المسلمون و الغرب (التأثر و التحرر)

المسلمون و الغرب (التأثر و التحرر)

تأليف 

د. حسان عبد الله حسان 

مقدمة المركز

تهدف سلسلة «نحن والغرب» إلى إحياء وتفعيل الحركة المعرفية والنقدية حيال قيم الغرب في الثقافة العربية والإسلامية المعاصرة.

تقوم منهجية هذه السلسلة على تظهير أعمال مفكرين وعلماء من الذين أثروا الثقافة العربية والإسلامية بإسهامات نقدية وازنة في سياق المساجلات والمناظرات مع الأفكار والمفاهيم الغربية ولا سيما منها التي ظهرت بالتزامن مع تدفقات الحداثة وما رافقها من عمليات توسع استعماري إلى بقية العالم.

إن المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية إذ يقدّم هذه السلسلة إلى القرّاء يحدوه الأمل بأن يُسهم هذا المسعى المعرفي في تنشيط فضاءات التفكير النقدي وتأسيس مناخات فكرية جادّة في العالمين العربي والإسلامي.

 * * *

يندرج هذا الكتاب ضمن سلسلة "نحن والغرب" ويتناول إشكاليات العلاقة بين التغريب ومقاومة التبعية للغرب.

يتركز عمل الباحث هنا حول جدلية التأثر والتحرّر التي حفلت بها حلقات السجال والنقاش في الفكر العربي الإسلامي الحديث. كما يتطرّق إلى موقف النخب الإسلامية من المشروع الثقافي الغربي، حيث تتعدد مواقفها، في حين يُشير إلى أن هذه المواقف جميعاً تقع بين نهجين متناقضين: نهج التأثر بالقيم الغربية وتمثّلها، ونهج مقاومة الفكر الكولونيالي الغربي، والدعوة إلى التحرر من هيمنته.

والله ولي التوفيق

المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية

مدخل

يكاد يتّفق أصحاب الاتجاه الإسلاميّ على أنّ ما تعرّض له العالم الإسلاميّ في القرنين الـ19و 20 من موجة احتلال عسكريّ واسعة وممتدّة لأكثر من قرن من الزمان لم يكن غزوًا عسكريّاً أو اقتصاديّاً فقط، ولم يكن ذا أهداف مادّيّة بالمعنى الحرفيّ، بل امتدّ هذا التأثير إلى الثقافة الإسلاميّة أيضًا، وما تشير إليه لفظة الثقافة من جوانب الحياة الاجتماعيّة والعلميّة والسياسيّة في وطنها الإسلاميّ وبيئتها الحضاريّة، وقد يقع الخلط هنا بين الغاية والوسيلة في الاستعمار؛ لأنّ خطط الاستعمار الكبرى في القرنين الماضيين كانت الأكثر حدّة وخطورة على الإنسانيّة خلال هذه الفترة، وقد اختلطت فيها غاية المستعمر ووسيلته، فما كان وسيلة المستعمر في وقت ما، أصبح غاية له في وقت آخر.

وخلصت المدرسة الإسلاميّة إلى تسمية المعركة التي قادها الاستعمار الغربيّ ـ آنذاك وما زالت مستمرّة بأشكال وصور متعدّدة أخرى ـ بالغزو الفكريّ أو الغزو الثقافيّ، وقد كان هدفها بالأساس هو تحقيق «الهيمنة» بصورة كاملة على البلدان المسلمة، وذلك من خلال تهيئة العقول المسلمة للأفكار الغربيّة، بل والادعاء بأنّ خلاص تلك البلدان لا يكون إلا باتباع تلك الأفكار المستوردة وما تحمله من قيم وتصوّرات ومفاهيم في السياسة والاجتماع والاقتصاد والتربية والثقافة، وكلّ ما من شأنه التمكين للمستعمر وتسهيل مهمّته الاستعماريّة العسكريّة والسياسيّة والاقتصاديّة.

