البحث في...
عنوان الحوار
إسم المحاور
إسم مجري الحوار
المصدر
التاريخ
ملخص الحوار
نص الحوار
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

June / 3 / 2021  |  204للفكر الإسلامي منزلة تأسيسية في نهضة الغرب علماً وفلسفةً وعقيدةً

الحوار مع :د. نور الدين السافي
للفكر الإسلامي منزلة تأسيسية في نهضة الغرب علماً وفلسفةً وعقيدةً

يشكّل هذا الحوار مع أستاذ الفلسفة الحديثة في الجامعة،  الدكتور نور الدين السافي إحاطةً إجماليّةً بأهمّ المرتكزات التي قام عليها بنيان الحداثة ومعارفها الأساسيّة. غير أنّ ميزة المحاورة هي في مجراها التحليلي والنّقدي؛ حيث أظهرت الأسئلة والأجوبة مجموعةً من المعاثر التكوينيّة للفلسفة الحديثة، والتي جاءت استئنافًا مدرسيًّا للفلسفة اليونانيّة وتأثّرت بمبادئها التأسيسيّة، وخصوصًا لجهة التفسير المادي للكون، وما ترتّب على هذا التفسير من انفصالاتٍ مريعةٍ بين أبعاد الإنسان الروحيّة والماديّة.

وفي ما يلي وقائع الحوار:

«المحرّر»


* لو كان لنا أن نختصر البناء المعرفي لحركة العقل الفلسفي الغربي لوجدناه يدور ضمن ثلاث دوائر أساسيّة تترابط فيما بينها:

- دائرة الأنسنة، أي أنّ الإنسان وحده محور الكون والوجود.

- دائرة العقلانيّة، أي أنّ العقل هو أداة التوسّل الوحيدة للتعرّف على العالم.

- دائرة التاريخ، أي أنّ فهم حضور الإنسان في العالم ومصيره خاضع لقوانين الزّمان والمكان، أفلا تؤدّي هذه الدوائر الثلاث إلى إضفاء الشيئيّة على الوجود الإنساني وتجريده من بُعده المعنوي والروحاني، وبالتالي تحويله إلى مجرّد كائن كسائر الكائنات الأخرى؟

- المتأمّل في نهضة الفكر الفلسفي -في التجربة الغربية الحديثة- يُدرك دوافعها وغاياتها، ومن ثمّ يتفهّم طبيعة المناهج التي أبدعتها واتّبعتها والنتائج التي وصلت إليها. ولذلك لا يمكن أن نفهم طبيعة الفلسفة الغربية خارج هذا السّياق التاريخي الذي أنشأها. إنّ أوّل الدّوافع والعناصر المهمّة، التي وجّهت هذا الفكر الجديد الناشئ وقتها -أي القرن السابع عشر- هو مواجهة السّيطرة الكهنوتيّة للكنيسة الكاثوليكيّة، رغم أنّ هذه المواجهة بدأت قبل هذا القرن مع ظهور حركات الإصلاح الديني وتأسيس الكنيسة البروتستنتيّة وغيرها. ومع هذا بقيت الكنيسة فاعلة في المشهد السياسي والفكري علمًا وعقيدةً. ذلك أنّ البحث العلمي نفسه لم يتمكّن من الخروج من أسوار المبادئ العامّة والحدود التي وضعها الفكر الكنسي بما هو فكر سكولاستيكي (مدرساتي) يردّد الوجه الأرسطي البطليموسي للعلم والذي ضبط تصوّره للكون ونظامه وقوانينه ضبطًا نهائيًا لا يُمكن مراجعته ولا نقده. فكانت كلّ المحاولات النّقديّة التي قام بها الفلاسفة الجُدد تُواجه بالعنف الشديد: من قتلٍ وحرقٍ وغيرها. إنّ السّيطرة الكليّة للكنيسة لم تمنع العلماء الجدد من التفكير الجديد، ومن مواجهة القتل والحرق والصلب، ولم تمنع الفلاسفة الجُدد من الدّعوة إلى إعادة إرجاع الاعتبار لمنزلة الإنسان وقيمته في هذا الوجود باعتباره الكائن الوحيد المتميّز المسؤول على الطبيعة والمكلّف بالعبادة. فما دام الإنسان مكلّفًا بالعبادة فهو بالضرورة ليس كغيره من مخلوقات الله. وانطلاقا من هذا المبدأ، بدأ الفكر الغربي تأسيس فلسفته الحديثة وبناء الحداثة. ولا شكّ أنّ هذا البناء للحداثة الغربيّة لم يكن إنشاء من عدم، فتاريخ الفكر الإنساني يُفيدنا بالقيمة الكبرى التي حضي بها الفكر الإسلامي في نهضة العالم الغربي عقيدةً وعلمًا وفلسفةً، ولكن المجال لا يسمح باستعراض هذا الدّور الجوهري العظيم الذي أعاد بناء العقل الغربي. فالمدرسة الرشديّة فعلت ما استطاعت من أنوار، وهيّأت الغرب للتجديد الديني والفلسفي والعلمي، ولكن ليس ابن رشد فقط، فآثار فلسفة ابن سينا وعلمه والغزالي ونقده وشكّه ... وغيرهم كثير ترك بصمات كبرى نجد آثارها واضحة في تجارب الفلاسفة الجدد: بدأ مع صاحب الأرغانون الجديد بيكون، وصاحب حديث الطريقة ديكارت، وحامل المشروع النقدي كانط وغيرهم... نفهم من هذا لماذا أقام الفكر الغربي فلسفاته على سؤال الإنسان أو الذات وأقام مناهجه على أساس العقل، فنتج عن هذا أن طبعت الفلسفة الغربيّة نفسها بطابعي الإنسيّة والعقلانيّة. ولأنّ الأمر عندهم بُني على أساس عمليّةٍ نقديّةٍ لتاريخ الفكر الإنساني من جهة والفكر الكنسي من جهة أخرى، فإنّ العقل الغربي آمن بأنّ كلّ عملٍ إنسانيٍّ لا يمكن أن يتجاوز أو يتعالى على التّاريخ؛ لأنّ الإنسان ابن زمانه ومكانه، أي ابن عصره. بل إنّ الفلسفة وليدة عصرها أو هي عصرها ملخصًا في الفكر. وبما أنّ المنهج الفكري عندهم قائم على أساس عقلانيٍّ، فإنّه لا شيء يخرج عن قدرات العقل وإحاطته بما في ذلك عمل العقل نفسه الذي هو ابن التاريخ. أي إنّ حركة التاريخ نفسها ليست حركة عشوائيّة لا نظام يحكمها؛ لأنّ كلّ ظواهر الوجود محكومة بقوانينها التي تضبط حركتها، فلا شيء خارج القانون، وما العقلانية إلا تلك القدرة التي مُنحت للإنسان؛ لكشف هذه القوانين الطبيعية والإنسانيّة والتاريخيّة التي تحكم الوجود كلّه. فالماضي والحاضر والمستقبل ليس إلا ترجمة لسيرورة التّاريخ وقواه التي تحرّك وجهته وطبيعته. نحن إذًا أمام وجوه عديدة للفلسفة الغربيّة يمكن اختزالها في العناوين التالية» الوجه الذاتي الذي تُعبّر عنه فلسفات الذات بدءًا من الكوجيتو الديكارتي «أنا أفكر إذًا أنا موجود». والوجه الإنساني الذي يضعه كانط في مشروعه النّقدي ضمن سؤال: ما الإنسان؟ الذي يقول عنه إنّه السّؤال الذي تعود إليه جميع الأسئلة الأخرى، ويعني بذلك سؤال: ماذا يمكنني أن أعرف؟ (المعرفة)، وسؤاله ماذا يجب عليّ أن أفعل؟ (الأخلاق)، وسؤاله ماذا يحقّ لي آمل؟ (الدين). والوجه التاريخي الذي عبّرت عنه فلسفة هيغل لمّا أسّس فلسفة التّاريخ وقوانين جدل الرّوح التي تحكم كلّ فعلٍ عقليٍّ أو واقعيٍّ؛ لأنّ «كلّ ما هو عقلي واقعي وكلّ ما هو واقعي عقلي». يظهر لنا مما سبق أنّ الفلسفة الغربيّة منذ تأسيسها الحديث أكّدت على محاور ثلاثة مهمّة، وهي: الأنسنة، والعقلانيّة، والتاريخ. ولهذا أرى ضرورة الوقوف على هذه المعاني للنّظر في طبيعتها وعلاقاتها وأبعادها.

* غالبًا ما يتمّ الخلط بين مفهومين متداولين في الفكر الغربي المعاصر: الأنسية والإنسانوية، هل لكم أن تبيِّنوا لنا الفرق بينهما؟

- يُميّز لالاند بين النّزعة الإنسانيّة والإنسانويّة، وهو تمييز مهمّ للوقوف على حدّ اعتدال المفهوم والنّزعة، ولا شكّ أنّ استعمال مصطلح الإنسانويّة يكون غالبًا لبيان نزعة المبالغة والتّطرّف في المذهب. والأمر فعلا كذلك إذا علمنا أنّ الإنسانويّة حركةٌ فكريّةٌ يمثّلها إنسانيو النّهضة، وتتميّز بمجهود لرفع كرامة الفكر البشري وجعله جديرًا ذا قيمة، وذلك بوصل الثقافة الحديثة بالقديمة.... وهي حركة مدفوعة إلى أقاصيها المنطقيّة لا تنزع إلى شيء أقل من إلغاء الظاهرة المسيحيّة. وقد يكون شعار بروتاغوراس «الإنسان هو المقياس لكلّ شيء» العبارة الملائمة لهذه النّزعة باعتبارها ترى الإنسان مركز كلّ شيءٍ مستغن عن كلّ ما سواه، ونعني بما سواه خصوصًا كلّ ما هو مرتبط بالفكر الديني أو اللاهوتي بشكل خاص. «فالإنسانويّة هي واقعة الإدراك والإحاطة بأنّ المسألة الفلسفيّة تتعلّق بالكائنات البشريّة التي تبذل قصاراها في سبيل فهم العالم التجريبي البشري مع موارد الفكر البشري». وبهذا فإنّ هذه النّزعة ترفض كلّ بعدٍ ميتافيزيقيٍّ في الإنسان أو في الحياة الإنسانيّة. ولعلّ هذه المبالغة في هذا التّصوّر هي التي دعت «شيلر» يميّز مذهبه الإنساني عن المذهب الإنسانوي لمّا قال: «إنّ مذهبي الإنساني لا يتعلّق إلّا بمنطق المعرفة ونظرياتها. فهو يتعارض مع المطلقية والطبيعانية، لكنّه لا يتعارض مع الربوبية». وفي هذا تمييز واضح لمعنى الإنسانيّة الذي أقرّه شيلر والمنافي للنّزعة الإنسانويّة، ولعلّ النّقطة الفاصلة بين المصطلحين والموقفين يتمثّل في موقف كلّ منهما من المطلق والربوبيّة. فالنّزعة الإنسانويّة تقصي كلّ علاقة بالربوبيّة بينما النّزعة الإنسانيّة وإن كانت تؤمن بدور الإنسان المعرفي والعلمي ومسؤوليّته الكبرى في الوجود إلّا أنّها تُحافظ على جوهر الصّلة بين الإنساني والربوبي؛ إذ لا يمكن قطع الصّلة بين الإنسان والإله. ولمّا ندقّق النّظر في معنى الإنسانيّة (humanite) نجدها مغايرة فعلًا للموقف الإنسانوي. إنّ الإنسانيّة هي مجموعة المزايا التي يشترك فيها الناس كافة ومنها الحياة الحيوانيّة. أو هي جملة السّمات المكوّنة للتباين النّوعي الخاص بالجنس البشري، وقد تطلق على البشر الذين أسهموا إسهامًا فعليًا في الإنماء البشري للمزايا الإنسانيّة حقًا. فالإنسانيّة هي الوجود الأعظم.

نستنتج ممّا تقدّم أنّ الفلسفة الغربيّة التي انطلقت من موقفٍ معارضٍ ومعادٍ للفكر اللّاهوتي الكنسي الكاثوليكي، الذي أثقل كاهل البشريّة في القرون الوسطى، أسّس نزعة إنسانيّة لا شكّ فيها استعاد فيها شعار سقراط القديم «أيّها الإنسان اعرف نفسك»، وأعاد كانط صياغته في سؤاله «ما الإنسان؟» مؤسّسًا للأنثروبولوجيا الفلسفيّة مؤكّدًا الكوجيتو الديكارتي المؤسّس للحداثة، والذي جعل الذات الإنسانية أي الأنا أفكر بما هي جوهر روحاني قادر على بناء المعرفة وبلوغ اليقين. وجعل لهذا اليقين ضامنًا لا شكّ في وجوده وقدراته المطلقة وأعني بذلك الوجود الإلهي بما هو ضامن للمعرفة التي يصل إليها الكوجيتو. فبقيت الميتافيزيقا الديكارتيّة جذور الشجرة الفلسفية التي أرادها ديكارت. ورغم تعدّد أشكال النّقد الذي خضعت له الديكارتيّة، فإنّ مفهوم الذات الإنسانية بقي قائمًا كقوّة أساسيّة للمعرفة ومفهوم الله بقي قائمًا كأفق للإنسان لا يمكن تجاوزه. فالنّزعة الإنسانيّة لم تكن مناهضةً للوجود الإلهي، بل كانت تفرضه وتشرّع له. ورغم أنّ نقديّة كانط كانت جذريّة وعميقة في إعادة النّظر في المعرفة البشريّة وحدود هذه المعرفة، فإنّ كانط اضطرّ في الأخير للإقرار بأهميّة الإيمان بالله والدين إلى جانب فعاليات العقل النظري. لقد ضيّق من مجال الفلسفة ليضع مجالًا للإيمان. فالمعرفة إنسانيّة خالصة، ولكن هذا الإيمان بقدرات الإنسان المعرفيّة، إلا أنّ هذا الإيمان يجب ألّا يتجاوز حدوده؛ ليبقى الدين ضرورة إنسانيّة أي لا تتناقض مع منزلة الإنسان ومركزيّته في الوجود. وإذا كانت النّزعة الإنسانيّة الثائرة على اللّاهوت المسيحي، وخاصّة النّزعة الكهنوتيّة التي سادت القرون الوسطى وما تبعها من محاكم تفتيش ومحاكمات وقتل وحرق وصلب للعلماء والفلاسفة المجدّدين، فإنّ رد الفعل الغربي تجاه هذا الأمر لم يكن معتدلًا دومًا، بل عرف مبالغات كبرى جعلته يتجاوز مفهوم الأنسنة أو الإنسانية إلى مفهوم الإنسانوية الذي ضبطنا معناه سابقًا. فالمبالغة في الإيمان بدور الإنسان ومركزيّته جعل النّزعة الإنسانويّة تؤلّه إنتاجات الإنسان وتعبدها، بل ألهت الإنسان نفسه. ولهذا فإنّ الفلسفة الغربية ستنتبه إلى هذه المبالغة التي تبرّأ منها شيل. من خلال هذا التحليل يبدو أنّ الفلسفة الغربيّة على وعيٍ تامٍّ بالتّحوّل الذي أحدثته في الفكر البشري علمًا وفلسفةً وفنًّا ودينًا... وعلى وعي بالقيمة الكبرى والمركزيّة التي منحتها للإنسان بوصفه العاقل المتميّز والعارف المسؤول في هذا العالم، والواعية أيضًا بالمبالغات التي سقطت فيها لما ألهت الإنسان وأقصت العلاقة المقدّسة والتاريخيّة بين الإنسان والألوهية. وهو ما سيكون موضوع نقدٍ عميقٍ في الفلسفة الغربية نفسها أي مع الحداثة نفسها وما بعد الحداثة.

نستنتج من هذا أنّ النّزعة الإنسانيّة تؤمن بأنّ الإنسان محور الكون باعتباره الذات العارفة القادرة على بناء المعنى وتأسيس الحقيقة، وأنّ هذه القدرة خاصيّة بشريّة ولا نجدها عند سواه. وبما أنّ الأمر كذلك فالحقيقة إنسانيّة خالصة. ومع ذلك آمنت الفلسفة الإنسانيّة بمحدوديّة هذه المعرفة، ومنحت للإيمان مكانًا متميّزًا مع كانط والفلسفة الألمانيّة بشكل عام إلى درجة أنّ فلسفة هيغل صرّحت بأنّ «الدين والفلسفة مشتركان في موضوع يتمثّل فيما هو حقّ بذاته ولذاته -الإله من حيث هو وجود لذاته وبذاته والإنسان في علاقته به- فقد أفصح الناس في الأديان عن الوعي الذي لديهم بالموضوع الأسمى. فالأديان هي إذًا أرقى إنجاز للعقل».

* مثلما حصل الالتباس بين الإنسيّة والإنسانويّة، كذلك وقع الاضطراب في استخدام مفهوم العقلانيّة والنّزعة العقلانيّة في مجرى التّداول، ما العلاقة بينهما وماذا نعني بالنّزعة العقلانيّة كمفهوم وتجربة تاريخيّة؟

- كما سبق وبيّنّا فإنّ النّهضة الفلسفيّة الغربيّة الحديثة حكمتها نزعة إنسانيّة ووجهتها لتأكيد دور الإنسان ومركزيّته في العالم للقضاء على السلطان الكهنوتي المسيحي الكاثوليكي بالخصوص. غير أنّ هذه النّزعة الإنسانيّة سرعان ما سقطت في فخّ النّزعة الإنسانويّة المتطرّفة التي ألغت كلّ بُعدٍ في العالم غير البُعد الإنساني، وجعلت الإنسان إلهًا جديدًا يثق ثقةً عمياء في منطقه وعلمه وإنتاجاته، وهو ما نجده في المدارس العلمويّة والوضعيّة بالخصوص بجميع توجهاتها.

بنت هذه النّزعة توجّهها الفلسفي على فكرة الذات، كما عبّر على ذلك أب الفلسفة الحديثة ديكارت أي الكوجيتو. وهذه الذات صمّمت لنفسها منهجًا في التفكير سمّاها ديكارت بقواعد المنهج، التي استقاها من المنهج الرياضي، فصار التفكير العقلي رياضيًا من حيث المنهج، ولهذا السبب صار يُسمّى عقلانيًا. والمرور من النّزعة العقليّة في الفلسفة إلى النّزعة العقلانيّة يكون عن طريق حصر عمليّة التفكير العقلي في دائرة العقل الحسابي، وصرنا نعرف العقل منذ ذلك التاريخ بالعقل الحسابي، وفكّر تعني حسب وهو المعنى الحديث لكلمة راسية اللاتينية (Ratio) التي تعني حسب. فالعقلانيّة الحديثة ليست نزعةً عقليّةً في التفكير فحسب، ولكنّها نزعة في التفكير العقلي أقصت مهارات العقل جميعًا وأبقت على ما هو حسابي فقط، وصار بذلك المنهج الرياضي هو المنهج العلمي بامتياز، بل والمنهج الفلسفي الأوّل وهو ما سيتأكّد تاريخيًا مع تطوّر العلوم والفلسفات بل والتقنيات التي تمكّنت أخيرًا من صناعة هذا العقل الحسابي والذكاء الاصطناعي. فكلّ ما هو خاضه للمنهج الرياضي يكون علمًا موثوقًا به وتفكيرًا يمكن اعتماده. لا شكّ أنّ التفكير الحسابي أي العقلانيّة الحديثة أثبتت نجاعتها في تفسير الظواهر الكونيّة والإنسانيّة ومكّنت الإنسان بأدوات القوّة والنّفوذ والسيطرة على الطبيعة وعلى الإنسان، ولكنّها مع هذا النّجاح العلمي والتكنولوجي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي أنهكت إنسانيّة الإنسان داخل دائرة الأنظمة الرياضيّة الحسابية؛ لأنّ الإنسان بهذا الموقف صار أداة للسيطرة والنفوذ بعدما كان الإنسان يحمل في ذاته المكانة العالية والغاية القصوى لكلّ شيء. لقد استغلّت العقلانيّة الحديثة والمعاصرة إنسانيّة الإنسان؛ بسبب هيمنة هذا العقل الأدائي الذي أنكر كلّ قوى الإبداع العقليّة الأخرى، أي العمق الرّوحي للإنسان والتأمّلي والتفكري. ليس الإنسان إلا آلة حاسبة تسعى إلى تحقيق أهداف استهلاكيّة ماديّة خالصة. وهذه هي العقلانيّة التي انحرفت بالنّزعة الإنسانيّة المؤمنة بقيمة الإنسان وتَميّزه في الوجود لتقع في النّزعة الإنسانويّة التي أهملت أبعاد الإنسان غير الحسابيّة أي الأبعاد الرّوحيّة مثلا بل واعتبرت كلّ تفكير أو جملة أو عبارة لا يمكن التّحقّق منها تجريبيًا أو رياضيًا جملة فاقدة لكلّ منها وبهذا تضرب هذه النّزعة العقلانيّة المغالية كلّ أشكال الميتافيزيقا الإنسانيّة، التي تفتح آفاق الوجود الإنساني وتحرّره من أداتيّة العقل الحسابي أو المنطقي الخالص. ولتجعل من هذا الإنسان في الأخير مجرّد أداة تعبث به مؤسّسات السلطة الاقتصاديّة والسياسيّة أي السلط المادية التي منعت كلّ رؤية أخرى للإنسان. إنّه الإنسان ذو البُعد الواحد كما يقول هربرت ماركوز. وللوقوف على شرّ هذه العقلانيّة رغم جدواها العمليّة المواقف النّقديّة يمكن أن ننتبه إلى بعض الفلسفات الغربيّة المعاصرة، وخاصّة إلى النّقد الذي أقامته فلسفة برغسون المنادية بإحياء البُعد الرّوحي في الإنسان؛ لأنّ جسد الإنسان قد تضخّم وصار خطرًا لا يمكن مقاومته ولا التحكم فيه إلا بتقوية البُعد الروحي في الإنسان. ولذلك فإنّ الميكانيكا تستدعي التّصوّف ضرورة. أو النقد الذي أنجزه نيتشة لمّا أطاح بالأصنام الغربية وخاصّة صنم العقل الذي جعلته آلهة لا يمكن ردها بغاية السيطرة على الطبيعة بما في ذلك السيطرة على الإنسان واستعباده من جديد باسم العقلانيّة والحقيقة العلميّة والغايات المصلحيّة والنّفعيّة والنّجاعة الماديّة وغيرها من القيم الجديدة التي استبعدت مفهومي الخير والشر من قائمة القيم الجديدة.

* مع الفكر الغربي المتأخّر ولا سيّما مع هيغل ومن تلاه دخل مفهوم التّاريخ كعاملٍ تكوينيٍّ في الفلسفة الحديثة ومعارفها، إلّا أنّه أخذ مساحة واسعة من السّجال وخصوصًا حول التفسير المادي للتاريخ البشري بمعزلٍ عن الجانب الروحي والديني، كيف ترون إلى هذا المفهوم؟

- لقد مثّل مفهوم التاريخ تحوّلاً كبيرًا في تاريخ الفهم البشري وتعقّله للوجود والحياة. لقد أدرك الإنسان منذ لحظات وجوده الأولى أنّه كائن زمانيّ مكانيّ لا يُمكن له الخروج عنهما، بل هما إطار الحياة والموت. إنّ الوعي بهذا الإطار هو الذي حكم نظريات المعرفة عمومًا في تاريخ الفلسفة ووجهها. وعلى الرّغم من أنّ النّظريات الفلسفيّة القديمة والإسلاميّة خصوصًا كانت مدركة لقيمة التّاريخ هذه فإنّها مع ذلك أبدعت لنا تصوّرات فلسفيّة وفكريّة أظهرت فيها قدرات خلّاقة للإنسان بكونه الكائن الأحقّ بإعمار الأرض والخلافة فيها؛ لأنّه يحمل قوّة معانقة المطلق والولوج في أسراره وأعماقه. فإنّ الفلسفة الغربيّة المؤمنة بالبُعد التّاريخي حكمت على نفسها بالحركة الضيّقة داخل أسواره وصارت أسيرة للزمان والمكان، غير قادرةٍ على تصوّر أيّ أمر يتجاوزهما، فأنكرت المطلق والوحي والروح وغيرها من الأبعاد الإنسانيّة الأخرى؛ بسبب تعصّبها للعقلانيّة الحسابيّة الأدائيّة التي نصّبت المادة فضاء ونهاية للحياة الإنسانيّة. صحيح حاولت فلسفات التاريخ خاصّة مع هيغل التحرّر من ضيق التاريخ المادي لتقحمه في تجربةٍ عقليةٍ كبرى مع المطلق والرّوح، إلّا أّنّ الهيغليّة هذه لم تصمد أمام الفلسفات الوضعيّة التي أطاحت بكلّ إطلاقيّة غير إطلاقيّة العلم. وأنكرت كلّ بُعدٍ ميتافيزيقيٍ وروحيٍ ودينيٍ، بل صارت هذه الأبعاد أوهامًا قديمة يجب التّخلّص منها؛ لأنّها تنتمي لعهد ما قبل الوضعيّة والمدنيّة الحديثة.

من خلال ما سبق نُدرك أنّ الفلسفة الغربيّة رغم الانتصارات الفكريّة التي حقّقتها فإنّ ضيق أفقها كان معلومًا حتى عند نقّادها الغربيين أنفسهم. فالنّزعة الإنسانويّة والتاريخانيّة، والتّطرّف في الدّفاع على العقلانيّة هو الذي جعل الأنوار الغربيّة تنطفئ؛ لتصنع ظلامًا إنسانيًا حالكًا نرى حضوره في جميع أشكال الاستبداد الإيديولوجي من جهة والاستعباد الاقتصادي والسياسي الذي عرفه العالم الغربي ومارسه بكلّ وحشيّة، وهو المنادي بالمدنيّة لمّا قضى على الهنود الحمر ليبني أميركا، واستعبد الأفارقة ليبني مجده السياسي والعسكري، واستعمر العالم ليحوّله إلى أداة طيّعة لخدمة مصالحه الاقتصادية والسياسية. إنّ عقلانيّة الغرب الحديث وإن رفعت شعار الأنوار والإنسانية إلا أنّ واقعها الحالي أنّها أطفأت أنوار الإنسانيّة واستعبدت الإنسان وقضت عليه لمّا أبعدت عن الإنسانيّة أبعاد المطلق الروحي فيها، وإذا بالأنوار الغربية التي رفعت شعارها للوقوف أمام استبداد الكنيسة صارت هي نفسها المستبد الأوّل على وجود الإنسان نفسه أي إنسانية الإنسان. ولهذا وجب على الباحث في الفكر الغربي أو أيّ فكر إنساني آخر أن يحسن التمييز بين الفكر الفلسفي بما هو علم يهدف إلى طلب الكلي محبّة في الحكمة، وفي هذا تشترك جميع الفلسفات بما في ذلك الفلسفة الإسلامية. وبين الفكر الإيديولوجي العقدي الضيّق الذي يعبّر عن مصالح طبقية أو طائفية سياسيّة ودينيّة واقتصاديّة.... وللأسف فإن توافقت البشريّة في طلب الحكمة وتطوير النّظر فيها وتعميقه فإنّها تختلف في الإيديولوجي والعقدي. وهذا ما يغلب على الفكر العالمي اليوم شرقًا وغربًا. تراجع الفلسفي لصالح الإيديولوجي والعقدي. ولعلّ مهمّة الفلسفة اليوم إنقاذ نفسها من مزالق الإيديولوجيا التي قتلت الإنسان واستعبدته لتعود الفلسفة البصر في الحق والخير والجمال كما يقول أفلاطون طلبًا للخير الأسمى أو المعلوم الأسمى، كما يقول أرسطو عبادة لله كما يقول هيغل.... وهو ما يقوله الفلاسفة المسلمون أيضًا.

