البحث في...
عنوان الحوار
إسم المحاور
إسم مجري الحوار
المصدر
التاريخ
ملخص الحوار
نص الحوار
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

October / 11 / 2020  |  1076الشرق والغرب يعيشان مأزقاً حضارياً وكل بحسبه

الحوار مع :د. حسن عجمي
الشرق والغرب يعيشان مأزقاً حضارياً وكل بحسبه

يرى أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة ولاية أريزونا بالولايات المتحدة الأميركية الدكتور حسن عجمي أن لا شرق ولا غرب في الفكر العلمي الدقيق، بل هما مصطلحان نسبيان يختلفان باختلاف الأفراد. وأشار إلى أن عالم اليوم يعاني مما يسميه «السوبر تخلّف» الذي يؤسِّس للصراعات والحروب والإرهاب، لذلك لا بدّ من أن يعملا معًا لاستمرارية الحضارة الإنسانية، وذلك يبدأ بقبول المشاركة في إنتاج العلم وسيادة التفكير العلمي والمنطقي بدلًا من سيادة فردٍ طاغيةٍ أو جماعةٍ طاغيةٍ. يؤكد عجمي أن علم الاستغراب يؤسِّس لاستنهاض شرقنا وعالَمنا الإسلامي والعربي إن بنيناه على أسسٍ علميةٍ وموضوعيةٍ ومنطقيةٍ، معتبرًا أن علم الاستغراب وعلم الاستشراق وجهان لعملةٍ واحدةٍ، وهما لا ينفصلان بل يتكاملان وكلٌّ منهما يحتاج إلى الآخر لكونهما يدرسان وجوهًا مختلفةً للحضارة الإنسانية الواحدة ما يجعلهما مترابطيْن ومتحديْن على الرغم من اختلافهما.

وفيما يلي النص الكامل لإجاباته:


* كيف تنظرون إلى معنى الغرب كمصطلح ومفهوم، هل هو تحيُّزٌ جغرافيٌّ أو أطروحةٌ حضاريةٌ وثقافيةٌ، وما حدود ومستوى العلاقة بينهما؟

الغرب بناءاتٌ وبنْياتٌ فكريةٌ وعقليةٌ معتمدةٌ على كل الإنجازات الحضارية الإنسانية. الغرب ليس منطقة جغرافية بالمعنى الحرفي لكلمة جغرافيا. فجغرافيته هي جغرافية أفكارٍ متنوّعةٍ وليست أمكنةً وأزمنةً. فمثلًا، العديد من أهل الشرق هم في الحقيقة غربيون أكثر من العديد من أهل الغرب لتمسّكهم بأفكارٍ معيّنةٍ كأفكار ومبادىء الحرية الفردية المطلقة والمساواة المطلقة بين جميع البشر. أما حقوق الإنسان المعروفة اليوم والتي تُعتبَر جزءًا من منظومة الغرب الفكرية، فليست سوى جزءٍ بسيطٍ من تجسّدات الحضارة الإنسانية. بل إن جوهر الحضارة الإنسانية كامنٌ في الإنسانوية الداعية إلى وحدة الثقافات ووحدة الأديان ووحدة البشر. فلا حوار حضاراتٍ ولا صراع حضاراتٍ، بل بناء حضارةٍ إنسانيةٍ واحدة هو جوهر الوجود الإنساني.

الغرب علميًّا هو تقليص سلطة حكم النموذج العلمي الواحد كسلطة هذه النظرية العلمية أو تلك، ولذا تُستبدَل النظريات العلمية دومًا بنظرياتٍ علميةٍ أخرى. والغرب، فلسفيًّا، هو تقليص سلطة اليقينيات (التي هي المعتقدات غير القابلة للشك والمراجعة والاستبدال). إن تقليص السلطات المعرفية في الغرب أدى إلى نشوء أشباه ديمقراطياتٍ غربيةٍ معتمدةٍ على العديد من الحقوق الإنسانية لا كلها. من هنا فإنّ الغرب، سياسيًّا، هو تقليص الحكم وتقييده بهدف إعلاء استقلالية الفرد وحريته بالإضافة إلى كونه كل ما يناقض هذه الاتجاهات الإنسانوية. إنه جدليةُ صراعٍ مستمرةٌ بين الفرد والمجتمع والسلطة. ولذا فهو ظاهرةٌ غيرُ مُحدَّدةٍ، ما ينسجم مع الفلسفة السوبر حداثوية القائلة بلا محددية الظواهر والحقائق كافةً. وهذا ما يُفسِّر تقلّب السياسات الغربية تجاه عالَمنا العربي والإسلامي والشرق عمومًا.

* أين يبدأ برأيكم تاريخ الغرب.. هل قبل اليونان، أم في الفترة اليونانية والرومانية، أم في القرون الوسطى، أم ابتداءً من عصر الأنوار مرورًا بأحقاب الحداثة، أم أنَّ هذا التاريخ يشمل هذه الأزمنة مجتمعةً؟

تاريخ الغرب يبدأ من المستقبل تمامًا كتاريخ الشرق وكل تاريخ. هذا موقف «السوبر مستقبلية» الذي يؤكّد على أنَّ ماهيات الظواهر والحقائق وصفاتها مُحدَّدة فقط في المستقبل. فالماضي غير موجودٍ الآن ولذا يتشكّل الماضي على ضوء تصوّراتنا له ونظرياتنا حياله. بذلك نحن مَن نصنع الماضي باستمرارٍ على ضوء تصوّراتنا وأنظمتنا الفكرية والسلوكية في المستقبل المَعيش تدريجيًّا من قِبَلِنا. وبما أنَّه من نتاجنا المستقبلي، فإنّ التاريخ، إذًا، يبدأ من المستقبل. على هذا الأساس، لا بدّ من دراسة الغرب على ضوء تشكّله المستقبلي. فتاريخ الغرب سوف يتشكّل على ضوء ما سيحدث في المستقبل من أحداثٍ من ضمنها القراءات والتفاسير المستقبلية له. وهذا ما يصدق على دراسة الظواهر والحقائق كافةً، فتغدو مُحدَّدةً فقط في المستقبل على أساس قراراتنا المعرفية والسلوكية.

مثل على ذلك: أنَّ تاريخ الغرب يبدأ من المستقبل هو أنَّ تاريخ الديمقراطية سيتشكّل ويُفهَم حقًّا على أساس ما سوف يُنتَج في المستقبل من مبادئَ وأفكارٍ جديدةٍ تُعنَى بتحقيق أنماطِ حرياتٍ ومساواةٍ جديدةٍ، ما يسمح بتقييم مبادئ الديمقراطية الماضوية ففهمها حقًّا. وبذلك فإنّ الديمقراطية لم تتشكّل كلّيًّا بعدُ لا في الغرب ولا في الشرق لكونها ظاهرةً مستقبليةً. وهذا يُفسِّر الخلاف الدائم حول ما هي الديمقراطية كالخلاف حول ما إذا كانت معتمدةً على العدالة كحريةٍ فرديةٍ مطلقةٍ تستلزم محدودية الحُكم والحاكم كما تستلزم حريةً مطلقةً لسوق التبادل الاقتصادي (كما أوضح ذلك الفيلسوف روبرت نوزيك)، أم أنها معتمدةٌ على العدالة كإنصافٍ يستلزم أنواعَ مساواةٍ متنوّعةً كإفادة الأسوأ حظًّا من الأفراد (كما أكّد الفيلسوف جون رولز).

* هل الغرب برأيكم كتلةٌ واحدةٌ سياسيًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا؟ أم بالإمكان فهمه كما هو من أجل تكوين رؤيةٍ استراتيجيةٍ ومعرفيةٍ حياله؟

 ـ لا يشكّل الغرب كتلةً واحدةً بل يتصف بالتنوّع كالشرق تمامًا. فلا شرق ولا غرب في الفكر العلمي الدقيق، بل هما مصطلحان نسبيان ويختلفان باختلاف الأفراد، وهما للأسف استُخدما في معظم الأحيان من أجل تقسيم الشعوب وضمان استمرارية الفِتَن والحروب. الإنسان واحدٌ ولذلك توجد فقط حضارةٌ إنسانيةٌ واحدةٌ لا تتجزأ وينتمي إليها كل البشر. والتنوّع في الغرب والشرق أيضًا دلالةٌ على أنهما جسدٌ واحدٌ وعقلٌ واحدٌ يُفكّر ويتصرَّف بأساليبَ مختلفةٍ ومتنوّعةٍ. وهذه ميزة الإنسان الكامنة في وحدته وتنوّعه في آنٍ. يتنوّع الغرب بفلسفته المثالية كما لدى أفلاطون وبفلسفته المادية كما في الفلسفة الماركسية، كما يختلف بعلومه فثمة نظرياتٌ علميةٌ تصوّر الكون على أنه ماديٌّ يتكوّن من ذراتٍ وجُسيماتٍ ماديةٍ كالإلكترونات وطاقاتها، بينما تصوّره نظرياتٌ علميةٌ أخرى على أنه مثاليٌّ يتكوّن من معلوماتٍ (كما لدى الفيزيائي بول ديفيز)، أو بناءاتٍ رياضيةٍ هندسيةٍ (كما لدى الفيزيائي ماكس تغمارك). ويستمر الخلاف كأن يصوّر الفيزيائي ليونارد سسكيند العالَم على أنه وهمٌ لكونه صورةً هولوغراميةً أي صورةً ثلاثيةَ الأبعاد بدلًا من كونه وقائعَ محسوسةً كالتي نختبرها يوميًّا. والمسألة ليست مسألة أخذٍ من الغرب أو تركٍ، بل هي مسألة مشاركة الحضارة في إنتاج العلوم والفلسفات. ومن الممكن طبعًاً تكوين رؤيةٍ استراتيجيةٍ ومعرفيةٍ حيال الغرب إن قبلنا المنطق والتفكير العلمي والموضوعي أولًا وبدأنا بصياغة أنظمتنا الفكرية والعلمية الخاصة فلا نستطيع فهم «الآخر» من دون أن نبدأ بفهم أنفسنا أولًا.

* لكي يشكّل الغرب حضارته الحديثة، ما الأسس والمباني المعرفية والفلسفية التي أخذ بها، وما الآثار المترتبة على ذلك لجهة نوع وطبيعة العلاقة مع الآخر الحضاري، وبخاصة العالمين العربي والإسلامي؟

لم يأخذ الغرب أسسًا ومبانيَ معرفيةً وفلسفيةً مُحدَّدةً بل أخذ كل الأسس الممكنة من مثاليةٍ وماديةٍ وعقلانيةٍ وتجريبيةٍ إلخ. من هنا فهو ظاهرةٌ غيرُ مُحدَّدةٍ. وهذا متوقعٌ وطبيعيٌّ لأنَّ اللامُحدَّد فقط هو اللامسجون وهو الحُرّ الحقيقي، ما يمكّنه من البقاء والتطوّر باستمرارٍ. وفي هذا تظهر علاقة الغرب بالعالَم العربي والإسلامي. فهو غيرُ مُحدَّدٍ، ما يجعله ناجحًا في تشكيل نماذجَ فكريةٍ وفلسفيةٍ وعلميةٍ جديدةٍ وما يجعله أيضًا قادرًا على التأقلم مع الانهيارات أو الأزمات الحضارية المتتالية، بينما عالَمنا العربي والإسلامي بات مُحدَّدًا بمناهجَ ونماذجَ فكريةٍ وعقائديةٍ وسلوكيةٍ أوقفته عن التفكير العلمي والفلسفي الموضوعي  والمنطقي، وبالتالي عن والتطوّر، بل أدت به إلى عصر السوبر تخلّف الكامن في تطوير التخلّف من خلال تقديم العلم على أنه جهلٌ وتقديم الجهل على أنه علمٌ. وبما أنَّ الغرب غير مُحدَّدٍ، بينما العالَم العربي والإسلامي مُحدَّدٌ، فمن الطبيعي، إذًا، ألّا يتفاهما وأن يقعا في صراعاتٍ وحروبٍ. من جهة أخرى، بدلّا من أن نجد العلاج الشافي لهذه المشكلة والتحرّر من السوبر تخلّف وذلك بقبول العلم والمنطق والتفكير الموضوعي والمشاركة في إنتاج العلوم والفلسفات، نجد أنَّ الغرب أيضًا يقع في السوبر تخلّف القاتل والأدلة هو ما يمارسه من عنصريةٍ وعنفٍ نحن أكثر الناس تقليدًا لهما. وخلاصة القول: إنَّ الغرب يتخبط بين تياريْن هما السوبر تخلّف (مؤسِّس محددية الظواهر فقاتلها) من جهة والسوبر حداثة (التي تؤكِّد على لامحددية الظواهر والحقائق كافةً، فتحرّر بذلك كل فردٍ من سجونه وكل عقيدة من سجونها) من جهة أخرى.

* هل من منفسحٍ لعقد حوارٍ متكافئٍ مع الغرب؟ وإذا كان الرد بالإيجاب فما هي المسوِّغات التي تقدمونها؟!

من الممكن طبعًا عقد حوارٍ متكافىءٍ مع الغرب لأنَّ الغرب والشرق وجهان لعملةٍ واحدةٍ هي الحضارة الإنسانية. والحوار يبدأ بالحوار مع الذات. لا بدّ من أن نحاور ذواتنا أولًا ونتفق معها ومن ثم نحاور الغرب لنتفق معه. وهذا اتفاق على أن نكون بشرًا حقيقيين مؤمنين بالإنسانوية التي تعتبر أنَّ كل البشر يشكّلون إنسانًا واحدًا وأنَّ كل الثقافات ثقافةٌ واحدةٌ وأنَّ كل الأديان دينٌ واحدٌ لا يتجزأ في جوهره وإن اختلفت الأديان والثقافات في تفاصيلها. هذا الإتفاق ممكنٌ طبعًا لأنه يضمن استمرارية الاختلاف الفكري والسلوكي لأنه اتفاقٌ على ما هو مشتركٌ بين جميع البشر ألا وهي الإنسانوية التي لا ترفض أحدًا وإن اختلفت معه. فالحفاظ على ثقافاتٍ متعددةٍ ومتنوّعةٍ جزءٌ أساسيٌّ من الحفاظ على إنسانية الإنسان وحريته. نبدأ بقبول الإنسانوية أو لا نبدأ أبدًا.

* هل من عناصرَ مشتركةٍ بين العالم الإسلامي والعربي وبين الغرب في إطار الحوار بين الثقافات والحضارات؟ وإنْ كان من نقدٍ لسلوك الغرب فإلى أيِّ حقلٍ يُوجَّه: «الشعوب» ـ «الحكومات» ـ «المؤسسات صاحبة القرار»؟

العالَم الإسلامي والعربي والعالَم الغربي متطابقان في الجوهر وإن اختلفا في التفاصيل، وبذلك يتشاركان في امتلاك العناصر والصفات الأساسية ذاتها. ولا يختلفان سوى بدرجة سيادة السوبر تخلّف أو بدرجة سيادة السوبر حداثة. ففي كلٍّ منهما جدليةُ صراعٍ أبديةٌ بين السوبر تخلّف الذي يُحدِّد الظواهر والحقائق ويسجنها وبين السوبر حداثة التي تُحرّرها بلا محدديةٍ لماهياتها وصفاتها جمعاء. فكما توجد اتجاهاتٌ فكريةٌ وسلوكيةٌ مثاليةٌ وماديةٌ في الغرب توجد هذه الاتجاهات أيضًا في الشرق وفي عالَمنا الإسلامي والعربي. وكما توجد اتجاهاتٌ عقائديةٌ لا تؤمن بالحرية الإنسانية وأخرى تؤمن بالحرية المطلقة للإنسان في الغرب، فإنّ الاتجاهاتِ نفسَها موجودةٌ أيضًا في العالَم العربي والإسلامي، كالخلاف المعروف بين المعتزلة والأشاعرة والجهمية. فالمعتزلي قائلٌ بحرية الإنسان المطلقة بينما الجهمي ينفي حرية الإنسان ويجعله مُجبَرًا، لكن الأشعري يتخذ موقفًا وسطيًّا في ما بينهما، كامنًا في نظرية الكسب القائلة بأنَّ الله خالق الأفعال بينما الإنسان يكتسبها فيصبح مسؤولًا عنها.

أما نقد الغرب فيبدأ بنقد أنفسنا في الشرق لأنَّ الغرب والشرق متداخلان وويشكِّلان حقلًا وجوديًّا ومعرفيًّا واحدًا هو حقل الوجود الإنساني. ولا بدّ على النقد من أن يكون موجَّهًا إلى الجميع، من شعوبٍ وحكوماتٍ ومؤسساتٍ لكونها تؤثّر في بعضها البعض وتُبنَى على ضوء بعضها البعض.

 * في سياق الكلام اليوم على أنَّ الغرب يعيش أزماته التاريخية: (المعرفية، الثقافية، الاجتماعية، الاقتصادية)، هل يدل هذا على ما سبق وتوقّعه شبنغلر قبل قرنٍ عن سقوطه أو أنه يوشك على الانهيار؟

لا يستطيع الغرب أن ينهار تمامًا كما لا يستطيع الشرق أن ينهار إلا في حال انهيار الحضارة الإنسانية كليًّا وهذا مُستبعَد حاليًّا. لكن الغرب والشرق معًا يعانيان اليوم من السوبر تخلّف الذي يؤسِّس للصراعات والحروب والإرهاب. لذلك لا بدّ عليهما من أن يعملا معًا لإستمرارية الحضارة الإنسانية، وذلك يبدأ بقبول الإنسانوية المشار إليها سابقًا وقبول العلم والمنطق والمشاركة في إنتاج العلم، وسيادة التفكير العلمي والمنطقي بدلًا من سيادة فردٍ طاغيةٍ أو جماعةٍ طاغيةٍ.

* كيف ترون فكرة السعي نحو تأسيس هندسةٍ معرفية لعلم الاستغراب، وما هي السبل التي ترونها لتأسيس هذا العلم؟

فكرة الترف الفكري فكرةٌ خطيرةٌ جدًّا لأنها تقتل أيَّ إمكانيةٍ للتفكير العلمي والفلسفي والبحث المعرفي الجاد. فالتطوّر لا يحصل بناء على الترف الفكريّ، وإلا، مثلًا، لما كان أينشتاين قد فكَّر بما إذا كان الزمن يتسارع ويتباطأ، ولما كان قد أنتج نظريته النسبية (القائلة بنسبية الزمن وتسارعه وتباطئه)، على الرغم من أنها بعيدةٌ جدًّا عمّا نراه ونختبره في واقعنا المَعيش. من هنا فإنّ تأسيس هندساتٍ معرفيةٍ للعلوم كافةً ومن ضمنها علم الاستغراب ليس ترفًا فكريًّا، بل هو حاجةٌ معرفيةٌ ووجوديةٌ أيضًا. أما السُبُل لتأسيس علم الاستغراب فلا بدّ من أن تتنوّع فلا علم بلا تنوّعٍ كتنوّع النظريات العلمية في الفيزياء واختلافها وتنافسها. لذلك فإنّ سُبُل تأسيس هذا العلم كامنةٌ في صياغة نظرياتٍ مختلفةٍ قابلةٍ للاختبار على ضوء الواقع تتمحوّر حول معاني الغرب وتجسّداته. فلا علم بلا نظرياتٍ قابلةٍ للاختبار مثل نظرية أنَّ الغرب ليس حالةً جغرافيةً بل هو حالةٌ أو بناءاتٌ عقليةٌ فكريةٌ في مقابل نظريةٍ أخرى قد تصرّ على أنَّ الغرب منطقةٌ جغرافيةٌ مُحدَّدةٌ.

* إلى أي مدى يُسهم هذا العلم في الاستنهاض الفكري في فضائنا الحضاري العربي والإسلامي؟

 ـ  علم الاستغراب يؤسِّس لاستنهاض شرقنا وعالَمنا الإسلامي والعربي إن بنيناه على أسسٍ علميةٍ وموضوعيةٍ ومنطقيةٍ، منها مقدرته على أن يتم اختباره على ضوء الواقع. من هنا سيؤدي لا محالة إلى المساهمة في استنهاض أمتنا لأنَّ فهم الآخر ودراسته هو فهمٌ لذواتنا ودراستها. فالأنا والآخر وجهان لعملةٍ واحدةٍ هي الإنسان، لأنَّ الإنسان كينونة واحدة لا تتجزأ وإلّا يخسر الإنسان معناه ودلالته. وهنا تكمن أهمية علم الاستغراب فهو فهمٌ للآخر والأنا في آنٍ. لا أنا بلا آخر والعكس صحيحٌ، فهُما يتحدان في ما يُدعَى بالإنسان ويختلفان به أيضًا. فالإنسان مختلفٌ عن ذاته ومتحدً مع ذاته في آنٍ. لذا فهو يبحث دومًا عن ذاته بتغييرها أو تطويرها فلا تتحقق ذاتيته وماهيته سوى في المستقبل على ضوء قراراته الإنسانوية والعلمية القائمة على حرية الفكر والتصرف والمساواة والتفكير الموضوعي بلا رفض مُسبَق للآخرين ومعتقداتهم. الإنسان مشروعٌ مستقبليٌّ لم يتحقق كلّيًّا بعد. ودراسة الغرب كدراسة للإنسان لا تكتمل سوى بدراسة الشرق أيضًا والعكس صحيحٌ. من هنا لا مجال سوى أن يكون علم الاستغراب فاتحة استنهاضٍ للجميع.

* هل علم الاستغراب هو المقابل الضِّدِّيُّ لعلم الاستشراق، وكيف ترون التمييز بينهما لجهة النظام المعرفي والتطبيقي لكلٍّ منهما؟

علم الاستغراب وعلم الاستشراق وجهان لعملةٍ واحدةٍ وإن اختلفا. فمَن يدرس الغرب يدرس وجهًا من وجوه الحضارة الإنسانية، تمامًا كمَن يدرس الشرق. لذلك فإنّ علم الاستغراب وعلم الاستشراق لا ينفصلان بل يتكاملان، وكلٌّ منهما يحتاج إلى الآخر لكونهما يدرسان وجوهًا مختلفةً للحضارة الإنسانية الواحدة ما يجعلهما مترابطيْن ومتحديْن على الرغم من اختلافهما. من الممكن القول أنَّ علم الاستشراق هو نقد الغرب لذاته بينما علم الاستغراب هو نقد الشرق لذاته. هذا لأنَّ مَن ينقد الآخر ينقد ذواته الممكنة من أجل اكتساب ذواتٍ أفضلَ. هكذا ينبغي أنْ تكون بداية علم الاستغراب، البدء بنقد مسلّماتنا اليقينية الكاذبة وإلّا فلن ننجح في بناء مناهجَ فكريةٍ وبحثيةٍ موضوعيةٍ وعلميةٍ. فبمسلّماتٍ مخادعةٍ لا ننجح في دراسة الغرب أو أيِّ ظاهرةٍ أخرى. على الأرجح فإنّ إحدى تلك المسلّمات المخادعة هي أنَّ التاريخ يبدأ من الماضي. ولذلك فإنّ قبول التفكير السوبر مستقبلي، القائل بأنَّ التاريخ يبدأ من المستقبل، هو بداية تشكيل علومٍ جديدة، منها نظريةٌ في علم الاستغراب تقول أنَّ الغرب يبدأ من المستقبل (أي من مستقبل تلك الشعوب والنماذج الفكرية والسلوكية الموجودة في أوروبا والأمريكيتيْن إلخ). ولذلك لا بدّ من إعادة صياغة المفاهيم الغربية المتداولة ودراستها وتحليلها من خلال المستقبل كما فعلت وتفعل الفلسفة السوبر مستقبلية. فالإشكالية الأولى هي إشكالية أن نبدأ من الماضي فنبقى سجناء ماضٍ مُتخيَّلٍ، لكن السوبر مستقبلية تحرّرنا من سجون الماضي لكونها تؤكّد على أنَّ التاريخ يولد من المستقبل وأنَّ الماضي ليس سوى تركيبٍ عقليٍّ يتشكّل في المستقبل.

* كيف تتعامل النخب المشرقية مع الغرب لفهمه ونقد سلوكه حيال الشرق؟

علم الاستغراب ليس فقط الرؤى التي تصوغها النخب المشرقية للغرب بل هو أيضًا الرؤى التي يصوغها كل فردٍ مشرقيٍّ حيال الغرب، وكيفية فهمه ونقده وتقييمه للغرب. هذا لأنَّ كل فردٍ مشرقيٍّ يتفاعل مع الغرب إما بشكلٍ مباشرٍ أو بشكلٍ غيرِ مباشرٍ، تمامًا كما أنَّ كل فردٍ في الغرب يتفاعل مع الشرق وما يحدث فيه، وهذا التفاعل يحتاج بالضرورة إلى رؤًى يتم، على أساسها، التفاعل. من هنا علم فإنّ الاستغراب لا بدّ من أن يُعنَى أيضًا بدراسة رؤى كل فردٍ مشرقيٍّ حيال الغرب وكيفية تعاطيه مع الغرب، فيغدو علم الاستغراب أيضًا حقلًا جديدًا ضمن العلوم الاجتماعية التطبيقية. من الخطأ أن نسجن علم الاستغراب في نخبٍ مشرقيةٍ فقط، لأننا سنخسر حينها معرفة الأبعاد المختلفة للتفاعل مع الغرب وفهمه، وعلى الأخص معرفة كيفية التفاعل اليومي مع الغرب من قِبَل كل الأفراد الذين هم في النهاية يشكّلون المجتمعات. كما أنَّ علم الاستغراب هو الرؤى التي تصوغها النخب الغربية حيال الغرب والرؤى التي يصوغها كل فردٍ غربيٍّ حيال ذاته. فالذات تتشكّل بنظرة الآخر إليها ونظرتها إلى نفسها.

* ألا ترون أنَّ من المهمات المركزية لعلم الاستغراب هي اجراء نقدٍ معمَّقٍ لذهنية الاستتباع الفكري من جانب النخب العربية والإسلامية للغرب؟

الاستتباع الفكري عبوديةٌ قاتلةٌ ولا بدّ من التحرّر منها كلّيًّا. ومن المهمات الأساسية لعلم الاستغراب نقد أنفسنا وعالَمنا الإسلامي والعربي وتفكيك المسلّمات اللاعقلانية التي تسيطر على عقولنا وسلوكياتنا ومنها المسلّمة المخادعة القائلة بأنَّ الاستتباع أفضل. لكن ذلك يبدأ بإنشاء نظرياتٍ فلسفيةٍ وعلميةٍ موضوعيةٍ ومتنوّعةٍ وجديدةٍ، من الممكن، على ضوئها، صياغة نقدٍ موضوعيٍّ وعلميٍّ. فلا نقد بلا نظريةٍ والعكس صحيحٌ. أهمية علم الاستغراب لا تكمن فقط في دراسة الغرب وفهمه بل تكمن أيضًا في فهم أنفسنا ودراستها بهدف تطويرها. حين ندرس «الآخر» ندرس أنفسنا أيضًا، فمن خلال إظهار نظرتنا إلى «الآخر» تتبيّن مواقفنا الفكرية، فنكون قد فهمنا «الآخر» أكثر لمّا نكون قد فهمنا أنفسنا أكثر، والعكس صحيحٌ.

ومن غير الممكن أن نتطوّر من خلال الاستتباع لأنَّ الاستتباع عبوديةٌ لكونه تقليدًا للآخر. الاستتباع الفكري والسلوكي قاتل الإبداع الحقيقي وبذلك هو قاتل الإنسان وحريته الحقة. فالحضارة وإنجازاتها القيّمة قائمةٌ على التحرّر من كل استتباعٍ كاستتباع ذواتنا الماضوية واستتباع الآخر. الحضارة وإنجازاتها تَحرُّرٌ من أنفسنا ومن الآخرين معًا.

* من هي المرجعيات الفكرية والفلسفية التي تقترحون مطالعتها ولا سيما منها تلك التي قاربت حقيقة الغرب بما فيها من محاسنَ وسلبياتٍ؟

من الممكن مراجعة أعمال نعوم تشومسكي، ونقده للغرب، واعتباره أنَّ أيّ دولةٍ قائمةٌ على الإرهاب، وإصراره على أننا اليوم نحيا في عصر عبوديةٍ جديدٍ. والأهم من كل المراجع والمراجعات هو أن نعتمد على نقدنا الخاص وأنْ نُنتج مناهجَ نقديةً جديدةً تمكّننا من فهم الغرب والشرق معًا، لكي نتحرّر من مفاهيمنا ونماذجنا الفكرية والسلوكية الماضوية التي تسجن عقولنا وسلوكياتنا وتقتل بذلك إنسانيتنا الكامنة في الحرية. لا بدّ من مراجعة أنفسنا أولًا وتحريرها من سجون يقينياتنا المخادعة. فالذي يعتقد بمعتقداتٍ يقينيةٍ لا يستطيع أن يبدأ بعملية البحث المعرفي لتوقّفه عند ضفاف يقينياته التي لا تقبل الشك والمراجعة والاستبدال.

* مَنْ مِن المفكِّرين الذين قرأتم لهم وساهموا في تقديم أفكارٍ ومحاولاتٍ جديةٍ في حقل التأسيس لعلم الاستغراب، وبالتالي ما هي الملاحظات والإشكالات التي تطرحونها حيال هذه المساهمات؟

كل الاجتهادات الفكرية حيال فهم الآخر هي اجتهادات فهم الذات والعكس صحيحٌ. وكل اجتهادات فهم الآخر والذات هي تعابيرُ عمّا من الممكن أن يكون صادقًا أو عمّا من المحتمل أن يكون صادقًا، فلا يقينياتِ في العلم لأنَّ تاريخ العلوم يرينا أنَّ النظريات العلمية تُستبدَل بأخرى بشكلٍ دائمٍ ما يشير إلى أنَّ العلم خالٍ من اليقينيات. من هنا تتساوى كل الاجتهادات في فهم الغرب (لخلوِّ العلم من اليقين) فتغدو مقبولة معًا، وإن كنا نفضّل بعضها على بعض لكنها تبقى متساويةً في مقبوليتها لكونها خطواتٍ متعددةً نحو اكتشاف الحقائق المختلفة. هكذا يؤسِّس البحث المعرفي لحرية الاختيار. لا حضارةَ بلا بحثٍ معرفيٍّ، تمامًا كما لا بحثَ معرفيًّا بلا حضارةٍ. إنسانٌ بلا بحثٍ معرفيٍّ مستمرٍّ هو شبهُ إنسانٍ.

 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف