البحث في...
عنوان المقطع
الملقی
محتوى المقطع
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

عنوان المقطع : المحاضرة (1)

الملقی : الشيخ علي ديلان

تاريخ إضافة المقطع : November / 17 / 2021

عدد زيارات المقطع : 438

حجم الملف الصوتي : 29.438 MB

عدد مرات تحميل المقطع : 409

تحميل المقطع الصوتي

محتوى المقطع :
بسمه تعالى
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين محمد وآله الطاهرين المعصومين(ع)..

أهمية البحث
إنّ البحث عن الطبيعة الوجودية للإنسان بما تشتمل على الجانبين البيولوجي والنفسي وتجسيد كل منها لقوى مؤثرة في الذات الإنسانية وحركتها وطبيعة انجذابها نحو أشياء أو التنفر منها. وكذا إنّ البحث عن تحديد مركزية الإنسان الحياتية والكونية وعدمها.. أخذ مساحة كبيرة من البحث البشري لا سيّما في العصور الأخيرة، وطرحت مشاكل حقيقية وجادة إزاء هاتين المسألتين، فظهرت فلسفات ورؤى كونية وأيدولوجيات وتوجّهات مختلفة كانت لها مواقف متباينة جداً تجاه فهم الجانب الوجودي من الإنسان وتمييز ما هو حقيقة تكوينية متأصلة في ذاته الوجودية عما هو مكتسب وطارئ، وما أدى بعد ذلك من اختلافات تجاه مركزية الانسان ومرتبته في سلم الكائنات الحية. ومن ثم تباين وجهات النظر ازاء تقديم المنهج المعتمد في تحقيق هذه القضايا، والوقوف على النظرية القادرة على إبداء ما يوجب الانسجام التام بين قبليات البحث ومنهجه وما يترتب عليه من نتائج.
ومن أجل أن يتضح المقصود، نذكر على سبيل المثال: إن بعض النظريات والفلسفات تعتمد على المنهج العلمي والمعطيات التجريبية والحسية، وتنظر إلى الإنسان باعتباره كائناً حياً إنما مثّل في هذه الحقبة الزمنية وبالصورة التي هو عليها نتيجة عملية التطور الإحيائي، وفق القانون البيولوجي، ومدى تأثر الكائن الحي وعلى مدى أجيال كثيرة للغاية بما يحيطه من مؤثرات. إن هذه المعطيات تقود الباحث الى فكرة لا مركزية الانسان ومحوريته، وعدم اضفاء أي سمة خاصة مميزة له غير أنه حيوان ساعدته عوامل الطبيعة لأن يكون بالشكل الماثل أمامنا ذات وعي خاص وذكاء ناضج وهيئة متناسقة، حيث تنسف فكرة مركزية الانسان وتكريمه فضلاً عن أن يكون إلهاً أو نصف آلهة وفق بعض الاعتقادات الزائفة.
في حين أنّ نظريات أخرى تعتقد بأن الإنسان ذات حقيقة وجودية مختلفة عما يذكره التطوريون، فترفع من شأن الانسان وتجعل منه موجودا استثنائيا يختلف عن جميع الموجودات المحيطة، ذلك أنّه يشتمل على وجود مزدوج من بعدين، البعد الروحي والبعد المادي، وأنّه منظور إليه بكل احترام وتبجيل من قبل السلطات العليا في الوجود، بحكم كونه محوراً مهماً لجميع الكائنات الحية.
ويترتب على الاختلاف بين هاتين النظريتين آثار خطيرة تتعلّق بحياة الإنسان وبطريقة التعامل معها وتحديد سلوكه مع نفسه ومع غيره، وإنشاء القوانين وتفسير النظم الأخلاقية والمعايير القيمية كما سيتضح هذا المعنى أكثر في ثنايا هذا البحث إن شاء الله تعالى.

