البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

منهج أهل البيت (ع) وخطّتهم‏ في حفظ السُّنّة النَّبويَّة الشَّريفة، والتَّصدّي للانحرافات والبدع‏

الباحث :  الأستاذ عامر الكفيشي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  11
السنة :  السنة الثالثة خريف 1419 هجـ 1998 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 14 / 2015
عدد زيارات البحث :  2795

منهج أهل البيت (ع) وخطّتهم‏
في حفظ السُّنّة النَّبويَّة الشَّريفة، والتَّصدّي
للانحرافات والبدع‏

الأستاذ عامر الكفيشي‏ (*)

تمثِّل السنَّة النبويَّة الشَّريفة المصدر الثَّاني للتَّشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، ومصدراً أساسياً من مصادر الثَّقافة الإسلامية، وقد تعرَّضت، منذ عصر الرسول الأكرم، إلى محاولات للنَّيل منها، تمثَّلت، في البداية، بحرص السلطان على عدم تدوينها، ثمَّ بالإضافة إليها والحذف منها وتشويهها، ما جعل علماء المسلمين يتصدَّون لهذه المحاولات، فتأسست علوم منها علم الحديث وعلم الرجال، والجرح والتعديل، وكان لأهل البيت وعلماء شيعتهم الدور الأساس في مجال حفظ السنَّة وتمحيصها وتنقيتها ونشرها من نحو أول، وفي مجال التصدِّي للانحرافات والبدع من نحوٍ ثانٍ. وأدَّى أئمة أهل البيت هذه المهمّة، إلى جانب مهمّاتهم الأخرى، بحزم ودأب وتخطيط واعٍ، وبذلوا الجهود الحثيثة للنجاح في ذلك، وأوصوا علماء شيعتهم بمواصلة المضيّ في هذا الطريق، فنهض هؤلاء بأداء المهمَّة. وفي ما يأتي نحاول أن نتبيَّن منهج أهل البيت وخطّتهم في حفظ السنَّة النبوية الشَّريفة وفي التصدّي للانحرافات والبدع.
أولاً: العمل على ارتباط المسلمين بشخصيَّة الرسول القائد (صلي الله عليه و آله و سلم)
واتخاذه قدوة
إنَّ طريق إحياء سنة الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) والالتزام بما جاءت به من أحكام وتوجيهات يمرُّ من خلال شخصية الرسول القائد(صلي الله عليه و آله) ، فما لم ينجذب الناس إلى
________________________________________
(*)باحث و خطیب من العراق.

[الصفحة - 76]


شخصيَّته المقدسة وما لم يعشقوها، ويعتقدوا بعظمتها وسمُوّها على سائر الشخصيات في الدنيا، لا يمكن أن يأخذوا عنه ويتلقوا منه سنَّته المطهرة ويعملوا بها.
لهذا، عمل أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في البدء، بكلِّ وسعهم، على ارتباط المسلمين بالرسول الأكرم (صلي الله عليه و آله و سلم)، واتخاذه قدوة قبل كل شي‏ء، وذلك من خلال الأمور التالية:
أ ـ بيان الصُّورة الحقيقية الجذَّابة لشخصيَّة الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم).
ب ـ الاقتداء بسيرة الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم).
ج ـ الدُّعاء للرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) والصَّلاة عليه والاستشفاع به.
د ـ زيارة قبر الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم).
أ ـ بيان الصُّورة الحقيقيَّة الجذَّابة لشخصيَّة الرَّسول الأعظم (صلي الله عليه و آله و سلم)
بذلت محاولات لإظهار شخصيّة رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) في صورة الإنسان العادي الذي لا يختلف عن غيره من الناس الآخرين، والذي تصدر عنه أحياناً كلمات، أو تصرّفات، أو مواقف، غير مسؤولة، وهدفها تفكيك جوانب شخصيته الرسالية العظيمة وأبعادها، وبالتالي إضعاف كونه أسوة وقدوة للآخرين، كما أراد اللَّه تعالى له ذلك، عندما قال في كتابه العزيز:
{ لقد كان لكم في رسولِ اللَّهِ أسوةٌ حسنةٌ } [الأحزاب، 21].
وهنا لا نريد أن نبحث في أسباب نشوء تلك المحاولات التشويهية، فهذا ليس من اختصاص هذا البحث، وإنما نريد الإشارة إلى دور أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في الدفاع عن شخصية الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم)، وإظهارها في صورتها الحقيقية التي تتناسب مع كونه نبيّاً مرسلاً معصوماً من اللَّه تعالى، هادياً، مبشراً، ونذيراً للناس كافة، ليتخذوا منه أسوة وقدوة ومثلاً أعلى في حياتهم.
وفي طليعة السَّاعين إلى إظهار الشخصية الربَّانية المتكاملة للرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) الإمام علي (عليه السلام)؛ حيث نجد، في كتاب «نهج البلاغة»، وصفاً دقيقاً، بليغاً، شافياً، لبعض خصائص الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم)، ومنها على سبيل المثال:
________________________________________

[الصفحة - 77]


