البحث في...
عنوان الحوار
إسم المحاور
إسم مجري الحوار
المصدر
التاريخ
ملخص الحوار
نص الحوار
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

October / 4 / 2021  |  94الأساس في علم الاستغراب هو معرفة المباني المعرفية والفلسفية للحداثة

الحوار مع :د. مهدي نصيري
الأساس في علم الاستغراب هو معرفة المباني المعرفية والفلسفية للحداثة

يتركّز هذا الحوار مع الدكتور مهدي نصيري على معنى الاستغراب النقدي ودلالته في ثقافة النّخب المسلمة اليوم. والاستاذ نصيري هو من رؤساء التحرير والصحفيين المخضرمين في إيران. وقد شغل منصب رئيس التحرير والمدير المسؤول في صحيفة صبح الأسبوعية وصحيفة كيهان سابقاً. وحالياً يعمل على إصدار مجلة سمات الفصلية. كما نشر عشرات الأبحاث والدراسات، نذكر منها: (الإسلام والتجديد)، و(الشهيد مرتضى آويني والحداثة)، و(الظهور والسقوط الحديث)، و(الأسس النظرية للغرب الحديث)، و(النصف المحتجب من أميركا)، و (سيادة رأس المال)، و (نهب العلم والطبيعة)، و(أزمة العلم الحديث). نسعى في هذا الحوار إلى الخوض مع فضيلته في بعض المسائل الخاصة بالاستغراب.

«المحرّر»


* ما هو المنطلق وطريقة التقدّم بمشروع يحمل عنوان «الاستغراب الانتقادي»؟ .. ثم كيف لنا أن نعمل على إدارة مثل هذا المشروع من أجل أن يصل إلى خواتيمه ونتائجه المطلوبة؟

ـ الطبقة الأعمق في الاستغراب تكمن في المباني المعرفية والفلسفية. إنّ مبنى الحداثة يقوم على الذات الجوهرية المعرفيّة والفكريّة للإنسان، الذي يتمّ التعبير عنه حالياً من قبل البعض بالموضوعيّة أو الإنسوية المعرفيّة. يتم العبور من الإنسويّة والأساس المعرفي الذاتي إلى الإنسويّة الأنطولوجيّة، ويصبح الإنسان محوراً في كلّ شيء، ويكون منشأ لجميع القيَم، ويحدّد الواجبات والمحظورات. إنّ العنصر الفلسفي والمعرفي الأهم في الحداثة هو الانفصال عن الله والغيب وحصر الحقيقة في الحس والمادّة، وإنّ جميع الأبعاد الأخرى المثيرة للتأزّم تنشأ من هذا العنصر. وأقترح أن نعمـل ـ بعد الفهم الصحيح للمبانـي الفلسفيــة والفكريـة للحداثـة ـ على نقـدها ـ بدلاً من تأصيل انتقادات بعض المفكرين الحداثويين ـ على أساس القرآن والسنة ومعارف أهل البيت (ع)، رغم عدم وجود إشكال في الاستفادة من المسائل الانتقادية لمفكري الحداثة أو ما بعد الحداثة أيضاً، بل إنّ ذلك مفيد أيضاً. لقد كان المفكرون من أمثال: رينيه ديكارت، وديفد هيوم، وإيمانوئيل كانط، وغيرهم من المؤسّسين لفلسفة الحداثة، ومن الضروري نقد الأصول والمباني الفكرية لهؤلاء المفكرين على أساس موازين العقل والوحي، ثم العمل بعد ذلك على توظيف أداة العقل والوحي في نقد العلوم الجديدة ـ الأعم من العلوم الإنسانية والطبيعية ـ والتكنولوجيا الحديثة والأبنية الحضارية الجديدة. إنّ من بين أهم الموضوعات التي يجب الخوض فيها حول نقد الحداثة، نقد نظرية المسار المستقيم لتطور التاريخ، من الهمجيّة والجهل والتخلف إلى الكمال والتطور، القائم على أساس مدعيات ديفد هيوم الواهية والمختلقة؛ ولكن كان لها التأثير الأكثر تدميراً على المباني الفكرية الدينية التقليدية، وترسيخ الحداثة في الأذهان والمجتمعات. إنّ هذه النّظريّة ـ التي تحظى تقريباً بالسيادة والمقبوليّة من قبل الأكثريّة القاطعة وحتى من قبل المتدينين واللاهوتيين ـ على خلاف المسلمات الدينية والعقلية والنصوص التاريخية المعتبرة. وفي الخطوة اللاحقة يجب أن تتمّ الاستفادة من الكتب والمقالات التي كتبها الكتّاب والمستنيرون الغربيون في نقد التجديد وشرح الأزمات الناجمة عن الحضارة الجديدة، لما في ذلك من الفائدة الجمّة والمقنعة.

* لماذا تمسّ الحاجة إلى ضرورة علم الاستغراب في الإحياء الحضاري الإسلامي المعاصر؟

ـ لست من القائلين بإمكانيّة تحقّق الحضارة الإسلامية على مستوى مقبول ومقنع في عصر الغيبة، ولا سيما في عصر سيطرة الحداثة، وإنّما أرى مجرّد إمكانيّة مقدار محدود منها، وهذا المقدار يحظى اليوم ـ بطبيعة الحال ـ على أهمية كبيرة، وسوف يحتوي هذا المقدار على منجزات عظيمة، ومن هنا فإنّ متابعة هذا الأمر واجب يقع على عاتق المتدينين والمؤمنين، وأمّا تصوّر أنّ الحضارة المتناسبة مع الدين أو غيبة الإمام المعصوم وهيمنة وسيطرة الحضارة الإنسوية الحديثة قابلة للتحق، فهو تصوّر خاطئ. وهذا هو المدّعى الذي سوف أبحثه وأثبته في كتاب قيد التأليف بعنوان «عصر الحيرة». إنّ موضوع هذا الكتاب هو بحث إمكان أو امتناع تحقّق الحضارة الإسلامية في عصر الغيبة وسيطرة الحداثة. ومع ذلك فإنّ الاستغراب ضروري جداً لتحقّق القدر المقدور من إقامة المجتمع الديني، وكذلك حفظ العقيدة والإيمان الديني، وكذلك الحصانة في مواجهة الفتن والشبهات في آخر الزمان، وكما يقول أمير المؤمنين: «لن تعرفوا الرشد حتى تعرفوا الذي تركه». وعليه فإنّ فهم مسار الهداية في العصر الراهن يكمن ـ في الأساس ـ في التعرّف على أهم تيارات الضلالة، ويتمثل هذا التيار بلا شك في الحضارة الإلحادية والإنسوية والشيطانية في عالم الغرب. وفي الحقيقة فإنّ التجديد والحداثة عبارة عن تيّار غُرست بذرته النظرية والفلسفية بشكل رئيس في أوروبا في القرن السادس عشر للميلاد، وانتهى بالتدريج عبر القرون اللاحقة إلى تبلور العلوم الجديدة والتكنولوجيا الحديثة والأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية الجديدة، وتحول في القرن العشرين إلى أكثر الحضارات البشرية سلطة في التاريخ، وأخضع جميع الحضارات تحت تأثيره مع اختلاف بين هذه الحضارات في الشدّة والضعف. ولا بدّ من الإشارة إلى هذه الحقيقة ـ بطبيعة الحال ـ وهي أنّ البارود والأسلحة النارية الحديثة كانت ممهّدة للحضارة الجديدة وتصديرها إلى آسيا وأوروبا وأميركا وأفريقيا، وفي الحقيقة كانت رائحة البارود تتصاعد من فتوح البلدان الحديثة بغية استعمارها ونهب خيراتها ومصادرة ثرواتها، ولكن على كلّ حال وبعد اجتياح البلدان تمكّنت بالتدريج من تصدير فلسفتها وأيديولوجيتها، والعمل بذلك على غزو الأذهان والقلوب أيضاً. إنّني في مسار نقد التنوير الغربي أدركت أنّ الاغتراب والتأثّر بالغرب لا يقتصر على المستنيرين فقط، بل يمكن العثور على بعض طبقاته حتى بين مختلف الطبقات التقليدية، بل وحتى بين المخالفين للمستنيرين، بل وبين المنتسبين إلى الحوزة العلمية وجميعنا أيضاً. من ذلك أنّنا بأجمعنا ـ على سبيل المثال ـ نثني بشكل وآخر على التنمية والعلم والتكنولوجيا الغربية ونمجدها، أو أنّنا نقبل بها على نحو اللّا بشرط، أو في طبقة أشدّ خفاء واستتاراً من الاغتراب نتصوّر جميعاً أنّ ما وراء ذلك كان عبارة عن العصر الحجري، وأنّ تاريخ البشر قد بدأ مع الجهل والصبا والسكن في الكهوف والمغارات ـ في حين أنّ القرآن الكريم ومئات الروايات صريحة في أنّ تاريخ البشر قد بدأ بالعلم والنبوة ـ وعليه يكون هذا التصوّر منا عين الاغتراب.

* هل لكم أن تذكروا لنا أنواع التأثير الذي تتركه الحضارة الغربية على اجتماع وثقافة المسلمين؟

ـ لقد كانت الحضارة الغربية الجديدة مؤثّرة تقريباً وفي جميع الأبعاد ـ مع الاختلاف في الشدّة والضعف ـ على مجتمع وثقافة المسلمين والتشيّع.  وإنّ أعمق وجه فيها يكمن في البُعد المعرفي والأبستيمولوجي الذي شغل أكثر النُخَب والمستنيرين وحتى أغلب علماء الدين فيما يتعلق بالحقول العلمية والتقنية والعناصر الحضارية، وبعد ذلك ـ كما سبق أن ذكرنا ـ التأثير البالغ التدميري لنظريّة الحداثة التاريخيّة، التي اجتاحت أذهان الجميع من الشباب والشيوخ، وأدّت بالجميع إلى الإذعان بأنّ التاريخ البشري ـ أو في الحد الأدنى في الحقل المادي والمعيشي والعلوم التجريبية والتقنية ـ قد بلغ مرحلة الكمال، وإنّ الحداثة هي التي أوجدت هذا الكمال. لقد كان السيد جمال الدين الأسدآبادي هو المؤسّس لصورة المسألة الخاطئة لتطوّر الغرب وتخلف الشرق ولا سيّما المسلمين في إيران وبعض البلدان الإسلامية الأخرى، الأمر الذي أدّى إلى سوء الفهم الجوهري بشأن ماهيّة الحضارة الغربية إلى يوم الناس هذا. إنّ السيد جمال الدين وأمثاله من المتأثرين بالمظاهر الخادعة والمزوّقة للغرب، لم يتمكّنوا من رؤية الماهيّة الحقيقيّة والمادية المذمومة للغرب في طلب الدنيا، والذي يكمن في الميل إلى الخلود إلى الأرض، وكما ورد في القرآن الكريم: (يَعۡلَمُونَ ظَٰهِرٗا مِّنَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ عَنِ ٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ غَٰفِلُونَ) [الروم- 7]. طبقاً للمباني القرآنية والروائية، هناك عالمان، وهما أوّلاً: عالم البلاغ، الذي هو مزرعة الآخرة، وثانياً: العالم الملعون، وهو عالم من دون آخرة. والحداثة تسعى بالكامل إلى بناء عالم من دون آخرة، بل هي في عين إنكارها لعالم الآخرة، تسعى إلى تحقيق جنتها في هذه الأرض، ولكنّها وللمفارقة لم تحقّ في نهاية المطاف غير الجحيم الذي نشاهده الآن ماثلاً أمامنا؛ حيث العالم زاخر بالضياع والضلال المادي والمعنوي، وهو بالإضافة إلى ذلك يواجه مختلف الأزمات على مستوى البيئة، واتّساع الفجوة بين الفقراء والأغنياء، وتفشي العدميّة المعرفية والأخلاقية، وانهيار المنظومة الاجتماعية، والحروب المفتوحة، وانعدام الأمن، حيث العالم عرضة في كل لحظة لاندلاع حرب كونية ذرية لا تبقي ولا تذر. إنّ غلبة نمط الحياة الحديثة في مختلف الأبعاد، يُعدّ من الآثار المدمّرة الأخرى للحضارة الجديدة على المسلمين. إنّ حياتنا تسير في صُلب التشبّه بالكفار في جميع الأبعاد الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ويزداد هذا التشبّه حدّة يوماً بعد يوم. وعلى هذا الأساس يجب أن يكون الاستغراب الانتقادي من أهم الأولويات الفكرية والثقافية للمجتمعات الإسلامية والشيعية والمؤسّسات التعليمية والإعلامية والثقافية والفنية. فما لم تنصرف الأذهان والقلوب لدى عموم أفراد المجتمع ـ ولا سيّما بين الشباب ـ عن الغرب، وما لم يتمّ إثبات خواء الغرب لهم، فإنّ جميع الجهود الفكريّة والثقافيّة سوف تكون بتراء وناقصة. بل حتى الفهم العميق لبعض الآيات والتعاليم القرآنية وروايات أهل البيت»، رهن بفهم ماهية وأبعاد الحداثة. قال الإمام الصادق في حديثه عن بني أمية: «إن بني أمية أطلقوا للناس تعليم الإيمان، ولم يُطلقوا تعليم الشرك، لكي إذا حملوهم عليه لم يعرفوه». واليوم لا شكّ في أنّه من دون التعرّف على الشرك والباطل الذي يتجلى تجسيده العملي حالياً في الحضارة الغربية، لا يمكن لنا أن نحصل على معرفة صحيحة وجامعة ومؤثّرة للإسلام. وإنّ معرفة الإسلام دون معرفة الغرب ستبقى بتراء وناقصة، بل ومن الممكن أن تنتهي حتى إلى الاستسلام لسيطرة الغرب.