 هذا من ناحية أهمية مبحثنا.
ونتحدث الآن عن أهم المحاور التي يسعنا ذكرها في هذه المحاضرات، وربما نذكر أشياءً من باب الإشارة دون الدخول في تفاصيلها، لكي يتسنى للباحث أن يقف عليها بعد ذلك.

تتمحور أبحاث موضوعنا حول عدّة محاور:
 المحور الأول: يقع الحديث في هذا المحور عن المناهج المعتمدة في التحقيق وعن قبليّات البحث ومصادراته. والذي يدفعنا إلى استعراض هذا المحور الاختلاف البشري في اعتماد المناهج المطروحة من قبل النظريّات والرؤى على اختلافها، حيث يقع الخلل أحياناً في نوع المنهج المعتمد من ناحية كونه حسياً أو بعبارة أدق - علمياً - أو كونه عقلياً أو وحيانياً أو أنّ الطريق المعتمد هو الفطرة أو غير ذلك، فيأخذ الباحث منهجاً معيّناً في تحقيق مسألة كان المفروض فيها منهجا آخر.
وقد يقع الخلل لا من ناحية اعتماد المنهج المعين وإنمّا في تطبيقه كما وقع ذلك من قبل فئة من الملاحدة ممّن حاولوا تطبيق المنهج العلمي لإقصاء بعض المعطيات الدينية، أو قد يقع الخلل ثالثة في توهم عدم صحة تطبيق منهج ما مع أنه ممّا يمكن أن يُعتمد عليه، وهذا من قبيل ما وقع فيه الفلاسفة الانطولوجيون حيث توهّموا عدم إمكانية تطبيق المنهج العلمي في إثبات الوجود الإلهي، في حين أنّ ذلك ممّا تحقق إثباته على خلاف الانطباع الفلسفي العام.
كل ذلك يدعونا إلى استعراض المناهج ذات العلاقة بصورة موجزة لكي نحترز عن الوقوع في هذه العقبات بقدر الإمكان.
وهكذا، أن البحث عن مصادرات بحثنا وتشخيصها يهيء لنا مادة التواصل الجدلي مع الخصم حيث تمثل هذه المصادرات قناعات مشتركة بيننا وبينهم.
وأيضاً ممّا يدخل في هذا الموضوع تعيين المشتركات التي يفترض تحديدها مسبقاً لتكون منطلقات في تأسيس النظرية والدفاع عنها.

المحور الثاني: ينعقد البحث في هذا المحور عن (المستوى الوجودي للإنسان) وما يحظى به من درجة بين سلسلة الموجودات، سواء منها الكونية أو الماورائية. وتكمن أهمية هذا المحور بالإضافة إلى أنّه جزء من الموضوع الأساس في هذه المحاضرات، أنّه يشخّص لنا الطبيعة البشرية من حيث الكينونة (في نفسها) والدرجة (بلحاظ قياسها مع الموجودات الأخرى)، ونحاول في هذا المحور أن نجيب على عدة تساؤلات من قبيل: هل لوجود الإنسان قيمة غائية أو أنّ وجودنا في نفسه لا يحمل أي معنى وهدف غائي كما تبنته الفلسفات الوجودية على اختلاف مدارسها –الا بعض شاذ منها- ؟ مثلاً الفيلسوف والاديب الشهير (سارتر) كان يقول: إنّ الإنسان في جانبه الوجودي ليس له أي معنى وغاية موضوعية بحيث يستهدفها في حياته العملية ومواقفه وسلوكياته،[1] ويقول في قصة (الغثيان):" كل موجود يولد بلا سبب ويستطيل به العمر عن ضعف منه، ويموت بمحض المصادفة" ويقول ايضا في (الوجود والعدم): " ان الانسان حماسة لا فائدة فيها". بينما نجد في الجهة الاخرى القران الكريم يقرّر أنّ هناك غاية من هذا القبيل، قال تعالى: (أَفَحَسِبۡتُمۡ أَنَّمَا ‌خَلَقۡنَٰكُمۡ عَبَثٗا وَأَنَّكُمۡ إِلَيۡنَا لَا تُرۡجَعُونَ)([2]).
ومن التساؤلات: السؤال عن ماهية الطبيعة الإنسانية؟ وما يتضمن من قوى ونوازع؟ وماذا يمثّل من قيمة معرفية؟ وهو البحث عن حقانية الإحساس الفطري والوجداني. فهل أنّ هذه الاحاسيس ذات قيمة معرفية أو عقلائية أو علمية أو لا؟.
ثم ما هي المؤهّلات التكوينية التي تجعل الإنسان في هذه الدرجة الوجودية؟ وما هو ميزان اكتشاف هذه المؤهلات؟ هل هي مجرد التجارب العلمية الحديثة المتعلقة بالعلوم الإحيائية بأقسامها جميعاً بحيث يقدّم كلّ قسم المزايا والخصائص والعيوب في الإنسان، أو أنّ الحاكم في ذلك علم الفلسفة أو النصوص الوجدانية أو شيء آخر؟
وبهذه الصدد سوف نطرح بعض الرؤى من قبيل الرؤية الوجودية والرؤية التطورية والرؤية القرآنية.

المحور الثالث: رسالة الإنسان: يقع البحث في هذا المحور عمّا يجب أن يقوم به الإنسان، والدور الذي يحمله على عاتقه تجاه كل شيء خارج عن وجوده الشخصي من إنسان وحيوان وطبيعة، وكذا مسؤوليته مع الوجود الإلهي المقدّس ونصوصه القانونية.
ومن المسائل المهمة التي ينبغي تحقيق البحث فيها هنا هي التناسب بين المستوى الوجودي والمستوى الرسالي، إذ كلما كان المستوى الوجودي ارقى كلما كان عبء حمل الرسالة اكبر، وكذا البحث عن التناسب بين المستوى الرسالي العالي وبين ما يمثّله الانسان في هذا المستوى بعنوان الخلافة او المحورية او نحو ذلك، حيث ندخل من خلال هذا المبحث إلى موضوع (الخلافة الإنسانية) وهو الشق الآخر من موضوع هذه المحاضرات.
وهناك اتجاهات رفضت أن تكون هناك رسالة ومسؤولية للإنسان، مثل معظم الاتجاهات الإلحادية، للتنافي حسب نظرهم بين المسؤولية، اعني ان يكون الانسان مسؤولا عن هدف ما وإنكار السلطة العليا الماورائية، إذ إنّ الإلحاد والإنكار يمكن أن يكون أوثق ذريعة للإباحية المطلقة وتصحيح معادلة (إذا حذفنا الله من معادلة الوجود فافعل ما تشاء) فلا قانون ولا رقابة ولا مسؤولية.
في حين نجد أنّ الرؤية القرآنية تحدّثت عن الإنسان الذي هو خليفة الله في الأرض، وأنّه الموجود الوحيد الذي تصدّى لحمل الأمانة، وهو ضرب من المسؤولية العظيمة، قال تعالى: (إِنَّا ‌عَرَضۡنَا ‌ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ فَأَبَيۡنَ أَن يَحۡمِلۡنَهَا وَأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَٰنُۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومٗا جَهُولٗا)([3]) وبغضّ النظر عن الاختلاف في تفسير هذه الأمانة إلّا أنّها من المحتم أن تكون شيئاً ثقيلاً أو عظيماً أخذ الانسان على عاتقه حملها، مما يعني أنّ الإنسان مسؤول في صراط المشروع الإلهي الكبير، وليس أي مسؤول كما يظهر من الآية الكريمة.
إن هذا المحور يدفعنا للحديث عن بعض الموضوعات التي من قبيل: مفهوم الخلافة والمعنى المقصود من خلافة الإنسان واستعراض الرؤية القرآنية في قبال بعض الرؤى المضادة سواء كانت الدينية الإسلامية أو اللادينية.

المحور الرابع: الخلافة الخاصّة، وتسمّى -عادة - حسب التعبير القرآني بـ(الإمامة) وتتمثّل هذه الخلافة في الأنبياء (ع) و الأئمة (ع) ومراجع الدين والأمة، وهي أعلى من الخلافة العامّة، ذلك أنّها محور الوجود الإنساني، بينما خلافة الإنسان محور الوجود الكوني، و قد عبّر عنها الشهيد الصدر( قده) بخط الشهادة، واستفاد هذا المصطلح من الآية الكريمة: (إِنَّآ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِيهَا ‌هُدٗى ‌وَنُورٞۚ ‌يَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ بِمَا ٱسۡتُحۡفِظُواْ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيۡهِ شُهَدَآءَۚ)([4])، وقوله: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ ‌وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ)([5])
 كما أنّ مصطلح (الإمامة) أيضاً مستفاد من القرآن المجيد، قال تعالى: ﵟإِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ ‌إِمَامٗاۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِيۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهۡدِي ٱلظَّٰلِمِينَﵞ([6]) (وَجَعَلۡنَا مِنۡهُمۡ أَئِمَّةٗ ‌يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَاﵞ([7])، ﵟوَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَنَجۡعَلَهُمۡ أَئِمَّةٗ وَنَجۡعَلَهُمُ ‌ٱلۡوَٰرِثِينَ)([8]).

 والملاحظ أنّ هذه الخلافة على مستويين:
 الأول: أن تكون الخلافة الخاصّة للإمام بالنسبة إلى الجماعة البشرية على اختلاف انتماءاتهم وأديانهم ومذاهبهم.
الثاني: أن تمثل الخلافة الخاصة إمامة ولكن بدائرة أضيق من الدائرة الأولى.

المحور الخامس: في الآثار والنتائج، فإنّ اختلاف الرؤى والأنظار سيؤدي حتماً إلى تداعيات مختلفة ونتائج متباينة على مستويات متعدّدة من الآثار القانونية والنفسية -حيث يشعر الانسان وفق بعض الفلسفات انه وجود عبثي، ووفق فلسفات اخرى أنه خليفة الله في الأرض- والاجتماعية – وذلك من خلال علاقة الإنسان بالإنسان وفق الرؤية الاسلامية مثلاً، حيث تكون العلاقة تكاملية. وأما وفق بعض الرؤى الأخرى فالعلاقة تكون تصادمية، وايضا من الاثار والنتائج التي تترتب اختلاف وجهات النظر ما ينعكس على تحديد علاقة الإنسان بالطبيعة مثلاً.
وعلى سبيل المثال، إنّ الرؤية الإسلامية بحكم كونها تعتمد على الفطرة والوجدان العام والمبادئ الأخلاقية العامة من جهة، ومن جهة أخرى تعتمد على عنصر التعبّد والتسليم للمشرّع الخالق.. يكون لها من القوانين ما تصطبغ بصبغة هذه المصادر، بينما أن كثيراً من الرؤى الإلحادية ذات منظور مختلف، من ناحية أصل الاعتراف بموضوعية وجود قوانين تحكم السلوك البشري وإذا ما قدر الاعترف بقانون حاكم فليس ذلك بدافع من دخيلة الإنسان وفطرته بقدر ما يكون من باب الضرورة والاضطرار.
ثم هل هذا القانون المعترف به من قبلهم ذات طابع فردي شخصاني أو ذات طابع اجتماعي بشري؟ وما هي الأصول المعتمدة –أساساً- في تشريع القوانين؟ يقف الإلحاد والتشريعات المنسجمة مع الاتجاه الإلحادي في حيرة تامة إزاء هذا الموضوع.
-------------------------------
[1] - راجع دراسات في الفلسفة الوجودية ص266 عبد الرحمن بدوي
[2] (المؤمنون /115).
[3] (الأحزاب /72)،
[4] (المائدة / 44)،
[5] (البقرة / 143).
[6] (البقرة /124)،
[7] (السجدة /24)
[8] (القصص/5).
 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف