البحث في...
عنوان الحوار
إسم المحاور
إسم مجري الحوار
المصدر
التاريخ
ملخص الحوار
نص الحوار
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

February / 7 / 2021  |  530الحوار مع الغرب يجب أن يكون على قاعدة الند للند

الحوار مع :د. فاطمة إسماعيل
الحوار مع الغرب يجب أن يكون على قاعدة الند للند

الفكر المركزيُّ الغربيُّ يحتكر كتابة التَّاريخ، ويُنكر منجزات الحضارات الأخرى، وعادة ما يقوم مفكُّرو الغرب بإلحاق إنتاجهم المعرفيِّ والثَّقافيِّ بالتّاريخ والحضارة الإغريقيّة؛ ويسقطون حضارات الشرق الأوسط من حسابهم.

وجهة نظر تطرحها الدكتورة فاطمة إسماعيل أستاذة الفلسفة في جامعة «عين شمس» بجمهوريَّة مصر العربيَّة، معتبرةً أنَّ ثمة شروطاً عديدة ينبغي توافرها لتكوين رؤية استراتيجيَّة ومعرفيَّة حيال الغرب؛ فلكي نستطيع التعامل معه لا بدَّ من أن نواجهه بالمنطق نفسه الذي يفهمه.. منطق القوة.. فنكون أقوياء في جميع المجالات؛ الاقتصاديَّة والسياسيَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة.. إلخ، بمعنى أن نحاوره على قاعدة الندِّ للندّْ، لأنه ليس شيئاً سُكونيَّاً، بل هو في سيرورة دائمة، يتلوَّن ويتحرَّك ويتغيَّر، وإذا صح التعبير، يتوحَّش.

 وتخلص الدكتورة إسماعيل إلى القول أنَّ «علم الاستغراب» ليس هو السبيل الوحيد للتحرُّر من سطوة الغرب، إلَّا أنه مسعى جدِّي إلى حدٍّ كبير، وضروريٌّ للاستنهاض الفكريِّ في فضائنا الحضاريِّ العربيِّ والإسلاميّْ.


* كيف تنظرين إلى معنى الغرب كمصطلح ومفهوم؟ وما المائز بين كونه تًحيُّزاً جغرافيَّاً وبين تمظهُرهِ كأطروحةٍ حضاريَّة وثقافيَّة؟ وما حدود العلاقة ومستواها بين كلٍّ منهما؟

 ـ  الغرب بالنسبة إليَّ لم يعد يحمل الدلالة الُّلغويَّة البسيطة التي تعني الجهة الغربيَّة؛ جهة غروب الشمس، وإنما هو مُحمَّل بالدلالات، ومشحون بالمعاني. وما يعنيني منه أنَّه حالة فكريَّة، ذهنيَّة، ثقافيَّة، حضاريَّة، سياسيَّة، إيديولوجيَّة مهيمنة ومسيطرة على العالم، وبصفة خاصة بعد ثورة وسائل الاتصال التي كادت تلغي بالفعل الحدود الجغرافية.

وقد انشغل المفكِّرون الغربيُّون أنفسهم بالبحث في ماهيَّة مفهوم «الغرب»، وتساءلوا: هل هو مكان أو منطقةٌ من العالم؟ هل هو أوروبا أو أميركا أم الاثنان معًا؟ أو هو مجموع الدول الغربيَّة؟ وهل هو مرحلةٌ من التّاريخ أم نظام اقتصاديِّ؟ هل هو خُلق أم دين أو طريقةُ عيش أوحالةٌ فكريَّةٌ وذهنيَّة؟

لقد تكوّنت صورة الغرب في العديد من النماذج عبر مساره التاريخيِّ في علاقته بالأنا، أو علاقة الأنا به. فنموذج الغرب اليوناني القديم، كان نموذجاً فكرياً أفاد منه العرب فكريَّاً، وكانت اللحظة التاريخيَّة مختلفة تماماً عمّا نحن فيه في لحظتنا الراهنة. وهناك النموذج الغربيِّ السياسيِّ الاستعماريِّ الدينيِّ التبشيريِّ هو نموذج الحملات الصليبيَّة، وهناك النموذج السياسيِّ الاستعماريِّ الحديث، وهناك النموذج الراهن المهيمن المسيطر سياسيَّاً وثقافيَّاً وإعلاميَّاً وفكريَّاً... إلخ.

مما لا شكَّ فيه أن هناك فرقاً بين التحيُّز الجغرافي، كمكان، وبين كونه أطروحةً حضاريَّة وثقافيَّة، لذلك عندما نفكِّر نحن العرب المسلمين في الغرب لا بدَّ من أن نضع في الاعتبار أن التمايز قائم بين التحيُّز الجغرافيِّ  والأطروحة الحضاريَّة والثقافيَّة، إلَّا أن العلاقة بينهما قائمة وموجودة، لأن الموقع الجغرافيَّ كان له تأثيرٌ كبيرٌ في عمليَّة التوسُّع الاستعماريِّ والهيمنة الغربيَّة. لقد لعبت الجغرافيا دوراً مهماًّ وخطيراً في الحضارات جميعها في مسألة التوسُّعات والغزوات والامتدادات والفتوحات، واكتشاف المواقع الجديدة. في هذا السياق نشير إلى كتاب فرناند بروديل: «تاريخ وقواعد الحضارات»، الذي يبدأ بالتعرُّف على مفهوم الحضارة في ضوء عوامل عديدة هي: الجغرافيا، والعلوم الإنسانيَّة، والاقتصاد، وعلم النفس، وهو بذلك يجعل الجغرافيا في الصدارة؛ فيرى أن الحضارات مواقع، ومجتمعات، واقتصاديَّات، وفكر جماعيُّ.

ممَّا لا شكَّ فيه أن هناك علاقة وثيقة بين التحيُّز الجغرافيُّ، والثقافة والحضارة، فعلى سبيل المثال لا يمكن الحديث عن النهضة الأوروبيَّة بمعزل عن الاستكشافات الجغرافيَّة، فقد سبقت ظاهرة هذه النهضة ظاهرة جغرافيَّة حقيقيَّة في القرن الخامس عشر؛ متمثِّلة في الاستكشافات الجغرافيَّة، ومن أهمِّها المنافذ عبر البحر المتوسِّط الذي بقي دائرة مركزيَّة للعالم القديم، وقد كان الإرث العربي كافياً بعد انتقاله من صقلية والأندلس والعراق عن طريق القسطنطينيَّة، ليكون أساساً للانطلاق. فالوعي بالمكان قد تغيَّر لمصلحة بناء التاريخ على نحو جديد من خلال البحر المتوسِّط، وهو ما يشبه استكشاف السومريِّين للبحر ووصولهم الهند، أو نحو المتوسِّط عبر الخليج العربيِّ، والمحيط الهنديِّ، وبدء التكوين الحضاريِّ الأول عند العراقيين والمصريين القدماء.

 لذلك نجد أنَّ هناك من الباحثين من يقترح سنة 1492سنة تأسيسيَّة لنشأة الغرب السياسيِّ والثقافيِّ لارتباطها بحدثين مهمَّين وأساسيّيِن في التاريخ الإنسانيِّ، هما: الأول اكتشاف أميركا، والثاني طرد المسلمين من إسبانيا، فاختارت صوفي بسيس Sophie Bessis سنة 1492سنة تأسيسيَّة، واختارهما بوصفهما يشكلان حدود الغرب الحديث الذي يولد عند حافة القرن السادس عشر تحت شعار مزدوج هو الاستيلاء والطرد.

يجدر القول هنا أنَّ هناك من يربط بين الحداثة الغربيَّة وبين الصدام مع الآخر حين تعرفت أوروبا على ذاتها الاستعمارية الغازية المغايِرة للآخر؛ لكن لم تكن هذه المغايَرَة تُبيح المثاقَفة التي تجسِّد التسامح والحوار وتتجاوز الصدام، بل اقترنت بحملات القتل والنهب والسلب، وطمس الثقافات والهويات الخاصة، ولا مجال هنا لذكر ما حدث في ظلِّ الحملات الصليبيَّة من نهب للتراث. ولا مجال للحديث عما حدث في اكتشاف أميركا من إبادة جماعيَّة للسكَّان الأصليِّين وطمس متعمَّد لثقافتهم وهُوِّيَّاتهم، بالتوازي مع القتل، وذلك تمهيداً لاختزال الآخر وطمس هُوَّيَّته، بل اقتلاعه من الوجود؛ وتأسيس المركزيَّة الغربيَّة التي تتأسَّس على فكرة النقاء الثقافيَّ والعرقيّْ.

إننا بالفعل نجد نوعاً من «الاستغراب» الغربي؛ الناقد للغرب، أي الناقد لذاته. منها: «نقض مركزيَّة المركز: الفلسفة من أجل عالم متعدِّد الثقافات بعد ـ استعماريِّ ونُسوي» Decentering the Center: Philosophy for a Multicultural, Postcolonial and Feminist World. وهو كتاب يظهر من عنوانه النقد الموجَّه لمركزيَّة المركز وأشكال الهيمنة والممارسات الاستبداديَّة تجاه الآخر المهمَّش. وهناك دراسة الباحث جون بول ديمول (Jean Paul Demoule)، الّتي أثار فيها إشكاليَّة الأصول والجذور العامَّة للشّعوب الأوروبيَّة.

وتدخل هذه الدِّراسة ضمن سلسلةٍ من الأبحاث والمناقشات الّتي تُحاول تفكيك المرجعيّات المُصطنعة الّتي شكَّلت أسطورة الغرب. ويتعرَّض أصحابُها لحملات وعراقيل من المركزيَّة الغربيَّة تشكِّك في مصداقيَّة أطروحاتهم ومناهجها وموضوعيَّتها.

ولكن السؤال الذي يتبادر إلى ذهني الآن هو: هل دراسة مارتن برنال: «أثينة السوداء..»، وغيرها من الدراسات الغربيَّة تسعى لنقد الغرب؟ وهل الهدف منها حقاً ردُّ الاعتبار للأصول والجذور التي تمّ تهميشها وإهمالها، والتغاضي عن ذكرها عمداً بحجَّة نقاء الحضارة الغربيَّة من مساهمات الحضارات الأخرى؛ أم أن الهدف أن تتكيَّف الأطراف المهمَّشة مع تحوُّلات العولمة الثقافيَّة؟ لا أدري! هل ذلك نوع من الهيمنة بأسلوب آخر؟ لأن ما يُميِّز الغرب هو التوسُّع والهيمنة والمركزيَّة والانتشار؟ أي هل الدراسات الغربيَّة التي تقدِّم قراءات تفكيكيَّة لمفهوم الغرب هدفها الأساسيُّ تثبيت الفكر النَّقديِّ الّذي تتبنَّاه العقلانيَّة الأوروبيَّة، كأداةٍ معرفيَّةٍ واستراتيجيَّة لبناء المفاهيم؛ أم أنه الهدف القديم نفسه؛ وهو الهيمنة الغربيَّة أعني مساعدة الأطراف على التكيُّف مع التحوُّلات الجديدة حتّى تتماشى مع نظريّات التَّلقي والصَّدى، وتتناسب مع رهانات العولمة؟

* من أين يبدأ تاريخ الغرب حسب تصوُّركم: ممَّا قبل اليونان، أم في الفترة اليونانيَّة والرومانيَّة، أم القرون الوسطى، أو ابتداءً من عصر الأنوار، مروراً بأحقاب الحداثة، أو أن هذا التاريخ يشمل هذه الأزمنة بجملتها؟

 ـ  بتصوِّري أن تاريخ الغرب لا يمكن الحكم عليه! فإذا كان البعض يرى أن بداية أي تاريخ يبدأ مع مرحلة التدوين، أي التدوين الكتابي لهذا التاريخ؛ غير أن النشاط الإنساني نفسه وأحداثه وتجلِّياته تبدأ من قبل التأريخ، أي من قبل تدوينه، وهذا ما أشار إليه كراوثرCrowther (أحد مؤرِّخي القرن العشرين في كتابه «قصة العلم») حيث يرى أن العلم أقدم عهداً من التأريخ، لأنه يعود إلى المحاولات الأولى لإنسان ما قبل التاريخ المكتوب.

ومما لا شكَّ فيه أنَّ تاريخ الغرب قد توزَّع بحسب سياقات عديدة، بحسب التحقيب التاريخي: عصور قديمة، عصور متأخِّرة، عصور وسطى، عصر النهضة، الحقبة الحديثة المبكرة (عصر الاستكشاف، الإصلاح البروتستانتي، عصر التَّنوير، الثورة العلميَّة)، أواخر العصور الحديثة (عصر الثورة، الرأسماليَّة، الثورة الصناعيَّة... )، العصور الحديثة (الحرب العالميَّة الأولى، الاقتراع العمومي، التحرُّر، الحرب العالميَّة الثانية، الحرب الباردة)، عصر المعلومات من حيث الأُسُس، مهد الحضارة، العالم القديم، العالم اليوناني الروماني، العالم المسيحي، الأمبراطوريَّة الكارولنجيَّة، الأمبراطوريَّة الرومانيَّة المقدَّسة.

من حيث الفلسفة: الفلسفة الهلينستيَّة، التراث اليهوديُّ المسيحيُّ، الفلسفة المسيحيَّة، المدرسيَّة، العقلانيَّة، التجريبيَّة، الوجوديَّة (الوجوديَّة المسيحيَّة)، الإنسانيَّة (الإنسانيَّة المسيحيَّة، الإنسانيَّة العلمانيَّة)، الليبراليَّة، السياسيَّة المحافظة، الإشتراكيَّة، الفلسفة القاريَّة، الفلسفة التحليليَّة، مابعد البنيويَّة، النسبويَّة.

من حيث الديانة: اليهوديَّة (الثقافة اليهوديَّة)، المسيحيَّة (التنصُّر ـ الثقافة المسيحيَّة، الكنيسة الرومانيَّة الكاثوليكيَّة (الكنيسة اللَّاتينيَّة)، البروتستانتيَّة، المسيحيَّة الشرقيَّة، التعاليم الباطنيَّة، الَّلاأدريَّة، الإلحاد... ..وهكذا.

وحريٌّ القول أنَّ تاريخ الغرب كتبه الغربيُّون الذين يكادون يجمعون على أن تاريخ الغرب يبدأ من اليونان والرومان. فعلى سبيل المثال: في مجال الفلسفة؛ نجد: تاريخ الفلسفة الغربيَّة لمؤلِّفه فردريك كوبلستون (1907 ـ 1994) الفيلسوف الإنكليزي وعالم الَّلاهوت الشهير، الذي بدأ مشروعه الضخم لإصدار موسوعته الكبرى ابتداء من عام 1964، وانتهى من المجلَّد التاسع عام 1975، وقد استغرق في تأليفها ما يقارب ثلاثين عاماً. وهناك مجموعة من المؤلفين يتناولون تاريخ الفلسفة السياسيَّة في مجلَّدين، تحرير: ليوشتراس، وجوزيف كروبسي. يتناول المجلَّد الأول من ثيوكيديدس حتى اسبينوزا. والمجلَّد الثاني يتناول تاريخ الفلسفة السياسية من جون لوك حتى هايدغر.

والواقع أنَّ معظم فلاسفة التاريخ الأوروبيين يتجاهلون الميراث التاريخي عند العرب، واهتمامهم بالزمن، وعناياتهم بالمواليد والوفيَّات والسِيَر والتراجم والحوليَّات السنويَّة وتسجيل الوقائع، فضلاً عن تاريخ البلدان والممالك والأُسر والأنساب، وذلك بالرغم من كتابات المستشرقين منذ أزمان طويلة عن عن هذا الميراث. فالفكر المركزيّ الغربيّ يحتكر كتابة التّاريخ،، وينكر منجزات الحضارات الأخرى، فعلى سبيل المثال حين يكتب فيلسوف كبير بحجم برتراند راسل (1872 ـ 1970) مؤلَّفه: «حكمة الغرب»؛ فإنه لايفسح مجالاً لما يُطلق عليه «حكمة الشرق»، وعادة ما يقوم مفكُّرو الغرب بإلحاق إنتاجهم المعرفي والثّقافي بالتّاريخ والحضارة الإغريقيّة؛ ويسقطون حضارات الشرق الأوسط من حسابهم، ولا يضعون في أذهانهم إلَّا حضارات الشرق الأقصى. إنهم يعتقدون أنَّ التفاعل بين الغرب وبين الحضارات الشرقيَّة كان تأثيره من الضآلة بحيث لا يجوز الاعتداد به. وفي العديد من الكتب التي تحدثت عن تاريخ الغرب، أو تاريخ الفلسفة الغربيَّة؛ لا نجد ـ إلّا نادرًا ـ  اعترافاً بآثار حضارات ما بين النّهرين، وحضارات الهند ومصر والصّين والمسلمين، وإنْ وُجِدَتْ بعض الإشارات؛ لا ترى إلَّا الادعاء بأن حكمة الشرق تأمُّلية تركِّز فكرها حول مسائل أخلاقيَّة أو دينيَّة فقط. كما يحتكر الفكر المركزيّ الغربيّ كتابة التّاريخ، باختيار الأحداث وانتقاء الصّور الّتي تتجاوز ما يُشَوِّهُ صورة المركزيّة الغربيّة، ومرجعيّات النّشأة والتّأسيس؛ فمن الصّعوبة والنَّدْرة أن نعثر على كتابات تصوّر مجازر وإبادات الشّعوب الأصيلة أثناء حملات فتح أميركا، وما صاحبها ـ أيضًا ـ  من تبشيرٍ ونهبٍ وسرقة.

* هل الغرب كتلة واحدة سياسيَّاً وثقافيَّاً واجتماعيَّاً بحيث إما أن نأخذه ككلٍّ أو نتركه ككلّْ؟ أم بالإمكان فهمه كما هو من أجل تكوين رؤية استراتيجيَّة ومعرفيَّة حياله؟

 ـ  يمكن التعامل مع الغرب على المستوى النظريِّ بوصفه كتلة واحدة سياسيَّاً وثقافيَّاً واجتماعيَّاً؛ على أساس أن العلاقة بين المجالات الثلاثة علاقة متشابكة مترابطة، تؤثِّر بعضها في بعض. لكن الوحدة لا تلغي التنوُّع.

لذلك، لا يمكن التعامل مع الغرب ككتلة واحدة، فالتعامل السياسيُّ يختلف عن التعامل الثقافيِّ، وكلٌّ منهما يختلف عن التعامل الاجتماعي، وكلُّ مجال له موضوعاته واهتماماته، وتعاملاته ومعاييره، وأصحابه..مع التأكيد مرة أخرى على أنَّ العلاقة بينهما علاقة متشابكة مترابطة، تؤثر بعضها في بعض؛ كما لا بدَّ من أن نميِّز بين الفكر والواقع؛ هل التعامل المقصود هنا على مستوى الفهم النظريِّ، أم على مستوى التعامل العمليِّ؟. فعلى المستوى النظريِّ؛ كلُّ مجال له خبراؤه المتخصِّصون، الذين يسبرون غور مجال التخصُّص بهدف الفهم، وكذلك الأمر في التعامل؛ لذلك ينبغي أن تكتمل جهود العلماء والمفكِّرين والعاملين في المجال: السياسيِّ والثقافيِّ والاجتماعيِّ والاقتصاديِّ؛ وصولاً إلى الأهداف المنشودة وأهمُّها: فهم الغرب من أجل تكوين رؤية استراتيجيَّة ومعرفيَّة حياله، وأيضًاً معرفة كيفيَّة التعامل معه.

والسؤال الجوهريُّ هنا هو: كيف ينبغي لنا أن نتعامل مع الغرب؛ هل سنعتمد في فهمه على مناهج غربيَّة؟ وهل في «علم الاستغراب» سنتجرَّد من كلِّ ما هو غربيٍّ حين نتناوله بالدراسة؛ أي هل سننتقد الغرب بمنهج ومعايير الغرب؟، أم سنكرِّر انتقاداته لنفسه حين يقوم بتصحيح مساره؟

ليس خافياً علينا جميعاً أننا حين تعاملنا مع تراثنا، كان التعامل بمناهج غربيَّة، وحين تحدَّثنا عن النهضة العربيَّة الحديثة كان نموذج التحدِّيث هو النموذج الغربيِّ، حتى في الدعوة إلى الأصالة والمعاصرة، كان الغرب كنموذج للمعاصرة قابع في قلب فكرنا كمعيار ونموذج لا بدَّ من أن نحذو حُذوَه كي نتقدَّم، وحتى في البحث عن أصالتنا، كنّا نخضع تراثنا القديم لمعايير الغرب. فهل «علم الاستغراب» هنا هو البديل لمسألة الأصالة والمعاصرة التي شغلت تفكير العديد من مفكِّرينا المحدَثين والمعاصرين؟ وهل الاستشراق يقودنا إلى الاستغراب كردِّ فعل معارض؟ وهل ستظل هذه الثنائيَّة قابعة في فكرنا المعاصر حتى مع تغيُّر ظروف العصر وثوراته العلميَّة والمعرفيَّة والتكنولوجيَّة، ووسائل التواصل والعولمة والكوكبيَّة والكونيَّة... إلخ؟

