دور الأحداث التاريخية في بيان معتقدات اهل البيت (ع)

دور الأحداث التاريخية في بيان معتقدات اهل البيت (ع)

تـاليف

السيد مصطفى مطهري

ترجمة

أسعد الكعبي

 

تـمهيد

بسم الله الرحمن الرحيم

لا يختلف اثنان في أنّ مذهب التشيّع الذي يستفيض عبقه من مدرسة أهل البيت (ع) له دورٌ أساسيٌّ في نشأة الثقافة والحضارة الإسلاميتين واستمرار مسيرتهما التكاملية، ولا ريب في أنّ الأفكار التي طرحها هذا التيار الديني الحيّ الصانع للحضارة تنمّ عن سموّه وعظمته، وكلّ ذلك بفضل تراث أهل بيت الرسالة من أحاديث وسيرة مباركة وجهود علماء الشيعة الأعلام.

إنّه تيارٌ كان وما زال فرقداً لامعاً يتلألأ في سماء الجهل والشبهات المظلمة، وهو فكرٌ لا ترقى إلى قمّته الرفيعة عقل من يدّعي العلم زوراً وكذباً.

وعلى الرغم من ضرورة التعمّق في فهم مسيرة تنامي فكر التشيّع في كلّ قرنٍ، إلا أنّ ضرورة إجراء بحوثٍ ودراساتٍ حول القرون الثلاثة الأولى من عمر الدين المحمدي تتجلّى أكثر في عصرنا الراهن الذي استقطبت فيه البحوث العلمية عدداً كبيراً من الباحثين. تلك القرون لها خصائص وميزات عديدة وبما فيها حضور أئمّة أهل بيت العصمة والطهارة لمدّةٍ تقارب 250 عاماً وهو ما يعبّر عنه بـ«الإنسان الذي عمّر 250 عاماً» لأنّهم نفسٌ واحدةٌ.

ومن هذا المنطلق قام الكثير من الكتّاب والمفكّرين بتدوين بحوثٍ لأجل إثبات أو إنكار معتقدات الشيعة ومبتنياتهم الفكرية بالاعتماد على رؤى وتوجّهاتٍ معينةٍ في مجال دراساتٍ تأريخيةٍ لأهدافٍ عديدةٍ وعلى مستوياتٍ علميةٍ مختلفةٍ، حيث تطرّقوا إلى الحديث عن المسيرة التكاملية لمدرسة أهل البيت في نطاق التحوّلات المعرفية التأريخية، أو أنّهم تطرّقوا إلى التفصيل مقابل التدرّج والإجمال ولا سيما في موضوع الإمامة، وبالتالي تحصّلت لديهم نتائج متنوّعةٌ على هذا الصعيد.

يعتقد البعض أنّ أساس معتقدات الشيعة في عهد الأئمّة المعصومين الأوائل (ع) لم يكن مطروحاً آنذاك، لكنّها نشأت إبّان أحداث القرون الثلاثة الأولى من عمر الإسلام بواسطة الموالين لأهل البيت، فتكوّنت على هيئة أصولٍ فكريةٍ شيعيةٍ. وفي مقابل هؤلاء تصدّى آخرون للدفاع عن أصالة الفكر الشيعي المقدّس وأكّدوا على أنّ معارف الشيعة تضرب بجذورها في القرآن والسنّة النبوية في جميع مواضيعها وأنّه قد تمّ بيانها بإجمالٍ وتفصيلٍ مع مراعاة الدور الخلاق للعناصر المؤثّرة من شتّى النواحي السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية دون أن تتغيّر مضامينها بالاعتماد على أساليب البيان والأدب الديني الذي يتناسب مع كلّ عصرٍ، وذلك طوال القرون الثلاثة الأولى في باكورة ظهور الإسلام المحمدي.

عزيزي القارئ، هذا الكتاب هو بمثابة خارطةٍ وإطارٍ جديدٍ لفكرٍ عريقٍ ويروم المؤلّف فيه طرح خطّةٍ على أساس الرأي الثاني للإجابة عن السؤالين التاليين: كيف كانت مسيرة بيان معتقدات الشيعة ومعارفهم؟ وما هي العناصر التي لها تأثيرٌ في بيانها؟

ويتضمّن الكتاب في مستهلّه مباحث عامّة ذات صلةٍ بالموضوع تتلوها ثلاثة فصولٍ، ويشتمل الفصل الأوّل نماذج من آراء المؤيّدين لمسألة التحوّل التأريخي في الفكر الشيعي، ووضّحنا فيه الرأي الأوّل بإيجازٍ.

أمّا في الفصل الثاني فقد ذكرنا أوّلاً تعريفاً للقضايا التأريخية في أربعة محاور سياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية، ومن ثمّ تناولنا الموضوع في إطار بحثٍ تطبيقيٍّ.

وأمّا في الفصل الثالث فقد قمنا بإجراء دراسةٍ مقارنةٍ للمسيرة الإجمالية ـ التفصيلية لموضوع الإمامة مع التركيز على الدور الأساسي للقضايا التأريخية في أربع مراحل.

أُقدّم شكري وامتناني لأساتذتي المحترمين وهم سماحة الشيخ محمد تقي السبحاني والسيد محمد كاظم الطباطبائي والسيد علي رضا الحسيني الذين أخذوا بيدي لتدوين هذا الأثر وأناروا طريقي بإرشاداتهم القيّمة.

وفي الختام أرجو من القرّاء الكرام أن يتحفونا بآرائهم وانتقاداتهم ومقترحاتهم.

والحمد لله ربّ العالمين..

قم المقدّسة