* من النقّاد من يرى أنّ النَّسَبِ التاريخي بين اليونان والغرب الحديث كان سببًا مورثًا للتشاؤم. وذلك عائد إلى الفكرة التي سادت الغالبة عند الإغريق والقائلة إنّ الإنسان متروكٌ لحاله في هذا العالم، وعليه أن يتدبّر أمره بنفسه.. كيف تبدو لكم هذه الفكرة وكيف تظهر شواهدها في مجتمعات الحداثة في الغرب المعاصر؟

- لا شكّ أنّ مصطلح الغرب في ذاته يحتاج إلى فهم وتحليل، هل هو غرب بالمعنى الجغرافي أم الثقافي والحضاري؟ ومع ذلك فإنّ المعنى الأقرب إلى الواقع التاريخي أنّ الغرب اسم يُطلق على شعوب متتاليةٍ ومتعاقبةٍ بدءًا باليونان ثم الرُّومان وصولًا إلى عصر النّهضة الأوروبيّة وجمع بينهم المذهبيّة الدّينيّة مع الكنيسة الكاثوليكية، التي بقيت رمزًا للمسيحيّة الغربية والأرثوذكسية رمزًا للمسيحيّة الشّرقيّة أو روما وبيزنطة. وما يعنينا في هذا السياق أنّ الفكر الغربي يربط جذوره الأولى باليونان وحضارته. وبقطع النّظر عن نسب اليونان الحضاري وصلته بالأمم الشّرقيّة وحضارتها التي سبقت الغرب بقرون عديدة جدًا، فإنّ الحضارة اليونانيّة تبدو للناظرين الدارسين حضارة متميّزة؛ لكونها تمكّنت من بناء العلم والفلسفة على أسسٍ عقليّةٍ نظريةٍ سليمةٍ. وكان التأسيس الإغريقي للعلم والفلسفة بمثابة التحوّل النّوعي الذي عرفته شعوب العالم أثّر حتى على الشعوب الإسلاميّة وحضارتهم. إنّ ربط الغرب اليوم باليوناني له ما يُبرّره. أو لنقل إنّ الواقع الثّقافي الغربي اليوم يُعتبر الوريث الحقيقي للإرث الاغريقي الذي تمّ إحياؤه من جديد زمان عصر النهضة، رغم أنّ الغرب لم ينسَ ارتباطه باليونان؛ ذلك أنّ الثقافة العلميّة في العصر الوسيط كانت ثقافة يونانية النّسب أيضًا، رغم تدخّل الفكر الإسلامي أيضًا للمساهمة في بناء النهضة الغربية الحديثة. فالغرب وريث الإغريق من جهة، ولكنّه وريث المسلمين أيضًا الذين ورثوا الفلسفة اليونانيّة قبلهم واستعملوها وطوروها وناقشوها.... فأوّل الأفلاطونيين والمشّائين وغيرهم كانوا مسلمين قبل أن تتحوّل الفلسفة إلى الغرب ليواصلوا الرحلة.

أمّا القول بأنّ الفكر الغربي محكومٌ بفكرةٍ يونانيّةٍ قديمةٍ تعتبر الإنسان متروكًا لحاله في هذا العالم، وعليه أن يتدبّر أمره بنفسه قول بحاجة إلى نظر وتحقّق. إنّ الفكر الإغريقي ليس فكرًا منسجمًا محكومًا بفكرةٍ واحدةٍ أو توجّه واحد ويمكن أن نميّز على الأقل بين نمطين من الوجود الفكري عندهم، وهما أصحاب المدارس والأنساق الكبرى بدءًا من سقراط وأفلاطون وأرسطو ويمكن أن نضيف إليهم المدرسة الرواقية. وأصحاب المدارس الأخرى التي يمكن أن أعتبرها هامشيّة أو لم يكن لها تأثير كبير وبليغ على توجيه الفكر الإغريقي عمومًا رغم قيمتهم الفلسفية التي يحملونها من قبيل الأبيقورية والكلبية والريبية وغيرها. وهذان النمطان من التفلسف يعود في مجموعه إلى الفلسفة ما قبل سقراط بدءًا من طاليس والفلسفة الطبيعية عمومًا مرورًا بالفيثاغورية والسفسطائيّة وغيرها. ولمّا ندرس هذا التّنوّع الفكري اليوناني لا نستطيع الجزم بالفكرة السابقة القائلة بعبثيّة الوجود الإنساني أو أنّ الإنسان كائن معزول في هذا العالم محكوم بالتشاؤم والعدمية؛ لأنّ الأنساق الكبرى بدءًا من سقراط وأفلاطون وأرسطو لا نجد عندهم هذه الفكرة، بل نجد عكس ذلك تمامًا أي الإيمان بغائيّة الوجود عمومًا والوجود الإنساني خصوصًا. الأمر الذي جعل فلاسفة الإسلام شديدي التّأثّر بهاتين المدرستين أفلاطون وأرسطو. فالوجود محكم الصنع وقوانينه تسير وفق معنى لا تخرج عنه، وهو مثال الخير عند أفلاطون، وهو مثل المثل وهو أصل الوجود وأصل المعرفة، أو القول بالمحرّك الأوّل الذي لا يتحرّك، والذي بحكم هذه الصفة يتّجه العالم كلّه إليه عشقًا سعيًا إلى الاكتمال والتمام. ونجد في سياقات عديدة في المحاورات الأفلاطونيّة أدلّة تقرّ بقيمة الوحي الإلهي وأهمّيته في بناء المعرفة وقيمة الفضيلة والخير وقيمة الموت وخلود النّفس وغيرها.... إنّ الفكر اليوناني في هذا السياق لا يمكن أن ننسب إليه هذه الشبهة القائلة بعبثيّة الوجود الإنساني. لكن إن انطلقنا من أعمال السفسطائيين ثم المدرسة الريبية وبعض المدارس الأخرى مثل الكلبيين والأبيقوريين، فقد نجد بعض ملامح هذه الفكرة. وفي جميع الأحوال أرى أنّ القول بعبثيّة الوجود الإنساني وعدميته وأنّه متروك لوحده في هذا العالم فكرةٌ ناشئةٌ عن تجربةٍ غربيةٍ حديثةٍ ومعاصرةٍ رغم وجود بعض البذور القديمة لها. وهي تجربةٌ نشأت من أمرين اثنين هما أوّلًا: الطابع العقلاني للعقل الغربي الذي اختزل التفكير في معنى التفكير الحسابي واختزل المعرفة في المعرفة العقليّة بنوعيها الصّوريّة والتجريبيّة، وهو الأمر الذي أنشأ الثورة العلميّة العارمة، التي لا زلنا نعيش فعلها وجبروتها، فأقصت كلّ شكلٍ عقليٍّ آخر غير العقل العلمي. وصار العقل أداةً والعلم لاهوتًا جديدًا أنتج ثورةً صناعيّةً ضخّمت الجسد وأمدّته بالقوّة الكافية للفعل في الطبيعة ما يشاء. وثانيًا: الاقتصاد السياسي الرأسمالي الليبرالي القائم على مبدأ «دعه يعمل دعه يمر» الذي أنشأ القوّة السياسيّة الضارية سلطة مدنيّة وعسكريّة تستعمل كلّ أدوات القوّة العلميّة والتكنولوجيّة؛ للسيطرة على العالم لغايات نفعيّة اقتصاديّة في جوهرها. وهذا أدّى إلى المدّ الاستعماري الهائل والصراع الاقتصادي والسياسي الذي أفضى إلى حربين كونيّتين أنتجت مواقف عدميّة من الإنسان جسّمتها تيّارات الوضعيّة والوجوديّة الملحدة وغيرها من التيّارات الفكريّة المعلنة عن حالة اليأس من الإنسان الذي قُذف في هذا الوجود ليصنع ماهيّته ومصيره؛ لأنّ وجوده الأصلي وجود بلا معنى. ولا تزال هذه النّزعات التشاؤميّة والعبثيّة والعدميّة تملأ الفكر الغربي الذي أدرك خواء حضارته رغم القوّة الماديّة التي يحملها. بل إنّ الشعوب الغربيّة نفسها صارت تبحث عن معنى جديد لوجودها ينقذها من شرّ ما وقعوا فيه. ونجد أثر هذا السعي الجديد في الطوائف الدينيّة الجديدة المسيحيّة منها وغير المسيحيّة مثل تمدّد الرّوح البوذيّة في أوروبا. نستنتج من هذا أنّ وجهًا من وجوه الحداثة الغربيّة انتهى فعلًا إلى هذا الموقف السلبي للإنسان، والذي نجد أثره الواقعي في جميع المجالات الإنسانيّة علمًا وتقنيّةً وفلسفةً وفنًّا وحروبًا وصراعاتٍ بلا فضائل تحكمها ولا غايات إنسانيّة توجّهها. إنّ مادية التّصوّر الحداثي للوجود والإنسان بلغ أقصاه فسقط في فخّ العدميّة التي حذّر منها فلاسفة أخرون وحاربوها.

* من المؤرّخين لتطوّرات الفكر الفلسفي الغربي من رأى أنّ التاريخ الغربي لم يكن مسيرةً مظفرةً نحو النور والسعادة، بل هو بخلاف ذلك تمامًا، فلقد تخلّل ذلك التاريخ انحدار أساسي منذ ما قبل سقراط إلى زماننا الحالي. ودليلهم على قولهم أنّه كان كلّما ازدادت محاولة الإنسان الاستغراق في عالمه الاستهلاكي وإنجازاته التقنيّة، ازداد نسيانه ما هو جوهري وأصيل في الوجود. وهكذا كان التاريخ الغربي انحدارًا مما هو جوهري نحو دنيا الممكنات. ما رأيكم بهذه الفرضيّة وكيف تعلّقون عليها؟

- الحديث عن التاريخ الغربي يُثير معه إشكالاتٍ عديدةٍ علميّة وإيديولوجيّة. ولمّا يخبرنا السؤال بأنّ تطوّرات الفكر الفلسفي الغربي لم تكن موفّقة ولم تحقّق للإنسان السعادة التي كان يرنو إليها، بل على العكس من ذلك مثلت الفلسفة الغربية انحدارًا كبيرًا بإنسانيّة الإنسان..... لمّا يخبرنا السؤال عن هذا الأمر نجد أنفسنا نحن المفكرين المسلمين في ورطة أيضًا. ذلك أنّ تاريخ الفلسفة الغربية من قبل سقراط إلى الآن لم يكن مستقلًا بذاته ويعيش في جزيرة منفصلة عن العالمين؛ لأنّ الفكر الإسلامي بمختلف مظاهره وأبعاده بما في ذلك البُعد الفلسفي يمثّل ركنًا ركينًا ومكوّنًا مهمًا من مكوّنات الفلسفة الغربية التي لم تظهر ولم تتأسس إلا بعد وصول الأنوار الإسلامية إلى العالم الغربي. فتعرّفَ الغربُ من خلال المسلمين على الفكر اليوناني أوّلًا، وتعرّفوا على شروحات المسلمين له ثانيًا، وتعرّفوا على الفلسفة الإسلامية بمختلف مدارسها ثالثًا. أي إنّ الفكر الغربي في حقيقته لا يمثّل امتدادًا للفلسفة اليونانيّة فقط، وإنّما يُمثّل امتدادًا للفلسفة الإسلاميّة أيضًا. فالبشريّة مشتركة تصنع مجد الإنسان وحضارته، ومن الخطأ القول إنّ الفكر الغربي الحديث انتهى إلى العدميّة منذ الفلسفة اليونانيّة بدءًا بالفلاسفة الأوائل ما قبل سقراط، وننسى أنّ الفكر اليوناني هذا نفسه مثّل لبنةً أساسيّةً في الفكر الإسلامي أيضًا ومن أهمّ مصادره التي استعملها المسلمون وتعاملوا معها تعلّمًا وتطويرًا. فهل عرف المسلمون انحدارًا فكريًا أيضًا بسبب وجود الفكر اليوناني فيه؟ إنّ الأمر نفسه يجب أن يصحّ على الفكر الإسلامي أيضًا وقبل الفكر الغربي. وإذا عرفنا أنّ الفكر الغربي ليس امتدادًا للفلسفة اليونانية فقط، وإنّما هو امتداد أيضًا للفلسفة الإسلاميّة أيضًا التي علّمت الغرب الفكر اليوناني وأوصلته إليه، وعلّمته جميع الإبداعات الإسلاميّة أيضًا. فهذا يعني أنّ الفكر الغربي لا يمكن أن يُمثّل انحدارًا للفكر إلّا إذا سلّمنا أنّ المسلمين قبله قد عاشوا الانحدار نفسه؛ لأنّ التراكم الثقافي والحضاري لا ينكره أيّ خبير عليم. 

أرى أنّ نقد ما آلت إليه الحضارة الغربيّة في عصرنا الحاضر من انحراف عن جوهر الإنسان يعود لا إلى النّسب اليوناني للفكر الغربي، ولا إلى الأنوار الغربية ونهضتها التي قامت على أساس الأنوار الإسلامية التي سبقتها، وإنّما يعود ذلك إلى أمور أخرى وجب إظهارها وبيانها. ولتحقيق ذلك أعيد التذكير بأطروحة السؤال: «كلّما ازدادت محاولة الإنسان الاستغراق في عالمه الاستهلاكي وإنجازاته التقنيّة، ازداد نسيانه ما هو جوهري وأصيل في الوجود: هذا القول يضع الإصبع على الدّاء وعلى سببه، وهو أنّ الحضارة بوجهٍ عامٍ كلّما اتّجهت إلى الجانب الاستهلاكي انحدرت وهلكت، وهو فعلًا ما هو عليه الواقع الغربي في تصوّراته الفكريّة وفي ممارساته وقيمه الفعليّة، وهي حالة كان ابن خلدون قد حلّلها واعتبرها قانونًا من قوانين تاريخ الحضارات. يرى ابن خلدون في المقدمة الفصل الثامن عشر:» والحضارة كما علمت هي التّفنّن في التّرف واستجادة أحواله والكلف بالصّنائع الّتي تؤنّق من أصنافه وسائر فنونه من الصّنائع المهيّئة للمطابخ أو الملابس أو المباني أو الفرش أو الآنية ولسائر أحوال المنزل». «وإذا بلغ التّأنّق في هذه الأحوال المنزليّة الغاية تبعه طاعة الشّهوات فتتلوّن النّفس من تلك العوائد بألوان كثيرة لا يستقيم حالها معها في دينها ولا دنياها». فحسب ابن خلدون أنّ الحضارة مؤذنة بفساد العمران؛ لأّنّ الحضارة تتّجه غالبًا وجهة ماديّة خالصة فينحرف الإنسان عن مبادئه الأولى وقيمه الكليّة ويستبدلها بقيمٍ استهلاكيّة تحكم على الإنسان بالغربة عن نفسه وعن واقعه. وهذا القانون الخلدوني صحّ على حضارة المسلمين وفكرهم لما انحرفوا عن قيمهم الكلية والجوهرية فسقطت حضارتهم ولا يزالون يعانون تبعات هذا السقوط إلى الآن. وها هو الغرب نفسه نلاحظ سقوطه أيضًا، وكأنّ الزمن اليوم يستعدّ لأفول الحضارة الغربيّة، وستزداد سرعة الانحدار والسقوط مع تفاقم هذا الانحراف القيمي الذي يرى الإنسان أداةً بعدما كان غاية، وينظر إلى الوجود من خلال امتداده وبعده المادي الخالص، ففصل الوجود الإنساني عن علاقاته الوجوديّة الكليّة وخصوصًا الوجود الإنساني الذي مثّل مع الأنوار الإسلامية والغربية أيضًا الأساس الميتافيزيقي الأوّل الذي تنبني عليه إنسانيّة الإنسان ووجوده. وقد نجح الفيلسوف الفرنسي برغسون في تحليل هذا الانحدار الغربي وفسّره تفسيرًا بليغًا لمّا بيّن أنّ الجسد الغربي قد تضخّم بسبب تضخّم التقنيات ومظاهر المادية، في مقابل تقلص الوجود الروحي الذي أضحى شبه منعدم. وهذا التضخّم للجسد المادي يفسّر التهافت القيمي أخلاقًا وسياسةً، ويُفسّر جميع الحروب التي خاضها الغرب وأشكال الاستعمار التي مارسها وأنواع الحروب التي أشعلها شرقًا وغربًا وجنوبًا وشمالًا. ولهذا يرى برغسون أنّ الحلّ يكمن في تنمية الروح وتغذيتها لتصير قادرةً على التحكّم في هذا الجسد المادي، وعبّر على هذا الأمر بقوله: إنّ الميكانيكا تستدعي التصوّف. والتّصوّف في جوهره يقوم حسب برغسون على الإحسان. يقول برغسون: «إنّ الجسد حين يتضخّم يتطلّب مزيدًا من الرّوح وأنّ الميكانيكا تقتضي التّصوّف... ولن تستردّ هذه الميكانيكا وجهتها الحقيقية ولن تقدّم خدمات تتناسب وقدرتها إلا إذا استطاعت الإنسانيّة التي زادت من انحنائها إلى الأرض أن تنهض بواسطتها وأن ترنو إلى السماء». إنّ الفكر الغربي اليوم على المستوى الإيديولوجي خصوصًا أثبت انحناءه للأرض وفارق القيم الكلية وقطع صلة الإنسان بالله بمختلف الوجوه. وما فلسفات بعد الحداثة رغم ما فيها من نقد أو دعوة إلى تجديد النظر والتفلسف فإنّها إلى الآن لا زالت تؤكّد تيهانها وعجزها عن الخروج من حالة الأزمة التي انتهت إليها.

* إلى أيّ مدى استطاعت التقنيّة في خلال هيمنتها على بنية الحياة في الغرب، من التأثير على إنتاج المعرفة وخصوصًا الإنتاج الفلسفي؟

- العقلانيّة والعقلانيّة العلميّة هي عنوان العصر الحديث. فمع ظهور الراسيو (Ratio) ظهر العقل الحديث بما هو عقل حسابي، وتمّ تجاوز العقل القديم بما هو انتلاكت (intellect). وبميلاد العقلانيّة تحوّلت مناهج التفكير وتغيّرت شروطه وأسسه ونتائجه، وتغيّرت معه رؤية الإنسان لنفسه وللعالم، واكتسب الإنسان الحديث قدرات جديدة للسيطرة على العالم والتحكّم فيه. أي إنّ العقلانيّة الحديثة عقلانيّةٌ سلطويّةٌ أمدّت الإنسان بوسائل التفسير التي تمكّنه من السيطرة على الظواهر التي يفسّرها. وكلّما اتّسعت دائرة تفسيره وتعمّقت وتأكّدت، اتّسع سلطان الإنسان ونفوذه. وقد عبّر ديكارت (أب الفلسفة الحديثة) على هذا الواقع الجديد بأنّه يحلم ببشريّة متحرّرة بالآلة من الاستعباد. وعبّر رائد الفلسفة الوضعيّة على المعنى نفسه بأنّه بالعلم يكون التنبّؤ، وبالتنبّؤ يكون العمل. ذلك أنّ قدرات العلم التفسيريّة تمكّنه من التنبّؤ بوقوع الأحداث والظواهر قبل حدوثها؛ لأنّه في الظروف نفسها تقع حتمًا النتائج نفسها. وكلّما نجح التفسير نجحت التنبّؤات العلميّة. بل إنّ صدق تنبّؤات العلم دليل صدق تفسيره. وكلّما صدق التنبّؤ يستطيع العلم التحكّم في الظواهر وتوجيهها والسيطرة عليها. وقد عبّر عالم الفيزياء الفرنسي لابلاس (ت. 1827) عن هذه القدرة العلميّة وسلطتها التفسيريّة والتقنيّة بقوله: «ينبغي أن ننظر إلى حالة العالم الراهنة باعتبارها نتيجةً لحالته السابقة وعلّة لحالته اللّاحقة. إنّ عقلًا يسع علمه في لحظة ما كلّ القوى المحرّكة للطبيعة والوضع المناسب للكائنات التي تتألّف منها.... إنّ هذا العقل قد يُلمُّ في الصيغة نفسها بما في أكبر أجسام الكون، وما في أخفّ الذرات من حركات وقد يصبح المستقبل ماثلًا أمامه كما الماضي». وهو المعنى الذي كان ديكارت قد تصوّره لمّا اعتبر أنّ قوانين العلم قادرة على تفسير حركة النجوم في السماء وحركة الجنين في الرحم وحركة الثمار في الشجر. بقانون واحد نفسّر حركة كلّ شيء. لقد اتّخذ العلم الحديث أسلوبًا مغايرًا عن العلم القديم؛ لكونه يرى نفسه منهجًا وتقنيّة للسيطرة على الطبيعة، وبالتالي فإنّ العقل الرياضي والعقل التجريبي يصنعان الحقيقة العلميّة ويحولانها للوقع قصد السيطرة عليه وتحويله وجعله يستجيب للغايات الإنسانيّة. أي إنّ العلم في جوهره ليس قارئًا للكون والواقع كما يبدو للوهلة الأولى وإنّما هو رؤية تقنيّة لا ترى في العالم إلّا ما تريد، وحسب الأدوات المنهجيّة والتقنيّة التي يملكها ويطوّرها. فالعقل الحديث لا يرى إلا ما ينتجه هو كما يصرّح بذلك الفيلسوف الألماني كانط. ولعلّ من أهمّ نتائج شيوع العقل العلمي والعقلانيّة عمومًا تعمّق فكرة الحياد والموضوعيّة التي استبعدت كلّ ما هو ذاتي وقيمي، فصار العلم تقنيّة تفسير من جهة وتقنيّة فعل وسيطرة من جهة أخرى خال من كلّ القيم الإنسانيّة مؤكّدًا قيمًا جديدةً، هي قيم النّجاعة والمصلحة والسيطرة والفاعلية. وهذا التّوجّه الجديد الذي ساد القرون الأخيرة جعل الفكر الفلسفي يتعامل مع الوضع الجديد تعاملًا مخصوصًا للكشف عن أزمة الفكر الأوروبي، الذي أضحى فكرًا تقنيًا بعيدًا عن الحياة الإنسانيّة روحًا وقيمًا وفكرًا. لقد أضحى العلم تقنية هيمنة لا على الطبيعة فقط، وإنّما على الإنسان أيضًا، وصارت الحقيقة هي التي تنتجها النظريّة العلميّة، وليس التي تنتجها الفلسفة أو التي يُقدّمها الدين أو التي يعيشها الإنسان في حياته اليوميّة. ولعلّ تطوّر التكنولوجيا المعاصرة تعكس لنا الوجه القاتم الذي صار عليه العالم اليوم. لقد استبدّ العلم كمنهج تفكير وأداة سيطرة ونفوذ، ويتجلّى هذا في جميع وجوه الحياة الإنسانيّة ولا نزال نرى أثار هذا النّفوذ في حياتنا إلى اليوم. وقد تمكّنت الفلسفة المعاصرة وخاصّة مع الفينومينولوجيا منهجًا والوجودية مذهبًا من نقد هذا التّوجّه العلمي/التقني وبيّنت حدوده وخطورته على الحياة الإنسانيّة. وبلغة هوسرل: «إنّ المفهوم الوضعي للعلم في عصرنا المنظور إليه من الناحية التاريخيّة هو مفهومٌ ترسبيٌّ، فقد ألقى عرض الحائط بكلّ القضايا التي أدرجت ضمن مفهوم الميتافيزيقا بمعناها الضيّق حينًا وبمعناه الواسع حينًا آخر». ويعني بالقضايا الميتافيزيقية التي تريدها الفلسفة لمقاومة العلوم الأوروبية وتقنياتها التي أنتجتها وجعلتها قوّة تحكّم وسيطرة على الحياة الإنسانيّة. فالعالم الأوروبي يعيش أزمة كبرى نتيجة السيطرة العلمية والتقنية التي أبعدت قضايا الإنسان الأولى مثل مباحث المعرفة الحقيقية أي المعرفة العقلية لا العلميّة فقط، وعلم القيم الحقيقي الأصيل ويعني القيم الحقّ بما هي قيم العقل، والسلوك الأخلاقي  أي حسن التصرّف انطلاقًا من العقل العملي، إلى جانب قضيّة الإله التي تضمّ في الظاهر قضيّة العقل المطلق باعتباره مصدرًا لاهوتيًا لكلّ عقل في العالم دون أن نغفل عن قضيّة الخلود وقضيّة الحريّة، وهي جميعها قضايا ميتافيزيقية بالمعنى الواسع للكلمة. إنّ النّقد الفينومينولوجي مع هوسرل ومن أتى بعده من فلسفات، وخصوصًا ما ذهب إليه هايدغر في نقد العلوم والتقنيات؛ لإعادة الاعتبار للعقل وتحريره من العقل الأداتي الذي استعبد الإنسان وحجب عنه الحقائق الوجودية والقيم الكلية. يبدو مما تقدّم أنّ التوجّه التقني للعقل الحديث بما في ذلك العقل العلمي نفسه؛ لأنّه في جوهره عقل تقني ذو طبيعة رياضية، هو التوجّه الغالب والمهيمن سياسيًا وأخلاقيًا، ومن ثم اجتماعيًا وإيديولوجيًا. وإنّ الفكر الوضعي بجميع صوره ورغم النّقد الإيبستيمولوجي له (بشلار/ بوبر) بقي فاعلًا في بناء العقل اليومي أي عقل القيم والممارسات. وإنّ الواقع الغربي لا يزال إلى الآن رغم اليقظة الفينومينولوجيّة وفلسفات الوجود المعاصرة محكومًا ببنيته ورؤيته لنفسه وللعالم والإنسان. إنّه إنسان ذو بعدٍ واحدٍ على حدّ قول هربرت ماركوز، وإنّ الإنسانويّة اليوم كنزعةٍ تريد أن تكون كونيّة من خلال دعمها للإلحاد ونفي القيم الدينيّة والرّوحيّة لا تزال مهيمنةً على الأحداث العالميّة. ولذلك أرى أنّ مستقبل الفلسفة رهين تطوّر قيم العيش المشترك والتعايش والتعارف، لعلّ الشّعوب والأمم تجد أرضيّة لقاءٍ ينقذ الإنسان من شرّ الإنسان. وفي هذا السياق أرى أنّ بمقدور الفكر الفلسفي الإسلامي المعاصر أن يساهم بدوره في بناء رؤيةٍ إنسانيّةٍ جديدةٍ تخرجنا من شرّ الإنسانوية وتنقذ الوجود من موت الإنسان.

* في مرحلة متأخّرة دعا الفيلسوف الألماني المعاصر مارتن هايدغر إلى تأسيس ميتافيزيقا جديدة تشكّل نقطة انعطاف في تاريخ الفلسفة منذ اليونان إلى عصر ما بعد الحداثة. وكانت دعواه مستندة إلى أطروحته الشهيرة حول ما أسماه «نسيان الكينونة»، أي الغفلة عن المبدأ المؤسّس للوجود والانشغال بمنجزات العقل التقني.. ما تعليقكم ولو بإيجاز على هذه الأطروحة؟

- عرفت الفلسفة المعاصرة بعد المطرقة النيتشوية وجهات متعدّدة ومناهج مختلفة تحاول من خلالها الخروج من الركام الذي صارت إليه. وزادت الوقائع العلميّة والتقنية والاقتصادية السياسية الطين بلّة، وظهرت محاولات فلسفية عديدة رافقت التغيرات المعرفية والسياسيّة التي عاشها القرن العشرين بتقلّباته واضطراباته ودمويته وعنصريّته وانتصاراته العلميّة والتكنولوجيّة، ومؤسّساته الدولية، وتقسيم العالم إلى قوى مهيمنة تملك حقّ الفيتو وآخر خاضع للقرارات الدوليّة التي تملكها القوى المالكة لسلطة العلم والتكنولوجيا.... ومهما كان الوصف الذي يمكن أن نقدّمه للقرن العشرين، فإنّنا نستطيع بأن نقول عنه بأنّه عصر التناقضات، التي شرّدت الإنسان وقتلته وتحكّمت فيه واستعبدته. وهو عصر التّمرّد على القيم وإعلان الإرادة الإنسانيّة الحرّة الصانعة لقيمها والمسؤولة على ما تصنع أيديها أمام الإنسان والتاريخ... ولعلّ هذا من أهم ما قيل عن هذا العصر من تناقضات واختلافات. فقد ترجمت الفلسفات كلّ هذا التناقض والاضطراب والقلق وغيره. لقد كانت الفينومينولوجيا واحدة من الفلسفات التي اجتهدت من خلال استعادة مفهوم الوعي والقصدية إلى إعادة بناء تصوّر جديد للوجود الإنساني ضدّ التصورات الأداتيّة العلموية الوضعية، التي سيّجت العقل والحقيقة في نطاق العقل العلمي الأداتي الذي يهدف إلى بسط النفوذ والسيطرة والفعل؛ لتعيد النّظر في هذه العقلانيّة، وبيان حدودها ومحدوديتها أمام إمكانات الوعي والعقل التأويلي؛ بقصد تحديد الوجود الإنساني من جديد أمام الإمكانيات العديدة للوجود والحقيقة. أثرت الفينومينولوجيا في فلسفات عديدة، ولعلّ أحد أبرز تلاميذ هوسرل وأبرز من تجاوزه أيضًا -ونعني الفيلسوف الألماني هايدغر- استطاع أن يُعيد أهم مسائل الفلسفة إلى البروز من جديد. ونعني بذلك موضوع الفلسفة الأوّل والأصيل أي الوجود. وإعادة سؤال الوجود من جديد. يقظة معاصرة لتجاوز ما آلت إليه الفلسفة من سقوطها في مسائل جزئيّة بعد القضاء على النّسق الهيغلي وانتهاء فكرة النّظام مع النّقد النيتشوي. إنّ الفلسفة مع هايدغر تنتبه إلى أهميّة استعادة سؤال الوجود؛ لاستعادة التفكير الفلسفي مهمّته الأصيلة الأولى. ولعلّ في هذه الاستعادة إمكانيّة جديدة لاستعادة الفلسفة لفعل التفلسف الأصيل من جديد، بعد تراجعها بسبب هيمنة القول الوضعي والعلمي والتكنولوجي. لا شكّ أنّ التّراث الفلسفي قبل هايدغر غني جدًا بمثل هذه المعالجات، خاصّة مع أعمال كانط وهيغل وهوسرل أيضًا. ولهذا لا نستغرب عناية هايدغر بكانط، ولكن لا لتحليل الإشكال المعرفي الذي عرف عنه، وإنّما ليُثير معه السّؤال الأنطولوجي من جديد.

تقوم فلسفة هايدغر على فكرة مركزيّة يُعبّر عنها هايدغر بجملةٍ بسيطةٍ جدًا وغامضة جدًا، وهي أنّ الفلسفة الذي موضوعها الوجود نسيت هذا الوجود ولم تعالج إلى الموجود. إنّ تاريخ الميتافيزيقا الغربية ليس في الأخير إلا فلسفة نسيان للوجود الذي أعلنت عليه الفلسفة منذ تأسيسها الأوّل. الفلسفة هي علم الوجود. هكذا أعلنت عن نفسها منذ البداية. ولكن قراءتنا للفكر الفلسفي فإنّنا نرى غياب الوجود من جميع معالجات الفلسفة طيلة التاريخ الغربي، ونجد العناية الكبرى في سؤال الموجود، وهو ما جعل الفكر الغربي فكرًا ميتافيزيقيًا لم يتمكن من مغادرة هذه الميتافيزيقا، رغم المحاولات العديدة التي أنجزها الفلاسفة بما في ذلك نيتشه، الذي يعتبره هايدغر آخر الفلاسفة الميتافيزيقيين. والسبب وراء ذلك حسب هايدغر أنّ جميع الفلاسفة لم يتفطّنوا إلى مسألة النسيان هذه، أي نسيان الوجود.

تتمثّل فكرة النسيان عند هايدغر في اعتباره أنّ الفلاسفة الذين أعلنوا الوجود موضوع الفلسفة لم يستطيعوا أن يقدّموا في كلّ تاريخهم أي معالجة لمسألة الوجود، وأنّ جميع ما قدّموه ليس إلا تحليلًا للموجودات. لقد حدث انزياح من النظر في الوجود إلى النظر في الموجودات. فتحوّلت الفلسفة إلى تحليلاتٍ ومعالجاتٍ لمظاهر حضور الموجودات في العالم، ولم يتمكنوا من مغادرة عالم الموجودات، وغاب السّؤال الأوّل نسيًا منسيًا. وبهذا النسيان عالج الفلاسفة موجودات العالم والإنسان والحقيقة بشكلٍ لا يمكن قبولها؛ لأنّه إنتاج ميتافيزيقي فشل في الكشف عن طبيعة الحقيقة. بل إنّ المشروع الأفلاطوني نفسه -الرامي إلى معرفة الحقيقة على نهج أمثولة الكهف- لم يفعل في الأخير إلا كونه انتقل من عالم الكهف إلى عالم آخر، أي من موجود إلى موجود آخر. ورغم محاولة أرسطو إنزال مثل أفلاطون من السماء إلى الأرض ونقد المثل الأفلاطونية، فإنّه بقي في الأخير مثل أستاذه يتحرّك داخل الموجودات الطبيعيّة والعقليّة والصوريّة، ولم يتمكّن مغادرته؛ ليكشف لنا حقيقة الوجود رغم أنّه سأل عن حقيقة الوجود، وبيّن أنّه يُقال على أنحاءٍ عديدةٍ. هذه الأنحاء انتهت به أيضًا إلى مغادرة الكشف عن حقيقة الوجود، وبقيت في مستوى الكشف عن طبيعة الموجودات بما في ذلك الخير الأسمى والمحرّك الأوّل الذي لا يتحرك. بل إنّ كلّ البحوث التيولوجيّة أو اللاهوتية في الفكر الإسلامي والمسيحي فشل في ذلك لمّا نظر في الموجودات، ولم يقدر إلى النّظر في الوجود. بل إنّ الله في العقائد جميعها -إسلاميًا ويهوديًا ونصرانيًا- ليس إلا موجودًا من الموجودات، وإن كان مختلفًا عنها باعتباره الموجود الأوّل كما يقول الفارابي.. إنّ تحويل الوجود إلى موجودات يجعل الوجود منسيًا في ذهن الإنسان، ويجعل الوجود محجوبًا بموجوداته غير قادر على الظهور. فالموجودات جميعًا تحجب عنّا رؤية الوجود. وهو سبب انزلاق الفلسفة في تاريخها الغربي إلى النسيان أي نسيان الوجود فما هو الحلّ حسب هايدغر؟

يرى هايدغر ضرورة استعادة السؤال من جديد، وأنّ على الفلسفة للخروج من تاريخ الميتاقيزيقا الذي وقعت فيه طيلة قرون أن تعود إلى السؤال الأوّل أي الوجود. (هناك من يترجمها بالكينونة والموجود بالكائن). ويعني بذلك أن يقترب إلى معنى الوجود أو الكينونة بما هو حضور وديمومة، وهو سبب ربط هايدغر بين الوجود والزمان. فالوجود هو الحضور الدائم؛ حيث لا ماضي ولا مستقبل أي الأزمنة التي تطرأ على الموجودات. فالوجود حضور دائم. ونرى أنّ هايدغر يصف هذا الوجود بصفاتٍ عديدةٍ مثل قوله بأنّه واهب لكونه يهب الوجود أو جواد يهب الوجود أو هو الحضور الذي يتجلّى حضوره في الموجودات وعوض ملاحظة الموجودات نحاول الكشف عن حقيقة الوجود باعتبار أنّ الحقيقة لا تكون إلّا انكشافًا؛ حيث ينكشف الستر ويزول الحجاب ويظهر الوجود لا في تجلياته في الموجودات فقط، وإنّما في ذاته أيضًا. وهذا يكون من خلال فعل الدازاين، أي الوجود الإنساني الذي يتجلى فيه فعل الوجود. أرى أنّ انتباه هايدغر لقصّة نسيان الوجود يدلّ على فطنةٍ كبيرةٍ جدًا؛ ليوقف الغفلة الفلسفية التي عاشتها الفلسفة الغربية طيلة قرون. ورغم هذه الفطنة الفلسفية للانتباه إلى معنى الوجود وحضوره وديمومته وتجلياته ومحاولة الكشف عن حجب اختفائه، فإنّ مشروعه يبدو مشروعًا فاشلًا لم يستطع الخروج من عنق الزجاجة التي وجد نفسه فيها. ويعود ذلك حسب قراءتي إلى أمرين مهمين: أوّلهما غلبة التّصوّر الديني الكاثوليكي لفكرة الوجود الإلهي في عقليّة هايدغر، وكلّ التاريخ المسيحي أو ما يُسمّى فلسفيًا بالبُعد الأنطو- تيولوجي (onto-theologie) فالله ليس إلا موجودًا من الموجودات، وقد جسّمه المسيح حتى وإن عاد إلى ألوهيته بعد تجربة الصلب والخلاص. فالرب يبقى موجودًا من الموجودات. وفي هذا السياق، ينفي هايدغر إمكانيّة أن يكون الوجود هو الله؛ لأنّه لا يعرف معنى الله، ولكن يحمل فكرة الرب المسيح في شخص يسوع ضمن الدائرة الكنسية. وهو ما يُفسّر إلحاد هايدغر وعدم اعتباره الله وجودًا أو حلًّا لسؤال الوجود الذي يبحث عنه. وثانيًا؛ لأنّ هايدغر الذي اعتنى كثيرا بمفهوم العقل ونقده للعقلانية الغربية الأداتية، التي اعتبرها عاجزة عن فهم سؤال الوجود نفسه. رغم مراجعته لمفهوم العقل فإنّه بقي عاجزًا عن التّحوّل من مستوى السّؤال الأنطولوجي عن الوجود ما هو إلى تقديم اقتراحات أكثر وضوحًا عدا بعض الأوصاف التي نجح في تقديمها عنه مثل كونه وهّابًا وجوادًا، وتتجلّى أداة للنّظر في سؤال الوجود. فهو بقي قاب قوسين من مفهوم العقل الصوفي العرفاني الذي يعاني من السؤال نفسه، أي الوجود بما هو حضور وديمومة وهو محجوب بسبب موجوداته التي يتحلّى فيها. فهايدغر لا يستطيع أن يدخل تجربة العرفان الصوفي رغم أنّه وقف على أبوابه ولم يتفطّن أنّه قاب قوسين منه للولوج إلى عالم الوجود. فالنّظر في مصطلحه الجديد عن «الإله الأخير» يجعلنا ندرك جيدًا أنّ هايدغر يريد أن يتجاوز مفهوم الألوهيّة الذي يجده في النّصوص المقدّسة المسيحيّة، أي اللاهوت المسيحي وكذلك تجاوز مفهوم الألوهية الوارد في الفلسفات الميتافيزيقية باعتباره السبب الأوّل. إنّه يحاول تقديم تصوّرٍ سلبيٍّ للألوهية أمام عجزه اللّغوي والتّصوّري؛ لتقديم تصوّر إيجابيّ عنه. فالإله الأخير هو بمعنى آخر لعلّه الذي يكشف عن الوجود نفسه أكثر مما يكشف عن وجوده نفسه. إنّ البحث عن الصيغة المناسبة للإله الأخير أو القادم كما يراه هايدغر يكشف عن الصورة الغامضة لغويًا وتصوّريًا، التي عجز هايدغر عن القبض عليها ليحوّلها إلى صيغةٍ مفهومةٍ قريبة للتصور العقلي العادي؛ لأنّ تاريخ هذا العقل يحوّل الوجود إلى موجود فيشوّهه ويفسده. وهو ما يجب الحذر منه دومًا. لعلّ تجربة هايدغر الفلسفيّة المفعمة بمناقشة اللاهوت المسيحي الذي يحمل في داخله الإرث الفلسفي اليوناني، هي التي جعلت هايدغر يعلن إلحاده عن هذا الفهم والتصوّر؛ ليرنو إلى تصور آخر للوجود يُبقي على وجوديّة الوجود في تحجّبه سعيًا للكشف عن حضوره في الزمنيّة الإنسانيّة بعيدًا عن الموجوديّة، التي وقع فيها نتيجة فهم قاصر اتفق عليه التصور اليوناني مع تأويلات الكنيسة له. ولعلّ النّزعة الصوفيّة الخفيّة التي وقف أمام حدودها فكرُ هايدغر، والتي لم يكن يحمل عنها ما يكفي من الاستعداد العقلي والنّفسي؛ لكي يخوضها يمثّل الفرق النوعي الذي نجده في بعض الخبرات الصوفيّة، التي يحدّثنا عنها أرباب التّصوّف الإسلامي حين واجهوا إشكال الوجود وانتقلوا من مقام الله الموجود الذي شيّأه المؤمنون ضمن ذات وصفات كوّنت عقائد متنافسة إلى الآن (المذاهب والفرق). إلى مقام الله باعتباره الوجود المتجلّي في الموجودات، فهو الذي ليس كمثله شيء، جعل العالم أي الموجودات حجبًا تحول دونه. ومن ثم فإنّ رحلة العارفين تكمن في السعي، وفي رحلة عقليّة نفسيّة من نوع خاص، من عالم الموجود إلى عالم الوجود؛ حيث يكون الوجود هو الناطق عن نفسه من خلال التجليات الموجودة أي المخلوقات. فالله هو الجواد الذي جاد بوجوده فكانت الموجودات تجليًا لوجوده وحضوره الدائم وديمومته التي لا تعرف فعل الزمن، بل الزمن نفسه وحركته الظاهرة إلا وجه من وجوه فيض الوجود في الوعي الإنساني؛ بحيث تنتفي الحركة ويكون الماضي والمستقبل حضورًا دائمًا لا يعرف حركة. إنّ هايدغر كان بحاجة إلى مغادرة التصوّر الفينومينولوجي للوعي القصدي؛ ليستطيع الإفلات إلى البُعد الآخر (الإله الأخير أو الإله الآخر، «الإله الأخير»، الذي ليس فقط «إلهًا آخر» ولكن قبل كل شيء «إله إلهي») الذي توقف عند بابه ولم يعرف كيف يدخل إليه. لعلّ العرفان والتجربة الصوفيّة هي الأقرب إلى معالجة جميع الأسئلة التي أثارتها فلسفة الفينومينولوجيا عمومًا، وهايدغر هنا على الوجه الخصوص؛ لنتجاوز مقام الموجود، ونستطيع بنجاح الدخول إلى مقام الوجود، وربّما القول بأصالته كما حاول الشيرازي (الملا صدرا) في أسفاره ومقاماته التي سافر فيها. ولكن لهذا حديث آخر ليس هنا مقامه.

