جمع القرآن، نقد الوثائق وعرض الحقائق

جمع القرآن، نقد الوثائق وعرض الحقائق

قراءة تحليلية جديدة

تـاليف

السيد علي الشهرستاني

فهرس الجزء 1

مقدّمة المؤلّف  7

تمهيد  21

مدرسة الخلافة ومقدّماتها العشر في جمع القرآن، والرؤية التصحيحية من قبل مدرسة أهل البيت لها  25

* المقدّمة الأُولى:  25

النبيّ يعرف القراءة والكتابة، لكنّه لا يكتب:  25

* المقدّمة الثانية:  40

وجود مصاحف كتبها الصحابة على عهد رسول الله:  41

* المقدّمة الثالثة:  46

قتلى اليمامة مقدِّمةٌ لجمع أبي بكر للقرآن:  47

* المقدّمة الرابعة:  54

الغلوّ في عثمان وإقصاء منافسيه:  55

* المقدّمة الخامسة:  70

تعدّد القراءات تخالف الوحدة فيه، وهو المبرّر لتشريع القراءات الجديدة:  72

* المقدّمة السادسة:  92

مصادرة الخلفاء لِجُهْد الأمة في حفظ القرآن:  93

* المقدّمة السابعة:  110

جمع القرآن بيد غير المعصوم، كذبٌ وخيانة للدين والأُمّة:  111

* المقدّمة الثامنة:  116

القول بجمع القرآن في زمن الفتنة!! يخدش في حجيّته:  117

* المقدّمة التاسعة:  127

التّقليل من شأن القرآن من جهة، والاهتمام بتواتر القراءات من جهة أُخرى!!  127

* المقدّمة العاشرة:  132

مصحفنا هو مصحف رسول الله ومصحف جميع الصحابة، وليس بمصحف عثمان وزيد فقط:  133

تاريخ القرآن الحكيم في مراحله الأربع  147

1 ـ التنزيل:  151

ما الفائدة في النزول التدريجي للقرآن؟  158

٢ ـ الترتيب:  161

معنى القرآن لغة  171

اختلاف ترتيب التلاوة عن ترتيب النزول  174

دور رسول الله وجبرئيل في ترتيب الآيات  188

مصاحف الصحابة  194

عائشة تجيز التقديم والتأخير في السور وآيها  196

الإنزال الدفعي والتدريجي ومواضع الآيات  208

حصيلة البحث  213

٣ ـ الجمع والتأليف:  215

١ ـ الجمع في عهد رسول الله:  219

الأخبار الدالّة على وجود مصحفٍ أو مصاحف على عهد رسول الله:  223

مدى صحّة دعوى النسخ  239

هل حفظ القرآن شرف خارِق للجامعين أم لا؟  242

علي الجامع الحقيقي للقرآن  249

أخبارٌ كاذبة:  275

من فضائل عثمان: حرق المصاحف!!  279

٢ ـ الجمع بعد وفاة رسول الله مباشرةً بواسطة الإمام عليّ:  299

ما استدلت به الإمامية  299

مصحف الإمام علي في مصادر الشيعة وكتب علمائهم:  311

النتيجة:  345

أخبار التحريف في كتب الفريقين  362

عودٌ على بدء  411

المصحف كلمة عربية أم حبشية؟  426

موقف ابن مسعود وأبي بن كعب من السلطة:  471

المصحف المتداول هو مصحف رسول الله لا مصحف الخلفاء  495

سؤال وجواب:  506

الصحابة وتخوفهم من أسماء بعض السور:  521

سؤال وجواب  523

ارتباط جمع القرآن بموضوع الخلافة:  530

الفهرس  563

 

فهرس الجزء 2

٣ ـ جَمْعُ القرآن في عهد الشيخين:  7

١ ـ جَمْعُ أَبي بكر:  9

المناقشة:  12

مناقشة أقوال هؤلاء الأعلام  27

دستور أبي بكر في كتابة الصحف  43

مناقشة كلام الزرقاني:  46

تساؤلات وأجوبة:  62

جمع أبي بكر للقرآن في روايات الشيعة:  79

2 ـ جمع عمر بن الخطّاب:  101

المناقشة:  106

متى جاءت فكرة جمع الشيخين للقرآن؟  124

بين تدوين المصحف وتدوين الحديث  149

عمر والأحرف السبعة  153

معنى القراءة والإقراء  159

٤ ـ الجمع في عهد عثمان بن عفان:  189

المناقشة  198

تاريخ المصحف الشريف عبر العصور  225

المصحف على عهد رسول الله  225

المصحف في عهد أبي بكر  226

المصحف في عهد عمر بن الخطاب  227

المصحف في عهد عثمان  228

المصحف في عهد علي بن أبي طالب  229

المصحف في عهد الأئمة من آل الرسول  231

4 ـ توحيد المصاحف:  233

المصحف العثماني والأحرف السبعة  235

عثمان ودعوى اللحن في القرآن  249

العرب وتصحيحها للرسم العثماني  252

منشأ اللحن  266

عثمان يفرّق الرسم في المصاحف المرسلة إلى الأمصار  291

وجود مصاحف للصحابة بعد حرق عثمان لها  298

التوقف على الرسم العثماني  313

خلاصة واستنتاج  331

فهرس المصادر  341

الفهرس  381

مقدمة المؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم

(الذكر المحفوظ)؛ کان عنواناً سابقاً لهذه البحوث، نشرناها في مجلّة (تراثنا) الصّادرة عن مؤسّسة آل البيت (ع) لإحياء التّراث، وهو عنوانٌ منتزَعٌ من قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ( )، لسلسلة مقالاتٍ بين الأعوام (١٤٣٣ ـ ١٤٣6 هـ) في الأعداد (١٠٩ ـ ١20)، للدلالة على صَون الكتاب العزيز من التّحريف والتّزوير رَغْمَ كلّ المحاولات الفاشلة.

وقد جاءت فكرة كتابتها بياناً للآثار السلبية التي رافقت الروايات الموجودة في كتب الجمهور عن جمع القرآن والتي استُغِلَّت من قبل بعض المستشرقين، فهي قراءة نقديّة تحليليّة جديدة للمشهور المتناقَل على الألسن في موضوعَين مهمَّين:

أحدهما: موضوع تاريخ جمع القرآن.

والآخر: روايات التّحريف الموجودة في كتب الفريقين.

ولمّا انتهينا من دراسة الجانب الأوّل منه، آلينا على أنفسنا طبعه على انفصال، بعد إجراء بعض التّعديلات المهمّة عليه ( )، تعميماً للنّفع والفائدة، تاركين الكتابة في الجانب الآخر منه إلى حينه.

فموضوع (تاريخ جمع القرآن) موضوع حساس وشائك، وقد بُحِث من قبل المسلمين والمستشرقين قديماً وحديثاً، وقد بحثه المستشرق كوستاو ويل (Gustav weil) (1808 ـ 1889 م) في كتابه (Histoisch-Kritisch Einheitung) المطبوع في سنة 1844 م.

وكذا المستشرق تيودور نولدكه (Theodor Noldeke) في كتابه تاريخ القرآن (Geschichte des Qorans) ( ) والذي اتّمه تلميذه فردريش شوالي (Friedrich schwally) (1863 ـ 1919 م).

ثم أعقبهم المستشرق اجتنس جولدتسهر (Goldziher) (1850 ـ 1921 م) في دراساته المتعددة منها (مذاهب التفسير الإسلامي).

كما كتب حول هذا الأمر بلاشير (Reges Blacher) كتابه (Introduction au Coran) وغيره.

وغالب تلك الدراسات الاستشراقية قد استندت إلى الرأي المشهور عند الجمهور؛ والتي رويت في كتبهم الحديثية من قبل الحشوية لا الى الروايات الموجودة في كتب الشيعة الإمامية.

فالمستشرقون عموماً أشكلوا على الإسلام من خلال وجود تلك الروايات في الصحاح والمسانيد، فإنّهم حين يتساءلون أو يشككون في بعض تلك النصوص والأقوال، إنّما مستندهم هو تلك الروايات الموجودة في كتب الآخرين والمخالفة للعقل والفطرة والتي يدركها كل باحث، ولا يقتصر فهمها على النصراني أو المسلم، لأنّ وجود التناقض أو التضاد، أو مخالفة الثابت الموجود هنا أو هناك يدركه كل من له شعور وعقل، ولا داعي للتنصل والتملص والتنكر عن بيان الحقائق.

فالذي أدعو نفسي وإخواني إليه هو الوقوف على مدَّعيات المستشرقين ومدّعيات غيرهم في القرآن والحديث ـ من حيث الموضوعية أو سوء القصد ـ، فقد يكون هناك تساؤل نزيه يطرحه الباحث والمفكر، وقد يكون وراءه هدف مقصود، وهذا ما يمكن الوقوف عليه من خلال لحن الخطاب وطريقة الاستدلال، مع التأكد على وجود جهود مشبوهة من قِبل بعض رجال الدين منهم، نصارى كانوا أم يهوداً، فهؤلاء همهم تشويه الدين الاسلامي وتسخيفه والمساس بقيمه وأصوله، وهذا ما يدركه كل من قرأ كتبهم.

وكلامي هذا ليس تبريراً للمستشرقين أو لبعضهم بل هو بيان لحقيقة يدركها من التقى بهم أو قرأ كتبهم، فالمستشرق يعتمد أولاً في أقواله وآرائه على ما عند المسلمين، ثمّ يتبع بعد ذلك أسساً عقلية في محاكماته، فلو شاهد تناقضاً أو حصل له تساؤل فعلى العالم الاسلامي الإجابة عن تلك الشبهات والأسئلة، وليس له أن يتركها من دون جواب أو يتعامل مع المستشرق كعدو في كل الحالات، فهناك بعض المستشرقين قد انتقدوا زملاءهم في هجومهم على الإسلام مثل توماس كارليل في كتابه (الأبطال) والذي دافع فيه عن النبي محمد (ص)، ولين بول؛ كما أشار إليه كرد علي في (الإسلام والحضارة الغربية) وغيرهما.

بلى، إنّ بعض المستشرقين قد دافع عن جمع الخلفاء الثلاثة للقرآن وهم الأكثر، ومنهم من ذهب إلى أن جمعه كان على عهد رسول الله (ص) مثل جان برتن (John Burton) (1977 م) في كتابه جمع القرآن (The Collection of the Quran) راداً فيه روايات جمع أبي بكر وعمر للقرآن، داعماً الرأي المناقض له.

إذاً علينا التوجه إلى إشكالاتهم وتساؤلاتهم وعدم تركها من دون جواب، ثم السعي بعد ذلك إلى تنقية تراثنا منها، لأن من واجبنا الشرعي والأخلاقي عدم ترك النصوص عرضة لدعوى التضارب والتناقض.

نعم، إن علماء المسلمين وباحثيهم سنة وشيعة كتبوا في نقد شبهات المستشرقين، كما كانت لهم كتابات مستقلة في تاريخ القرآن.

وإن موضوع (تاريخ القرآن) حاز عندهم الأهمية، وهو موضوع عامّ وموسع يشمل البحث حول: أسباب النزول، وبيان حقيقة الوحي، والمكي والمدني، وغالبا ما يأتي الحديث عن جمع وتدوين القرآن في تلك الكتب بحثاً مقتضباً وبسيطاً، فلا نرى دراسات نقدية مستقلة كُتبت في هذا المضمار، ولم يُبحَث هذا الموضوع ـ بحسب اطلاعي ـ بحثاً جدياً موضوعياً استقرائياً لحد الآن، بل المقدَّم في كتب الأعلام من الفريقين ما هو إلّا تكرارٌ للتراث التقليدي السائد في بحوث القرآن، ونقلٌ للمشهور المتناقَل على الألسن، فلا نرى دراسةً نقديّة شمولية تُسَلِّط الضّوء على النّقاط الغامضة والعالقة في ذلك، إذ لم يدرس أحدهم بعمقٍ الأمورَ التالية:

1. سبب التّهويل لدور زيد بن ثابت في جمع القرآن على عهد رسول الله (ص) وعلى عهد الخلفاء الثّلاثة.

2. التّهويل لعدد قتلى واقعة اليمامة.

3. ارتباط موضوع جمع القرآن بأمر الخلافة والإمامة لأهل البيت (ع).

4. أثرَ منهج عثمان في جمع القرآن على استمراريّة الاختلاف وديموميّته بين المسلمين في القرآن الكريم، من خلال تجويز عثمان للعرب عموماً ـ لا للصحابة فقط!! ـ تصحيح كتاب الله رسماً وقراءةً! بدعوى «أنّ فيه لحناً» ( ).

5. دعوى كتابة عثمان المصحف بشكل يحتمل كلّ الوجوه في القراءة.

6. الإصرار المتزايد على التعبّد برسم الخطّ العثماني الذي كتبت فيه المصاحف المرسلة إلى الأمصار، مع وجود الاختلاف فيما بينها، بل ادعاء أعلامهم بأنّ ذلك توقيف من قِبل الباري تعالى، وأنّ رسول الله كان قد أقرّه، فلا يجوز مخالفته، ومَن خالفه فهو كافرٌ وعليه الاستتابة ـ كما فعلوا بابن شُنْـبُوْذٍ ( ت 328 هـ) وغيره ـ ..

7. والأخطر من كل ذلك دعوى جمع القرآن المعصوم بيد خليفةٍ غير معصوم، فمدرسة أهل البيت لها المخرج من ذلك، فما المخرج للآخرين منه، وما هو دليلهم على حجية القرآن لو صحّ ما قيل؟

وأمثال ذلك عشرات المسائل التي ستقف عليها في خلال البحث.

فهم يذكرون دور الخلفاء الثّلاثة في جمع القرآن، نافين أو ناسين أو متناسين أو مقلّلين من شأن دور كبار قُرّاء الأُمّة في ذلك الجمع، أمثال: أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، وابن مسعود، ومُعاذ بن جبل، وأُبيّ بن كعب..

فلا تقف على باحثٍ في تاريخ القرآن قد أفرد فصلاً في موضوع ارتباط قضيّة جمع القرآن بأمر الخلافة بعد رسول الله (ص) مثلاً، بل يرى بعضهم أن دراسة هذه المسألة هو بحث طائفي يجب الابتعاد عنه، في حين أنه باعتقادي بحث اساسي يصب في صلب الموضوع، ومن خلاله يمكن أن نزيح اشكالية قديمة تثار بين الحين والآخر ضد المسلمين الشيعة، مع أنّ أصول هذه الفكرة موجودة في تراثهم الروائي والتاريخي، فلو تصفحت كتاب (المصاحف) للسجستاني مثلاً لوقفت على نصوص تؤكّد أنّ الإمام عليّ بن أبي طالب (ع) قد تخلّف عن البيعة وجلس في بيته وقد آلى على نفسه أن لا يخرج منه إلّا بعد أن يجمع القرآن ( ).

والعجب أنّ علماء مدرسة الصحابة والخلافة لو أشاروا إلى تلك الأخبار في كتبهم، فإنّهم يذكرونها لكي يضعّفوها لا لكي يؤيّدوها أو يدرسوها موضوعيّاً، فهي روايات ضعفوها ظلماً وزوراً مع أنها ليست بضعيفة بحسب معايير الرجال والدراية كما سيتضح لك ذلك لاحقاً.

كما أنّهم تناسَوا بيان دور الإمام علي وأولاده المعصومين (ع) في الحِفاظ على هذا المصْحَف وأن الموجود بين أيدينا هو مصحفه لا مصحف غيره، وأن الإمام أسند هذا المصحف ودعمه بالرغم مما قدّمه الخلفاء من أُسسٍ خاطئة في جمعه.

فلماذا تُضعَّف أخبار مِصْحف الإمام علي عندهم، مع أنّها مستفيضة إن لم نقل بتواترها؟ ( ) وعلى أي شيء يدلّ ذلك؟!

وإذا كان الإمام (ع) قد جلس في بيته لجمع القرآن، فهل هناك من مبرِّرٍ لجمع زيد بن ثابت القرآنَ تارةً أُخرى؟

بل لماذا سكت أبو بكر عن جلوس الإمام في بيته وقَبِل بتعليله، ولم يطلب منه احترام قراره؟! ولماذا قال بإيكال أمر جمع القرآن إلى زيد بن ثابت؟!

أليس في جمع الإمام (ع) ما ينفي الغرض من جمع زيد مرةً أُخرى؟ وأيُّ الجمعَين كان هو الأقدم، جمع الإمام بعد وفاة رسول الله (ص) مباشرةً، أم جمع أبي بكرٍ بعد واقعة اليمامة؟

وألا تحتمل معي أن يكون سبب سكوت أبي بكر عن امتناع الإمام وجلوسه في بيته هو علمه بوصيّة رسول الله (ص) للإمام عليّ بجمعه القرآن من خلف فراشه ( ) بعد وفاته (ع)؟

وإذا صحّ ما قالوه في جمع الشيخَين للقرآن، وكان أبو بكر هو أقرأ الناس بعد رسول الله (ص)، فلماذا لم يُقرَّر ما جمعوه في عهدهما ولم تُستنسَخ منه نُسَخ ـ أو يُعَمَّم ـ على الأمصار، ليكون قرآناً موحّداً للمسلمين ودستوراً للدولة؟ بل نرى عكس ذلك؛ حيث يبقى المصحف المجموع على عهدهما عملاً فرديّاً ـ وليس حكوميّاً ـ في بيت عمر عند حفصة ابنته، حتّى يأتي عثمان ويستنسخ منه نُسَخاً ثمّ يردّه اليها، ثم يأتي بعد ذلك مروان بن الحكم فيحرقه( )!

ولماذا يُرجِعه عثمان إلى حفصة ولا يحرقه ـ وهو الّذي أحرق مصاحف جميع الصحابة ـ، ثمّ يأتي مروان ـ بعد وفاة حفصة ـ ليحرق مصحفها وهو أجنبيٌّ عن القضية وليس بخليفة؟ إنّه سؤالٌ يبحث عن إجابة!

بل لماذا لم يجرُؤ الشيخان أن يُقِرّا ما جمعاه للمسلمين ويجعلاه (إماماً ( ))؟ هل لكونه ناقصاً وغير كامل، أم لعدم قبول المسلمين به؟

بل لماذا لم يظهرا ما جمعه زيد بن ثابت في عهد الشيخين وأظهراه في عهد عثمان، هل انتظروا موت الصحابة كي يظهروه؟

وإذا كانت مدة خلافة أبي بكر ( ) غير كافيةٍ لجمع القرآن، ففترة خلافة عمر ( ) كانت تكفي لجمعه لا محالة.

بل كيف أمكن لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) أن يجمع القرآن الـمُنزَل على رسول الله (ص) في ثلاثة أيامٍ ( ) أو سبعة ( )، ولم يمكن ذلك لأبي بكر في أكثر من أربعة وعشرين شهراً، أو لعمَر في أكثر من عشرة أعوام؟!

إنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) جمع القرآن ـ وللمرّة الثانية ـ مع تفسيره وتأويله ومحكمه ومتشابهه وناسخه ومنسوخه وعامّه وخاصّه في ستّة أشهر ( )، فكيف لا يمكن لأبي بكر أن يجمع القرآن المنزَل على رسول الله (ص) والمكتوب بيد الصحابة والمحفوظ عند كثير منهم في مدّةٍ هي أكثر من ضِعفَي مدّة الجمع الثاني من قِبل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ص)؟!

وهل يمكن أن يُعدّ عمل الإمام عليّ (ع) الثاني وترتيبه للقرآن ترتيباً زمنيّاً وتاريخيّاً وعلميّاً وبحسب التنزيل ـ مع إشارته إلى الناسخ والمنسوخ في الآيات وتعيينه للمحكم والمتشابه والعامّ والخاص وشأن النزول ـ تحريفاً للقرآن؟ أم أنّه قرآنٌ مع تفسيره وتأويله وليس غير ذلك؟ وقد شهد الآلوسي في (روح المعاني) قائلاً: «وقيل: كان جمعاً بصورةٍ أُخرى لغرضٍ آخر، ويؤيّده أنّه كتب فيه الناسخ والمنسوخ، فهو ككتاب علم» ( ).

إذن، النسخة الثانية من المصحف الشريف لأمير المؤمنين هي كتاب علمٍ وتفسير حسب تعبير الآلوسي الذي سبقه ابن سيرين قديماً، بقوله: لو أُصيب ذلك الكتاب لوُجد فيه علمٌ كثير ( ).

وعليه، فالنسخة الثانية للمصحف عند الإمام هي ليست بقرآن ذكر وتلاوة حتّى يُتصوَّر فيها التحريف.

بل ماذا تعني مسألة عرض القرآن كلّ عامٍ بين جبرئيل الأمين والصادق الأمين؟ وما هو الهدف منه؟ ولماذا لا يوضّح معناه في الكتب وبقي مغفولاً عنه لمدّة قرون؟ وهل حقّاً أنّ تفسيرنا الآتي هو الصحيح، أو أنّ هناك تفسيراً آخر لم نقف عليه؟

بل مَن هو الجامع لهذا المصحف الموجود بأيدينا اليوم؟ هل هو عثمان بن عفّان، أو أنّ هذا المصحف هو نفسه المصحف المرتّب من قِبل رسول الله أيام حياته والموجود خلف فراشه (ص)، والّذي جمعه ووحد شكله أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب بين الدفّتين؟

وهل حقّاً يصحّ ما قاله الأعداء عن الشيعة، من أنّهم ليس لهم سند صحيح إلى هذا القرآن؟ أم أنّ هذا المصحف المتلو اليوم صار مدوَّناً مكتوباً بفضل إمامهم أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب، الذي علّم أبا الأسود الدؤلي القراءة والنحو، وأوصل القرآن المتلوّ بالقرآن المكتوب؟

قد يكون جواب هذه الأسئلة وغيرها موجوداً في هذا الكتاب، وهو يخالف حقاً ما اشتهر على الألسن في سبب ذلك، ونحن قد وضّحنا في هذه الدراسة أُموراً كثيرة كان يُتصوّر تعارضها مع أُمورٍ أُخرى، في حين أنها في الواقع لا تتعارض معها، فلا تعارض بين وجود مصحفٍ بأيدي المسلمين وبين استمرار نزول الوحي على رسول الله (ص) وإمكان وقوع النسْخ في بعض الآيات النازلة عليه!

ومثله عدم وجود التضادّ في القول بأنّ ترتيب مصحف الإمام عليّ (المفسَّر) يختلف عن ترتيب المصحف (المجرّد)، لأنّ الأوّل كتاب علم، والثاني قرآن تلاوة وذكر.

أو أنّ الذهاب إلى عدم تواتر القراءات لا يضرّ بتواتر القرآن نفسه، إلى غير ذلك من البحوث المرتبطة بجمع القرآن وتدوينه.

في ضوء ما أسلفنا نستطيع القول: إنّ ما طُرح من آراءٍ وأسس في مسألة جمع القرآن من قِبل مدرسة الصحابة والخلافة، معظمها تسيء إلى الإسلام وقادته، وقد صار بعضها سبباً للقول بتحريف الكتاب العزيز من قِبل أعداء الدين، وقد تمسّك بها المستشرقون في دراساتهم، وإنّي من باب الحرص على الشريعة الغراء والدفاع عن المقدّسات والقيَم ـ وعلى رأس ذلك الدفاع عن القرآن الكريم ـ، شَمَّرْتُ عن ساعد الجدّ بتوضيح بعض ملابسات تلك الآراء السقيمة والمقدّمات الخاطئة الّتي فشت وشاعت بين المسلمين وتسللت إلى كتبهم، وبتوجيه من الحكومتَين (الأموية( ) والعبّاسية) ودورهما في تأسيسها، فسعيت أن أوضّح بأنّ تدرُّجهما في طرح تلك الأسس واحداً بعد الآخر، واستخدامهما بعض المقدِّمات المُمَوّهة فيها، وتأسيس أفكارٍ لا تتّفق والأُصول القرآنيّة والثوابت الحديثيّة والعقليّة عند المسلمين، كلها كانت للوصول إلى أهداف سوف نزيح عنها اللثام في فصول هذه الدراسة.

وأن تضارب تلك النصوص فيما بينها هي الّتي جعلت بعض الباحثين يشعرون بوجود التناقض والتضادّ بين الأُصول الإسلامية قرآناً وسنة وأن بعضها لا تتّفق مع الآخر.

ومما زاد اهتمامي بهذا الموضوع حينما رأيت علوق هذه الشبهة وأمثالها في أذهان بعض الباحثين المعاصرين، فقد سألني الدكتور الأمريكي (دايفد ب كوك David B. Cook, PH. D.) الأُستاذ المشارك في الدراسات الدينيّة في جامعة رايسي (RICE) ـ تكساس حين زيارته لي عام 2013 م / 1434 هـ في مدينة مشهد الإيرانية عن عدّة مسائل حول العقيدة والقرآن والتفاسير المعتمدة عند الشيعة ورؤيتنا حول الصحابة ومكانة نهج البلاغة عندنا، وكان ضمن المسائل الّتي طُرحت في ذلك اللقاء مسألةُ جمع القرآن وكيف يكون القرآن معصوماً (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ) وقد جُمع بيد غير المعصوم؟ فسألني أحد الحضور: ألا تحتمل أن يقع السهو والخطأ من قِبل الجامع للقرآن إن كان غير معصوم؟

فقلت: نعم صحيح، ويمكن وقوعه، ولا يُستبعَد، لكنَّ هذه الرؤية التي تقولها ليست رؤيتنا، بل هي رؤية مدرسة الخلافة التي لا نقبلها نحن ونكذّبها تبعاً لأئمّتنا، فنحن نعتقد بعصمة هذا القرآن وأنّه قد رُتّب بيد المعصوم (رسول الله)، وذلك بقرار من رب العالمين بواسطة جبرئيل الأمين المعصوم، ثمّ جمعه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب المعصوم بين الدفتين بعد رسول الله (ص).

لكنّ الآخرين ولأجل خلافهم مع الإمام حول الخلافة أعرضوا عن المصحف الاصل الموجود لدى الإمام علي ولم يطالبوه به، ولم يتخذوه مصحفا اماما بل الخلاف السياسي بعد رسول الله دعاهم أن يصروا على رسم أُصولٍ خاطئة وأن ينتهجوا منهجاً كاد أن يوقع المسلمين في تحريف القرآن، لكنّ الله صان كتابه من التحريف. فلم يسقط منه حرف (ألفٍ) ولا (لام) حسب تعبير الإمام علي( )، وذلك لأنّ رسول الله أقرأ الناسَ (القرآن) على مكث (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ )مع وجود المعصوم بينهم، فهما اللذان حفظا الكتاب العزيز من التحريف.

ويدل على ذلك خوف عمر من الزيادة في القرآن لاشتهاره بين الناس وقوله: لولا أن يقول الناس زاد عمر لأثبتته في بعض المصحف( ).

وقول زيد بن ثابت لعمر: فإن أنا فرغت من القرآن على ما سألتم وأظهر علي القرآن الذي ألفه أليس قد بطل ما قد عملتم( )، الى آخر الخبر، فهذان هما اللذان حفظا الكتاب العزيز من التحريف.

إذن، كلّ تلك المقدمات الخاطئة التي رُسمت من قبل مدرسة الخلافة ( ) قد سبّبت مشاكل للعقيدة الإسلاميّة، وهي الّتي تمسّك بها المغرضون من المستشرقين وغيرهم للتعريض بالدين الحنيف والقول بتحريف القرآن الكريم.

وقد ذكرتها على شكل نقاط في تمهيد هذه الدراسة، كي يكون الباحث على حيطةٍ وحذر من الأخذ بما يخالف ما يَرِد عن أهل بيت العصمة والطهارة (ع)؛ لأنّهم سفن النجاة، وأحد الثقلين اللّذَين قد أُمِرنا باتّباعهما، وأنّ في مخالفتهما الضلال بحسب تعبير الرسول الأعظم (ص) في حديث الثقلين: «إنّي تاركٌ فيكم الثقلين؛ كتاب الله‏ وعترتي أهل بيتي، ما إن أخذتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً» ( ).

وعليه، فالقول بأنّ زيد بن ثابت وأعوانه هم الّذين جمعوا القرآن بشاهدَين يستلزم منه عدم تواتر القرآن، بل عدم صحة كلام الباري ـ والعياذ بالله ـ القائل: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ وحيث أنّ القرآن الّذي بين أيدينا ـ وإن إختلفت القراءات فيه ـ لا ريب في تواتره عن النبيّ (ص) تواتراً قطعيّاً، فيكون القول بأنّ زيداً هو جامع القرآن باطلاً من أساسه.

واليك الآن بعض تلك المقدِّمات المموِّهة والخاطئة ـ الّتي طرحوها في أزمانٍ متقطّعة ولعللٍ خاصّة، والتي سبّبت مشاكل عقائدية للمسلمين، فهي بمجموعها ألْقت بين المسلمين فكرة نفي إشراف رسول الله (ص)‏ على جمع وترتيب القرآن ـ التي توصل إلى نتائج لا تحمد عقباها، فإني بتوضيحي لتلك المقدمات ـ مع بياني لشيءٍ من النقد لها، من دون رعاية الترتيب الزمني بينها ـ سأسعى لتجسيمها، مبيناً كيفية اختلاقُها، وآثارها السلبية على الشريعة والعقيدة، وكيفية استغلال الأعداء لها.

ثم آتي بعد ذلك بالرؤية التصحيحيّة لمدرسة أهل البيت (ع) لأؤكد عدم ارتضائهم لتلك الأفكار، وتصحيحهم لما طرحوه، لأنّ من منهج أهل البيت تصحيح الأفكار الخاطئة وخصوصاً التي أخذ بها الناسُ تبعاً ومجاراة لحكّامهم في العصور المتأخّرة، تاركاً للمطالع الكريم الحكم لنا أو علينا، أو الأخذ بما قالوه في جمع القرآن أو بما قلناه. وفي الختام أشكر الأخ سمير الكرماني لضبطه نصوص الكتاب وإعداده فهارس المصادر سائلاً سبحانه أن يتقبل منا هذا القليل، والله من وراء القصد.

المؤلف

الجمعة 15 شعبان  1435 هـ