البحث في...
عنوان الحوار
إسم المحاور
إسم مجري الحوار
المصدر
التاريخ
ملخص الحوار
نص الحوار
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

June / 16 / 2022  |  503فلسفة التقنية، العقل التقني أفرغ الحداثة من أبعادها الإنسانية

الحوار مع :د. عادل عوض
فلسفة التقنية، العقل التقني أفرغ الحداثة من أبعادها الإنسانية

إنطلاقاً من منهج نظر فلسفة العلوم، يرى الدكتور عادل عوض الباحث المصري وأستاذ الفلسفة في جامعة المنصورة، أنّ الحضارة العقلانيّة الغربيّة آلت إلى الانطواء في كهف التقنيّة، ولم تعد تقدر على إنتاج معارف وعلوم إنسانيّة خارج هذا الكهف.

في هذا الحوار تضيء أجوبة البروفسور عوض على مجموعة من الإشكاليات المفصليّة التي تعبرها الحضارة الغربية المعاصرة، وفي مقدّمها معضلة التشيّؤ في حركة الفكر وسيادة تقنية الاستهلاك على حساب القيم.

«المحرّر»


* مستهلّ أسئلتنا يتعلّق بما طرأ على فلسفة العلوم من تحوّلات، وخصوصاً في جانبها التّقنى الذي صار أشبه بالوعاء الذي يختزل كلّ نظرياتها. إلى أيّ مدى كان للثورة التقنية من آثار على البناء المعرفي لفلسفة العلم ولا سيّما لناحية تأثيرها على مناهجها العلميّة والأخلاقيّة؟

- لا شكّ أنّ هناك العديد من التطوّرات الراهنة التي لحقت بفلسفة العلوم ولا سيّما في جانبها التّقني، فمع بدايات القرن العشرين أصبح التقدّم التكنولوجى يسير بسرعةٍ فائقةٍ – وحسب وجهة نظر فؤاد مرسي – أنّ ذلك كان نتيجة لدخول تكنولوجيا الاتّصالات ومعالجة البيانات عن طريق الحاسبات الإلكترونية، وهي ما أطلق عليها اسم «ثورة تكنولوجيا المعلومات» التي تتعلّق بجمع وتوصيل وتخزين واستعادة ومعالجة وتحليل المعلومات، وتقوم على الرّبط بين التكنولوجيا المبنيّة على الإلكترونيات الدقيقة وصناعة المعلومات، وتتصف بسمات أهمّها أنّها ذات كثافة علميّةٍ شديدةٍ، كما تتميّز بشدّة كثافة رأس المال فيها على النطاق العالمي. كما صرّح آخرون أنّ العلم والتكنولوجيا أصبحا هما الأيديولوجيا الجديدة، وأبرزهم هايدغر وفلاسفة مدرسة فرانكفورت وهابرماس وعالم الاجتماع والسياسة الفرنسى جاك إيلول؛ إذ يذهب هؤلاء إلى أنّ العلم والتكنولوجيا أصبحا يقومان بالدور التقليدى للأيديولوجيا في تبرير الوضع القائم، وإضفاء الشرعيّة على كافّة صور الهيمنة السياسية والاقتصادية، واستبدال العقلانية الأداتيّة، وهي عقلانيّة الوسائل، بعقلانيّة الأهداف والقيم الموضوعية. كما أنّ هناك تطوّر لاحق في فلسفة العلم، وهو لافت للنّظر بشكلٍ واضحٍ، وخاصة مع الارتباط الأعظم بفلسفة التكنولوجيا، وهو ما أسماه «دون إد» الأسلوب الواقعى الذرائعى للعلم. الواقعيون، أتباع كون في الفلسفة الجديدة للعلم، وحتى علم اجتماع المعرفة العلميّة ركّزوا على العلم كمبادرة نظرية أساسية. الاختبار التجريبى كان محدّدًا لتعريف المذهب الواقعي للمعرفة العلمية، لكن نموذج الاختبار كان بشكل عام ملاحظة شعوريّة مباشرة.

فقد أصبحت التكنولوجيا في عصرنا الراهن سؤالاً فلسفياً بامتياز، يجمع بين البُعد المادي والمعرفي والوجود الذاتي والاجتماعي والقيمي والأخلاقي؛ بل يكاد يجعل من البُعد الأخلاقى بوجهٍ خاصٍّ بُعداً إشكالياً أساسياً في هذا السؤال الفلسفي المعاصر دون الإقلال من قيمة أبعاده الأخرى، بل لعلّ البُعد المعرفي الابستمولوجى أن يكون – فيما يتعلق بمقولة العقل والعقلانية – من العوامل الأولى التي فجرت هذا السؤال الفلسفي حول التكنولوجيا. وقد ركّزت تكنولوجيا العلم على استخدام الآلات أو الأجهزة، ولكنّها ليست محدودة بذلك. تمتدّ فلسفة التكنولوجيا بالضرورة إلى وراء فلسفة العلم في أي عدد من الاتّجاهات بمعناها المعاصر، إلّا أنّها لا تستطيع أن تتجنّب التداخل مع فلسفة العلم وهو التداخل المقترح هنا. وحقيقة الأمر أنّ تاريخي الخاص بى ودوافعي – دون إد – اتّخذت هذا الاتّجاه في منتصف السبعينيات وتستمرّ من داخل الحدود المعترف بها لفلسفة التكنولوجيا.

لا توجد –إذًا- معرفة بدون تقنيةٍ معيّنة للمعرفة؛ فالتقنية التي هي في الأساس وسيلة من وسائل التكيّف مع المحيط تصبح بشكلٍ من الأشكال وسيلةً من وسائل المعرفة النظريّة والعمليّة. فلكلّ عصر علومه المرتبطة بمجموعة التقنيات المادية والفكرية الخاصّة به. ومن زاوية المعرفة وعلاقتها بالعصر.

استطاع الإنسان – كما تناوله محمود جمول – أن يُسيطر على الطبيعة بواسطة الآلة، وأن يُحوّلها ويتحكّم بها لصالحه. وبذلك أصبح سيد الكون. فالعلم من ناحية والعمل من ناحية ثانية والتطبيق المستمر للاختراع وللاكتشاف...إلخ. قد أعطت للطبيعة الخارجيّة صورة الإنسان الفاعل فيها بكلّ قواه الجسديّة والاجتماعيّة والعقليّة. الآلة جسّدت انتصار الإنسان على الطبيعة، فالرافعة والدولاب والمحرّك والسيّارة، والأدوية، وغيرها. هي أمثلة قاطعة على صحّة هذا الانتصار وعلى إخضاع العالم الخارجى للإنسان في تجارب التكيّف مع المحيط.

وما لبث أن توصّل الإنسان في العقود القليلة الماضية إلى مجالات تكنولوجيّة أحدث تتعلق بثورة المعلومات والاتصالات والثورة البيولوجية.

وقد تجلّت فلسفة التكنولوجيا عند هايدغر كما أكّد دون إد في كتابه مدخل إلى فلسفة التكنولوجيا عن طريق تناوله لظاهرة الوجود، لذلك يؤكّد أنّ علاقاتنا الأوّليّة بالعالم أو بيئة الخبرة لم تكن أوّلاً علاقة تصوّريّة، بل علاقة ممارسة وعمل، علاقة جسمية، تتمثّل في النّشاط المعتاد. والمثال الذي أصبح واحداً من أعظم الشواهد المثيرة في فلسفة القرن العشرين، هو استخدام هايدغر «رسم المطرقة» ليصنع حجّته، فالإسكافي يلتقط المطرقة داخل سياق عقلاني لاستخدامات محدّدة، تختصّ فيها المطرقة بنوع من مجالات العمل الشاق، وهي تُشير إلى إنتاج شيء من صنع الإنسان، حيث إنّ استخدمها الحقيقي يقدّم نوعاً خاصاً من المعرفة العمليّة التي ليست تصوّريّة بشكلٍ أولى، بل عينيّة أو جسميّة.