* مع بداية القرن الحادي والعشرين، وتحديدًا في العام (2020) بدأ العالم كلّه يعيش تحوّلات هائلة وجذريّة في المنظومة القيميّة الغربيّة مع انتشار وباء كورونا.. فقد تبيّن أنّ الآثار المترتّبة على هذا الوباء تتعدّى الجانب البيئي لتطاول مجمل الثوابت التي قامت عليها العلوم الإنسانيّة بما فيها الفلسفة.. كيف ترون هذا الحدث الجلل انطلاقًا من رؤيتكم الفلسفيّة؟ هل الايمان الديني فاعل في سياق ما بعد كورونا؟

- مثّل ظهور كورونا بوصفها وباءً عالميًا اختبارًا للإنسانيّة جمعاء بجميع ألوانها وتنوعاتها الدينية والمذهبية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية فقيرها وغنيّها، قويها وضعيفها، مؤمنها وملحدها... اختبارًا مفاجئًا أظهر هشاشة البشرية المعاصرة، وعدم استعدادها للتعامل مع مثل هذه الظواهر علميًا وتكنولوجيًا وماليًا واقتصاديًا ودينيًا وأخلاقيًا.. وكأنّ القوّة الضارية التي كانت البشرية تؤمن بها، باعتبارها تجسّم فكرة سيادة الإنسان على العالم والكون سيادةً مطلقةً، لكونه مؤمنًا بقدراته الفكرية والعلمية التي يحملها، وقد نجح في إثبات حلم ديكارت بوجود بشريّة متحرّرة بالآلة من الاستعباد، وأنّ الإنسان سيّد الكون، بل إنّ طموحه العلمي والتكنولوجي الذي يحلم به فاق جميع التوقعات؛ ليُحقّق مملكة الإنسان على الكون بوصفه الآلهة الجديدة، التي استبعدت كلّ نظرة دينيّة أو أخلاقية أخرى مغايرة للأنظمة الفكرية والعقدية التي صنعتها، أي عقائد إيديولوجية أقصت الإلهي من حياة الإنسان الكوني؛ لتحصر الدين في نطاق المستوى الفردي الخاص والضيّق والمحدود. أمام انتشار هذا الوباء تعدّدت ردود أفعال الأفراد والمجتمعات والمؤسّسات إلى حدّ التناقض الشديد.

لاحظنا ونحن في الأيام الأولى من ظهور الوباء في الصين تعليقات العديد من المغرّدين في تويتر وفي الفايسبوك وفي بعض الصحف والفيديوهات من المسلمين ومن أماكن مختلفة، تُفسّر الوباء الذي ظهر في الصين بكونه عقابًا إلهيًّا؛ بسبب ظلم الصين لشعب الإيغور، رغم أنّ الدولة الصينيّة في تصريحاتها الرسميّة أعلنت براءتها من الأمر، وفسّرت ما يحدث بأنّه حملةٌ أميركيةٌ وغربيةٌ لإفساد سمعة الصين؛ بسبب قوّتها الاقتصادية والصناعية المنافسة لأقوى الاقتصاديات العالمية. وبقطع النّظر عن صدق الصينيين أو كذبهم في طبيعة سياستهم مع مسلمي الإيغور، فإنّ اللّافت للانتباه عقليّة تفسير ظهور الوباء وكيفيّة اشتغال العقل وتفسيره للظواهر عند بعض المسلمين. ولمّا انتشر الوباء وصار عالميًا وفتك بالبلدان الإسلامية صار التفسير بأنّه ابتلاء للمسلمين؛ ليعلم الصابرين منهم ويختبر صدق إيمانهم. فالوباء عقاب لمّا يداهم غير المسلمين، وابتلاء لمّا يداهم المسلمين. وفي الحالتين لا يوجد أي تفسير علمي للوباء عندهم تطبيقًا للتربية النبوية الإسلامية بأنّ لكلّ داء دواء. هذا التفسير الذي سيبدأ ظهوره في المختبرات الغربية وتدخّل منظمة الصحة العالمية التي ستترأس مكافحة الوباء وإرشاد العالم في كيفيّة التعامل معه، بل صارت جميع دول العالم بما في ذلك الدول الإسلامية، التي قدّمت تفسيرها للظاهرة الوبائيّة بأنّه ابتلاء وعقاب، خاضعة لإرشادات علماء البيولوجيا في العالم الغربي ومختبراتهم، وتوصيات منظمة الصحة العالمية في كيفية التعامل مع هذا الوباء للوقاية والحدّ من انتشاره؛ إذ تأكّد أنّ لا حلّ لمقاومته إلا بالوقاية منه؛ لأنّ المختبرات عجزت لحد الآن في تقديم أيّ اقتراح علميّ صلب يمكن تعميمه واستعماله. وخضع العالم الإسلامي إلى توصيات المختبرات الغربية ومنظمة الصحة العالمية ونسيت وقتها تفسيرها بأنّ الله غاضب على العالم الغربي. مع العلم أنّ تفسير بعض المسلمين وشيوخهم للوباء لم يكن وحيدًا.  فقد ذكر رجل الدين الهندوسي تشاكر اباني ماهاراج، زعيم منظمة «هندو مهاسبها» القوميّة المتطرفة، بأنّ فيروس كورونا «تجسد» للإله فيشنو لمعاقبة من يأكل اللحم. أي إنّ كورونا في الحقيقة حسبه هي «أفاتار» (تجسيد) للإله فيشنو الذي نزل لمعاقبة غير النباتيين. أمّا القس الأميركي ريك وايلز - وهو كبير الرعاة في كنيسة Flowing Streams Church غير الطائفية في فلوريدا وصاحب قناة- TruNews  فقد اعتبر الفيروس «ملك موت» مرسلًا من الله و«جائحة لتطهير العالم من الخطيئة مع اقتراب النهاية». أمّا الراهب اليهودي يهودا غليك، وهو حاخام إسرائيلي، وناشط سياسي صهيوني متطرف، فقد حذّر السّلطات الصينية وقال إنّ هذا الوباء عقاب من الله لحكومة الصين؛ بسبب اضطهاد المؤمنين بالكتاب المقدس وانتهاكات حقوق الإنسان في البلاد.

مهما اختلفت التفسيرات الدينية حسب الشعوب والأديان، فإنّ عقليّة تفسير الظواهر تبقى واحدةً في جوهرها، تُعبّر عن عجز فعلي على فهم الواقع (الوباء أو الجائحة) فضلًا عن مقاومته وإنقاذ البشرية منه. غير أنّ الذي حكم الأحداث ووجّهها عالميًا وخضع لها المتديّنون هؤلاء أيضًا هو أوامر منظمة الصحة العالمية، وتصريحات أعظم المختبرات العلمية في العالم، بما في ذلك مختبرات الصين نفسها، التي قيل إنّها أوّل المختبرات التي خرج منها الوباء وانتشر. لقد أنتج هذا الوباء واقعًا عالميًا جديدًا هيمنت عليه ثلاث أفكار أساسية: أوّلها ضرورة الحفاظ على الإنسان (الإنسان قيمة في ذاتها)، وثانيها ضرورة الانسحاب من الفضاء العمومي والاختلاء في البيوت (التراجع عن قيمة الحرية)، وثالثها ضرورة الخضوع لأوامر الدولة والسلطة الحاكمة خضوعًا كاملًا (تغوّل السياسة المتسلّطة على حساب الديمقراطية). والناظر في هذه الأفكار الثلاثة يلاحظ الرابط الجوهري بينها. فمن خلال رفع شعار حياة الإنسان يجوز أخذ كلّ التدابير، بما في ذلك إبطال القوّل بالحرّية وقبول الخضوع للسلطة. وهو إجراء يذكّرنا بدولة التنين التي حدّثنا عنها الفيلسوف الأنجليزي هوبز لمّا وصف الدولة بالتنين وأنّها ضمان السلام، أي إنّ غاية الدولة ليس تحقيق الحريات، وإنما ضمان السلام الذي لا يكون إلا من خلال التنازل عن الحريات. إنّ دولة التنين اليوم المتحكّم في فضاء العولمة امتلك شرعيّة ممارسة مطلق نفوذه الكوني على البشرية جمعاء؛ حيث لا حريّة ولا ديمقراطية، وإنّما حفاظ على حياة الإنسان كما نحافظ على حياة الحيوانات في الحدائق العمومية والغابات المسيّجة المحروسة خوفًا عليها من الانقراض.

