البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

قراءة في كتاب «شعراء الغدير»

الباحث :  د. علي مهدي زيتون‏
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  14
السنة :  السنة الرابعة صيف 1420 هجـ 1999 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 14 / 2015
عدد زيارات البحث :  890
قراءة في كتاب
«شعراء الغدير»

د. علي مهدي زيتون‏ (*)

1 - في الوصيّة
إذا مثّلت الهجرة ذروة السُّلوك الإسلامي في تأمين ظروف اكتمال الدّعوة، في أثناء حياة الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم)، فإنّ واقعة الغدير، التي كرَّرت المصادرُ التَّاريخيّةُ جميعُها المعلومات والتفاصيل المتعلّقة بها، تمثّل ذروة السلوك الإسلامي أيضاً في تأمين سيرورة تلك الدّعوة في مرحلة ما بعد وفاة النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم)، خصوصاً وأنّ «السّيرة النبويّة» تنقل إلينا ملابسات وقضايا من الطبيعي أن تحدث في إحياء أية دعوة دينيّة، وكان الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) بشخصيته الفريدة ميزان الحلّ الحاسم فيها. ولقد كانت تلك الملابسات مؤشّراً إلى طبيعة المشكلات التي كان من الممكن أن يواجهها المسلمون من بعد نبيّهم (صلي الله عليه و آله و سلم). والنبيُّ خير من يفقه ذلك. وكما عاش للوحي بكلّ تفاصيل حياته، حمل همّ مصير ما أوحي إليه بعد انتهاء تلك الحياة. والغدير تعبير موقّع على إيقاع ذلك الهمّ.
كانت بنائيّة خطابه واضحة: «اللهمّ والِ من والاه، وعادِ من عاداه» إسناداً وتعديةً وإضافة، ولا تحتمل تأويلاً يخرج بها عن دلالتها المحدّدة؛ لأنّ الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) لم يستوقف الحجيج في ذلك النهار القائظ ليقول لهم: إنَّ علياً فقيه تجب العودة إليه في أمور الدين. ومتى فصل الإسلام بين الدين والدنيا في رؤيته الإلهية؟
كان يحدّثهم، في أثناء إيابه من حجة وداعه، عن القيادة المقبلة للمسلمين، وعن طبيعة تلك القيادة. وإذا ناقش مراقب حياديّ الأمر قائلاً: ما معنى الآية الكريمة: { وأمرهم شورى بينهم } ؟، وهل تمتدّ مفاعيلها إلى الحياة السياسيّة الإسلاميّة؟ أو تساءل ذلك المراقب عن الجموع التي حجّت مع الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) حجّة الوداع، ونيّفت على المئة ألف حاجٍ، كيف غاب دورها وكُتِمت شهادتها عما جرى يوم الغدير في أثناء اجتماع القوم تحت سقيفة بني ساعدة غداة وفاة الرسول الأعظم (صلي الله عليه و آله و سلم)؟
________________________________________
(*)رئيس قسم اللغة العربية في الجامعة اللبنانية.

[الصفحة - 274]