قسّم هايدغر الوجود إلى نوعين «وجود في العالم» و«وجود في متناول اليد»، في النّوع الأوّل اهتمّ بتفسير الدّلالة الأنطولوجيّة لمعنى الوجود في العالم، والتي تعني القدرة القبليّة على امتلاك الموجودات التي تنتمي إليها، ونشعر نحوها بالهم، أمّا النّوع الثاني فهو الوجود. أمّا بالنسبة للوجود في متناول اليد والذي أطلق عليه هايدغر «الوجود الخاص بالأداة» وهو الوجود الذي تكشف فيه الأداة عن نفسها؛ لأنّ وقائع العالم المحيط يمكن وضعها في صورة أدوات.

وعندما سئل هايدغر عن ماهيّة التقنية أشار إلى إجابتين: الأولى، أنّ التقنيّة وسيلة من أجل تحقيق بعض الغايات. أما الثانية، فالتقنية فاعليّة خاصة بالإنسان. وهاتان الطريقتان متماسكتان؛ لأنّ وضع غايات وتكوين وسائل واستعمالها يُعدّ من أفعال الإنسان، كما أنّ صنع آلات وأجهزة وأدوات واستعمالها يعدّ جزءاً من ماهيّة التقنيّة.

يصرّح إيلول بأنّ السّير على التقنيّة أمر صعب، وثمة إهتمام كبير بالسيطرة التقنية عندما تتعارض مع المسائل الأخلاقية التي تثيرها أخلاقيات البيولوجيا والتلقيح الصناعي وغيرها. لا بدّ في هذه المسائل من تشكيل لجان أخلاقيّة لتثبيت قواعد مرجعيّة لتلك الأمور، إنّ تلك التقنيات جزء من نظام تقنيّ شاملٍ. لا تستطيع السيطرة عليه ما لم يتم السيطرة ككل.

التقنيّة هي نتاج العلم الذي يتّسم بالعقلانيّة الخالصة، ومن ثمّ فإنّ التقنيّة التي نتوصّل إليها بطريقةٍ عقلانيّةٍ، هي ذات طبيعة عقلانيّة، ومن المفترض أنّه كلّما تقدّمت التقنية إزداد دعمها لتقدّم البشريّة.

تحدّث «دون إد» عن عدم حيادية التكنولوجيا، بمعنى أنّها تنطوي في داخلها على إيجابيات وسلبيات بغض النّظر عن الاستخدام. فقد صرّح إن التكنولوجيا ليست محايدة في السياق الإنساني. إنّها تصنع صور الحياة أو صور العوالم، إلّا أنّه في اختلاف الأساليب باختلاف التكنولوجيات تتحوّل الخبرة الإنسانيّة.

يتصدّى هايدغر للتكنولوجيا؛ على أساس أنّها عنده لا تقف عند وجود التقنيات الإجرائيّة التي صنعها ويصنعها الإنسان كأدوات يستخدمها لحاجاته وأغراضه العمليّة، بل يرى في هذا وضعاً مبتذلاً للتقنية؛ حقاً، إنّه يعترف بأنّ تعريف التقنية كأداة هو وصف دقيق لها، ولكنّه كما يقول ليس الوصف الحقيقي لها في عصرنا الحديث التي بلغت فيه التقنية مرحلة بالغة التطوّر والفاعلية، ذلك أنّه يراها استكمالاً أخيراً للميتافيزيقا، وهو لا يقصد بهذا أن التقنية الحديثة قد تمّ بها استكمال الميتافيزيقا وأنّها بهذا قد توقّفت وانقطعت. فالميتافيزيقا ما تزال تواصل تجليها بفضل ماهية هذه التقنية.

تأمّل ماركيوز واقع المجتمعات الصناعية المتقدّمة، ووجد أهم سمات ملازمة لها، والتي تكون دائماً مرتبطة بالتّطوّر التكنولوجي، وهي العقلانيّة التي تحوّلت إلى لا عقلانيّة عندما سيطرت على الإنسان وقيّدت حريته، فيقول: «إنّ ثمّة ظاهرتين بارزتين في قطاعات المجتمع الصناعي الأكثر تقدّماً: فمن جهة أولى تعبر العقلانيّة عن نفسها في الميل إلى الكمال التقني. ومن جهة ثانية تبذل كلّ الجهود الممكنة لحبس هذا الميل في المؤسّسات القائمة. ذلكم هو التناقض الملازم لهذه الحضارة؛ الصفة اللا عقلانيّة لعقلانيتها. وهذه الصفة ملاصقة لكل منجزاتها».

على أية حال، تُعدّ فلسفة التكنولوجيا مجالاً بينيًّا، نشأ في الآوانة الأخيرة لمعالجة المشكلات التي برزت نتيجة تفاقم المشكلات الطبية والتقنية والبيئية وغيرها.

* ظهرت التقنيّة كفجوة تتوسّع يوميًّا أثّرت في بنية العقل الغربي الحديث. لعلّ أشدّها وقعاً أن أصبح العقل في مواجهة الإيمان، والتقنية في مواجهة البُعد الروحي للإنسان. والنتيجة أنّ وقع العقل الحديث في أحاديّة جائرة ستجرّده من إمكانات هائلة هي ضرورية لتجدّده الحضاري. كيف تعلّقون على هذه الأطروحة؟

- تداخلت التكنولوجيا تداخلاً عضوياً حميميًّا في المنجزات والصراعات والمواقف البشريّة المختلفة، وأخذت بالضرورة تتأدلج وتتحزَّب عملياً ووظيفياً للمصالح والإيديولوجيات التي تمثّلها هذه المنجزات والصراعات والمواقف. وبرغم هذا التداخل العضوي بين الإنسان والتكنولوجيا، وبسبب هذا التداخل نفسه وخاصة في جانبه الإيديولوجي، ومع تعاظم فاعلية التكنولوجيا تعاظماً خارقاً في عصرنا الراهن بالقياس إلى قدرات الإنسان الذاتية المحدودة جسدياً وعلمياً، أخذت التكنولوجيا تبرز ككيان ذاتيّ متميّز له خصوصيّته واستقلاله النسبي عن الإنسان وفي مواجهته، وأخذت تتسع المسافة بين التكنولوجيا والإنسان وتتحول من جديد إلى علاقة ثنائيّة مفارقة، بل عدائيّة بينهما في كثير من الأحيان، وهكذا أخذ يحتدم طوال التاريخ صراعٌ وظيفيٌّ إيديولوجيٌّ، وإن يكن بمستويات مختلفة ومتفاوتة بين كينونة الإنسان الحيّة، وكينونته التكنولوجيّة، وهو صراع على السّلطة أساساً، سلطة الفصل والحسم والسيطرة والتوجيه في مختلف الممارسات والخلافات والصراعات البشرية، العملية منها والفكرية والقيمية.

تقترن التكنولوجيا في العصر الحديث بالعلم، وكأنّهما يمثّلان ظاهرة واحدة، فالعلم الحديث يجعل العلم يبدو بوصفه عالماً فعلياً في مجال العوالم الممكنة، بينما تعكس التكنولوجيا الحديثة تحديداً للتصرف بهذه الممكنات بصورةٍ تحويليّةٍ. بناء على ذلك، تتصف التكنولوجيا الحديثة بأنّها علم تطبيقيّ؛ لأنّها تتعلّق باختراع أشياء جديدة ومعالجة أو تحسين القديم منها. على حين يتعلق العلم المحض باكتشاف الحقيقة.

إذا كانت الأيديولوجية التي تقف وراء النّزعة العقلانيّة الغربيّة تعدّ أيديولوجيّة الهيمنة والسيطرة على الآخر؛ فإنّ جاك إيلول في «المجتمع التكنوقراطي» يبرهن على أنّ «الجنس البشري بدأ يدرك أنّه يعيش في كونٍ غريبٍ عنه؛ وذلك في ظلّ نظام يفصل بين الإنسان والطبيعة، بحيث فقد فيه الإنسان كلّ صلته بإطاره الطبيعي. ذلك أنّ الإنسان وقد سُجن داخل ابتكاراته الاصطناعية لا يمكن أن يجد أيّ مخرج يستطيع خلاله اختراق قوقعة التقنية ليجد البيئة القديمة التي تكيّف معها مرّة أخرى على مدى آلاف السنين.

