البحث في...
عنوان الحوار
إسم المحاور
إسم مجري الحوار
المصدر
التاريخ
ملخص الحوار
نص الحوار
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

November / 9 / 2021  |  155الإسلاموفوبيا هي التعبير الأقصى عن أيديولوجية التعصب ضد الإسلام

الحوار مع :د. سعد الله زارعي
الإسلاموفوبيا هي التعبير الأقصى عن أيديولوجية التعصب ضد الإسلام

ينحو هذا الحوار مع الدكتور سعد الله زارعي باتجاه تعميق الرؤية حول أطروحة الإسلاموفوبيا التي أخذ بها الغرب الأوروبي والأميركي خلال العقود المنصرمة للتخويف من الإسلام في إطار سعيه الإستراتيجي لإعادة الهيمنة على المجتمعات والدول الإسلامية. والدكتور سعد الله زارعي حائز على درجة الدكتوراه في حقل العلوم السياسية من جامعة العلامة الطباطبائي. يشتغل حالياً في التدريس والتحقيق في مختلف الجامعات. كما يعدّ سماحته واحداً من الخبراء الناشطين في المسائل الدولية ومن المحققين والصحفيين من ذوي الأعمال الكثيرة في إيران. وقد صدرت له الكثير من الكتب والمقالات والحوارات حول مسائل العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

من أبرز أعماله (الحرب على الثورة)، و(عمليات التغيير)، و(إسرائيل واستجداء الأمن)، و(التعاطي بين حقل السياسة والثقافة)، و(جذور انعدام الأمن في العالم)، و(جذور خوف الغرب من انهيار إسرائيل) وما إلى ذلك من الأعمال الأخرى. ومن هنا فإننا نسعى في هذا الحوار إلى تناول بعض أبعاد الرُهاب من الإسلام أو ما يعرف بـ (الإسلاموفوبيا) في الغرب.

«المحرر»


* هل لكم أن تحللوا لنا أهداف الغرب من وراء دعم وترسيخ مفهوم «الإسلاموفوبيا» أو الرُهاب من الإسلام؟

ـ الغرب شديد الحساسية ـ أو بعبارة أدق: شديد التعصّب ـ تجاه ثقافته وحضارته ومنجزاته. وكما نرى فإنه يتمّ في الغرب مواجهة أي حركة ضدّ هذه المتبنيات والأنظمة والأصول والمنظمات والمباني بكل حزم وشدّة. إن الغرب شديد الحساسية فيما يتعلق بضرورة الحفـاظ على بسط سيطرته وهيمنته، وقد أثار ـ من أجـل ذلك ـ الكثير من الحروب

