الدلائل المكية في عقائد الإمامية

الدلائل المكية في عقائد الإمامية

تـاليف

محمد علي بن أحمد بن علي العاملي المكي

تحقيق

الشيخ عبد الحليم عوض الحلي
 

مقدمة المحقق

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين ، بارئ الخلائق أجمعين ، ثمّ الصلاة وأتمّ التسليم على خير البريّة محمّد المصطفى وعلى آله الطيّبين الطاهرين .

لعلّه يخطر في بال الإنسان عن دور العقيدة في حياة الإنسان وما هي فائدة دراسة الكتب الكلاميّة ، بل ما هي فائدة إحياء ما كُتب في المباحث العقائديّة ؟

نقول في الجواب : إنّ نظرة الإنسان إلى الخالق وإلى الكون ، بل إلى نفسه وإلى جميع ما حوله له دور كبير في سلوكه وفي كيفيّة انتخاب طريق معيشته ، فلا تتصوّر أن يتحرّك إنسان نحو عملٍ ما إلاّ ويكون محرّكه الأصلي الاعتقاد وما التزم به من أفكار ، فالعقيدة هي التي تحرّك الإنسان نحو تحمّل الأعمال الشاقّة ، والعقيدة هي التي تجعل الإنسان خاملاً كَلاًّ على مولاه ، والعقيدة هي التي تجعل هذا الإنسان يختار طريق الدراسة وذاك ينتخب طريق التجارة ، وذاك ينتخب طريق السرقة والاحتيال ، وغير ذلك من طرق الكسب والارتزاق .

وعلى أيّ حال فالإنسان المعتقد أنّ لهذا الكون خالقاً ، وأنّ بعد الحياة الدنيا مماتاً ، وبعد الممات جزاء تراه يسلك سلوكاً معيناً في علاقاته الاجتماعيّة يختلف عمّن لا يعتقد بذلك ، فسلوك هذا الإنسان أجنبي عن سلوك ذاك ، ولا يرجع سبب الاختلاف إلاّ لاختلاف العقائد والأفكار كما عرفت .

وهكذا ترى أنّ الذي يعتقد أنّ النبيّ المصطفى صلى ‏الله ‏عليه ‏و‏آله والذريّة المكرّمة الطاهرة عليهم‏السلام أحياء يُرزقون يَسمعون كلام الزائر لهم ويرون مقامه ويردّون سلامه ، ترى هذا الإنسان يقطع المساقات البعيدة في سبيل الوصول إلى ذلك المكان المشرّف والتحدّث مع المعصوم عليه‏السلام وطلب الحاجة والشفاعة منه عند اللّه‏ تعالى . وأمّا من لا عقيدة له بذلك أو له عقيدة تخالف هذا المعتقد تراه يُسَفّه ما قام ويقوم به المتديّنون ، بل أحياناً يقف أمام هذه الأعمال العباديّة مطابقة لما يملي عليه معتقده وهواه .

هذا ويستفاد من بعض الروايات الظاهرة في تجسّم عقائد وأعمال الإنسان في القبر والمحشر أنّ العقيدة السالمة والرأي الحسن تشفع لصاحبها في القبر وتتمثل له بصورة رجل حسن الوجه والعكس بالعكس ، ففي الخبر عن أبي عبد اللّه‏ عليه‏السلامأنّه يأتي الإنسان في قبره رجلٌ لم تَرَ عيناه شيئاً قط أحسن منه ، فيقول الميّت : يا عبد اللّه‏ ما رأيت شيئاً قط أحسنَ منك فيقول : أنا رأيك الحسن الذي كنت عليه ، وعملك الصالح الذي كنتَ تعمله .

وفي مقابل ذلك إذا دخل الإنسان الكافر القبر يأتيه رجل قبيح المنظر فيقول الميّت له : يا عبد اللّه‏ من أنت ؟ فيقول له : أنا عملك السيء الذي كنت تعمله ورأيك الخبيث .

وعلى هذا فاللازم على الإنسان أن يراعي معتقداته وأن يفهم سببها ومنشأها ، وأن يدقق في صحّة المقدّمات التي أوصلته إلى هذا المعتقد ، وهل أخذها من منبع صافٍ أو كَدِر ، فإنّ المعلوم عند أهل المنطق أن نتائج القياس تابعة للمقدّمات ، وكلّما كانت المقدّمات صحيحة صافية خالية من الشكّ والريب كانت النتيجة كذلك .

المؤلّف في سطور

ممّا يؤسف له أنّنا لم نعثر على ترجمة لهذا العالم الجليل، والذي يظهر من كتابه هذا تسلّطه في عرض الأدلّة على المسائل الكلاميّة ، وقوة احتجاجه على الخصم في بيان الإيرادات النقضية وإلزامهم بما ورد في كتبهم وصرّح به علماؤهم .

وعلى أيّ حال فهو ـ كما جاء في أوّل هذا الكتاب ـ محمّد علي بن أحمد بن علي بن أحمد العاملي المكّي .

نسبه

وأمّا العاملي فالظاهر أنّه نسبة إلى جبل عامل المعروف الآن في لبنان ، والظاهر أنّ هذه التسمية قديمة ، فقد كان الاسم الأوّل جبال بني عاملة ثمّ اختصر إلى جبال عاملة ، ثمّ زيد اختصاراً إلى جبل عاملة ثمّ استقرّ على جبل عامل .

وقد لحقته التسمية الأولى لأنّ قبيلة عربيّة يمانيّة هاجرت إليه فيمن هاجر من قبائل اليمن فاستقرّت فيه ، وكان اسم القبيلة بني عاملة ، وأمّا عاملة فهو عاملة بن سبأ الذي تفرّق أولاده لما أرسل اللّه‏ سيل العرم كما أخبر عنه القرآن الكريم في البلاد فهبط عاملة هذه الجبال وسكنها وبقيت ذريّته فيها .

وقيل : اسم عاملة الحرث بن عفير ، وقيل : إنّ عاملة اسم امرأة ، وهي عاملة بنت مالك بن وديعة بن قضاعة كانت تحت الحارث بن عدي من ولد سبأ فنسب ولده إليها .

ويسمّى أيضاً جبل الجليل وجبل الخيل ، وهو اسم لصقع واسع يتراوح عرضه بين ستّة فراسخ وثمانية أو أكثر ، وطوله نحو اثني عشر فرسخاً مشتمل على عدّة قرى ومدن وكلّه معمور ليس فيه خراب .

زمانه

من المعلوم أنّ المثبت في آخر مخطوطة هذا الكتاب أنّ تاريخ كتابتها في العُشر الثاني من شهر رمضان المبارك من السنة الثامنة بعد المائة والألف من الهجرة النبويّة المشرّفة .

وهذا يعني أنّ المؤلّف محمّد علي بن أحمد بن علي بن أحمد العاملي من علماء ذلك الزمان أو أنّه قد توفي قبل ذلك الزمان.

كتابه الآخر

كما أنّنا من خلال عملنا في هذا الكتاب عثرنا على عنوان آخر من مؤلّفاته رحمه‏الله أشار إليه في ذيل الحديث الأوّل المرتبط ببحث الإمامة قائلاً : وقد أنهينا زبدة الكلام في هذا المقام في كتابنا الموسوم بـ «مقالات الألباب في قمع النصاب» وكما يظهر من عنوانه أنّه متخصّص في الردّ على منكري فضائل أهل بيت النبوّة والعصمة صلوات اللّه‏ عليهم ، معتمداً في ذلك بيان الأدلّة المفحمة لناصبي العداوة لأهل البيت عليهم‏السلام

اسم الكتاب

صرّح المؤلّف في مقدّمة الكتاب باسم الدلائل المكيّة في عقائد الإماميّة .

وقال العلاّمة الطهراني في الذريعة : الدلائل المكيّة في العقائد الدينيّة للشيخ محمّد علي بن أحمد بن علي العاملي المكّي في إثبات الإمامة ، أوّله : الحمد للّه الذي منّ على العباد بوجوب معرفته ، نسخة منه كتابتها سنة 1108 هجريّة في قم عند الشيخ رجب علي النيشابوري نزيل قم .

ونحن نقول : المتصفّح لمطالب هذا الكتاب والناظر لفهرسه يرى أنّ المصنّف رحمه‏الله اختار بعض المسائل المرتبطة بأصول الدين مثل مسائل صفات اللّه‏ تعالى وأفعال الإنسان والجبر والاختيار ، وغيرها ممّا يرتبط ببحث النبوة ، ولما وصل المصنّف إلى بحث الإمامة اعتمد في بحثه على نقل أربعين حديثاً من العامّة والخاصّة مستدلاً بها على إمامة أمير المؤمنين عليه‏السلام وأحقيته بهذا المنصب الإلهي الخطير .

وأتبع ذلك بخاتمة في مباحث الرجعة والمتعة والمسائلة وغير ذلك ، معنوناً كلّ بحث بعنوان دليل ـ دليل فصار المجموع الدلائل المكيّة في عقائد الإماميّة .

ويظهر من هذا الكتاب أنّ المصنّف العاملي رحمه ‏الله كان على اتّصال مع العامة ، ويظهر أيضاً أنّ روح السؤال والجواب كانت مفتوحة بين المذاهب ، وأنّ سبب تأليف هذا الكتاب اجتماعه مع رجل من أهل الخلاف ، فجال معه في مسائل عديدة كما صرّح في مقدّمة هذا الكتاب .

كما أنّه صرّح أنّ كلامه كان جواباً عن سؤال ، فمثلاً افتتح دليل بطلان الشريك بقوله : سألني رجل من العامّة ، هل اللّه‏ قادر أن يخلق مثله ويكون شريكاً له ؟

وبعد صفحات من البحث قال : وسألني بعض العامّة ، هل اللّه‏ قادر على خلق الصاحبة وغير ذلك من الممتنعات ؟

وذكر في مبحث دليل العدل قوله : سألني رجل من أهل الخلاف عن الأعمال الصادرة من المكلّف ، هل هي من الروح أم من الجسد ؟

وذكر في مبحث دليل السهو قوله : اعلم أيّها الأخ إنّا تذاكرنا مع مخالفينا في العصمة وسهو الأنبياء ...

إلى غير ذلك من الموارد الكاشفة عن تحقق أرضية السؤال والجواب والنقاش مع العامّة في المسائل الكلاميّة في ذلك العصر .

وصف النسخة

اعتمدنا في تحقيق هذا الكتاب على نسخة فريدة أتحفني بها سماحة السيّد حسين البروجردي ، وإليك هويّتها :

العنوان : الدلائل المكيّة في عقائد الإماميّة .

الموضوع : علم الكلام .

اللغة : العربيّة .

اسم الناسخ : محمّد رضا الكاظميني .

تاريخ النسخ : العشر الثاني من شهر رمضان من سنة 1108 هجريّة .

اسم المكتبة : مكتبة الشيخ رجب علي النيشابوري في قم ، وهي الآن في مؤسسة آية اللّه‏ البروجردي في قم ش : 517 .

عدد الصفحات : 157 صفحة .

عدد الأسطر : 15 سطر في كلّ صفحة .

مكان النسخ : إصفهان .

الملاحظات : نسخة فريدة ، جيّدة الخط ، بخطّ النسخ ، كاملة لها بداية ونهاية .

طريقة التحقيق

قد عرفت فيما سبق أنّنا اعتمدنا في تحقيق هذا الكتاب على نسخة واحدة تقدّم بيان مواصفاتها ، وقد كانت مراحل العمل كالآتي :

1 ـ تقطيع النصّ إلى فقرات ومقاطع وتزيينه بالفوارز ، مع إضافة بعض العناوين المناسبة وجعلها بين معقوفتين .

2 ـ استخراج الآيات الشريفة من المصحف الشريف وجعلها بين قوسين مزهّرين .

3 ـ استخراج الروايات الشريفة من مصادرها ، واتبعنا الأقدم فالأقدم إن لم نحصل على المصدر المصرّح به ، مع مقابلتها وتثبيت الفرق إن وجد .

4 ـ استخراج أقوال أصحاب المذاهب الكلاميّة والفلسفيّة من أهمّ مصادرها .

5 ـ شرح وتوضيح المصطلحات الكلاميّة والفلسفيّة توضيحاً يتناسب مع رفع الغموض عن المتن، مع إضافة تراجم بعض الأعلام الوارد ذكرهم فيثنايا الكتاب.

6 ـ مقابلة المخطوط مع المطبوع بالآلة الكاتبة (الكمبيوتر) حذراً من السقط والاشتباه الإملائي وقد ساعدنا في ذلك سماحة السيّد خالد الموسوي .

7 ـ تقويم النصّ وضبطه وبعد ذلك المراجعة النهائيّة والتدقيق في تناسق الكتاب وإزالة ما زاغ البصرعنه في المراحل السابقة .

وفي الختام أحمد اللّه‏ تعالى أن وفّقني لإخراج هذا الكتاب وتقديمه بين يدي القرّاء الكرام بهذا الشكل ، وأسأله أن يتقبّل منّا هذا اليسير وأن يوفّقنا ويوفّق المشتغلين في إحياء تراث الاُمّة الإسلاميّة للحركة بخطوات أوسع وأدقّ من أجل إظهار كنوز هذه الأمّة وإحياء تراثها المجيد .

ولا يفوتني أن أتقدّم بجزيل الشكر والامتنان للسيّد حسين البروجردي الذي هيّأ النسخة ، ووضعها تحت أيدينا لإخراجها بهذه الصورة الجميلة .

كما لا ننسى فضل الأخوين السيّدين محمّد وعلي المعلّم الدائبين في طباعة وتصحيح وتحقيق تراث أهل البيت العصمة عليهم‏السلام .

وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين ، وصلّى اللّه‏ على سيّد الرسل أجمعين محمّد وعلى آل بيته الطيّبين الطاهرين .

عبد الحليم عوض الحلّي

13 رجب المرجّب 1433 ـ مشهد المقدّسة

 

مقدمة المؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه الذي مَنّ على العباد بوجوب معرفته ، وقرنها بمعرفة أنبيائه وحججه ، وصلّى عليهم وملائكته ، وكمّلها بعبادته وطاعته ، وأودعها قلوبَ أهل مودّته ومحبّته ، وشرّفهم على سائر بريّته ، وأكرمهم بالجزيل من منّته ، وخصّهم بكرامته ، وابتلاهم بما لم يبتل به أحداً من خليقته ، خلق لهم الخير وابتلاهم به ، ونهاهم عن معصيته ، كلّ ذلك ليختبرهم في أحكامه وشريعته ، وبيّنَ لهم ما جهلوا من إتقان قدرته ، وبديع صنيعه وفطرته ، وأودع في أنفسهم عجائبَ ما لا يعلمون . وقال تعالى : « وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ » ، وقال تعالى : « وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ » .

وأشار إلى نبيّه العظيم بقوله : « لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ » ، وقوله تعالى : « يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ » .

وقال تعالى لنبيّه : « وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ » .

وقال تعالى : « وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ » .

وفي هذه الآيات إشاراتٌ ورموزٌ وأسرارٌ لمن تنبّه ، فإنّ مَن عَرَفَ نفسه فقد عرفَ ربّه ، فالإنسان مَظهرُ عجائب الخلاّق العظيم ، ومنبع أسرار الربّ الكريم .

وبعد : فيقول الفقير إلى اللّه‏ الغنيّ محمّد علي بن أحمد بن عليّ بن أحمد العاملي المكّي : دعاني فكري الفاتر ، وفهمي القاصر ، أن أجمع لإخواني جواهرَ ما خَطَرَ في الخاطر ، واعتقده ضمير ما في الباطن والظاهر ، لأبرّ به البارّ منهم وأذلّ به عدوّهم الفاجر ، مستمدّاً من ربّي القادر أن يكون لي ولهم ناصر ، يوم تُبلَى السرائر . وسمّيتها :

* الدلائل المكيّة في عقائد الإماميّة *

ورتّبتها على ثلاثة أشياء : مقدّمة ، ودلائل ، وخاتمة .