الفلسفة التحليلية

الفلسفة التحليلية

ماهيتها، مصادرها، ومفكروها

تأليف

أحمد عبد الحليم عطية

مقدمة المركز

تدخل هذه السلسلة التي يصدرها المركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية في سياق منظومة معرفية يعكف المركز على تظهيرها، وتهدف إلى درس وتأصيل ونقد مفاهيم شكلت ولما تزل مرتكزات أساسية في فضاء التفكير المعاصر.

وسعياً إلى هذا الهدف وضعت الهيئة المشرفة خارطة برامجية شاملة للعناية بالمصطلحات والمفاهيم الأكثر حضوراً وتداولاً وتأثيراً في العلوم الإنسانية، ولا سيما في حقول الفلسفة، وعلم الإجتماع، والفكر السياسي، وفلسفة الدين والاقتصاد وتاريخ الحضارات.

أما الغاية من هذا المشروع المعرفي فيمكن إجمالها على النحوالتالي:

أولاً: الوعي بالمفاهيم وأهميتها المركزية في تشكيل وتنمية المعارف والعلوم الإنسانية وإدراك مبانيها وغاياتها، وبالتالي التعامل معها كضرورة للتواصل مع عالم الأفكار، والتعرف على النظريات والمناهج التي تتشكل منها الأنظمة الفكرية المختلفة.

ثانياً: إزالة الغموض حول الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي غالباً ما تستعمل في غير موضعها أويجري تفسيرها على خلاف المراد منها. لا سيما وأن كثيراً من الإشكاليات المعرفية ناتجة من اضطراب الفهم في تحديد المفاهيم والوقوف على مقاصدها الحقيقية.

ثالثاً: بيان حقيقة ما يؤديه توظيف المفاهيم في ميادين الاحتدام الحضاري بين الشرق والغرب، وما يترتب على هذا التوظيف من آثار سلبية بفعل العولمة الثقافية والقيمية التي تتعرض لها المجتمعات العربية والإسلامية وخصوصاً في الحقبة المعاصرة.

رابعاً: رفد المعاهد الجامعية ومراكز الأبحاث والمنتديات الفكرية بعمل موسوعي جديد يحيط بنشأة المفهوم ومعناه ودلالاته الإصطلاحية، ومجال استخداماته العلمية، فضلاً عن صِلاته وارتباطه بالعلوم والمعارف الأخرى. وانطلاقاً من البعد العلمي والمنهجي والتحكيمي لهذا المشروع فقد حرص لامركز على أن يشارك في إنجازه نخبة من كبار الأكاديميين والباحثين والمفكرين من العالمين العربي والإسلامي.

* * *

يتناول هذا الكتاب من سلسلة مصطلحات معاصرة، واحدة من أبرز القضايا بما سمي بالفلسفة المضافة. عنينا بها الفلسفة التحليلية.

وقد تولى المؤلف في دراسته هذه تأصيل المصطلح والإضاءة على المدارس والتيارات والشخصيات التي اشتغلت على هذا المفهوم من نشأته في المرحلة المتأخرة من عصور الحداثة في الغرب.

والله ولي التوفيق

المدخل

لم يُكتب في العربية سوى كتابٌ واحدٌ أو دراسةٌ واحدةٌ حول التحليل والتحليلية ولم يترجم لها سوى عملٌ واحدٌ يحمل عنوان عصر التحليل[1]، رغم الاهتمام الكبير الذي أولاه الفلاسفة المعاصرون للتحليلية وكثرة المؤلفات الأوربية حولها[2]. ويعود هذا الاهتمام الكبير إلى سيادة العلم وظهور التيارات الفلسفية العلمية على اختلاف توجهاتها، والرغبة في تجاوز المشكلات الميتافيزيقية الغامضة والزائفة. هناك ثلاثيُ التحليل الكبار: مور G. E. Moore (1873-1958) ورسل Bertrand Russell ـ (1872-1970)  وفتجنشتين Ludwig Wittgenstein ـ (1889-1951) وغيرهم من الفلاسفة الوضعيين المناطقة مثل: كارناب Rudolf Carnap ـ (1891 - 1970)  وآير Alfred Ayer ـ (1910 - 1969). وهناك ما نتج عنها من مدارس مختلفة في التحليل: مدرسة أوكسفورد، ومدرسة كمبريدج، وهما تيارا الوضعية المنطقية، وفلاسفة اللغة العادية.

وهناك من يعود بالتحليل إلى الفلسفة اليونانية ويجعل من مصادرها سقراط والسفسطائيين وأفلاطون وأرسطو. وهناك من يمتدّ بها لدى غيرهم من فلاسفة اليونان. ويندرج الفلاسفة المحدثون، لوك وباركلي وهيوم، في إطار التحليل. ويشار إلى كل من فرنسيس بيكون وديكارت باعتبارهما من جعل التحليل منهجًا. ويميل الوضعيون إلى إرجاع نشأة التحليل إلى كانط، وهو ما يمكن أن نجد مثالًا عليه في كتابات داعية الوضعية المنطقية في العالم العربي زكي نجيب محمود، كما يظهر في الفصل الثاني من كتابه موقفٌ من الميتافيزيقا، وهو ما يستدعي منا الإشارة ولو بإيجازٍ إلى ما قدمه العرب المعاصرون من إسهاماتٍ في التحليل[3].

ويظل زكي نجيب محمود ومدرسته تيارًا هامًا في فلسفة التحليل في الفكر العربي، رغم تعدد الكتابات حول التحليل في الوضعية المنطقية، وكثرة الكتابات أيضًا عن نقدها، التي تضم من تلاميذ زكي نجيب محمود كلًا من: محمود فهمي زيدان، وعزمي إسلام، ومحمد مهران رشوان، ومحمد محمد مدين، مثلما تضم عددًا من الأساتذة العرب في كل من لبنان مثل: عبد الرحمن مرحبا، وفي العراق مثل: ياسين خليل. وإذا أضفنا إلى هؤلاء نقّاد التحليل والوضعية المنطقية فإن القائمة ستزداد. ونجد كثيرًا من الباحثين من أعطوا مساحةً كبيرةً من الاهتمام لشرح وتحليل ونقد هذا التيار الوضعي المنطقي الذي كاد يحتكر صفة العلمية، خاصةً كلٌ من أحمد ماضي وماهر عبد القادر وتوفيق الطويل وزكريا إبراهيم وعابد الجابري وغيرهم.

ويعود النقاش الحاد حول التحليل في الفكر الفلسفي المعاصر إلى ما فهم من ثورة الفلسفة الحديثة، تجريبيةً كانت أو وضعية، واقعيةً أو طبيعية، على الفلسفة المثالية. ومن هنا رفض هؤلاء لليمتافيزيقا، وهي العزيزة على قلوب الفلاسفة؛ حيث من خلالها يمكن الحديث عن الدين والأخلاق والقيم. رغم أنه لا تعارض البتة بين توجهك الفلسفي أيًا كان وتبنيك أو رفضك للميتافيزيقا. ويسعى البعض للتخفيف من غلواء فلاسفة الوضعية والتحليل بالتمييز بين نوعين من الميتافيزيقا لتجاوزها عالم الحس والتجربة، ميتافيزيقا تقليدية وميتافيزيقا نقدية.

ومن هنا كان حرصنا على هذا العمل، الذي يدور حول التحليل، رغم كل ما يمكن أن يصادفنا من صعابٍ في تناول التحليل، الذي يعد ـ خطأً ـ في نظر البعض، المسؤول عن رفض الميتافيزيقا، وبالتالي استبعاد الدين من دائرة الفلسفة، وهذا ما سيكون موضع نقاش في الفصل الأخير من هذا الكتاب، الذي يتكون من ستة فصول ومقدمة وخاتمة.

تعرض المقدمة للموضوع والغاية منه وتبويب وتقسيم فصوله. ونتوقف في الفصل الأول عند مفهوم التحليل لبيان مختلف أوجه البحث في المفهوم، والدراسات المختلفة التي قُدمت حول التحليل في المعاجم ودوائر المعارف المختلفة.

توقفنا في هذا الفصل عند المعنى اللغوي والفلسفي في دوائر المعارف الغربية المتخصصة، مثل موسوعة أندريه لالاند، والموسوعة الفلسفية، وكذلك المعجم الفلسفي، الذي أصدره جميل صليبا، والمعجم الفلسفي الذي حرره الدكتور توفيق الطويل، وكذلك «مادة تحليل» التي كتبها موسى وهبة في الموسوعة الفلسفية العربية الصادرة في بيروت. إلا أن النقاش سوف يدور حول ما جاء في معجم لالاند التقني الفلسفي، الذي ترجم إلى العربية تحت عنوان موسوعة الفلسفة لأندريه لالاند؛ والموسوعة الفلسفية المختصرة التي أشرف عليها زكي نجيب محمود التي تُرجمت إلى العربية في الستينات. وقد حاولنا على امتداد هذا الفصل، بيان الأصل اللغوي الاشتقاقي والأصل الفلسفي الاصطلاحي، موضحين المعاني المتعددة لمصطلح التحليل، وفهم وتعامل صاحب كل عمل لأبعاد المصطلح.

وانتقلنا في المبحث الثاني من هذا الفصل إلى بيان خصائص واتجاهات الفلسفة التحليلية. وهذا المبحث هو الأساس الذي تتوالى عليه بقية فصول هذا الكتاب. حيث نهتم بمعنى التحليل ودلالته، وهل هناك فلسفةٌ تحليليةٌ أو مدرسةٌ فلسفيةٌ في التحليل، أم كما يطلق عليه البعض حركةً تحليليةً وكل ما لدينا هم فلاسفةٌ تحليليون، وبالتالي فلا جدوى ولا إمكانية من إيجاد تعريفٍ جامعٍ مانعٍ بلغة المناطقة للتحليل.

ثم اتجهنا صوب الحديث عن الخصائص والسمات المختلفة التي تميز التحليل عن غيره. فالمسألة غايةٌ في الصعوبة، ولم يحاول أحد من الفلاسفة ممن يُعرفون بفلاسفة التحليل أن يعرّف المقصود بالتحليل، الذي لم يسعفنا أحدهم ببيان المقصود منه، ولذا توقفنا أمام السمات المختلفة للحركة التحليلية مثل: اعترافها بدور اللغة الفعال في الفلسفة، أو اتجاهها الشعوري المتزايد نحو اللغة، وإلى تفتيت المشكلات الفلسفية إلى أجزاءٍ صغيرةٍ لمعالجتها جزءًا جزءًا؛ وخاصيتها المعرفية؛ والمعالجة البين ذاتية Intersubjectivity لعملية التحليل. إن هذه الخصائص تكفي لتمييز هذه الفلسفة ولوصف أي فلسفة بأنها «تحليلية».

ورغم أن الفلاسفة التحليليين متفقون على أهمية دراسة اللغة، فإنهم مختلفون في نوع اللغة التي ينبغي دراستها، وقد انقسموا في ذلك إلى فريقين: ذهب فريقٌ منهم إلى القول بأن التحليل الفلسفي يتوقف على تأليف لغةٍ اصطناعيةٍ جديدة. ورأى الفريق الآخر أن مثل هذه اللغات الاصطناعية لا تساعد كثيرًا على حل المشكلات الفلسفية، إذ إن هذه المشكلات يمكن معالجتها على أفضل وجهٍ بالتحليل الدقيق للغة الطبيعية الجارية التي نستخدمها في عملية التواصل مع الآخرين، ولهذا السبب يسمى هذا الفريق باسم «فلاسفة اللغة الجارية».

وبعد هذا العرض التحليلي للسمات والخصائص التي تميز المقصود بالفلسفة التحليلية، نتوقف وقفةً تاريخيةً لبيان الجذور التاريخية وبدايات التحليل. وقد خصصنا الفصل الثاني للتحليل في الفلسفة القديمة، ذلك أن الفلسفة التحليلية ليست حديثةً وليدة اليوم، بل يمكن التماس أصولها مع البدايات الأولى للفلسفة، فقد انصرف مجهود سقراط الفلسفي إلى غايةٍ واحدةٍ هي تحليل بعض الألفاظ المتداولة وبخاصةٍ في مجال الأخلاق وتحديد معانيها التي أضاعها السوفسطائيون بعد سيطرة النزعة الشكية الهدامة. وكذلك كان أفلاطون فيلسوفًا تحليليًا في كثيرٍ مما تعرض له، ومحاورة بارمنيدس مثلٌ جيدٌ لطريقته في التحليل. ومن محاورات أفلاطون التي تقدم كل واحدةٍ منها تحليلًا لأحد المفاهيم والمصطلحات، ننتقل إلى التحليلات الثانية لأرسطو الذي قدم لنا فيها أصول التحليل.

ونخصص الفصل الثالث لبيان البدايات الحديثة وعوامل النشأة عند الفلاسفة التجريبيين من الإنجليز: «لوك» JohnLocke (1632 – 1704) و»باركلي» George Berkeley (1685 – 1753) و«هيوم» David Hume (1711 – 1776)  وأتباعهم، لأنهم من أولئك الذين نظروا إلى الفلسفة على أنها طريقة في التحليل. وبالطبع نتوقف عند كل من فرانسيس بيكون Bacon Francis  (1561 – 1626) وديكارت René Descartes (1596 – 1650)، حتى نصل إلى المثالية الألمانية، خاصةً عند كانط، الذي يُعد حلقةً أساسيةً هامةً اعتبرها فلاسفة التحليل بدايةً لهم. وكانت الحلقة الأخيرة التي مهدت للتحليل في الفكر الفلسفي المعاصر هي جهود وكتابات فريجه، الذي مهد لهذا المنهج.

ويعد هذا الفصل تمهيدًا ومدخلًا للفصول التالية التي تتناول التحليل لدى الفلاسفة المعاصرين الذين نعرض لهم في فصلين تاليين، أولها يضم كلًا من: جورج إدوارد مور، وبرتراند رسل، ولودفيج فتجنشتين، ويتناول ثانيهما فلاسفة الوضعية المنطقية واللغة العادية، أو ما بعد فتجنشتين.

ومن هنا خصصنا المبحث الأول في الفصل الثالث للتحليل عند جورج مور. ومور هو رائد التحليل في الفلسفة المعاصرة، ربط التحليل الفلسفي بالإدراك العام أو الإدراك الفطري، واستخدم اللغة العادية إذ رأى أن قضايا الإدراك العام صادقةٌ دائمًا، وحكم بالكذب على قضايا فلسفية تعارضها. وترجع بداية التحليل إلى ظهور دراسته دحض المثالية التي ثار فيها على الهيجيلية والمثالية الجديدة، وقد اهتم مور بتحليل ما يقوله الفلاسفة عن العالم، وعن معنى القضايا العلمية؛ ليكشف عن صحة أو بطلان هذه الأقوال.

وقد طبّق مور فلسفته التحليلية في مجال الأخلاق من أجل توضيح الأفكار الفلسفية التي تدور في هذا المجال، فجاءت بمثابة تطبيقٍ عمليٍ للمنهج التحليلي على مشكلات الأخلاق في الفلسفة المعاصرة. وقد تناولنا في الفصل أنواع التحليل عند مور أو خطواته، والتي نستخلص منها أن التحليل عنده هو الانتباه لمعنى التصور، وأن التحليل تقسيمٌ والتحليل تمييز.

وتناولنا في المبحث الثاني من هذا الفصل التحليل عند برتراند رسل، الذي يُعد الرائد الثاني للفكر الفلسفي التحليلي، والذي يمثّل مدرسةً متميزةً عن مدرسة جورج مور؛ فهما يتفقان في كونهما يريان أن التحليل منهجٌ وموضوع، وأن الميتافيزيقا مبحثٌ أساسي، وإن كان رسل قد حدد لنفسه منهجًا فلسفيًا مرتبطًا بالرياضيات كان يسميه «التحليل المنطقي، أو التحليل الفلسفي»؛ حيث اعتبر المنطق هو صميم ماهية الفلسفة. وقد توقفنا هنا عند خصائص التحليل عنده، وهي التحليل باعتباره تعريفًا، التحليل باعتباره تبريرًا، التحليل باعتباره اختزالًا أو ردًا. وقد طبق رسل منهجه التحليلي على كثير من المشكلات الفلسفية، وكتب عن «تحليل المادة» و»تحليل العقل». وقد خصصنا الفقرة الأخيرة من هذا الفصل لأنواع التحليل المختلفة عند رسل.

وقد خصصنا المبحث الثالث من هذا الفصل لتناول التحليل عند فتجنشتين، مدار الاهتمام الدائم في الفلسفة الراهنة، التي شُغلت بجوانب كثيرة من فلسفته، سواء في المعرفة أو المنهج أو التحليل، بل الأخلاق والفن والجمال؛ بحيث فاق الاهتمام به الاهتمام بأي فيلسوف ممن تناولناهم في هذه الدراسة. وما زالت الأبحاث حوله تزداد يومًا بعد يوم.

ليست الفلسفة عند فتجنشتين إقامةً للأنساق الميتافيزيقية، بقدر ما أضحت كلها تحليلًا ونقدًا للغة. ومن المعروف أن مفهوم الفلسفة عنده هو توضيحٌ للأفكار عن طريق تحليل العبارات التي تصاغ فيها هذه الأفكار، فهو يؤكد في الرسالة الفلسفية المنطقية: «إن موضوع الفلسفة هو التوضيح المنطقي للأفكار. فالفلسفة ليست نظريةً من النظريات، بل هي فاعلية. ولذا يتكون العمل الفلسفي أساسًا من توضيحات». معنى ذلك أن التحليل عنده لا يضيف إلى معرفتنا جديدًا، بل هو مجرد طريقةٍ توضح ما نقوله، لكي نتبين ما له معنى من كلامنا وما لا معنى له، وأن نتكلم بالتالي كلامًا له معنى. وعلى ذلك نبدأ من فتجنشتين الأول وتحليل العالم، حيث يجعل من تحليل العالم هدفًا لفلسفته كما يظهر في أهم أعماله في مرحلة الرسالة المنطقية الفلسفية، ومع أن الغرض الأساسي من التحليل عنده هو تحليل اللغة، وتوضيح كيف يكون سوء فهمنا لمنطقها هو السبب في ظهور كثيرٍ من مشكلات الفلسفة، فإن تحليل اللغة بالطريقة التي ذهب إليها في الرسالة يعتمد اعتمادًا أساسيًا على تحليل العالم؛ فهو يحلل اللغة إلى مجموعةٍ من القضايا الأولية التي يتوقف صدقها أو كذبها على مدى مطابقتها للواقع الخارجي. وقد تناولنا بعد ذلك التحليل المنطقي عند فتجنشتين، الذي ينقسم إلى نوعين:

الأول: القضايا التحليلية وهي قضايا المنطق والرياضيات وهي تحصيل حاصلٍ، وصادقةٌ بالضرورة، وقضايا خاليةٌ من المعنى لكنها مع ذلك صادقةٌ لأنها عباراتٌ مفهومة ولكنها ليست صورًا للواقع، وهى تتعلق ببناء اللغة. الثاني: قضايا الميتافيزيقا، وهي تعبّر عن كياناتٍ غير واقعيةٍ وهي خاليةٌ من المضمون فارغةٌ من المعنى.

وتناولنا في الفصل الرابع التحليل عند الوضعيين المناطقة، وعند فلاسفة اللغة العادية، خاصةً في فلسفة كارناب، كما يظهر في كتاب البناء المنطقي للغة logical syntax of language في المبحث الأول. وخصصنا المبحث الثاني من هذا الفصل للحديث عن التحليل في فلسفة آير، خاصةً في القول بمبدأ التحقق. والمبحث الثالث تناولنا فيه التحليل عند جلبرت رايل Gilbert Ryle، الذي يظهر لديه هذا التأثير في دراسته التعبيرات المضللة، مع إشاراتٍ سريعةٍ إلى جهود كل من: جون ويزدم John Wisdom وفريدريك فايزمان Wiseman في التحليل، وكتاباتهم وتوجهاتهم التحليلية المختلفة.

ومن التحليل عند رواده في الفكر الغربي المعاصر نتحول في الفصل الخامس إلى التحليل في الفكر العربي عند من تبنوا المناهج العلمية والوضعية، من المناطقة وفلاسفة العلم في الفكر العربي المعاصر، خاصةً زكي نجيب محمود، وامتداداته الفلسفية لدى تلاميذه: محمود زيدان وعزمي إسلام ومحمد مهران، وغيرهم، الذي يعترفون صراحةً بالأثر الكبير الذي مارسه الأستاذ على تفكيرهم، وإن كانت كتابات هؤلاء لا تساير الموقف التحليلي الوضعي المنطقي في كليته. وعلى هذا نجد أن الفلاسفة العرب من أنصار التحليل لا يسيرون حتى نهاية الشوط مع من يرفضون الميتافيزيقا باسم التحليل. وهذا هو موضوع الفصل السادس والأخير الذي يدور حول التحليل والميتافيزيقا.

-------------------------

[1]1- White (Morton): The Age of Analysis, Twentieth century philosophers, Houghton Mifflin 1955.

والكتاب هو “الحركة التحليلية في الفكر الفلسفي المعاصر، بحث في مشكلة المعنى” للدكتور محمد مدين، دار الثقافة للطباعة والنشر والتوزيع. وانظر أيضًا: أوراق فلسفية، التحليل في الفكر المعاصر، العدد 61، القاهرة، 2018. 

[2]2- Ammerman (Robert R.): Classics of Analytical Philosophy, ed. Mc Grow Hill, Inc, 1965.

Stebbing, S.: "The Method of Analysis in Metaphysics", The Proceeding of The Aristotelian Society, Vol. xxx, 111, 1932ـ1933.

Urmson (J. O): Philosophical Analysis, Oxford, At The Clarendon Press, 1956.

[3]ـ زكي نجيب محمود، موقف من الميتافيزيقا، دار الشروق، القاهرة، 1983.