المأساوية والعنيفة التي راح ضحيتها ملايين البشر على ما هو ملحوظ في القرنين المنصرمين من التاريخ الغربي. وقد جاءت هذه الحروب في سياق الحفاظ على القيَم والأصول والأفكار والمنطق الغربي. فها نحن اليوم نسمع مفكراً بارزاً ما أن يتناول بالنقد أو التشكيك واحداً من الأصول الغربية حتى يحكمون عليه بالسجن المؤبّد، أو يدبرون له في النظام القضائي أو الجهاز الأمني والاستخباري من يقوم باغتياله؛ وعليه فإن هذا يدلّ على أنهم حساسون جداً تجاه حضارتهم وأيديولوجيتهم، ولا يجاملون أحداً فيما يتعلق بصيانة هذه المسألة والحفاظ عليها أبداً. وهذا هو السبب الرئيس الذي يفسر معارضتهم للإسلام؛ وذلك لأن ما ينتجه الإسلام من فلسفة وآراء ومناهج وأصول ومنطق، وما يبقى من ذلك، ويقوم على أساسه، هو من وجهة نظر الغرب يختلف عن مناهجهم مئة بالمئة. وفي الأساس فإن البنية والفكر والمنطق والنتائج المترتبة على ذلك كله شيء آخر مختلف عن المتبنيات الغربية بالكامل. وبطبيعة الحال فإن هذا تعارض جوهري وأساسي وليس صادراً من جهتنا حيث يتهمون المسلمين ببعض الأمور أحياناً. وعلى كل حال فإن المسلمين يسعون إلى الحصول على شيء، بينما الغربيون يرومون الحفاظ على شيء حصلوا عليه منذ قرنين أو ثلاثة قرون سلفت. وعليه فمن الطبيعي أن يكونوا لذلك أشدّ حساسية من المسلمين في هذا الشأن. قد يقنع المسلمون بالقليل؛ لأنهم لا يملكون مثل هذه المنجزات الثقافية والحضارية، ولكن الغربيين لا يمكنهم أبداً أن يقبلوا بأن تتعرّض منجزاتهم إلى الخطر. ومن هذه الناحية من الطبيعي أن يكون الغربيون أشد حساسية وأن ينفقوا كلفة أكبر في إطار الحفاظ على مكتسباتهم. الأمر الآخر أن فوكوياما قال في مرحلة من الزمن: لقد انتهى كل شيء، وقد جفت الأقلام ورفعت الصحف على يد الولايات المتحدة الأمريكية، حيث طوت الصفحة الأخيرة من كتاب البشرية. فإذا أخذنا هذا الكلام بمعزل عن الإسلام، علينا أن نرى مدى قرب كلام فوكوياما من الحقيقة. فما هو مدى دقة زعمه القائل بأن التاريخ والحضارة والتكامل قد بلغ غايته، وأن الورقة الأخيرة قد ختمت بتوقيع الولايات المتحدة الأمريكية؟ أرى أن هذا الادعاء صحيح في الواقع. بعبارة أخرى: إنكم إذا نظرتم إلى هذا الادعاء في إطار الثقافات الصغيرة والثقافات الأخرى بمعزل عن الإسلام، ستدركون صوابيتها. ففي اليابان تتقدّم الأفكار الغربية وإن المتفوّق هناك هو الصناعات والتفكير المادي الغربي. فكل ما هو موجود في الولايات المتحدة الأمريكية موجود في اليابان أيضاً، وحتى في الصين التي يحكمها نظام شيوعي بحسب الظاهر، لا نشاهد إلا سريان الأفكار الأمريكية. ولكن عندما تصل إلى الإسلام، تصبح الأجواء مختلفة بالكامل. ولذلك فإن الإسلام يُعرف بوصفه المانع الماهوي الوحيد أما الأفكار والمنجزات الغربية. وعليه فإني أرى أن التفاوت بين الغرب والمسلمين طبيعي للغاية.

* من المعروف ان مشروع الإسلاموفوبيا يقوم ـ بشكل مباشر أو غير مباشر ـ على الاعتقاد القائل بأن الإسلام قبل أن يكون منظومة دينية مثل سائر الأديان الأخرى، هو عبارة عن أيديولوجيا سياسية، وبالاستناد إلى هذا المدخل يتقدمون بمشروع رُهاب الإسلام. فكيف يمكن تحليل ومناقشة هذا الاعتقاد؟