قال (عليه السلام)، في بعثة النبي (صلي الله عليه و آله و سلم):
«بعثهُ والناسُ ضلاَّلُ في حيرة، وخابطون في فتنة. قد استهوتهمُ الأهواء، واستزلَّتهمُ الكبرياء، واستخفتهمُ الجاهليةُ الجهلاءُ. حيارى في زَلزالٍ من الأمر وبلاء من الجهل. فبالغ (صلي الله عليه و آله و سلم) في النصيحة، ومضى على الطريقة، ودعا إلى الحكمة والموعظة الحسنة» (1) .
وقال (عليه السلام) في حقّ النبي (صلي الله عليه و آله و سلم):
«وأشهدُ أن لا إله إلاّ اللَّه، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُهُ ورسُولُه، ونجيبُه وصفوتُهُ. لا يُوازى فضلُه، ولا يُجبرُ فقدُه، أضاءت به البلادُ بعد الضلالةِ المظلمةِ، والجهالةِ الغالبةِ، والجفوةِ الجافيةِ. والناسُ يستحلُّون الحريم ويستذلون الحكيم. يَحيون على فترةٍ، ويموتُون على كَفرَةٍ» (2) .
وقال (عليه السلام) في صفة رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم):
«حتى أفضت كرامة اللَّه سبحانه وتعالى إلى محمّد(صلي الله عليه و آله) فأخرجه من أفضل المعادن منبتاً، وأعزَّ الأروماتِ مغرساً. من الشجرةِ التي صدعَ منها أنبياؤهُ، وانتجبَ منها أمناءَه.. فهو إمامُ من اتقى، وبصيرةُ من اهتدى. سراجٌ لمع ضوؤه، وشهابٌ سطع نورُه، وزند برق لمعُهُ، سيرتُه القصد، وسنتُه الرُّشد، وكلامُه الفصل، وحكمُهُ العدل، أرسلَهُ على حينِ فترةٍ من الرُّسُلِ، وهفوةٍ عن العمل» (3) .
وقال (عليه السلام) في الخطبة القاصعة:
«ولقد قرن اللَّه به (أي النبيّ)(صلي الله عليه و آله) من لدُن أن كان فطيماً أعظمَ مَلكٍ من ملائكتهِ يسلُكُ به طريق المكارم، ومحاسِنَ أخلاقِ العالَم، ليلَهُ ونهارَهُ. ولقد كنتُ اتَّبعُهُ اتِّباع الفصيلِ أثَرَ أمّه، يرفعُ لي في كلِّ يومٍ من أخلاقهِ علماً، ويأمُرُني بالاقتداء به» (4) .
وحكى عنه الإمام محمد الباقر (عليه السلام) أنَّه قال:
«كان في الأرض أمانان من عذاب اللَّه، وقد رُفعَ أحدُهما، فدونكمُ الآخر فتمسَّكوا به. أما الأمان الذي رُفع فهو رسولُ اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم)» (5) .
وقال (عليه السلام) في شجاعة رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم):
________________________________________
(1)نهج البلاغة، للإمام علي (عليه السلام) شرح الدكتور صبحي الصالح، خطبة 95.
(2)المصدر نفسه، خطبة 151.
(3)المصدر نفسه، خطبة رقم 94.
(4)المصدر نفسه، خطبة رقم 192.
(5)المصدر نفسه، الكلمات القصار، رقم 88.

[الصفحة - 78]


«كنا إذا حمي البأسُ ولقي القومُ اتقينا برسولِ اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) فما يكون منّا أحدٌ أقرب إلى العدو منه» (6) .
وعندما تقرأ الموسوعات الحديثية، الواردة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، تجد فيها وصفاً دقيقاً رائعاً لشخصية الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم)، من حيث خصائص أخلاقه الكريمة التي امتدحها تعالى في كتابه العزيز: { وإنك لعلى خلق عظيم } . فقد تحدثت هذه الموسوعات عن صدقه وأمانته وعدله وشجاعته ورحمته وحلمه وحيائه وتواضعه وكرمه وصبره وزهده وإيثاره، إضافة إلى تفانيه وذوبانه في عبادة ربه تعالى.. ورسمت له أجمل صورة أرادها اللَّه أن تكون مثلاً أعلى للبشر جميعهم إلى يوم الدين.
ب ـ الاقتداء بسيرة الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم)
السِّيرة النبوية هي طريقة النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) في الحياة، أو تأريخ حياته. والرُّجوع إلى سيرته العطرة، ومعرفة مفردات حياته الشريفة وسلوكه وكيفية تعامله مع نفسه وأهل بيته وأصحابه وأعدائه، وكيفية قيامه بالدعوة إلى الإسلام، والأساليب والطرق التي اتّبعها في ذلك، تُعلّمنا معالم ديننا وتفقِّهنا في شريعتنا، فسيرة الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) تشكّل مصدراً أساسياً من مصادر الأحكام والقوانين الإسلامية، فمن سيرته يتمكَّن الفقهاء من استنباط الكثير من الأحكام والقوانين الإسلامية التي يحتاجها الفرد والمجتمع في الحياة.
لهذا نجد أنَّ أئمة أهل البيت (عليهم السلام) شدَّدوا على مسألة الاقتداء بسيرة الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم)، فكانوا أولَ الملتزمين بها، والداعين إلى العمل بهديها.
ففي نهج البلاغة يقول الإمام علي (عليه السلام):
«واقتدوا بهدي نبيِّكم فإنه أفضل الهدي، واستنُّوا بسنَّته فإنها أهدى السنن» (7) .
وقال (عليه السلام):
«فتأسَّ بنبيك الأطيب الأطهر(صلي الله عليه و آله) فإن فيه أُسوة لمن تأسَّى‏، وعزاءً لمن تعزَّى، وأحبُّ العباد إلى اللَّه المتأسي بنبيِّه والمقتصِّ لأثره» (8) .
________________________________________
(6)الفاضل الهندي، كنز العمال، ح 35463.
(7)نهج البلاغة، خطبة 110.
(8)المصدر نفسه، خطبة 160.

[الصفحة - 79]


ولشدة تعلق الإمام (عليه السلام) بالرسول الأكرم (صلي الله عليه و آله و سلم) وحبه الشديد له، وتمسّكه بهديه ونهجه كان يقول:
«إنما أنا عبد من عبيد محمد(صلي الله عليه و آله) (9) .
وقد جاءت الروايات الشريفة، عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، تتحدث عن سيرة رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم)، وتصف جميع حالاته الشخصية ومعاملاته الاجتماعية؛ كيف يتحدّث، وكيف يجلس، وكيف ينام، وكيف يأكل، وكيف يشرب، وكيف يتعامل مع الآخرين.. حتى يكون أسوة وقدوة للناس كافة..
فالإمام جعفر الصادق (عليه السلام) كان يقول:
«إني لأكره للرجل أن يموت وقد بقيت عليه خِلّة من خِلال رسولِ اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) لم يأتِ بها» (10) .
ج ـ الدعاء للرسول (صلي الله عليه و آله) والصلاة عليه والاستشفاع به‏
ومن مظاهر التصاق أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بالرّسول الأكرم (صلي الله عليه و آله و سلم) وتعلُّقهم به دعاؤهم له، والصلاة عليه، والاستشفاع به إلى اللَّه تعالى، وقد علّموا شيعتهم ذلك:
جاء عن الإمام علي (عليه السلام) في «نهج البلاغة» قوله: «اللهم... اجعل شرائف صلواتك، ونوامي بركاتك، على محمد عبدك ورسولك، الخاتم لما سبق، والفاتح لما انغلق، والمعلن الحق بالحق... اللهم افسح له مفسحاً في ظلك، واجزه مضاعفات الخير من فضلك. اللهم وأعلِ على بناء البانين بناءَه، وأكرم لديك منزلته، وأتمم له نوره، واجزه من ابتعاثك له، مقبول الشهادة، مرضيّ المقالة، ذا منطق عدل، وخطبة فصل...» (11) .
وقال (عليه السلام):
«إذا كانت لك إلى اللَّه سبحانه حاجة، فابدأ بمسألة الصلاة على رسوله (صلي الله عليه و آله و سلم) ثم سلْ حاجتك، فإنَّ اللَّهَ أكرمُ من أن يُسأل حاجتين، فيقضي إحداهما ويمنع الأخرى» (12) .
وجاء، في الصحيفة السجادية للإمام علي بن الحسين، زين العابدين (عليه السلام)، دعاؤه الثاني في الصلاة على رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) وقال فيه:
________________________________________
(9)الشيخ الصدوق، كتاب التوحيد، ص 174 نقلاً عن ميزان الحكمة، ج‏9، ص 630.
(10)الشيخ الطبرسي، مكارم الأخلاق، ص 39.
(11)نهج البلاغة، خطبة 72.
(12)المصدر نفسه، الكلمات القصار رقم 361.

[الصفحة - 80]


«والحمد للَّه الذي منَّ علينا بمحمدٍ نبيّه صلى اللَّه عليه وآله دون الأمم الماضية والقرون السالفة بقدرته التي لا تعجز عن شي‏ء، وإن عظم، ولا يفوتُها شي‏ء وإن لطف...».
د ـ زيارة قبر الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم)
أكَّد أئمةُ أهل البيت (عليهم السلام) على زيارة قبر جدّهم رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم)؛ وذلك لأن من أبعاد زيارة الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) ومعانيها وعطاءاتها استيحاء سيرته المباركة، وتذكّر مواقفه العظيمة من خلال كلماته وأفعاله وحركاته، ليعيش الزائر معه كأنه إلى جانبه. وفي ذلك تشديد أكثر على مسألة الاقتداء والتأسِّي به والتعلم منه، وقد نطقت الروايات الشريفة، وعلى لسان أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، عن جدهم رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم)، لتؤكّد على أهمية زيارة قبره الشريف. في كتاب كامل الزيارات لابن قولويه بسنده:
1 - قال الحسين بن علي (عليه السلام) لرسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم): يا أبتاه ما جزاء من زارك؟
فقال (صلي الله عليه و آله و سلم): «يا بني من زارني، حيّاً أو ميتاً، كان حقاً عليَّ أن أزوره يوم القيامة وأخلّصه من ذنوبه» (13) .
2 - قال أبو جعفر (عليه السلام): «إن زيارة قبر رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) تعدل حجة مع رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) مبرورة» (14) .
3 - قال رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم): «من زارني بعد وفاتي كان كمن زارني في حياتي، وكنت له شهيداً وشافعاً يوم القيامة» (15) .
ثانياً: التَّأكيد على دور سنَّة الرسول (صلي الله عليه و آله) في التَّشريع الإسلامي‏
عمل أئمة أهل البيت (عليهم السلام) على تجذير سنّة الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) بين المسلمين، خلال تثقيفهم المركَّز والمستمرّ، بالرجوع إليها بعد الكتاب العزيز، فهي مصدر أحكامهم وتعاليمهم ومنبع ثقافتهم في الحياة. وفي ما يأتي جملة من تأكيدات أهل البيت (عليهم السلام) على ذلك:
________________________________________
(13)ابن قولويه، كامل الزيارات، ص 14.
(14)المصدر نفسه، ص 15.
(15)المصدر نفسه، ص 13.

