البحث في...
عنوان الحوار
إسم المحاور
إسم مجري الحوار
المصدر
التاريخ
ملخص الحوار
نص الحوار
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

August / 29 / 2021  |  288العنصرية الحضارية هي المشكلة الكبرى في تهافت الغرب

الحوار مع :د. قاسم بور حسن
العنصرية الحضارية هي المشكلة الكبرى في تهافت الغرب

الدكتور قاسم پور حسن، باحث في حقل الفلسفة، ويشغل حاليًّا عضويّة الهيئة العلميّة في جامعة العلّامة الطباطبائي، ويمارس التدريس في الفلسفة الإسلاميّة، وفلسفة الدين والهرمنيوطيقا. وقد صدر له حتى الآن الكثير من الكتب منها: (الهرمنيوطيقا المقارنة: دراسة تناظر فلسفة التأويل في الإسلام والغرب)، و(الثقافة والمجتمع الإيراني)، و(لغة الدين والإيمان بالله)، و(المداخل الناظرة إلى تأثير العرفان والتصوّف في مسار الحضارة الإسلامية)، و(الإسلام، الحداثة، والتجربة الدينية)، و(الخصائص الثقافية والثقافة العالمية)، و(الهرمنيوطيقا اللغوية في الإسلام والغرب)، وما إلى ذلك من الكتب والمقالات الأخرى[1]*.

في هذا الحوار نطلّ معه على جملةٍ من القضايا الراهنة المتعلّقة بأزمة الحضارة الغربية المعاصرة وبيان معاثرها.

«المحرّر»


* ما الذي نعني به في سياق الكلام على أزمة الحضارة؟ وبعبارة أخرى: لماذا وكيف يمكن لحضارة ما أن تواجه أزمة؟

