معراج اليقين في شرح نهج المسترشدين في أصول الدين

معراج اليقين في شرح نهج المسترشدين في أصول الدين

تـاليف

الشيخ محمد بن الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي - الملقب بـ (فخر المحققين)

تحقيق

طاهر السلامي

كلمة المحقق

بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد:

إنّ العلوم بأسرها شريفة الذكر، عظيمة القدر، كما ورد في الأخبار النبويّة والآيات القرآنية، لكنّها تتفاوت بحسب تفاوت المعلومات، وتتفاضل بحسب تفاضل المتعلّقات، ولا شكّ أنّ أهم العلوم وأعظمها وأعلاها منزلة هو علم الكلام المقرّر لإثبات واجب الوجود وبيان صفاته، الذي تفنّن به علماؤنا المتقدّمون تدويناً وشرحاً، على عكس ما انتهجه المتأخّرون.

وسعياً منّا لإحياء بعض ما دوّنه أولئك الأوّلون في هذا المنهج من الفكر الكلامي الإسلامي، وإيصاله إلى الطلبة الراغبين في هذا العصر، وحتّى تبقى شعلة هذا العلم وقّادة يستضيء بها عشاق الحقيقة والمعرفة، واستكمالاً لما قدّمناه سابقاً من تحقيق بعض ما كُتب في هذا المجال، وخصوصاً ما يرتبط بفكر العلاّمة ابن المطهّر الحلّي (ت726هـ)، عملنا على إخراج وتحقيق هذا الكتاب المسمّى بـ(معـراج اليقين في شرح نهج المسترشديـن في أُصول الـدين) لولـد العلّامة ابن المطهّر، المعروف بـ(فخر المحقّقين)، وتقديمه بين يدي طلاب هذا الفنّ من العلوم.

اسم المؤلف:

الشيخ فخرالدين أبو طالب محمد ابن الإمام العلامة جمال الدين الحسن ابن يوسف بن علي بن المطهر الحلي (رض)، الملقب بـ(فخر المحققين).

مولده:

ولد الشيخ المصنّف بمدينة الحلّة في ليلة الاثنين، ليلة العشرين من جمادى الأُولى سنة (682) من الهجرة النبويّة الشريفة.

نشأته ودراسته:

كانت تربيته ونشأته العلمية على يد أبيه العلاّمة أبي منصور الحسن بن يوسف بن علي بن المطهّر الحلّي (رض)، فتربّى في حجر أبيه، واشتغل عنده بتحصيل مختلف العلوم العقلية والنقلية، كما صرّح هو بنفسه في كتابه (شرح خطبة القواعد)، بقوله: «إنّي اشتغلت عند أبي بتحصيل العلوم من المعقول والمنقول، وقرأت عليه كُتباً كثيرة من كُتب أصحابنا...».

وكفى به فخراً أن يحظى بشرف الاكتساب العلمي والنشأة التربوية على مثل هذا الأُستاذ والمربّي؛ فكان من ثمرات هذه التربية أن تمكّن هذا التلميذ وبحكم نبوغه، وعظيم استعداده، أن ينال مرتبة الاجتهاد السّامية وقد بلغ العاشرة من عمره الشريف، حيث ورد في كتاب (روضات الجنّات) ما نصّه: «نقل الحافظ من الشافعية في مدحه: أنّه رآه مع أبيه في مجلس السلطان محمّد الشهير بـ(خدابنده)، فوجده شاباً عالماً فطناً مستعدّاً للعلوم، ذا أخلاق مرضية ربّي في حجر تربية أبيه العلاّمة، وفي السنة العاشرة من عمره الشريف فاز بدرجة الاجتهاد».

وقد جمع المعقول والمنقول، وقرأ على والده كتباً كثيرة من الأصحاب. وحُكي في ذكائه وفطنته: أنّ والده العلاّمة قال للسلطان خدابنده عندما سأله عن وضوئه للصلاة قبل وقتها وقد اعتاد على ذلك زمان: «أعد كلّ صلاة صلّيتها على ذلك»، ودخل عليه بعد ذلك فخر المحقّقين، فسأله السلطان أيضاً عن تلك المسألة، فقال له: «أعد صلاة واحدة، وهو أوّل صلاتك على ذلك الحال، وذلك أنّك لمّا توضّأت لها قبل دخول وقتها وصلّيتها بعد دخوله كانت فاسدة، فصارت ذمّتك مشغولة بتلك الصلاة، فكلّما توضّأت بعد تلك الصلاة كان وضوؤك صحيحاً بقصد استباحة الصلاة، لأنّ ذمّتك مشغولة بحسب نفس الأمر»؛ واستحسن العلاّمة هذا القول، ورجع عن قوله إلى قول ولده.

مكانته العلمية وما قيل فيه:

كان شيخنا المؤلّف محظيّاً عند والده العلاّمة بمكانة خاصّة ومنزلة علمية رفيعة، طالما أشاد بها العلاّمة بمقامات عدّة في كتبه، ومن ذلك:

ما قاله في كتابه: (تذكرة الفقهاء): «أمّا بعد، فإنّ الفقهاء هم عمدة الدين، ونقلة شرع رسول ربّ العالمين... وقد عزمنا في هذا الكتاب الموسوم بـ(تذكرة الفقهاء) على تلخيص فتاوى العلماء... إجابة لالتماس أحبّ الخلق إليَّ، وأعزّهم علَيَّ، ولدي محمّد، أمدّه الله تعالى بالسعادات، ووفّقه لجميع الخيرات، وأيّده بالتّوفيق، وسلك به نهج التحقيق، ورزقه كلّ خير، ودفع عنه كلّ شرّ، وآتاه عمراً مديداً سعيداً، وعيشاً هنيئاً رغيداً، ووقاه الله كلّ محذور، وجعلني فداه في جميع الأمور»( ).

وقال في (قواعد الأحكام): «أمّا بعد، فهذا كتاب (قواعد الأحكام في معرفة الحلال والحرام)، لخّصت فيه لبّ الفتاوى، وبيّنت فيه قواعد أحكام الخاصّة، إجابة لالتماس أحبّ الناس إليَّ، وأعزّهم علَيَّ، وهو الولد العزيز محمّد...»( ).

وقال في (إرشاد الأذهان): «أمّا بعد، فإنّ الله تعالى كما أوجب على الولد طاعة أبويه، كذلك أوجب عليهما الشّفقة عليه، بإبلاغ مراده في الطاعات، وتحصيل مآربه من القربات، ولمّا كثر طلب الولد العزيز محمّد ـ أصلح الله له أمر داريه، ووفّقه للخير، وأعانه الله عليه، ومدّ الله له في العمر السّعيد، والعيش الرغيد ـ لتصنيف كتاب يحتوي النكت البديعة. فأجبت مطلوبه، وصنّفت هذا الكتاب الموسوم بـ(إرشاد الأذهان)» ( ).

وقال في (الألفين): «أمّا بعد، فإنّ أضعف عباد الله تعالى الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلّي، يقول: أجبت سؤال ولدي العزيز محمّد ـ أصلح الله له أمر داريه، كما هو برّ بوالديه، ورزقه أسباب السعادات الدنيوية والأُخروية، كما أطاعني في استعمال قواه العقليّة والحسّية، وأسعفه ببلوغ آماله كما أرضاني بأقواله وأفعاله، وجمع له بين الرئاستين، كما أنّه لم يعصني طرفة عين ـ من إملاء هذا الكتاب الموسوم بـ(كتاب الألفين)» ( ).

وقد أطراه جمع كثير من العلماء المتقدّمين والمتأخّرين في كتبهم وإجازاتهم..

منهم تلميذه الأعظم الشهيد الأوّل، في إجازته للشيخ شمس الدين ابن نجدة، أثنى عليه بقوله: «الشيخ الإمام سلطان العلماء، منتهى الفضلاء والنبلاء، خاتمة المجتهدين، فخر الملّة والدين، أبو طالب محمّد ابن الشيخ الإمام السعيد جمال الدين ابن المطهّر، مدّ الله في عمره مدّاً، وجعل بينه وبين الحادثات سدّاً»( ).

وقال تلميذه الآخر السيّد الجليل تاج الدين بن معية الحلّي في إجازته: «مولانا الشيخ الإمام العلاّمة، بقية الفضلاء، أنموذج العلماء، فخر الملّة والحقّ والدين، محمّد ابن المطهّر، حرس الله نفسه، وأنمى غرسه»( ).

وقال تلميذه الأجلّ السيّد حيدر الآملي صاحب (المسائل الحيدرية) التي سألها عن فخر المحقّقين في أوّل المسائل: «هذه مسائل سألتها عن جناب الشيخ الأعظم، سلطان العلماء في العالم، مفخر العرب والعجم، قدوة المحقّقين، مقتدى الخلائق أجمعين، أفضل المتأخّرين والمتقدّمين، المخصوص بعناية ربّ العالمين، الإمام العلاّمة في الملّة والحقّ والدين، ابن المطهّر، مدّ الله ظلال أفضاله، وشيّد أركان الدين ببقائه»( ).

وأطراه ابن أبي جمهور الأحسائي في كتابه (غوالي اللئالي)، بقوله: «أُستاذ الكلّ، الشيخ العلاّمة، والبحر القمقام، فخر المحقّقين»( ).

ووصفه العلاّمة الكركي في إجازته لسميّه الميسيّ: «الشيخ الإمام الأجلّ، العلاّمة على التحقيق والتدقيق، مهذّب الدلائل، منقّح المسائل، فخر الملّة والحقّ والدين أبي طالب محمّد بن المطهّر»( ).

وأيضاً في إجازته للشيخ أحمد بن أبي جامع العاملي: «الشيخ الأجلّ، الفقيه الأوحد، قدوة أهل الإسلام، فخر الملّة والحقّ والدين»( ).

وقال عنه التفريشي في (نقد الرجال): «وجه من وجوه هذه الطائفة وثقاتها وفقهائها، جليل القدر، عظيم المنزلة، رفيع الشأن، حاله في علوّ قدره، وسموّ مرتبته، وكثرة علومه أشهر من أن يذكر»( ).

وقال صاحب (روضات الجنات): «زين المجتهدين، وسيف المجتلدين، شيخنا الغالب: أبو طالب محمّد ابن العلاّمة المطلق جمال الدين حسن بن يوسف بن المطهّر الحلّي، الملقّب عند والده بفخر الدين، وفي سائر مراصده وموارده بفخر المحقّقين، ورأس المدقّقين»( ).

وقال المحدّث القمّي: «فخر الدين، وفخر المحقّقين، هو: الشيخ الأجلّ العالم، وحيد عصره، وفريد دهره، أبو طالب محمّد، وجه من وجوه هذه الطائفة، جليل القدر، عظيم المنزلة، رفيع الشأن، كثير العلم، (وحيد عصره، فريد دهره)، جيّد التصانيف»( ).

وقال عنه معاصره ابن الفوطي: «فخر الدين، أبو الفضائل محمّد بن جمال الدين الحسن بن يوسف بن المطهّر الأسدي الحلّي، الفقيه الحكيم الأُصولي»( ).

أساتذته وتلامذته:

كلّ من ترجم لشيخنا المصنّف ذكر أنّ معظم قراءته كانت على والده العلاّمة(رحمه الله)، وقيل أيضاً أخذه عن عمّه الشيخ رضيّ الدين علي بن يوسف ابن المطهّر الحلّي( )، صاحب كتاب (العدد القوّية).

وأمّا تلامذته: فقد روى عنه جماعة من المشايخ، منهم:

1ـ الشيخ محمّد بن جمال الدين المكّي العاملي، المعروف بالشهيد الأوّل (ت786هـ).

2ـ ابن خالته، السيّد نظام الدين عبد الحميد بن مجد الدين أبي الفوارس محمّد بن علي [بن] الأعرج الحسيني الحلّي (ق8هـ).

3 ـ ولده ظهير الدين محمّد بن محمّد بن حسن بن يوسف بن المطهّر، توفي في حياة والده.

4 ـ السيّد نجم الدين مهنا بن سنان الحسيني المدني، صاحب المسائل الأُولى والثانية (ت726هـ).

5 ـ السيّد النقيب محمّد بن القاسم بن الحسين بن معيّة الحلّي الحسني الدّيباجي (ت776هـ).

6 ـ الشيخ العالم المتكلّم علي بن يوسف بن عبد الجليل النيلي، كان حيّاً حتّى سنة (775هـ).

7 ـ السيّد حيدر بن علي الآملي، صاحب (المسائل الحيدرية)، و(الكشكول) (ت782هـ).

8 ـ السيّد بهاء الدين علي بن غياث الدين عبد الكريم النيلي النجفي (ت801هـ).

9 ـ الشيخ فخر الدين أحمد بن عبد الله بن سعيد بن المتوّج، المعروف بـ(ابن المتوّج البحراني) (ت820هـ).

10 ـ الشيخ نظام الدين عليّ بن عبد الحميد النيلي، من مشايخ ابن فهد الحلّي (ت841هـ).

11 ـ عزّ الدين الحسن بن أيّوب بن نجم الدين الأعرج الأطراوي العاملي.

12 ـ السيّد الحسن بن عبد الله بن محمّد بن علي الأعرج الحسيني.

13 ـ الفاضل المحدّث بدر الدين حسن بن نجم الدين المدني.

مصنفاته وآثاره العلمية:

ذُكرت للشيخ فخر المحقّقين (رض) في كتب التراجم عدّة مؤلّفات، وهي:

1ـ أجوبة مسائل السيّد مهنا بن سنان المدني.

2ـ إيضاح الفوائد في حلّ مشكلات القواعد ـ لوالده العلاّمة ـ في الفقه، مطبوع في أربع مجلّدات.

3ـ حاشية الإرشاد ـ لوالده العلاّمة ـ في الفقه.

4ـ الرسالة الفخرية في معرفة النيّة ـ في الفقه ـ مطبوع.

5ـ شرح خطبة القواعد المسمّى بـ(جامع الفوائد)، مطبوع.

6ـ شرح كتاب تهذيب الأصول ـ لوالده العلاّمة ـ المسمّى بـ(غاية السؤول في شرح تهذيب الأصول).

7ـ شرح كتاب مبادئ الأصول ـ لوالده العلاّمة ـ .

8ـ الكافية الوافية في الكلام.

9ـ المسائل الحيدرية، ألّفها لأحد تلاميذه، الأجلّ السيّد حيدر الآملي.

10ـ معراج اليقين في شرح نهج المسترشدين في أُصول الدين، هذا الكتاب.

وفاته ومدفنه:

توفّي (رحمه الله) ليلة الجمعة الخامس عشر من شهر جمادى الأُخرى سنة (771هـ)، فيكون بذلك عمره الشريف تسعاً وثمانين عاماً تقريباً.

وفي خصوص محلّ دفنه، فلم يتعيّن موضعه بالضبط، غير انّ الفاضل المتتبّع الخبير الأغا موسى الموسوي الزنجاني ـ نزيل قم ـ نقل عن ظهر نسخة خطّية من (القواعد) بخطّ جعفر بن محمّد العراقي، الذي فرغ من كتابة الجزء الأوّل منه في يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من رمضان المعظّم من شهور سنة ستّ وسبعين وسبعمائة [أي: بعد وفاة الفخر بستّ سنين] ما هذا لفظه: «زار الشهيد قبر فخر المحقّقين، وقال: أنقل عن صاحب هذا القبر، بنقل عن والده: أنّ من زار قبر أخيه المؤمن وقرأ عنده سورة القدر سبعاً، وقال: اللّهمّ جاف الأرض عن جنوبهم، وصاعد إليك أرواحهم، وزدهم منك رضواناً، وأسكن إليهم من رحمتك ما تصل به وحدتهم، وتؤنس به وحشتهم، إنّك على كلّ شيء قدير. آمن الله من الفزع الأكبر القارئ والميت»( ). ممّا ينبئ عن معروفية قبره آنذاك، وإن انمحت آثاره ولم يتبيّن موضعه في وقتنا الحاضر.

كتاب العلاّمة (نهج المسترشدين) وشروحه:

(نهج المسترشدين في أُصول الدين) كتاب كلامي درسي مختصر صنفه العلاّمة (رض) بالتماس من ولده فخر المحقّقين ـ مصنّف هذا الكتاب ـ رُتب على ثلاثة عشر فصلاً، لخصّ فيه المباحث الكلامية، حيث صرّح العلاّمة ابن المطهّر الحلّي (رض) في أوّله قائلاً:

«فهذا كتاب (نهج المسترشدين في أصول الدين) لخصّت فيه مبادئ القواعد الكلامية، ورؤوس المطالب الأُصولية، نفع الله تعالى به طلّاب اليقين، إنّه خير موفّق ومعين.

إجابةً لسؤال الولد العزيز (محمّد) أيّده الله تعالى بعنايته، ووفّقه للخير وملازمة طاعته، وأمدّه بالعنايات الربّانية، وأسعده بالألطاف الإلهية».

وقال عنه ابن أُخت العلّامة وتلميذه السيد عبدالمطّلب الحسيني الحلّي، في شرحه (تبصرة الطالبين): «وكان شيخنا الأعظم، وإمامنا المعظّم.. أبي المظفّر يوسف بن المطهّر، أعزّ الله سائر الإسلام والمسلمين بطول بقائه، ونصر قواعد الدين بدوام عُلائه، قد صنّف كتباً متعدّدة في هذا الفنّ من المطوّلات والمختصرات، وكان من جملتها مختصره الموسوم بـ(نج المسترشدين في أُصول الدّين)، قد احتوى من مسائل علم الكلام على أجلّها وأعلاها، وانطوى من مباحثه على أشرفها وأسناها، بعبارةٍ مجرّدة، وألفاظٍ مختصرة، أحببت أن أُصنّف له شرحاً...» ( ).

وقال عنه ابن أُخت العلاّمة وتلميذه السيّد عبدالحميد الحسيني الحلّي، في شرحه (تذكرة الواصلين): «ثمّ إنّي لمّا رأيت شيخنا الأعظم، وإمامنا الأكرم، وسيّدنا الوحيد، ورئيسنا الفريد... قد صنّف كتاباً في علم الكلام، حاوياً لجميع مسائله الدقيقة، مشتملاً على أبحاثه العميقة، مع كونه قد بلغ في الإيجاز إلى الغاية، وتجاوز في الاختصار إلى النهاية، المسمّى بـنهج المسترشدين في أصول الدين. فأحببت أن أصنّف له شرحاً كاشفاً لحقائقه، وموضحاً لدقائقه، على سبيل الإيجاز والاختصار، وحذف التطويل والإكثار...»( ).

وعرّفه الفاضل المقداد في شرحه (إرشاد الطالبين) بقوله: «الكتاب الموسوم ب‍ـ(نهج المسترشدين في أُصول الدين) من تصانيف شيخنا وإمامنا، الإمام الأعظم، علاّمة العلماء في العالم... قد احتوى من المباحث الكلامية على أشرفها وأبهاها، وجمع من الفوائد الحكمية أحسنها وأسناها، حتّى شغف بالاشتغال به معظم الطلّاب، وعوّل على تقرير مباحثه جماعة الأصحاب...»( ).

طبع بعدّة طبعات، منها طبعة (مجمع الذخائر الإسلامية/قم المقدّسة/ تحقيق السيّد أحمد الحسيني والشيخ هادي اليوسفي)، وهي المعتمدة عندنا في تخريج وتصحيح متن كتاب العلاّمة.

 وشرح شروح عديدة سواء ما كان في عصر العلاّمة أو ما بعده، وهي:

1ـ (معراج اليقين في شرح نهج المسترشدين في أُصول الدين)، لابن العلاّمة الحلّي، الشيخ فخر الدين، أبو طالب محمّد بن الحسن المعروف بفخر المحقّقين، المتوفّى سنة (771هـ)؛ وهو الكتاب الذي بين أيدينا.

2ـ (تذكرة الواصلين في شرح نهج المسترشدين)، للسيّد نظام الدين عبدالحميد بن السيّد مجدالدين أبي الفوارس الحسيني الحلّي، المولود سنة (683هـ)، والمتوفّى على الأغلب سنة (745هـ)، مطبوع.

3ـ (تبصرة الطالبين في شرح نهج المسترشدين)، للسيّد عميدالدين عبدالمطّلب بن السيّد مجد الدين أبي الفوارس الحسيني الحلّي، أخو السيّد نظام الدين عبد الحميد، المتوفّى سنة (754هـ).

4ـ (إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين)، للفاضل المقداد، أبو عبد الله جمال الدين بن عبد الله بن محمّد بن الحسين بن محمّد السيوري الأسدي الحلّي، المتوفّى سنة (826هـ)، تلميذ الشهيد الأوّل، مطبوع.

5ـ (التحقيق المبين في شرح نهج المسترشدين في أُصول الدين)، للشيخ المولى نجم الدين خضر بن الشيخ شمس الدين محمّد بن علي الرازي الحبلرودي، المتوفّى حدود (850هـ)، شارح الباب الحادي عشر، نزيل الغري.

وورد في آخره: أنّه فرغ من تأليفه في الحلّة الفيحاء سنة 828هـ.

6ـ (شرح نهج المسترشدين) للشيخ فخر الدين بن محمّد علي الطريحي النجفي، المتوفّى (1085هـ). (ذكره صاحب الذريعة 14/163 رقم 2024).

7ـ (كشف أحوال الدين في شرح نهج المسترشدين) للشيخ جواد بن سعيد بن جواد الكاظمي (ق12هـ)، تلميذ الشيخ البهائي، ذكره الأفندي في (رياض العلماء 1/119)، وقال: «وهو شرح مبسوط ممزوج بالمتن حسن جيد جدّاً، رأيته في كتب ملا محمّد حسين الأردبيلي(قدّس) ألّفه سنة ألف وتسع وعشرين في مشهد الكاظمين صباح يوم الجمعة تاسع ربيع الأوّل».

8 ـ (شرح نهج المسترشدين) للمولى محمّد حسن الخوئيني الزنجاني، ذكره أغا بزرك الطهراني في (الذريعة 14/162 رقم 2023)، وقال: «نسخة منه كانت عند شيخ الإسلام الزنجاني كما كتبه إلينا، واحتمل أنّ الشارح كان حفيد الشيخ عبد النبيّ الطسوجي نزيل خوي».

9 ـ (شرح نهج المسترشدين)، ذكره أغا بزرك الطهراني في (الذريعة 14/161 رقم 2021)، وقال: «الذي هو شرح مزجي لبعض القدماء، رأيته في مكتبة العلاّمة الشيخ هادي كاشف الغطاء ولم أعرف المؤلّف».

10ـ (شرح نهج المسترشدين)، ذكره أغا بزرك الطهراني في (الذريعة 14/162 رقم 2022)، وقال: «بعنوان قوله قوله، أيضاً لبعض الأصحاب وهو تعليقات على الكتاب، أوّله: (قوله: الحمد لله المنقذ من الحيرة... الخ. اعلم أنّ الحمد هو الثناء على الجميل الاختياري...)، رأيت نسخته في المكتبة الرضوية».

هذا الكتاب:

الكتاب هو شرح بـ(قال.. أقول) لكتاب والد المصنّف العلاّمة ابن المطهّر الحلّي(ت726هـ) المسمّى بـ(نهج المسترشدين)، قد راعى فيه الاختصار، مع توضيح ما استبهم، كما ذكر في تقديمه للكتاب قائلاً: «أمّا بعد، فهذا كتاب (معراج اليقين) في شرح (نهج المسترشدين في أُصول الدين) تصنيف والدي الإمام، العلاّمة المعظّم، جمال الملّة والحقّ والدين، الحسن بن يوسف بن المطهّر(دام ظلّه)، كشفت فيه أستاره، وأوضحت أسراره، ولم أتجاوز تقرير كلامه، وتلخيص مرامه، متقرّباً إلى الله تعالى ومتوكّلاً عليه، وهو حسبي ونعم الوكيل».

وقد قوبل هذا الكتاب على ثلاث نسخ مخطوطة، وهي:

1 ـ نسخة خطّية بنسخ تعليق في القرن الثامن، محفوظة في مكتبة آية الله العظمى السيّد المرعشي النجفي(رحمه الله) العامّة في قم المقدّسة، تحت رقم (8457)، بـ(109) ورقة  (15/10سم)، مؤرّخة سنة (768هـ)، أي قبل وفاة المصنّف بثلاث سنين، بخطّ معاذ بن عيسى بن مبارك الحدّاد، جاء في آخرها: «وكان الفراغ من تعليقه ثالث جمادى الأوّل من سنة ثمانية وستّين وسبعمائة على يد العبد الفقير إلى الله الغني معاذ بن جعفر بن عيسى بن مبارك الحدّاد، حامداً لله تعالى»، وقد رمزنا إليها بحرف (أ).

2 ـ نسخة خطّية بنسخ تعليق في القرن الثامن، محفوظة في مكتبة ملّي إيران في طهران،  بحجم رحلي بـ(302) ورقة، مؤرّخة سنة (776هـ)، بخطّ عبدالله ابن حسن بن محمّد بن النجّار، جاء في آخرها: «فرغ من تعليقه العبد الفقير إلى رحمة ربّه العزيز الغفّار عبدالله بن حسن بن محمّد ابن النجّار، عصر يوم الأربعاء خامس عشر شهر ذي القعدة الحرام من سنة ستّ وسبعين وسبعمائة»، وقد رمزنا إليها بحرف (ب).

وورد في أوّلها شرحاً كتبه مالكها (جلال الدين الهمائي) باللغتين العربية والفارسية، والمتن العربي هو:

«بسمه تعالى شأنه...

الحمد لله على ما أنعم، والصلاة على سيّدنا ونبيّنا محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم).

وبعد، فقد منّ الله علَيَّ بتملّك هذه النسخة الشريفة العزيزة، التي لا يعادلها كنوز الذهب والفضّة، واشترائها من مالكها السيّد الجليل النبيل قوام الإسلام، آل صاحب الروضات بأصبهان السيّد مجتبى الروضاتي (سلّمه الله تعالى) ابن الميرزا محمّد باقر الموسوي الجارسوي الأصبهاني مؤلّف (الروضات) (رحمه الله) بالمبايعة الشرعية، وقد وصلت النوبة إلَيَّ في أوائل شهر ربيع الثاني من سنة 1381 الهلالية، وأواخر شهريور ماه سنة 1340 الشمسية الهجرية. وأنا العبد الأحقر أقلّ الخليقة (جلال الدين الهمائي) الشيرازي الأصبهاني أحسن الله أحواله وختم بالخير مآله ووفقه لمطالعة الكتاب بحقّ محمّد وآله الأطياب.

والنسخة هي شرح (نهج المسترشدين) لفخر المحقّقين ابن آية الله العلاّمة الحلّي المتوفّى سنة (771هـ)، والماتن هو والده العلاّمة المتوفّى (726هـ).

وتاريخ كتابة النسخة الشريفة سنة (776هـ) بعد وفاة المؤلّف(رحمه الله) بخمسة أعوام، والصلاة والسلام على نبيّنا سيّد الأنام. ومن خصائص هذه النسخة أنّها وشمت بخطّ العالم الشهير (رفيع الدين محمّد بن حيدر الحسني الحسيني) المعروف بـ(ميرزا رفيعا النائيني) أُستاذ العلاّمة المجلسي، له حواش وتعليقات على (أصول الكافي)، و(شرح الإشارات)، و(المختلف)، وغير ذلك، توفّى سنة (1082هـ)، ومزاره في بقعة رفيعة مشهورة بأصبهان... الخ».

3 ـ نسخة خطّية بنسخ تعليق في القرن العاشر، محفوظة في مكتبة الإمام الحكيم العامّة في النجف الأشرف، تحت رقم (1081/2)، بـ(156) صفحة، (11.7/17سم)، بـ(21) سطر، مؤرّخة سنة (980هـ)، بخطّ نعمة الله بن محمّد الحسيني، جاء في آخرها: «تمّ كتاب (معراج اليقين في شرح نهج المسترشدين في أصول الدين) على يد العبد الأقلّ نعمة الله بن محمّد الحسيني في عشر ذي الحجّة سنة (980هـ) يوم الأحد في أواخره، اللّهمّ ارزقنا زيارة بيت المقدس كما هو حقّه يا إله العالمين، ويا خير الناصرين، ويا غياث المستغيثين، واقض حوائج جميع المؤمنين بحرمة محمّد وآله أجمعين المعصومين الطيبين الطاهرين»، وقد رمزنا إليها بحرف (ج).

الجدير بالذكر هنا:

أ ـ النسخ الثلاثة المذكورة يوجد فيها سقط لبعض الأوراق، فكمّلت إحداهما الأُخرى.

ب ـ نسخة (ب) تختلف عن (أ)، و(ج) بإضافات، مع وجود تعليقات في الحواشي من الناسخ في مواضع عديدة.

ج ـ انفردت النسخة (ب) من حيث التفريعات بالترقيم الحرفي، أي بصورة (أ، ب، ج، د...).

منهج التحقيق:

1 ـ جعل نسخة مكتبة آية الله السيّد المرعشي النجفي (رض) المشار إليها بحرف (أ) الأصل لهذا الكتاب، لتقدّم زمان كتابتها، وأنّها كتبت في حياة المؤلّف، وبالتحديد قبل ثلاث سنين من وفاة الشيخ فخر المحقّقين(رحمه الله).

2 ـ ذكر موارد الاختلاف الموجودة بين النسخ في الهامش.

3 ـ إكمال ما سقط من نسخة (أ) من باقي النسخ المذكور، حتّى خرج الكتاب من ناحية المتن كاملاً بحمد لله.

4 ـ إيراد بعض الكلمات والفقرات المكمّلة أو الموضّحة للعبارة من النسخ الأخرى، وحصرها بين معقوفتين [ ]، مع ذكر النسخة في الهامش.

5 ـ تبويب الكتاب إلى فصول ومباحث حسب المواضيع؛ تسهيلاً للمطالع.

6 ـ ذكر مصادر ومنابع الأحاديث الواردة.

7 ـ ذكـر تراجم الأعـلام المذكورين في المتن على نحـو الاختصار، للتعريف.

كلمة المؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله المنقذ من الحيرة بحسن توفيقه، المخلّص من الضلال بهداية طريقه، المرشد إلى سبيل الصواب في المعاش والمآل بإلهام الحقّ بتحقيقه، فرَقت نفوس العارفين في قوّتي العلم والعمل( ) من العقل الهيولاني إلى العقل المستفاد، الذي هو أقصى مراتب أوج العلاء( )، وهبطت نفوس الجاهلين إلى حضيض درك الشقاء، وصلّى الله على سيّد الأنبياء محمّد النبيّ وعترته المعصومين الأصفياء، المتشرّفة بخدمتهم ملائكة السماء، المفتخر بمحبّتهم نقلة الوحي الأُمناء، صلاة تملأ أقطار الأرض والسماء.

أمّا بعد، فهذا كتاب (معراج اليقين) في شرح (نهج المسترشدين في أُصول الدين) تصنيف والدي الإمام، العلاّمة المعظّم، جمال الملّة والحقّ والدين، الحسن ابن يوسف بن المطهّـر (دام ظلّه) ، كشفت فيـه أستاره ، وأوضحت أسـراره ، ولم أتجاوز تقرير كلامه، وتلخيص مرامه، متقرّباً إلى الله تعالى ومتوكّلاً عليه، وهو حسبي ونعم الوكيل.

***

قال (دام ظلّه): «الحمد لله المنقذ من الحيرة والضلال، المرشد إلى سبيل الصواب في المعاش والمآل، والصلاة على سيّدنا محمّد النبيّ المعصوم من الخطأ في المقال والفعال، وعلى آله الأطهار خير آل...»( )، آخر الخطبة.

أقول: للنفس الناطقة قوّتا علم وعمل، ولها في كلّ منهما مراتب.

أمّا القوّة النظرية، فأوّل مراتبها: الاستعداد المحض لحصول( ) العلوم، وتسمّى عقلاً هيولانياً.

وثانيها: الاستعداد للانتقال من العلوم الضرورية إلى العلوم النظرية، وتسمّى عقلاً بالملكة.

وثالثها: حصول العلوم النظرية، وتسمّى عقلاً بالفعل.

ورابعها: صيرورة المعقولات( ) اليقينية الحقيقية مشاهدة عندها وانتقاشها فيها كالمرآة، وتسمّى عقلاً مستفاداً.

وأمّا القوّة العملية، فأوّل المراتب: تهذيب الظاهر باستعمال الشرائع الحقّة.

وثانيها: تزكية الباطن من الأخلاق الذميمة.

وثالثها: تحلية السرّ بالأخلاق الحميدة، والصور القدسية.

فأشار بقوله: «الحمد لله المنقذ من الحيرة»، إلى المرتبة الأُولى من كلّ منهما، فإنّه لولا الاستعداد لحصول العقائد، لما أمكن التخلّص من الحيرة، لعدم الجزم بشيء.

وأشار بقوله: «والضلال»، إلى المرتبة الثانية، إذ لولا حصول المقدّمات التي هي العلوم الضرورية في طرق( ) الانتقال، ومعرفة صحّتها من فسادها( )، لما أمكن( ) التخلّص من الضلال.

وقوله: «المرشد إلى سبيل الصواب في المعاش والمآل»، إشارة إلى المرتبة الثانية من المرتبتين.

قال (دام ظلّه): «وبنيته على فصول»( ):