إن قضية فهم الغرب كما هو من أجل تكوين رؤية استراتيجيَّة ومعرفيَّة حياله، ليست مسألة بسيطة، فقضية الفهم من أخطر وأهم القضايا الفلسفيَّة، سواء في تراثنا العربي الإسلامي أم في الهرمنيوطيقا الغربيَّة، الأمر الذي يتطلَّب العديد من الشروط التي تتيح تكوين رؤية استراتيجيَّة ومعرفيَّة حيال الغرب؛ وأهم هذه الشروط أن الرؤية الاستراتيجيَّة والمعرفيَّة ذاتها تتطلَّب تكويناً خاصاً، وخبرة وإدراكاً لطبيعة الغرب، ومعرفة ببواطن الأمور، وحدود الأشياء، ومعايشة تامة تجعلنا نقترب منه بحيث ندرك مقولاته إدراكاً عميقاً، ونعيشها، ونعايشها؛ لا لكي نؤمن بها؛ أو لكي نصبح وكلاء ندافع عنه، أو نتبنَّى مفاهيمه وثقافته؛ بل كي نفهمها أولاً؛ أي لا نسقط عليه مقولاتنا ومفاهيمنا، أن نفهمه من داخل نسقه الخاص، إن صحَّ التعبير، بتاريخه، بثقافته، بمنطق تفكيره، بفلسفته، بمبادئه التي يستند إليها، بمؤهَّلاته. لا ينبغي أن نحاسبه على أُسس لا شأن له بها، ولا نسقط نحن عليه مفاهيمنا؛ ومن ثم نستطيع تكوين رؤية استراتيجيَّة ومعرفية حيادية حياله. غير أن الغرب نفسه في سيرورة دائمة، بل يكاد يستعصي على الفهم، لأنه رواغ دائماًً في تحول مستمر. إنه ليس شيئاً سُكونيَّاً، بل يتلوَّن ويتحرَّك ويتغيَّر، بل ويتوحَّش، إن صحَّ التعبير.

لذلك، سيظلُّ الصراع قائماً بين شرق وغرب، سادة وعبيد، ما دامت تقوم على أُسس اعتقاديَّة ترسِّخ تلك التفرقة العنصريَّة في تكوينهم العقائديِّ الفكريِّ الفلسفيِّ، تلك التفرقة التي تعود جذورها إلى الانقسام الحاد بين أخلاق السادة وأخلاق العبيد، بين الخانعين العاجزين والأقوياء.. بين القِيَم المطلَقة للقطيع التي لا يريد أن يحتفظ بها لنفسه،على حدّ قول نيتشه الذي يؤكد أنه لا بدَّ من رفض مفهوم مذهب أخلاقيٍّ منتظمٍ وكلِّيٍّ ومطلق، لأنه يمثِّل حياة دنيا، حياة منحدرة وهابطة، وفساداً، أما الأخلاق الأرستقراطيَّة فتمثِّل حركة الحياة الصاعدة.

من جانبي أقول: إذا كان الدين الإسلامي بما يحمل من أخلاق إنسانيَّة كلِّية عامة شاملة، جعل بعضنا يرى أن «الهدف من الاستغراب هو التأكيد على عناصر التلاقي والتعارف والتحالف والتعايش بين الأمم، باعتبار أن هذه المفاهيم من أسرار الوجود في هذا الكون الذي أراد الله تعالى لخلقه فيه أن يعمروه ويستخلفوا وينشروا فيه روح السماحة والعدل والقسط»، إذا كان الدين الإسلامي كذلك أقول: أليست الدعوة إلى السماحة والتعايش، والسلام... إلخ هي دعوة يراها نيتشه تعبِّر عن أخلاق العبيد، وعن الأخلاق المسيحيَّة؟... أين إذن الأرضيَّة المشتركة بيننا وبين الغرب إن لم تكن في مجال الفضائل والقيم والأخلاق، وقول رسولنا الكريم: «إنما بُعثتُ لأتمِّم مكارم الأخلاق»؟. ألم يميِّز الغرب بين «حكمة الغرب»، و«حكمة الشرق»، على أساس أن الأولى ترتكز على العلم، والثانية ترتكز على الأخلاق والدين؟

إن موقف نيتشه العام هو أن الإيمان بالإله، وبصفة خاصة الإيمان بإله المسيح، يعادي الحياة، وعندما يعبِّر عن إرادة القوة، فإنَّ الإرادة المقصودة هي إرادة الأنواع في الدنيا من الناس. وإذا كان هذا قول فيلسوف غربي كان ذا تأثير كبير في الفكر الغربي، فإننا نجد على الصعيد العلمي، ستيفن هوكنج في كتابه: «التصميم العظيم»، Grand Design، الذي نشره 2010، يرى أنه ليس ثمة داع لوجود إله.

وهنا أتساءل: هل بالضرورة أن الإيمان علامة من علامات الضعف، والجبن، والموقف الرافض للحياة؛ هل بالضرورة أن قوة الإنسان، وحرِّيته العقليَّة، واستقلاله، والاهتمام بمستقبله يقتضي الإلحاد؟ كما يرى نيتشه؟ وكما يتابعه في ذلك بعض التغريبيين المغتربين!

لذلك يُطرح السؤال: هل يخدمنا «علم الاستغراب» حين يكشف الستار عن أفكار الغرب التي تحرِّك سلوكهم حيال الآخرين؟ وهل نستطيع أن نحرِّر أنفسنا من خرافة المماثلة الزائفة مع الغرب، نحن نمتلك من المؤهلات ما يجعلنا لا نشعر بالنقص أو بالعجز أو نتبنى أخلاق العبيد، أو أن نكون وسيلة لتحقيق أهداف الغرب!! لكن علينا أن نثبت لأنفسنا أولاً، وللغرب ثانياً؛ أننا أحرار وأسياد إذا أردنا لعلم الاستغراب أن يحقق أهدافه، أي نريد قوة تساند علم الاستغراب، ونريداً علماً يكون موجهاً مرشداً لهذه القوة.

* ما الأُسُس والمباني المعرفيَّة والفلسفيَّة التي أخذ بها الغرب لتشكيل حضارته الحديثة؟ وما الآثار المترتِّبة على ذلك لجهة نوع العلاقة مع الآخر الحضاريِّ وطبيعتها، وبخاصة العالمين العربي والإسلامي؟

 ـ  إذا تحدَّثنا عن الأُسُس والمباني المعرفيَّة والفلسفيَّة التي أخذ بها الغرب لتشكيل حضارته الحديثة؛ سنجده يرد تطوًّر الفلسفة والفكر في الغرب عموماً إلى السمة الفريدة التي تميَّز بها الغرب منذ اليونان وهو ارتباط المعرفة والفلسفة بالعلم. لذلك، إذا ما نظرنا إلى الحضارة الغربيَّة الحديثة من المنظور العلمي، سنجدها قد أنتجت العديد من الثورات العلميَّة والتكنولوجيَّة التي وسمت الغرب بطابعه العلمي، ومن ثم كانت الدعوة إلى تبنِّي العلم والمنهج العلميِّ في المجالات كافة.

إذا ما نظرنا إليها من المنظور الفلسفيِّ، والثقافيِّ، بصفة عامة، فإننا سنجد تأثير هذه الثورات العلميَّة ذاتها، والمنهج العلميِّ المصاحب لها، مما دعا البعض إلى الدعوة إلى فلسفة علميَّة (ريشنباخ، والوضعية المنطقية). غير أن الغرب نفسه الذي تتعدَّد توجهاته، نجده دائماًً يتبنَّى الرأي والرأي الآخر المقابل، فكما نجد عنده مثلاً ـ في مجال الإبستيمولوجيا ـ  الاتِّجاه المثالي، نجد أيضًاً الواقعيين، والتجريبيين، والبراغماتيين والذرائعيين، والماركسيين إلخ. أو ينبثق من رحم المذهب المعيَّن مذهب آخر مضادٌّ له في الاتِّجاه، مساوٍ له في القوة كردِّ فعل للأول، وهذا ما ظهر في العديد من المذاهب ومنها مثلاً؛ من تفنيد الوضعيَّة ظهرت ما بعد الوضعيَّة، الحداثة أدَّت إلى ما بعد الحداثة، وهكذا.

ومع هذه التعدُّديَّة الفكريَّة والمذهبيَّة في الاتِّجاهات توجد أرضيّة مشتركة وهي الارتكاز على العلم كأساس معرفيِّ، هذا الأساس نفسه أفرز الثورات العلميَّة، والثورات التكنولوجيَّة التي أثَّرت في العديد من المجالات الأخرى. لذلك يعبر فيلسوف العلم المعاصر لاري لودان عن ثقافة الغرب بقوله: «.. إن معظم الناس في الغرب يستمدُّون معظم اعتقاداتهم عن الطبيعة، وحتى عن أنفسهم، من كتابات العلم. فبدون نيوتن، ودارون، وفرويد، وماركس (أخصُّ بالذكر أبرزهم فقط)، لكانت صورتنا عن العالم مختلفة تماماً عمَّا هي عليه». فإن كان العلم نسقاً بحتاً تمّ تأسيسه جيداً بطريقة عقلانية، إذن فمن الحق والصواب أن نقتدي بمناهجه، وأن نقبل نتائجه، ونتبنى فرضياته.

أما عن نوع وطبيعة العلاقة مع الآخر الحضاري، فهي أيضًاً تقوم على أساس التمييز بين ما هو مشترك إنسانيٍّ عام، وما هو خاص. وبالتالي فإن العلم والفكر والبحث عن الحقيقة من المشترك الإنساني العام. ولنا في ثقافتنا العربيَّة الإسلاميَّة نموذجاً لطبيعة هذه العلاقة التي ميَّزت بين المشترك الإنساني العام وبين الخاص.

لقد نظر أسلافنا إلى أن الحقيقة تراث إنسانيٌّ مشترك، وأن الحقَّ مطلب إنسانيٌّ عام، والحقيقة هي ثمرة تضامن العقول المفكِّرة الكبيرة عبر العصور المختلفة، والأجيال المتباينة، وعلى ذلك فهموا أهمية التفاعل والمشاركة والواجب الذي عليهم أن يقوموا به وهو المشاركة والمساهمة في بناء العلم والمعرفة. لذلك اهتموا بالتراث العالميِّ للحضارات الأخرى، وقدَّموا علماً وفلسفة عربيَّة إسلاميَّة أفادت من هذا الموروث العلمي والفلسفي العالمي، وطبعت فلسفتها بطابعها الخاص. على سبيل المثال نجد فيلسوفاً مثل الكندي، قد تجلَّت عبقريَّته في تفاعله مع عصره، معبِّراً عن حضارته التي انفتحت على العوالم الأخرى من دون أدنى خوف من فقدانها لذاتيَّتها أو هُويَّتها، بل على العكس من ذلك، أكَّدت هُويَّتها حين انتقت ما رأته صالحاً، ورفضت ما رأته غير صالح، وأكملت ما رأته ناقصاً.. وهو ما عبّر عنه الكندي في قوله: «فحسن بنا، إذ كنا حراصاً على تتميم نوعنا؛ إذ الحق في ذلك أن نلزم في كتابنا هذا عاداتنا في جميع موضوعاتنا من إحضار ما قال القدماء في ذلك قولاً تاماً، على أقصد سبله وأسهلها سلوكاً على أبناء هذه السبيل، وتتميم ما لم يقولوا فيه قولاً تاماً، على مجرى عادة اللسان، وسنة الزمان، وبقدر طاقتنا».