تظهر خطورة التكنولوجيا، من حيث عدم إعطائها أيّة قيمة للإنسان – هايدغر: سؤال التقنية –، وبالتالي فهذا الأخير ليس إلّا منجم للذهب وثروة مهيّأة للاستخدام؛ وذلك لأنّ التكنولوجيا الجديدة كما يشير هايدغر ترتكز على علم الطبيعة الحديث، لكنّنا نعرف اليوم بكيفيّة أكثر أنّ العكس أيضاً صحيح. إنّ الفيزياء الحديثة تتوقف كعلم تجريبيّ على التّقدّم الحاصل في الأجهزة التكنولوجية والإلكترونية. إنّ ملاحظة هذه العلاقة المتبادلة بين التكنولوجيا والفيزياء سليمة، ولكنّها تظلّ مجرّد ملاحظة تاريخيّة لوقائع ولا تقول شيئاً عمّا يؤسّس هذه العلاقة.

المتفائلون يرون أنّ قضيّة التقنية طبيّة بالضرورة، إنّها إيجابيّة على أعلى مستوى، أمّا المتشائمون فيشيرون إلى النتائج السلبيّة. ويؤكّد الطرف الأخير على أنّه كلّما ازداد التّقدّم التّقني تعاظم الخطر وذلك في المجالات كلّها، وكلّما ازدادت جرأة التقنيّة والإنجازات ازدادت الأخطار. المشكلة هنا أنّنا نعيش في وسطٍ تقنيٍّ لا يسمح لنا بالتّأمّل، وتلك هي المأساة، فليس في مقدورنا النّظر إلى الماضي والتفكير فيه، وبغير إمكاننا التركيز على شيء معيّن وتأمّله، فعلينا أن نناقش المعرفة الفكريّة والوجدانية. ولا بدّ أن نجعل منها مادة للتجريب وأن نخضعها للتأمّل وندمجها في خبراتنا الحياتيّة.

الموقف العدائي أو النقدي من التكنولوجيا، وخاصّة في صورته الفلسفيّة الراهنة، هو امتداد متفاقم للثنائيّة التقليديّة القديمة القلقة والمستمرّة حتى اليوم في الخبرة الوجودية الإنسانيّة بين النّفس والجسد، بين الروح والمادة، بين المطلق والنسبي، بين المكان الثابت والزمان المتغيّر، بين الحياة والموت، بين الرؤية الدينية –وخاصّة في استقطابها الصوفي التطهري– والرؤية الدنيويّة العلميّة في استقاطبها الحداثي العملي أو النفعي المصلحي؛ هذا فضلاً عن الثنائيات المعرفيّة بين الذات والموضوع، بين الإنسان والطبيعة، بين الحدس والعقل، بين الفكر والواقع، بين المثالية والمادية، بين الشك واليقين، بين الحرية والضرورة، بين الفوضى والحتميّة، بين الحلم والحقيقة. بين العلم والممارسة، بين اللا معقول والمعقول، بين الآنا والآخر؛ وكذلك الأمر في الثنائيات القيمية والأخلاقية بين الخير والشر، بين القيمة والفعل، بين اليوتوبيا (أو الحلم) والكابوس إلى غير ذلك من الثنائيات المختلفة؟ ألا تمثّل العلاقة الثنائية بين الإنسان والتكنولوجيا في عصرنا الراهن الرمز الكلّي أو النموذج الأعلى لإشكاليّة العلاقة بين هذه الثنائيات جميعاً التي تكمن إشكاليتها في كونها علاقة متراوحة بين التضاد أو التوافق أو التفاعل الجدلي وأنّها ليست ثنائيّات معلّقة في فراغ مجرّد.

والحقيقة أنّه لا ينبغي علينا المبالغة في تصوّراتنا المتشائمة وآرائنا اليائسة، فليست كلّ التقنيّة أدوات للسيطرة على الطبيعة أو المجتمع، فالعلم – وكذلك التكنولوجيا – قد جاءا في الأصل لتحقيق رفاهيّة الإنسان وأمنه وسعادته، إلّا أنّ التطبيق الخاطئ جعلنا نستخدمها في أحيانٍ كثيرةٍ كأدوات للسيطرة والاستغلال؛ إذ يمكن أن يكون للعلم الدور الأعظم في إيجاد الحلول للعديد من المشكلات التي يزخر بها عالمنا المعاصر: مثل مشكلة الانفجار السكاني، ومشكلة نقص الغذاء في العالم.

* كثير من المفكرين الغربيين رأوا أنّ التقنية على سبيل المثال يجري التّعامل معها وكأنّها آخر الحلول المتاحة لترميم الحضارة المعاصرة، ماذا يعني لكم مثل هذا الرأي؟ معارف الغرب في مطلع القرن الحادي والعشرين؟       

- يرى ماكس فيبر أنّ الغرب وحده هو المكان الوحيد الذي ظهر فيه العلم وتطوّر في سياق عقلانيّ منظّم، وأمّا بقيّة الحضارات الأخرى فرغم أنّ لديها معارف، إلّا أنّها تفتقر إلى العقلانيّة ومنهجيّتها.

كما صرّح أنّ الشّكل الحديث للرأسماليّة الغربيّة قد تحدّد بتطوّر الإمكانات التقنيّة، وترتبط عقلانيّة اليوم بشكلٍ أساسيٍّ بإمكانيّة تقدير العوامل التقنيّة الأكثر أهميّةً. ما يعني أنّها ترتبط بالسّمات الخاصّة بالعلم الحديث. يشير ماكس فيبر إلى أنّ التّقدّم التقني قد أفرز نوعاً من العقلانيّة العلميّة التي لها منهجها ووسائلها، لكن التقدّم العلمي غير مسؤول عن تطبيقاته، ومن ثمّ فإنّ العقلانيّة غير مسؤولة عن الغايات التي أصبحت لا عقلانية فيما بعد.

يرى سالمون أنّ التقنية عمليّة اجتماعيّة؛ لأنّ ثمّة اتّفاق بين العالم التقني والاجتماعي، وإنّ الإبداع التقني صناعة بشريّة ليس بعيداً عن السيطرة البشريّة إلا بقدر.

التّقدّم التكنولوجي، سواءً أكان في ميدان الحرب أم الفنون أم الزراعة أم الصناعة، يعتمد بشكلٍ خاصٍّ على المكافآت والحوافز التي يقدّمها المجتمع. وعلى هذا، يتحدّد اتّجاه التّقدّم التكنولوجي وفقاً للسياسات الاجتماعيّة.

يرى أدورنو أنّ العقلانيّة في الحضارة المعاصرة اتّخذت شكلاً أكثر معقوليّةً ومنطقيّةً، فبدت علاقات العمل التي يشوبها القمع والسيطرة مقبولة. فبدلًا من أن تعمل الحضارة على إعادة توزيع النتاج الاجتماعي بحسب الحاجات الفرديّة، أصبحت تضفي طابعاً عقلياً على القمع والسيطرة مدعيةً أنّها تحقّق تقدّم المجموع. ولذلك فإنّ اختلاف صور السيطرة بين سيطرة الطبيعة وسيطرة الإنسان تؤدي إلى اختلاف صور الواقع.

فمثلما كان الفرد خاضعاً يوماً لحاكم مستبدّ أصبح خاضعاً للعقلانيّة التقنيّة والعلميّة والفلسفيّة –الأداتية– التي تسيطر على الطبيعة والإنسان المعاصر، وفقاً لقبليّة تكنولوجيّة وعلمية استبداديّة. والعقل الأداتي أو العقلانية التقنية لدى فلاسفة فرانكفورت هو أسلوب التفكير السائد في المجتمع الصناعي المتقدّم، والذي تشكّله آليات علميّة وتكنولوجيّة وفلسفيّة وثقافيّة معيّنة، تحرّكها القوى المسيطرة في ذلك المجتمع. هو عقل متوافق ومنسجم مع القوى الكليّة الاستبدادية، يرفض التناقض والنقد، ويقبل الواقع كما هو. هو عقل يقبل السيطرة ويرضى بالتبعيّة؛ لأنّه يحقّق من خلالها ذاته المستلبة دون أن يدري. ويطلقون على ذلك العقل أيضاً العقل الذاتي والشكلي والتقني، ويصفه هربرت ماركيوز بالتفكير ذو البعد الواحد.