ـ أرى أن هذا الكلام مصداق للتعبير القائل: «كلمة حق يراد بها باطل»، بمعنى أن هذا الكلام صحيح من زاوية، وخاطئ من زاوية أخرى. يمكن تعريف الأيديولوجيا على هذه الشاكلة، الأيديولوجيا بوصفها وسيلة، والأيديولوجيا بوصفها غاية، والأيديولوجيا بوصفها ديناً، والأيديولوجيا بوصفها ثقافة، والأيديولوجيا بوصفها حضارة، أو بوصفها مجتمعاً، وهكذا. وعلى هذا الأساس يمكن القول ليس للأيديولوجيا معنى واحداً. والصحيح هو أن الإسلام أيديولوجيا. وذلك لأن الإسلام إنما جاء من أجل العمل وإدارة المجتمع، وجاء في إطار مواجهة الظواهر المعارضة له، وهذا هو معنى الأيديولوجيا بعبارة أخرى. إن الأيديولوجيا تعمل على بيان الطريق، بمعنى أنها تنظر إلى الأضداد وتحدد من بينها واحداً، وتقول هذا هو المسار الذي يتعيّن عليكم سلوكه. وهكذا هو الدين أيضاً؛ لأن الدين يهدي إلى الصراط المستقيم، وهناك في المقابل الكثير من الصُرُط الكثيرة المنحرفة والباطلة. إذن الدين أيديولوجيا والإسلام أيديولوجيا. وأرى أن الغربيين يريدون هذا التعريف تماماً، بمعنى أنهم عندما يتحدثون ضد الأيديولوجيا، إنما يتحدّثون ضدّ الإسلام، إن الإسلام والأيديولوجيا هنا شيء واحد. عندما يقولون بنبذ الأيديولوجيا، فإنهم ينظرون في ذلك إلى الإسلام، وإن كانوا لا يقولون ذلك مباشرة وبشكل صريح، وإنما يقتصرون على القول بوجوب أن لا تكون هناك أيديولوجيا، وعندما ندقق في هذا الكلام نجد أنه يعني وجوب أن لا يكون هناك إسلام؛ وذلك لأنهم يذهبون إلى الاعتقاد بمنع النظام القضائي للإسلام، ومنع الحدود الإلهية، وعدم تطبيق الحدود الإلهية؛ لأن هذه الأمور كلها تخالف حقوق الإنسان من وجهة نظرهم. فمن الناحية الثقافية أنت ممنوع من مخالفة أي فرقة منحرفة، ومن الناحية السياسية أنت ممنوع من مخالفة كيان مثل الكيان الصهيوني، وما إلى ذلك من الموارد الأخرى. هناك الكثير من الموارد التي تجدونها خارج الشخصية الإسلامية، مقبولة عند الغربين ضمن مفهوم الحرية وحرمة الإنسان، ويجب الدفاع عنها وصيانتها. وعلى هذا الأساس فإنهم يرفعون عنوان الأيديولوجيا؛ ليقولوا لنا إنهم لا يخالفون أصل الإسلام، وإنما يخالفون سوء الاستفادة من الإسلام. والمسلمون ـ بطبيعة الحال ـ يخالفون استغلال الإسلام وسوء الاستفادة منه أيضاً. ومن هنا سوف نصل وإياهم إلى نقطة التقاء؛ فهم يقولون: يجب عدم إساءة استخدام الإسلام، فالإسلام دين وليس أيديولوجيا، وعليه لا تسيئوا استغلاله. ونحن بدورنا نقول: إن الإسلام دين مقدس، ولا ينبغي أن يُستغل أو يستفاد منه بشكل مسيء. من ذلك أنهم ـ على سبيل المثال ـ يقولون: إن الأصولية فاقدة للمنطق والإبداع والتطابق والمرونة، ولا يمكن الوصول بواسطتها إلى الأهداف والغايات المنشودة؛ لأنها تحمل في صُلبها التعارض والحرب والنزاع. ونحن أيضاً نستخدم هذه الأدبيات ونقول: إن الأصولية ظاهرة مستقبحة وبغيضة.

* إلى أي مدى ساهمت الإسلاموفوبيا في التمييز العنصري والظلم الاجتماعي ضدّ المسلمين في الغرب؟

ـ الذين يعملون على الترويج للخوف من الإسلام ويواصلون الترويج له إنما هم جبهة واحدة، حتى إذا عملوا على استقطاب بعض المسلمين إلى الانتساب والعضوية في هذه الجبهة. وإن عملت جبهة ما على الترويج إلى الخوف من الإسلام، هو في حدّ ذاته ممارسة عنصرية. بمعنى أن هناك جماعة قد تظاهرت فيما بينها وتعاضدت من أجل العمل ضد الآخرين، فهل هناك تعريف آخر للتمييز العنصري؟ إن ترجيح كفّة جماعة على كفّة جماعة أخرى، أو ترجيح فكر على فكر آخر، يعني التمييز العنصير، والتعصّب لجماعة أو طيف أو طبقة دون مبرر معقول. وعليه فإن هؤلاء من فصيلة واحدة، إن رُهاب الإسلام عمل عنصري، ومحاباة عنصرية. والتعبير الصحيح هو أن رُهاب الإسلام يمثل قضاء على عِرق وسعياً إلى الإطاحة بالإسلام. وفي الحقيقة فإنهم إنما يقومون بذلك من أجل القضاء على الإسلام. وتقوم أبعاد ذلك على مبنى تفضيل العِرق الغربي، وفي البُعد الاقتصادي على أساس المقاطعة والحصار الاقتصادي، ونتيجة الحصار الاقتصادي أن يُمنع الدواء والغذاء وما إلى ذلك ولا يصل إلى المريض والجائع اليمني. وعليه فإنّ ماهية ونتيجة المقاطعة والحصار الاقتصادي هي الإبادة الجماعية للبشر، وعليه فإنهم يتقدمون على متن الاقتصاد ويستفيدون منه كسلاح محرّم. وهكذا هو الحال في البُعد السياسي أيضاً؛ فهناك في البُعد السياسي الانقلابات العسكرية والحروب وإسقاط الأنظمة الشرعية بالعنف والقوة أو عبر الثورات المخملية أو الوردية والناعمة، ولا موضع لآراء الناس وأصواتهم فيها من الإعراب. كما تتم الاستفادة في البُعد الحقوقي ـ من طرف واحد وعلى أساس ازدواجية المعايير اللامنطقية ـ من هياكل حقوقية، مثل: مجلس الأمن، ومحكمة لاهاي، والإي سي سي، ونظائر ذلك من المنظمات الأخرى. حيث تأتي المؤسسات الحقوقية لتسقط الشعب وتسلبه وجوده وكينونته. من الذي شرعن حصار اليمن؟ إن الذي أوجد هذا الحصار هو هذه المؤسسات والمنظمات الحقوقية بزعمهم. يصدرون القرارات ويحاصرون الشعب اليمني المظلوم. يستخدمون الوسائل التكنولوجية، سواء على شكل الوسائل القتالية أو الآلات أو الأساليب الأخرى مثل العوامل الوراثية والجينية، والتلقيح الصناعي، والاغتيالات البايولوجية وما إلى ذلك. وعلى هذا الأساس فإن القول بأن هؤلاء يتبنون التمييز العنصري، بمعنى العمل على ترسيخ دعائم عِرق على حساب التضحية بالأعراق الأخرى، يمكن إثباته بأشكال مختلفة، وقد شرحت بعض هذه الأشكال على نحو الاختصار.

* كيف تحللون صلة الصهيونية برُهاب الإسلام؟ هل هناك نسبة مفهومة في هذا الشأن؟ وهل يمكن الإشارة إلى شاهد في هذا الشأن؟

ـ علينا أن نعي أن النظام العالمي بمعناه المعروف هو في الأساس ذو ماهية صهيونية. من ذا الذي أثار الحروب العالمية وأدارها على مدى القرنين المنصرمين، وقطف ثمارها؟ ومن الذي اقترح تأسيس عصبة الأمم ومنظمة الأمم المتحدة؟ من هم الذين أسسوا المؤسسات الحقوقية والمالية وقاموا على إدارتها ولا يزالون يحكمون قبضتهم عليها؟ كل الذين فعلوا هذه الأمور هم من يهود أوروبا وغير أوروبا. إن المنطق الحاكم على هذه الحضارة هو منطق يهودي، منطق العنف والعنصرية، إنه منطق غير توحيدي، ولا يمكن العثور على الله في أي جزء من أجزائه. كما أن هذا ليس اتجاهاً مسيحياً أيضاً؛ لأن المسيحي على الرغم من اعتقاده بالثالوث، ولكن واحداً من زوايا هذا البيت المسيحي المثلث يختص بالله. أما في الحضارة اليهودية وفي الثقافة اليهودية فلا وجود لله. إن الذي نراه حالياً هو حضارة يهودية خالصة، وليست حضارة مسيحية. ولذلك لا يزال الصهاينة هم الذين يديرون التيارات والاتجاهات الكبرى في العالم. ومن هنا نرى أن هناك من يقول اليوم بأن اليهود هم الذين يديرون الولايات المتحدة الأميركية. إن منظمة الآيباك هي التي ترسم السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، وإن كلا من السيدة نانسي بيلوسي ودونالد ترامب عضو في الآيباك، رغم انتمائهما لحزبين مختلفين بحسب الظاهر. بمعنى أن كل واحد منهما كان هو المنتصر، يكون المنتصر أولاً وأخيراً هو الآيباك، وإذا سقط أيّ منهما، لن يكون الساقط هو الآيباك؛ إذ لا يزال يتعكز على الآخر المنتصر. وهؤلاء هم الذين يعملون على الترويج لرُهاب الإسلام. وهؤلاء هم الذين يوجهون دفة السياسة العالمية في قمرة الحروب والفتن. ولدينا معلومات تفيد أن هناك حضوراً للإسرائيليين في غرف الحرب السعودية في حربها الظالمة على اليمن.

* بالنظر إلى السابقة الأصولية في الكثير من الأديان التوحيدية وغير التوحيدية، فما هي برأيكم أسباب ارتفاع شدّة الأصولية الإسلامية في المرحلة المعاصرة؟ وبالتالي، ما هي الدوافع الخفية غير الدينية في هذا المجال؟

ـ إن الراديكالية بمفهومها الصحيح في بعض ترجماتها تعني الأصولية والتشبّث بالشريعة، كما أن ترجمتها بالمفهوم السياسي هي الأصولية الإسلامية. ومن هذه الزاوية حيث أن الأصولية تساوي الدين، فإنها في صلبها لا تحتوي على العنف، وإذا وجد هناك عنف، فإنه عنف يحمل في أحشائه عنوان الرحمة، من ذلك أن الله سبحانه وتعالى يقول في وصف القصاص: (وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ) [البقرة-179]. إن هذا النوع من العنف يمنح فرصة الحياة إلى الآخرين؛ حيث يتم قطع عضو فاسد؛ من أجل الحفاظ على سائر أفراد المجتمع. ومن هنا فإن الإسلام يشتمل ضمن أدبياته على الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والبراءة من المشركين. إن هذه الأصولية تدعو إلى الأخلاقيات الإسلامية، وروحيات صدر الإسلام، وتطبيق اليوطوبيا والمدينة الفاضلة التي دعا إليها الإسلام قبل ألف وأربعمئة سنة. هذه هي الأصولية. بيد أن الغربيين قاموا بإيجاد أصولية ثم أخذوا يروّجون لها على أنها هي الإسلام. غاية ما هنالك أنهم حيث يريدون القضاء على الإسلام دون أن يثيروا بعض الحساسيات، بل ولكي يعملوا على استقطاب بعض المسلمين إلى صفهم لتحقيق هذه الغاية، فإنهم يرفعون مصطلحاً باسم الأصولية والراديكالية ويستهدفونها بهجومهم. ثم إنه توجد هنا مسألة في الأصولية والإسلامية أو الراديكالية يمكن إدراجها في خانة المغالطة، حيث أنه وبتآمر مع أجهزة الاستخبارات، وليس بسبب عدم الفهم، يتم تظهير ما ليس من صلب الدين، والترويج له في المجتمع بوصفه نصاً دينياً. هناك الكثير من الأحاديث في التراث الإسلامي، كما هناك الكثير من النِحَل والفِرَق في العالم الإسلامي. ولكن هناك ـ في الوقت نفسه ـ الكثير من المشتركات بين هذه الفرق والنحل الإسلامية؛ من ذلك ـ مثلاً ـ أن جميع الفرق الإسلامية المعروفة تحرّم قتل الإنسان من دون سبب يبرر قتله؛ فقد أجمعت كافة المذاهب الفقهية الإسلامية، من الأحناف والشافعية والمالكية والحنابلة والشيعة والزيدية والعلويين على حرمة سفك دم الإنسان البريء؛ وقبل ذلك كله قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: (مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَيۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا) [المائدة – 32]. إن الإسلام شديد الحساسية تجاه دم الإنسان، حتى أنه لم يخصص ذلك بالإنسان المسلم؛ وإنما يؤكد على حقن دم الإنسان أياً كان مذهبه؛ ومن هنا يجمع المسلمون على حرمة زرع العبوات الناسفة والمتفجرات عشوائياً في الشوارع والأزقة، أو تثبيت العبوات اللاصقة على السيارات، مما يذهب ضحيته قتلى من المارّة والأبرياء. كما يجمع المسلمون على وجوب الاتحاد والتلاحم بين جميع المسلمين بكافة أطيافهم ومذاهبهم، وفي ذلك يقول الله تعالى: (مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ) [الفتح- 29]. إن الرحمة بين المسلمين عنصر ومفهوم مشترك بين جميع المسلمين. فكيف تقوم جماعة تحت راية الإسلام بتأجيح الحرب ضد طائفة مسلمة أخرى؟ النموذج الثالث هو الأماكن؛ فنحن نعلم أن بعض الأماكن تحظى بقدسية لدى جميع الفرَق الإسلامية. لا يشك أحد في أن هناك حرمة لأموات المسلمين، وأن لقبورهم وأضرحتهم قداسة خاصة، وقد كانت هذه الأضرحة قائمة في سوريا على مدى سنوات متمادية، مثل مقبرة حجر بن عدي وأمثاله. لقد كان قبر حجر بن عدي محترماً على عهد الحكومات الجمهورية والملكية وقبلها في عصر سيطرة الإنجليز على بلاد الشام، وقبلهم العثمانيون الأتراك على مدى ستمئة سنة، وقبل العثمانيين كانت الدولة العباسية وغيرها، وكلهم كانوا يحترمون قدسية قبر حجر بن عدي في مدينة الرقة. لقد حكم أهل السنة وكانت هذه المقبرة محترمة عندهم، وحكم العلويون وحافظوا على حرمة هذه المقبرة، وفي فترة حكم الأتراك من بني عثمان تمّ الحفاظ على قدسية هذا الضريح. فلماذا تمّ التعرّض له وهدمه في هذه المرحلة الزمنية بالتحديد؟ إذا كان الجميع يعتقد بحرمة هذا القبر؛ فكيف ظهرت الآن جماعة بعد كل هذه السنين فجأة؛ لتثبت أن وجود هذا القبر من مظاهر الشرك والوثنية؟ إلى أين يصل تاريخ هؤلاء الأشخاص؟ كم هو عمر هؤلاء الذين يعتبرون وجود هذه القبور شركاً؟ وعلى هذا الأساس فإن المسلمين يختلفون في الكثير من الأمور، ولكنهم لم يختلفوا حول هذه الموارد. وعليه فإن الذي يتم طرحه تحت مسمّى الأصولية والراديكالية، لا يمثل في الحقيقة مؤشراً على الراديكالية، وإنما هو مؤشر على وجود جماعة تسعى إلى القضاء على أصل الإسلام باسم الأصولية. لماذا لم تُطلق هذه الجماعات طلقة واحدة على أمريكا وإسرائيل؟! من الواضح جداً أن هذه الدول الاستعمارية هي التي خلقت هذه الجماعات باسم الأصولية. فإن الغرب إنما اختلق هذه الجماعات؛ ليقول هذا هو الإسلام، في حين أن هذه القراءة ليس لها أيّ صلة بالإسلام.

