيدة هي الفهم الدينيُّ الصحيح وليس فرض التديُّن أو سلطة الكنيسة بالقوة.

في المحصِّلة، نرى أن الحضارة الغربيَّة الحالية هي خليط من عناصر(أفكار) دينيَّة وشرقيَّة وغربيَّة قديمة وحديثة. من هنا كانت تحوي قِيَماً إنسانيَّة تمثِّل عناصر مشتركة بين كلِّ المجتمعات الحاليَّة. هذه القيم المشتركة ولأن الشرق العربيَّ الإسلاميَّ كان صاحب حضارة قديمة تؤهِّل وتفتح المجال للشرق العربيِّ الإسلاميِّ لإمكانيَّة التحاور والتعامل والتأثير والتأثر.

* هل من مُنفَسح لعقد حوار متكافئ مع الغرب؟ إذا كان الجواب بنعم فما هي المسوِّغات التي تقدِّمونها، وإذا كان لا فما هي برأيكم الأسباب الموجبة لذلك؟!

 ـ  إذا كان المقصود بالحوار المتكافئ حواراً بين قوَّتين متكافئتين، فمن الواجب أن نعترف أننا ـ كعالم عربي ـ  لسنا الآن أمام قوة مكافئة لنا، ولكننا أمام قوة أقوى منا فكريَّاً وماديَّاً، أقوى في التنظير الفكريِّ، وفي القدرة على التخطيط وتنفيذ هذه الخطط، وفي القوى الماديَّة التي تمكِّن من تحويل الخطط إلى مشاريع، وذلك على كل الأصعدة. إلَّا أن هذا لا يمنع أبداً من الحوار بل ويؤسِّس ضرورته وإن كان هذا يتوقَّف على الحاجة من الحوار.

* هل من عناصر مشتركة بين العالم الإسلامي والعربي من جهة وبين الغرب من جهة ثانية؟ وإذا كان من نقد لسلوك الغرب، فإلى أيِّ حقل يوجَّه هذا النقد: «الشعوب» ـ «الحكومات» ـ  المؤسسات صاحبة القرار؟

 ـ  لا يحتاج الحوار إلى نقاط اتفاق لكي يقوم، ولكن يحتاج إلى الاستعداد المسبق من أطراف الحوار لقبول ما نراه صحيحاً أو مفيداً لدى الآخر. المفترض أن هدف أيِّ حوار هو الوصول إلى الحقِّ والبحث عمَّا هو صحيح أو مفيد. هذه هي أهم مقوِّمات الحوار وأهدافه التي من أجلها تسعى الأطراف ـ أو يجب أن تسعى ـ  لإقامته. فكل حوار ينطلق من الرغبة والنيَّة المسبقة للتأثير في الآخر واقناعه ليس حواراً مُجدياً، ولكنه في حقيقته محاولة لإخضاع الآخر تتنافى مع أدنى حقوق الإنسان ـ ألا وهي حق الاعتقاد وحق العيش في سلام وفقاً للنظام السياسي والاجتماعي الذي يرتضيه، وبالطريقة التي يرى أنها تحقِّق سلامه الداخلي طالما أنه لا يتعارض مع حقوق الآخر أو يسبِّب له أذى. أعتقد أن الشعوب المُحِبِّة للسلام ـ  في كلِّ بقاع العالم ـ  تعي هذا جيداً ولا تسعى لأي محاولة لقهر أو السيطرة على الآخر أو العيش على حساب مقدِّراته. يمكن أن أجد أمثلة على ذلك الأفراد والهيئات المحليَّة ـ من مختلف أنحاء العالم ـ  والدوليَّة التي تعمل في مجال الأخلاقيَّات التطبيقيَّة والتي تبحث عن كيفيَّة تجنُّب وحلِّ المشكلات الأخلاقيَّة الناجمة عن التطوُّر العلميِّ المتمثِّل في الثورة الصناعيَّة والتغيُّر المناخي والثورات البيولوجيَّة، وتفكيرها في الآخر ومراعاته له، سواء أكان هذا الآخر مقصوداً به الآخر المعاصر أم الأجيال التالية.

* يجري الكلام اليوم على أن الغرب يعيش أزماته التاريخيَّة في الحقبة المعاصرة: (معرفيَّة، ثقافيَّة، اجتماعيَّة، اقتصاديَّة)، هل يدلُّ هذا على ما سبق وتوقَّعه شبنغلر عن سقوط الغرب أو أنه يوشك على الانهيار؟

 ـ  من الصعب الحديث من الآن بشكل استباقي عن سقوط للغرب من دون شواهد ومبرِّرات. ما توقَّعه شبنغلر منذ عقود لم يتحقَّق حتى يومنا هذا. أرى أن الغرب يجدِّد نفسه باستمرار، ويتكيَّف مع الأوضاع، وهو ما يؤذن باستمرارية في التاريخ، أو يوحي بصعوبة انهياره في الوقت الحالي أو المستقبل القريب على أدنى تحديد. إذا كان المقصود بانهياره أنه لن يعود القوة الأكبر أو مركز الكون التي تدور حولها وتتبعها بقية القوى، فإن الشرق الآسيوي من الممكن أن يهدد بصعوده المركزيَّة الأوروبيَّة. أما إذا كان المقصود بالانهيار الخروج التام من التاريخ، فهذا مستبعد في المستقبل القريب على الأقل.

 * ثمة فكرة للسعي نحو تأسيس هندسة معرفيَّة لعلم الاستغراب، كيف تنظرون إليها، وهل ثمة ضرورة لتنظيرها، أم أن الأمر يتوقَّف على مجرد كونه ترفاً فكريَّاً؟ ثم ما هي السبل التي ترونها لتأسيس هذا العلم؟

 ـ لا شك في أن دراسة الآخر (الغرب) من أجل فهمه عملية مهمة تقابل الاستشراق. الاستشراق كما رآه إدوارد سعيد وعبَّر عنه صلاح سالم تجسَّد في تلك المؤسَّسات والمعاهد والبرامج العلميَّة التي تشاركت وتضامنت بهدف تكوين آراء عن الشرق تمكَّن من التعامل معه بل وحكمه، أي أنه كان أسلوباً للسيطرة على الشرق رمزيَّاً ونظريَّاً وربما امتلاك السيادة عليه سياسيَّاً وعسكريَّاً. أما الاستغراب فهو مقبول إذا كان المقصود به دراسة الآخر من أجل تشريح فكره والسياسات التي جاءت تطبيقاً لهذا الفكر، وأدَّت إلى تقدُّمه الحالي من أجل دراسة هذا التقدُّم الحادث واستعارة أو الاستفادة مما يصلح لنا في تقدُّمنا المنشود. بهذا القدر لا يعدُّ الاستغراب ترفاً عقليَّاً، بل ضرورة تستوجبها محاولات تطوُّرنا المنشود.

* إلى أيِّ مدى يمكن اعتبار التأسيس لعلم الاستغراب بمثابة المسعى الجدِّيِّ والضروريِّ في الاستنهاض الفكري في فضائنا الحضاريِّ العربيِّ والإسلاميّْ؟

 ـ لا أرى أن الاستنهاض الفكريَّ للشرق يبدأ بالضرورة من تأسيس علم للاستغراب، بل هو يبدأ من توفُّر عوامل عدَّة داخل الشرق نفسه مثل نشر قِيَم الحريَّة بجوانبها المختلفة والحياة وفقاً للتفكير العلمي والنقد الذاتي لمراحلنا الحضاريَّة المختلفة. إلَّا أنه لا بأس من فهم الآخر لتقييمه والحكم على قِيَمه وأفكاره وسياساته والآليَّات التي أدَّت به إلى التقدُّم، وتبرير ما يمكن تبنِّيه واستعارته كآليَّة يمكن إضافتها إلى آليَّات تقدُّمنا المنشود في حدود ما يصلح لنا.

* يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى أن علم الاستغراب هو المقابل الضدِّي لعلم الاستشراق، غير أن التمييز بينهما ضروريٌّ لجهة النظام المعرفيِّ والتطبيقيِّ لكلٍّ منهما. كيف تنظرون إلى هذا التناظر، وما الإشكاليَّات المطروحة في هذا الصدد؟

 ـ  بعقد مقارنة بسيطة نجد أنه لا مجال للخلط بين الاستشراق والاستغراب: فهما يتَّفقان في أن كلَّاً منهما محاولة لفهم الآخر عن طريق دراسته. الاستشراق محاولة لدراسة وفهم الآخر الشرقي، والاستغراب محاولة لدراسة وفهم الآخر الغربي. الاستشراق كان في جزء منه على الأقل محاولة للسيطرة على الآخر. لا مجال للاستغراب ـ  حتى لو أراد الشرق ـ  أن يُيسِّر السيطرة على الآخر الغربيِّ للفجوة الحضارية الموجودة بينهما. فلا تتحقَّق الحضارة وتصل بالإنسانية من خلال إخضاع الآخر، ولكن تتحقَّق بنشر قِيَم العدل والمساواة والرفاه بين شعوب الأرض.

* برأيكم، هل يعني علم الاستغراب الرؤية التي تصوغها النخب المشرقيَّة للغرب، والكيفيَّة التي تتعامل من خلالها معه لفهمه ونقد سلوكه حيال الشرق؟

 ـ نعم هو كذلك. إنه تشريح لفكر الغرب وقِيَمه وتصوُّراته التي على أساسها بنى حضارته، وجعلته يتفوَّق على غيره من الشعوب غير الغربيَّة، ومحاولة الاستفادة من فكره وسياساته التي أوصلته إلى هذا التفوُّق المرحليِّ على الأقل.

* ألا ترون أن من المهمَّات المركزيَّة لعلم الاستغراب إجراء نقد معمَّق لذهنيَّة الاستتباع الفكريِّ من جانب النخب العربيَّة والإسلاميَّة للغرب؟

 ـ  ليس بالضبط، ولكن دراسة وتشريح فكر وقِيَم الغرب وتصوُّراته قد تعين على تحليل وتقييم مبرِّرات الاستتباع الفكريّْ: هل الاستتتباع جاء من محض انبهار بالغرب بكلِّ أفكاره وتصوُّراته ومنتجاته، أم أنه جاء نتيجة قناعة بأن تتبُّع خطوات الغرب هو ما يؤدِّي بنا إلى التقدُّم المفقود والمنشود الآن. هذا التقييم من شأنه الوصول إلى حل أو إلى تبيان أفضل الوسائل للاستفادة أو للتعامل مع الغرب.

* أيُّ المرجعيَّات الفكريَّة والفلسفيَّة التي تقترحون مطالعتها ـ  سواء كانت عربيَّة أم أجنبيَّة ـ  ولا سيما منها تلك التي قاربت حقيقة الغرب بما فيها من محاسن وسلبيات؟

 ـ  كلُّ مرجعيَّة فلسفيَّة أو فكريَّة حاولت أن تحكم على الغرب هي من وجهة نظر المقتنعين بها المرجعيَّة التي استطاعت سبر غور الغرب على حقيقته. وبالتالي لا يمكن تحديد مرجعيَّة بذاتها ونعتها بأنها ما قارب (حقيقة) الغرب. لا أستطيع انتقاء مرجعيَّة بعينها والحكم عليها بأنها ما صادف حقيقة الغرب. رأى الكثيرون أن جوهر الحضارة الغربيَّة المعاصرة هو الماديَّة وأن هذا التركيز على القِيَم الماديَّة جعل أصحابه يُحيون مستوى من الرفاهيَّة والصحة النفسيَّة أدنى من الذين رأوا أن السعي وراء الماديَّات أقلَّ أهميَّة. هذه الحضارة أدَّت إلى دمار الأخلاق والفضيلة والإنسانيَّة والبيئة. وعليه فإنها بدخولها في أزمات متعدِّدة، مهيِّئة للانهيار كسائر الحضارات التي سبقتها.

أرى أن هذا تعميم من الصعب قبوله ببساطة من دون دراسة لأسباب انهيار الحضارات السابقة. فهذه الأسباب ليست بالضرورة الانغماس في الماديَّة. ثم إن الانغماس في الماديَّة ـ إن صحَّ ـ  فهو عنوان سائر الذين يُحيون الحقبة المعاصرة وليس الغرب فحسب، أضف إلى هذا أنه ليس كلُّ من في الغرب يحيى منغمساً في الماديَّة التي فرضت نفسها علينا نتيجة النجاح المطَّرد الذي تحقِّقه نظريَّاتها في تفسير الكون على الأقل. هذا النجاح لم يمنع الموضوعيين في تفسيراتهم من الاعتراف ومراجعة الإخفاقات التي تقابل التفسيرات الماديَّة ومحاولة تجنُّب مشكلاتها.

* مَنْ مِن المفكِّرين ترى أنهم ساهموا في تقديم أفكار ومحاولات جدِّية في حقل التأسيس لعلم الاستغراب، وبالتالي ما هي الملاحظات والإشكاليَّات التي تطرحها حيال هذه المساهمات؟

ـ يعدُّ المفكِّر حسن حنفي من أوائل  إن لم يكن أول من حاولوا صياغة علم للاستغراب في كتابه (مقدِّمة في علم الاستغراب) الذي جعله البيان النظريَّ للجبهة الثانية ـ  موقفه من التراث الغربي ـ  أي أنه جعله جزءاً من مشروعه الفلسفيِّ الضخم (التراث والتجديد). لقد حاول حنفي في كتابه بيان أن التراث الغربي يمثِّل أحد روافد وعينا القومي، وأحد مصادر المعرفة المباشرة لثقافتنا العلميَّة والوطنيَّة، وهو حاضر في وعينا منذ القدم ولم تحدث بيننا وبينه قطيعة إلَّا على يد الحركة السلفيَّة. العيب يتمثَّل في أنه لم تحدث له حركة نقد إلَّا في أقل الحدود وبمنهج الخطابة من دون منهج النقد والبرهان، وبالتالي فقد أحدث هذا التغلغل الغربيُّ في ثقافتنا تغريباً لنا. وكنوع من الدفاع عن الذات والهويَّة أخذ البعض منه موقف الرفض المطلق، وهو ما يراه حنفي خطأ، فليس كلُّ ما جاء به الغرب خطأ تاماً. كذلك يرفض حنفي القبول المطلق، فهو أيضًاً ليس صحيحاً تماماً. وهو يرى أن علينا أن نقف منه موقف التحليل العلميِّ الرصين. لهذا الحد فقط أوافقه في رأيه، بيد أنني لا أوافقه في رؤيته الذاهبة إلى أن مهمَّة علم الاستغراب القضاء على المركزيَّة الغربية الناجمة عن سيطرة الإعلام الغربي الذي حاول الإيهام بأنه لا وجود لثقافة ولا علم ولا فن إلَّا الثقافة والعلم والفن الغربي. برأيي أن المركزيَّة الغربيَّة هي نتاج طبيعيٌّ للتفوُّق الغربيِّ حيث يجذب الطرف الأقوى عادة الطرف الأضعف، ويتأثر الطرف الأضعف بالطرف الأقوى، بل ويندفع في تياره بحكم قوة هذا التيار أو بحكم ضعف المدفوع أو المجذوب، وحيث ثمة نظريَّات جاهزة تفسِّر الوجود والمعرفة وتٌنظّر للأخلاقيَّات، وحيث ثمة سياسات ـ  على كلِّ الأصعدة ـ  تبهر الأطراف الأضعف فيجدونها جاهزة لتحقِّق لهم ما يطمحون إليه من حلول لمشكلاتهم. لذا، كان من الطبيعيِّ أن ينجذب الكثيرون لهذا الطرف الأقوى الجاهز وفقاً لهم برؤاه وتحليلاته وسياساته من دون أن ننكر أن الغرب يرى نفسه الأفضل وكان يحاول أحياناً أن يسيطر على الآخر.

إن إعادة التوازن للثقافة الإنسانيَّة لا تكون من خلال علم الاستغراب على النحو الذي يزعمه حسن حنفي ولكن تكون كما أسلفنا من خلال تشريح فكر وسياسات الغرب المتفوِّق حالياً والاستفادة منه بالقدر الذي يخدم قيمنا ومصالحنا. إعادة التوازن تكون بنشر قِيَم التفكير العلمي، والمساهمة بفعاليَّة في التطوُّر العلميِّ العالميِّ والتشريح الفلسفيِّ والاجتماعيِّ لمشكلاتنا الخاصة، والتنظير لحلولها تنظيراً يعيدنا إلى استعادة دورنا الحضاري المنشود.