لقد كان واضحاً –عند سهير عبد السلام – ارتباط العقلانية المعاصرة بالتكنولوجية لدى فلاسفة مدرسة فرانكفورت، فالتكنولوجيا أداة من أدوات السيطرة العقلانية على المجتمع والإنسان، لذا نجد أدورنو وهوكهيمر في كتابهما «جدل التنوير» قد ربطا بينهما ووجّها لهما النقد المشترك، وحمّلهما معاً مسؤوليّة ما آل إليه الإنسان المعاصر من تشيّؤ واغتراب، ويرى أدورنو أنّه كلّما نمت المعرفة التكنولوجية تقلّص تفكير الإنسان، وقلّ نشاطه واستقلاله الذاتي، وقدرته على التخيّل والحكم المستقل.

أحد أكثر التساؤلات أهميّة لفلاسفة التكنولوجيا هو: كيف نرى التكنولوجيا بوصفها تقنية واجتماعية في آن معاً؟ وماذا يعني هذا بالنسبة للتصميم، وبالنسبة للاستخدام والممارسة؟ ثمة معنى اجتماعي للتكنولوجيا يتعلّق بالاستخدام والسياق، ولها أيضاً الخصائص التقنيّة غير السياقيّة، فالسيارة، ولنأخذها كمثال مميّز، يمكن أن تكون رمزاً للمكانة أو المركز (في سياق اجتماعي ما) وآلة ميكانيكية (في أي سياق اجتماعي). ويجب أن يفهم التغيير في تصميم السيارة على أنّه انعكاس لكلّ من حاجات اجتماعيّة (الأمان والتسويق والتكلفة)، وحاجات تقنيّة (المواد المتاحة والشروط المادية الفيزيائية).

فسبب عدم الاستقرار الواضح في موقف العلماء هو أنّ الاكتشافات العلميّة ونتائجها تنفصل عن بعضها البعض في رأي معظم العلماء. فالبحث يجب أن يبقى خاضعاً لرقابة العلماء وليس لغير العلماء. ولكن لأسبابٍ اقتصاديّةٍ وقانونيّةٍ واضحةٍ قد تخضع نتائج الأبحاث إلى الرقابة الاجتماعية، وبلغ الأمر ببعض العلماء إلى التوكيد بأنّ ما يفعله العسكريون باكتشافاتهم العلميّة لا يعني العلماء في شيء، بيد أنّ التمييز بين الاكتشاف والتطبيق قد لا يكون عملياً، حتى لو رفضنا الاستنتاجات التي يتقدّم بها بعض الفلاسفة بأنّ المعرفة، كلّ المعرفة، سوف ينتفع بها أخيراً.

يجب ألّا ينسينا مفهوم الحتميّة التكنولوجيّة – حسب دراسة عزيزة بدر – حقيقة أنّ النّشاط الإبداعي اجتماعي في الأساس، فهو سمة توجد لدى بعض المجتمعات ولا توجد في مجتمعات أخرى؛ حيث بلغ العرب، على سبيل المثال، درجة رفيعة من التقدّم التكنولوجي في الماضي، ومنذ ذلك الحين وهم يعانون الذبول.

تعني التكنولوجيا استخدام نظام سوسيوتقني، نظام يقوم بمزج الأدوات المادية والبشر وعناصر أخرى لتحقيق مهام لا يمكن للإنسان إنجازها دون معاونة هذا النظام، وذلك لتوسيع القدرات البشريّة. حيث توسيع القدرات البشرية باستخدام أنظمة السوسيوتقني يتمّ بشكلٍ كميٍّ وكيفيٍّ، وبدون استخدام نظام سوسيوتقنيّ لن يكون ثمة هدف لصناعة الأدوات الماديّة، فالأنظمة السوسيوتقنيّة للمصنع تشكّل الأسس الماديّة لكلّ مجتمع في الماضي والحاضر. على سبيل المثال، استخدام القطارات أسهم في أن نتحرّك على الأرض بسرعةٍ أكبر مما كنا نستطيع دون معاونة أنظمة النقل. سخرت الأنظمة السوسيوتقنية أيضاً الطائرات وصار في مقدورنا أن نطير، ولولا هذا النظام ما كان بوسعنا القيام بذلك.

حيث أسهم استخدام الأسلحة المتنوّعة في توسيع القدرة على أن نقتل ونقهر، وكذا توسيع قدرات الذاكرة البشريّة في معالجة المعطيات بواسطة أنظمة الكمبيوتر.

وهنا ثمّة سؤال يطرح نفسه: هل مفهوم التكنولوجيا يقف عند دعمها نجاح وتحقيق الإنجازات التي يريديها الإنسان؟ في الحقيقة لا. هذا المعنى أو هذا المفهوم للتكنولوجيا قد انتهى، فالتكنولوجيا الآن تبدع نمطاً من الإمكانية أو القدرة المجرّدة، ولم يعد ثمة سؤال بشأن ماذا «يريد» الإنسان أن يفعل بالوسائل، هذا الفهم ينطبق من حيث المبدأ ودائماً على زيادة طاقة الإنتاج.

فى الحقيقة، روح التكنولوجيا لم تعد مرتبطة على الإطلاق بمجموعة أهداف، فالرغبة في التحكّم والتدخّل في الطبيعة من أجل التقدّم، أصبحت هي البيان الرسمي للإبداع.

إنّ العلم يكتشف، والتكنولوجيا تطبّق ما يكتشفه العلم، فهل حقيقة العلم يكتشف والتكنولوجيا تطبّق؟ يجمع الكثيرون على أنّ التكنولوجيا تبدع وأنّ الإبداع التكنولوجي استمرّ يحدث طوال التاريخ. حيث كانت الرؤية السائدة قديماً أنّ العلم يكتشف، والتكنولوجيا تطبّق ما يكتشفه العلم. وتلك الرؤية لم تعد مقبولة؛ العلم والتكنولوجيا التأما معاً، فالعلماء تكنولوجيون، والتكنولوجيون علماء. ومن ثم، الرؤية القديمة التي ترى العلوم بوصفها هي التي تنتج المعرفة ثم تقوم التكنولوجيا بتطبيقها لن تسهم في فهم التكنولوجيا. الفصل بين العلم والتكنولوجيا ليس مجرد فصل بين المعرفة المجردة والممارسة، بل بالأحرى هو فصل اجتماعيّ.

وقد حدث تحوّل كبير في الرؤية الخاصة بالعلاقة بين العلم والتكنولوجيا. فكلا منهما يستثمر جزءاً من ثقافة الآخر؛ حيث يتشابكان ويتداخلان في علاقة تكافليّة.

* يبدو مما قدّمتموه وكأنّ التقنيّة الغربية تسير إلى غايتها الكارثيّة بخطى سريعة؛ حيث تحاول تصنيع الإنسان ليكون على شاكلتها، أو في ما يُدعى في الغرب بالإنسان التقني؟

- أكّد فيكتور فركس على أنّ الثورة الوجوديّة تستهدف تغيير مكان الإنسان في الطبيعة.. هل الإنسان التقني أسطورة أم حقيقة؟ هذا سؤال يتوقّف الجواب عنه على مقدار تغلغل الثورة البورجوازية في المجتمع الإنساني، وعلى رأي الإنسان في نفسه. حتى لو استغلق عليه فهم ما يحدث له، فإنّ الماضي وإنسان الماضي قد وليا إلى غير رجعة. ولكن، ماذا يخلف الماضي؟ وهل تكون الحضارة الجديدة عصراً مظلماً جديداً يسيطر فيه الجشع الإنساني والغرائز الحيوانيّة على الوسائل المؤذية المدمّرة التي جهلت العصور البائدة كلّ شيء عنها.

رغم أنّ موقف جاك إيلول الذي يغلب عليه التحذير على الترحيب، مقتنع بوجود الأخطار المتربّصة بالإنسان في حقبة يصبح فيها كلّ شيء تقنياً، وتصبح التقنية قوّة مستقلّة تمام الاستقلال، ويصبح هو فيها أداة في يد عدوّته هذه، وبتضخيمه للوضع يخلق شعوراً باليأس عميقاً لا تجدي معه أيّ مقاومة. والكثيرون الذين يتقبّلون وجهة نظر «أيلول» مقتنعون بأنّ الشيء الوحيد الباقي هو انتظار النهاية. لكن «أيلول» يعترف بأنّ هناك شيئاً يمكن فعله. إلّا أنّ الأمل قليل والحلّ ما زال مبهماً.