* ما هي برأيكم أبعاد وتداعيات الغزو الثقافي الغربي على العالم الإسلامي؟

ـ لقد نجح الغرب الحديث ـ من خلال التسخير الفكري للنخَب في العالم الإسلامي، وتلقينهم التخلف الحضاري- في دفع العالم الإسلامي إلى الانفعال والتبعية له في مختلف الأبعاد. إنّ البلدان الإسلامية بشكل عام ما هي إلا مستعمرات ـ رسمية أو غير رسمية ـ للعالم الغربي، وليس أمامها من طريق للوصول إلى مستقبلها سوى سلوك المسار الذي يضعه الغرب أمامها. إنّ العالم الإسلامي يفتقر إلى المفكرين الذين يتمتعون بتحليل عميق وجذري للحداثة، وإنّهم في أفضل حالاتهم إنّما يقتصرون على معارضة الأنظمة السياسية والإمبريالية الغربية، مع البقاء على عجزهم عن النفوذ في صلب الخلفيات الفلسفية والنظرية للحداثة، ومن هنا فإنّ هؤلاء المفكرين حتى إذا قيّض لهم أن يمسكوا بمقاليد السلطة السياسية في موضع ما، سوف يسقطون مجدداً في حبائل الغرب. إنّ كتابي بعنوان «الإسلام والتجديد» تحقيق حول نسبة الإسلام إلى الحداثة والتجديد في صلب القرآن والسنة وآثار العلماء المتقدمين. لقد قمت في هذا الكتاب بالدفاع عن نظرية التقابل والتعارض التام بين الإسلام والحداثة، وقد أثبت ـ من خلال الاستناد إلى الآيات والروايات وأقوال بعض علماء الدين واعترافات بعض المفكرين الغربيين ـ أنّ الحداثة بجميع أبعادها العلمية والتقنية والبنيوية والحضارية ليست سوى بدعة في قبال التعاليم السماوية. وفي الحقيقة فإنّ هذه الحضارة إنّما هي في قبال الحضارة التي تمّ رسمها من قبل الوحي والأنبياء والمرسلين. وبطبيعة الحال فإنّ هذه مصيبة كبرى تحيق بنا بسبب ضياع حاكميّة وإدارة الإمام المعصوم والحجة المنتظر ـ سلام الله عليه وعلى آبائه الطاهرين ـ وغيبته في الأرض، ولا يمكن الخلاص من ذلك بالكامل إلا بظهور هذا الإنسان، ولكن في الوقت نفسه إذا أمكن للعالم الإسلامي أن يكوّن معرفة عميقة بالغرب قائمة على التعاليم القرآنية والسنة الدينية، فسوف يتمكّن إلى حد كبير من تحدي القيَم الغربية، والعودة إلى القيَم الدينيّة والسماويّة في البُعد النظري على مستوى كبير، وفي البُعد العملي على مستوى محدود.

* ما هي الأرضيات التي يمكن للعالم الإسلامي أن ينافس الغرب فيها على المستوى الفكري والثقافي؟

ـ يتعيّن على المسلمين قبل كلّ شيء أن يتخلّصوا من أكذوبة تقدّم الغرب وتخلّف الشرق والمسلمين، وهذا الأمر يقع على عاتق النّخَب في العالم الإسلامي. يجب إعادة قراءة الغرب الجديد وتقييمه بعيداً عن المشهورات المختلقة والموضوعة من قبل الغربيين أنفسهم، والتي عمدوا على نشرها وتوسيعها من خلال منظومة التربية والتعليم والمدارس والجامعات الحديثة والوسائل الإعلامية. لو توجّهنا إلى دراسة الغرب وانتقاده مسلحين برؤيةٍ قرآنيةٍ مدعومة بالتعاليم النبوية وروايات أهل البيت»، وأن تكون لنا نظرة إلى آثار المفكرين الغربيين المنتقدين للحداثة ـ من الذين لمسوا وعاشوا تجربة الحداثة والتجديد عن كثب ـ فسوف نكون قادرين على بلورة منظومة ومنهج جديد في قبال المنهج المهيمن والحديث، وسوف نتمكن من توجيه المجتمعات البشرية وهدايتها إلى الله ونداء السماء، والعمل من خلال تضميد الجراح وإعادة بناء الأطلال الحضارية  الناشئة من الحداثة، على توجيه البشرية إلى موعود جميع الأديان، وبذلك سوف نعمل على إحياء جذوة الأمل في قلب المجتمعات المصابة بداء العدميّة. وبطبيعة الحال قد لا يجد العالم الإسلامي مندوحة من سلوك المسار الذي سلكه الغرب في حقل الاقتصاد والتكنولوجيا والعلم وما إلى ذلك، إلا أنّه أوّلاً: يمكن كبح هذا الاضطرار والسيطرة عليه إلى حدّ ما. وثانياً: يمكن له أن يتحرّر من السيطرة المادية والاستعمارية للغرب والولايات المتحدة الأميركية. وثالثاً: أنْ يتمّ وضع أفق واضح إلى المستقبل أمام الإنسان المسلم، وهذا يتمثّل بانتظار الفرج وظهور المنجي والموعود. وفي الوقت نفسه، يُمكن لرؤية العالم الإسلامي إلى الشرق، والاستفادة من التنافس القائم بين القوى العظمى في الشرق والغرب، أن تمثّل خطوة أخرى إلى تحقيق الاستقلال والحد من السيطرة والهيمنة الغربية.

* هل المواجهة الانتقائيّة مع الغرب صحيحة وممكنة؟ بمعنى أن نعمل من خلال التفكيك والفصل بين الحسن والقبيح في الثقافة الغربية؟

ـ إنّ الغرب الجديد والحديث بمثابة مجموعة متكاملة عبارة عن مذهب مشتمل على رؤية أبستيمولوجية، وعقدية، وإنثروبولوجية، وأيديولوجية، وعلمية، وتكنولوجية، بالإضافة إلى بنيته الخاصة، وهو ـ بطبيعة الحال ـ متعارض في جميع هذه الأبعاد مع التعاليم السماوية والعقلانية. لا يمكن جني الثمار اليانعة والنافعة من الشجرة الخبيثة، قال تعالى: (وَٱلۡبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخۡرُجُ نَبَاتُهُۥ بِإِذۡنِ رَبِّهِۦۖ وَٱلَّذِي خَبُثَ لَا يَخۡرُجُ إِلَّا نَكِدٗاۚ كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَشۡكُرُونَ) [الأعراف- 58]. إنّ أخذ أيّ وجهٍ من وجوه الحداثة الغربية، سواء في ذلك محاصيلها النّظريّة والفلسفيّة والعلميّة أو ثمارها التقنيّة وأبنيتها الحضارية، أو أسلوب حياتها، من مصاديق التشبّه بالكفار، وهو محظور ومحرّم. وقد ورد في المروي عن الإمام جعفر الصادق أنّه قال: «إنّه أوحى الله إلى نبي من أنبيائه قل للمؤمنين: لا تلبسوا لباس أعدائي، ولا تطعموا مطاعم أعدائي، ولا تسلكوا مسالك أعدائي فتكونوا أعدائي كما هم أعدائي». وقال آية الله الشيخ أبو الحسن الشعراني في شرح هذه الرواية: «إن عبارة «ولا تسلكوا مسالك أعدائي» تشمل جميع حالات التشبّه بالكفار. يذهب علماء الاجتماع من أمثال ابن خلدون، وكذلك الفهم الفطري لأهل الورع والتقوى الذي لا يتطرّق إليه الخطأ، والذي ينفر كلّ شعار وسلوك صادر عن الكفار، إلى تأييد مضمون هذا الحديث. يقول ابن خلدون: إنّ التشبّه بالكفار أمارة ضعف وذلّ، وهو مدعاة لقبول سلطة الكفار. وعندما رأى ابن خلدون تشبّه المسلمين في الأندلس بالنصارى في سلوكهم، تنبأ بأنّهم سوف يخضعون قريباً لسلطة الكفار، وقد تحقّقت نبوءته. وأما أهل التقوى فإنّهم يجتنبون كلّ من يتلبس بلباس الكفار، وينظرون إليه بعدم الرضا، كما ينظرون إلى الذين يقترفون الكبائر؛ وذلك لأنّهم أدركوا بفطرتهم السليمة أنّهم سبب هوان المسلمين، وأمارة ضعف سلطة الدين. ومن هنا فإنّ أهل الورع والتقوى، يقاومون ويعارضون كل جديد آت من قبل الكفار، حتى إذا كان مشتملاً على جانب حسن ونافع؛ وذلك لأنّه من حيث انتسابه إلى الكفار يعتبر علامة على الشر والفساد». وبطبيعة الحال لا بدّ من أن أكرّر القول بأنّه لا توجد حالياً إمكانيّة التخلي عن الكثير من المنتجات والوسائل والأدوات الحديثة؛ لأنّ هذا المسعى يؤدّي إلى الإخلال في النظام الاجتماعي والمعاشي، وهذا ليس مطلوباً من الناحية الشرعية، ومن هنا تعتبر الاستفادة الاضطرارية من الحداثة أمراً جائزًا. بيد أنّ المهمّ هو وجوب وضع الحدود الضرورية على المستوى النظري بين الإسلام والتجديد، وتجنب القبول بتصوّرات الحداثة التي يؤدّي أكثرها إلى التلازم مع إنكار العقائد الدينية، والعمل على وضع الحدود ما أمكن على المستوى العملي أيضاً.

* هل يمكن لكم أن تذكروا لنا أسماء الناقدين للغرب سواء الغربيين منهم أو العرب أو المسلمين؟

ـ في القرن الأخير ظهر الكثير من المفكرين في الغرب، حيث انتقدوا الحداثة من جهات عديدة، وبيّنوا جانباً أو أكثر من أزمات الحضارة الجديدة. ومن بين هؤلاء بعض المنتمين إلى تيّار ما بعد الحداثة. ويمكن للراغبين ولا سيّما منهم المختصّين في حقل الاستغراب أن يستفيدوا من آثار هؤلاء المفكرين دون الدخول في تأييد ما ذهبوا إليه بشكل كامل. ومن بين هؤلاء المفكرين يمكن لنا تسمية كل من: مارتن هايدغر، وفرانسوا ليوتار، وهربرت ماركوزه، وميشال فوكو، وجان بودريار وغيرهم. وإنّ كتاب رينيه غينون بعنوان «أزمة العالم المتجدّد» جدير بالقراءة. كما أنّ للكاتب المصري عبد الوهاب المسيري مقالات جديرة بالقراءة في نقد الحداثة، وقد تمّت ترجمة بعضها إلى اللغة الفارسية في كتاب تحت عنوان «الحداثة ورائحة البارود»، وقد صدر عن دار نشر كتاب صبح. ومن بين المؤلفين الإيرانيين المنتقدين للحداثة تعدّ مؤلفات السيد مرتضى آويني من أفضل الأعمال في هذا المجال. كما أنّ أعمال المفكرين الآخرين من أمثال: الراحل أحمد فرديد، والراحل مدد بور، ورضا داوري، وشهريار زرشناس جديرة بالمطالعة ومفيدة أيضاً.


تعريب: حسن علي مطر الهاشمي.