إن هدف الفيلسوف في علمه إصابة الحق، وفي عمله العمل بالحق، لذلك كان شعار الباحثين المسلمين الانفتاح على العوالم الفكريَّة للأمم الأخرى، مرتكزين على الآيات القرآنيَّة التي تدعو إلى العلم والنظر العقليِّ، وامتداح الحكمة، فكان شعارهم «الحكمة ضالَّة المؤمن أنَّى وجدها التقطها، لايضرُّه من أيِّ وعاء خرجت»، لذلك عبَّر الفلاسفة المسلمون عن روح الإسلام في تقديرهم للحقيقة بصرف النظر عن قائلها، ومن دون تعصُّب من أيِّ نوع، ومن دون تفرقة بين البشر، لذلك نجد الكندي يقول: «... ينبغي لنا أن لا نستحي من استحسان الحق واقتناء الحق من أين أتى، وإن أتى من الأجناس القاصية عنا، والأمم المباينة لنا؛ فإنه لاشيء أولى بطالب الحق من الحق، وليس ينبغي بَخس الحق، ولا تصغيرٌ بقائله، ولا بالآتي به... ».

وغنيٌّ عن البيان أن الكندي وغيره من العلماء الفلاسفة، أو الفلاسفة العلماء قد شاركوا في الترجمة، وفي القراءة والفهم والنقد والتمحيص والتفنيد، وفي الإضافة والمساهمة واحتواء فكر الآخر، وصولاً إلى الإبداع والعطاء للبشريَّة جمعاء.. إلخ،.

باختصار، لقد انفتحت الحضارة الإسلاميَّة على الحضارات الأخرى بحكم دخول الآخر في نسيجها الإسلامي، وبحكم دعوة القرآن الكريم للنظر العقليِّ بوصفه وجوباً شرعيَّاً. لذلك نجد ابن رشد أيضًاً يؤكِّد الدرس العظيم الذي قدَّمته الحضارة الإسلاميَّة، وأعني به ضرورة الانفتاح على الآخر، والتفاعل معه، فلقد كان هذا الانفتاح هو اللبنة الأولى في فهم العالم، وفي بناء الحضارة الإسلاميَّة، وهو يؤكِّد ما قد أكَّده الكندي من قبل، قائلاً: «... يجب علينا... أن يستعين... المتأخِّر بالمتقدِّم حتى تكمل المعرفة... فإنه عسير، أو غير ممكن أن يقف واحد من الناس من تلقائه، وابتداء على جميع ما يحتاج إليه من ذلك، كما أنه عسير أن يستنبط واحد جميع ما يحتاج إليه من معرفة... فبين أنه يجب علينا أن نستعين على ما نحن بسبيله بما قاله من تقدُّمنا... وسواء أكان ذلك الغير مشاركاً لنا أم غير مشارك في المِلَّة، فإنَّ الآلة التي تصحُّ بها التذكية لا يُعتبر في صحة التذكية بها كونها آلة لمشارك لنا في المِلَّة أو غير مشارك، إذا كانت فيها شروط الصحة، وأعني بغير المشارك؛ من نظر في هذه الأشياء من القدماء قبل ملة الإسلام»، وبالطبع هو يقصد اليونان.

لقد انطلق القدامى من التوجيه الدينيِّ بضرورة النظر العقليِّ، لذلك أكَّدوا على حقِّ الشرع، وحقِّ العقل، وحقِّ اللغة، وحقِّ العلم والفكر والمعرفة.. إلخ في عمليَّة الفهم، وفي عملية النقل، ومعيارهم هو الحقُّ، والحقيقة، ومن الوجوب الشرعيِّ جاء الوجوب العقليِّ الذي أكَّد عليه ابن رشد بقوله: «... يجب علينا إن ألفينا لمن تقدَّمنا من الأمم السابقة نظراً في الموجودات واعتباراً لها بحسب ما اقتضته شرائط البرهان؛ أن ننظر في الذي قالوه من ذلك وما أثبتوه في كتبهم، فما كان منها موافقاً للحقِّ قبلناه منهم وسررنا به وشكرناهم عليه، وما كان منها غير موافق للحقِّ نبَّهنا عليه وحذّرنا منه وعذرناهم. فقد تبيَّن من هذا أن النظر في كتب القدماء واجب بالشرع إن كان مغزاهم في كتبهم ومقصدهم هو المقصد الذي حثَّنا الشرع عليه. وأن من نهى عن النظر فيها من كان أهلاً للنظر فيها وهو الذي جمع أمرين: أحدهما: ذكاء الفطرة والثاني: العدالة الشرعيّة والفضيلة الخلقيَّة، فقد صدّ الناس عن الباب الذي دعاهم الشرع منه إلى معرفة الله، وهو باب النظر لمؤدِّي إلى معرفته حق المعرفة، وذلك غاية الجهل والبعد عن الله تعالى(فصل المقال).

وهكذا قدَّم لنا أجدادنا نموذجاً يُحتذى به عن نوع وطبيعة العلاقة مع الآخر الحضاريِّ، غير أن اللحظة التاريخية كانت مختلفة تماماً سواء بالنسبة إلى الأنا العربي الإسلامي، أم بالنسبة إلى الآخر الغربي.

وفي هذا المعنى يقول حسن حنفي: «إن كان التراكم التاريخي قد حدث لدينا عند القدماء في علوم الحكمة من الكندي إلى الفارابي إلى ابن سينا إلى ابن رشد في النهاية، فإنه لم يحدث لدينا بالقدر الكافي في فكرنا المعاصر لعدم وجود خطة واعية للمسار الفلسفيِّ، أو هدف حضاريٍّ قوميٍّ نسعى إليه يسانده الفكر ويتأسس في التاريخ».

إنَّ المعضلة التي تواجه علم الاستغراب هي وجود هدف حضاري قومي نسعى إليه يسانده الفكر ويتأسَّس في التاريخ. إنها معضلة أو حجر عثرة أمام أي تقدُّم منشود في المستقبل في أي مجال طالما نفتقد التخطيط الواعي المسبق، والهدف القومي الحضاريِّ، النظام والنسق، بكلِّ متطلِّباته، له أسبقيَّة وأولويَّة منطقيَّة تسبق الأفراد الذين يسعون لتحقيقه. إن أي عمل فكري قومي يحتاج إلى قوة تسانده، قوة مادِّيَّة ومعنويَّة وحرِّية... . إلخ. كما يحتاج إلى شبه إجماع من النخب المثقفة في جميع أنحاء العالم العربي والإسلامي.

لا يمكن نقل الفكر الغربيِّ إلى بيئة أخرى باسم التجديد والمعاصرة من دون إعادة تمحيص ونقد يقوم على وعي بتراث الأنا وبحاجة العصر وبتراث الغير؛ أي لا ينبغي أن تقتصر علاقتنا بالفكر الغربي على نقل الأفكار الغربية أو الدعوة إلى تبنِّيها، أو الدفاع عنها؛ بل ينبغي اختبارها والتحقُّق من نجاحها في تقديم الحلول الناجحة لمشكلاتنا، فإن صلحت قبلناها. إن الموقف الحضاريَّ يتأسَّس على الوعي التاريخيِّ الذي يقتضي الموقف النقديَّ البنّاء من تراثنا القديم، ومن فكر الغرب، ومن واقعنا الحي.

لقد صاغ حسن حنفي مبرِّرات الموقف النقديِّ للغرب في ما يلي:

مظاهر التغريب في حياتنا الثقافيَّة، وأساليب الحياة اليوميَّة، مما يسبِّب أزمة هُويَّة وأصالة.

الاستعمار الثقافي وسطوته واستمراره من خلال سيطرة الغرب على أجهزة الإعلام والترويج لأسطورة الثقافة العالميَّة، ووقوع عديد من المثقَّفين ضحيَّة لها.

ردُّ فعل الحركة الإسلاميَّة العنيف وعن حقٍّ ضدَّ التغريب حتى عادت بعض احتياجاتها وخرجت على سنَّة القدماء في أخذ الحق من حيث أتى حتى لو كان من الأمم القاصية عنّا.

بداية النهضة الإسلاميَّة الجديدة، وإقالة الإصلاح من كبوته، مما يعطي تفاؤلاً بإمكانيَّة الاستقلال الحضاريّْ.

كشف أزمة الغرب، وأنه ليس الحضارة التي لا تُقهر، وضياع الرهبة من الآخر، والتحرُّر من عقدة الخوف منه، وأنه ليس الأستاذ الأبدي، أزمات في الوعي، وأزمات في الإنتاج.

وإلى الآن ما زالت الحيرة تقع في الدراسات الوطنيَّة بالنسبة إلى الحضارات الأوروبيَّة نظراً لسيادة جدل الهجوم والدفاع، وليس من منطق النقد وإعادة البناء.

إننا نحتاج إلى إعادة بناء في الداخل لمنطق التفكير، إعادة بناء يبدأ من الأساس من التعليم، لترسيخ مبدأ التفكير الناقد.

أما على المستوى السياسي، فلم تكن السياسة في الفكر الغربيِّ بمعزل عن الفلسفة أبداً؛ لذلك نجد على أرض الواقع التاريخ يعيد نفسه، فنحن أمام نيتشه الذي يطل برأسه من جديد، صورة السوبرمان، الأرستقراطيِّ محبِّ الغزو، المعتزِّ بقوته، والمحتقر الرحمة، والمشمئز من الضعف، والذي لايحفل بالطمأنينة والسلام. ونجد هوبز، في فلسفته السياسيَّة، يرى أن الإنسان ليس كائناً اجتماعيَّاً بطبعه، كما يقول أرسطو، وليس كائناً عقليَّاً مجرَّداً،كما يقول فلاسفة عصر التنوير(القرن الثامن عشر)، بل هو كائن شرِّير حافل بالنقائص، جبان، فاسد، خبيث، تدفعه المصلحة الذاتيَّة وتتحكَّم فيه الغرائز الأوليَّة من أنانيَّة وجشع. وهو لا يُذعن إلَّا إذا خاف، ولا يُضحِّي بمصالحه إلَّا مُرغماً، ولا يحبُّ السلام للسلام؛ بل فزعاً من نتائج الحرب. يتلخَّص هذا كلُّه في عبارة هوبز المشهورة: «الإنسان ذئب للإنسان»، والكلُّ في حرب ضدَّ الكلّْ، والواحد في حرب ضد المجموع. ولا ريب في أنَّ الولايات المتحدة الأميركيَّة تبنَّت فلسفة هوبز، وطبَّقتها على أرض الواقع.