لا شكّ أنّ الليبرالية الغربية المحدثة، ومن ورائها المنظومات الاقتصادية العملاقة التي بيديها السلطان السياسي في العالم، هي التي تتحكم في النمذجة العلمية، التي هي من حيث المبدأ خاضعة للقرار السياسي والعسكري لقيادة البشر ومراقبتهم وتوجيههم. فلا يمكن اليوم أن نحقّق الرّفاه الاقتصادي للشركات العملاقة إلا بتفعيل العولمة الشاملة سياسيًا وعسكريًا. وحتى يكون الأمر ميسورًا وفي دائرة السلم العالمية لا بدّ أن يكون الأمر علميًا وفق بناء نمذجة للحياة البشرية اليوم. لقد طغى العلم وانفلت عن كلّ رقابة دينيّة أو أخلاقية؛ لأنّ هدفه ليس تفسير الظواهر فحسب، وإنّما السيطرة عليها. ولذلك فهو يمدّ النّظام العولمي بأجهزة المراقبة والسيطرة والعقاب. وبقطع النّظر عن حقيقة طبيعة الفيروس كورونا هل هو صناعة بيولوجية مخبرية أو هو طفرة طبيعية؟ أو هل هو فعل صينيّ كما يروّج النّظام الأميركي والغربي، أو هو صناعة أميركية زرعتها في الصين لغايات سياسية واقتصادية. مهما كان الواقع الحقيقي الذي حدث، علمناه أم لم نعلمه، فإنّ الواقع الغربي واحد، وهو أنّ فكرة الهيمنة والنفوذ هي المتحكّمة في جميع الأوضاع. لقد فشلت الثقافة الغربية فكريًّا إيديولوجيًّا وسياسيًّا وأخلاقيًّا واقتصاديًّا في تحقيق القيم التي رفعتها الأنوار والفلسفات الإنسانية. أو لنقل على نحو آخر، لقد نجحت الثقافة الغربية في قتل الإنسان الأخير بقتلها جميع القيم الكلية التي اتفقت الفلسفات والأديان على إقامتها والدفاع عنها. وإنّ شعارات الحرية والديمقراطية وغيرها ليست إلا أشكالًا من الطعم السهل؛ لمزيد التحكم في حياة الإنسان وأمنه. إنّ قيمة الفكر الغربي سياسيًا وعقديًا خاضعة لقيم الاقتصاد العولمي، الذي أدرك أنّه لا يمكن أن يواصل في تعميم نفوذه العالمي إلا بمزيد من التحكم في الإنسان فكرًا وسلوكًا وقيمًا. وإنّ الشعار الذي ترفعه منظمة الصحة العالمية من أجل حماية الإنسان ليس إلا شعارًا اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا. لقد بلغت الليبرالية الغربية أقصاها لتنهي ما تبقى من كرامة الإنسان. إنّ القضاء على الملايين من البشر بجائحة كورونا أو غيرها ليس إلا وسيلة سياسية عسكرية بمحرّكٍ ماليٍّ اقتصاديٍّ لمزيد الإسراع في تقسيم العالم على نحو يُيسّر على الشركات العالمية مزيد الهيمنة والمراقبة والنّفوذ. لقد أضحى الغرب –فعلًا- جسمًا يسكنه جنون العظمة، وصار الغرب كلّه بكلّ مؤسساته بما في ذلك المؤسسات التعليمية والثقافية آلةً حربيّةً خطيرةً تريد أن تُشبع نهمها الكبير للسيطرة أكثر على العالم. ومن أهم النتائج القريبة ضعف الدول الوطنية لصالح الدولة الأممية ونظامها المالي والاقتصادي. وهذا يجرّ وراءه ضرورة إعادة بناء الثقافة العالمية من جديد دينيًا وفلسفيًا وأخلاقيًا وحتى فنيًّا وجماليًّا. إنّ البناء الثقافي كلّه، المعبّر عن الوعي الإنساني، لا بدّ أن يكون معبّرًا عن الوضع الليبرالي الجديد الذي يعيش آخر أيامه. ولكن قبل أن يقضي نحبه سيقضي على الاستقرار والأمن في الكرة الأرضية. إنّ التكنولوجيا المجسّمة للقوّة العلميّة المنفذة للسلطات المالية العالميّة، هي التي تريد إعادة بناء الإنسان الجديد والواقع الجديد. لم تعد الثورة النوويّة هي المخيف اليوم، وإنّما الثورة العلميّة البيولوجية من خلال الهندسة الوراثية التي تريد اليوم تدمير الإنسان القائم؛ لإعادة إنتاج الإنسان الجديد. لقد بلغ العبث بالوجود الحي الحيواني والإنساني مداه، وصار بالإمكان التّلاعب بالحياة والعبث بها. إنّ الفكر الإنساني الذي ننتظره لمقاومة الانحراف الهائل الذي نعيشه اليوم -قبل كورونا وبعدها- لا بدّ أن يكون قائمًا لا على أساس إنجاز الثورات العلميّة والصناعيّة، مثل التي شهدتها أوروبا وأميركا وكلّ العالم الغربي ثمّ الشّرقي. إنّ ثورةً مهمّةً يمكن أن تحمل الأنوار المتفائلة -إن استطاع العالم الآخر أن يحقّقها- لإنقاذ الإنسان من الإنسان. بإمكان العالم الإسلامي وقيمه المستقاة من قرآنه ودينه أن ينجز ثورة أخلاقية قيمية إنسانية جديدة، شرط أن يتحرّر المسلمون أنفسهم من سلبيات عقائدهم التي صارت هي الأخرى شعارات طائفيّة ملتهبة، تزيد في إشعال العالم، وتمكّن الغرب الإمبريالي من السيطرة على المسلمين أيضًا. لا تحرّر للعالم وللإنسان بعد كورونا إلا بثورةٍ أخلاقيّةٍ قيميّةٍ. ويمكن للعالم الإسلامي أن يتزعم هذه الثورة المنتظرة إذا ما بدأ العالم الإسلامي إنجازها في مجتمعاته. أما إذا تصورنا غياب هذا، فإنّ نهاية الإنسان الأخير باتت وشيكة، ولعلّ نظامًا عالميًا أشدّ فتكًا هو بصدد الظهور للإسراع بإنهاء مادية الفكر الغربي سريعًا. وبهذا هناك قوّتان الآن بصدد البروز بعد كورونا: قوّة مجنونة ستزيد من طغيان الغرب؛ للتسريع في انهياره الحتمي القريب. وقوّة عاقلة مقابلة تحمل لواء القيم أساسًا؛ لإعادة بناء إنسان جديد يكون فيه العلم خادمًا للقيم لا العكس. إنّ ثورةً قيميّةً إيجابيّةً ننتظر ظهورها؛ ليواصل الإنسان إعمار الأرض. والذي يعمر الأرض لن يكون الذي يفسد فيها ويسفك الدماء بأيّ شكل من الأشكال، وإنّما الإعمار والاستخلاف سيكون على يد الذين علّمهم الله الأسماء كلّها. والمطلوب الآن ما هي القوة التي سينتمي إليها المسلمون؟ لعلّ قادم الأيام ينبئنا بذلك وإن غدا لناظره قريب.

* شهدت العقود القليلة المنصرمة نموًا لافتًا لسؤال الدين بين النخب الفكريّة والأكاديميّة في أوروبا والولايات المتّحدة الأميركيّة، بعضهم فسّر ذلك بأنّه يعكس بداية النهاية لتاريخ العلمنة بعدما استنفدت أغراضها الكبرى سواء في مجال التنظير الفلسفي أو على مستوى تطبيقاتها في الحضارة الغربيّة المعاصرة.. كيف تقاربون هذه القضيّة؟

- احتلّت المسألة الدينية مكانةً مهمةً ومتميّزةً في الفلسفة طيلة تاريخها الطويل، بدءًا من العصر اليوناني إلى يوم الناس هذا. وتعدّدت المواقف والتحليلات في شأنها وتعارضت، ومع ذلك اتفقت في شأن واحد ألا وهو أنّه لا يمكن استبعاد المسألة الدينيّة عن المعالجة الفلسفيّة؛ لأهمّيتها وخطورتها الفكريّة والواقعيّة وفي جميع الأبعاد الإنسانية. اعترف أفلاطون في محاوراته المختلفة بأهميّة الدين ومنزلته في بناء الفكر والحقيقة، بل ويعترف سقراط بأهمية الوحي في ذلك وخاصة في معالجة المسألة الإلهية وما يتعلّق بها، وخاصة مسألة النّفس والخلود وغيرها، وقد صرّح بذلك في محاورة الفيدون في حواره مع سيمياس، ولكنّه يرى ضرورة مواصلة التفكير فيها حتى وإن غاب الوحي ولم يمدّنا بالجواب الشافي في الأمر. وكذلك شأن أرسطو في معالجاته العديدة للمسائل الأنطولوجية والنفسية والأخلاقية والسياسية من اعتراف بمنزلة الدين في التفكير والسياسة، بل وفي مقوّمات بناء المدينة وإقامة المعابد والشعائر ودورها في وحدة البناء وقوتها. ونرى ذلك حتى مع الفلاسفة الذين يتناولون المسألة الدينية نقديّا على نحو سلبيٍّ مثل الأبيقورية وغيرها، وهي كلّها علامات بيّنة تدلّ على المنزلة الخاصّة التي تحتلّها المسألة الدينية في المعالجة الفلسفيّة. غير أنّ الأمر لا يبدو بمثل هذا اليسر وهذه السهولة في التعامل مع الدين، خاصة مع بداية تدخل المشهد الديني المسيحي والإسلامي واليهودي المتمثّل من خلال علماء الأديان ورجالهم وكهنوتهم الذي صنعوه وأقاموا به علاقة صراع تارة وتوافق تارة أخرى، مع المعالجة الفلسفية ومنهجها الخاص في التفكير. ولعلّ مردّ هذا الصراع والخلاف هو السلطة السياسية والواقعية في المجتمع؛ لأنّ رجال الدين أو الكهنوت الذي أسسوه يمثّل دومًا سلطةً ماديةً على العقول والضمائر والأفعال، وهي سلطة مصحوبة بالمراقبة والعقاب جرّت وراءها ويلات وحروب وصراعات ومحاكمات وقتل وصلب وحرق وغيرها من المظاهر، التي خلّفت واقعيًا حالات مرَضيّة فرديّة واجتماعيّة من الدين نفسه، من حيث هو واقع لا يمكن استبعاده أو المسألة الدينية من حيث هي موضوع دراسة وتأمل وتحليل فلسفي واجتماعي وتاريخي وغيرها. وليس الغرض من قولي هذا تحليل المسألة الدينية نفسها في تاريخ الفلسفة، فليس هذا هو المقصود؛ لأنّ المقام لا يسمح بذلك. وإنّما المقصود هو التنبيه إلى هذا الحضور للدين بجميع مظاهره وملابساته في التاريخ الإنساني عمومًا وفي التفكير الفلسفي خصوصًا. نريد أن ننظر في التصورات الغربية تجاه المسألة الدينيّة، وخاصة في العصر الحالي؛ إذ يبدو أنّ الاهتمام بالدين بات من أهمّ المسائل. الأمر الذي يشرّع لنا طرح السؤال التالي: ألا يُعدّ الاهتمام بالدين في الفكر الغربي المعاصر بداية النهاية لتاريخ العلمنة بعدما استنفدت أغراضها الكبرى سواء في مجال التنظير الفلسفي أو على مستوى تطبيقاتها في الحضارة الغربيّة المعاصرة؟

أرى من الضروري التذكير بأمرٍ تاريخيٍّ مهمٍّ يخصّ ميلاد الفلسفة الغربية الحديثة، والمتعلّق بعلاقته بظروف الفكر الكنسي الذي كان سائدًا في القرون الوسطى. وهي ظروف لا تخفى على أحد من المطلعين الذين سجّلوا حالة الظلم والظلام، الذي كانت عليه القارة الأوروبية زمن استبداد الكنيسة الكاثوليكية فكرًا وسياسة، وهو استبداد عام وشامل ومتطرّف. وقد عان الغرب طويلً،ا سواء لمّا كان يعيش تحت سلطانها أو لما بدأت الأنوار تدخل إليه وبدأ حركة تمرّده عليها، التي بدأت بحركة الإصلاح الدينيّة، ثم النهضة، والأنوار، والثورة الفرنسية، وغيرها من المراحل العديدة التي قطعها، وهو يحمل آلامًا كبرى من جراء الحروب التي أقامها ذهب ضحيتها من العلماء والفلاسفة ورجالات السياسة والدين عددٌ كبير جدًا، وبصورٍ جدّ بشعة سجّلها التاريخ حرقًا وصلبًا وقتلًا وسجنًا وغيرها. لقد خرج الفكر الغربي بأنواره الجديدة يحمل في كيانه مرضًا عضالًا اسمه المؤسّسة الدينية تارة والدين نفسه تارة أخرى، وذلك حسب عمق المرض وقوّته وأثره. لقد وُلد الفكر الغربي وهو يحمل مرضًا عضالًا يمكن أن أسميه بعقدة الدين والتديّن، عقدة تحمّل كلّ العذابات التي عاشها قرونًا، ولا يزال هذا الفكر رغم كلّ القوة الفكريّة العظيمة التي أنجزها لم يتحرّر بعد من عقدته العميقة، التي شوّهت كيانه الذي بقي بحاجة إلى عملية تحليل عميق وتحرير شامل حتى يستطيع العقل والقلب استعادة ما يحملهما من طاقات فعليّة طبيعية للقيام بمهامهما الإنسانية، من تفكيرٍ وتعقّلٍ وتدبّرٍ؛ لإعادة بناء وجوده وحياته وبناء مجده من جديد. ولعلّ قراءتنا لتاريخ الغرب الحديث والمعاصر يدرك هذا المرض العضال الذي يعاني منه الغرب ويتجسّم ذلك في التناقضات الصارخة التي عاشها ولا يزال وحملها ولا يزال. ومن أهمّ هذه التناقضات الصارخة التي يحياها فكرًا وسلوكًا: شعاراته الإنسانية الكبرى التي تُعلي من قيمة الإنسان وحرّيته وكرامته وقيمة عقله وعاطفته وقلبه من جهة. وممارساته القاسية والمدمّرة حربًا وظلمًا واستعمارًا واستغلالًا واستعبادًا وانتهاكًا لحرية الإنسان وكرامته من جهة أخرى. فنتج عن هذا التّناقض الواضح والصارخ منظوماتٌ فلسفيّة نظريًّا عمليًّا ونتجت علوم وأخلاق وسياسة أُعلنت فيها حقوق الإنسان وحريته وكرامته ومواطنته، ونتج عنها من جهة أخرى حركاتٌ استعماريّةٌ بغيضة لم يعرف التاريخ لها مثيلًا. أراد الفكر الغربي التّحرّر من طغيان الكنيسة، فأرسى منظومةً علمانيّةً أبعدت المؤسّسة الدينيّة عن كلّ سلطة ونفوذ، وحرّرت الكيان الغربي من كلّ تبعيّة للسلطان الديني، إلا ما يحمله الفرد الحرّ في عقله وقلبه في علاقة مباشرة مع الله. إنّها العَلمانية بجميع صورها الجزئية، التي اكتفت بفصل السلطة الدينيّة ومؤسّساتها عن النفوذ السياسي، الذي يجب أن يكون نفوذًا نابعًا من اختيار الشّعب والمواطن دون تدخل لأيّ مؤسّسةٍ دينيّةٍ في ذلك؛ ليبقى التّديّن حقًا فرديًا خالصًا. وعَلمانية شاملة متطرفة أبعدت الدين بالكليّة عن الحياة الاجتماعية والفكرية والسياسية والأخلاقية. صارت العلمانيّة بهذا المعنى العلامة الدّالة على المجتمع الغربي الحديث، والاسم الدال على النظام السياسي في الدولة الحديثة. يبدو مما تقدّم أنّ العلمانية هي النتيجة النهائية التي عبّرت عن انتهاء سلطة رجل الدين وانتهاء سلطان المؤسّسة الدينية، ولكنّها لا تعبّر عن انتهاء حضور الدين وفاعليته فكرًا وعملًا، وهو ما نلاحظه في جميع كتب الفلاسفة الغربيين، الذين يرون في العلمانية تعبيرًا مدنيًا عن القيم الدينيّة، باعتبار أنّ الدّين يهمّ المؤمنين به، بينما المدينة تجمع الجميع داخل قيم واحدة. الأمر الذي يحتّم على العملية التشريعية أن تكون عمليّةً مدنيّةً في لغتها وتعبيرها ومصطلحاتها، حتى وإن استمدّت القاعدة من الدين نفسه، وهو ما أكّد عليه جوم رولز مثلا وهابرماس وغيرهم من الفلاسفة الذين شغلتهم المسألة السياسية المعاصرة، وإشمال العيش داخل الفضاء العمومي. وبما أنّ العَلمانية صارت علامة النظام الاجتماعي والسياسي في المجتمع الغربي، فإنّ التّطوّر الواقعي بجميع صوره وأبعاده وجّه الفكر المعاصر إلى ضرورة إعادة النّظر في الأمر؛ لأنّ الظروف الموضوعيّة تغيّرت جذريًا في العالم الغربي، وأعني بذلك أنّ المؤسّسة الدينية وكهنوتها لم يعد فاعلًا فعليًا في الواقع والممارسة. أي إنّ عقدة الغربي من السلطة الدينية قد بدأت تنجلي، وبدأ المجتمع يتحرّر من هذه العقدة التاريخية، وكأنّ الواقع التاريخي الجديد بدأ اليوم يستعيد عافيته، فصار يرى الأمر على نحو آخر خصوصًا وأنّ تجربة العلمانية الشاملة التي جرّبتها مجتمعات عديدة مثل المجتمع الفرنسي، أدّى إلى ظهور التّطرّف والإرهاب الفكري والسياسي. وإنّ الجمهورية التي تأسّست قواعدها مع الثورة الفرنسيّة لم تعد قادرةً على الاستجابة للواقع المعيش. وكذلك أنصار العلمانية الجزئيّة أدركوا أنّ التّديّن الفردي لا يزال قويًا وفاعلًا وحاضًرا في المجتمع، وأنّه لا يُمثّل أيّ خطر على ديمقراطية النّظام ولا على السلم الاجتماعي. ومن هنا ظهرت فكرة ضرورة مراجعة معنى العلمانية؛ لأنه لم يعد لها ضرورة بانتهاء فاعلية المؤسّسة الدينية في الواقع. وبانتهاء المؤسّسة الدينية تحرّر الدين، وصار مكوّنًا فعليًا وحقيقيًا من مكونات الحضور الإنساني في العالم ولا يمكن إنكاره. إنّ عصر ما بعد العلمانيّة صار ضروريًا، والتحرّر من عقدة الدين ومؤسّساته لم يعد لها موجب واقعي، وأنّ إعادة التفكير في المسألة الدينيّة والسياسيّة بات أمرًا حتميًا، وهو ما وقع فعلًا في ما صار يسمى عند الفلاسفة المعاصرين بعصر ما بعد العلمانية. إنّها عودة إلى فكرة التصالح بين الدين والفلسفة، التي سبق وأقامها هيغل وبيّنها لمّا أرسى فلسفته الدينيّة من جهة وفلسفة التاريخ من جهة أخرى. إنّ الدين كان وسيبقى فاعلًا في الحياة الإنسانية ولا يمكن إقصاؤه. وقد أثبتت تجارب الإقصاء فشلها وأكرهتها على استئناف العلاقة مع الدين من جديد باعتباره مقوّمًا مهمًّا من مقوّمات الإنسان الجديد أو الإنسان الآخر.

* هل نستطيع أن نقول إنّنا بتنا عند أبواب هذه اللّحظة من تاريخ الإنسان التي تدعونا إلى تنظير جديد يتصالح فيه الفكر الفلسفي مع الإيمان الديني والبُعد الروحي والكائن الإنساني؟

- علاقة الفلسفة بالدين علاقة تاريخيّة لم تنقطع قط، إيجابًا وسلبًا. ولم تؤثّر النّزعات المادية التي تنتشر تارة وتتقلص تارة أخرى في هذه العلاقة. ولمّا نطّلع على تاريخ الأنساق الفلسفية منذ اليونان إلى العصر الحاضر تتأكد لدينا الصلة الوثيقة بينهما والتي خدمت المجالين معًا الفلسفي والديني. ورغم قرابة الصلة هذه فإنّ الفكرة السائدة بين عموم الناس ترى أنّ القطيعة بين المجالين هي الغالبة تاريخيًا والصراع بين الفلسفة والدين لا يمكن أن ينكره أحد. لا شكّ أنّ هذا الرأي له وجاهته، بل وله مؤيّداته ومع ذلك لا يوجد تناقض بين الموقفين، أي الموقف القائل بالصّلة الوثيقة بين الدين والفلسفة والموقف القائل بالقطيعة بينهما. ولبيان ذلك لا بدّ من توضيح بعض الأفكار المهمّة المتعلّقة بالمسألة. وبالعودة إلى تاريخ الفلسفة اليهودية والإسلامية والمسيحية والغربية الحديثة والمعاصرة يلاحظ أنّ الفلاسفة انشغلوا كثيرًا بالمسألة الإلهيّة ضمن السؤال الأنطولوجي، وبالمسألة الدينيّة عمومًا ضمن السؤال الأكسيولوجي (نظرية القيم)، وقدّم الفلاسفة خدمات كبيرة في البرهنة على الوجود الإلهي وعلاقة هذا الوجود بالمسائل المعرفيّة الأخرى من جهة والسلوكية من جهة أخرى. ويَكفي أن نشير إلى أب الفلسفة الحديثة ديكارت الذي أقام الحداثة على أساسين اثنين هما: وجود الذات المفكرة (الكوجيتو)، والوجود الإلهي باعتباره ضامنًا للحقيقة. وسارت العقلانية بعده هذا المسار، حتى كانط الذي قارب المسألة بكيفيّة أخرى مغايرة من خلال نقده للميتافيزيقا والإقرار بعجز العقل النظري على مقاربة الوجود الإلهي إثباتًا ونفيًا؛ لأنّ العقل النّظري لا يمكن أن يبني المعرفة إلا على أساس التجربة، أي ما يتّصل بعالم الظواهر الفينومان، ويذكرنا هذا الموقف الكانطي بالموقف الخلدوني حين نقد الميتافيزيقا وبيّن تهافتها وعدم إمكانها. ونتيجة لهذا الموقف أدخل كانط المسألة الدينية والإيمانية إلى فضاء العقل العملي؛ حيث ضيّق من مجال الفلسفة (أي العقل النظري) ليضع مجالًا للإيمان. ورغم وجاهة الموقف الكانطي في تأسيسه للمعرفة العلمية من جهة وتأسيسه للإيمان من جهة أخرى، فإنّ الموقف الهيغلي كان يرى غير ذلك حين جعل الفلسفة تحكي تاريخ الرّوح في تجلياتها المتعدّدة، حتى عودتها إلى المطلق في فينومينولوجيا الروح، وتظهر الفلسفة هنا عبادة لله على نحو خاص. هذه العبادة التي سيخصّص لها هيغل في فلسفته الدينية عنايةً خاصةً يظهر فيها إيمانه المسيحي الخالص. صحيح إنّ الفلسفة بعد هيغل بدأت في التفتت والانقسام خاصّة مع كيركيغارد أب الفلسفة الوجودية الذي يجعل المسألة الدينيّة عصب الفلسفة الوجوديّة وجوهرها، التي تحكي رحلة الإنسان الوجودية والقلق الذي يصحبه في اتّجاه البحث على الخلاص الأبدي. وإذا أقصت الفلسفة الوضعيّة كلّ بحث في اللّاهوت والميتافيزيقا، وكلّ إيمان بقيمتهما فإنّ العقل الفلسفي المعاصر استبعد الموقف الوضعي واعترف بقصوره في معالجة المسألة الدينيّة خصوصًا والميتافيزيقا عمومًا. فالقول العلمي موضوعًا ومنهجًا لا يُمكن أن يحيط بأسئلة الإنسان الكبرى والحقيقية، ولهذا واجهت الفينومينولوجيا الفلسفة الوضعيّة، وبيّنت تهافتها، مؤكّدةً على قيمة الأسئلة الأصليّة في الفلسفة، أي الأسئلة العقلية الكبرى من قبيل الوجود الإلهي والأخلاقي وغيرهما. وكذلك الأمر مع الفلسفات التي جسّمت فكر ما بعد الحداثة حاولت هي الأخرى التعامل مع المسألة الدينيّة نظريًا وعمليًا ومناقشة مدى فاعليتها في الحياة العامة أخلاقًا وسياسةً. وعندما ننظر في الكتابات الأخيرة سواء في المدرسة الألمانية أو الفرنسية أو الأيمركية وغيرها، نلاحظ وفرة البحوث والكتابات المتحدّثة عن العلاقة بين الفلسفة والدين، حتى عند الملحدين الذين يرون عدم إمكان إقصاء الدين من الفضاء العمومي وحياة الإنسان؛ لكونه مكوّنًا جوهريًّا من مكونات حياة البشر. بل تطوّرت الكتابات واتّسعت المناقشات؛ لتؤكّد على قيمة الحضور الديني وأهمّيته في بناء المجتمع المعاصر، بعدما أقصته بعض البلدان التي تبنّت العَلمانية الشاملة، التي لم تقص المؤسّسة الدينية فقط، وإنّما أقصت الدين نفسه. إنّ تطوّرًا حدث في الخطاب الديني الكنسي، وتطوّرًا حدث في الخطاب الفلسفي، دشّن لعصر ما بعد الحداثة وما بعد العقلانية وما بعد العَلمانية. هذا الخطاب الذي يدعو إلى استئناف الحوار بين الخطابين للتعاون من أجل بناء رؤيةٍ معاصرةٍ أكثر تكاملً؛ا لإعادة بناء حياة الإنسان الجديد. زد على ذلك أنّ العناية بالدين والتفكير فيه من طرف علماء الاجتماع والأنتروبولوجيا، وتطوّر فلسفات الدين في مناطق عديدة في العالم دعّم هذا المسار الجديد، الذي يُظهر تطوّرًا نوعيًّا في فهم الظاهرة الدينيّة واكتشاف قيمتها، بعد أن تخلّص الغرب من الكبت الديني الذي كان يعيشه في العصر الحديث والقهر الديني الذي عرفه طيلة القرون الوسطى ومطلع الحداثة. يبدو أنّ عهدًا من الدين والروحانية الدينية قد بدأ فعلًا في الغر،ب فضلًا عن الأمم الشرقيّة مهد الديانات والتجارب الروحية الأكثر عمقًا وطرافةً.

إذا كان التّقارب بين الدين والفلسفة قد صار قويًا وظاهرًا وجليًا، فكيف نفسّر حركات نقد الدين أيضًا؟ هذا هو الوجه الآخر للمسألة الذي قلت عنه في البداية بأنّ هناك من يرى صراعًا وعدم اتّفاق بين الفلسفة والدين. لنفهم هذا الموقف نؤكّد على فكرة أساسيّة لفهم علاقة النّفور أو الصراع بين المجالين، رغم تأكيدي على وجود القرابة وتبادل الاعتراف بينهما. إنّ صراع الفلسفة لم يكن مع الدين ولكن مع الفكر الديني أو ما يمكن أن نسميه بالعقائد. ذلك أنّ الفلسفة لم تقصِ الإيمان والروح من قيمة الإنسان وحقيقته وحياته، ولكن أقصت العقائد والإيديولوجيات الدينيّة التي فرّقت بين المؤمنين وأدخلتهم في صراعات لم تعرف نهايتها بعد. وذلك لأنّ العقائد تتعارض غالبًا مع معقوليّة التفكير وعقلانيّته. إنّ العقائد إيديولوجياتٌ أي أنظمة فكرية مغلقة تدّعي ملكيّة الحقيقة، وتقصي غيرها وتتّهمه بالضلال والكفر، فيكفّر المؤمنون بعضهم بعضًا ويتقاتلون. فنقد الفلسفات للكنيسة مثلًا لم يكن نقدًا للإيمان الديني وقيمه، ولكن كان نقدًا للعقائد مثل التثليث وما يترتّب عنه من عقائد أخرى، أو القهر الكنسي للحريات وغيرها. بل ترى الفلسفة أنّ الدين في جوهره علم وعمل، وأنّ العقائد ليست الدين وإنّما هي فهم لا عقلانيّ للدين. والدليل على ذلك أنّ الفرق الدينية المتصارعة تنسب لنفسها الإيمان ولكنّها تفترق عقديًا حسب رؤية كلّ كنيسة مثلا كاثوليكية أو بروتستنتية أو أرثوذكسية أو غيرها. والأمر نفسه مع المسلمين أيضًا، فإنّ الصّراع بين الفلسفة والدين لم يكن قط صراع علم وإيمان، وإنّما كان صراع عقائد فرّقت المسلمين وجعلتهم شيعًا وكلّ حزب بما لديهم فرحون. لهذا السبب أرى أنّ العصر اليوم مناسبٌ لتقوية الفكر الديني الجديد والفلسفات الدينيّة الجديدة. والعصر مناسب أيضًا لتقوية الفكر الفلسفي لمزيد من التعاون بينهما من أجل بناء فكر إنساني متكامل يعترف بالتنوّع في أبعاد الإنسان. فليس الإنسان كائن الاستهلاك والعمل المادي الخالص. إنّ الإنسان كائنٌ متعدّد الأبعاد، ولا يختلف اثنان اليوم في قيمة البعد الديني والروحي، بل إنّ برغسون الفيلسوف الفرنسي يرى أنّ الحضارة اليوم لا يمكن إنقاذها إلا بتنمية الروح، ولا يكون ذلك إلا بالإحسان الذي هو جوهر التّصوّف. وأرى أنّ الإسلام قادرٌ على أن يساهم في بناء العصر الجديد إن نجح المسلمون في تجاوز صراعاتهم العقدية الإقصائية، وينخرطون في بناء علوم للإسلام جديدة تعيد النظر في القرآن الكريم الذي لا تنقضي عجائبه؛ ليجد العقل أعماق عقلانيته من جهة، وأعماق روحانيّته من جهةٍ أخرى.