كما أنّ غيره من العلماء والباحثين حاولوا دراسة العلاقة بين الإنسان والآلة. بعضهم يعتقد أنّ الإنسان والآلة سيندمجان في العصر الحالي إلى درجة يتعذّر معها التمييز بينهما. إنّ التمييز التقليدي بين الإنسان والآلة فقد الكثير من صحّته؛ لأنّ العلم القديم المبسّط للميكانيك والمادية فقد أيضاً الكثير من صحّته وفعاليته. الإنسان والآلة يعملان بأسلوب التعاقب. فزرع القلوب، ونقل الأعضاء الاصطناعية، والثورة الفكرية الراهنة، كلّ هذا يشير إلى العلاقة الجديدة. ولكن، هل يصبح هذا أمراً مفروغاً منه، وهل يسيطر الإنسان أخيراً أم الآلة؟ هذان سؤالان ليس لهما جواب في الوقت الحاضر.

ثمة عنصر أساسي في الفلسفة الجديدة يمكن أن يسمى «المذهب الطبيعي الجديد»، يؤكّد أنّ الإنسان جزء من الطبيعة وليس شيئاً منفصلاً عنها. ويؤكّد أيضاً على أنّ الطبيعة ليست تلك الآلة الصارمة الغبية.

الإنسان التقني، وقد أقنعه العلم والخبرة المتواصلة بأنّ هذا هو العلم، سوف يكتشف الأساليب ويضع المبادئ لمعالجة القضايا التي تثيرها الثورة الوجودية للإنسانيّة. من وجهة النّظر العالميّة هذه، يستطيع أن يستمدّ القيم التي يمكن أن تغدو الأساس لمبادئ واتجاهات تجعل البقاء ممكناً.

ما المقاييس التي تستطيع أن تقود الإنسان التقني في مهمّته؟ ليست كلّها مستمدّة مباشرة من فكرته الأساسية، ولكنّها رغم ذلك منسجمة معها وناشئة عن حقائق العالم نفسها. أوّل مقياس هو أنّ الإنسان جزء من الطبيعة، ولذا لن يكون قاهرها، وهو دون ريب يدين لها بشيءٍ من الولاء.

إنّ التنسيق الواعي لاقتصاد الإنسان وحياته الاجتماعيّة ضرورة لازمة إن هو أراد البقاء، وإنّ استغلاله للثروات الطبيعيّة إجراء ينبغي أن تقرّره المصلحة القصوى للنّظام كلّه. وفي الوقت نفسه، فإنّ قدرة النّظام على التجاوب تتطلّب أقصى حدود الحريّة. وعليه، ففي أمور ثقافيّة وشخصيّة خالصة؛ حيث صلات مباشرة بين السلوك والنظام، لا بدّ من السماح بالحد الأقصى من الحرية. ومعنى هذا دمج «التخطيط» الاقتصادي والطبيعي بالحرية الثقافية إلى أبعد مدى مستطاع.

وعلى الإنسان أن يحتفظ بالفارق بينه وبين الآلة التي استنبطها – فيكتور فركس – وما دام الإنسان متفّوقاً على العالم الطبيعي، فإنّه لمن الجائز أن يكون لهذا التعقيد معنًى نشوئيٌّ يتوجّب صيانته. وربط الإنسان بالآلات والتقنيات، الذي يجعله دوماً عالة على مثل هذا النوع المتدني من الحقيقة، هو إجراء مناف للنشوء والارتقاء. فقوّة الإنسان العظيمة على مدى تاريخه النشوئي كانت مرونته الناجمة عن تنوّعه وتركيباته. لم ينتصر لكونه ذكياً فحسب بل كذلك لأنّه مرن. لقد تجنّب الإنسان «الخطأ» التطويري من جعل تطوير المستقبل أمراً متعذّراً. قدر الإنسان هو باستمراره في استغلال «انفتاحه» لا بدخوله في علاقات تكاتل وتساند عملية مع الآلة الاصطناعية. وبينما تستطيع الآلة تقديم الطاقة المتزايدة الفورية، فإنّها تنقص من تطوّره بتقييده بنظام تقلّ فيه الإمكانيات. على الإنسان أن يعيش فوق تقنياته الطبيعية، وإلا فقد تستحيل إلى صدفة واقية ولكن غير قابلة للكسر، وقد ترغمه عناصر تنظيمها إلى أن تجعل من كيانه كياناً لا يختلف عن كيان بعض مجتمعات الحشرات. على حدّ تعبير فيكتور فركس.

* بإزاء هذا الوضعيّة الاستثنائيّة نجد أنفسنا في العالم الإسلامي أمام تحدّياتٍ تاريخيّةٍ وحضاريّةٍ مفصليّةٍ، أبرزها: كيفيّة مواجهة التغريب القيمي الذي يجتاح مجتمعاتنا... ما الذي ترونه حيال هذه التحدّيات؟

- والطريق إلى التفوّق العلمي والتقني يتطلّب ليس مجرّد العلم وتطبيقه، وإنّما يتطلّب فقه العلم واستيعابه أوّلاً، ثم المهارة في استخدامه وتطبيقه ثانياً. وقد فطن أسلافنا من علماء الحضارة الإسلامية إلى هذه القاعدة الأساسية لبناء الإنسان وتنمية المجتمع.

فعرفوا طبيعة العلاقة المتبادلة بين الفكر والعمل، أو النظرية والتطبيق، أو العلم والتقنية، وعرفوا في الوقت نفسه أهميّة الإتقان والمهارة في كلّ منهم. وكان جابر بن حيّان يرى أنّ العلم والمعرفة المسبقة من أهمّ شروط نجاح التجربة، ويقول في كتاب التجريد: «إيّاك أن تجرّب أو تعمل حتى تعلم، ويحقّ أن تعرف الباب من أوّله إلى آخره بجميع علله، ثم تقصد لتجرّب فيكون في التجربة كمال العلم». ويقول في مؤلف آخر: «إنّه ينبغي أن نعلم أوّلاً موضوع الأوائل والثواني في العقل، كيف هي حتى لا نشك في شيء منها، ولا نطالب في الأوائل بدليل ونستوفي الثاني منه بدلالته»، أي أنّ المسلمات والبديهيات لا تستنبط ولا تحتاج إلى برهان أو دليل، وما يأتي بعدها في الترتيب يستند إليها. وجابر هنا، مثل غيره من علماء الحضارة الإسلامية، يعبر عن خاصيّة مهمّة من خصائص المنهج الإسلامي في الجمع بين الفكر والعمل، أو المعرفة واستخدامها دون انشطاريّة تهدم دور العلاقة الجامعة على أساس المهارة والإتقان. فهو إذًا منهج النّظر السليم الذي سبقت حضارتنا إلى اتّباعه... وتفتقده الآن حضارة العصر الذي نعيشه، ويصدره أهل الاختصاص في كثير من المجتمعات ويعبرون عنه بعبارة إنجليزية مفادها أنّه أصبح من غير المقبول أن تتّسم مهارة الأداء في أيّ مجال من المجالات بالشكل على حساب المضمون المعرفي، أو العكس. ومن الخطورة بمكان أن تقوم البراعة الفنيّة كنوع من الاختصاص الساذج والكفاءة المغيبة دون سند من علم أو معرفة.

إنّ أمّتنا العربيّة والإسلاميّة الناهضة مطالبةً بأن تحقّق تفوقاً علمياً وتقنياً في تخصّصات حاكمة على أساس المهارة والإتقان.. وهنا يمكن لقيمنا الإيمانيّة الهادية أن تؤدّي دوراً بالغ الأهميّة في الحض على التفوّق في طلب العلم وإتقان العمل ونشر العمران، وصولاً إلى المستوى المناسب من الجودة والقدرة على المنافسة العالمية في مختلف المجالات.

يشهد استقراء التاريخ الإنساني كما أكّد أحمد فؤاد باشا بأنّ طبيعة البشر لا تعترف بالتوقّف والجمود، ولا تأتي إلا بالحركة والتسارع نحو التقدّم والتطوّر، وأنّ السكون لا يكون إلا فترة اختمار التفاعل، أو تحضير واحتشادٍ لعملية تغيير وانطلاق نحو هدف جديد وغاية أبعد.. هذه هي طبيعة البشر، أفرادًا وجماعات ودولاً أو أمماً وحضارات، حتى في عصور الظلمات والتأخّر المحض، وفى فترات التراجع والتخلف والانحسار، لا يمكن أن تنبثق النهضة من لا شيء، فهناك دائماً أصول وبذور ومبادئ ومقومات تحثّ دائماً على الحركة وتدعو إلى الإفاقة من الغفوة والأخذ بأسباب الصحوة واليقظة. وتتجلّى هذه الحقيقة التاريخيّة عن طبيعة التقدّم والتطوّر لدى البشر أكثر ما تتجلّى في حضارتنا الإسلامية الرائدة والواعدة.