لا بدّ من التذكير ـ على سبيل المقدّمة ـ بأنّه عندما يتمّ الحديث في الغرب عن الحضارة، نجد هناك رؤيتين عامّتين، وهما أوّلاً: الرؤية «التاريخية» التي ترى أنّ الحضارة في الأساس لم تتبلور في مدّة قصيرة؛ بل هي بحاجة إلى فترة طويلة، وإنّ أمثال: إيمانويل كانط وفريدريتش هيغل، قاموا بالدّفاع عن هذه الرؤية التاريخيّة. وفي هذه الرؤية فإنّ الجغرافيا والتاريخ الذي يمكنه أن يخلق الحضارة، هي الحضارة الغربية؛ وذلك لأنّ هذه الحضارة هي التي تمتلك التاريخ الأطول، وقد انتقلت من مرحلة الوعي إلى الوعي الذاتي، وعملت على تحقيق المفاهيم الأساسيّة للحضارة. وفي هذه الحاضنة يجب العمل على بناء جميع الإمكانات وتطويرها؛ كي تصل إلى نهاياتها. إنّ الثقافات والحضارات الأخرى التي تتحدّث عن الحضارة، إمّا أنّها لم تصل إلى مرحلة الحضارة بعد، أو أنّها تعيش على هامش الحضارة الغربيّة، أو أنّها لا تمتلك أيّ فهم عن الحضارة. في هذه الرؤية لا تشاهدون شيئًا تحت عنوان الانحطاط أو المنعطفات أو التلاشي أو الضعف والنقص وما إلى ذلك؛ وإنّما طبقًا لهذه الرؤية نجد أنّ التاريخ قد انطلق من بداية المرحلة اليونانية وأدّى إلى تبلور الحضارة الغربية. وعلى هذا الأساس يمكن التوصّل إلى قاعدة بشأن الحضارة، والادّعاء ـ بناء على هذه القاعدة ـ بكيفيّة تبلور الحضارة، كما يمكن التكهّن على أساس القاعدة بالمدّة الزمنيّة التي ستبقى الحضارة خلالها على قيد الحياة. إنّ الإشكال الأهمّ الوارد على الرؤية التاريخيّة بشأن الحضارة هو أنّكم تضعون جميع نواقص الحضارة ضمن مسار التنمية، وبذلك لا يوجد ما يضمن أن تكون حضارة الغرب هي حضارة اليونان ذاتها. فالتاريخ لا يتكرر مرتين وهذا تمامًا هو النّقاش المحتدم بين كلّ من سيغموند فرويد وهربرت ماركوزه. ولكن لا بدّ من الالتفات إلى أنّنا في هذا الشأن نتعاطى مع ماهيّة إنسانيّة. ذلك بأن الإنسان والمجتمع الإنساني ليس شيئًا حتى ندرج الجميع ضمن قاعدة جملة واحدة، وأن نفهم ذلك على أنّه قاعدة. إنّ المجتعات لا تقبل المعادلة حتى نحدّد لها قانونًا. لقد ذهب سيغموند فرويد في كتاب «قلق في الحضارة» إلى الاعتقاد بأنّ أهمّ خصائص الحضارة الغربية تكمن في «القمع»، وإن الحضارة الغربية في مرحلتها الجديدة أكثر قمعًا. وفي الحقيقة فإنّ الحضارة الغربيّة قد تبلورت ضمن انحراف عن الاحتياجات الجوهريّة للبشر، وقد تبلورت هذه الحضارة بواسطة القهر والغلبة على الإنسان. وقد كانت الحركة الإنسويّة والرومنطيقيّة تطالب بالعودة إلى الإنسان. كما ذهب فريدريش نيتشه إلى الاعتقاد بأنّه منذ أن بدأ الغرب بلوغوس سقراط، تمّ تجاهل جميع الاحتياجات والغرائز الجوهرية للإنسان. والسؤال الذي يرد هنا: كيف تنهار الحضارة؟ في الرؤية التاريخيّة لا معنى لانهيار الحضارة. فكما يقول فوكوياما إنّ نهاية التاريخ والإنسان الأخير؛ نهاية تاريخ البشريّة مع الحضارة الغربيّة. في ضوء الحضارة القائمة على الليبراليّة الغربيّة، فإنّ الإنسان الأخير هو الإنسان الليبرالي الغربي؛ بمعنى أنّه لو اجتمعت سائر المجتمعات وعملت على بناء حضارتها الخاصّة وتبذل في هذا الإطار كلّ جهدها، فإنّها بعد قرنين من الزمن ستصل إلى بداية الحضارة الغربية. وأنا أطلق على هذه الرؤية مصطلح «الأورَبة»؛ وإنّ الرؤية المأورَبة تنظر إلى الإنسان والمجتمع الإنساني بوصفه شيئًا، ولا ترى تأثيرًا لإرادة الإنسان في حقل ظهور الحضارة وتبلورها. كما يذهب هذا الرأي إلى القول بامتناع ظهور الحضارة في الإنسان والمجتمعات الأخرى أيضًا. يجيب هربرت ماركوزه سيغموند فرويد بأنّ الحضارة القائمة في الغرب حضارة قمعيّة. ولكن هذا لا يلزم منه بالضرورة أن تكون جميع الحضارات قمعيّة. يمكن لنا أن نتمنّى حضارة تتقوّم بـ «أروس» بمعنى الهيام والعشق والإنسانيّة، أي الحضارة التي تتصف بالأخلاقية والإنسانيّة. وأمّا الرأي الثاني بشأن ظهور الحضارة وانعطافتها وانحطاطها، فهو الرأي «التطوّري». إن الرؤية التطوّريّة رؤية تكامليّة. يقول العلامة الشهيد مرتضى المطهري عندما كان منشغلاً بتأليف فلسفة التاريخ: إنّ الرؤية الماركسيّة في الأساس لا هي أخلاقيّة ولا هي علميّة؛ وذلك لأنّ ماركس يقول إنّ الناس لا أهميّة لهم، ففي الرؤية الماركسيّة تحتوي المجتمعات على قطبين مختلفين، وإنّها حيث تكون في النظام متجاورة، فإنّه في أعلى مراتب النظام، تحدث الثورة. ثلاثمائة سنة من الثورة الإقطاعيّة، وخمسمائة سنة من الانقلاب الرأسمالي والصناعي، وألف سنة من ثورة المرحلة اللاحقة. وهو يقول إنّ هذا يعني مقهوريّة الإنسان؛ فليس الأمر بأنّكم تستطيعون اتّخاذ القرار نيابة عن التاريخ. إنّ مسار التاريخ ليس بيد الإنسان وفي متناول الإدارة البشريّة. ليس التاريخ شيئًا غير الإرادات الإنسانيّة. وقد تحدّث العلّامة الطباطبائي قائلاً: إنّ تاريخ البشريّة يتّجه نحو غاية وهدف. وحتّى إذا توقّف لفترة من الزمن، إلّا أنّ حركته باتّجاه تلك الغاية لا تعرف التوقّف. وهذه الغاية هي غاية إلهيّة. وقال المفكّر الجزائري مالك بن نبي: إنّ فهم الغربيين للحضارة خاطئ؛ لأنّهم يعملون على إلغاء محوريّة الإنسان. إنّ الحضارة الغربيّة تتساوى اليوم مع التقنيّة، والتقنيّة تعني الانهيار. لنفترض أنّ صورة العالم سوف تقوم بعد ثلاثين سنة على الثقافة والفكر والأخلاق، لا على التكنولوجيا، بمعنى أن لا يكون ملاك التفوّق في العالم، هو: الطائرات، والعسكرة، والهيمنة؛ ولهذا السبب تتّجه الكثير من الجامعات في العالم المعاصر نحو المسائل ما بين الثقافيّة. يوجد حاليًّا في التقليد الألماني حقل باسم ما بين الثقافي بتأثير من تأمّلات شبلينجر وبينس وآخرين، وعلى الرغم من أنّه لا يزال متمحورًا حول أوروبا؛ ولكنّه يذهب إلى الاعتقاد باستحالة تصوّر مستقبل العالم دون الالتفات إلى الشرق. لا يمكن للغرب أن يعمل على بناء النظام العالمي لوحده. وعلى كلّ حال من الممكن عدم اتّباع تعريف الغرب للحضارة، بمعنى أنّ الحضارة إنّما تتحقّق عندما يتّجه المجتمع إلى أسمى مراتب النظم في العلاقات الاجتماعيّة، وإلى أعقد أوضاع العلم والعقل والمعرفة. فلماذا لا نقول: عندما تصل الثقافة والأخلاق والنظرة إلى الإنسان في المجتمع إلى أرقى أوضاعها، تتحقّق الحضارة؟ كما يذهب جمعٌ من رواد الفكر الإسلامي إلى الاعتقاد بأنّ المدنيّة والتقنيّة والتكنولوجيا ليست من أركان الحضارة. يمكن للثقافة أن تكون أسمى أشكال حضارة ما. إنّ انهيار حضارة ما إنّما ينشأ من التعريف الذي نتبنّاه للحضارة. إنّ الرؤية التاريخيّة لا تقول بالانهيار في باب الحضارة أصلاً. وهذا ما نقول به في الرؤية التطوّريّة. هناك سنّة إلهيّة قائمة في كلّ مجتمع، تقول: إنّ كلّ مجتمع يسعى في اتّجاه تحقيق الأهداف الأصيلة للناس والمجتمعات، يمكن له أن يصنع حضارة. والمثال البارز على ذلك هو القرنين الرابع والخامس للهجرة من الحضارة الإسلامية، حيث سعى المسلمون إلى التأسيس لعلم، إلا أنّ هذا العلم لم يكن استمرارًا للعلم اليوناني، بل إنّ لهذا العلم صورةً وقامةً وقيمةً مختلفةً. ومن هنا نجد ابن سينا يقول في منطق المشرقين: إنّ كلّ من يعتمد في التفكير على اليونان وأرسطو بشكلٍ كاملٍ، فإنّه سيكون واقعًا في جهلٍ مطلقٍ. وفي الحقيقة فإنّه يعمل بذلك على توجيه الأنظار إلى الشّرق.

* بالتوازي مع هذا التعريف الذي قدّمتموه للحضارة، تبدو حركة الإنسان هي الحاكمة على مسار الحضارات ونهايتها، كيف ترون إلى هذه الجدلية؟

صحيح إنّنا كلّما واجهنا أزمةً في حقل الإنسان، وفي باب القيَم، وفي باب الأخلاق، يمكن لنا الحديث عن نهاية الحضارة بمعنى سقوطها. وفي الغرب تحدّث الكثيرون عن انهيار الحضارة الغربية. ولكنّنا لا نريد التحدّث أيديولوجيًّا. لقد تحدّث هايدغر في مقالة له بعنوان: (سؤال عن التكنولوجيا)، قائلاً: ما الذي كنّا نريده من التكنولوجيا في الغرب؟ كنّا نريد من التكنولوجيا أن تكون لنا الهيمنة عليها، ولكن أضحت الهيمنة لها علينا. وعليه ليس هناك طريق آخر من أنّ هذه التكنولوجيا ستواجه النهاية حتمًا. إذًا، يجب أن نتمنّى تكنولوجية أخرى. وأن يكون لدينا وضع نكون فيه نحن المسيطرون على التكنولوجيا، لا أن تكون التكنولوجيا هي المسيطرة علينا. وعليه فإنّ هذه هي مسألة خاصّة كما نرى. بمعنى أنّه لو قال اليوم شخص: لماذا كان لدى الغرب حضارة؟ فإنّ المثال الوحيد على ذلك هو التكنولوجيا. إنّ الغرب غير متأصّل لا في تراثه ولا في أخلاقه، ولا في ثقافته. كما أنّه ليس متأصّلاً في إنسانيّته، وليس من اللازم أن يكون متأصّلاً في علومه الإنسانيّة. تعود أفضليّة الغرب إلى التقنية والتكنولوجيا، ويرى هايدغر ومدرسة فرانكفورت وكذلك في رأي الناقدين، أنّ التكنولوجيا تمثّل انحرافًا عن تلك الأصول. وفي المقابل، لماذا تتّجه الحضارة الإسلاميّة نحو الانحطاط؟ ذلك لأنّها قد انحرفت عن أصلها المتمثّل بالعقلانيّة. عندما انطفأت أضواء عقل الحضارة الإسلاميّة، فإنّها أخذت تتّجه نحو الأفول. ولهذا السبب يقول الشهيد مرتضى المطهري: ما لم تتمّ إضاءة مصباح العقل في الإسلام ويتبلور الوعي واليقظة، سنكون بحاجة ماسّة إلى إضاءة مشعل العقل من جديد. كي نتمكن من إحياء الحضارة الإسلامية في ضوء الوعي والعقلانيّة. وعلى هذا الأساس عندما نتحدّث عن الحضارة في التراث الإسلامي، إنّما نريد بها طلوع ذلك الشيء الموجود في الغرب. والطلوع هنا يعني أنّ هذا العلم كان من المقرّر أن يقوم على خدمة الأخلاق والثقافة والإنسان؛ ولكنّه سيطر بحيث أدّى إلى اضمحلال جميع هذه الأمور.

* لكن السؤال يظلّ مطروحاً ما أسباب أزمة الحضارة الغربية؟ وكيف يمكن إحصاء هذه الأسباب وتحليلها في ضوء الاتّجاه الفلسفي ومناهج العلوم الإنسانية الأخرى؟

سوف أركّز في الجواب عن هذا السؤال على العامل الفلسفي، فأقول: هناك ثلاثة عوامل هامّة من الزاوية الفلسفية، وهي موجودة في الأرشيف الحضاري للعالم الغربي، وتعدّ من نقاط ضعفها الجوهريّة. إنّ الحضارة الغربيّة من الناحية الفلسفية ـ كما سبق أن أسلفت ـ قد ابتعدت عن القيَم الإنسانيّة مسافات بعيدة، بمعنى أنّه ليس هناك قطر في الغرب لا ينظر إلى مسألة الاستهلاك بوصفها أمرًا قيّمًا. وعلى حدّ تعبير أحد المفكرين الإسلاميين فإنّ الاستهلاكيّة لا تعتبر اليوم أمرًا اقتصاديًّا، وإنّما هي مسألة أخلاقيّة وإنسانيّة. بمعنى أنّها غير إنسانيّة وغير أخلاقيّة. إذا انتهجنا في حياتنا إسرافًا وتبذيرًا في الاستهلاك، فإنّ هذا سيعني حدوث كثرة في حالات الموت بسبب فقدان الطعام، وبذلك سيكون ما قمنا به غير أخلاقيّ ولا إنسانيّ. والغرب لا يلتفت إلى هذه المسألة أبدًا. إنّ الغرب الاستهلاكي لا يستطيع أن يلتفت إلى هذه النقطة الهامّة، وربّما كان الدكتور علي شريعتي محقًّا في قوله: إنّ حقوق الإنسان في الغرب تعني خصوصاً حقوق الإنسان الأبيض، وربّما كان الشيخ الشهيد مرتضى المطهري والعلّامة الجعفري على حقّ في نقدهما لحقوق الإنسان وقولهما بوجود اختلاف جذريّ بين القواعد والأصول الفكرية الأوّليّة لحقوق الإنسان من الناحية العمليّة وعلى مستوى التطبيق. يقوم الغرب بارتكاب أبشع أنواع المجازر في العراق وسوريا وفي الكثير من البلدان الأخرى، ولكنّكم ما أن تحاكموا شخصًا أمريكيًّا أو تحكموا عليه بالسجن ـ وربّما كان جاسوسًا حقًّا ـ فإنّهم سوف يقيمون الدنيا ولا يقعدونها تحت ذريعة انتهاككم لمبدأ حقوق الإنسان. في النظرة الحضارية تعدّ المقاطعة والحصار أمرًا غير أخلاقيّ؛ لأنّه يؤدّي إلى المنع من السلامة والصحة والرفاه وما إلى ذلك من الأمور التي تمسّ حياة البشر. تقوم القاعدة الأهمّ حاليًا لدى الغرب على مقاطعة المؤسّسات الدولية وحصارها، والغرب لا يعير هذه المسألة غير الإنسانيّة أية أهميّة. إنّهم يقومون ـ من أجل تطوير وبسط قدرتهم ـ بجميع الأعمال المخالفة للأخلاق. إنّ من بين آفات الحضارة الغربيّة هي السلوكيات اللا إنسانيّة والأوضاع المأزومة لحقوق الإنسان. كما أنّ الحضارة الغربيّة المعاصرة حضارة مأزومة؛ وذلك لأنّ الحضارة الغربيّة المعاصرة بعيدة كلّ البُعد عن الحضارة الإنسانيّة. إنّها حضارة تقوم على الثروة والسلطة فقط. فمنذ عصر ميكافيللي وإلى يومنا هذا كانت السلطة هي المحقّة فيما تقول وتفعل. والنقص الثاني الذي تعاني منه الحضارة الغربية يكمن في لا أخلاقيّتها. وبطبيعة الحال يمكن لنا أن نتحدّث عن هذه المسألة بالتفصيل. بمعنى أنّه لا يمكن بناء حضارة للمجتمع الإنساني والعمل في الوقت نفسه على حذف معايير هذا المجتمع وإلغائها، بمعنى اعتبار الإنسان مساويًا لشيءٍ ما. إنّ من بين الأسباب الهامّة التي تدفع المفكرين في العالم الغربي إلى التساؤل والقول: لماذا تعرّض الغرب إلى العدميّة؟ هي أنّ المجتمع الغربي والإنسان الغربي والعلاقات الغربية قد تشيّأت، بمعنى أنّه أصبحت شيئًا. وعندما يتشيّأ كلّ شيء، سوف يتم التعامل مع الإنسان بوصفه شيئًا أيضًا. إنّ القول بالتشيّؤ يعني عدم أهميّة التعاطي مع القيَم والثوابت الإنسانيّة، ومن هنا فإنّ الحضارة الموجودة في الغرب حاليًّا هي حضارة قائمة على السلطة والثروة، وفي هذه الحضارة يتمّ إفراغ الأخلاق الإنسانية بالتدريج. ولا شأن لي هنا بالأخلاق الإلهية، وإنّما أذهب إلى أبعد من ذلك وأقول: إنّ هذه الحضارة تفتقر حتى إلى الأخلاق الإنسانيّة أيضًا، بمعنى أنّها تسعى إلى الاستعلاء، ومن هنا يقول ايزوتسو: إنّ الحضارة الغربية في طريقها إلى السيطرة على جميع الشعوب في الكرة الأرضيّة. إنّ لهذه الحضارة طبيعةً وحشيّةً. إنّ هذه الحضارة جامحة، وإنّ أهمّ قانون في هذه الحضارة هو قانون النزاع والتنازع، بمعنى أنّ القيَم الأخلاقيّة للإنسان تضمحل وتزول بالكامل. فإذا كان الأمر كذلك فإنّ الحضارة سوف تسقط حتمًا؛ لأنّ الحضارة يجب أن تتبلور ضمن القيَم الإنسانية، وإذا لم تكن هناك حضارة إنسانيّة فإنّ الحضارة سوف تصاب بالضعف والركود. وإنّ نقطة الضعف الثالثة والنقص الهام الذي تعاني منه الحضارة الغربية هي العدميّة. يذهب الكثير من المفكرين من أمثال مارتن هايدغر إلى الاعتقاد بأنّنا منذ ظهور الحضارة الغربية في القرن السادس عشر  قد تعرّضنا إلى الموضوعيّة، والموضوعيّة هنا تعني مركزيّة الأنا؛ ولذلك فإنّي إنّما أراك وأرى الآخرين في ضوء فهمي الخاص. فلا وجود للآخر. وإذا كان هناك من وجود للآخر، وأراد أن يقف أمام موضوعيّتي، فإنّي سوف أسقطه بالضربة القاضية قطعًا. إنّ الملاك فيما يتعلّق بحقوق الإنسان هو فهمي الخاص، فإذا كنت أفهم الحريّة والديمقراطيّة بشكل خاص، وجب عليكم اتّباع فهمي الخاص للحرية والديمقراطية. إنّ الموضوعيّة تعني أنّ على الآخرين أن يكونوا ظلاً لي، وهذا يعني أنّني أنا الأعلى، ويعني أنّ عليكم إصدار الأحكام على الأمور من وجهة نظري الخاصّة. إنّ هذا التقرير يؤيّد العدميّة؛ لأنّ الآخر قد تمّ حذفه. إذ إنّ الآخر في هذا التقرير غير جدير بالالتفات أصلاً. وكما يقول لويناس فإنّ الأنظمة الفكريّة لدينا في الغرب كانت حتى الآن غير أخلاقية؛ لأنّها كانت تنظر إلى الآخر بوصفه عدوًّا وأجنبيًّا، وعمدت إلى قتله. والمثال على ذلك هو السياسة التي انتهجتها الولايات الأميركية المتحدة على مدى القرون الثلاثة المنصرمة. إذا أراد كلّ بلد أن يستقلّ في اتخاذ قراراته، فإنّ البلد الموضوعي والمركزي لن يسمح له بذلك. إنّه عندما يتحدّث عن الإنسان، فإنّما يعني بذلك الإنسان الأميركي. وهكذا هو الحال بالنسبة إلى السياسة والاقتصاد والفن وما إلى ذلك. يقول هانتنجتون في كتاب صراع الحضارات: إنّ الولايات المتحدة الأميركيّة هي التي تلعب دور العمدة والزعيم في العالم. إذا أرادت أميركا فإنّ بإمكانها ـ بمساعدة اليابان وألمانيا ـ أن تبسط يدها على جميع المعضلات الاقتصاديّة في العالم بفعل اختيارها على البنك الدولي وسلطتها. يمكن لها أن تدفع ببلد إلى شفير البؤس، أو أن تجبر بلد على التبعيّة لها. وإذا كان الأمر يتعلّق بالسياسة أمكن لها حلّ الأمور وفصلها لمصلحتها بمساعدة من فرنسا وألمانيا وإنجلترا. تعمل الولايات المتحدة الأميركية على إسقاط طائرة مدنيّة، وتكتفي بدفع الغرامة التي تحدّدها بنفسها. ثمّ تتّهم الآخر بإسقاط طائرة، وتحصل على أعلى غرامة ـ لا يمكن إثباتها في أيّ محكمة أصلاً ـ من خلال نهب ثروات الآخر. وهذا لا يمكن أن يكون أمرًا إنسانيًّا. وهذا إنّما ينشأ من تلك المركزية والموضوعيّة. إنّ مثل هذه الموضوعيّة تؤدّي بكم إلى العدميّة. لماذا تأخذ بكم نحو العدميّة؟ لأنّكم وحدكم الذين تقفون في موضع القيادة، وأنتم الأعلى، وأنتم الذين تقومون بإلغاء الآخرين، وتعيشون بالتدريج في عالم من الوحدة والعزلة، ومن هنا فإنّ الغرب يشعر بالعزلة؛ وهذه العزلة تبدو واضحة في جميع الروايات والكتابات. ولذلك فإنّه يتوسّل حاليًّا ويهيب بآخر اسمه الشرق أو الأخلاق؛ لكي يسارع إلى مساعدته. بيد أنّ هذه هي ثمرة الموضوعيّة ونتيجة الاستعلاء والتسلّط. كما أنّ نتيجة الحرب هي القتل وسفك الدماء، ومن هنا لا يبدي الغرب اهتمامًا أصيلاً بالصلح والسلام، كما لا يبدي اهتمامًا جادًّا بحقوق الإنسان.

* كيف ترون إلى أهمّ القراءات وربّما الأكثر انسجامًا لجهة تحليلها لأزمات الغرب الحضارية؟

يمكن الإشارة في هذا الصدد إلى مدخلين كلّيين في هذا الشأن، أحدهما: المدخل الموجود في الشرق ولا سيّما في البلدان الإسلامية، والمدخل الآخر المتداول في الغرب. وبطبيعة الحال فإنّ الغربيين الذين حلّلوا ودرسوا أزمات الغرب، لم يحكموا بسقوط الغرب ضرورة. قد يكون البعض بصدد إصلاح الغرب وترميمه، بيد أنّ أكثر النظريّات المطروحة في البلدان الإسلامية تحكم على الغرب بالسقوط والانهيار. وفي هذا الشأن فإنّ أدقّ القراءات الغربية وأكثرها أصالة، هي تلك التي صدرت عن فريدريتش نيتشه. وعليه يتعيّن اليوم على كلّ من يروم تشريح الغرب أن يقرأ لنيتشه، فقد قام نيتشه بقراءة الغرب بطريقة جذريّة، حيث بدأ قراءة الغرب من اليونان، وقال بأنّ الغرب قد اتّجه نحو الانحراف منذ البداية، وأنّنا منذ البداية قد عملنا على تنظيم الأمور بشكل خاطئ. لقد أخذنا الوجوه الإنسانيّة وجعلنا الأفضليّة للوجوه المحدودة والضيّقة والمنحطّة، وهو الذي يصطلح عليه هربرت ماركوزه بـ «الإنسان ذو البعد الواحد». ومن هنا فإنّ نيتشه يمثّل منطلقًا لتجربةٍ جديدةٍ، بمعنى أنّكم إذا أردتم الوقوف على جميع العناصر البنّاءة والهدّامة وأزمات الغرب، عليكم أن تقرأوا لفريدريتش نيتشه. أمّا التقرير الثاني فهو الذي تقدّم به مارتن هايدغر، وبطبيعة الحال فإنّ هايدغر إنّما يقرأ في ضوء نيتشه، ولكنّي أرى أنّ هايدغر يذهب إلى أبعد من نيتشه. وبطبيعة الحال فإنّي قد لا أرى صوابيّة القراءة الغربية، وأنظر إلى القراءة الغربيّة بعين ناقدة. فليس من الضروري أن تكون صحيحة، ولكنّها تبقى ـ في الوقت نفسه ـ فلسفية، ويلتفت هايدغر إلى هذه الـ (2500 سنة) من تاريخ الغرب، ويذهب إلى الاعتقاد بضرورة الرجوع إلى المصدر والمنشأ. ويرى هايدغر أنّ نقاط ضعف الغرب هامّة ومؤثرة للغاية. وقد ذهب هايدغر إلى الاعتقاد بأنّ الأسس الغربيّة ـ ولا سيّما في المرحلة الجديدة ـ قد بنيت على جرف هار، ويلفت الانتباه إلى ما إذا كان من الممكن إصلاح الوضع أم لا؟ وكيف نرجع إلى الأصول؟ وفي أي موضع تعرّض الغرب إلى الأزمة؟ وما إلى ذلك من الأسئلة الأخرى. ويرى هايدغر أنّ الأزمة تكمن في الغرب. إنّ هذه الأزمة واضحة في الكثير من مؤلّفاته حيث يتناول الغرب في كلامه. وفيما يتعلّق بالتكنولوجيا، وفي حقل الإنسان الغربي، وفي حقل الموضوعيّة الغربية، يعرّف الغرب بوصفه غربًا جديدًا، بمعنى أنّ هذه القرون الأربعة في الغرب قد تشكّلت بدورها على أساس الاضمحلال وهي كذلك في طريقها إلى السقوط والانهيار. كما أنّ لهربرت ماركوزه في كتابه «الإنسان ذو البعد الواحد» نقدًا جديًّا للغرب، بمعنى أنّه قد تمّ في الغرب صناعة إنسان مقولب لا يفكّر إلّا بشكل تقنيّ. وقد تمّ تصوير هذه الحقيقة بشكل رائع في فلم «العصر الجديد» لشارلي شابلن، حيث يتحوّل الفرد إلى آلات وعجلات، وإذا أراد أن يتحرّر من هذه العجلات، فإنّ مصيره سيكون هو الانسحاق والطحن تحت عجلاتها وأدواتها. إنّ هذه رؤية ناقدة إلى الغرب، ولكن قد تتحوّل هذه الرؤية الناقدة عند نيتشه وهايدغر وشبلنجر إلى رؤية راديكاليّة للغاية. وأرى أنّ الغرب لم يتوصّل حتى الآن إلى إدراك كاف بجذور اضمحلاله، ولم يتعرّف على نسيجه اللا أخلاقي واللا إنساني. يضاف إلى ذلك أنّ نقطة الضعف الأهمّ في الغرب المعاصر تكمن في مسألة أخرى.

* كيف تحلّلون آراء المفكرين التقليديين النقدية حيال الأزمة الحضارية في الغرب؟

جميع المفكّرين التقليديين من رينيه غينون، وأناندا كوماراسوامي، والسيد حسين نصر، وشوان، يطرحون ثلاث مسائل هامّة في مورد الغرب. وهذه المسائل الثلاثة هي: انفصال المجتمع الغربي عن السماء في المرحلة الجديدة، وانفصال المجتمع الجديد عن المعنويات، وانفصال المجتمع الجديد عن التراث الخالد والوحدة المتعالية. ويمكن اختزال جميع هذه الأمور في رأي السيد حسين نصر، ولا سيّما في «المعرفة والمعنويّة». يذهب أصحاب النزعة التراثيّة في العالم إلى الاعتقاد بأنّ الغرب قد تنصّل عن التراث وانفصل منه، هذا في حين أنّ التّراث يمثّل أساس الحياة البشريّة. وإنّ القول بأنّ التراث يمثّل أسّ الحياة البشريّة، يعني أنّه يقيم تعادلاً في حياة الناس والنسبة إليهم. لا يمكن للأشخاص أن لا يكون لهم حظ من الأمور القدسيّة، وإنّ جميع الذين تحدّثوا عن الأمور القدسيّة والأمر المقدّس ومارسوا النقد لم يكن لهم حظ فكريّ من هذه الدائرة، وإنّ رؤيتهم تقول إنّ الانفصال عن الأمور القدسيّة تؤدّي بك إلى أن تكون شخصًا ضائعًا وشخصًا وحيدًا ومعزولاً، وأمّا في رؤية التقليديين فإنّي أرى هذه الناحية الهامّة، وهي أنّهم عندما يتحدّثون عن التراث، يريدون بذلك جميع الشرق وكافّة الأديان؛ إنّ الأديان تشتمل على الوحدة المتعالية للأديان، وإنّ لدى الأديان حظًّا من السماء، وإنّ الأديان لها حظّ من الساحة الربوبيّة والقدسيّة الإلهيّة، وعليه لا يمكن للإنسان أن ينفصل عن المعنويات والأخلاق والسماء والساحة المقدّسة. يرى التقليديون أنّ الغرب قد تعرّض بالحداثة إلى الانفصال والفصام، فإنّ الحداثة تمثّل عمود خيمة الغرب، وإنّ أساس الحداثة يقوم على الانفصال عن المعنويّة، وعلى الانفصال عن السماء، وعندما يكون الأمر كذلك فسوف تكونون مثل الضال في البيداء، وهو يخوض محاولاته الأخيرة لتلمّس طريق النجاة، وقد أخذ منه الجوع والعطش مأخذه. ومن هنا فقد تحدّث الله سبحانه وتعالى في الكثير من آيات القرآن الكريم ـ وحتى في مواضع من العهدين ـ عن السنن الإلهيّة. إنّ السنن الإلهيّة تمثّل قوانين وأصول، وإنّ هذه السنن ترسم الطريق للبشر. وقد تحدّث العلّامة الطباطبائي في تفسير الميزان عن الثمار والنتائج المترتبة على الشريعة والدين الإلهي، وإنّ جميع هذه النتائج تتمثّل في الهداية. وإذا ضللت الطريق يمكن لك الاستضاءة بهذه السنن الإلهية. إنّ بُعد الغضب والشهوة في الإنسان هو الغالب سواء أراد ذلك أم لم يُرِد. إذا أردت أن تتّصف بالكمال العقلي فعليك أن تتمكّن من الهداية، ولذلك نجد الله سبحانه وتعالى عندما يقول: (إِنَّا هَدَيْنَٰهُ ٱلسَّبِيلَ)  [2]، يقول على المقلب الآخر: (أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ) [3]. فلا يتصوّرنّ أحدكم أنّ الله سبحانه وتعالى سوف يأخذ بيده ويجرّه إلى الهداية عنوة ورغم إرادته، وإنّما يتمّ عرض الهداية عليك لتختارها بإرادتك؛ فإنّ الهداية سنّةٌ إلهيّةٌ تقوم على أساس من الفطرة البشرية، وإنّ الإنسان عندما ينفصل عن السنّة الإلهيّة، فإنّه سوف يفتقر إلى الفطرة، وعندما يفتقر الإنسان إلى الفطرة، سيكون عرضة للسقوط والانهيار؛ ولذلك فإنّ رؤية التقليديين هي رؤية معنويّة كما هي رؤية تتمحور حول الأخلاق، كما أنّها رؤية تقوم على الساحة الربوبيّة والمعنويّة. ومن هذه الناحية تكون قابلة للدفاع، وإن كانت هناك بعض الانتقادات الواردة عليها.

يذهب رينيه غينون في كتابه «الشرق والغرب» إلى الاعتقاد بأنّ التمايز بين الحضارات هو أمر طبيعي؛ إلا أنّ الحضارة الغربيّة بسبب ادّعائها للشموليّة، فقد اتّجهت نحو مواجهة الثقافات الأخرى. فهل يعدّ ادّعاء الشموليّة ومواجهة حضارة ما مقدّمة لاضمحلالها؟

يجب علينا أن نتعرّف قبل كلّ شيء على رينيه غينون. لقد كان رينيه غينون يعيش في صلب الغرب، ومن هنا فإنّه يعرف تاريخ الغرب من داخله، وإنّ الالتفات إلى هذه النقطة ضروريّ للغاية، وهي أنّ كلّ مفكّر يعرف تراثه بشكلٍ أفضل من أولئك الذين يعيشون خارج ذلك التراث. هناك نقاط عدّة في عبارة رينيه غينون. فأوّلاً: إنّ الغرب من خلال تلك الخصائص والأوصاف يسعى إلى بسط سيطرته على العالم، وهذا هو ما قاله أناندا كوماراسوامي أيضًا. والمراد من الشموليّة هنا ليس هو المعنى الإيجابي. وليس المراد من الشمولية هو ما نذكره بشأن الأديان حيث نقول: إنّها تسعى إلى هداية جميع البشر. بل مرادهم من الشموليّة هو بسط سيطرتهم وسلطتهم على جميع أقطار العالم. وعلى كلّ حال فإنّ هؤلاء المفكّرين قد تحدّثوا عن الغرب بشكل أفضل من غيرهم، ويعود السبب في ذلك إلى أنّهم قد تعرّفوا عليه من الداخل. يرى رينيه غينون أنّ الغرب منذ أن تبلور في المرحلة الجديدة، كانت الصفة الأهم التي طغت عليه هي البحث عن السلطة وقمع الآخرين. وإنّ هذه النزعة إلى السلطة والقمع سوف لن تؤدّي به إلى بسط سيطرته على العالم، بل العكس هو الصحيح؛ إذ إنّ ذلك سوف يؤدّي بالغرب إلى الضّياع. وبطبيعة الحال هناك مسألة هامّة في آراء التقليديين، وهي أنّ كلّ شيءٍ يتّجه نحو التعدّدية غير المنظّمة سوف يكون مصيره هو الزوال. وذلك لأنّه يبتعد عن مبدأ وحدته. إنّ هذا تمامًا من قبيل قولكم: كيف انهارت إمبراطوريّة بهذا الحجم؟ والجواب عن ذلك هو: إنّ اتّساع حجمها هو سبب انهيارها. بمعنى أنّه عندما لا تستطيعون إدارة الأمور، ولا تستطيعون إضافة تنظيم ونسق على الأوضاع، فإنّ جميع أبعاد هذه القدرة سوف تتسلّل من بين أيديكم. وعلى هذا الأساس فإنّ أحد الآراء يعزو سبب الانهيار إلى الابتعاد عن مبدأ الوحدة، التي هي وحدة متعالية. وهي تلك الوحدة التي كان يجب عليها في واقع الأمر أن تشتمل على النّظم والانضباط والسياق الكوني، الموجود في العالم الربوبي، ويقوم أساس خلق العالم على تلك السنخيّة وذلك النظم. لماذا هي في حالة انهيار؟ لأنّها خرجت عن نطاق ذاك التراث والتقليد. عندما نستعمل كلمة التراث هناك من يتصوّر أنّنا نعني بذلك المناسك، لا بمعنى التراث والتقاليد التي تنزل في الدائرة الإلهية لدى الناس؛ وعلى هذا الأساس فإنّ رينيه غينون لا يجانب الصواب عندما يقول: إنّ الغرب يبتعد عن جميع القيَم الأخلاقيّة، علينا أن لا نتصوّر بأنّ الغرب حيث يسمح بالحريّة الدينيّة فإنّه يتمحور بذلك حول الأديان، كلا فإنّ هذه الأديان التي يتحدّث عنها الغرب هي أديان زائفة. إنّ الحجم الكبير لأنواع العرفان الحديثة الظهور في الغرب، لا يشكّل دليلاً على وجود الأديان. إنّ حياة البطر هذه، من شأنها أن تتحوّل إلى أسلوب، لا بمعنى الأصل المعنوي. ولذلك عندما يبادر الغرب إلى تشريع قانون المثليّة، يعتبر ذلك في الوقت نفسه أصلاً أخلاقيًّا، ولكن هذا ـ على حدّ تعبير الفارابي ـ يمثّل أخلاقًا زائفةً وغير حقيقيّةٍ. إنّ مراد رينيه غينون هو أنّه عندما تتّسع دائرتكم وتنتشر إلى الأطراف، تفقد نسبتها مع تلك الوحدة. فيما يتعلّق بحقل الشرق يذهب رينيه غينون والسيد حسين نصر إلى الاعتقاد بأنّ جميع الشرق لا يزال قائمًا على هامش تراث الغرب. يمكن للتراث أن يضفي وحدة على هذه الأمور. وأن ينقذها من التعدّديّة والانهيار. ومن هنا يذهب جميع التقليديين إلى الاعتقاد بأنّ الغرب قد ابتعد عن المعنويات والأخلاق. إنّ المراد من مفردة البطر ليس هو المعنويّة، فالمعنويّة هي أساس الحياة وجميع القيَم الإنسانيّة الأصيلة؛ وحيث تبتعد هذه الأصول لا يمكن لها أن تسود البشر. ومن هنا يذهب نيتشه إلى الاعتقاد بأنّ أزمة الحضارة الغربيّة ترتبط بأجمعها ارتباطًا مباشرًا مع أزمة الإنسان. إنّ المسألة الأهمّ عند رينيه غينون، وأناندا كوماراسوامي، وشوان، والسيد حسين نصر ـ وبطبيعة الحال هي عند حسين نصر بشكل أقل، وعند غينون وكوماراسوامي بشكل أكبر ـ هي أنّ الإنسان الغربي المعاصر ليس إنسانًا متعاليًا. كما أنّ الغرب من وجهة نظر التقليديين قد فقد رؤيته. إنّ الغرب قد فقد حرّيته، فهو غارق في سكرة السلطة ونشوتها بحيث غشي على بصره. وهذا بطبيعة الحال لا ينهض دليلاً على أنّ الغرب لا يمتلك سلطة؛ كلّا فإنّ مراده هو البحث الفلسفي. لا أعني أنّ الغرب سوف يزول بعد سنة أو بعد عشر سنوات. بل أعني أنّ هذا هو المصير المحتوم لجميع الحضارات التي تنفصل عن الأخلاق والمعنويّة والإنسانيّة.

* هل يُعدّ فشل الليبراليّة في الغرب مقدّمة منطقيّة لاضمحلال الحضارة الغربيّة؟

ليس بالضرورة. فقد احتدم النّزاع بين أتباع الليبراليّة وأتباع الليبراليّة الحديثة في الغرب منذ ما يقرب من ثلاثين سنة. فالليبرالية تقوم على الحرية دون التفات إلى العدالة. لقد ألّف «جون رولس» كتابًا حول نظريّة العدالة. وقد صرّح فيه قائلاً: إنّنا في الغرب قد شغفنا بالليبرالية حتى نسينا العدالة. في الدرجة الأولى، إنّ نقطة ضعف العدالة يكمن في أنّها أمر إنساني، وبالدرجة الثانية تصبح أمرًا اجتماعيًّا. إنّ من شأن الليبراليّة أن تؤدّي إلى ظهور الفاشيّة؛ لأنّ الليبرالية تسمح بأن يمتلك شخص الثروة في قبال 99%، وهذا في حدّ ذاته يساوق ظهور الفاشيّة. وهذا هو حال الولايات الأميركية المتحدة حقيقة، حيث إنّها تمثّل واحدًا في قبال 99%. وسواء شئنا أم أبينا فإنّ هذا يمثّل ثمرة لليبرالية المنفلتة. إذًا، يمكن لليبرالية أن تشتمل على جانب إيجابي يتمثّل بالحرية في المعنى السياسي والاجتماعي والاقتصادي، إلا أنّ الأهمّ هو الجانب الخفي من الليبرالية الذي يؤدّي إلى الفاشيّة. وذلك عندما يتم منح الناس حريّة مطلقة وغير مقيّدة. هناك بضعة أشخاص يمتلكون جميع الثروة المعنويّة والماديّة في المجتمع، بينما سائر الأفراد ـ من وجهة نظر الناقدين ـ ليسوا سوى عبيد في هذا المجتمع. وإنّ هؤلاء العبيد عندما ينتفضون؛ فإنّ من شأن ذلك أن يؤدّي ـ مثل ثورة العبيد في روما ـ إلى ظهور نوع من الفاشيّة. ولذلك عندما يتمّ وصف دونالد ترامب في الولايات المتحدة الأميركية بالفاشية، فهذا لا يأتي من فراغ، وإنّما هذا يعني بشكل دقيق نقدًا أساسيًّا لمفهوم الليبراليّة. فما الذي يمكن فعله حاليًّا لعلاج الليبرالية؟ إنّ علاج الليبرالية يكمن في الاهتمام بالعدالة. يقول الليبراليون لقد كانت الاشتراكية في صُلب العدالة، بمعنى أنّ الاشتراكيّة تقوم على العدالة، في حين أنّ الليبرالية تقوم على الحريّة المنفلتة. ومن هنا فإنّ الكثير من البلدان الأوروبيّة تقع في صُلب الليبرالية. بمعنى أنّها تمتلك المظلّة التي تبسط حمايتها على المجتمع والمواطنين. ولهذا السبب فإنّهم يقلّلون من احتمال ظهور الفاشيّة. من ذلك مثلاً أنّ المواطن في جميع البلدان الإسكندينافيّة وفرنسا وما إلى ذلك، لو أصبح عاطلاً عن العمل، فإنّه سوف يحظى بدعم الدولة؛ لا أن البنك سوف يصادر بيته لمصلحته. ولكن ليس لهذا الأمر من معنى في الولايات المتحدة الأميركية. وذلك لأنّ الولايات المتحدة الأميركية تمثّل مظهر الليبراليّة بأجلى مصاديقها. إنّ أمثال فون هايك من الذين يفكّرون على أساس الليبرالية الحديثة يعتقدون بأنّ الليبرالية الحديثة تمثّل علاجًا لليبرالية. ولكن ليس بالضرورة؛ لأنّكم مع ذلك لا تجدون في الليبرالية الحديثة سوى طيف ضئيل من العدالة. كما أنّ العدالة لا تمثّل المسألة الرئيسة في مشروعهم حول الإنسان والأخلاق. إنّك في مثل هذا المجتمع تسعى إلى الحصول على الثروة مهما كلّف الأمر، حتى وإن كان ذلك من خلال إثارة الحروب وإراقة الدماء، وعندما نسأل الولايات المتحدة الأميركية عن سبب تخصيصها مبلغ 750 مليار دولار للإنفاق على قطاعها العسكري والميزانية الحربية؟ تقول: إنّ هذا هو الأساس الذي قامت عليه الدعائم الأميركية. لا يمكن لنا أن نوقف بيع السلاح بحجّة الدفاع عن إنسان بريء سوف يقتل به على يد الشاري؛ فلا مساحة هنا للأخلاق الإنسانيّة في اتّخاذ القرار. ومن هنا تؤدّي الليبرالية في الغرب إلى ظهور الفاشيّة. يسعى الغرب إلى الهروب من الليبرالية، ولكن الغرب يساوي الليبرالية. إنّ الليبرالية ـ مثل العدميّة التي تقدّم ذكرها ـ تمثّل نقطة ضعف الغرب. إنّ الليبرالية تدفع المجتمع حتمًا إلى تفريغ العمل والسعي والأمل من محتواه، وتحوّل الإنسان إلى آلة صمّاء. لا نقول إنّ الإنسان يساوي الآلة. وربما كان جلال آل أحمد والدكتور علي شريعتي محقّين في قولهما: إنّ الغرب يعني الآلة.

* هل يمكن توظيف أزمة الحضارة الغربيّة بوصفها فرصة للدعوة إلى التعاليم الإسلاميّة؟

لقد استفاد الغرب من خلال الحضارة الإسلامية. لا سيّما في الفترة التي كانت تعاني فيها الحضارة الإسلامية من الركود الذي أدّى بها لاحقًا إلى الانحطاط. في حقبة الحروب الصليبية كانت الحضارة الإسلامية متفوّقة على الحضارة الغربية. وقد توقّع هانتنجتون نفسه بأنّ الغرب إذا آل إلى الضعف، وقويت شوكة الحضارة الإسلامية، فإنّ الحضارة الإسلامية يمكن لها أن تمتلك جاذبية كبيرة. الذي أقوله هو أنّ هذا البحث فائق الأهميّة. إن المخاوف الجادة حاليًّا في أوروبا تكمن في وجود الإسلام في أوروبا، وهم يتساءلون عمّا إذا كان بمقدورهم إخلاء القارّة الأوروبيّة من المسلمين. فهل يجب العمل على إخراجهم من أوروبا أم لا؟ كيف سيكون وضع السكان المسلمين في مستقبل أوروبا؟ في الكثير من البلدان الأوروبية ـ التي لم نأتِ على ذكرها ـ مثل بلجيكا، نجد هناك أعدادًا كبيرة من المسلمين، وفي الكثير من البلدان الأخرى مثل السويد هناك برلمانيون وحتى وزراء من المسلمين، وإنّ المسلمين آخذون في التجذّر في أوروبا. ولكن مرادي ليس هو الرؤية السطحيّة إلى الأمور. فإنّ المشكلة تكمن في أنّ أحد أسباب ضعف الحضارة الإسلاميّة يكمن حاليًّا في هيمنة الحضارة الغربية. وعندما ينخفض مستوى هذه الهيمنة، ويتمّ تخفيف الضغط على المسلمين وترتفع سلطة الغرب عليهم، يمكن لهم التفكير عندها باستقلالية. ولكنّني لا أتمنّى سطوة التفكير السلفي والإخواني. وإنّما أرغب في تفكير يعمل على بلورة الحضارة الإسلاميّة. وهي الحضارة التي تمخّضت عن الفارابي وابن سينا والسهروردي وأبي ريحان البيروني والخوارزمي. إنّ هذه حضارة أخلاقية وإنسانية، وعليه فإنّها لا تسعى إلى الهيمنة، وإنّما تشكّل قضيّة الإنسان من أهم أهدافها الأصيلة. وعلى هذا الأساس عندما نتحدّث عن الحضارة الإسلامية الحديثة، فإنّما نعني بذلك أنّ هذه الحضارة هي في الدرجة الأولى حضارة أخلاقيّة/ إنسانيّة. أجل يمكن لبديل الحضارة الغربية القمعية السلطوية، أن يكون هو الحضارة الإسلامية، والحضارة القائمة على الثقافة.

-------------------------

[1]ـ  تعريب: السيد حسن علي مطر الهاشمي.

[2] - سورة الإنسان (76)، الآية رقم: 3.

[3] - سورة هود (11)، الآية رقم: 28.