إذا كانت الظروف الحضاريّة القديمة لا تسمح بإجراء تصويت يقوم به عامة المسلمين لاختيار خليفة رسولهم (صلي الله عليه و آله و سلم)، فإن موجبات الشّورى تقضي بأن تتمّ في أمور مشكلةٍ تستدعي تلاقح الآراء من أجل إيجاد حلٍّ لها. قد يكون موضوع الشّورى صفات الخليفة الذي يجب اختياره، وقد يكون موضوعها مَنْ مِنَ الناس يختارون، ولكنها لا تعني انتخاباً حتى ولو لم يكن هناك نصّ يشير إلى ذلك. كيف لا، ونصّ الغدير يبطل كلَّ اجتهاد في أمر الخلافة؟
ولن ندخل في ملابسات ما جرى تحت السقيفة لنتساءل: من حدّد أنّ فلاناً وفلاناً وفلاناً من المهاجرين، أو الأنصار، يسلكون نصاب أهل الشورى؟ وإذا كان يصحّ أن ينفرد من قادوا المسلمين في ظل محمد(صلي الله عليه و آله) ، في عملية الاختيار، فهل اجتمع جميع المهاجرين وجميع الأنصار؛ خصوصاً وأننا ندرك اليوم أهميّة موعد الجلسات الانتخابيّة وظروف عقدها في تحديد نتائجها؟ وهل يجوز مثل ذلك في الحياة السياسيّة الإسلاميّة؟ المهمّ أن نتساءل عن حقيقة الديمقراطيّة، وعن حقيقة النتائج المترتّبة عليها إن كانت تصبّ في مصلحة الأمّة، أم في مصلحة أفراد من الأمّة؛ وإذا كانت الديموقراطيّة غير صالحة في أيّامنا هذه (تجربة كل من الاتحاد السوفييتي وأميركا معها)، فكيف لها أن تصلح في عهد الرّسول؟ لقد خبر الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) طليعة المسلمين واحداً واحداً، وعرف من منهم يصلح لقيادة المسلمين وترتيب أمورهم بعده.
وإذا سأل أحدهم: ما جدوى هذا البحث في يومناهذا، وماذا يعني أن تكون الخلافة لهذا المسلم أو ذاك؟
إنّ الخطأ الذي وقع في السقيفة (وفق تعبير عمر بن الخطَّاب: «فلتة»)، فدعا أحد رجالها أن يقي اللَّه المسلمين منه، قد جرّ إلى وصول الأمويين ومن بعدهم العباسيين إلى سدّة الخلافة، ووصول هاتين العائلتين من خلال صيغة الملكيّة الوراثيّة قد عدّل في مضمون الفتح الإسلامي ودلالاته ليس في أذهان المسلمين وحدهم، ولكن في أذهان من استهدفهم الفتح أيضاً. إذ وجدوا إسلاماً لا يقارب الإسلام المحمّدي إلا في المظهر. أن يبذخ معاوية، وأن يصرف من بيت مال المسلمين على هواه ولمآرب سياسيّة خاصّة، إنّما يقدّم
________________________________________

[الصفحة - 275]


الإسلام شكلاً من أشكال الغزو الأخرى. إذ كيف يطمئن المسلم المؤلَّف قلبُه إلى أنّ ما يدفعه من خمس وزكاة سوف يُصرف لصالح عامّة المسلمين؟ ولقد أعاق هذا التشويه الدعوة الإسلاميّة وأوقف انتشارها. ولا نشير إلى هذا الأمر لنأسف على ما فات، ولكن لنواجه ما هو قائم الآن.
لقد دار الزمان دورة كاملة، وعدنا إلى بداية الحلقة. وإذا واجه الإسلام الأوّل عالماً كافراً، فإنّ الإسلام اليوم يواجه عالماً شبيهاً بذاك، يمثّل فيه الاستكبارُ الأميركي الذي بات منفرداً في تحكّمه بالعالم دور الاستكبار القرشيّ الذي كان منفرداً في تحكّمه بمكة والجزيرة. وإذا عرف الإسلام الأوّل كيف ينتصر، فإن الإسلام الرّاهن لن يقوى على اجتراح النّصر ما لم يعالج مشكلة السلطة الإسلاميّة. وهو لن يعالج هذه المشكلة بمعزل عن روحيّة الغدير التي تتطلّب منّا أن نكون أُمّة عالمة تقود نفسها بنفسها تماماً كما اختار لها رسولُها(صلي الله عليه و آله) عشيّة وفاته قائداً عالماً هو الإمام عليّ (عليه السلام) الذي فقه الإسلام ووعى القرآن الكريم ثم فسّره من خلال توجيه أنواره الكاشفة إلى المشكلات التي يواجهها المسلمون. فالقرآن، كلام اللَّه، هو الحلّ والقدرة على مواجهة المشكلات. والقائد المطلوب هو الذي يعرف كيف يحرّك النصّ القرآني باتجاه المشكلة، فيُفهم النصُّ، وتُفهم المشكلةُ في آنٍ معاً. فالنموذج العلويّ القائم على التُّقى والورع والشجاعة هو النموذج الذي اختاره الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) للقيادة، وعلينا أن نسعى إلى بلورة هذا النموذج في حياتنا الرّاهنة من أجل تجديد الدعوة الإسلامية واستكمال أهدافها في إيجاد الإنسان (الخليفة)، خليفة اللَّه على الأرض.
2 - كتاب «الغدير»
كان «الغدير» طاقة إسلاميّة باهرة سعى الباحثون، على امتداد التاريخ الإسلامي، إلى التعرّف إلى أبعاده للإفادة منها. والعلاَّمة الأميني واحدٌ من علماء الأمّة الذين أدلوا بدلوهم في هذا المجال، فجمع خيراً وفيراً في مصنّفه المتعدّد المجلّدات «الغدير»، وهو قد جمع فيه كلّ ما يتعلّق بذلك الحديث أو تاريخه. وإذا كانت الظروف المحيطة بتأليف هذا المصنّف قد جاءت به وفق ما تقتضي المرحلة التي أُلِّف فيها، وجد
________________________________________

[الصفحة - 276]


«مركز الغدير للدراسات الإسلامية» أنّ أموراً قد جدّت في حياتنا الحاليّة وظروفاً مختلفة قد حلّت، فرأى من المفيد إعادة إنتاج عمل الأميني بما يتناسب مع ظروف الناس وأوضاعهم المعيشيّة والثقافيّة في الزمن الرّاهن. فكان «شعراء الغدير» بجزئه الأوّل باكورة هذا الجهد المثمر، صدر الكتاب بطبعته الأولى عام (1419هـ/1998م) بحلّة جميلة إسلاميّة الطابع من حيث خطوط الغلاف وألوانه، واضحة الكتابة من حيث الإخراج الطباعي.
3 - عرض مضمون الكتاب‏
يتألّف الكتاب من تمهيد وثلاثة أقسام.
التمهيد
عالج التمهيد مسألتين أساسيتين هما: واقعة الغدير، وأهميتها في التاريخ.
عرض في المسألة الأولى قصة الغدير بدءاً بسنة حجّ الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم)، وأسماء تلك الحجّة من مثل (حجة الوداع)، وف(حجة الإسلام)، وف(حجة البلاغ)، وف(حجة الكمال)، وف(حجة التمام)، وكيفية إحرامه، وإخراج نسائه كلّهن في الهوادج، وعديد الحجيج الذي خرج معه، مروراً بيوميات طريقه، وحجّه، وصولاً إلى الأوبة والتوقّف عند غدير خم بمنطقة الجحفة، وقبل تشعّب طريق العودة بالمدنيين، والمصريين، والعراقيين، والشاميين، متناولاً تفاصيل الروايات التاريخية المتعلّقة بالوصيّة وحديث الموالاة.
وتناول في المسألة الثانية كثرة موالي آل البيت ومتّبعيهم، وما اكتنزوه من علم ودين وفضل بفعل تلك الموالاة، مشيراً إلى قوة سند واقعة الغدير، مثبتاً لنا مسرداً بالمؤرخين الذين ذكروا الغدير، وسنوات وفياتهم، وأسماء كتبهم، بدءاً بابن قتيبة في القرن الثالث الهجري وانتهاءً بنور الدين الحلبي في القرن الحادي عشر الهجري، كما أثبت قائمة بأسماء المحدّثين الذين رووا حديث الغدير على مدى تسعة قرون، وأخرى بالمفسّرين الذين فسّروا الآيات النازلة في هذه المسألة من الطبري إلى الآلوسي. كما لم ينس أن يقدّم لنا ثبتاً بأسماء اللغويين، وآخر بأسماء علماء الكلام الذين تصدّوا للغدير ولتأثيراته
________________________________________

[الصفحة - 277]


في تعدّد الفرق. وهو في كل مرّة يتصدّى فيها لمجالٍ من هذه المجالات العلمية كان يحرص على تأكيد انتماء هؤلاء الرواة إلى مختلف الفرق الدينيّة الإسلاميّة، متوخّياً من وراء ذلك إثبات حدوث هذه الواقعة لكي لا يترك لمجادلٍ أن يجادل فيها. ولكي يستكمل الفائدة من ذلك، ذيّل هذا التمهيد بخارطة لرحلة الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) في حجّة الوداع من المدينة وإليها مركّزاً على موقع غدير خمٍّ عليها.
القسم الأول‏
خُصّص هذا القسم لشعراء الغدير الذين عاشوا في القرن الأوّل الهجري، وهم: الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) (40هـ)، وحسّان بن ثابت الأنصاري (50هـ)، وقيس بن سعد الأنصاري (60هـ)، وعمرو بن العاص (43هـ)، ومحمد بن عبداللَّه الحميري. ومما يجدر ذكره أنّ المؤلِّف قد أدرج في عداد شعراء الغدير كلّ من ترك لنا قصيدة تناول فيها هذه الواقعة. وكان المؤلف يتعرّض، عند كلّ شاعر، إلى سيرته، وإلى أهمّ المشكلات التي تثيرها تلك السيرة متوقفاً عند الغديرية الخاصة به بالإثبات والرواية والشرح من دون أن ينسى سائر قصائده المرتبطة بمديح الإمام علي (عليه السلام) أو آل بيته (عليهم السلام). وإذا راقبنا معالجة المؤلف لموضوع حسّان من خلال عناوين الفقرات: حياته، مكانته الشعرية في الجاهلية، مكانته الشعرية في الإسلام، تعرّض شعره للوضع والحذف، غديريته، سائر قصائده في مدح الإمام، وجدناه قد أشار إلى مشكلتين كبيرتين أثارهما نتاج حسّان الشعري:
الأولى نقديّة تتعلّق بمكانته الشعرية وتفاوتها بين الجاهلية والإسلام حتى قال فيه أبو عمرو بن العلاء: «الشعر نكد بابه الشرّ. هذا حسّان بن ثابت فحلٌ من فحول الجاهلية فلما جاء الإسلام سقط شعره».
والثانية تتعلّق بالنحل وتاريخ الأدب، وهي مسألة شائكة اقترفها الأمويون وغيرهم لأغراض سياسيّة وقبليّة، واتخذها المستشرقون ذريعة للتشكيك بموروثنا الشعري لينفذوا من خلال ذلك إلى التشكيك بموروثنا الثقافيّ كلّه.
أما إذا تابعنا كيفيّة معالجة تلك العناوين وجدنا المؤلف وقد تابع النصّ الشعريّ إشارة قرآنية إشارة، وحديثاً
________________________________________

[الصفحة - 278]


شريفاً فحديثاً ذاكراً تلك الآية أو ذلك الحديث متعرّضاً بالشرح وتحديد الأبعاد. فإذا نحن أمام دراسة رائدة لمسألة التناصّ، وفاعليتها وأهميتها في تكوين شعرية الشاعر.
القسم الثاني‏
يجد القارى نفسه، في هذا القسم، أمام أربعة شعراء غديريين في القرن الثاني الهجري هم: الكميت بن زيد الأسديّ (126هـ)، والسيّد الحميريّ، إسماعيل بن محمد (173هـ)، وسفيان بن مصعب العبدي الكوفي، ويحيى بن بلال العبدي الكوفي، فيستوقفه كلّ من الكميت، والسيّد الحميري.
عرض المصنّف سيرة الكميت متوقّفاً عند مقوّمات شخصيّته الدينية والأخلاقية التي أهّلته لكي يكون داعيةً من دعاة الشيعة المرموقين. والحديث عنه داعية يجرّ حكماً إلى الحديث عن هاشميّاته التي أنشدها في مديح آل البيت وإظهار حقّهم، محاولاً تحقيق هذه النصوص وتمحيص رواياتها، لأن للهاشميات موقعاً مرموقاً في تاريخ الشعر العربي اتخذت مكانها إلى جانب حوليات زهير، واعتذاريات النابغة، وزهديات أبي العتاهية، وروضيات الصنوبري، وقلائد المتنبي. وإذا كان للهاشميات مثل هذا المقام، كان لا بد من أن يتوقّف المصنّف عند شعر الكميت ومكانته مثيراً مسألتين مهمَّتين تتعلقان بشعريّة هذا الشاعر. الأولى إسهام شعره في تكوين الوجدان الشعبي، والثانية الدور الرسالي الذي أدّاه ذلك الشعر. والمسألتان لا تنفصلان. أن يكون الشاعر داعية لتوجّهٍ ديني وفكري وسياسي يعني أن يكون حاملاً لهموم رسالة ما. وإذا كانت الرسالة حسينيّة الطابع كتلك التي حملها شاعرنا، يعني أنه يمارس تحدّياً للسلطان يحرّض الناس ضدّه ويشهّر بمقومات سلوكه السياسي القائمة على الزيف. ويعرّضه هذا الدور لمخاطر الانتقام الذي عانى منه الكميت كثيراً، حتى صار رمزاً للمظلوميّة في مجتمعه، يعبّر صوته عن وجع جميع المستضعفين وهمومهم، يأتيهم في يقظتهم وفي أحلامهم يبلسم جراحاتهم ويمسح الدمعة عن عيونهم، ويتابع المصنّف هذه السيرة الوجوديّة الوجدانيّة مروراً بشهادة الكميت ووصولاً إلى الغديريّة وما تمثله من موقع محوريّ لجميع شعره.
________________________________________

[الصفحة - 279]


وكما فعل المصنّف عند الكميت ابتدأ حديثه عن السيّد الحميري بالسيرة المباركة والصفات الإسلاميّة، مشيراً إلى شيعيّة هذا الشاعر القائمة على الاختيار الحرّ. فالسيّد الحميري قد ولد لأبوين خارجيّين، لطالما سمعهما يشتمان الإمام (عليه السلام) عند صلاة كل صباح، حتى ضاق ذرعاً فعمل على معرفة حقيقة الأمر، وكان له أن اختار المذهب الشيعي الذي انطلق منه في مناقشة أبويه بالحسنى. حتى إذا طفح الكيل وجد ألا مفرّ من مفارقتهما. ويصحّح المصنّف خطَأً شائعاً يتعلق بحقيقة اعتناقه الكيسانية واستمراره عليها، فيبيّن بالوقائع أنّ السيد لم يبق على الكيسانية طويلاً؛ إذ سرعان ما هداه فضوله المعرفيّ إلى المذهب الإمامي الذي أخلص له مدى الحياة. ولم يكتف المصنّف بإظهار هذه الحقيقة، ولكنه راح يناقش طه حسين في بعض آرائه عن كيسانية السيّد وزعمه بأنه ممّن يؤمنون بالتناسخ والحلول مفنّداً تلك الأفكار فكرة فكرة، ورأياً رأياً.
ويتعرّض المصنّف، بعد ذلك، إلى شعر السيّد الحميري محاولاً تحليل بعض نصوصه وفق طريقته المعهودة بإبراز القضايا الدينيّة والسياسيّة التي أثارها النص معرّجاً على التناصّ المتصل بالآيات والأحاديث، ليغتنمها فرصة ينفذ من خلالها إلى الحديث عن ثقافة الشاعر عمقاً واتصالاً بالنصّ الديني المقدّس. وهو بعد هذا لم يصل إلى غديرية واحدة، ولكن إلى غديريّات عديدة تتماوج حسناً، وتنضح عطراً علويّاً متّصلاً بالإرث العلمي النبويّ.
القسم الثالث‏
يتلألأ هذا القسم بأسماء شعراء الغدير الذين عاشوا في القرن الثالث الهجري وعلى رأسهم أبو تمام (231هـ)، ودعبل الخزاعي (246هـ)، وأبو إسماعيل العلوي، والوامق النصراني، وابن الرومي (221هـ) والحمّاني الأَفوه. وإن استوقفنا من بين هؤلاء الشعراء: أبو تمام ودعبل.
أورد المصنف سيرة أبي تمام وصفاته ونشأته وثقافته وشاعريته متوقّفاً عند الذين ألّفوا في أخباره ثم عند ديوان شعره، وأبرز ممدوحيه من دون أن ينسى ديوان حماسته وشروحه، وتديّنه الذي أبرز المصنّفُ من خلاله تشيّع شاعرنا، ليصل بعد ذلك إلى غديريّته
________________________________________

[الصفحة - 280]


الرائيّة الطويلة نسبياً؛ إذ تتكوّن من خمسة وأربعين بيتاً من عيون الشعر، تُبْرِزُ مقدرةَ هذا الشاعر على إعادة إنتاج اللغة بما يتناسب مع رؤيته الغديريّة إلى الحياة والوجود.
وأورد المصنّف سيرة دعبل بكلّ ما فيها من قضايا ومسائل وصولاً إلى ولائه لآل بيت محمد(صلي الله عليه و آله) ، مثبتاً بعد ذلك غديريته التائية الطويلة كاملة. وهي مكوّنة من مئة وتسعة عشر بيتاً مطلعها:
تجاوبْنَ بالإرنانِ والزّفراتِ‏ نوائحُ عجمُ اللَّفظِ والنَّطِقاتِ‏
يخبّرْنَ بالأنفاسِ عن سرِّ أنْفسٍ‏ أسارى هوىً ماضٍ وآخرَ آتِ‏
وهو لا يمرّ على هذه التائيّة مروراً سريعاً، ولكنه يتوقّف عند مسألتين تتعلّقان بها: التائيّة من منظور مؤرّخي الأدب، وشروح التّائيّة. بالنسبة إلى المسألة الأولى عرض لنا ما قاله كلٌّ من أبي الفرج الأصفهاني في «أغانيه»، وأبي إسحق القيرواني الحصري، والحافظ ابن عساكر في «تاريخه»، وياقوت الحموي في «معجم أدبائه»، وأبي إسحق الحمّوئي، وأبي سالم بن طلحة الشافعي، والشبراوي الشافعي تقريظاً، أو تعليقاً، أو موقفاً نقديّاً من هذه التائيّة. أما بالنسبة إلى النقطة الثانية فقد ذكر لنا الشروح التي تناولتها وعلى رأسها شرح كل من السيّد نعمة اللَّه الجزائري، وكمال الدين محمد بن محمد القسوي الشيرازي، وميرزا علي العلياري التبريزي. وبعد أن فرغ المصنّف من هذا الأمر أثبت لنا نماذج مختلفة من شعر دعبل في آل البيت.
4 - خاتمة
أن يكون موضوع كتاب من الكتب «شعراء الغدير»، يعني أن يعالج تمهيدُ ذلك الكتاب حدث «الغدير» بشكل مسهب يناقش الأمور المشْكِلَة، ويحدّد أبعاد المواقف المشهودة. ولقد حاول تمهيد هذا الكتاب أن يقوم بهذا العب‏ء فأحسن في مواطن عديدة وبقي عليه أن يدقّق في بعض الأمور، وخصوصاً مسألة التفريق بين مصطلحي الولاية والخلافة في كتابات بعضهم، لجهة عدّ الأول خاصاً بالأمور الدينية من دون الدنيويّة، خصوصاً وأن اتصال المصطلحين بما هو ديني وما هو دنيوي في آن معاً هو جوهر الوصيّة الغديريّة وكمال الشهادة المحمّديّة التي أدّاها الرسول الأكرم (صلي الله عليه و آله و سلم) في حجّة وداعه بين يدي اللَّه عزّ وجلّ.
________________________________________

[الصفحة - 281]


ثمَّة مسألة تتعلّق بشخصيتين أُدرجتا في عداد شعراء الغدير. الأول هو عمرو بن العاص (ص 97 - 136) الذي ما كان يجب أن يُعطى مثل هذا الشّرف وهو صاحب سيرة ظاهرها على الأقل لا ينبى بأيّ خير للإسلام. والثاني هو يحيى بن بلال العبدي الكوفي، وهذا وإن كان مختلفاً عن الأوّل بسيرته الإسلاميّة الصّادقة، إلاّ أننا لم تجد له غديريّة مثبتة في الصفحات التي تناولته (ص 229 - 232).
وقد سوَّغ المصنِّف ذكره بكثرة وقوع الاشتباه بينه وبين سفيان بن مصعب، فكل منهما يسمَّى بـ «العبدي الكوفي»، علاوةً على أنَّه شارك سميَّه في الكنية واللقب وبيئة النشأة وحسن التشيُّع (ص 229).
ويبقى أمر ثالث أودّ أن أثيره ويتعلّق بما ورد (ص 28) عن الخوارج: «كاد ينتصر على الفئة الثانية في صفّين لولا مؤامرة أُعدَّت بعناية، ووقع ضحيّتها القرّاء السّذّج الذين سُمّوا في ما بعد بالخوارج». والحقيقة أنّ ما حصل في معركة صفين من خروج قسم من فرسان علي (عليه السلام) وتحوّلهم إلى فرقة دينيّة لها دعوتها ونظريتها وأسلوبها لا يمكن أن يُفَسَّر بوقوع قرّاءٍ سذّجٍ ضحيّة مؤامرة التحكيم، ولكنّنا نستطيع القول إن الخلافة الإسلامية التي حدّد الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) آليَّتها في غدير خمّ هي الضحيّة، ضحيّة المؤامرة الأمويّة أوّلاً، وضحيّة المؤامرة القبليّة الخارجيّة ثانياً، فالخوارج يوم خرجوا كانوا يفكّرون من خلال العقليّة القبليّة. إذ رأوا، بشكل من الأشكال، أنهم ضحيّة تقاتل القرشيّين على الخلافة، وتساءلوا عن سبب حصرها في قريش. وما قولهم بأن يكون الخليفة قرشيّاً أو غير قرشيّ، عربياً أو غير عربي، رجلاً أو امرأة إلا من قبيل ذرّ رماد الديموقراطية في العيون ليعموها عن حقيقة مآربهم القبليّة في الخلافة، ضاربين عرض الحائط بالوصيّة وبغدير خم، وهم القرّاء الذين يطلب منهم أن يظلوا قبل غيرهم معتصمين بحبل اللَّه وحبل رسوله.
ومما يجدر ذكره، في هذا المقام، ما اعتور النصوص الشعرية المثبتة من خلل في مسألتي الضبط العروضي والضبط اللغوي وعدم رد تلك النصوص إلى مظانها في دواوين أصحابها.
________________________________________

[الصفحة - 282]


وإذا أوردنا مثل هذه الملاحظات استكمالاً لفائدة الكتاب فإنه من الواجب أن ننوّه بالقراءة الجديدة لإنكار عمر بن الخطاب موت الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم)، ولاجتماع السقيفة، بما يدلّ على فكر ثاقب يتجاوز فهم الأمور إلى فهم الأسرار التي تحرّكها. وتجب الإشارة الإيجابيّة أيضاً إلى متابعة المصنف لمواضع تناصّ قصيدة حسّان (ص 58) مع الآيات القرآنية على مدى ثماني صفحات، أو لمتابعته مواضع تناصّ قصيدة سفيان بن مصعب (ص 206) مع الحديث الشريف على مدى سبع صفحات.
ويبقى أننا أمام كتاب يستحقّ القراءة لما فيه من متعةٍ تنقلنا من جمالية غديرية إلى أخرى، ولما فيه من فائدة تصلنا بالهسيس الأوّل الذي شهد ولادة ثقافتنا الإسلاميّة.
________________________________________

[الصفحة - 284]