رسم الحديث النبوي للمسلم سلوكه في كلّ مظاهر الحياة، ويؤكّد الحديث ما ورد في القرآن من دور الإيمان في إيجاد التعاضد والتماسك بين المسلمين، مما يؤهلهم للنصر على أعدائهم، ولا يتم ذلك إلا بأمرين: الأول: إتخاذ الرسول قدوة بوصفه القائد الروحي للأمة الإسلامية (لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ) (الأحزاب: الآية 21).

الثاني طاعة الرسول: (مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ) (النساء: الآية 80). وليس الأمر مقصوراً على عهد الرسول فحسب؛ بل ما يمكن أن يكون مثلاً لجميع العصور.

من منظور حضاريّ أيضاً، فإنّه بعد أن استبعد الإسلام حياة الرهينة كنموذج للمسلم، فإنّه أقام البديل وهو العلم والعمل معاً. قدّمت الأحاديث ما فيه حثّ على العلم، كما قدّمت حثاً على العمل ونهياً عن البطالة حتى لو كانت من أجل التفرّغ للعبادة، ففي ضوء ذلك وبما يؤكّده القرآن بأنّ مهمّة الإنسان في الإسلام هي عمارة الأرض اتّضحت الصّلة الوثيقة بين الإسلام وازدهار الحضارة.

وإذا كان قد غلب على الحضارة الإغريقيّة طابع الفلسفة – كما يؤكّد أحمد صبحي – في طورها الكلاسيكي أو مرحلة ازدهارها؛ بينما أغلب طابع العلم والعمل في طورها الهيلينستى أو مرحلة تدهورها، فإنّ الحضارة الإسلامية اقترن فيها طابع العلم والعمل في مرحلة ازدهارها، بل حثّ على أن يعمل الإنسان إلى آخر رمق في حياته: (إن قامت الساعة وفى يد أحدكم فسيلة (شتلة) فإن إستطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليغرسها)؛ ذلك أنّ أيّ تراث إنّما هو ثمرة جهد يتوارثه الأبناء عن الآباء.

وثمّة مجموعة من العوامل التي تعمل على توسيع الفجوة الرقمية بين البلدان العربية وغيرها، وهي:

    غياب سياسة قوميّة للمعلومات.

    ضعف دور منظمات الجامعة العربية.

    تدهور الوضع الاقتصادي.

    غياب الرغبة الحقيقية في المشاركة في موارد المعلومات والاتصالات.

التضخم في ميزانيات التعليم.

أصبحت قيم الإنسان الأخلاقيّة والشخصيّة في ظلّ الثورة الرقميّة مهدّدة بالانهيار طبقاً لـ دون إد، وتعرّضت خصوصيّته للاعتداء، وأفكاره للسطحيّة، وفي هذا الصدد تشير الإحصائيات إلى أنّ 6% فقط من مستخدمي الإنترنت يبحثون عن معلومات ذات قيمة وفائدة، «أما الغالبيّة العظمى من مستخدمي الهواتف الذكية، فتقوم بتخزين مجموعة كبيرة من المعلومات عبر أجهزتهم، تتعلّق بالهويّة الشّخصيّة بما في ذلك أرقام بطاقات الائتمان، وأرقام الحاسبات المصرفيّة، وأضحى الغرض الرئيسي لاستخدام الهواتف الذكية هو تصفّح الإنترنت وممارسة الأعمال التجارية الكترونياً». وهذا يدلّ على شيوع الاستخدام السطحي والترفيهي من قبل الأفراد لهذه التكنولوجيا. كما شهدت السنوات الأخيرة. كما يرى نبيل علي ازدياداً ملحوظاً في تفشي الظواهر غير الأخلاقية (مثل جرائم العنف وتجارة الأطفال) عبر الإنترنت، وانتهاك الخصوصيّة الفرديّة عن طريق أساليب التجسّس على حلقات الدردشة عبر هذه الشبكة واستخدامها للابتزاز، بالإضافة إلى ذلك، انهارت ذاكرة الإنسان الطبيعية في عصر المعلومات وثم الاستغناء عنها لتحلّ محلّها وسائل تخزين البيانات الإلكترونية عن طريق ذاكرة اصطناعيّة من شرائح السيلكون.

بإمكاننا تقبّل الأمور بهدوء طالما أنّ العالم الثالث لا يملك أيديولوجية تعبويّة، فما حدث من ثورات مضادّة للتقنية في هذا البلد أو ذلك لم تكن بالأمر الخطير. بيد أنّ العالم الثالث اليوم لديه هذه الأيديولوجيا التعبويّة ألا وهي الإسلام. فقد كان لدى الإسلام كلّ الفرص التي مكّنته من مجابهة الشيوعيّة التي استوردت من الغرب، وبما أنّها من الغرب، فقد فشلت الشيوعية تدريجياً أيضاً في أميركا اللاتينيّة (باستثناء كوبا ونيكاراجوا) – حسبما رأى إيلول، وأيضاً في الصين التي تعي أنّ عليها التخلي عن الشيوعية إن أرادت أن تصبح قوّة عظمى. أمّا الإسلام فينتمي إلى العالم الثالث. كما أنّه يكسب أراضي في أفريقيا السوداء بسرعةٍ مدهشة، ويتنامى في آسيا... إنّه أيديولوجيا موحدة، تعبوية وقتالية. إنّنا الآن مشتبكون في حرب حقيقيّة يشنّها العالم المتقدّم ضدّ الدول النامية: حرب يُعبّر عنها بتزايد الإرهاب وأيضاً بالغزو السلمي. كما صرّح بذلك جاك إيلول.

والثورة البيولوجية تُعدّ أبعد أثراً وأشدّ خطورة على الإنسان ومصيره من كلّ الثورات العلميّة السابقة، فالثورة البيولوجيّة المعاصرة ميادينها كثيرة تحمل العناوين التالية، تخزين البويضات الأنثوية والمني الذكري، أطفال أنابيب الاختبار، الأم البديلة، مصانع لإنتاج الأطفال. جنس المولود حسب الطلب. المخلوق البشري شبه الصناعي، هل الموت ضروري، الشباب الأبدي، الخلود، عقول جديدة للشيوخ، السيطرة على المزاج، شباب الذاكرة، الذكاء للجميع، السيطرة على الألم والعقل. هندسة الوراثة، اللّعب بالوراثة، الجراحة الوراثيّة، تحسين النسل البشري، آفاق الحرب الجرثومية، صناعة الخلايا الحية، زرع أعضاء بديلة، الاستنساخ البشري...إلخ.

إنّ أهمّ هذه العناوين هو «الهندسة الوراثية»، – حسب دراسة السيد نفادي – فتطبيق هندسة الوراثية على الإنسان يقوم على فكرة التحكم في الجهاز الوراثي للإنسان. وبالتالي في إمكانية برمجة الجنس البشري وفق تصميمات موضوعة سلفاً، وبذلك بدأ العلماء اللّعب في أهمّ خصوصيات الإنسان ولوحه المحفوظ، وهي شفرته الوراثيّة، وبذلك يتّضح أنّها تثير في آنٍ واحد الإعجاب والمخاوف، الإعجاب لأنّها تقدم الحلول السحرية لكثير من المشكلات في العالم، والمخاوف لخطورة استخدامها وبسبب لا أخلاقية بعض تطبيقاتها واستحالة السيطرة عليها.

إنّ عمر التقنية الطبيّة من عُمر الطب والتداوي. مثلاً نجد أنّ اختراع المشرط ومقص الجراحة، كانا اختراعان تقنيان مُتطوران في زمنها. كذلك «التقنية» هي روح الطب التي تمدّه بالأدوات والمُختبرات والأجهزة التعويضيّة، وهى التي مكّنت الأطباء من إجراء العمليات الطبية المُعقّدة خلال الوسائل الطبية الدقيقة.

أثارت التكنولوجيا في مجال زراعة الأعضاء البشرية بعض الإشكاليات الدينيّة والأخلاقيّة والقانونيّة المتمثّلة في السرقات الطبية، انعدام الضمير، واستغلال الفقراء وإغرائهم بالمال من أجل التنازل بالبيع عن أعضائهم، لذلك نحن في حاجة إلى إحداث تغييرات واسعة في السلوك الإنساني، وبالتالي إلى استخدام التكنولوجيا لتسخير القضايا الإنسانية لخدمة أبعاد الإنسان الروحية.

يحرص الإسلام على الأسرة على أساس أنّها الخلية الأولى لمجتمع صالح، لذلك أكّد على كرامة الإنسان وقدسية حياته، مهما كان جنس هذا الإنسان أو دينه، وأكّد على حفظ الأنساب وحمايتها من الاختلاط، ورغم ذلك فهناك متفائلون بوجود مجتمع أكثر انفتاحاً وتنويراً، وهناك متشائمون على عكس ذلك.

بسبب التكنولوجيا أصبحنا نعيش عصر التطور السريع، تلك التي قضت على كثير مما كان يؤرّق الإنسان، وحقّقت له ما كان يطمح إليه من رغبة في البقاء وحفظ النّوع من الزوال، فعلى مدار العقود القليلة الماضية تغيرت النظرة للتكاثر تغييراً درامياً، وأصبح في الإمكان التنبّؤ بجنس الجنين مبكراً بما يسمح بالإجهاض، بل وتطوّر الأمر إلى إدخال صفات كالجمال والذكاء وغيرها إلى الجينات الوراثية للجنين، مما أدّى إلى انعكاسات سلبية على أخلاقيات الإنسان.

الخطير في الهندسة الوراثية أن تؤدّي بالأغنياء إلى شراء أفضل الصفات لأبنائهم، بينما الفقراء لا يمكنهم ذلك، بل لا يمكنهم التخلص من ضآلتهم المادية والبيولوجية، مما يؤدي إلى ما يسمّى بالتقسيم الطبقي والتمييز العنصري. ومن ثم تنشأ معضلة اجتماعية كبيرة بين الأفراد، بين من لديه القدرة على إضافة الذكاء الحسابي مثلاً لأبنائهم ضمن المادة الوراثيّة المسؤولة عن هذا الذكاء، وكذلك كلّ القدرات المعرفيّة والمهاريّة الأخرى، وبين من لا تتوافر لديه هذه الإمكانيات.

عموماً، تعدّ قضايا الهندسة الوراثيّة والاستنساخ قضايا إنسانيّة عامّة تخصّ الإنسان في أيّ مكان وزمان، وليست قضيّة علميّة متخصّصة يختصّ بها العلماء وحدهم.

عندما انتهى العلماء من رسم خريطة الجينوم البشري باستخدام تكنولوجيا بالغة الرقي والتعقيد، أدّى ذلك إلى سرعة إنجاز مهمّتهم بأسرع مما يتوقعونه عند بدء مشروعاتهم، مستخدمين كثير من الحاسبات الآلية فائقة السرعة.

أصبحت تكنولوجيا الهندسة الوراثية سلاحاً ذا حدين؛ أحدهما إيجابي يتّضح في القضاء على الأمراض الوراثية الخطيرة التي تهدّد الإنسان، والآخر سلبي يتمثّل في التحكّم في الجينات وتغييرها، وقد قضى الشرع بحرمة هذا الأخير؛ لأنّه منافٍ لفطرة الله لأنّه تغيير في خلق الله. وفى ذلك يقول المولى عز وجل في كتابه الكريم: (وَلَأُضِلَّنَّهُمۡ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمۡ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلۡقَ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيۡطَٰنَ وَلِيّٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدۡ خَسِرَ خُسۡرَانٗا مُّبِينٗا) (النساء: الآية 119). لذلك كان لا بدّ من إلزام العلماء بمبادئ أخلاقيّة تحول دون استخدامهم السلبي لهذه التكنولوجيا.

* تعرّضت الحضارة التقنيّة إلى النّقد من جانب فلاسفة وعلماء اجتماع منذ النّصف الأوّل من القرن الماضي، هل يعتبر مثل هذا النّقد إشارة تاريخيّة جديّة على اندلاع ثورة ثقافيّة تعيد الاعتبار للقيم في المجتمعات الغربية؟

- إذا كان البعض يعتقد أنّ التكنولوجيا ستأخذ بيد الإنسان لحلّ جميع مشاكله، فإنّ إيلول وماركيوز يعتقدان أن التكنولوجيا ستتمخض في نهاية الأمر عن يوتوبيا مشوّهة تقضي على الوجود الحقيقي والحرية الأصلية للإنسان. كما أشار محمد السيد في كتابه عن «الإنسان ذو البعد الواحد» يؤكد هربرت ماركيوز: أنّ الحضارة الليبراليّة التي تزعم أنّها قد كشفت عن مدى إمكانيات العقل في السيطرة على الظروف المحيطة؛ إنّما عجزت في الحقيقة عن الاهتمام بالخط العقلاني الأصيل. إنّ «هربرت ماركيوز» يربط هنا بين منطق السيطرة على الطبيعة الذي قامت عليه الحداثة وبين السيطرة على الإنسان، مشيراً إلى أنّه في الوقت الذي تشدّد فيه التكنولوجيا قبضتها على الطبيعة نجد أنّ الإنسان يشدّد قبضته وهيمنته على أخيه الإنسان، وبذلك يخسر الإنسان الحرية.

رأى هربرت ماركيوز أنّ النّقد وسيلة لتغيير المجتمع، وقد تبلور فكرة من انطلاقة أساسيّة تتمثّل في القدر الهائل من الطاقة التي يتمتّع بها المجتمع الصناعي المعاصر، وهذه الطاقة تحقق له مزيد من الهيمنة والسيطرة على الأفراد تتجاوز كل أشكال السيطرة في الماضي على أفراده، ولقد كانت تلك السيطرة على مرّ العصور شكلاً لا عقلانياً من أشكال العلاقات الإنسانيّة.

عرّف ماركيوز التكنولوجيا على أنّها علم تحويل الأشياء الطبيعيّة إلى أدوات مروّضة، مسيطر عليها بهدف استغلالها لأغراض اجتماعيّة وحضاريّة. أو هي فنّ غزو الطبيعة والتغلّب عليها، لذلك فهي تمثّل في نظره دوراً تقدمياً.

لذلك أصبحت السيطرة التي تمارسها العقلانيّة الأداتيّة على الإنسان اليوم أخطر وأشمل من السيطرة التي عرفها سابقاً؛ لأنّها شملت عقله وعواطفه ورغباته وغرائزه وجسده، وذلك لأنّها أصبحت خاضعة لوسائل الدعاية والإعلام التي تعمل على ترويضه واختزاله في بُعد واحد وهو البُعد الاستهلاكي، لما لها من أساليب وطرق وآليات قمعية تسحق الإنسان كلياً وتحرمه من حريته واستقلاله الذاتي.

يقرّر ماركيوز في وصفه لواقع المجتمعات الرأسمالية معلناً بأنّ السيطرة تعتمد على درجة أكبر من العقلانية، عقلانية مجتمع يدافع عن بنيته الهرمية، ويستغل في الوقت نفسه باطراد الموارد الطبيعية والفكرية، ويوزع على نطاق متعاظم أرباح هذا الاستغلال.

يقصد فلاسفة النظريّة النقدية بالعقلانيّة التقنيّة أو العقل الأداتي نمطاً من التفكير السائد في المجتمع الصناعي الحديث، ويسمونه كذلك اسم العقل الذاتي والتقني والشكلي أو يصفونه بالتفكير ذو البعد الواحد حسب ماركيوز، ويتّضح هذا التفكير في أسلوب التفكير العلمي والتقني، كما تعبّر عنه الفلسفة الوضعيّة بأشكالها المعاصرة والفلسفة البراجماتية العلميّة.

ذهب جاك إيلول – خدعة التكنولوجيا – إلى أنّ التقدّم التكنولوجي ينطوي على نوع من الأزدواجية تكتنف جميع مظاهره؛ حيث تشير هذه الأزدواجية إلى أنّ الشيء له توجهان قاطعان ومتناقضان، فهي تحمل بين ثناياها المزايا والمثالب في الوقت نفسه. يقول إيلول: «إنّ التطور التقني ليس كلّه سيّئاً أو جيّداً أو محايداً. فهو مزيج معقد من العناصر الإيجابية والسلبية، بعضها جيد وبعضها سيء».

فلا تخلو التقنية من أضرار، فليس هناك تقدّم تقني مطلق، فمع كل تقدّم يمكن أن نجد انتكاسة معيّنة. وهذا هو ثمن كلّ تقدم، لذلك صرح إيلول أنّ التقنية تشيع القبح أينما حلّت؛ حيث نجد أنّ كلّ تطوّر تقني يعقبه دمار أكيد تعاني منه البشرية، فمثلاً الثورة الصناعية كانت حدثاً خطيراً بالنسبة للإنسان في ذلك الوقت، وأحدثت طفرة هائلة في الإنتاج، بعد ذلك أحدثت تلوثاً في البيئة واستنزاف الموارد الطبيعية، بالإضافة إلى آثارها السلبية على الصحة العامة والكائنات الحية.

تجلى الواقع عند جاك إيلول كما لو أنّه لا يوجد فيه غير الدمار والخراب والإهدار لممتلكاتنا وثرواتنا، مما أدّى به إلى البحث والفحص لظاهرة التقنية، فظهرت له على أساس منطقها العقلانية والترشيد كما يزعم الكثيرون وتنطوي على وهم وخداع وتضليل كبير مروج له من قبل الدعاية الإعلامية التي تهدف إلى الـتأثير النفسي على الأشخاص.

إن التقنيّة كما يراها ايلول لا تؤدّي إلى ارتقاء الحضارات، وذلك من منطلق العقلانيّة التي يدعيها البعض، بل تحتوي في داخلها على أخطار وسلبيات أدت إلى شقاء الإنسانية، وهذا واضح خلال الأزدواجية التي تنطوي عليها.

أما إريك فروم فينصب هجومه على التكنولوجيا في نقطتين: الأولى، اغتراب العمل وناتجه، وهذه النقطة سبق أن أشار إليها بيرديانف؛ والثانية، اغتراب الاستهلاك، ويمكن الإشارة إلى النقطة الأولى من خلال جانبين، يتعلق الجانب الأوّل بنقد فروم للعمل الآلي الذي تحوّل فيه العامل إلى مجرد ذرة اقتصاديّة بلا قيمة، وأصبح يمارس عمله بتكراريّة، وبلا تفكير؛ لأنّ المديرين والمخططين يسلبون العامل كلّ حقّه في التفكير، والحركة بحريّة وكذلك يحرمونه حاجته إلى الإبداع، والحرية، والتفكير المستقل، والنتيجة التي تترتب على ذلك هي فرار العامل من عمله أو إصابته باللامبالاة: وليس العامل وحده هو الذي يغترب عن نتاجه كشيء مادي، وعيني، ويصبح غرضه الوحيد هو الإدارة الناجحة للمشروع والاستخدام المربح لرأس المال. وترتبط بمشكلة الإدارة ظاهرة أخرى يعدّها فروم أهم ظاهرة في حياتنا المغتربة، وهي البيروقراطية التي تتعامل مع أعداد كبيرة من البشر، ونتيجة لطابع التجريد الذي تتسم به فإنّ علاقتها بالبشر هي علاقة اغتراب تام، والناس الذين يخضعون للبيروقراطية هم أشياء، لا ينظر البيروقراطيون إليهم نظرة حب أو كره وإنّما نظرة غير شخصيّة.

* في ظلّ هذا المناخ المعقّد، يجري الكلام الآن على التأسيس لعلم الاستغراب، وهو العلم الذي يُقصد في وجه من وجوهه إنشاء منهج يقوم على فهم الغرب كأطروحة حضارية، وعلى نقده في الوقت نفسه.. والسؤال: هل ترون أنّ نقد عصر التقنية يدخل كمحور من محاور التأسيس لهذا العلم؟

- حسب فهمي الخاص أنّ علم الاستغراب هو العلم الذي يضع الغرب كموضوعٍ يتمّ دراسته دراسةً تفكيكيّةً وتحليليّةً ونقديّةً من أجل الوقوف على حقيقته المكوّنة له أو فهمه كأطروحة حضارية، تمامًا كما كان الشّرق موضوعًا لعلم الاستشراق. ومن ثم كان الأمر المميّز للحضارة الغربية في الوقت الراهن هو التقدّم التقني، فالحضارة الغربية هي حضارة تقنيّة في المقام الأوّل، أمّا بقيّة المكونات الحضارية فتأتي لاحقة لهذا الجانب التقني المادي، والدارس الحق للحضارة الغربية يقف على كثير من أوجه تأزّم القيم الروحيّة في تلك الحضارة المادية، وأمام تلك الأزمات في القيم الروحية والدينية في الحضارة الغربية جاء الجانب التقني ليزيد الطين بلّة، فالجانب التقني ينتهك المقدس الإنساني ممثلًا في ذلك الجسد الإنساني الذي أصبح موضوعًا للتدخل التقني والتجارب المشروعة وغير المشروعة، حيث بات التدخل التقني يهدّد الوجود الإنساني ويهدّده بالتشيّؤ، ولعلّ أشهر هذه التهديدات -كما يرى غيضان السيد علي- جاء في مجال البيولوجيا ممثلا في محاولات الإنتاج الصناعي للحياة؛ حيث باتت قدسيّة الحياة البشرية مهدّدة بطريقة غير مسبوقة، وخاصّة أمام العديد من التدخّلات التقنيّة في عالم الإنسان منذ ظهور البوادر الأولى لمحاولة الإنتاج الصناعي للحياة أو قبلها في تجارب الاستنساخ، أو بنوك المني، أو تطوير آليات تحسين النسل أو حمل الأجنة في قوارير زجاجية، أو مع اكتشاف الخرائط الجينية للكائنات الحية وضمنها الإنسان، وتقطيع الجينوم، وغير ذلك من الاختراقات والعبث التكنولوجي بقدسيّة الحياة البشرية. كما أنّه قد أصبح هناك تسابقًا بين الشركات التجارية إلى تَمَلُك تكنولوجيا الإنسان المُعدّل أو المُقوّى أو المُستزاد إمّا بالتحسين أو التهجين. كما أصبح من ضمن أهداف هذا التدخّل التقني استنساخ الإنسان، وولادة أطفال بمواصفات معيّنة، أو إنشاء كائنات بشريّة في مختبرات البحث واستعمالها كأدوات ووسائل لتحقيق أهداف غير مشروعة، وهذا من شأنه أن يجعل الكائن البشري عرضة للتجريب أو جعله مجرّد عيّنة في المختبرات البحثيّة كأن يقوم علماء الهندسة الوراثية بتخليق أجنّة ويجربونها في دراساتهم ثم يقتلونها، فضلًا عن أنّ نموّ مثل هذه الأجنة المعدلة وراثيًا وجينيًا يمكن استغلالها في تحقيق أغراض تجاريّة لا تأبه بقدسيّة الحياة البشرية. هذا فضلًا عن المشاكل الأخرى التي تنتج عن استخدام الأشكال المختلفة للتقنية في الطبيعة، والمجتمع، والإنسان، فتهدّد حياة الأجيال القادمة التي يبرز حقّهم الأخلاقي في ألا نُورّثهم أرضًا خراب، أو تلك المخاطر التي تهدّد الحياة على كوكب الأرض نفسه. وبناء على ذلك أرى أنّ نقد عصر التقنية يعدّ من أهمّ المحاور المؤسّسة لعلم الاستغراب؛ حيث إنّه سيقوم بدور كبير في التركيز على الجوانب السلبية في الفضاء الحضاري الغربي. حيث يعكس – إلى حد كبير- الأنانيّة الغربية التي لا تبحث إلا عن المكاسب المادية غير عابئة بالقيم الإنسانية النبيلة، التي تجعل الإنسان غير قابل للتسعير أو التسليع. فالإنسان بحسب كانط له كرامة، أمّا بقيّة الموجودات بخلاف الإنسان فلها ثمن. لكنّهم بذلك يستبدلون الثمن بالكرامة فيتشيّأ الإنسان ويفقد أهم ما يميّز وجوده.

 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف