البحث في...
عنوان الحوار
إسم المحاور
إسم مجري الحوار
المصدر
التاريخ
ملخص الحوار
نص الحوار
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

August / 2 / 2021  |  205للإسلام أثر بيّن في ولادة الحداثة لكنه تعرض للطمس والتضليل

الحوار مع :د. محمد تقي موحد أبطحي
للإسلام أثر بيّن في ولادة الحداثة لكنه تعرض للطمس والتضليل

يتناول الحوار التالي مع الدكتور محمد تقي موحِّد أبطحي الأطوار التاريخيّة للحداثة، فضلاً عن مبانيها ومرتكزاتها المعرفيّة والسياسيّة والعلميّة. كما يتضمّن نقداً لمساراتها في التاريخ الغربي منذ عصر النّهضة إلى يومنا هذا.

نشير إلى أنّ الدكتور أبطحي حاصل على شهادة الدكتوراه في فلسفة العلم والتقنية من كلية العلوم الإنسانيّة والدّراسات الثقافيّة. وهو ينشط حالياً في مركز أبحاث الحوزة العلميّة والجامعة، حيث يمارس التحقيق والتأليف والتدريس. وقد صدرت له كتب حول مسائل فلسفة العلم، وفلسفة العلوم الإنسانية، وفلسفة الفيزياء منها: (التكنولوجيا والثقافة)، و(البرامج التنموية بمنزلة التكنولوجيا الاجتماعية والاتّجاه الفلسفي)، و(وقفة على فرضيات ومحدوديات المعيار الديني)، و(النّزعة الإراديّة بوصفها مبنى للعلم الديني)، وما إلى ذلك من الأعمال الأخرى. وفي ما يلي نص الحوار:

«المحرّر»


* ثمة من يذهب إلى تقسيم الحداثة إلى أربع مساحات، وهي: مساحة الحداثة السياسيّة، ومساحة الحداثة العلميّة/التقنيّة، ومساحة الحداثة الجماليّة، ومساحة الحداثة الفلسفيّة. فهل يمكن لكم أن توضّحوا ما معنى الحداثة العلميّة / التكنولوجية، وما هي خصائصها؟

ـ لو اعتقدنا بالتفكيك القاطع بين المراحل التاريخيّة، من قبيل: التفكيك بين التراث والحداثة، وجب القول بأنّ الحداثة قد استوعبت جميع أبعاد الحياة البشرية. فقد عملت في البداية على تغيير نوع نظرة البشر إلى العالم والإنسان، ثم عملت في خطوةٍ لاحقةٍ على تغيير رؤية الإنسان إلى الدين والعلم والتقنية والحكم والفن وما إلى ذلك. وربما كان هناك بحث ونقاش في استيعاب هذه المقولات الأربعة لجميع أبعاد الحياة البشريّة. إلّا أنّ المفروض على هذا التقسيم هو أنّ الحداثة العلميّة والتكنولوجيّة مقرونة برؤيةٍ رياضيّةٍ إلى عالم الطبيعة والرؤية الإنسوية إلى البشر. وقد كانت هذه الأنظار ـ بطبيعة الحال ـ موجودة لدى اليونان وروما القديمة، ومتجلّية في أعمال الفلاسفة والفنانين والأدباء في تلك المرحلة من التاريخ، إلّا أنّ العصور الوسطى ودور الكنيسة في مختلف الأبعاد الاجتماعيّة، قد عملت على إضعاف هذه الأنظار. لقد تمّ تحديد فلسفة أرسطو بوصفها هي الأنسب لشرح اللاهوت المسيحي وبيانه، وكما نعلم فإنّ الرياضيات قليلة الحضور في الفلسفة الأرسطية. إنّ الاهتمام بأعمال أفلاطون وفيثاغورس المشتملة على رؤية رياضيّة إلى العالم، كان واحداً من خطوات الانتقال من القرون الوسطى إلى الحداثة.

*  هل يُمكن اعتبار نهضة التّرجمة في القرن الثاني عشر والثالث عشر للميلاد، ولا سيّما ترجمة آثار المسلمين في حقل الرياضيات والطب والفلك وما إلى ذلك، بمنزلة الأسس التي قامت عليها الحداثة العلمية / التقنية؟

ـ على الرّغم من إمكان القول بأنّ سيطرة المسلمين لقرون عدّة على أجزاء من أوروبا الغربية، قد شكّل أرضيّة مناسبة لتعرّف الأوربيين على العلوم والفنون المزدهرة في عالم الإسلام، وأثبت إمكانيّة الاستفادة من العلوم البشرية لتحسين الحياة الدنيويّة مع الالتزام بالدين؛ إلا أنّ هذه المرحلة التاريخية لا يمكن اعتبارها بداية للحداثة في الغرب؛ وذلك لأنّ النّشاط العلمي والتقني للمسلمين كان لا يزال يدور حول محور الدّين. توضيح ذلك أنّ كتب تاريخ العلم التي تمّ تأليف أكثرها بأقلام الغربيين أنفسهم، ترى أنّ عالم الإسلام والحضارة الإسلامية كانت ناقلة للعلم الإغريقي واليوناني إلى أوروبا بشكل رئيس، وفي الحدّ الأقصى كانت هناك تحقيقات قام بها المسلمون على أساس العلم اليوناني؛ ولكن هذا العلم اليوناني ـ على كل حال ـ هو الذي يتم نقله عبر هذه الآلية بعد شيء من التنمية إلى أوروبا. ولكن يجب الالتفات إلى هذه الحقيقة وهي أن العالم الإسلامي قد عمل بذكاء في مواجهة اليونان وروما القديمة. إذ أنها أولاً: لم تقم بترجمة جميع المعطيات والمنجزات الثقافية لليونان وروما القديمة. من ذلك أنهم ـ على سبيل المثال ـ لم يترجموا الأدب والأبحاث المرتبطة بالنحت وما إلى ذلك. ومن ناحية أخرى فإنّ الأمر لا يقتصر على حدود الترجمة فقط، وإنّما بما يتناسب وتأثير التعاليم الإسلامية يتمّ التّدخّل والتصرّف في علوم المرحلة التراثيّة القديمة. وبالتالي فإنّه في القرن الثاني عشر والثالث عشر للميلاد حيث ظهرت أولى بوادر نهضة الترجمة في أوروبا الغربية، وبدأت عملية ترجمة الكتب العلمية لعالم الإسلام في أوروبا الغربية، واجهت أوروبا علماً يونانياً / رومانياً قد تعرّض إلى الأسلمة، وليست المصادر العلمية / الثقافية الأولى في المرحلة القديمة. ولكن بعد اندحار روما الشرقيّة أو الإمبراطورية البيزنطية في القسطنطينية في الحرب مع العثمانيين في القرن الرابع عشر للميلاد، وهجرة علماء تلك المنطقة إلى أوروبا الغربية، تم نقل الآثار العلمية والثقافية والفنية اليونانية والروميّة القديمة من الطراز الأوّل إلى أوروبا الغربية، وفي إطار الترجمة تعرّفت أوروبا الغربية على الثقافة القديمة ذات الوجه الإنسوي القوي. وقد اقترنت هذه المرحلة التاريخية ببلوغ الكنيسة ذروة سلطتها ودورها في الساحة السياسية، ومسار محاكم التفتيش، وبيع صكوك الغفران وما إلى ذلك، وكذلك المشاكل العديدة التي يواجهها الناس في حياتهم الدنيوية. إن التعرّف على الثقافة الإنسوية القديمة التي تهتم بروابط الإنسان الأرضية بشكل جاد، قد أعدّ الأرضية الصلبة لظهور وتبلور الحداثة. وباختصار أرى أن نهضة الترجمة الثانية في أوروبا ـ في القرن الرابع عشر للميلاد، وبعد سقوط إمبراطورية روما الشرقية ـ هي التي أعدت الأرضية الرئيسة للحداثة في الغرب. وهي النهضة التي جاءت في إثر نهضة الترجمة الأولى، والتي نعني بها ترجمة كتب المسلمين في القرن الثاني عشر والقرن الثالث عشر للميلاد.

* ما هو الفضاء الثقافي الذي تحقّقت فيه مختلف أنواع الاختراعات، من قبيل: ازدهار صناعة الطباعة، واختراع البوصلة، والتسلكوب والسيارة، والتحوّل في الملاحة وما إلى ذلك، مما يعدّ بمنزلة نقطة البداية للحداثة العلميّة؟

ـ لا بدّ من الالتفات إلى أنّ سابقة بعض هذه المخترعات تعود إلى ما قبل بداية العصر الحديث بكثير، وفي غير أوروبا. من ذلك أنّ صناعة الطباعة ـ على سبيل المثال ـ تعود إلى الصين وكوريا في القرن التاسع والحادي عشر للميلاد. وفيما يتعلّق بالبوصلة هناك من يدّعي أنّ الصينيين هم أوّل من اخترعها. ويعود استخدام البارود في صناعة الصواريخ في الصين إلى القرن السابع للميلاد. بيد أنّ السّؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا لم تتمكّن هذه الاختراعات في شرق العالم من إيجاد التحولات نفسها التي أوجدها الاختراع المجدّد ـ والمتطوّر لها بطبيعة الحال ـ في أوروبا بعد القرن الرابع عشر والخامس عشر للميلاد؟ فمثلاً لماذا لم تدفع المسابقات الصينيّة للألعاب النّارية وقذفها إلى مسافات مرتفعة في السماء، بالصينيين إلى التفكير بإمكانيّة صنع مقذوفات يمكن وضعها خارج الغلاف الجوي، ثم العمل على توجيهها؛ لتدور حول الأرض مثل الأقمار الصناعية الحالية؟ للإجابة عن هذا السؤال يجب الرجوع إلى دراسة الفضاء الثقافي والعلمي في تلك المرحلة الزمنية. وفي الحقيقة حيث كان الاعتقاد سائداً بتقسيم العالم إلى قسمين: عالم ما تحت القمر، وعالم ما فوق القمر، وأن عالم ما تحت القمر يتألف من العناصر الأربعة، وهو عالم آيل إلى الفساد وما إلى ذلك. وفي المقابل فإنّ عالم ما فوق القمر عالم أثيري يختلف في ماهيّته عن العناصر الأربعة، وأنّ حركاته كاملة وما إلى ذلك، يحصل هناك مانع ذهني؛ بمعنى أنّ الألعاب الناريّة لا يمكن لها أن تمتلك في عالم ما فوق القمر حركة دائريّة كاملة. وكذلك عندما تسود هذه الذهنيّة الثقافية القائلة بأنّ المسائل العلميّة كلّها قد تمّ التّوصّل إليها من قبل العلماء المتقدمين، وأنّ العلماء المعاصرين لم يبق أمامهم سوى العمل على شرح وبيان تفاصيل وجزئيات تلك المسائل التي توصّل لها المتقدمون، عندها لن يتمّ تحقيق عمل علميّ جديد. ولكن في بداية الحداثة بدأت هذه الذهنيات الثقافيّة تنحسر وتضمحل بالتدريج. إنّ الفساد الذي تفشّى في مؤسّسات الكنيسة، بالإضافة إلى القيام ببعض الممارسات المقيتة، من قبيل: بيع صكوك الغفران، والإغراق في الأمور الكماليّة والترف، والاستياء العام من تدخّل الكنيسة في تفاصيل حياة الناس وما إلى ذلك، أدّى إلى ظهور موجةٍ عارمةٍ من الاعتراض على التعاليم المسيحيّة وتصرّفات رجال الكنيسة في البلدان الأوربية، أدّى إلى تمهيد الأرضيّة لانفصام عُرى الاتّحاد والانسجام الاجتماعي الذي سبق له أن تبلور حول محور الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا الغربية. لقد قام كلّ من يان هوس، وجروم، وتوماس كارترايت في إنجلترا، ومارتن لوثر في ألمانيا، وجان كالون في فرنسا، بإيراد انتقادات جادّة على طريقة جباية الضرائب وإنفاقها من قبل الكنيسة، والقول بعصمة البابا من الخطأ، ودور الكنيسة بوصفها واسطة بين الله والإنسان، والأعمال العبادية المتنوّعة التي لم يرد ذكر لها في الكتاب المقدّس، والعُطل الدينيّة الكثيرة وما إلى ذلك، وأعلنوا أن لكلّ مسيحيّ الحقّ في تفسير مضامين الكتاب المقدّس. لقد أدّت التعاليم البروتستانتية إلى خلق أرضيّة لتبلور العديد من المذاهب التي حظيت باستقبال كبير من قبل الحركات الفلاحيّة والإنسويّة والتحرّريّة والتجديديّة. كما أنّ المذهب البروتستانتي كان منسجماً مع الاحتياجات الصناعية والتجارية والبرجوازية الجديدة. لقد أدّى اختراع الآلة الطابعة في عام 1450م على يد غوتنبرغ الألماني إلى تسهيل عملية الحصول على الكتب، بحيث أمكن لنصف المواطنين من سكان المدن الأوربية الكبرى في منتصف القرن السادس عشر للميلاد أن يتعلّموا القراءة والكتابة. وقد أدّى هذا الأمر بالأفكار الإنسويّة إلى الاتّساع في أوروبا الغربية بشكل ملحوظ. فإذا كانت الكنيسة قبل ذلك قد احتكرت التحقيقات العلميّة لنفسها، وكانت أبحاثها تدور حول شرح وتفسير أعمال المتقدميين فقط، وتحوّل نتائج التحقيقات على شكل كتاب، فقد أصبح اليوم بإمكان الأشخاص أن يكتبوا نتائج تجاربهم في حقل الصناعة والملاحة وما إلى ذلك، ونشرها بعد ذلك، ووضع علوم جديدة ـ لم يكن لها سابقة في التحقيقات الرسمية ـ في متناول عامة الناس. في هذه المرحلة الزمنيّة صدر كتابان هامان، وهما: «مقالة حول حركة الأفلاك السماوية» سنة 1540 م لمؤلفه نيكولاس كوبرنيق ـ عالم الفلك البولندي ـ وكذلك كتاب «بنية جسم الإنسان» سنة 1543 م، لمؤلفه عالم التشريح الفلمنكي (البلجيكي) أندرياس فيزاليوس. لقد ادّعى كوبرنيق أنّ نظريّة مركزيّة الشّمس يمكن لها التكهن بحركة الأجرام السماوّية بشكلٍ أبسط من نظريّة مركزيّة الأرض البطليميّة. وبطبيعة الحال فقد سبق لهذه النظرية أن تمّ عرضها قبل ذلك في اليونان القديمة وفي العالم الإسلامي أيضاً، ولكنّها لم تلقَ الأرضيّة الاجتماعيّة والعلميّة المناسبة لتقبّلها. كما عمد أندرياس فيزاليوس في كتابه إلى نقد تشريح جالينوس، وأقام أساس علم التشريح القائم على التشريح. لقد شكلت هذه الأمور بأجمعها أرضيات مؤثرة في تبلور نوع جديد من الرؤية إلى العالم والإنسان، حيث يتم التعبير عنها تحت عنوان الحداثة.

* حين نقضت الثورة الكوبرنيقيّة نظريّة مركزيّة الأرض، كانت تلك إشارة أولى على أزمة الإنسان الغربي؛ إذ كان يتمّ تصوّر الإنسان بوصفه الكائن الوحيد في العالم اللا متناهي؛ هل يمكن لكم أن تُبيّنوا لنا ما هي التداعيات الإيجابيّة والسّلبية لهذه الثورة؟

ـ قبل الإجابة عن هذا السّؤال، لا بدّ من ذكر بعض المقدّمات، فنقول أوّلاً: إنّ الكثير من المفكرين الذي يتمّ تصنيفهم اليوم على أنّهم المؤسّسون للحداثة أو العلمانيّة، لم يكونوا من المؤمنين فحسب، بل كانوا يُمارسون نشاطهم العلمي بدوافع دينيّة. ولكن كما عمد كوستلر إلى تسمية كتابه حول تاريخ العلم ـ مصيباً ـ بـ «المسرنمون»، فقد كان هؤلاء العلماء يقومون مثل المسرنمين ببعض الأعمال التي تبدو للناظرين وكأنّها أعمال واعية وهادفة، في حين أنّهم في الواقع لم يكونوا يدركون ما هي النتائج التي سوف تترتّب على أعمالهم. وثانياً: كما كان لنظريّة مركزيّة الأرض ما يؤيّدها دينياً، فإنّ لنظريّة مركزيّة الشّمس ما يؤيّدها دينياً أيضاً. فقد كان المؤيّد الديني لنظريّة مركزيّة الأرض هو أن الإنسان أشرف المخلوقات، وأنّ العالم مخلوق من أجله، إذًا يجب أن يسكن في مركز العالم، ونعني بذلك الكرة الأرضية. كما أنّ المؤيّد الديني لنظريّة مركزيّة الشّمس هو أنّ الله سبحانه وتعالى هو منشأ الحياة والخير، وأنّ الشّمس تمثّل مظهراً لهذه الصفة؛ وعليه يجب للشّمس أن تكون هي مركز الكون. الأمر الآخر هو أنّ نظريّة مركزيّة الشّمس لم تكن تتعارض مع النظرية الدينية بالضرورة؛ لأنّ التّعارض إنّما يتحقّق عندما نعتقد أنّ كلاً من العلم والدين في مقام بيان الواقع. وبعبارةٍ أخرى: أن تكون لديهما لغة مظهرة للواقع، وحيث افتقر أحدهما إلى هذه الخصوصيّة، سوف يزول التّعارض الظاهري من المشهد. إنّ كتاب «مقال حول حركة الأفلاك» الذي بلغ مرحلته النهائيّة في أواخر عمر كوبرنيك، والذي كتب له أحد القساوسة مقدّمة قبل صدوره، وقد ذكر فيه ذلك القس أنّ نظريّة مركزيّة الشّمس ليست بصدد بيان الواقع، وإنّما هي أفضل من نظريّة مركزيّة الأرض في ما يتعلّق بالقيام بالحسابات النّجوميّة. ومن هنا فقد تمّ نشر كتاب كوبرنيق لأكثر من مرّة من قبل الكنيسة، وتمّ تقديمه إلى البابا. وبطبيعة الحال فقد تمّ توجيه بعض الاعتراضات من قبل مارتن لوثر على نظريّة مركزيّة الشّمس. وقد جاءت هذه الاعتراضات تحت عنوان أنّ هذه النظرية تخالف النّصوص المقدّسة. إلّا أنّ هذه الاعتراضات لم يكن لها ذلك الوقع والتأثير في قبال موقف الكنيسة الكاثوليكية. وفي الحقيقة فإنّ نظريّة مركزيّة الشّمس لكوبرنيق، ونظريّة علم التشريح لفيزاليوس، قد مثّلت تحدّيًا لمعتقدات يزيد عمرها على ألف سنة تقوم على الهيئة البطليمية وعلم التشريح الجالينوسي. وفي هذه المرحلة شكك مارتن لوثر في بعض تعاليم ومواقف الكنيسة الكاثوليكية أيضاً. وقد أدى ذلك كله إلى استعداد المجتمع للدخول في تحليلات مختلفة حول الإنسان والعالم. وبالتالي فقد شاع نوع آخر من العلم والتديّن والمعرفة العلمية والدينية في المجتمع. وبطبيعة الحال فإن هذا الاعتقاد السائد بأن الفرد لم يكن متعصباً لعقائد المتقدمين والأسلاف، وأنه يتبع الدليل، من المعطيات الواضحة لهذه التحولات العلمية. وكما نعلم فإنّه لمن المغالطة القول بصوابيّة كلّ ما قاله المتقدّمون، ومن الخطأ الاعتقاد ببطلان كلّ رؤيةٍ جديدةٍ، أو جعل آراء المتقدّمين هي المعيار الأوحد في التقييم. ومن ناحية أخرى من المغالطة أيضاً تخطئة كلّ ما صدر عن المتقدّمين، وتصويب كلّ ما يقوله المتأخّرون. لو كنّا من أتباع الدليل، وجب علينا القبول بأنّ إصرار غاليليو على صوابيّة نظريّة مركزيّة الشّمس لم يكن مبرّراً، وكذلك في الإصرار على أنّ النّصوص المقدّسة يجب فهمها على أساس نظريّة مركزيّة الشمس. لو قبل غاليليو بنصيحة أصدقائه في الكنيسة، وسعى ـ بدلاً من إصراره على رؤيته التفسيرية ـ إلى الإجابة عن الأسئلة الجادّة المطروحة عليه من قبل أنصار الهيئة البطليمية؛ لربّما تحقّق تحوّل العلم في إطار خفض مستوى النّزاعات الاجتماعيّة إلى أقلّ مستوياتها. وفيما وراء الرؤية القائلة بأنّ كلّ جديد صحيح، ولا ينبغي القبول بما كان يقوله المتقدمون، هناك رؤية أخرى تطرح في إطار الحداثة، وهي أنّ كلّ رؤيةٍ تعتبر صحيحة من وجهة نظر قائلها، ولا يجب تقييمها من زاوية أخرى. إنّ هذه الرؤية أضحت منشأ للكثير من الأزمات في العلوم النّفسيّة والاجتماعيّة، وتعدّ العدمية والنهليستية من بين مصاديقها البارزة.

* اشتهر أنّ غاليليو قد عمل على علمنة علم الفيزياء، وجعله مستقلاً عن اللاهوت. فهل يمكن لكم أن تبيِّنوا لنا النظريّة العامة للعلم الديني من هذه الزاوية؟

ـ عندما تكون النّظرة الرياضيّة إلى العالم هي الغالبة، وعندما يتمّ اعتبار التفسيرات الميكانيكيّة هي الشكل الأفضل لتفسير الطبيعة، فمن الطبيعي أن يبدأ استقلال العلم عن الدين. إلّا أنّنا في بداية هذا المسار نقف على أنواع أخرى من تأثير الدين في العلم. وعليه ليس من السهل القول بأنّ غاليليو قد جعل العلم مستقلاً عن اللّاهوت. لقد كان غاليليو في الواقع يرى أنّ مؤلّف كتاب التكوين (عالم الوجود) وكتاب التشريع (الكتاب المقدس) هو شخص واحد، وعليه يجب عدم وقوع التّعارض بينهما. لقد كان اختلاف رؤية غاليليو عن الكنيسة يكمن في أنّ غاليليو يقول إنّ نظريّة مركزيّة الشّمس تطابق الواقع، وبالتالي يجب تفسير الكتاب المقدّس على أساسها. إلّا أنّ أرباب الكنيسة بالالتفات إلى أنّ غاليليو لم يستطع الإجابة عن تساؤلات أنصار نظريّة مركزيّة الأرض، فقد ذهبوا إلى الاعتقاد بأنّ الكتاب المقدّس يُبيّن الواقعيّة والحقيقة، وأنّ نظريّة مركزيّة الشّمس يمكن لها أن تقبل في إطار تبسيط المحاسبات النجوميّة والفلكيّة. وقد سبق للكنيسة أن قبلت بأنّ غاليليو إذا استطاع إثبات نظريّة مركزيّة الشّمس، فإنّهم سوف يقرّون بأنّهم قد أخطأوا فهم بعض مواطن الكتاب المقدّس. بيد أنّ النّقطة الجوهريّة كانت تكمن في أنّ المعلومات النجوميّة إلى سنوات طويلة بعد غاليليو تميل في الغالب إلى تأييد نظريّة مركزيّة الأرض أكثر من تأييدها لنظريّة مركزيّة الشّمس. وحتى إسحاق نيوتن ـ الذي كان على حدّ تعبيره قد وضع أقدامه على أكتاف عمالقة من أمثال: كوبرنيق، وغاليليو، وكوبلر وآخرين، وقدّم نظرية يتم فيها تفسير الظواهر الأرضية والسماوية في وقت واحد، وتمّ لذلك وصفه عملياً بأنّه أب العلم الجديد ـ كانت لديه دوافع دينيّة شديدة في النّشاط العلمي، وقام بأعمال كثيرة في إطار تفسير النصوص الدينية المقدسة. وحتى عندما لم تنسجم حركة بعض الكواكب السيارة مع توقعاته النّظريّة، قام بطرح هذه الرؤية القائلة بأنّ الله سبحانه وتعالى يتصرف في هذا العالم من حين لآخر، ويحافظ على نظام هذه الكواكب السيارة. بيد أنّ الأسلوب والمنهج العلمي لهؤلاء العلماء المؤمنون أدّى إلى نتائج لم تكن متوافقة مع آرائهم. وإن هذا التفطّن ـ بطبيعة الحال ـ قد بدأ منذ تلك المرحلة. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن لايبنتز وهو معاصر لنيوتن قد اعترض على حلوله في تفسير اضطراب حركة الكواكب السيارة واللجوء في ذلك إلى الله. فقد قال لايبنتز في هذا الشأن: إن إسحاق نيوتن بهذا الأسلوب يعتبر الله صانع ساعات غير محترف، وأنه لذلك يضطر إلى ضبط الساعات التي يصنعها من حين إلى آخر. وطبقاً لهذا المنهج عمد لابلاس ـ بعد ذلك بعقود في كتابه «شرح المنظومات العالمية» ـ إلى بيان كيف يمكن لنا على أساس القوانين الفيزيائية أن نبيّن حركات الكواكب السيارة. يُنقل أن لابلاس عندما قدّم هذا الكتاب إلى نابليون، قال له نابليون: سمعت أن الله لم يُذكر في هذا الكتاب. فقال لابلاس في الجواب: لم تكن هناك حاجة إلى افتراض وجود الله. وعليه ربما كان من الأفضل اعتبار هذه المرحلة من التاريخ بداية لتبلور علمنة العلم. وحالياً في بحث العلم العلماني والعلم الديني، علينا أن نرى ما هي أشكال تأثير وعدم تأثير الدين على العلم، التي يمكن اعتبارها من مصاديق العلم العلماني أو العلم الديني، لكي نتحدث بما يتناسب معها حول إمكانية وضرورة ومطلوبية وأخلاقية العلم العلماني / الديني.

* لقد أدّت صناعة الطباعة ـ بوصفها إحدى أهمّ عناصر تبلور عصر النّهضة ـ إلى تحقّق الكثير من التقدّم في حقل العلم والتكنولوجيا. إلّا أنّ الثورة المعلوماتيّة، ونشر أنواع الأخبار الصادقة والكاذبة، إلى جانب أنواع التطوّرات، أدّى إلى عروض أنواع الأزمات النّفسيّة والاجتماعيّة. فما الذي ينبغي فعله في هذا الشأن؟