والهدف الثاني للغزو الفكريّ أو الثقافيّ هو تحقيق «التبعيّة» حال رحيل المستعمر وذهابه، حيث أيقن أنّه لا يمكن أن يستمرّ في احتلاله العسكريّ إلى ما لانهاية، وهذا ما أفرزته السنن الاجتماعيّة وحياة الشعوب. فكأن هذا النوع من الغزو يهدف إلى إبقاء هذه الدول المستعمرَة في حالة «تبعيّة» دائمة على المستوى السياسيّ والاقتصاديّ، وقد نجحت هذه النظريّة وحقّق الاستعمار – إلى حد-ّ بعيد- هذا الهدف في عالمنا الإسلاميّ بعد مرور ما يقرب من قرن من اتفاقات الاستقلال(!!)، وقد ظنّت الشعوب بأنّها «اتفاقات» حقيقيّة وأنّه «استقلال حقيقيّ».

ومهما يكن من تباين المصطلحات التي استُخدمت لوصف تلك المعركة الفكريّة سواء أكانت «غزواً فكريّاً» أو «غزواً ثقافيّاً» أو «إحلالاً ثقافيّاً» أو «تغريباً»، وهذا الأخير هو الأكثر عموميّة وشموليّة، إلّا أنّ مضمون تلك المصطلحات الثقافيّ والفكريّ هو تعبير متشابه إلى حدّ التطابق لجوانب هذه المعركة الفكريّة ونتائجها على المشهد الفكريّ والثقافيّ والاجتماعيّ الإسلاميّ.

ومن الضروريّ أن نؤكّد على أنّه لا يمكن إغفال الإكراهات المعرفيّة والثقافيّة التي مارسها الاستعمار في تلك «المعركة الفكريّة» التي خاضها ضد الشعوب المُستعمَرة، واستخدم فيها كافّة الوسائل والطرق وأساليب الترغيب والترهيب، والقهر والإغراء من أجل إخضاع تلك الشعوب ثقافيّا وحضاريًا، والتلاعب بخصوصيّاتها الثقافيّة والطعن في مقوّماتها الحضاريّة والعبث بها، مستخدمًا أدواته المتقدّمة في هذا الغزو. وهذه الحالة أسماها هربرت تشيللر «الهيمنة الثقافيّة» والتي يصنّف فيها – بحسب النظام العالميّ – العالم إلى قسمين أو نقطتين: المركز وهو (الغرب)، والهامش وهم الباقون، وتعرّف «الهيمنة الثقافيّة» بأنّها «جماع العمليّات التي تستخدم لإدخال مجتمع ما إلى النظام العالميّ الحديث، وكيف تتمّ استمالة الطبقة المهيمنة والضغط عليها وإجبارها كي تشكّل المؤسّسات الاجتماعيّة في اتساق مع قيم المركز في النظام العالميّ أو الترويج لها»[1].

وكانت العولمة ـ والتي ظهرت في العقدين الأخيرين من القرن العشرين ـ امتدادًا لتلك المعركة الفكريّة التي رسمت خارطة لمشروع تغريبيّ تبلور في عمليّة الغزو الفكريّ لعالمنا الإسلاميّ، وكانت صوّرتها وتابعتها كثمرة لتلك العمليّات الباكرة في القرن الـ19، 20.

إنّ المشروع الفكريّ الاستعماريّ استهدف عدّة أبعاد أساسيّة في العالم الإسلاميّ هي:

1. الأبعاد السياسيّة ومفادها: تغيير المفاهيم السياسيّة وفصل الدين عن السياسة في مرحلة ما، ثمّ فصل الدين عن شؤون العمران كلّها.

2. الأبعاد الاجتماعيّة ومفادها: تغيير القيم الأصيلة واستبدالها بالقيم الغربيّة الوافدة التي تنطلق من المفهوم المادّيّ للحياة وتغييب / استبعاد الجانب الغيبيّ تمامًا.

3. الأبعاد المعرفيّة والفكريّة ومفادها: تحوّل العقل المسلم في منهجيّة تفكيره من الانطلاق من نموذجه المعرفيّ التوحيديّ إلى الانطلاق من النموذج المعرفيّ المادّيّ ومفاهيمه وتصوّراته التي نبتت في بيئة مناقضة للبيئة الإسلاميّة من حيث المفاهيم والقيم والتصوّرات، ومن ثمّ نقل صراعات العقل الأوروبيّ إلى العقل المسلم وقضاياه وإشكالاته بما يصرف العقل المسلم عن قضاياه الحقيقيّة وإشكالات نهضته وواقعه.

إشكاليّة الدراسة

 لقد كان لحادث التقدّم الغربيّ بالإضافة إلى ما ركن إليه العقل المسلم من الجمود والتقليد دور أساسيّ في سؤال البحث عن التحرّر في الفكر الإسلاميّ الحديث والمعاصر، والذي حاول فيه المفكّرون البحث عن الإجابة عن  تساؤل «لماذا تأخّر المسلمون وتقدّم غيرهم؟»، وذلك بعد الانبهار الكبير بالغرب ونهضته العلميّة والصناعيّة، وما ترتّب على ذلك الانبهار ـ عند البعض ـ بمحاولة إسقاط مقدّمات نهضة المجتمع الغربيّ بظروفه وبيئته وتاريخيّة حضارته على المجتمع الإسلاميّ، واستيراد أدواته الفكريّة والمعرفيّة دون النظر إلى البيئة الحضاريّة الإسلاميّة وبنيتها الثقافيّة والمجتمعيّة والعقديّة ورؤيتها التوحيديّة، بالإضافة إلى قناعة فريق من المسلمين بطريق الغرب ومبادئه مخلصًا لحالة التراجع الحضاريّ والجمود الفكريّ والتقليد السائد.

ومن ثمّ وقع المسلمون في مسارين مختلفين في اتجاه السير، اتجاه نحو «التأثّر» بالغرب ومشروعه الفكريّ، والذي رأى فيه المخلّص من الحالة الراهنة للعالم العربيّ والإسلاميّ، ومضمون هذا الاتجاه هو ضرورة التبنّي الكامل للنظام القيميّ والمعرفيّ والثقافيّ الغربيّ، والتحرّر من أسر التراث والمرجعيّات الفكريّة الذاتيّة، وضمّ هذا الاتجاه تيارات متعدّدة تتباين درجة قربها أو بعدها من هذا المقياس الذي حدّده الروّاد الأوائل لهذا الاتجاه في بداية الاحتكاك بالحضارة الغربيّة، وتحديدًا منذ الحملة الفرنسيّة ومشروع محمّد علي الصناعيّ.

الفرضيّة التي يقيم عليها هذا الفريق رؤيته في الانحياز إلى المشروع التغريبيّ هي «أنّ هناك تعارضًا بين تحقيق الهويّة وتحقيق الحضارة، وبين التراث العربيّ، وبين الحداثة الراهنة [بمعناها التبعيّ].. والإيمان بعالميّة الحضارة، وخطية التاريخ، وأنّ تأخّر العرب كامن في تمسّكهم بثقافتهم والقيم النابعة منها»[2].

والفريق الثاني في المسلمين هو الذي توجّه نحو قضيّة «التحرّر» من تبعات المشروع التغريبيّ الذي تحوّل مع الإكراهات الغربيّة من جانب، والاستبداد والتقليد والجمود في الداخل الإسلاميّ من جانب آخر إلى واقع مفروض في السياسة والتعليم والثقافة، ومضمون هذا الاتجاه يقوم على فرضيّة أنّ الإقلاع الحضاريّ للأمّة لا يمكنه أن يكون إلاّ من خلال مرجعيّتها الحضاريّة وبمنهجيّة نشاطها الحضاريّ الذي بدأته منذ أربعة عشر قرنًا، وفي جملة واحدة «إنّ نهضة مجتمع ما تتمّ في الظروف العامّة نفسها التي تمّ فيها ميلاده، كذلك يخضع بناؤه وإعادة هذا البناء للقانون نفسه»[3].

في ضوء ما تقدّم، فإنّ إشكاليّة هذه الدراسة تتمحور في البحث عن مساري (التأثّر والتحرّر) في الفكر الإسلاميّ الحديث وموقف المسلمين من المشروع التغريبيّ، وهو ليس طريقًا واحدًا كما ذكرنا؛ بل سبل شتى، تقع ما بين النهجين النقيضين: التأثّر والتحرّر. ومن ثمّ فالدراسة التالية تبحث في تلك المواقف وبعض تفصيلاتها، وتطور المواقف الإسلاميّة عبر قرنين من الزمان، وذلك من خلال العناصر الآتية:

الوقوف على طبيعة المسار التغريبيّ ونشأته في الواقع الإسلاميّ.

التعرّف على الأدوات الخارجيّة والداخليّة للمشروع التغريبيّ في الواقع الإسلاميّ.

إدراك جوانب التأثّر في الواقع الإسلاميّ من المشروع التغريبيّ.

الوعي بما حقّقه المشروع التغريبيّ في الواقع الإسلاميّ ونقده.

الوقوف على طبيعة ونشأة المواقف الرافضة للمشروع التغريبيّ.

تحليل اتجاهات مسار «التحرّر» من المشروع التغريبيّ.

تحليل أفكار مواجهة المشروع التغريبيّ في الواقع الإسلاميّ.

بيان آليّات مسار «التحرّر» الفكريّ من التبعيّة التغريبيّة.

الوقوف على ما حققه مسار «التحرّر» في البناء الذاتيّ الحضاريّ للأمّة.

منهجية الدراسة

اعتمدت الدراسة في طريقة التناول والتحليل والنقد -لمساري التأثّر والتحرّر- على «نماذجيّة» العيّنات المختارة، حيث إنّه من الصعب حصر كافّة عناصر المجتمع الأصلي ومكوناته بهذين المسارين، نظرًا لتمدّده زمنيًّا وفكريّاً من ناحية، ولحجم الدراسة الحاليّة من ناحية أخرى، ولكن حاولت الدراسة رصد أهمّ العيّنات الممثلة للاتجاهات والرؤى المختلفة والمتعدّدة الواردة في مجتمعها الأصليّ.

مفاهيم الدراسة

من المفاهيم الواردة بشكل أساسيّ في الدراسة يمكن ذكر الآتي:

1. التغريب

 «التغريب» واحد من المفاهيم التي تعبّر عن تأثيرات الفكر الوافد في العصر الحديث مثل: الاستلاب، الغزو الثقافيّ، الهيمنة الثقافيّة. و«التغريب» في معجمنا اللغوي يشير إلى: حالة الغربة / الانفصال / الارتحال / النزوح/ الغياب / الاختفاء/ البعد...

ويبدو «التغريب» الأكثر فاعليّة في العوامل التي أثّرت في حركة العقل المسلم في القرنين الماضيين (19و20)، وذلك لما أنتجه مشروعه الفكريّ من تباينات حادّة في العقل المسلم وفي تصوّراته ومفاهيمه، والتي انعكست بدورها على منظومته الفكريّة وطريقة تصوّره للأحداث والوقائع وتفسيره لها، وهو ما يشير إليه طارق البشرى بقوله: «إنّ من أخطر وجوه الإفساد القيميّ في هذا الشأن، أن ما كان يعتبر عاملاً داخليًّا صار يعتبر عاملًا خارجيًّا في تقويم أحداث التاريخ نفسه، وانعكس الوضع، فصار ما هو عامل خارجيّ كالحملة الفرنسيّة على مصر، صار يعامل أحيانًا كما لو كان عاملًا داخليًّا، وذلك عندما ينظر إليه بعض الباحثين باعتباره عنصرًا مساهمًا وباعثًا للنهوض والتقدّم. وقد تمّ هذا التقويم تحت إملاء المفهوم السائد عن «وحدة العصر» بالمعنى الأمميّ والحضاريّ، وما ترتب على ذلك من اغتراب والتحاق برباط التبعيّة مع الغرب، والالتحاق المعنيِّ هنا ليس التحاقاً مادّيًّا ولا سياسيّاً ولا اقتصاديّاً، ولكنه التحاق يتعلّق بالوعي»[4]، ويضيف البشرى موضحًا اتصالَ واستمرارَ حركة التغريب وتغييب الوعي وتحقيق الانفصال عن الجذور والتاريخ والتشتت الحضاريّ بقوله: «وأحسب أنّ القيمة السائدة لدينا الآن عن «المعاصرة «أو «وحدة العصر الحديث» بمعناها الأمميّ والحضاريّ هي من أسّس ما يُروّج من قيم ومفاهيم تنتج اختلاطَ الوعي بالذات. وهي من أسّس ما نعاني من اغتراب واستلاب حضاريّ. ولا يقتصر أثرها على إفساد نظرنا إلى واقعنا ووقائعنا من منظور خاصّ بنا ومتميّز، ويرعى صالحنا الحضاريّ والمادّيّ، ولكنّه يمتدّ إلى نظرنا إلى ماضينا، فيعيد تشكيله على غير ما قام في الواقع الماضي. كما أنّه يقيم التبعيّة والتجزّؤ، لا في الواقع وحده ولكنّه يقيمها في الوعي ذاته»[5].

كما سار المشروع التغريبيّ عبر نسق منهجيّ يهدف إلى استيعاب النخب العلميّة المنتمية إلى الثقافات الأخرى عبر عدّة آليّات هي: التثاقف (تحقيق رغبة رحيل المهاجر من ثقافته إلى قيم الغرب، ومن سلوكيّات ثقافته الأصليّة، إلى قيم الغرب وسلوكيّاته) والتدامج (التحوّل الفعليّ إلى ثقافة الغرب وسلوكيّاته) والتشتيت (الفقدان الكامل للهويّة الأصليّة). [6] وهو ما يتوافق مع وجهة النظر الغربيّة لمعنى التغريب والذي يعني «أنّه يجب على أيّ دولة تريد أن تصبح غنيّة وقويّة، أن تتعلّم كيف تعيش وتفكّر مثل الغرب»[7].

أما التغريب في نظر المفكّرين المسلمين فيهدف إلى «خلق عقليّة جديدة تعتمد على تصوّرات الفكر الغربيّ ومقاييسه، ثم تحاكم الفكر الإسلاميّ والمجتمع الإسلاميّ من خلالها بهدف سيادة الحضارة الغربيّة، وتسيّدها على حضارات الأمم، ولاسيما الحضارة الإسلاميّة»[8].

ويخلص فهمي جدعان إلى أنّ دعوة «التغريبيّين» تكمن في الخروج من الدائرة العربيّة والإسلاميّة خروجًا كاملًا أو شبه كامل، وهذا الخروج يتبلور بصفة خاصّة في التبنّي الكامل للقيم الأخلاقيّة والاجتماعيّة والسياسيّة للمدنيّة الغربيّة وفي الدعوة صراحة للارتباط بأوروبا والتبعيّة لها، [9] ويشير جلال آل أحمد إلى أن التغريب «مجموعة من الأعراض تطرأ على حياتنا في جوانبها الثقافيّة والحضاريّة والفكريّة من دون أن يكون لها أيّ جذور في التراث، أو أيّ عمق في التاريخ»[10].

والتغريب - وفق ما تقدّم - يمكن وصفه بأنّه تلك العمليّة التي تعرّض فيها العالم الإسلاميّ منذ القرن الثامن عشر ـ وما زال ـ إلى محاولة لفرض المشروع المعرفيّ الغربيّ القائم على تبنّي القيم المادّيّة، والنظرة المادّيّة للمعرفة والكون وتمثّلاتها في ميادين الفكر والعلوم الإنسانيّة والطبيعة والتصوّرات الأساسية حول الله والإنسان والكون، بل على العقل والوجدان المسلم بهدف استبدال النموذج المعرفيّ الغربيّ بالنموذج المعرفيّ التوحيديّ.

2. الاستلاب

الاستلاب أحد الآثار الفكريّة الناتجة عن الاستعمار الذي استطاع اختراق جدارنا المعرفيّ، وإرغامه على «أن يشتري (الأشياء) من الغرب وتبنّي مقاييسه، ومعاييره، وتمثّل أفكاره حَسَنها ورديئها والتي تهدّد شخصيّة العالم الإسلاميّ وبقاءه»[11]. والاستلاب يتمدّد في البنية المعرفيّة والثقافيّة حتى يحوّل معتنقيها إلى مسوخ ومتشبّهين لا أصل لهم ولا جذور كما يقول علي شريعتي «...إن أحد الوجوه المختلفة لهجوم ثقافة الغرب على ثقافتنا: مسخ وإزهاق روح الكثير من اصطلاحاتنا. حيث إنّ اصطلاحًا أو كلمة ما تتضمن طراز عقيدتنا وتنطوي على روح ورؤية ثقافتنا وقيمنا العقديّة والمعنويّة. ومن هنا إذا أمكن مسخ أيٍّ من هذه المصطلحات وتدميرها، فسوف يموت بشكل طبيعيّ ما تنطوي عليه هذه المصطلحات من فكر وروح، ويدفن محمول الكلمة المعنويّ»[12].

3. التجديد

التجديد فعل يسعى إلى استعادة الشيء كما كان على أصله، أو تجديده بعد البلاء، فالجِدَةُ مصدر الجديد، وتجدّد الشيء صار جديدًا، وأجَدَّهُ وجَدَّده واستَجَدَّه أي صَيَّرهُ جديدًا، والأجدَّانِ والجديدان هما: الليل والنهار؛ لأنّهما لا يبليان أبدًا. والجِدِّ إنّما هو الاجتهاد في العمل[13]. وجدّدت الثوب إذ قطعته على وجه الإصلاح. وفي القرآن {بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} [ق:15] إشارة إلى النشأة الثانية، وقوله تعالى على لسان منكري البعث أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا [الإسراء:98] أي الإحياء والبعث والإعادة على الهيئة الأولى.

 إن التجديد بهذه المعاني يكون على عدّة وجوه، أوّلها: أنّ هناك شيئًا موجودًا بالفعل يُطلب له التجديد، وأنّ التجديد إمّا أن يكون بغرض الإصلاح أو بغرض العودة إلى نشأة الشيء الأولى التي كان عليها والأقرب إلى الوجود الأوّل، والتجديد كذلك إنّما هو بعث وإحياء على الطريقة الأولى.

 إن البعث والتجديد من سنن الكون والخلق، فما من شيء يظلّ على حاله، فالكون في حالة تغير دائم، والتغير سنّة ماضية في النفس والمجتمع والتاريخ، والصعود والهبوط من السنن، والقيادة الحضاريّة والانزواء سنن كونيّة لا تحابي أحد، و«الوسطيّة» و«الشهود» سنن أيضًا لو التزمت بها الأمّة تحقّقت فيها، وإن غابت عنها لغابت هاتان الصفتان أيضًا.

إنّ فعل التجديد يرتبط بطبيعة الإسلام ذاته، فالإسلام كما يصفه إقبال «حركة ثقافيّة يرفض ما اصطلح عليه القدماء من اعتبار الكون مارًّا ثابتًا، فالكون متحرّك متغيّر»؛ ولهذا أقرّ الإسلام والنبوّةُ الهاديةُ منذ البدء فعل «الاجتهاد»، فهو الوجه الآخر للتجديد، وهو استمراريّة لوظيفة الاستخلاف وتأدية الأمانة.

ومن ناحية أخرى ارتبط مفهوم «التجديد» بالحالة الحضاريّة للأمّة في التحرّر من التبعيّة للغرب، ومحاولة بناء نهضة إسلاميّة معاصرة تنطلق من الذات ومرجعيّتها الأصيلة تعتمد على تجديد التعامل مع المصادر والأصول الإسلاميّة التي تمثّل أسس التحضر الإسلاميّ وعماده.

أقسام الدراسة

تنقسم الدراسة إلى ثلاثة فصول بالإضافة إلى المقدّمة المنهجيّة (منهجيّة الدراسة وإطار المعالجة)، الفصل الأول يناقش بدايات التغريب الأولى، وطبيعة التأثّر بالغرب وأدواته ووسائله، واختراقات التغريب لواقع المسلمين الفكريّ والثقافيّ والمتأثّرين بالتغريب وأنصاره في الواقع الإسلاميّ، والفصل الثاني: اتجاهات المسلمين الباكرة نحو المشروع التغريبيّ، أما الفصل الثالث فيتناول اتجاهات الوعي والبعث الإسلاميّ والدعوة إلى التجديد الحضاريّ باعتباره آليّة لمواجهة التغريب ومشروعه وبيان نقائصه وقصوره من ناحية، وبعث الداخل الإسلاميّ للوقوف على ذلك وتطوير الذات وأدواتها الحضاريّة کما يتناول اتجاه التحرّر الفكريّ والاستقلال الحضاريّ ومعالم هذا التحرّر وذلك الاستقلال وأدواتهما.

 

-----------------------------------------

[1]- هربرت تشيللر: الاتصال والهيمنة الثقافيّة، ترجمة: وجيه سمعان، القاهرة، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب،2007، ص21.

[2]- برهان غليون: اغتيال العقل.. محنة الثقافة العربيّة بين السلفيّة والتبعيّة، القاهرة، مكتبة مدبولي، ط3، 1990، ص 25.

[3]- مالك بن نبي: ميلاد مجتمع، ترجمة: عبد الصبور شاهين، دمشق، دار الفكر، ط9، 2012، 76.

[4]- طارق البشري: «الإصلاح والتجدد في أمّتي صناعة محليّة وحضاريّة «في: الإصلاح في الأمّة بين الداخل والخارج، حوليّة أمّتي في العالم، القاهرة، مركز الحضارة للدراسات السياسيّة، 2006، ص 8 .

[5]-المرجع نفسه، ص 8 .

[6] السيد عمر: «مداخل الإصلاح في الأمّة :جدالات الدينيّ والسياسيّ»، حوليّة أمّتي في العالم، مرجع سابق، ص105.

[7]- جوستين ماكارثي: «سياسات الإصلاح العثمانيّ «ترجمة: عبد اللطيف الحارث، مجلّة الاجتهاد، العدد45-46، بيروت، 2000، ص63 .

[8]- أنور الجندي: شبهات التغريب في غزو الفكر الإسلاميّ، بيروت، المكتب الإسلاميّ 1978، ص13، 14.

[9]- فهمي جدعان: أسس التقدّم عند مفكّري الإسلام في العالم العربيّ الحديث، بيروت المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، 1979، ص324.

[10]- جلال آل أحمد: نزعة التغريب، ترجمة: حيدر نجف، كتاب قضايا إسلاميّة معاصرة، (21)، 2000، ص31 .

[11]-  مالك بن نبي: فكرة كمنويلث إسلاميّ، ترجمة: الطيب الشريف، دمشق، دار الفكر، ط10 ،2012، ص28.

[12]- إبراهيم الدسوقيّ شتا: الثورة الإيرانيّة الجذور.. الأيديولوجيّة، القاهرة، الزهراء للإعلام العربيّ، ط2 1988 ، ص186.

[13]- جمال الدين أبو الفضل ابن منظور: لسان العرب، ج2، بيروت، دار إحياء التراث العربيّ، ط2، 1997، ص202.