* هل من مُنفَسح لعقد حوار متكافئ مع الغرب؟ إذا كان الجواب نعم فما هي المسوَّغات التي تقدِّمونها، وإذا كان لا فما هي الأسباب الموجبة لذلك برأيكم؟!

 ـ  تبعاً لمقتضيات وشروط الراهن العالمي، وتبعاً للراهن العربي لا يمكن أن يقوم حوار متكافئ، لأن الحوار ذاته يقتضي التكافؤ بين الطَّرفين المتحاورين، وضرورة توفُّر أرضيَّة مشتركة يلتقي عليها الطرفان. وإذا انعدمت الأرضية المشتركة والنديّة والتكافؤ، وكانت المواجهة بين طرف قويٍّ وآخر ضعيف، يتحوَّل الحوار إلى إملاء وسيطرة وهيمنة واستغلال، حتى لو تم تغليفه بصورة شكليَّة للحوار، أي أنه سيكون حواراً صُوَريَّاً. وحوار الغرب دائماًً تحكمه المصلحة والمنفعة، والنزعة البراغماتية التي تحسب تكلفة الفائدة.

غير أن الحوار ضرورة لابدَّ منها، ضرورة تقوم على التفاهم، فإذا ما أردنا حواراً حقيقيَّاً علينا أن نكون أنداداً للغرب. ومما لا شكَّ فيه أننا نعيش في ظلِّ ثقافات مختلفة؛ وبالتالي نعيش في عوالم مختلفة، فكيف يحدث حوار بين أصحاب هذه العوالم المختلفة؟، هل يستحيل أن توجد بينهم مناقشة عقلانيَّة مثمرة ما لم يتقاسموا لغة واحدة، أو إطاراً فكريَّاً مشتركاً من الافتراضات الأساسيَّة، أو على الأقل، ما لم يتفقوا على مثل هذا الإطار لكي يحدث الحوار الذي ينتج منه اتفاق؟ لقد رفض كارل بوبر أسطورة الإطار هذه، وانتقدها تماماً في كتابه «أسطورة الإطار»، فهو أراد أن يجعل المناقشة خصيبة مثمرة بين الأُطُر المختلفة، بل نموِّ المعرفة ذاته يعتمد على وجود الاختلاف، فكما يؤدِّي الاختلاف إلى النزاع، بل وإلى العنف، فقد يؤدِّي أيضًاً إلى النقاش  والحجَّة والنقد المتبادل، وهي أمور  ـ يراها بوبر ـ  أوسع خطوة نحو عالم أفضل. فليس بالضرورة أن نصل إلى اتفاق تام، بل يمكن أن نصل إلى تفاهم يؤدِّي إلى مزيد من التقدم.  

* في مناخ الكلام على الحوار بين الثقافات والحضارات، هل توجد عناصر مشتركة في ما بين العالم الإسلامي؟

 ـ  أولاً: علينا أن نحدِّد ما المقصود بالعالم الإسلامي؟ هل الدول الإسلاميَّة في آسيا وأفريقيا، وأوروبا؟ مثل تركيا وإيران، وأفغانستان، وماليزيا، وأندونيسيا، وتشاد والصومال ونيجيريا، وغيرها؟ أم المسلمون الموزَّعون على العديد من الدول، الذين ينتمون إلى ثقافات عديدة، بل إلى حضارات مختلفة متنوِّعة أيضًاَ في أوروبا وآسيا وأفريقيا، وأميركا وأستراليا... إلخ؟ في الغالب، إن المسلمين في العديد من هذه البلدان من المضطهدين المهمَّشين، الذين يتعرَّضون لأشدِّ أنواع العذاب الذي قد يصل في بعض الأحيان إلى الإبادة، كما حدث في البوسنة والهرسك، وكما يحدث في الصين والهند، وحوادث نيوزيلندا الأخيرة، وغيرها... إلخ.

إذن، توجد ثقافات متعدِّدة في العالم الإسلامي؛ غير أن هناك بالطبع عناصر مشتركة. يكفي وصفُه بأنه عالم إسلامي!! أي تحكمه وحدة العقيدة، وحدة الإيمان، وحدة العبادة لله وحده، وحدة الُّلغة العربية؛ لغة القرآن الكريم، وحدة الشعائر الدينيَّة والعبادات، وحدة القِبلة، وحدة النشأة الإنسانيَّة، وحدة المهمَّة المكلَّف بها المسلم، وحدة الهدف والمصير، وحدة القِيَم والفضائل.

لكن السؤال الذي يُطرح: هل يوجد حوار في ما بينهم مع وجود العناصر المشتركة؟ الواقع ينفي ذلك، وهو من المفارقات العجيبة التي تجعل العالم الإسلامي ينقسم على نفسه، ويتحزَّب ضدَّ بعضه بعضاً، تحزبات ما أنزل الله بها من سلطان. مواقف يرفضها الدين، ويرفضها العقل. «لو كنّا نسمع أو نعقل لما كنّا في أصحاب السعير».

هل توجد عناصر مشتركة في ما بين العربيِّ وبين الغرب؟ بالطبع توجد الإنسانيَّة، بكلِّ ما تحمله من قِيَم وفضائل، وعالم مشترك، أي حياة كونيَّة مشتركة، مصالح مشتركة، مصير مشترك... إلخ. أم تقصد يوجد حوار؟ على مستوى الحوار بين العربي وبين الغرب، إن جاز لنا أن نطلق عليه حواراً؛ إنه حوار القويِّ والضعيف، أو على أفضل الأحوال: حوار المصالح!

* في إطار نقد سلوك الغرب، إلى من يوجَّه؟ إلى الشعوب أم الحكومات أو المؤسَّسات صاحبة القرار؟

 ـ  إليهم جميعهم، وعلى رأسهم أصحاب الفكر. كما ينبغي أن يوجَّه إلى كلِّ مسؤول عن الفكر المغلوط الذي يؤثِّر بدوره على عقليَّة الشعوب، وإلى التعليم والمسؤولين عن المقرَّرات التربويَّة، وإلى الإعلام، والحكومات التي تتبنَّى الفكر المغلوط، والمؤسَّسات صاحبة القرار التي تبني قراراتها بناءً على هذا الفكر. غير أن تصحيح الفكر الغربي المغلوط تجاه الآخرين يتحمَّل مسؤليَّته أيضًاً الآخرون الصامتون الذين لا يدافعون عن وجودهم.

* يجري الكلام اليوم على أن الغرب يعيش أزماته التاريخيَّة في الحقبة المعاصرة:(معرفيَّة، ثقافيَّة، اجتماعيَّة، اقتصاديَّة) هل يدلُّ هذا على ما سبق وتوقَّعه شبنغلر قبل عقود عن سقوط الغرب أو أنه يوشك على الانهيار؟

 ـ  إنَّ تصديق هذا الكلام يصادف هوى في نفوسنا نحن العرب. فمن المعروف أنَّ النموَّ والتطوُّر في كلِّ المجتمعات يواجه العديد من الأزمات؛ ولابد من أن نعترف بأنه لا يوجد عصر من العصور قد خلا من أزمات في العديد من المجالات، سواء ثقافيَّة، أم اجتماعيَّة، أو اقتصاديَّة، أو سياسيَّة،... إلخ. غير أن ما يهمُّ هو كيف يواجه مجتمع معيَّن أزماته؟ هل يقوم بدراسة هذه الأزمات، ومعرفة أسبابها، وكيفية التصدِّي لها؟. هل يسمح للنخبة المثقَّفة أن تتعرَّض لهذه الأزمات بالنقد؟، أو تعلن عن وجود أزمات ذلك العصر؟، أو ترسم صورة لما يمكن أن يكون حلولاً مقترحة لتلك الأزمات. أي تقديم تصوُّرات استشرافيَّة تعبِّر عن المستقبل المأمول، بهدف تغيير الواقع المأزوم؟

على سبيل المثال؛ لقد مرَّت كلُّ من الرأسماليَّة والاشتراكيَّة بأزمة، غير أنَّ الفرق الجوهريَّ هو أن التصدِّي للأزمة في المجتمعات الرأسماليَّة بكلِّ جوانبها الاقتصاديَّة والسياسيَّة والثقافيَّة كان متاحاً للمفكِّرين من الاتجاهات كافَّة بما فيها الاتِّجاه الماركسيِّ، فذلك يُعدُّ من قبيل النقد الاجتماعيِّ المشروع، الذي يتيح الفرصة للنخبة السياسيَّة أن ترى البدائل المُتاحة أمامها،من ناحية، ويرفع مستوى وعي الرأي العام من ناحية أخرى. في حين أن التعرُّض للأزمة في المجتمعات الاشتراكيَّة الشموليَّة في أوروبا الشرقيَّة، كان يُعدُّ من قبيل الانشقاق والمعارضة غير المشروعة، والتي يُلاحَق من يمارسها بكلِّ صور الملاحقة. وهكذا في الوقت الذي كان فيه جيل كامل من المفكِّرين المختلفين في مشاربهم السياسيَّة، يمارسون النقد العلنيَّ للنظام الرأسماليِّ ويشخِّصون أزمته الاقتصاديَّة والسياسيَّة والثقافيَّة، وكان جيل كامل من المفكِّرين الماركسيِّين يٌضطَهدون اضطِّهادا شديداً من قبل السلطات الرسميَّة.

ونشير هنا إلى ما تعلَّمناه من تاريخ تطوُّر العلم كما جاء في تحليل بعض فلاسفة العلم المعاصرين كارل بوبر(1902 ـ 1994)، توماس كون (1922 ـ 1996)، وإمري لاكاتوش (1922 ـ 1974) في ما يتعلّق بمفهوم الأزمة كما عالجوه، رغم اختلاف أطروحاتهم، وكيف يتمُّ التعامل مع الأزمة، أو المشكلة. عند بوبر،مثلاً، نجد دعوته لمنهج المحاولة واستبعاد الخطأ، عن طريق حلِّ المشكلات، حتى جعل الحياة بأسرها حلولاً لمشكلات. الخطوة الأولى تتمُّ بالصياغة الواضحة للمشكلات والاختبار المنتظم للحلول المقترحة وفقاً للقواعد المنهجيَّة عنده، ومن ثم فإنَّ نموَّ المعرفة يتقدَّم ابتداءً من حذف الخطأ Elimination of Error.

إنَّ التصوُّر التكذيبيَّ لتقدُّم العلم عند بوبر يبدأ بمشاكل ذات علاقة بتفسير سلوك بعض جوانب العالم أو الكون، والفرضيَّات القابلة للتكذيب يقترحها العالِم من حيث هي تقدِّم حلولاً للمشكلة، وبعد ذلك يتمُّ نقد التنبُّؤات واختبارها، وسرعان ما يتمُّ إقصاء بعضها، بينما يبدو البعض الآخر أكثر نفعاً، وهذه الأخيرة ينبغي إخضاعها لنقد أكثر صرامة ولاختبارات، وعندما يتمُّ تكذيب فرضيَّة اجتازت بنجاح مجموعة كبيرة من الاختبارات الصارمة، تظهر مشكلة جديدة تختلف عن المشكلة الأصليَّة التي تم حلُّها، وهذه المشكلة الجديدة تتطلَّب صياغة فرضيّات جديدة يتلوها النقد والتجريب مجدَّداً، ويمكن أن نقول إنَّ نظريَّة حاليَّة تتفوَّق على النظريَّات التي سبقتها، بمعنى أنها تستطيع مواجهة الاختبارات التي كذَّبت تلك التي سبقتها، ولن تختلف الأزمات والتعامل معها بمنهجيَّة علميَّة، عن التعامل مع العلم نفسه.

وتوماس كون في كتابه الشهير: «بنية الثورات العلميَّة»، يوضح أن الأزمة هي المقدِّمة التي تهيِّىء آليَّة للتصحيح الذاتي تكفل ألَّا يطرد جمود العلم السائد ويمضي إلى الأبد من دون تحدِّيات. إذن، الأزمات هي التحدِّيات التي تواجه العلم، وأيُّ مجال من المجالات؛ هي اختبار لصمود الحضارات.

وإذا أفدنا من وجهة نظر إمري لاكاتوش، فإنه يتحدَّث عن وجود نماذج متنافسة، وكيف أن وجود هذه النماذج هو القاعدة وليس الاستثناء، يرى أن البرنامج المهزوم يعيد بناء نفسه، بل يرى أنه من الصعوبة بمكان هزيمة برنامج يشرف عليه علماء ذوو خيال وموهبة.

وهذا يعني أنه لا يتمُّ استبعاد نموذج لمجرَّد تعرُّضه لبعض الأزمات، أو أنه يمرُّ بأزمة، أو بناء على عوامل سسيوسيكولوجيَّة، بل يتمُّ استبعاده بسبب موضوعيٍّ يقدِّمه نموذج أو برنامج منافس يحقِّق النجاح السابق لمنافسه، بل يتفوَّق عليه. وإذا نظرنا إلى النماذج المنافسة للنموذج الغربي السائد؛ علينا أن نسأل أنفسنا ما هو النموذج المنافس القويُّ الذي يمكن أن ينزل الغرب عن عرش؟

من هنا، فإنَّ الأزمة والتغيُّر هما عمليَّات أساسية دائمة تصاحب أيَّ وجود إنسانيِّ. لكن
ـ والحديث هنا عن الغرب لا يمكن أن تحدث له الأزمات جملة واحدة، وفي وقت واحد، لتشمل جميع الجوانب: معرفيَّة، وثقافيَّة، واجتماعيَّة، واقتصاديَّة، وسياسيَّة... إلخ. لكن من الممكن أن تحدث على فترات،أي على حقب زمانيَّة عبر التاريخ، ومن الممكن أن تحدث في مجال معيَّن، وقد تنعكس مؤثَّراتها بعد ذلك في مجال آخر.. وهكذا.

لكن لا ننسى أن الغرب نفسه هو صاحب مقولة «التصويب الذاتيِّ»، أي أنه يُعيد صياغة نفسه، وفلا يسمح لنفسه بأن ينتحر، على حدِّ قول توينبي، لماذا إذن نركن نحن العرب إلى شبنغلر وأمثاله ممن يتوقَّعون انهيار الغرب؛ هل لأن رأيه يلائم حلمنا في سقوط الغرب وانهياره كمقدِّمة ضروريَّة لقيامنا نحن؟ أو كما يقول حسن حنفي: «سقوط الغرب حالياً هو نهضتنا، ونهضتنا هي أفول الغرب». ليس بالضرورة أن يسقط الغرب حتى ننهض نحن، لكن يمكن لنا أن نقدِّم نموذجاً منافساً ينافسه، كما تفعل الصين مثلاً.

من جهة أخرى؛ هل الحديث عن سياق النِّهايات الّذي سيطر على الفكر الإنسانيِّ منذ نهاية القرن التَّاسع عشر ومطلع القرن العشرين، والّذي تنبّأ بنهاية كلِّ الأنساق والقِيَم والسَّرديَّات والمرويَّات؛ أتساءل هل سياق النهايات يخصُّ أوروبا الغربيَّة فحسب؛ أم ينطبق على الغرب ككلّْ؟

أقول:إن الحديث عن نهاية التَّاريخ عند هيغل (Fredrich Hegel  / 1770 ـ 1831)، الّذي اعتقد بنهاية التَّاريخ بعد انتصار الثَّورة الفرنسيَّة ومبادئها، إلى نهاية الدّين بعد موت الإله عند نيتشه (Friedrich Nietzsche/ 1844 ـ  1900)، ونهاية الإيدولوجيا عند ستيوارت هيوز (Stuart Hughes/ 1916 ـ  1999)، ونهاية الحداثة عند فرانسوا ليوتار (Jean ـ  François Lyotard/ 1924 ـ  1998)، ومعظم حديث النِّهايات الذي ساد الخطاب النّخبويّ العالميّ الذي يتنبَّأ بموت الغرب، ونهايته؛ أقول: إنه حديث لا يعني موت الغرب، بل يعني انتقال القيادة من أوروبا الغربيَّة إلى مراكز القيادة، من مركزيِّة الغرب/ الأوروبيّ إلى سُلطة الغرب/ الأميركيّ. وأمام فتوحات العولمة والتّحديّات الكوكبيَّة الجديدة بعد ثورة عالم الاتّصالات والسّيبرناتيَّة، لن يجدي الحديث عن التحيُّز الجغرافيِّ، ولن يُجدي الحديث عن موت الغرب! لأن تهديد الوجود الغربيِّ والحدّ من نفوذه يتمُّ بأيدي الغرب إذا اعتبرنا أن الولايات المتَّحدة الأميركيَّة هي النموذج الغربي المهيمن الآن ثقافيَّاً وسياسيَّاً واقتصاديَّاً وحضاريَّاً، فلم يعد الغرب مقتصراً على النموذج الأوروبي القديم الذي تمَّ التنبُّؤ بموته!!

 إن الغرب، أو النموذج الغربيَّ التقليديَّ، مُهدَّدٌ في كيانه، الثَّقافيِّ والاجتماعيِّ، وفي مناطق نفوذه؛ بسبب هيمنة النَّموذج الأميركيّ. فالمدُّ الحداثيُّ الغربيُّ يشتكي من أَمْرَكة الغرب، إن صح التعبير، وليس بسبب هيمنة نموذج منافس في الشرق الأوسط!، وفي نظري أن فكرة موت الغرب هي من المقاربات العلميَّة والمنهجيَّة التي تدخل في نطاق عمليَّة التصويب الذاتيِّ حول مستقبل الغرب. لقد جاء التنبُّؤ بموت الغرب على أيدٍ غربيَّة ومن خلال دراسات غربيَّة. وهو نوع من التنبيه والتحذير بهدف إعادة صياغة النموذج التقليديِّ الغربيِّ وتجديده، في مقابل النموذج الأميركي، وهناك النموذج الآسيوي الذي يدخل حلبة المنافسة.أي أنَّ الشرق يدخل حلبة المنافسة، فهل نستطيع أن ندخل حلبة المنافسة بعد الضربة القاضية التي أفقدتنا توازناً في عالمنا العربي؟

فبدلاً من انتظار موت الغرب، أو حتى البحث عن أسباب انهياره، وكأننا نهلِّل لهذه الدراسات؛ ينبغي علينا أن نبحث في أسباب انهيار العرب؟ فهل يمكن تقليص المسافات بين المركز والأطراف المُهمَّشة؟؟ أم أن الغرب لعب بنا، وأشعل نيران الحروب بالوكالة، ووقعنا نحن في فخِّ الصراعات القبليَّة والقوميَّة، تاركين مهمَّة قيادة العالم لمن يملكونه فعلاً، ومقدِّمين لهم العون السخيَّ بضرب مواطنينا بأيدينا، وتخريب اقتصاد بلادنا بكلِّ همَّة وحماسة!

مع التطوُّر المستمر على مستوى العالم، ومع فكرة التنافس الشديد بين النماذج المتنافسة؛ ستظلُّ هناك مراكز وأطراف، وفي كل مرحلة من مراحل التطوّر يمارس البرادايم الجديد نفوذه وضغوطه وسيطرته.

* كيف تنظرون إلى فكرة السعي نحو تأسيس هندسة معرفيَّة لعلم الاستغراب، وهل ثمة ضرورة لتنظيرها، أم أنَّ الأمر يتوقف على مجرَّد كونه ترفاً فكريَّاً؟ ثم ما هي السبل التي ترونها مناسبة أو ضروريَّة لتأسيس هذا العلم؟

 ـ  إن فكرة السعي نحو تأسيس هندسةٍ معرفيَّةٍ لـ «علم الاستغراب» هي فكرة مشروعة ومطلوبة، غير أننا لا ينبغي أن نُعوِّل في صعود الأنا على «علم الاستغراب» وحده. فإذا أردنا تأسيس هذا العلم علينا أن نوصِّف اللحظة التاريخيَّة الراهنة التي يمرُّ بها الوطن العربيُّ، والفكر العربيُّ الإسلاميُّ، والموقف الغربيُّ من الإسلام والمسلمين. فلو عدنا إلى بدايات الاستشراق سنجد اللحظة التاريخيَّة للحضارة الأوروبيَّة التي نشأ فيها الاستشراق مختلفة تماماً عما نحن فيه الآن من ضعف، سنجد المدَّ الاستعماريَّ الأوروبيَّ، والشعوب الأوروبيَّة منتصرة. وسنكون نحن المغلوبين المعذَّبين في الأرض.

إذا كان الهدف فكَّ العقدة التاريخيَّة المزدوجة بين الأنا والآخر، والجدل بين مركَّب النقص عند الأنا ومركَّب العظمة عند الآخر ـ كما يقول حسن حنفي ـ فهل فعلاً القضاء على مركَّب العظمة لدى الآخر الغربيِّ بتحويله من ذات دارسة إلى موضوع مدروس، يحقِّق لنا نهضة فكريَّة تُخرجنا من الكبوة التي نرزح تحتها؟ وهل في ظلِّ ظروف الراهن العربي يمكن لنا نقل الموضوع من مستوى الانفعال إلى مستوى الفعل والتفاعل والتأثير، ومن ردود الأفعال إلى التحليل العلميِّ الرصين في ظلِّ هيمنة القوَّة فوق الحق؟

إذن، علينا أن نحقِّق الانتصار بسواعدنا، ليس بوصفنا شعوباً غازية لحضارة أخرى، بل بالقضاء على غربتنا واغترابنا، وبإعادة بناء فكرنا، والتحرر من عقدة النقص وعقدة الخوف من الآخر.

لكن بافتراض أننا نريد تأسيس «علم الاستغراب» اليوم فإننا نحتاج إلى مجموعة شروط ومقتضيات أهمها:

 ـ كيف نستطيع أن نتحوَّل من الأطراف إلى المركز في اللحظة التاريخيَّة غير المسبوقة التي نعيشها اليوم؟، كيف نستطيع أن نعيد التوازن بيننا وبين الغرب فكريَّاً وواقعيَّاً؟، أي كيف نجعل الكفَّتين متعادلتين في ميزان واحد هو ميزان الإنسانيَّة، والعيش المشترك، وحقوق الإنسان في ظلِّ ما يُعرَّف بالإسلاموفوبيا، والإرهاب الملتصق بالمسلمين؟

 ـ ما هو المعيار الذي نقيس به فهمنا ونقدنا للغرب؟ هل هو معيار غربي؟.

 ـ هل أصالتنا المنشودة وإبداعنا يُقاسان بهذه المعايير؟.

 ـ هل نستطيع أن نعيد كتابة تاريخ العالم من منظور أكثر موضوعيَّة وحياديَّة وعدلاً؟

 ـ إلى ماذا نهدف بعد تعلُّم الثقافة الغربيَّة وفهمها ونقدها: هل نقوم بنشر ثقافتنا لنتحوَّل بدورنا من الأطراف إلى المركز، ونقوم بالقضاء على الثقافات الغربيَّة كما فعل الغرب معنا؟

 ـ وإذا كنَّا قد أشرنا إلى الترجمة، باعتبارها ضرورة للتعرُّف على الغرب وفهمه، ومن ثم نقده؛ فإننا نمارس الترجمة منذ ما يزيد عن قرنين من الزمن، ولم ننتقل بعد إلى مرحلة الإبداع. وفي اعتقادي أنَّ هناك فجوة زمنية كبيرة تفصل بين ما يؤلِّفه الغرب وينشره، وبين ما ننقله إلى الُّلغة العربيَّة، مما يؤخِّر تعرُّفنا على فكر الغرب، كما يجعلنا لا نستطيع اللحاق بالرَّكب. بل إننا في الكثير من الأحيان نردِّد آراء أو نستخدم مناهج قد تخلَّى عنها الغرب!.

* إلى أي مدى يقع التأسيس لـ «علم الاستغراب» كمسعى جدِّي وضروريِّ في الاستنهاض الفكريِّ في فضائنا الحضاريِّ العربيِّ والإسلاميّْ؟

 ـ  رغم أنَّ «علم الاستغراب» ليس هو السبيل الوحيد للتحرُّر من سطوة الغرب، إلَّا أنه مسعى جدِّي إلى حدٍّ كبير، وضروريٌّ في الاستنهاض الفكريِّ في فضائنا الحضاريِّ العربيِّ والإسلاميِّ. غير أنَّ التأسيس يحتاج إلى شروط ومقتضيات، وكما هو معروف في تأسيس أيِّ علم بصفة عامة، لا بدَّ من تحديد الأهداف أولاً، ويتمُّ الاتِّفاق عليها لدى مجتمع النخبة في مجالات الفكر العديدة، ثم تحديد الوسائل التي تساعدنا على تحقيق هذه الأهداف، لأنَّ ذلك سابق منطقيَّاً على تحديد الإجراءات والآليات والوسائل. كما ينبغي وضع مبادىء وأصول والالتزام بها، ووضع قواعد ومعايير تقوم عليها حركة الفكر في علم الاستغراب وأهمُّها: الإيمان بالتكامل المعرفيِّ، وحدة المعرفة البشريَّة، ضرورة المشاركة في البناء الحضاريِّ العالميِّ، التفاعل بين الثقافات... إلخ.

* يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى أنَّ «علم الاستغراب» هو المقابل الضدِّي لعلم الاستشراق، غير أنَّ التمييز بينهما ضروريٌّ لجهة النظام المعرفيِّ والتطبيقيِّ لكلٍّ منهما. كيف ترون إلى هذا التناظر، وما الإشكاليَّات المطروحة في هذا الصدد؟

 ـ  أحياناً يفهم البعض الاستغراب على أنه المقابل الضدِّي للاستشراق، غير أنَّ التمييز بينهما واضح جداً من زوايا عديدة: أولاً من حيث النشأة، والمرحلة العمريَّة الزمانيَّة، فلا مقارنة بين العلمين؛ فـ «علم الاستغراب» لم يصل بعد إلى مرحلة العلم، إنه ما زال في مرحلة النشأة؛ وأهدافه لم تُحدَّد بعد؛ وكذلك أدواته ومناهجه وإجراءاته.. فضلاً عن أن المساعي نحو تأسيسه ليست جماعيَّة مشتركة؛ أعني أنها لم تمثِّل بعد مشتركاً فكريَّاً عربيَّاً إسلاميَّاً عاماً.. إنها محاولات فرديَّة، وإسهامات، أو محاولات تمثل مقدِّمات لتأسيس علم الاستغراب.

كما أرى أنه ليس بالضرورة أن يتم تأسيس هذا العلم على أنه مقابل ضدِّي لعلم الاستشراق كي لا نتبنَّى أهدافه نفسها، وكي لا نقع في المحاذير التي وقع فيها بعض المستشرقين، بل ينبغي تأسيسه كعلم مستقلّْ له أهدافه الواضحة ومناهجه القويمة، وشروطه، ومستجدَّاته التي تواكب العصر بوصفه عصراً ثوريَّاً معلوماتيَّاً.

أما الإشكاليَّات المطروحة في هذا الصدد فهي تتعلَّق بعملية التأسيس نفسها التي تقتضي تحديد أهداف هذا العلم الجديد، ومفاهيمه، ومصطلحاته، ومجالاته المتعدِّدة، وآلياته، وقِيَمه، وتحقيق قدر من الإجماع بين النخب الفكريَّة والأكاديميَّة على الأهداف والعناصر المشتركة بين المجالات المختلفة. وفي اعتقادي أن فصلية «الاستغراب»، تسعى جاهدة في السير نحو بناء وتأسيس هذا العلم.

* هل يعني «علم الاستغراب» برأيكم الرؤية التي تصوغها النخب المشرقيَّة للغرب، والكيفيَّة التي يتعاملون من خلالها مع الغرب لفهمه ونقد سلوكه حيال الشرق؟

 ـ  إن «علم الاستغراب» ليس مجرَّد رؤية تصوغها النخب المشرقيَّة للغرب؛ إنه رؤى عديدة لنخب عديدة في مجالات عديدة، تتأسس على معايير ومبادئ وقواعد ووقائع وحقائق وأحداث وتجارب تعيشها هذه النخب، وتخبر أسرارها وبواطنها، لتكشف عن أسبابها ونتائجها، وهذا أمر ليس باليسير ولا بالهيِّن، إلَّا إذا تسلَّحت النخب المشرقيَّة بأدوات، وامتلكت مؤهَّلات تمكِّنها من فهم الغرب، ومعرفة أفكاره وقوانينه، بل معايشة واقعه، لتتمكَّن من نقد سلوكه.

كما أنَّ الصياغة النظريَّة ينبغي أن تسبقها عقول منتجة للفكر تبذل جهدها في الانتاج والفهم والنقد قبل الصياغة النظريَّة.. أي تسبقها ثورة في المعرفة وطرق الفهم، وامتلاك أدوات النقد الجديدة، فكيف للنخب المشرقيَّة أن تصوغ رؤية للغرب؛ والغرب نفسه قد انتقل من نموذج إلى آخر، أي من برادايم إلى آخر؟ إنَّ العديد من هذه النخب تعيش فكراً حداثيَّاً بات تقليداً بالياً لدى الغرب الذي قام بإبداع ثورات جديدة على أساسها تمَّت صياغة ثورات إبداعية لنظريات جديدة.. لقد انتقل العالم من مرحلة الحداثة إلى ما بعد الحداثة، وزخرت الساحة برؤى نقديَّة للفكر الحداثيِّ الغربيِّ، وتهاوت نظريَّات وفلسفات وقوانين صاغت إدراكاتنا وعقولنا، وأصبحنا نعيش واقعاً مختلفاً على الصعيد العربيِّ وعلى الصعيد العالميِّ؛ الأمر يستلزم منهجاً جديداً وفكراً جديداً. ومن المسائل المهمة في هذا الأمر أن نبحث عن أرضيَّة مشتركة وصولاً إلى تفاهم وفهم جديد، هو فهم نقديٌّ لذواتنا قبل أن يكون لغيرنا.

في ظلِّ «علم الاستغراب» ستبقى هناك ثنائيَّة قابعة في الذهنيَّة العربيَّة، وستبقى العلاقة بين الأنا والغرب قائمة على التوتُّر، بين المركز والأطراف، حتى لو استطاعت الأنا التحوُّل من الأطراف إلى المركز؛ لكن عندما ننظر إلى الموضوع بفهم جديد يتحرَّر من هيمنة أُطر وأنماط فكر تقليديِّ غربيِّ أو موروث، وأن نفسِّره تفسيراً علميَّاً نقديَّاً يتيح لنا القضاء على الثنائيَّات، ثنائيَّة الأصالة والمعاصرة أو التوفيق بين الطرفين، أو صدام الحضارات، وصدام الذهنيَّات. صدام المركز والأطراف المهمَّشة.

لقد خرج علينا كتاب: «جغرافية الفكر:كيف يفكِّر الغربيُّون والآسيويُّون على نحو مختلف..ولماذا؟»، بموضوع يتحدَّى بديهيَّات مثل: إن جميع الناس يفكِّرون بطريقة واحدة في كلِّ أنحاء العالم، أو أن العقل قسمة مشتركة متساوية بين الجميع. إنه كتاب يبحث في الأصول الاجتماعيَّة للعقل: كيف يفكِّر الناس، بل وكيف ولماذا يختلفون في إدراكهم، وفي طريقة تفكيرهم، ويرى أن النظرة إلى العالم اختلفت بسبب اختلاف وتباين الهياكل الاجتماعيَّة والإيكولوجيَّات والفلسفات ونُظُم التعليم منذ آلاف السنين وحتى اليوم. هذا الكتاب خارطة توضح الفواصل بين الثقافات والرؤى أو المعرفة، وتكشف أن هناك عوالم لا عالماً واحداً، فكريَّاً وثقافيَّاً ومعرفيَّاً. ورغم أنه الكتاب حدَّد بعض الجسور بشأن الكيفيَّة التي يمكن بها للشرق والغرب أن يمضيا معاً في علاقات أفضل تأسيساً على فهم متبادل للفوارق الذهنيَّة، إلَّا أنه ترك ثغرة شاغرة منوطاً بنا نحن أن نملأها وهي كيف يفكِّر العربي؟

علينا أن نسأل أنفسنا: هل نقد الغرب يحقّق لنا التحرُّر من أسار الغرب؟ والدليل على ذلك أن مضمون «علم الاستغراب» موجود لدى الغرب أنفسهم، في العديد من الدراسات التي قامت بنقد الحداثة، والتنوير، وبحث القضايا التي تتعلَّق بنقد الفكر الفلسفيِّ، والواقع الثقافيِّ في الغرب دفاعاً عن التعدُّدية الثقافيَّة، وتنضيداً لعصر ما بعد الاستعمار، هناك العديد من الدراسات بأقلام غربيَّة، دراسات تتلمَّس الطرق للخلاص من الرواسب الاستعماريَّة، ومن آفات المركزيَّة الغربيَّة، ولم يحدث أن تحرَّرت الشعوب المهمَّشة من الهيمنة الغربيَّة!!

في المقابل، ألم تتعامل النخب المشرقيَّة، في المجالات الفكريَّة والسياسيَّة والاجتماعيَّة والشعبيَّة، في ما يقع على الفلسطينيين من ظلم وقهر وإبادة؟ ألم يتمّ توجيه النقد للغرب ليس فقط من خلال النخب المشرقيَّة؛ بل من خلال القادة السياسيين، ومن خلال المحافل الدوليَّة المعترف بها كمجلس الأمن والأمم المتحدة... وغيرهما؛ فهلاستطاعت القرارات الدوليَّة أن تكون مُلزِمة للغرب في مسألة نقل السفارة الأميركيَّة إلى القدس مثلاً؟.

إنَّ الأمر يتطلَّب ما هو أكبر من الرؤى التي تتمُّ صياغتها، يتطلَّب قوة تسند هذه الرؤى، وتستطيع تنفيذها. فلكي نستطيع التعامل مع الغرب لا بدَّ من أن نواجهه بالمنطق نفسه الذي يفهمه.. منطق القوة.. أن نكون أقوياء في كلِّ أمورنا، وفي جميع المجالات؛ الاقتصاديَّة والسياسيَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة..إلخ، حينها نستطيع أن ندرك الكيفيَّة التي نتعامل من خلالها مع الغرب، ومن ثم نستطيع أن نحدِّد العلاقة، ونعيد التوازن، ونقيم الحوار، فلا تكون العلاقة هي علاقة مركز بأطراف، علاقة أحاديَّة الطرف غير متبادلة، علاقة سيِّد بعبد، طرف يأمر وآخر يطيع.

* ألا ترون أن من المهمات المركزيَّة لـ «علم الاستغراب» هي إجراء نقد معمَّق لذهنيَّة الاستتباع الفكريِّ من جانب النخب العربية والإسلامية للغرب؟

 ـ  مما لا شكَّ فيه أنَّ الرؤية النقديَّة المعمَّقة هي من أخصِّ خصائص الفكر بصفة عامة في المجالات كافة، لأنها الخطوة الأولى والضروريَّة لبناء ونموِّ وتقدُّم هذا المجال؛ وبصفة خاصة في مجال الفكر الفلسفي. والرؤية النقدية لا تقتصر على نقد الآخر فحسب؛ بل تقتضي أيضًاً وبالضرورة نقد الذات أولاً، ومن أهمِّها نقد ذهنيَّة الاستتباع الفكريِّ للغرب. فمسألة الاستتباع هذه من المسائل الخطيرة التي تقضي على انحسار الذات وانحرافها عن واقعها، وقتل إبداعها وبتر جذورها سعياً وراء الغير لتأتمر بأمره، فتصبح مقيَّدة بحبائله لا تستطيع فضح هيمنته، وأشكال قهره، وتفكيك نماذجه، وممارساته الاستبداديَّة.

ورغم أن الجانب السلبيَّ يقتضي القضاء على السلبيَّات التي تعوق البناء الصحيح، إلَّا أنها خطوة تحتوي أيضًاً على نوع من التحدِّيد المعمَّق لمعنى الاستتباع الفكري للغرب؛ فهل هذا الاستتباع يعني تبنِّي المذاهب الغربيَّة؟ أم تبنِّي المناهج الغربيَّة؟ هل يعني التقليد أم المحاكاة؟ هل نتخلَّص من المنظار والأداة والآلة والوسيلة؟ أم من الموضوع والأهداف؟

وبعد التخلّص من الجانب السلبي، ما الذي يحلُّ محلَّه في ذهنيَّة النخب العربيَّة الإسلاميَّة؛ أعني بأيِّ منهج سيعالجون موضوعاتهم؟.

كيف نقوم بمهمة فضح الهيمنة وأشكال الظلم والقهر والقمع وتفكيك النماذج والممارسات الاستبداديَّة التي يمارسها الغرب علينا؟

من جانبي أقول: إن الحلَّ يكمن في إعادة البناء من الداخل أولاً، في استقلال الذات العربيَّة الإسلاميَّة، في الوعي الوطني الذي يستقل بنفسه فلا يحتاج لأيِّ آخر، سواء كان هذا الآخر هو التراث الماضي، أم الغربيّْ. الحل يبدأ من الداخل، من حلِّ مشكلاتنا بأساليبنا الخاصة، ألم يتمّ تدمير الساتر الترابي المسمَّى خط بارليف في حرب 1973 بفكرة بسيطة من أفكار مهندس مصري؟

* أيُّ المرجعيَّات الفكريَّة والفلسفيَّة التي تقترحون مطالعتها ـ سواء كانت عربية أم أجنبية ـ  ولا سيما منها تلك التي قاربت حقيقة الغرب بما فيها من محاسن وسلبيات؟

 ـ  هناك العديد من المرجعيَّات الفكريَّة والفلسفيَّة التي قاربت حقيقة الغرب، ومعظمها غربيَّة، وذلك لأن الغرب ينتقد ذاته باستمرار، ويتبنَّى منهج «التصويب الذاتي»؛ توخِّياً للحفاظ على مكانته، وتحقيقاً لأهدافه المنشودة. لذلك نجد لديه الفكر والفكر المضاد، النظريَّة والنظريَّة المنافسة لها، من النقد إلى الإبداع، ونقد النقد، وهكذا دواليك في حركة جدليَّة متجدِّدة.

وهذا شيء واضح وصريح لدينا نحن المعنيين بالفكر الفلسفيِّ، نقد معظم الاتِّجاهات الفكريَّة الفلسفيَّة الكبرى انبثقت من نقدها للسابقين والمعاصرين لها، ومعظم الفلاسفة الكبار بدأوا من نقد السابقين عليهم والمعاصرين لهم وهكذا.

فإذا نظرنا إلى المؤلَّفات الأجنبيَّة التي تمَّت ترجمتها إلى العربيَّة، نجد بينها:

 ـ «فخ العولمة؛ الاعتداء على الديمقراطية والرفاهية» لهانس ـ بيتر مارتين.

 ـ «المتلاعبون بالعقول» لهربرت شيلر.

 ـ «قصف العقول: الدعاية للحرب منذ العالم القديم حتى العصر النووي». لفيليب تايلور.

 ـ «الجغرافيا السياسية لعالمنا المعاصر؛ الاقتصاد العالمي، الدولة القومية، المحليات» لبيتر تيلور.

 ـ  جغرافية الفكر: كيف يفكِّر الغربيُّون والآسيويُّون على نحو مختلف..ولماذا؟. لريتشارد إي نيسبت.

 ـ «الجغرافيا الثقافيَّة، أهمِّية الجغرافيا في تفسير الظواهر الإنسانيَّة» لمايك كرانغ.

 ـ «اقتصاد يغدق فقراً، التحوُّل من دولة التكافل الاجتماعي إلى المجتمع المنقسم على نفسه» لهورست أفهيلد.

 ـ  «السيطرة الصامتة»: الرأسماليَّة العالميَّة وموت الديمقراطيَّة لنورينا هيرتس.

 ـ «منظور جديد للفقر والتفاوت»، تحرير: ستيفن بي جنكينز. جون مايكلرايت. 

 ـ «انهيار الرأسماليَّة: أسباب إخفاق اقتصاد السوق المحرَّرة من القيود» لأولريش شيفر.

 ـ «الحضارات في السياسة العالميَّة وجهات نظر جمعيَّة وتعدُّدية» لبيتر جي كاتزنشتاين.

 ـ «الغرب والإسلام: الدين والفكر السياسي في التاريخ العالمي» لأنتوني بلاك.

 ـ «نقض مركزيَّة المركز؛الفلسفة من أجل عالم متعدد الثقافات بعد ـ استعماري ونسوي». تحرير: أوما ناريان، ساندرا هاردنغ.

 ـ «السياسة الدينيَّة والدول العلمانيَّة مصر والهند والولايات المتحدة الأميركيَّة» لسكوت هيبارد.

 ـ «مشروع الديمقراطية التاريخ، الأزمة، الحركة» لديفيد غريبر.

 ـ «انتقام الجغرافيا ما الذي تخبرنا به الخرائط عن الصراعات المقبلة والحرب ضد المصير» لروبرت د. كابلان.

 ـ  لماذا يكذب القادة؟ حقيقة الكذب في السياسة الدوليَّة لجون جي وميرشيمر.

 ـ «صدام الحضارات، إعادة صنع النظام العالمي» لصامويل هنتنغتون.

 ـ «فكرة الاضمحلال في التاريخ الغربي» لآرثر هيرمان.

 ـ «السيد يسين، شبكة الحضارة المعرفيَّة، من المجتمع الواقعي إلى العالم الافتراضي».

* مَنْ مِن المفكِّرين الذين قرأتم لهم وساهموا في تقديم أفكار ومحاولات جدِّية في حقل التأسيس لعلم الاستغراب، وبالتالي ما هي الملاحظات والإشكاليَّات التي تطرحونها حيال هذه المساهمات؟

من المؤلَّفات العربيَّة الصريحة في ذلك: كتاب حسن حنفي: «مقدِّمة في علم الاستغراب». ومعظم المقالات التي كُتبت في مجلة «الاستغراب». والواقع أنَّ مكتباتنا زاخرة وعامرة بمئات الكتب والمؤلَّفات والترجمات والرسائل العلميَّة عن الغرب، هدفها نقل المعارف الغربيَّة إلى الفكر العربيِّ، والتعرُّف على الغرب

وفهمه، لكن ذلك لم يسهم في تغيير الواقع إلى ما هو أفضل!

نختم بالقول، كما سبق وذكرنا، أننا في حاجة إلى صياغة أُسس هذا العلم ما يتطلَّب جهود العديد من المفكِّرين والباحثين، والنخب الفكريَّة والأكاديميَّة في التخصُّصات المختلفة من فلسفة واجتماع وعلم نفس وسياسة واقتصاد وعلوم... إلخ، لأن موضوع الغرب ليس بسيطاً، ولا يمكن تنظيره من خلال تخصُّص واحد بعينه. إنه مستقبل أمَّة كبيرة.