ـ إنّ هذا السؤال ـ بطبيعة الحال ـ لم ينحصر بصناعة الطباعة فقط، ويجب طرحه بشأن كلّ تقنية. وتوجد هناك آراء مختلفة في هذا الشأن، إذ هناك من يذهب إلى الاعتقاد بأنّ التكنولوجيات المختلفة، بمثابة الأدوات ذات القابليات المختلفة التي يمكن الاستفادة منها في تحقيق أهداف متعدّدة. فبواسطة الحبل يمكن النّزول إلى البئر، كما يمكن الخروج منه بواسطته. وفي هذه الرؤية ينظر إلى الإنسان بوصفه فاعلاً حراً، حيث يستفيد من الأدوات المتوفّرة بما يتناسب ورغباته. وفي المقابل هناك تيّار يدافع عن نوع من الجبر التكنولوجي، ويرى أن التكنولوجيا لا تلزم الحياد، بل لها مقتضياتها التي تؤثر على حرية الإنسان. بيد أن الأفضل هو القول بأن التكنولوجيات مهما كان لها من المقتضيات التي تحدّ من حرياتنا، إلا أنها لا يمكن لها أن تسلب الإنسان حريته. وعلى هذا الأساس يجب على الفرد في ضوء العلم بظرفيات التكنولوجيا الموجودة وطرق الاستفادة منها أن يواصل تحقيق أهدافه ورغباته ضمن هذا الفضاء، وأن يعمل في الخطوة اللاحقة على تحقيق الحد الأقصى من الجدوائية في إطار تحقيق أهدافه. علينا القبول بأن التكنولوجيات الموجودة تعمل من جهة على تقييد حرية الإنسان، وتعمل في الوقت نفسه من ناحية أخرى على خلق الأرضية المناسبة لنشاطنا. ومن هنا ليس هناك مفر من العمل بوعي على تحقيق أهدافنا ضمن الفضاء الموجود. كما يجب الالتفات إلى هذه النقطة أيضاً، وهي أن الغربيين ـ بالالتفات إلى أنهم قد سبقونا في مواجهة التكنولوجيا ـ قد واجهوا مشاكلها أكثر منا، وإن الكثير منهم كانوا يعيشون هواجس دينية وبشرية. وعلى هذا الأساس، من الواضح أنهم قد سبقونا في مواجهة هذا السؤال المتعلق بكيفية التعاطي مع التكنولوجيا، وقدموا بعض الإجابات عن هذا التساؤل. وبطبيعة الحال فإن هذه الإجابات بدورها واجهت الكثير من الانتقادات. من هنا فإنه للإجابة عن هذا السؤال يجب العمل في البداية على تقييم الإجابات المقدمة من وجهة نظرنا، أي بالاستناد إلى ديننا وثقافتنا وتاريخنا؛ ثم العمل بعد ذلك على تقديم الجواب المتناسب مع ديننا وثقافتنا وتاريخنا.

* هل يمكن برأيكم التنبّؤ بالمستقبل العلمي / التكنولوجي في حقلَيْ التفكير والعمل؟

ـ من خلال تحليل مسار التحوّلات العلميّة والتكنولوجيّة، يمكن التنبّؤ بالمستقبل المحتمل لها إلى حدّ ما؛ بيد أنّ النّقطة الأهمّ هي أن نعمل على تحديد مستقبل العلم والتكنولوجيا بأنفسنا، وهذا ما يضطلع به واضع السياسات العلميّة والتكنولوجية. وبعبارة أخرى: بدلاً من التنبّؤ المنفعل بمستقبل العلم والتكنولوجيا، علينا أن نكون بصدد البناء الفاعل لمستقبل العلم والتكنولوجيا. ولا بدّ من الالتفات ـ بطبيعة الحال ـ إلى أنّ منتجاتنا لا تعمل على مجرّد تلبية إراداتنا ورغباتنا فقط، ولا شكّ في أنّ كلّ واحد منها يحتوي على ظرفيات وتطبيقات مجهولة ولا يمكن التكهّن بها، وقد يتمّ توظيفها في غير المسار الذي كنّا نريده وخططنا له. ولكن لا يزال يتعيّن علينا القول بأنّنا نحن الذين يجب علينا في مثل هذه الحالة أن نحلّل الوضع بشكل دقيق للغاية، وأن نقوم بالعمل استناداً إلى جميع معطياتنا المعرفية، وهو العمل الذي لا يمكن التنبّؤ به أو التعرف على نتائجه بشكلٍ كاملٍ.


تعريب: السيد حسن علي مطر الهاشمي.