* كيف تحللون مشروع الغرب لجهة الصلة التي أقامها بين أحداث الحادي عشر من أيلول والتخويف من الإسلام. ثم كيف تحولت موجة رُهاب الإسلام ـ فيما يتصل بأحداث الحادي عشر من أيلول ـ إلى مشروع سياسي استراتيجي؟

ـ لم تكن مشكلة الولايات المتحدة الأميركية تكمن في تفجير برجي التجارة العالميين في منهاتن. فقد اقتصرت هذه الحادثة على تفجير مبنيين وانهيارهما وقتل عدد من الناس. لنفترض أن زلزالاً قوياً أو سيلاً جارفاً أو حريقاً هائلاً قد وقع، ومثل هذه الحوادث الطبيعية أو المفتعلة قد يقع من حين لآخر، فيلحق الدمار ببعض الأبنية ويموت عدد من الناس، ويمكن للبلدان أن تتحمل تبعات مثل هذه الحوادث على المستوى المادي والمعنوي. وعليه لم تكن الأحداث التي طالت الأبراج الأمريكية في منهاتن لتزعزع الولايات المتحدة الأمريكية أو أن تؤدي إلى انهيارها؛ فما الذي لم تستطع أمريكا تحمله في هذه الأحداث؟ أن تقوم ثقافة وحضارة للوقوف بوجه حضارتهم، وتنتشر في ظهرانيهم بسرعة فائقة، وأن تصدر الإحصاءات أبداً عن التقدم الذي سيحققه الإسلام سنة 2030 م في فرنسا، وكيف سيكون شكل الإسلام سنة 2030 م في روسيا، وكيف سيكون واقع الإسلام في الولايات المتحدة الأميركية سنة 2050 م؟ مسائل في غاية الأهمية؛ وهذا هو الذي يُثير ذعرهم. وعليه فإن مشكلتهم لم تكن تكمن في الأبراج في منهاتن. إن مشكلة الولايات المتحدة الأميركية تكمن في انتشار الإسلام، ولذلك فإنهم من أجل الوقوف دون انتشار الإسلام، خاضوا تسع حروب خلال السنوات القليلة الماضية، وهي: الحرب ضد أفغانستان، والحرب ضد العراق، وحرب داعش ـ التي اعترفوا بأنهم هم الذين اختلقوها وأثاروها ـ وحرب لبنان عام 206 م، وخمسة حروب في قطاع غزّة، والحرب على اليمن، وحرب الإرهابيين في سوريا، بالإضافة إلى الحروب في لبنان. إن هذه الأمور هي ما يُثير قلقهم ومخاوفهم. إنهم قد استفادوا من أحداث الحادي عشر من أيلول من أجل مواجهة انتشار الإسلام، وبذلك برروا هذه الحروب والسياسات التي اتبعوها تجاه المنطقة. لقد رفعوا ما حدث لبرجي التجارة العالميين شعاراً ليقولوا للعالم: لقد تعرّضنا للعدوان. وعليه فإن منطقهم غير صحيح من الأساس؛ إذ ليس لهذا المنطق أي صلة بالإسلام من قريب أو بعيد، وليس لهم أي حق في إثارة هذه الحروب المفتعلة.


تعريب: السيد حسن علي مطر الهاشمي