[الصفحة - 81]


أ ـ قال الإمام علي (عليه السلام):
«أمّا وصيّتي، فاللَّه لا تُشركوا به شيئاً، ومحمداً(صلي الله عليه و آله) فلا تضيِّعوا سنَّتَهُ. أقيموا هذين العمودين، وأوقدوا هذين المصباحين وخلاكم ذمُّ ما لم تشرُدُوا» (16) .
ب ـ وقال (عليه السلام) لأصحابه:
«ولكم علينا العمل بكتاب اللَّه تعالى وسيرة رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) والقيام بحقّه، والنعش لسنّته» (17) .
ج ـ وجاء في كتابه (عليه السلام) إلى مالك الأشتر:
«وارْدُد إلى اللَّه ورسوله ما يُضلعك من الخطوب، ويشتَبهُ عليك من الأمور. فقد قال اللَّه تعالى لقوم أحبَّ إرشادهم: { يا أَيُّها الذين آمنوا أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرسولَ وأُولِي الأَمرِ منكمْ، فإن تنازعتُمْ في شي‏ءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرسولِ } [النساء/59] . فَالرّدُّ إلى اللَّه: الأخذُ بمحكم كتابه، والردُّ إلى الرسول: الأخذُ بسنّته الجامعة غير المفرِّقة» (18) .
د ـ وقال (عليه السلام)، مؤكِّداً على العمل بالسنّة المطهّرة:
«اقتدوا بهدى نبيكم فإنه أفضل الهدى، واستنُّوا بسنَّته فإنها أهدى السُّنن» (19) .
هـ ـ وقال الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام):
«إن أفضل الأعمال عند اللَّه ما عمل بالسنة وإن قلَّ» (20) .
و ـ وعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: قال رسولُ اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم):
«من تمسَّك بسنّتي في اختلاف أمتي كان له أجر مئة شهيد» (21) .
ثالثاً: التأكيد على كتابة السنّة المطهّرة
اتجهت مدرسةُ أهل البيت (عليهم السلام) إلى رفض الحالة التي تبنتها مدرسة الخلفاء في كتابة الحديث وتدوينه، باعتبار أن هذهِ الحالة تشكّل عاملاً خطيراً في تشويش النصوص والأحاديث، فالذاكرة غير مؤتمنة دائماً على الاحتفاظ بسلامة النصّ. ويمكن أن نبيّن موقف الأئمة من خلال النقاط التالية:
________________________________________
(16)نهج البلاغة، خطبة 149.
(17)المصدر نفسه، خطبة 169.
(18)المصدر نفسه، كتاب رقم 53.
(19)المصدر نفسه، خطبة 110.
(20)الكليني، كتاب الكافي، الأصول، ج‏1، باب الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب، ح رقم 7.
(21)الطبرسي، مشكاة الأنوار، باب الأخذ بالسنة.

[الصفحة - 82]


أ ـ الإمام علي بن أبي طالب، أمير المؤمنين (عليه السلام)، وتدوين الحديث.
ب ـ أئمة أهل البيت يؤكدون على الكتابة.
ج ـ الممارسة التدوينيَّة عند أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)
أ ـ الإمام علي بن أبي طالب، أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وتدوين الحديث‏
دوّن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) الحديث النبوي في عصر الرسالة، وقد تقدَّمت الرواية التي قال فيها رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) لعلي (عليه السلام): «أكتب ما أملي عليك»، فكتب علي (عليه السلام) ما أملاه الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم).
وتحتفظ مدرسة أهل البيت بكتاب اسمه «الجامعة»، وهو بخط أمير المؤمنين (عليه السلام) وإملاء رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم)، ويعد أول كتاب جمع فيه العلم على عهد رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم).
وتجد في أحاديث الأئمة، من أهل البيت (عليهم السلام)، تنويهاً صريحاً بهذا الكتاب..
أ ـ قال الإمام الصادق (عليه السلام):
«إن عندنا لصحيفة يقال لها الجامعة ما من حلال ولا حرام إلا هو فيها حتى أَرْش الخَدْش»، أي فيها النَّصّ على أبسط الأمور، حتى تعويض الخَدْش.
ب ـ وقال (عليه السلام):
«إن عندنا لصحيفة سبعين ذراعاً إملاء رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) وخط علي بيده، ما من حلال ولا حرام إلا وهو فيها حتى أَرْش الخَدْش».
ج ـ وقال (عليه السلام)، يتحدث عن الجامعة:
«فيها كل ما يحتاج إليه الناس، وليس قضية إلا وهي فيها حتى أَرْش الخَدْش».
د ـ وقال (عليه السلام):
«ضل علم ابن شبرمه عند الجامعة، إملاء رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) وخط علي (عليه السلام) بيده، إن الجامعة لم تدع لأحدٍ كلاماً، فيها علم الحلال والحرام، إن أصحاب القياس طلبوا العلم بالقياس فلم يزدادوا من الحق إلا بعداً، إن دين اللَّه لا يصاب بالقياس».
________________________________________

[الصفحة - 83]


ب ـ أئمة أهل البيت يؤكّدون على الكتابة
أ ـ قال الإمام الصادق (عليه السلام): «القلب يتكل على الكتابة».
ب ـ وقال (عليه السلام): «إكتبوا فإنكم لا تحفظون حتى تكتبوا».
ج ـ وقال (عليه السلام)، للمفضل بن عمر:
«اكتب وبث علمك في إخوانك، فإن مت فأورث كتبك بنيك، فإنه يأتي على الناس زمان هرج لا يأنسون فيه إلا بكتبهم».
ج ـ الممارسة التدوينية عند أتباع مدرسة أهل البيت‏
إنَّ تنشيط الحركة التدوينية الذي مارسته مدرسة الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) أنتج مبادرات جادة لدى أتباعهم في مجالات الكتابة والتدوين.
ولست هنا في مقام الرصد والاستقصاء لتلك المساهمات التدوينية الرائدة لأتباع مدرسة أهل البيت في مختلف المجالات الإسلامية، فذلك متروك للموسوعات التي تعنى بهذا الجانب، وإنّما أحاول إعطاء أمثلة تؤكّد الممارسة التَّدوينية التي تبنَّتها مدرسةُ أهل البيت في مقابل حركة التجميد للفعاليات التدوينية في تلك المرحلة المبكّرة من تاريخ الأمة.
في مجال الحديث‏
ويبرز، في هذا المجال، عدة من رجالات الشيعة وأتباع مدرسة أهل البيت، ساهموا مساهمات واضحة في تدوين الحديث وترتيب أبوابه، ومعالجة طرقه وإسناده، وتأصيل قواعده ومرتكزاته، وكانوا روَّاداً في هذا الباب، ومن الأمثلة التي يمكن أن نستشهد بها:
1 - أبو رافع مولى رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم)
من المسلمين الأوائل، أسلم في مكة وهاجر إلى المدينة، وشهد مع النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) مواقفه ومشاهده، ولزم من بعده أمير المؤمنين (عليه السلام)، وكان من خيرة أصحابه وأتباعه، وشهد معه حروبه، وكان صاحب بيت ماله في الكوفة.
________________________________________

[الصفحة - 84]


ويعدُّ أبو رافع أوَّل من جمع الحديث ورتَّب أبوابه، وكان له «كتاب السنن والأحكام والقضايا»، كما ذكر النجاشي في كتاب «فهرس أسماء المصنِّفين من الشيعة».
2 - سليم بن قيس الهلالي‏
وهو من أصحاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وقد دوّن كتاباً ضمَّ ما رواه عن رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) وعن أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال النعماني في كتاب الغيبة:
«إنَّ كتاب سليم بن قيس الهلالي أصل من أكبر كتب الأصول التي رواها أهل العلم حملة حديث أهل البيت (عليهم السلام)، وأقدمها، وإن جميع ما اشتمل عليه هذا الأصل إنما هو عن رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) وأمير المؤمنين (عليه السلام) والمقداد وسلمان الفارسي وأبي ذر ومن جرى مجراهم ممّن شهد رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) وأمير المؤمنين وسمع منهما» (22) .
وخلاصة القول: إن الشيعة احتفظت بآثار الرسول الأعظم (صلي الله عليه و آله و سلم) عن طريق أهل البيت (عليهم السلام)، وسبقت جميع الأمة إلى تدوين تلك الآثار، فكانت حركة التدوين عندهم قوية على مرّ العصور في جميع العلوم والفنون.
رابعاً: نشر سنّة الرسول (صلي الله عليه و آله) وروايتها
عندما تولى الإمام علي (عليه السلام) الخلافة لم يبق أي محظور أمام الصحابة وغيرهم في رواية حديث رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم)، فانتشرت الرواية في هذا العصر، غير أنها لم تدوّن على عهد الإمام علي (عليه السلام)، وقد روى الصحابة على عهده الشي‏ء الكثير من سنّة الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) مما كان محظوراً عليهم روايته قبل عهده‏ (23) .
كما أنَّ بعض روّاد مدرسة أهل البيت، في عصر الخلفاء الثلاثة، لم يكن يبالي بالحظر الذي فرض على رواية السنة المطهرة.
«فقد روى الدارمي وغيره من أن أبا ذر كان جالساً عند الجمرة الوسطى وقد اجتمع الناسُ يستفتونه، فأتاه رجل فوقف عليه، ثم قال: ألم تنه عن الفتيا؟ فرفع
________________________________________
(22)الغريفي، عبداللَّه، التشيع، ص 288 - 290.
(23)العسكري، العلامة السيد مرتضى، معالم المدرستين، ج‏2، ص 49.

[الصفحة - 85]


رأسه إليه، فقال: أرقيب أنت عليّ؟ لو وضعتم الصمصامة على هذه فوأشار إلى قفاه ـ قبل أن تجهزوا عليّ لأنفذتها» (24) .
واستمرّت مدرسةُ أهل البيت (عليه السلام) بالعمل على نشر الحديث والتَّحدُّث بالسنة المطهرة، وإليكم مقتطفات من روايات أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في هذا الصدد:
أ ـ عن الإمام الصادق (عليه السلام): «رحم اللَّه امرأً حدّث عن رسول اللَّه ولم يكذب» (25) .
ب ـ عن الإمام الباقر (عليه السلام): «سارعوا في طلب العلم، فوالذي نفسي بيده لحديث واحد في حلال وحرام، تأخذه عن صادق، خير من الدنيا وما حملت من ذهب وفضّة» (26) .
ج ـ عن الإمام الباقر (عليه السلام): «أعرف منازل شيعتنا على قدر روايتهم ومعرفتهم، فإن المعرفة هي الدراية للرواية» (27) .
د ـ عن الإمام الصادق (عليه السلام): «راوية لحديثنا يبث في الناس، ويشدّد في قلوب شيعتنا، أفضل من ألف عابد» (28) .
هـ ـ عن الإمام الصادق (عليه السلام): «من حفظ عنّي أربعين حديثاً من أحاديثنا في الحلال والحرام بعثه اللَّه يوم القيامة فقيهاً عالماً ولم يعذِّبه» (29) .
وقد مارس أئمةُ أهل البيت (عليهم السلام) عملياً رواية الحديث ونشر السُّنة عن جدهم رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) في كل مكان حلّوا به.
فالإمام علي (عليه السلام) كانت له حلقات درس في مسجد رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) وفي مسجد الكوفة أيَّام خلافته، يجتمع حوله أصحابه فيحدِّثهم بأحاديث الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم). وكان يخاطبهم قائلاً: «علَّمني رسولُ اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) ألف باب من العلم، يفتح لي من كل باب ألف باب» (30) .
واستمرّ أئمةُ أهل البيت (عليهم السلام) في نشر الرواية عن الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم)، فقد ذكرت لنا المدوَّنات التأريخية صوراً مشرقة عن نشاطاتهم الكبيرة في هذا المجال:
أ ـ في رواية حبابة الوالبيَّة قالت: رأيتُ رجلاً بمكة بين الباب والحجر على صعدة من الأرض.. انثال عليه الناس يستفتونه في المعضلات ويستفتحونه أبواب
________________________________________
(24)المصدر نفسه، ج‏2، ص 48.
(25)الطبرسي، مشكاة الأنوار، باب الأخذ بالسنة.
(26)المجلسي، بحار الأنوار، ج‏2، ص 146.
(27)الصدوق، معاني الأخبار، ص 2.
(28)المجلسي، بحار الأنوار، ج‏2، ص 145.
(29)المصدر نفسه، ج‏2، ص 154.
(30)الحموي، فرائد السمطين، ج‏1، ص 101.

[الصفحة - 86]


المشكلات، فلم يرم حتى أفتاهم في ألف مسألة، ثم نهض يريد رحله، ومنادٍ ينادي بصوت مهلّ: ألا إن هذا النور الأبلج.. وآخرون يقولون: من هذا؟ فقيل: محمد بن علي الباقر على العلم، والناطق عن الفهم، الإمام محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) (31) .
«وكان (عليه السلام) إذا دخل مكة انثال عليه الناس يستفتون عن أهم مسائل الحلال والحرام، ويستفتحون أبواب مشاكل العلوم ويغتنمون فرصة الاجتماع به ليزوّدهم بتعاليمه، وإذا أقام بمكة عقدت له حلقة ينضم فيها طلاب العلم، بل علماء الأمة» (32) .
ب ـ كان الإمام الباقر (عليه السلام) يقول لأحد أصحابه، أبان بن تغلب: «اجلس في مسجد المدينة، وافتِ الناس فإني أحبُّ أن يُرى في شيعتي مثلك» (33) وكذلك كان يقول له الإمام الصادق (عليه السلام): «ناظر أهل المدينة فإني أُحبُّ أن يكون مثلك من رجالي» (34) .
خامساً: التأكيد على الاستشهاد بحديث الرسول (صلي الله عليه و آله) في مختلف المجالات‏
ومن الصيغ العملية التي اعتمدها أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) لتأصيل السنّة النبوية المطهَّرة، في المنهج الإسلامي، استشهادهم بحديث الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) عند الإجابة والتوضيح لكل مسألة تطرح بين أيديهم في مختلف مجالات المعرفة.
ونذكر، أدناه، نماذج من استشهاداتهم بالحديث الشريف في هذه المجالات:
أ ـ في علم الفقه‏
إن المنهج الذي اعتمده أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في تبيان الأحكام الشرعية يعتمد، في الأساس، على مصدرين أساسيين هما: «الكتاب العزيز والسنة المطهرة».
وإن كنّا نعتقد أن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) هم علماء، محدثون، ملهمون، يحملون شريعة جدهم رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم)، فإنهم كانوا يرجعون الناس، في جميع قضاياهم، إلى الكتاب والسُّنة المطهرة.
________________________________________
(31)الأديب، عادل، الأئمة الاثني عشر، ص 157.
(32)حيدر، أسد الإمام الصادق والمذاهب الأربعة، المجلد الأول، الجزء الثاني، ص 453.
(33)المظفر الشيخ محمد الحسين، الإمام الصادق، ج‏2، ص 131.
(34)و(35) المصدر نفسه، أصول الكافي، ج‏1، باب الرد إلى الكتاب والسنة، ج‏3، ح 10.

[الصفحة - 87]


عن الإمام الصادق (عليه السلام): «ما من شي‏ءٍ إلا وفيه كتابٌ أو سنّة» (35) .
وعن سماعة، عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: «قلت له: أكلُّ شي‏ء في كتاب اللَّه وسنة نبيه (صلي الله عليه و آله و سلم) أو تقولون فيه؟ قال: بل كلُّ شي‏ء في كتاب اللَّه وسنّة نبيه (صلي الله عليه و آله و سلم)» (36) .
ومن النماذج الدالة نذكر مسألة الجمع بين الصلاتين:
«عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: صلّى رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) بالناس الظهر والعصر حين زالت الشمس في جماعة من غير علة، وصلّى بهم المغرب والعشاء الآخرة قبل سقوط الشفق من غير علة، وإنما فعل ذلك رسولُ اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) ليتسع الوقت على أمته» (37) .
ب ـ في علم التفسير
كان أئمة أهل البيت (عليهم السلام) يفسّرون القرآن الكريم على ضوء القرآن وسنة رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) التي أخذوها عن جدِّهم (صلي الله عليه و آله و سلم)، فهو الذي علّم جدّهم عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أسرار القرآن الكريم جميعها.
فقد جاء عن سليم بن قيس الهلالي قوله: سمعتُ أميرَ المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) يقول:
«ما نزلت آية على رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) إلاّ أقرأنيها وأملاها عليّ فكتبتها بخطيِّ، وعلمني تأويلها وتفسيرها، وناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها، ودعا لي أن يعلمني فهمها وحفظها، فما نسيت آية من كتاب اللَّه ولا علماً أملاه عليّ فكتبته منذ دعا لي بما دعا» (38).
إنَّ أئمة أهل البيت (عليهم السلام) هم العارفون بالقرآن الكريم، وقد قرنهم الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) بالكتاب العزيز بنص الحديث المتواتر فحديث الثقلين :
قال رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم): «إني مخلِّف فيكم الثقلين كتاب اللَّه وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً، ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض» (39) .
________________________________________
(35)و(35) المصدر نفسه، أصول الكافي، ج‏1، باب الرد إلى الكتاب والسنة، ج‏3، ح 10.
(36)المصدر نفسه.
(37)المصدر نفسه، ج‏3، ص 101.
(38)الصافي، ج‏1، ص 11، نقلاً عن كتاب التشيع للغريفي، ص 279.
(39)للاطلاع على مصادر حديث الثقلين تراجع: أ ـ رسالة أصدرتها دار التقريب في القاهرة، عنوانها «حديث الثقلين». ب ـ عبقات الأنوار، قسم حديث الثقلين للسيد حامد حسين الكهنوي. ج ـ فضائل الخمسة من الصحاح الستة، ج‏2، ص 52-63.

[الصفحة - 88]


وإذا أردت أن تعرف نماذج من تفسير أهل البيت (عليهم السلام) للقرآن الكريم، من خلال سنة الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم)، بإمكانك الرجوع إلى كتاب «مجمع البيان في تفسير القرآن» للطبرسي وكذلك إلى كتاب «الميزان في تفسير القرآن» للسيد الطباطبائي، لتطلع على موسوعة ضخمة من أقوال الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) التي نقلها أهل بيته الأطهار في تفسيرهم لآيات القرآن الكريم.
وهكذا توجد، في الموسوعات الحديثية، نماذج كثيرة من استشهادات أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) بالسنة المطهَّرة في علم العقيدة وعلم الأخلاق ومختلف مجالات الفكر الإنساني. فراجع، مثلاً، كتاب «بحار الأنوار» للعلامة محمد باقر المجلسي فيتَّضح الأمر جليَّاً.
سادساً: العمل على تحقيق السنَّة المطهَّرة وتمحيصها
رسم أئمة أهل البيت (عليهم السلام) منهجاً دقيقاً محكماً لتحقيق السنّة النبوية الشريفة وتمحيصها، وحدّدوا معالم ذلك المنهج وأصوله من خلال وضع القواعد والموازين الخاصة لمعرفة السليم من السَّقيم من أحاديث الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) وتمييزه. فقد جعلوا كتاب اللَّه العزيز وسنة الرسول القطعية الصدور ميزاناً في ذلك:
«قال عبداللَّه بن أبي يعفور: سألت أبا عبداللَّه (عليه السلام) عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به، ومنهم من لا نثق به؟ قال: إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهداً من كتاب اللَّه أو من قول رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم)، وإلاّ فالذي جاءكم به أولى به» (40) .
«وعن أيوب بن الحر، قال: سمعتُ أبا عبداللَّه (عليه السلام) يقول: كلُّ شي‏ء مردود إلى الكتاب والسنّة، وكلُّ حديث لا يوافقُ كتابَ اللَّه فهو زخرف» (41) .
«وعن أيوب بن راشد عن أبي عبداللَّه (عليه السلام) قال: ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف» (42) .
«وأخرج الكشي عن محمد بن عيسى بن عبيد: إن بعض أصحابنا سأل يونس ابن عبد الرحمن، وأنا حاضر، فقال له: يا أبا محمد ما أشدَّك في الحديث وأكثر إنكارك لما يرويه أصحابنا فما الذي يحملك على ردّ الأحاديث؟ فقال: حدثني
________________________________________
(40)الكليني، أصول الكافي، ج‏1، باب الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب، ح‏2 و ح‏3.
(41)المصدر نفسه.
(42)المصدر نفسه، ج‏1، الحديث رقم 4.

[الصفحة - 89]


هشام بن الحكم أنه سمع أبا عبداللَّه (عليه السلام): لا تقبلوا علينا حديثاً إلا ما وافق القرآن والسنّة أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدمة، فإن المغيرة بن سعيد لعنه اللَّه دسّ في كتب أصحاب أبي، أحاديث لم يُحدِّث بها أبي فاتقوا اللَّه ولا تقبلوا علينا ما خالف قولَ ربنا تعالى وسنة نبينا(صلي الله عليه و آله) ، فإنّا إذا حدثنا قلنا: قال اللَّه عز وجل وقال رسول اللَّه» (43) .
«وقال الإمام الرضا (عليه السلام): ما جاءك عنا فقس على كتاب اللَّه عز وجل وأحاديثنا، فإن يشبهها فهو منا، وإن لم يكن يشبهها فليس منا» (44) .
وهكذا حرص أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) على تأصيل هذا المقياس الدقيق، ضمن خطّتهم في حفظ السنة المطهرة وحمايتها من كل أشكال التخريب.. وقد سار علماء مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) على أساس هذا المنهج القويم، وأخذوا يفحصون الحديث أو الرواية التي تصل إليهم عن أي طريق، على أساس:
أ ـ فحص السند: وهو سلسلة الرواة الذين تناقلوا الحديث أو الرواية، فيقوم العلماء بالتحقيق في مدى صدقهم ووثاقتهم وأمانة نقلهم، معتمدين في ذلك على «علم الرجال» الذي يضع بين أيديهم تعريفاً كاملاً بشخصيات الرواة، ويشهد بصدقهم، أو يطعن بهم، ولا يعنيهم من أي مذهب هذا الراوي، فإن كان «ثقة صدوقاً» أخذوا بروايته، وإن كان مجروحاً بنزاهته ردّوا روايته، فهم لا ينظرون إلا إلى صدقه ونزاهته على تفصيلاتٍ وقواعد تجدها مثبتة في كتب الرجال.
ب ـ تحقيق المتن: وهو نص الحديث أو الرواية، فيفحصون لغته ومعناه، ويتأكدون من أن ما جاء فيه ليس مخالفاً للكتاب أو السنة القطعية الصدور، أو لحقيقةٍ ثابتة أقرّها الشارع المقدّس كالحقيقة العقلية المقطوع بها.
فإذا ثبت لدى العلماء صحة السند، وصحة المتن، قبلوا الحديث والرواية وعملوا بها، وإلا ردوها ولا يبالون بها في أي كتاب جاءت من كتب الحديث.. ولذلك فإن مدرسة أهل البيت لا ترى أي كتاب من كتب الحديث، مهما كانت منزلته العلمية، لا تراه بأكمله صحيحاً، بل هو يخضع للبحث والتدقيق حتى يعمل بروايته. بهذه الأسس العلمية الصحيحة التي وضعها أئمة أهل البيت (عليهم السلام) استطاعوا أن يحفظوا السنة المطهرة من كل تخريب وأن ينقُّوها من كل الشوائب.
________________________________________
(43)كتاب الرجال للكشي، نقلاً عن كتاب بحوث في الملل والنحل للعلامة المحقق الشيخ جعفر السبحاني، ج‏7، ص 21.
(44)الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 18، ص 87.

[الصفحة - 90]


سابعاً: العمل على تثبيت دعائم السنَّة المطهَّرة
لقد سعى أئمة أهل البيت (عليهم السلام) إلى تثبيت سنّة الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) وتركيزها من خلال سيرتهم المباركة في القول والعمل والموقف، وبذلك استطاعوا أن يجسّدوا سيرة جدهم المصطفى (صلي الله عليه و آله و سلم) بين الناس، وأن يعملوا على إحيائها وتثبيتها من خلال أمور نذكرها في ما يأتي:
أ ـ العمل على تجسيد سنة الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) من خلال أعمالهم ونشاطاتهم ومواقفهم مع الناس في الحياة العملية، وإليك بعض النماذج الدالة على ذلك:
1 - الإمام أميرُ المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) يثبت العمل بسنَّة الرسول (صلي الله عليه و آله) يوم الشّورى:
فقد جاء، في أحداث قصة الشورى التي شكلها الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، أنَّ عبد الرحمن بن عوف عندما وقف أمام الإمام علي (عليه السلام) وعثمان بن عفان ليعين أيهما الخليفة الثالث، بدأ بعلي (عليه السلام) وقال له:
«أبايعك على كتاب اللَّه، وسنة رسول اللَّه، وسيرة الشيخين: أبي بكر وعمر. فقال: بل على كتاب اللَّه وسنة رسوله واجتهاد رأيي، فعدل عنه إلى عثمان، فعرض ذلك عليه، فقال: نعم، فعاد إلى علي (عليه السلام)، فأعاد قوله: فقال ذلك عبد الرحمن ثلاثاً، فلما رأى أن علياً غير راجع عما قاله، وأن عثمان يُنعم له بالإجابة، صفق على يد عثمان، وقال: السلامُ عليك يا أميرَ المؤمنين» (45) .
وهنا يفوّت الإمام علي (عليه السلام) من بين يديه فرصة الخلافة، ويبين موقفه الواضح الرافض لسيرة الشيخين والمتمسك بسيرة النبيّ (عليه السلام) حتى لا توجد إلى جانب سيرة الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) سيرة أخرى، بغض النظر عن صحة هذه السيرة أو خطئها، فالمهم عند الإمام علي (عليه السلام) هو الثبات على سيرة الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) وأن لا تكون إلى جانبها سيرة أخرى لشخص آخر غيره (صلي الله عليه و آله و سلم).
________________________________________
(45)ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم، ج‏1، ص 188.

[الصفحة - 91]


2 - الإمام الحسين سبط رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) يضحي بدمه من أجل إحياء سنّة جده الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم):
فقد أعلن الإمام الحسين (عليه السلام)، في البيان الأول لثورته المباركة، أنه خرج من أجل الإصلاح في أمة جده المصطفى (صلي الله عليه و آله و سلم)، من خلال تجسيد السيرة النبوية المباركة، فقد صرّح (عليه السلام) بقوله:
«إنِّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً، وإنما خرجتُ لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم). أُريدُ أن آمرَ بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب، فمن قبلني بقبول الحق فاللَّه أولى بالحق، ومن ردَّعليَّ أصبر حتى يقضي اللَّه بيني وبين القوم بالحقّ، وهو خير الحاكمين» (46) .
فأحد أهداف الثورة الحسينية المباركة عملية تثبيت دعائم السنة المطهّرة، فقد ضحَّى بدمه الشريف وأهل بيته وأصحابه لأجل هذا الهدف الكبير.
3 - الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) يعمل على تجسيد سيرة الرسول، ومن المواقف الدالة على ذلك نذكر:
(أ) عند أخذ البيعة من الناس لولاية العهد:
عزم المأمون العباسي على أخذ البيعة للإمام الرضا (عليه السلام) بولاية العهد، «فلما كان ذلك اليوم ركب الناس من القوّاد والقضاة وغيرهم من الناس في الخضرة، وجلس المأمون ووضع للرضا وسادتين عظيمتين حتى لحق بمجلسه وفرشه. وأجلس الرضا عليهما في الخضرة، وعليه عمامة وسيف. ثم أمر ابنه العباس بن المأمون فبايع له أول الناس، فرفع الرضا يده فتلقى بظهرها وجه نفسه وببطنها وجوههم.
فقال له المأمون: ابسط يدك للبيعة.
فقال له: إن رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) هكذا كان يبايع، فبايعه الناس، ووضعت البدر، وقامت الخطباء والشعراء فجعلوا يذكرون فضل علي بن موسى وما كان من المأمون في أمره»(47) .
وهنا نجد الإمام الرضا (عليه السلام) يحرص على إحياء سنّة جدّه (صلي الله عليه و آله و سلم) بتجسيد معلم من معالمها الكريمة في الأمة باستثمار هذا الحدث والحضور الجماهيري الواسع.
________________________________________
(46)مقتل الخوارزمي، ج‏1، فصل 9، ص 88 وكتاب بحار الأنوار للعلامة المجلسي، ج‏44، ص 329.
(47)أبو الفرج الأصفهاني، مقاتل الطالبيين، تحقيق أحمد صقر، ص 455.

[الصفحة - 92]