البحث في...
عنوان الحوار
إسم المحاور
إسم مجري الحوار
المصدر
التاريخ
ملخص الحوار
نص الحوار
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

January / 24 / 2022  |  345سايكولوجية علم الاستغراب تستلزم الإحاطة بمباني علم النفس نفسه

الحوار مع :د. مسعود آذربيجاني
سايكولوجية علم الاستغراب تستلزم الإحاطة بمباني علم النفس نفسه

يتركّز هذا الحوار مع الدكتور الشيخ الدكتور مسعود آذربيجاني حول السجال المفتوح الذي يشغل حلقات التفكير في إيران بصدد علم الاستغراب.

نشير إلى أنّ البروفسور آذربيجاني متخصّص في فلسفة الدين، ويقوم بتدريسها في جامعة قم. ويشتغل حاليًا في مركز تحقيقات الحوزة العلميّة والجامعة بالتحقيق والتأليف والتدريس. وقد صدرت له أعمال متنوّعة في حقل الدّراسات النّقدية في علم النّفس الديني من وجهة نظر سيغموند فرويد، ويونغ، وجيمس وغيرهم، وله أفكار حول علم النفس الإسلامي، من أعماله: (مدخل إلى علم النفس الديني)، (علم النفس الاجتماعي من زاوية المصادر الإسلامية)، (معيار مقارنة التدين استنادًا إلى الإسلام)، (علم النفس في نهج البلاغة)، وشارك في الندوات العلميّة والدوليّة. وإن أغلب موضوعات دراساته تدور حول علم النفس، وفلسفة الدين، وفلسفة العلم.

وفي ما يلي نص الحوار:

«المحرّر»


* يستهل حوارنا معكم بسؤالٍ بديهيٍّ لكنّه عميق الدلالة: ما المراد من الاستغراب؟

إنّ هناك ثلاثة معانٍ للاستغراب، وهي:

   1- الاستغراب بمعنى التعريف بالأفكار والمنتوجات والآراء والمعطيات الخاصّة بتلك البلدان الواقعة من الناحية الجغرافيّة في الغرب، وبذلك فإنّها تشمل أجزاء واسعة من البلدان الأوروبيّة وأميركا.

   2- أمّا المعنى الثاني فهو أوسع من المعنى الأوّل شيئًا ما؛ حيث يُراد منه المعسكر الغربي في قبال المعسكر الروسي والصيني وغيرهما. إنّ المعسكر الغربي يشمل البلدان التي آمنت بالسياسات الغربية أيضًا. ومن هنا فإنّ دولًا مثل اليابان وبعض البلدان الآسيوية والشرق الأوسط تمثّل جزءًا من المعسكر الغربي. إنّ المعنى الأوّل له بُعد جغرافيّ، بينما المعنى الثاني يدخل في بُعد التفكير السياسي.

   3- أمّا المعنى الثالث فيدخل في حقل الفكر والثقافة. وبذلك يكون الاستغراب في المستوى الثالث يعني التعريف بالتفكير الغربي. من الواضح أنّ جزءاً من التفكير الغربي يتمّ إنتاجه في البلدان الأميركيّة، والبلدان الأوروبيّة، ولا سيّما في ألمانيا وإنجلترا وفرنسا، وإنّ جزءًا منها قد لا يكون صادرًا من هذه البلدان، وإنّما ينتمي إلى الشّرق الأقصى مثل اليابان، وحتى بعض الأفكار والآراء قد تنتمي إلى روسيا. وبعبارة أخرى: إنّ المعنى الثالث للاستغراب يشمل البلدان غير الإسلاميّة والأفكار اللا إسلاميّة. ولربّما يتمّ إنتاج هذا التفكير اللّا إسلامي حتى في لبنان، ولكن يعود في جوهره إلى الأفكار الغربية. وعلى كلّ حال لدينا من المفكرين الذين هم مستغربين بالكامل. وعليه فإنّ المراد من الاستغراب هو الالتفات إلى المعنى الثالث. وفي المعنى الثالث يمكن وضع الاستغراب لا في قبال الاستشراق الجغرافي أو السياسي، بل في قبال الإسلام بوصفه حضارة فكريّة يمتلك منظومة من المباني والآراء والأفكار المميّزة.

* هل ثمّة تصوّر لديكم لجهة تطوير ما اصطلح تسميته بـ «الاستغراب الانتقادي»؟

- بالنّسبة إلى الاستغراب الانتقادي -بالنّظر إلى تخصّصي المتمثّل بحقل علم النّفس- أرى من الضروري دراسة ثلاثة حقول: الحقل الأوّل: دراسة الأفكار الفلسفيّة التي تعدّ بمثابة الجذور لعلم النّفس، من ذلك مثلًا أنّنا ما لم ندرس أفكار إيمانويل كانط، لا يمكن لنا إدراك علم النّفس المعرفي أو العلوم المعرفيّة، ولن نتمكّن من التّعرّف على بحث الإحساس والإدراك ونظريات جان بياجيه، وآرون تي بيك، وهال أديس وغيرهم. والحقل الثاني هو ذات العلم وهيكل علم النفس، بمعنى أن نعمل على دراسة الآراء والنظريات والمدارس والأفكار المتداولة في علم النفس. وفي الحقيقة ما لم نقم بالتعرّف على الهيكل الخارجي لعلم النّفس، لا يمكن لنا أن ندّعي معرفة الاستغراب النّاظر إلى حقل علم النفس. الحقل الثالث عبارة عن رؤيةٍ انتقاديّةٍ. أرى أنّه ما لم نفهم هذه الأفكار بشكلٍ جيّد، وما لم نعمل على بيانها بشكل صحيح، لا نستطيع أن ندّعي معرفة الاستغراب الانتقادي. إذا أمكن لنا العبور من المرحلة الثانية بشكل جيد، يمكن لنا الدخول إلى المرحلة الثالثة المتمثّلة بالدّراسة الانتقاديّة. وفي الدراسة الانتقادية هناك طائفتان من الآراء، وهما أوّلًا: دراسة الأبحاث الانتقادية التي قام بها الغربيون؛ إذ إنّ للمدارس -في العادة- آراءً انتقاديّةً جادةً تجاه بعضها بعضاً. من ذلك مثلاً هناك للمدرسة السلوكيّة الكثير من الانتقادات الجادة تجاه علم النفس التحليلي، أو هناك انتقاد للمدرسة الأنثروبولوجية تجاه علم النّفس التحليلي، كما أنّ للمدرسة المعرفيّة انتقادًا تجاه جميع هذه المدارس. وإنّ الدّراسة في هذا الشأن يمكن لها أن تعزّز رؤيتنا الانتقاديّة وتقوّيها. والطائفة الثانية الرؤية الانتقادية تجاه المدارس النّفسيّة على أساس مبانينا الفلسفيّة والكلاميّة والإلهيّة. وأن تعمل على تحليل الآراء الموافقة والمخالفة ونقدها على أساس هذه المباني.

* هل تؤدّي آليات علم النّفس المتعارفة إلى ظهور التحديات المعرفيّة/ النفسيّة للمسلمين، وبالتالي تفاقم التبعات الثقافيّة المتناقضة؟

- بشكلٍ تقليديٍّ هناك اليوم ثلاثة اتّجاهات أو مذاهب عامّة في علم النّفس. المذهب الأوّل مذهب التحليل النّفسي بريادة علماء من أمثال: سيغموند فرويد، وكارل غوستاف يونغ، وإريك أريكسون، وكارين هورني وأفكارهم في علم النفس، وصولًا إلى أمثال: إريك فروم وغيره. إنّ لدى هؤلاء العلماء خصائص متفاوتة لست الآن بصدد الدخول فيها. وقد شاعت هذه المدرسة وانتشرت في الغالب في أوروبا في بلدان مثل: النمسا وسويسرا وفرنسا وألمانيا، ولكن كان حضورها الأكبر يتمثل في غرب أوروبا. وأما المذهب الثاني فهو المذهب السلوكي بزعامة مفكرين من أمثال: إيفان بافلوف الروسي، وإدوارد ثورندايك، وفريدريك سكينر، وألبرت باندورا وغيرهم. وإنّ الكثير من علماء النّفس في بحث التعلّم يندرجون ضمن مجموعة هؤلاء العلماء أيضاً. وقد شاعت هذه المدرسة غالباً في الولايات المتّحدة الأميركيّة. والمذهب الثالث هو المذهب الأنثروبولوجي، بقيادة مفكرين من أمثال: كارل روجرز، وإبراهام ماسلو، وفيكتور فرانكل، وغوردون ألبورت وغيرهم. تؤكّد هذه المدرسة على خصائص الإنسان الخاصّة، ومركزها الرئيس في قلب أوروبا ولا سيّما في ألمانيا. إنّ هذه المدارس الثلاثة تشكّل الأجزاء الرئيسة لعلم النّفس في الغرب؛ رغم وجود المذاهب الأخرى مثل القوّة الرابعة أو الرؤية المعنويّة إلى الإنسان أيضًا. لا سيّما في العلاج والطب النفسي الروحي، والذي يعود بجذوره -في بعض جوانبه- إلى التعاليم الشرقيّة ومن المذاهب البوذية والتاوية. والقوّة الرابعة أخذت تطرح في أبحاث علم النفس، قبل ما يقرب من عقدين من الزمن، ولكنّها لا تملك من التأثير والنفوذ ما تملكه المدارس الثلاثة المتقدمة. وبطبيعة الحال فإنّ علم النفس الإيجابي يمثل مدرسة أخرى، يعود تأسيسها إلى عام 1998م على يد مارتن سليجمان. وتؤكد هذه المدرسة على قدرة الإنسان ولا سيّما في الجوانب الأخلاقيّة، خلافًا للمدارس الأخرى التي تؤكد على الاختلالات والسلبيّات. وعلى هذا الأساس فهذه خمس مدارس موجودة في علم النفس المعاصر. وبطبيعة الحال فإنّ فروع علم النفس كثيرة وواسعة. حتى إنّه يوجد حالياً في مركز علم النّفس في الولايات المتحدة الأميركية وحده ما يقرب من 56 فرعًا من فروع علم النفس. وهي فروع من قبيل: علم النفس الفسيولوجي، وعلم النفس التنموي، وعلم النفس الاجتماعي، وعلم النفس السياسي، وعلم النفس الرياضي، وعلم النفس الأخلاقي، وعلم النفس الديني، وبحث التعلم، والشخصية، والآفات النفسية، والتحفيزية، والاستثارية، والتفكير، والذاكرة وما إلى ذلك. ولكن هل تفرض آليات علم النفس على المسلمين تحديات معرفيّة/ نفسيّة؟ يجب القول: نعم، يمكن لهذا أن يحدث. النقطة الهامة هي أن لعلم النفس بعض الإمكانات والقدرات المجدية، وهذه المسألة تجلب تحدياً للمسلمين؛ فمن وجهة نظر بعض إذا كان علم النفس من شأنه أن يعالج سلبياتي النّفسيّة وكآبتي واضطرابي، فهو كلام صائب، ويجب القبول به بالكامل. وهذا يمثل تحديًا معرفيًّا هامًّا. لا سيّما في الموارد التي تختلف أو تتعارض مع آرائنا المعرفيّة أو متبنياتنا الفلسفيّة. وعلى هذه الأساس فإنّ هذه الأمور تجلب معها تحدّياتٍ معرفيّةً جادّة.

* يبدو أنّ أهمّ تحدٍّ معرفيٍّ يُواجهنا في التّعاطي مع هذه المدارس، هو أنّ كلّ واحدة منها حيث يشتمل على سلسلةٍ من العقائد النّظريّة والوصايا العمليّة، وعليه فإنّ التأثير الإيجابي لتلك الوصايا يُؤدّي إلى هذا التصوّر القائل بأنّ المعتقدات النّظريّة بدورها صحيحة ومتطابقة مع الواقع. وهي المعتقدات النّظريّة التي يمكن لها أن تتعارض مع الدين. السؤال ما هي الطريقة التي يجب أن نتخذها في مواجهة هذا التحدّي المعرفي في تفكير بعض المسلمين؟

 - لقد تمّ طرح هذا البحث منذ حوالي عشرة إلى خمسة عشر عامًا بشكلٍ جادٍ في علم النّفس الثّقافي أو علم النّفس ما بين الثقافي. وهناك في الواقع رأي يقول بوجوب رعاية الأبعاد الثّقافيّة في الأبحاث العمليّة أو المقارنة. من ذلك على سبيل المثال أنّ عالم النّفس الفلسطيني مروان الدويري قد عمل في هذا الحقل لما يقرب من عشرين سنة، وشاهد بأمّ عينه أنّ هناك اختلافاتٍ ثقافيّةً كبيرةً في الاستشارة والعلاج في تعاطيه مع المسلمين. ومن هنا لا يمكن تطبيق الأطر المناسبة في علم النفس الغربي على المسلمين بشكلٍ كاملٍ. وقد أدّى ذلك إلى اتّخاذ آراء جديدة للتشاور مع المسلمين. وفي الحقيقة فإنّه قد اتّخذ أساليب جديدة في التّشاور مع المسلمين. وعلى كلّ حال فإنّ أهميّة الالتفات إلى علم النفس المختلف ضروري ولازم بالنّظر إلى الاختلاف في معايير وقيَم المسلمين.

* كيف ترون إلى أساليب نقد المسلمين لأفكار علم النّفس الغربي، وكيف يمكن العمل على بلورة منظومةٍ نقديّةٍ في هذا الميدان؟

- طبقًا لما أعرفه عن نقد علم النّفس الغربي، هناك أسلوبان؛ الأسلوب الأوّل: نقد المباني الفلسفيّة لعلم النفس الغربي. وبطبيعة الحال فإنّ هذا الأسلوب لا يقتصر على المسلمين، وإنّما هو موجود بين الغربيين أيضًا؛ كما نجد توظيفًا له من قبل جون ماك كواري في كتابه (الفكر الديني في القرن العشرين)؛ حيث تعرّض في هذا الكتاب إلى أفكار علماء النفس الغربيين من أمثال: سيغموند فرويد، وكارل غوستاف يونغ وغيرهما، وانتقد تعارضاتهم الدينية من زاوية فلسفية. يمكن لنا أن نقف على نماذج من هذا الأسلوب في كتاب «مدارس علم النفس ونقدها»، الذي صدر عن مركز أبحاث الحوزة العلمية والجامعة، أو في كتاب «فلسفة علم النفس ونقدها». أما الأسلوب الثاني فهو نقد الأفكار الموجودة في صلب علم النفس. من ذلك -على سبيل المثال- نقد الأفكار الموجودة في علم النفس الاجتماعي. وفيما يتعلق بهذا الأسلوب يمكن لنا أن نشير إلى بعض الأعمال الصادرة عن المفكرين الغربيين والمسلمين. من قبيل كتاب «علم النفس الاجتماعي في ضوء المصادر الإسلامية» بقلم كاتب السطور، و«الأسرة من وجهة نظر الإسلام»، و«علم النفس»، و«خانواده در اسلام»، وما إلى ذلك من الكتب الأخرى. وأما فيما يتعلّق بالسؤال القائل: كيف يمكن العمل على تحسين الانتقادات على المستوى الكيفي؟ فهو بحث آخر. وفي الحقيقة إذا أمكن لنا أن نعضد تحقيقاتنا النقدية بالأبحاث الميدانية، ونعمل على دعمها وتأييدها بهذه الطريقة، يمكن الاعتراف بتحسينها الكيفي. وبعبارة أخرى: إنّ انتقاداتنا من خلال ذلك سوف تكون أكثر تأثيرًا. كما يجب علينا العمل على نشر أبحاثنا وتحقيقاتنا التجريبيّة في الصحف والمجلات العالمية؛ حيث يمكن لهذا الأسلوب أن يساعد على تحسين موقعنا ومكانتنا العلمية إلى حدّ كبير.

* ما هي الحلول التي يجب على نخب العالم الإسلامي اعتمادها؛ لأجل مواجهة تحديات علم النفس الغربي؟

- هناك في المجموع ثلاثة حلول. حلان منهما ينطويان على العديد من الإشكالات الأساسيّة، وأمّا الحلّ الثالث فهو حلّ مقبول. وعلى هذا الأساس فإنّ الحلّ الأوّل هو الانبهار؛ بمعنى أن نأخذ الفكر الغربي -بما في ذلك علم النفس في الغرب- بالكامل دون استثناء. والإشكال الذي يرِد على هذا الحلّ هو أنّ بعض الأفكار الغربية تعارض الأسس الفكرية لدينا. من ذلك أنّ علم النّفس التحليلي -على سبيل المثال- ينفي روح الإنسان صراحة أو أنّه ينكر الله علنًا. كما أنّ النّزعة السلوكيّة تعتبر الإنسان كائنًا ماديًّا مثل سائر الحيوانات تماماً. وعليه فإنّ هذين الحلّين ينطويان على إشكالات جوهريّة. وعليه إذا توجّهنا إلى الاستغراب بانبهار تام أو تقليد وترجمة آثار الغرب بشكل أعمى، فإنّ هذا سيترك تحديات فكريّة وماهويّة ونظريّة للمسلمين. الرأي الثاني هو النفي التام لعلم النّفس والتفكير الغربي؛ لا لشيءٍ إلّا لأنّه وليد الغرب وقائم على أفكارهم. وهذه الرأي بدوره غير مقبول لسببين؛ السبب الأوّل: إنّ هذه الأنظمة الفكرية هي حصيلة النشاط الذهني الإنساني، وإذا غفلنا عنها، وأغلقنا الباب بوجهها، فإنّها سوف تدخل من الشباك. وعليه يجب العمل على دراسة هذه الأفكار والتعرّف عليها. ولم يعد اليوم بالإمكان نبذها بذريعة أنّها من كتب الضلال؛ وذلك لأنّها قد فرضت نفسها علينا عبر شبكات التواصل الاجتماعي. يضاف إلى ذلك وهو الأهم أن هذه الأنظمة الفكرية تنطوي على كلمات جيدة، فلماذا نحرم أنفسنا منها؟! فكما أنّنا نستفيد اليوم من التقنية الغربية من السيارات والطائرات والكمبيوتر وما إلى ذلك من الأجهزة والمعدات الأخرى، هناك لديهم في العلوم الإنسانيّة، ومن بينها علم النفس الغربي أمور يمكن الاستفادة منها أيضًا؛ لا سيّما وأنّنا مكلّفون بالاستفادة من العلوم الإيجابيّة والكلام الحسن؛ قال تعالى في محكم كتابه الكريم: (فَبَشِّرۡ عِبَادِ    ٱلَّذِينَ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقَوۡلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحۡسَنَهُ) [الزمر – 18]. وجاء في الحديث الشريف: «خذ الحكمة أنى كانت؛ فإن الحكمة تكون في صدر المنافق فتتخلج في صدره حتى تخرج فتسكن إلى صواحبها في صدر المؤمن»، أو «خذ الحكمة ولو من أفواه المجانين». وعليه فإنّ الحلّ الأمثل هو القراءة والانتقاء الصحيح. بمعنى أن نعمل على دراسة أفكار الغرب؛ فنقبل منها ما يوافق متبنياتنا، ونذر ما يخالفها. إن هذا الاتجاه الثالث القائم على القراءة النقدية، يمثل الاتجاه المقبول والحل المناسب للعالم الإسلامي. إن هذا الاتجاه يستلزم الاستفادة من الإمكانات والظرفيات الإيجابيّة في علم النفس الغربي، وهو في الوقت نفسه لا يمثّل انبهارًا بتلك الأفكار؛ إذ تنطوي هذه القراءة على انتقادات جادة لتلك الأفكار أيضًا.

* لکن هل المواجهة الانتقائية المعتمدة من جانب العلماء المسلمین حيال الغرب صحيحة وممكنة؟ بمعنى أن نعمل من خلال التفكيك والفصل بين العقائد والتداعيات والمعطيات الغربية في حقل "الحسن" و"القبيح»؟

- أجل، هذا صحيح. وأنا أنصح بالتعاطي الانتقائي. غاية ما هنالك أنّ هذا التّعاطي الانتقائي يجب ألّا يكون بشكل سطحي وساذج، بل يجب أن يكون عميقًا وثاقبًا. وعلى كل حال هناك بين الظواهر والأمور الغربية بعض المفاهيم والأشياء التي لا يمكن لنا أن نقبلها بحال من الأحوال، من قبيل: اليانصيب، والقمار، والملاهي، وحانات الخمور وما إلى ذلك. ونحن نرى أن هذه الأمور لا تتناسب مع متبنياتنا؛ ومن هنا يتعين علينا أن نجتنبها. وفي المقابل هناك أمور مقبولة ومستحسنة، من قبيل: النظم واحترام القانون والضوابط والتقدم الصناعي، ويمكن التأسي بالغرب في هذه الأمور. إن احترام الوقت والمواعيد واحترام حقوق الآخرين والسلوك الاجتماعي من الأمور الجديرة بالمدح والثناء. وفي الحقيقة فإنّهم متقدمون علينا من هذه الناحية. ومن هنا أذهب إلى القول بأنّ تعاطينا مع الأبحاث الفكريّة لدى الغرب يجب أن يقوم على هذا الأساس. وفيما يتعلّق بالأبحاث الفكريّة يجب أن نعمل على طبق منظومتنا الفكرية، ونقبل بالأمور الجيدة؛ بيد أنّ هذا الاتّجاه يحتاج إلى عمليّةٍ اجتهاديّةٍ مكثّفةٍ وقويّةٍ، وعدم الاقتصار على مجرد المواجهة القشرية والسطحية. والمهم في هذا الشأن في الدرجة الأولى هو الاعتماد على النفس، وفي الدرجة الثانية اغتنام الفرص وكتابة الأطروحات على مستوى الماجستير والدكتوراه، وإنتاج الأفكار الإسلامية الجديدة. وفي هذه الحالة لن تكون مواجهتنا للأفكار الغربية مواجهة انفعالية، بل ستكون مواجهة إيجابية، وسوف نضطر المفكرين الغربيين -في الوقت نفسه- إلى دراسة أفكارنا وآرائنا في هذا الشأن أيضاً.

* من هم برأيكم أبرز نقّاد علم النفس الغربي من بین الغربيين والعرب؟

- يمكن لنا أن نذكر جون ماك كواري في كتابه (الفكر الديني في القرن العشرين)؛ حيث تعرّض في هذا الكتاب إلى نقد أفكار علماء النفس الغربيين. ومن بين علماء النفس قام بعض المفكرين من أمثال يوهانس شولتز من انتقد أفكار علم النفس. والكتاب الذي ترجمته مؤخراً تحت عنوان "علم النفس الديني والروحي" لمؤلفه جيمس نيلسون، يحتوي بدوره على نقد بعض آراء علماء النفس أيضاً. هذه نماذج من أعمال المفكرين الغربيين. وأما المفكّرون العرب الذين تناولوا الأفكار الغربية بالنقد فلا أعرف الكثير عنهم.


تعريب: حسن مطر.