فهرس المحتويات

العتبة العباسية المقدسة المركز الاسلامية للدراسات الاستراتيجية سلسلة مصطلحات معاصرة 23 الهيرمينوطيقا منشأ المصطلح ومعناه واستعمالاته في الحضارات الانسانية المختلفة صفدر إلهي راد تعريب:حسنين الجمال
هذه السلسلة تتغيا هذه السلسلة تحقيق الاهداف المعرفية التالية: أولا:الوعي بالمفاهيم واهميتها المركزية في تشكيل وتنمية المعارف والعلوم الانسانية وادراك مبانيها وغاياتها ، وبالتالي التعامل معها كضرورة للتواصل مع عالم الافكار ، والتعرف على النظريات والمناهج التي تتشكل منها الانظمة الفكرية المختلفة. ثانيا:إزالة الغموض حول الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي غالبا ما تستعمل في غير موضعها أو يجري تفسيرها على خلاف المراد منها.لا سيما وان كثيرا من الاشكاليات المعرفية ناتجة من اضطراب الفهم في تحديد المفاهيم والوقوف على مقاصدها الحقيقة. ثالثا:بيان حقيقة ما يؤديه توظيف المفاهيم في ميادين الاحتدام الحضاري بين الشرق والغرب،وما يترتب على هذا التوظيف من آثار سلبية بفعل العولمة الثقافية والقيمية التي تتعرض لها المجتمعات العربية والاسلامية وخصوصا في الحقبة المعاصرة. رابعا:رفد المعاهد الجامعية ومراكز الابحاث والمنتديات الفكرية بعمل موسوعي جديد يحيط بنشأة المفهوم ومعناه ودلالاته الاصطلاحية ، ومجال استخداماته العلمية،فضلا عن صلاته وارتباطه بالعلوم والمعارف الأخرى. المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية

الفهرس

 

الفصل الأول: مفهوم الهيرمينوطيقا11

الفصل الثاني: لمحة تاريخية عن الهيرمينوطيقا23

الفصل الثالث: الهيرمينوطيقا  الكلاسيكية45

الفصل الرابع: الهيرمينوطيقا شلايماخر61

الفصل الخامس: هيرمينوطيقا  دلتاي81

الفصل السادس: الهيرمينوطيقا  الفلسفية 1: هايدغر103

الفصل السابع: الهيرمينوطيقا  الفلسفية 1: غادامير123

الفصل الثامن: الهيرمينوطيقا  الفلسفية تحليلها ومناقشتها147

الفصل التاسع: هيرمينوطيقا  ريكور177

الفصل العاشر: الهيرمينوطيقا العينية203

الفصل الحادي عشر: مباني الهيرمينوطيقا في الفكر الإسلامي229

الفصل الثاني عشر: المباني الهيرمينوطيقية في الفكر الإسلامي247

الفصل الثالث عشر: الأصول الهيرمينوطيقية في الفكر الإسلامي (1)265

الفصل الرابع عشر: الأصول الهيرمينوطيقية في الفكر الإسلامي (2)281

(4)

مقدمة المركز

تدخل هذه السلسلة التي يصدرها المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية في سياق منظومة معرفية يعكف المركز على تظهيرها، وتهدف إلى درس وتأصيل ونقد مفاهيم شكلت ولمّا تزل مرتكزاتٍ أساسيةً في فضاء التفكير المعاصر.

وسعيًا إلى تحقيق هذا الهدف وضعت الهيئة المشرفة خارطةً برامجيةً شاملةً للعناية بالمصطلحات والمفاهيم الأكثر حضورًا وتداولًا وتأثيرًا في العلوم الإنسانية، ولا سيما في حقول الفلسفة، وعلم الاجتماع، والفكر السياسي، وفلسفة الدين، والاقتصاد، وتاريخ الحضارات.

أما الغاية من هذا المشروع المعرفي فيمكن إجمالها بالتالي:

أولًا: الوعي بالمفاهيم وأهميتها المركزية في تشكيل وتنمية المعارف والعلوم الإنسانية وإدراك مبانيها وغاياتها، وبالتالي التعامل معها كضرورةٍ للتواصل مع عالم الأفكار، والتعرُّف على النظريات والمناهج التي تتشكّل منها الأنظمة الفكرية المختلفة.

ثانيًا: إزالة الغموض حول الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي غالبًا ما تستعمل في غير موضعها أو يجري تفسيرها على خلاف المراد منها. لا سيما وأن كثيرًا من الإشكاليات المعرفية ناتجة من اضطراب الفهم في تحديد المفاهيم والوقوف على مقاصدها الحقيقية.

(5)

ثالثًا: بيان حقيقة ما يؤديه توظيف المفاهيم في ميادين الاحتدام الحضاري بين الشرق والغرب، وما يترتّب على هذا التوظيف من آثارٍ سلبيةٍ بفعل العولمة الثقافية والقيمية التي تتعرض لها المجتمعات العربية والإسلامية، وخصوصًا في الحقبة المعاصرة.

رابعًا: رفد المعاهد الجامعية ومراكز الأبحاث والمنتديات الفكرية بعملٍ موسوعيٍ جديدٍ يحيط بنشأة المفهوم ومعناه ودلالاته الاصطلاحية، ومجال استخداماته العلمية، فضلًا عن صِلاته وارتباطه بالعلوم والمعارف الأخرى. وانطلاقًا من البعد العلمي والمنهجي والتحكيمي لهذا المشروع، فقد حرص المركز على أن يشارك في إنجازه نخبةٌ من كبار الأكاديميين والباحثين والمفكرين من العالمين العربي والإسلامي.

***

يعرض هذا الكتاب إلى "الهيرمينوطيقا" كعلم يرجع إلى نظرية المعرفة ونظرية الوجود في آن. والأبحاث الأساسية في هذا العلم ذات تاريخ طويل بعد وإلى ما قبل اليونان مروراً بالأديان الوصايتية وصولاً إلى الحضارات المعاصرة.

تتركز فصول الكتاب على بيان أصل المفهوم ونشأته والتأويلات التي ظهرت حوله في الأدبيات المختلفة للحضارات البشرية.

 والله ولي التوفيق

(6)

   تمهيد

الهيرمينوطيقا علمٌ يرجع إلى نظرية المعرفة وإلى نظرية الوجود. وللأبحاث الأساسية في هذا العلم تاريخٌ طويلٌ عند العلماء المسلمين، على الرغم من أنها برزت إلى الساحة في الغرب في القرن السابع عشر وبعد القرون الوسطى بسبب بعض الهواجس الدينية. فأبحاث الهيرمينوطيقا موجودةٌ في آثار المفكرين المسلمين، لكن لا تحت مصطلحها العلمي «الهيرمينوطيقا»؛ بل مبثوثة في طيات علوم عديدة، من قبيل: نظرية المعرفة، أصول الفقه، أصول تفسير القرآن ومناهجه، وقواعد فهم الحديث.

ويصعب أن نذكر تعريفا محددا للهيرمنيوطيقا، بسبب حدوث تطوراتٍ أساسيةٍ في مدارسها المختلفة. لكن بقليل من التسامح، يمكننا أن نقول بأن موضوع علم الهيرمينوطيقا هو «فهم الإنسان» بالنسبة إلى أمورٍ مختلفةٍ، من قبيل: كلام الآخرين وكتاباتهم وسلوكهم، بل بالنسبة إلى كل الأشياء الخارجية. ويبحث هذا العلم عن تحليل أصل الفهم وكيفية تحققه، كما يبين مناهج تحقق الفهم الصحيح. لذا، نلحظ فيه نظرية الوجود ونظرية المعرفة.

والكتاب الذي بين يديك عبارةٌ عن دروسٍ بحثيةٍ في مجال الهيرمينوطيقا. ومن خلال الالتفات إلى أهميتها، لا سيما في العلوم الدينية والإنسانية، فقد حاولنا أن نعرض أهم المسائل التي بحثها الغربيون والإسلاميون، على شكل دروسٍ معتمدين فيها المنهج التاريخي والتحليلي.  والمخاطب الأساس في هذه الدروس هم الباحثون الجامعيون والحوزويون؛ لأن إمكان تحقق الفهم الصحيح

(7)

للظواهر ولآثار الآخرين هو من أهم هواجسهم. ولطالما واجهنا الأسئلة التالية: «هل ثمة طريقٌ للوصول إلى الفهم الصحيح والخالص؟»، «كيف لنا أن نعلم أن أفهامنا غيرُ مرتبطةٍ بظروفنا الذهنية؟». فإذا لم نتمكن من الحصول على إجابة واضحة لهذا النوع من الأسئلة، فإنه لن يمكننا الاعتماد على نظريات الآخرين وفهم وتفاسيرهم، ولا على نظرياتنا وفهمنا وتفاسيرنا. وبالتالي، يكون من المجازفة ادّعاء أيِّ نظامٍ فكريٍّ وعمليٍّ، فنقع أسرى النسبية المطلقة. وهذه النتيجة هي التي أسرت المفكرين الغربيين والذين أصبحوا متنوّرين من المسلمين، فلم يجدوا مناصا من القول بنسبية المعرفة.

وقد رتّبنا هذا الكتاب على أربعة عشر درسا، لكي يطّلع الباحثون في مراحل الإجازة والماجستير على علم الهيرمينوطيقا وأهم مدارسه والنظريات المدوّنة فيه.

وحللنا في الدرس الأول لفظ الهيرمينوطيقا، ثم بيّنا تعاريفه ومفاهيمه المختلفة. وذكرنا في الدرس الثاني لمحةً تاريخيةً عنها ضمن ثلاثة محاور: تاريخ مباحث الهيرمينوطيقا، تاريخ استعمال لفظ الهيرمينوطيقا، وتاريخ علم الهيرمينوطيقا.

واختص الدرس الثالث ببيان المراحل الأولى للهيرمنيوطيقا في الغرب، أي الهيرمينوطيقا الكلاسيكية، التي حدثت لأجل بيان قواعد فهم الكتاب المقدّس. ولأجل ذلك، اعتنينا بالنظريات الهرمنيوطيقية لأهم شخصٍ في هذه المدرسة وهو جان مارتن كلادينيوس.

وقد قمنا في الدرسين الرابع والخامس بتحليل النظريات الهرمنيوطيقية لشخصيتين مهمتين في الهيرمينوطيقا الحديثة، هما: فريديريك شلايرماخر، و فيلهلم دلتاي. وقد تأسست هذه المدرسة

(8)

في القرن التاسع عشر ميلادي، ويمكن عدّها منعطفاً في أصل هذا العلم وتحوّلاته الآتية.

وقد بحثنا من الدرس السادس إلى الثامن عن الهيرمينوطيقا الفلسفية بوصفها أهم محرّكٍ للهيرمنيوطيقا الغربية. وعلى هذا الأساس، بحثنا في الدرس السادس نظريات هايدغر التي تمثل الأساس لهذه المدرسة، وفي الدرس السابع نظريات غادامير الذي يُعدّ من أفضل تلاميذه. وقد أشرنا في الدرس الثامن إلى تأثير الهيرمينوطيقا الفلسفية الغربية على المسلمين الذين أصبحوا متنوّرين. ثم ذكرنا نقداً على الأسس الهرمنيوطيقية لهذه المدرسة.

واستعرضنا في الدرسين التاسع والعاشر نظريات بعض الغربيين الذين انتقدوا الهيرمينوطيقا الفلسفية. ففي الدرس التاسع، ذكرنا آراء بول ريكور بوصفه منتقداً متأثراً بالهيرمينوطيقا الفلسفية، وفي الدرس العاشر ذكرنا نظريات إميلو بتي وإيريك دونالد هرش بوصفهما العلمَيْن المعاصرَيْن للهيرمنيوطيقا العينية، أو فقل: بوصفهما منتقدَيْن وغيرَ متأثرَيْن بالهيرمينوطيقا الفلسفية.

واختص الدرس الحادي العاشر إلى الرابع عشر بمباحث الهيرمينوطيقا التي اهتم بها الفكر الإسلامي: فبحث الدرس الحادي عشر والثاني عشر عن مباني الهيرمينوطيقا في الفكر الإسلامي، والدرس الثالث عشر والرابع عشر عن أصول الهيرمينوطيقا في الفكر الإسلامي.

ومن الواجب في الختام أن أشكر كل من ساهم في تأليف هذا الكتاب، وهم: الأستاذ العلامة الشيخ مصباح اليزدي (دامت بركاته)، الذي مهّد الأرضية للتقدم في العلوم الإنسانية الإسلامية من خلال

(9)

تأسيسه لـ مؤسسه آموزشى و پژوهشی إمام خمينى؛ والشيخ الأستاذ محمود فتح علي، مدير لجنة الكلام وفلسفة الدين في هذه المؤسسة، والذي كان له دورٌ في هذا الكتاب؛ والمشايخ الأعزّاء: أحمد أحمدي، وأحمد واعظي، وحسن يوسفيان، الذين أضافوا ملاحظاتٍ قيّمةً على هذا الكتاب؛ والشيخ الدكتور محمد حسين مختاري الذي أبدى آراءه خلال كتابة الدروس العشرة الأولى؛ والسيد محمود مرتضى الشاهرودي الذي شارك في تدوين الدرس التاسع؛ والشيخ حمزة علي مختاري الذي ساهم في تدوين الدرس العاشر.

كما أتقدم بالشكر الجزيل إلى المسؤولين في معاونية البحوث وإدارة تدوين المتون في هذه المؤسسة، لا سيما مسؤول إدارة تدوين المتون الدرسية السيد علي حسين فاطمي. وأشكر العاملين المحترمين في مؤسسة سازمان مطالعه و تدوين كتب علوم إنسانى دانشگاه ها (سمت).

وأسأل الله تعالى أن يتقبل مني هذا القليل وأن يجعله ذخراً لطلاب العلم والحقيقية.

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

(10)

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول

مفهوم الهيرمينوطيقا

 

(11)

مفهوم الهيرمينوطيقا

الهيرمينوطيقا علمٌ مرتبطٌ بعددٍ من العلوم الأخرى، ويتميّز بأنه أساسٌ لسائر العلوم. فأيُّ تغيّرٍ فكريٍّ يحصل في هذا العلم، فإنه سوف يؤدي إلى تغيّراتٍ وتحوّلاتٍ في المجالات الفكرية الأخرى، لا سيما في العلوم الإنسانية التي تحتاج إلى نظامٍ معرفيٍّ متناسقٍ يشتمل على مِلاكٍ محدَّدٍ في الفهم والتفسير. وتحتاج العلوم الإنسانية إلى نظرياتٍ متناسقةٍ ومنظِّمةٍ للفهم والتأويل والتفسير، بسبب علاقة هذه العلوم بالنصوص المرجعية (كالنصوص الدينيّة)، وعلاقتها بالقضايا والنصوص المرتبطة بهذه العلوم نفسها.

وتؤدي النظريات المختلفة في الهيرمينوطيقا إلى تغيّر مفهومها أيضاً. فكلُّ عالمٍ ومفكرٍ خاض هذا العالم، تراه يُعرّف الهيرمينوطيقا على أساس اتجاهه فيها؛ وبعبارةٍ أخرى: اتخاذ مناهجَ واتجاهاتٍ مختلفةٍ في الهيرمينوطيقا يؤدي إلى اختلافٍ في ماهيتها وموضوعها وغرضها. وصحيحٌ أن هذا الأمر يساهم في فهم الاتجاهات المختلفة، إلا أنه يوجب نحوَ اضطرابٍ في فهم أصل معنى الهيرمينوطيقا. وعلى هذا الأساس، يرجع عدم إمكان تعريفٍ واحدٍ ومتناسقٍ للهيرمنيوطيقا إلى التغيّر الأساسي في موضوعها وغرضها والذي يعكس اختلاف الاتجاهات والمناهج فيها.

وبناءً عليه، لا بد لنا أن نشير إلى التعريفات المهمة والمرتبطة

(12)

بالاتجاهات المختلفة، لأجل أن نصل إلى تعريفٍ للهيرمنيوطيقا. وبما أن هذه التعريفاتِ كلَّها متمحورةٌ حول لفظ الهيرمينوطيقا، فإنه لا بد من البدء بتحليل هذا اللفظ.

تحليل لفظ الهيرمينوطيقا:

يرجع أصل لفظ (Hermeneutics)[1] إلى الفعل اليوناني (hermeneuein) الذي يُترجم بالتأويل والتفسير. كما أن اسم (hermeneia) يعني التأويل أو التفسير[2]. لذا، نجد أن علم الهيرمينوطيقا مرتبطٌ مباشرةً بمباحث التفسير والتأويل. وسوف ترى أن كل التعاريف التي سنبيّنها في هذا الدرس، لها نوعُ ارتباطٍ بالتفسير والتأويل.

ولقد استخدمت النصوص القديمة المختلفة لفظتَيْ (hermeneuein) و (hermeneia). فعلى سبيل المثال، اهتمّ أرسطو بموضوع التأويل وصنّف رسالةً كبيرةً في كتابه أرغنون[3] حملت اسم «پری أرمينياس»[4] (عن التأويل)[5]. كما نجد لهذه

(13)

الكلمة حضوراً في مواردَ مختلفةٍ في كتب أفلاطون[1]. وعلى هذا الأساس، يكون استعمال هذه اللفظة في النصوص القديمة ناظراً أيضاً إلى مقولة التفسير والتأويل.

وتوجد علاقةٌ واضحةٌ بين لفظ هيرمنيوطيقا ولفظ هرمس (Hermes). فهرمس إلهٌ عند اليونانيين، يُعنى بنقل الرسالة من الآلهة إلى الناس[2]. وبناءً على هذا الوجه من التسمية، فإن حقيقة هرمس تنطوي على نقل الرسالة. والهيرمينوطيقا من هذه الجهة مرتبطةٌ بهرمس، إذ هي علمٌ آليٌّ لتحليل وبيان طرق انتقال المعاني والمقاصد. وكما أن الدور الأساس لهرمس هو نقل الرسالة إلى الإنسان، فإن الهدف الأساس من علم الهيرمينوطيقا هو بيان كيفية انتقال الرسائل إلى البشر وبيان اعتبارها.

ويرى البعض أنّ ثمة ارتباطاً جذريّاً بين هرمس والهيرمينوطيقا؛ بسبب العناصر الثلاثة المهمة في عملية التفسير، وهي: العنصر الأول: العلامة أو الرسالة أو النص الذي يجب تفسيره؛ العنصر الثاني: الواسطة أو المفسِّر الذي يوصل الرسالة؛ والعنصر الثالث: انتقال الرسالة إلى المخاطَبين. وكان هرمس يقوم بالعنصر الثاني، وهو دور الواسطة والمفسِّر[3].  ويشير اللفظ اليوناني هرمايوس (hermeios) إلى الكاهن المتنبئ في معبد دلفي، كما أنه ناظرٌ أيضاً إلى هرمس، الإله الرسول[4].

(14)

وانطلاقا من هذه المعاني، نُسبت إلى هرمس وظيفة تبديل المفاهيم التي هي وراء فهم البشر إلى مفاهيمَ قابلةٍ للفهم والإدراك. وهكذا، تشتمل الأشكال المختلفة لهذه الكلمة  على تبديل الأمور غير المفهومة إلى مفهومةٍ؛ كما أن اليونانيين ينسبون إلى هرمس وضع اللغة والخط كأداتين مهمتين لأجل إدراك المعنى وانتقاله إلى الآخرين. ومارتن هايدغر[1] – وهو الفيلسوف الذي يرى الفلسفة تأويلاً - يصرّح بأن الفلسفة هي بمنزلة علم الهيرمينوطيقا وهي مرتبطةٌ بهرمس أيضا. وعلى هذا الأساس، فإن مصطلح «علم الهيرمينوطيقا» – الذي يرجع إلى اليونان - يتضمّن معنى «التبديل إلى الفهم»[2].

تحليل مفهوم الهيرمينوطيقا:

من خلال الالتفات إلى ما تقدم في أوائل هذا الدرس، يتضح أن بيان تعريفٍ جامعٍ ودقيقٍ للهيرمنيوطيقا أمرٌ صعبٌ وغيرُ ناظرٍ للواقع. ونشير مرة أخرى إلى أن التعاريف في هذا المجال قد تنوّعت بسبب اختلاف الاتجاهات فيه على مر تاريخ هذا العلم. وكلّ من سعى لذكر تعريفٍ ما، فقد كان يعرّف بناء على الاتجاه الذي يذهب إليه.

وسوف نسعى في هذا الكتاب أن نبيّن معنى الهيرمينوطيقا ملاحظين في ذلك التعاريف المختلفة التي ذكروها وغير غافلين عنها. وعلى هذا الأساس، سوف نشير باختصارٍ إلى أهم معاني الهيرمينوطيقا التي ذكرتها تلك الاتجاهات المختلفة[3].

(15)

1. نظرية تفسير الكتاب المقدّس:

يمكن عدّ هذا التعريف من أقدم تعاريف الهيرمينوطيقا وأكثرها شيوعاً؛ لأن بداية الاستعمال الجدّي لعلم الهيرمينوطيقا كانت في عصرٍ احتاجوا فيه إلى تدوين كتبٍ مبيِّنة لقواعد التفسير الصحيح للكتاب المقدّس. وهذا ما يدل عليه أيضا عنوان كتاب دان هاور «الهيرمينوطيقا المقدسة أو منهج تأويل النصوص المقدّسة» (1654م)[1].

وعلى أساس هذا التعريف الذي كان متزامناً مع تشكّل علم الهيرمينوطيقا، يحتاج جميع الناس في فهم الفقرات المبهمة من النصوص المقدسة إلى قواعدَ ناظرةٍ إلى شرائط الفهم الصحيح وممهِّدةٍ له. طبعا، كان هذا التعريف في البداية محدوداً بالكتاب المقدّس، لكنّه توسّع على مرّ التاريخ ليشمل النصوص غير المقدّسة أيضاً.

والسر في تعميم لفظ الهيرمينوطيقا في اللغة الإنكليزية إلى النصوص غير المقدسة هو أنها -كالنصوص المقدسة- مبهمةٌ وتحتاج في فهم معانيها إلى نظريةِ تفسيرٍ أيضاً[2].

وقد ظهر هذا التعريف في أحضان الهيرمينوطيقا الكلاسيكية[3].

(16)

ويرى جان مارتن كلادينيوس[1](1710- 1759م) - وهو من أبرز الباحثين في علم الهيرمينوطيقا في ذاك العصر - أن الهيرمينوطيقا هي فن التفسير[2]. ويعتقد أنه يصعب أن نفهم العبارات المقولة والمكتوبة بشكلٍ كاملٍ، بسبب وجود إبهاماتٍ فيها. فالهيرمينوطيقا هي فن الوصول إلى الفهم الكامل والتام لهذه العبارات. ويمكن إزالة هذه الإبهامات اعتماداً على القواعد المحرّرة في هذا العلم[3].

ويرى كلادينيوس أيضاً أنه يمكن من خلال التأويل أن نصل إلى المعنى القطعي والنهائي الذي يريده المؤلف. ويهدف التأويل إلى الكشف عن هذا المعنى المراد[4].

وعلى ضوء هذا التعريف الأول، يمكن أن نقول بأن علم الهيرمينوطيقا هو بمنزلة علمَيِ التفسير وأصول الفقه السائدَين في أواسط العلماء المسلمين. ومن أهم أهداف هذين العلمين الإسلاميين هو تحليل وبيان قواعد الوصول إلى الفهم الصحيح للنصوص الدينية (الآيات والروايات). ويتجلى هذا الأمر بوضوحٍ في مباحث الألفاظ من علم أصول الفقه السائد بين الأصوليين المسلمين، حيث بيحثون فيها عن القواعد التي نحتاج إليها للكشف عن مراد المتكلم.

(17)

2. نظرية الفهم:

يرى شلايرماخر[1] أن الهيرمينوطيقا هي فنّ الفهم؛ أي الفن الذي لا يمكن الوصول إلى الفهم إلا من خلاله. وانطلاقاً من أن تفسير الفهم معرَّضٌ دائما لخطر الابتلاء بسوء الفهم، عدّ شلايرماخر الهيرمينوطيقا مجموعةَ قواعدَ منهجيةٍ تُستخدم لرفع هذا الخطر[2].

وقد بدّل هذا الفهمُ علمَ الهيرمينوطيقا من مجموعةِ قواعدَ إلى علمٍ منظَّمٍ ومتناسقٍ. وبعبارةٍ أخرى: الهدف الأساس من هذا الفهم للهيرمنيوطيقا هو بيان شرائط الفهم في كلِّ محاورة، بحيث يمكن عدّ أصولها أساساً لأيِّ نوعٍ من الفهم والتأويل. والجديد في هذه النظرة إلى الهيرمينوطيقا، أنه عُرِّف هذا العلم لأول مرةٍ بأنه الباحث عن نفس الفهم[3]. وعلى هذا الأساس، كان شلايرماخر في صدد بيان أن الهيرمينوطيقا نوعٌ من الفنون - أي هي شرحٌ منهجيٌّ للقواعد الحاكمة على النصوص - يُعنى ببيان كيفية التأويل بحيث لا نقع في التفسير بالرأي[4].

3. المنهج العام للعلوم الإنسانية:

يرى فيلهلم دلتاي[5] أن الهيرمينوطيقا منهجٌ عامٌّ وعلمٌ أساسٌ تُبنى

(18)

عليه كل العلوم الإنسانية[1]. لذا، سعى أن ينظّم علم الهيرمينوطيقا  كمنهجٍ جامعٍ للفهم والتأويل في هذه العلوم.

وكان يريد أن ينقل نهضة كانط في العلوم الطبيعية إلى العلوم الإنسانية، لكن بمنهجٍ يتناسب معها. فكما أن كانط استفاد من نقد العقل المحض لفهم العلوم الطبيعية وبيانها، فإن دلتاي رأى أنه يجب أن نبدأ من «نقد العقل التاريخي»[2] في العلوم الإنسانيّة. ويعتقد دلتاي أن الهيرمينوطيقا هي أفضل منهجٍ يمهّد للفهم الصحيح في العلوم الإنسانيّة[3].

ويؤكّد دلتاي على أن حصول الاطمئنان في العلوم الطبيعية مرهونٌ للمنهج الصحيح الحاكم فيها. ومن جهةٍ أخرى، خلص إلى أن الفراغ الأساس في العلوم الإنسانية هو عدم الاستفادة من منهجٍ جامعٍ. لذا، صبّ كل جهده لتقعيد علم الهيرمينوطيقا الذي يمهِّد المباني المنهجية للعلوم الإنسانية.

4. النظرية الوجودية للفهم:

التعاريف الثلاثة السابقة متقاربةٌ جداً، وتدور حول تهيئة الأرضية لتحقق الفهم الصحيح لمراد المتكلم –أو الكاتب-، والحذر من الوقوع في سوء فهمه. وفي الحقيقة، لا نشاهد بين هذه التعاريف اختلافاً أساسيّاً ولا غيرَ أساسيٍّ.

وهذا ما أكّد عليه جان غروندن في كتابه مدخلٌ إلى علم

(19)

الهيرمينوطيقا الفلسفية (درآمدى به علم هرمنوتيك فلسفى). وهو يعتقد أنه منذ  ظهور الهيرمينوطيقا في القرن السابع عشر وإلى أواخر القرن التاسع عشر، كان المقصود من هذا العلم هو فنّ التأويل، أي تنظيم القواعد الحاكمة على التأويل. ويرى أن الهيرمينوطيقا في هذه القرون الثلاثة كانت علماً معياريّاً يعتمد على منهجٍ معرفيٍّ لأجل عدم الوقوع في سوء الفهم والتفسير بالرأي. ومن هنا، تجد أنهم في عصر النهضة قد استفادوا من الهيرمينوطيقا كـ «علمٍ مساعدٍ»، فدوّنوا الهيرمينوطيقا الكلامية والفلسفية والحقوقية، لأجل تأويل النصوص وتفسيرها[1].

وقد أدّت نشأة الهيرمينوطيقا الفلسفية إلى تحوّلٍ مهمٍّ في الاتجاهات الهرمنيوطيقية، وإلى تغيّرٍ جوهريٍّ لمفهوم الهيرمينوطيقا. فلم تكن الهيرمينوطيقا الفلسفية تبحث عن قواعد التأويل، ولا تريد بيان منهجٍ لكل العلوم الإنسانيّة؛ بل كانت بصدد تحليل ماهية الفهم نفسه، وتعدّه الهدف المحوري للهيرمنيوطيقا.

وانطلاقاً من أن الفهم والتأويل جهات أساسية في وجود الإنسان، يرى هايدغر أن الهيرمينوطيقا تحليلٌ لظاهر الفهم الموجودة عند الإنسان، وبحسب عبارته: الهيرمينوطيقا هي «دازاين»[2]. وقد تابع غادامير رسالة هايدغر، ورأى أن الهيرمينوطيقا نوعٌ من النظرية الوجودية للفهم، بناءً على اعتباره وجود الفهم لغةً من اللغات[3].

(20)

ويعتقد هايدغر في مجال السؤال عن الوجود، أن أول وظيفةٍ هي تحليل الوجود الإنساني أو الدازاين. طبعا، يعدّ  هذا التحليل للوهلة الأولى تحليلاً تمهيديّاً يفسح المجال أمام تحليل الوجود نفسه[1]. ومن الواضح من تعاريف هايدغر وغادامير أن الهيرمينوطيقا الفلسفية أدّت إلى تحوّلٍ عميقٍ في أصل النظرة إلى الهيرمينوطيقا والمراد منها. ففي هذه النظرة الجديدة، لا يمكن أن نقول بأن الهيرمينوطيقا أداةٌ وقواعدُ لأجل الوصول إلى المراد الجدي للمؤلّف أو المتكلم، بل صار محور هذا العلم هو تحليل وجود الفهم نفسه؛ وبعبارةٍ أخرى: صارت الهيرمينوطيقا تبحث عن شرائط تحقق الفهم وخصائصها الوجودية.

فقد سحب هايدغر الهيرمينوطيقا من مجال المعرفة والمنهجية إلى مجال الوجود، وسعى إلى أن يؤسس الهيرمينوطيقا على النظرية الوجودية. لكنه لم يستطع أن يرجع إلى المباحث المعرفية وأن يجيب عن الأسئلة المرتبطة بها. أما غادامير، فقد سعى أن يُرجع الهيرمينوطيقا إلى الساحة المعرفية، وأن يحلّ مشكلة الهيرمينوطيقا[2]. ومن خلال التفاته إلى دخالة اللغة في الفهم، حاول أن يذكر تحليلاً لماهية المعرفة يكون صالحاً في كل المجالات المعرفية.

ويقول هايدغر عن مراده من الهيرمينوطيقا: «ليست الهيرمينوطيقا مرتبطةً بفن التأويل، كما أنها ليست نفس التأويل، بل هي سعيٌ لأجل فهم «ما هو التأويل؟»[3].

(21)

5. نظام التأويل:

بعد عصر الهيرمينوطيقا الفلسفية، ذهب بول ريكور[1] إلى أن الهيرمينوطيقا شبيهةٌ بنظام تأويلٍ وتفسيرٍ. فعرّفها على النحو التالي:

«هي نظريةٌ للقواعد الحاكمة على التفسير؛ أو بعبارةٍ أخرى: هي تأويلٌ لنصٍّ خاصٍّ أو لمجموعةٍ من العلامات التي تُعتبَر بمثابة النص»[2].

وهذا هو مراد ريكور عندما يقول: «الهيرمينوطيقا هي نظريةُ عمل الفهم عندما يتعامل مع تأويل النصوص»[3].

ويعتقد بول ريكون أن الهيرمينوطيقا عمليةٌ لفكّ الرموز، بحيث تنطلق من المعنى الظاهر للوصول إلى المعنى الباطن والمكنون[4]. ولا يحصر موضوع التأويل بالنصوص الاصطلاحية، بل يرى أنّ نظامه التأويلي يشمل الرموز الموجودة في الرؤيا وفي الأساطير ورموز المجتمع واللغة[5].

(22)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

لمحة تاريخية عن الهيرمينوطيقا

(23)

لمحة تاريخية عن الهيرمينوطيقا

بعد أن بيّنا مفهوم الهيرمينوطيقا بحسب النظريات المختلفة، نشير في ما يلي إلى السير التاريخي لتطوّر هذا العلم على مرّ القرون. فعلى الرغم من وضوح هذا التطوّر وتأثيراته العملية في هذا العصر، إلا أنه يجب ألّا نغفل عن تاريخ هذا العلم.

تُعدّ الهيرمينوطيقا الفلسفية المعاصرة محرِّكاً أساساً في هذا المجال، لكن لا بد من الالتفات أيضا إلى الهيرمينوطيقا الكلاسيكية والمعاصرة، لأنه: أولاً: لا ينحصر علم الهيرمينوطيقا بحسب المصطلح الغربي بالاتجاه الفلسفي المعاصر، بل يشمل سائر الاتجاهات الهرمنيوطيقية أيضاً، وثانياً: يوجد الآن أتباعٌ للاتجاهات الهرمنيوطيقية غير الفلسفية، وهم ينتقدون الاتجاهات الهرمنيوطيقية الفلسفيّة والوجودية، بل حتى أنه في أواخر القرن العشرين نرى البعض لا يتبنّى الهيرمينوطيقا الفلسفية، وثالثاً: ليست الهيرمينوطيقا الفلسفيّة غيرَ مرتبطةٍ بالاتجاهات السابقة، بل وُجدت بسبب بعض الاتجاهات الحديثة كأفكار دلتاي.

ويُعاني تاريخ الهيرمينوطيقا من مشكلاتٍ ونقائصَ. فلأجل ذلك، لا يمكننا الوصول إلى تاريخٍ واضحٍ وجامعٍ وكاملٍ لهذا العلم. وهذا النقص معلولٌ لعدة عوامل، نشير إليها قبل أن نشرع في بيان اللمحة التاريخية عن الهيرمينوطيقا. وتجدر الإشارة إلى أننا نكتفي ببيانٍ إجماليٍّ لسير التحولات الهرمنيوطيقية؛ لأن

(24)

تاريخها كبيرٌ، ولا نريد التوسّع في هذا الكتاب الذي بين يديك.

مشكلات النظرة التاريخية إلى الهيرمينوطيقا بحسب المصطلح الغربي:

يصعب تحديد تاريخٍ معيّنٍ للهيرمنيوطيقا بحسب المصطلح الغربي، بل يمكن القول بعدم إمكانه. وكلُّ من بادر  إلى تحديد تاريخٍ لهذا العلم، فإنك ترى في كلامه الكثير من الاضطراب. فهل يمكن أن نتّهم مؤرّخي الهيرمينوطيقا بالضعف والتقصير في نظرتهم التاريخية إلى الهيرمينوطيقا بحسب المصطلح الغربي؟ هل واقعاً لا يستطيع الباحثون في الهيرمينوطيقا الوصول إلى تاريخها؟ كيف يمكننا أن نتجاوز هذا الفراغ المهم جدّاً في مجال علم الهيرمينوطيقا؟

يبدو لنا أن عدم وجود لمحةٍ تاريخيةٍ متناسبةٍ مع الهيرمينوطيقا الغربية، ليس معلولاً بالضرورة لضعف الكتّاب في المجال التاريخي، ولا لغفلتهم عن تاريخ الهيرمينوطيقا، بل ثمة عاملان رئيسيان دخيلان في هذه المشكلة، هما:

1. اتّساع رقعة أبحاث الهيرمينوطيقا:

يصعب العثور على نقطةٍ محدّدةٍ لبداية تكوّن هذا العلم كما يصعب بيان تاريخٍ منظّمٍ له؛ بسبب اتّساع رقعة الأبحاث الهرمنيوطيقية وشمولها للكثير من الشؤون الإنسانية. وحيث إن علم الهيرمينوطيقا أساسٌ لعلومٍ إنسانيةٍ متعددةٍ[1]، مثل: الفن واللغة

(25)

والحقوق والسياسة والكلام و...، فقد أدّى ذلك إلى أن يُلتفت في تاريخ الهيرمينوطيقا إلى كل هذه المجالات الفكرية. فعلى سبيل المثال، إن كانت الهيرمينوطيقا أساساً لعلوم اللغة، فإنه لا يمكننا أن نغفل في سير تطور علم الهيرمينوطيقا عن هذه العلوم اللغوية. وهذا التوسّع في مجال استخدام الهيرمينوطيقا، قد أدّى إلى عدم الثبات في النظرة التاريخية إليها أو عدم تنظيمها. وعلى هذا الأساس، لا يمكننا الوصول إلى تاريخ جامع في هذا المجال.

2. عدم تقسيم أنواع النظرة التاريخية إلى الهيرمينوطيقا:

من الأمور المهمة التي لا بد من الالتفات إليها هو وجود أنواعٍ مختلفةٍ في بيان تاريخ الهيرمينوطيقا؛ إذ يوجد ثلاث جهاتٍ يمكن من خلالها النظر إلى تاريخها:

1. تاريخ الأبحاث الهرمنيوطيقية؛

2. تاريخ استخدام كلمة الهيرمينوطيقا؛

3. تاريخ علم الهيرمينوطيقا من حيث كونه علما منظّماً وممنهجاً.

أما الجهة الأولى، وهي تاريخ الأبحاث الهرمنيوطيقية، فلا ترتبط بالضرورة بلفظ الهيرمينوطيقا أو بمصطلحها؛ لأنّه لا علاقة لنا في هذه الجهة إلا بمضمون الهيرمينوطيقا. ولا فرق في ذلك بين أن يكون هذا المضمون مذكوراً في علم الهيرمينوطيقا أو تحت مصطلحه أو تحت أيِّ عنوانٍ آخرَ. بل يجب أن نبحث عن مسائل الهيرمينوطيقا حتى لو لم يُتعرّض لها في ذيل مفهوم الهيرمينوطيقا ومرادفاته.

(26)

وأما الجهة الثانية، وهي تاريخ استخدام لفظ الهيرمينوطيقا ومشتقاته، فترتبط بمعرفة هذا اللفظ والأبحاث المرتبطة به. ونبحث في هذا القسم عن الأبعاد اللغوية لهذا اللفظ، وتاريخ استخدامه في كلمات المؤلفين والمفكرين. وهذه الجهة أيضاً أعمّ من أن يكون لفظ الهيرمينوطيقا قد استُخدم بشكله العلمي أو حاكياً فقط عن معناه اللغوي.

وأما الجهة الثالثة، وهي تاريخ علم الهيرمينوطيقا، فيُعنى فيها بنشأة هذا العلم وتشكّله وصيرورته علما ممنهجاً. وفي هذا النوع من النظرة التاريخية، يكون المضمون والشكل مرتبطاً بالهيرمينوطيقا.

ومن خلال الالتفات إلى هذا التقسيم، يمكن القول بأن أحد أسباب الاضطراب في بيان تاريخ الهيرمينوطيقا هو عدم التفكيك بين أنواع النظرة التاريخية إلى هذا العلم. وانطلاقاً من اتّساع تاريخ الهيرمينوطيقا، لا سيما في الجهتين الأولى والثالثة، نرى أنه من الضروري النظر إلى تاريخ هذا العلم بدقةٍ من هذه الجهات الثلاث. ويُلاحظ أن تاريخ الأبحاث الهرمنيوطيقية أطول بكثير من تاريخ علم الهيرمينوطيقا. كما أنه يوجد مسافةٌ واسعةٌ بين تاريخ تشكل هذا العلم وبين استخدام هذا المصطلح.

والمحور الأساس في هذا الكتاب هو بيان الهيرمينوطيقا من الجهة الثالثة، أي تاريخ علم الهيرمينوطيقا والتغيّرات التي طرأت عليه. وسوف نبيّن هذه الجهة بشكلٍ مفصّلٍ بعد أن نتعرّض إجمالاً لتاريخ الهيرمينوطيقا من الجهتين الأوليين.

(27)

تاريخ أبحاث الهيرمينوطيقا:

انطلاقاً من اتّساع الهيرمينوطيقا لجميع مجالات المعرفة الإنسانية، لا يمكننا أن نحدد زماناً خاصّاً لتاريخ أبحاثها. فكلُّ سعيٍ للفهم أو التفسير أو التأويل الصحيح للكلام أو الظواهر، يكون في الحقيقة ضمن مجال أبحاث الهيرمينوطيقا. وبهذا اللحاظ، يكون تاريخ الهيرمينوطيقا مساوياً لتاريخ خلقة الإنسان؛ لأنّه منذ وجوده يستفيد من قواه الإدراكية ويسعى دائماً للوصول إلى الفهم الصحيح للظواهر ولما يحيط به. وقد كان الإنسان دائم البحث عن الحقائق، ويحاول لأجل ذلك أن يستخدم أسهل أدوات الفهم والتفسير وأكثرها شيوعاً.

وعلى هذا الأساس، يمكن القول بأن جذور تاريخ الهيرمينوطيقا -بهذا المعنى العام- ترجع إلى الفطرة الإنسانيّة. وقد كان الإنسان متعطشاً دوماً للكشف عن الحقيقة وتفسيرها، وباذلاً قصارى جهده للوصول إلى هذا الهدف. ولا يمكننا أن نعثر على حقبةٍ زمنيةٍ، يكون الإنسان قد تخلى فيها عن هذا الأمر واقتنع بالظروف الموجودة.

ولا يعنى هذا التحليل أن الإنسان كان يسعى دائماً لتأمين الأدوات والقواعد اللازمة لأجل الوصول إلى ذلك الهدف المذكور، بل كثيرا ما كانت ترواده هواجس كشف الحقائق، ومع ذلك، لم يهيئ علماً لازماً لتفسيرها وتأويلها.

طبعاً، لا ينحصر تاريخ الأبحاث الهرمنيوطيقية في هذه الموارد، بل يشمل النظريات المختلفة والمتنوّعة المرتبطة بالتفسير والفهم والتي لم تكن تحت علم الهيرمينوطيقا.

(28)

وعلى الرغم من أن لفظة الهيرمينوطيقا[1] بدأت بالرواج من القرن السابع عشر وما بعد، إلا أن تفسير النصوص ونظريات التأويل (الدينيّة والأدبيّة والحقوقيّة) ترجع إلى الزمن القديم. وهكذا، عندما نقبل دلالة هذه الكلمة على نظريات التفسير، فإن الميدان الذي يشملها يرجع إلى زمن تفسير الكتاب المقدس في العهد القديم، أي عندما كانت هناك قوانينُ لأجل تأويل التوراة بشكلٍ صحيحٍ[2].

ويُعدّ أغسطين فيلسوفاً ومتكلماً ذا أثرٍ كبيرٍ على الهيرمينوطيقا الحديثة. فقد كتب مقالةً بعنوان «On Christian Doctrine"، كانت بحسب تعبير إبلينغ، أكثر الكتابات الهرمنيوطيقية تأثيراً باللحاظ التاريخي[3]. ومن المُلفت أن أغسطين لم يأتِ على ذكر لفظ الهيرمينوطيقا ضمن أبحاثه في هذا المجال.

كما يُعدّ سعي مفسّري الأديان المختلفة لبيان طريقةٍ مناسبةٍ لفهم الآيات الإلهية وتأويلها، وبالتالي ردّ الاتجاهات التفسيرية أو إثباتها، خطوةً كبيرةً في طريق الوصول إلى أدوات الفهم الصحيحة. كما لا يمكننا غضّ النظر عن جهود الأصوليين المسلمين على مرّ تاريخ أصول الفقه، حيث مهّدوا المباني اللازمة لاستنباط الأحكام الشرعية. وقد ورد الأصوليون والمفسرون إلى عمق الأبحاث الهرمنيوطيقية، دون أن يأتوا على ذكر لفظ الهيرمينوطيقا.

(29)

وبغضّ النظر عن النصوص المقدسة، فإننا نجد نماذج من تفسير النصوص وتأويلها في الأدبيات العرفانية.

كما أنه يمكننا أن نُدرج النصوص الفلسفية التي بحثت عن مسألة التأويل ونظرياتها، ضمن أبحاث الهيرمينوطيقا، على الرغم من أنها لم تدوَّن ضمن هذا العلم. ولعل أقدم نموذجٍ لهذه النصوص هو محاورة أيون التي كتبها أفلاطون. إذ يحاور فيها سقراطُ أيون -الذي هو أحد رواة وشارحي شعر هومر- حول عمله، يأحباث

ويبيّن نظريةً مرتبطةً بالتأويل، خلاصتها: أن الشعراء يتصلون بمصدر إلهامٍ شعريٍّ. فهم يمثّلون أول حلقةٍ في سلسلةٍ متصلةٍ بمصدرٍ مغناطيسيٍّ، حيث يتأثرون بهذا المصدر بشكلٍ تلقائيٍّ. أما الشرّاح والرواة، فهم بمثابة الحلقة الثانية المتصلة بالشعراء، فيتأثرون بقوى الشعر الإلهية التي يأخذونها من الشعراء، ويطرحون الأفكار والمسائل بين عموم الناس. وبالتالي، ينتقل مغناطيس الشعر إلى الشعراء ثم إلى الرواة أو الشرّاح، ومنهم إلى جميع الناس[1].

وفي نهاية هذا الحوار، يشير أفلاطون إلى أن اطّلاع الراوي على الموضوع المذكور في الشعر، يساعده على تأويل الشعر بشكلٍ دقيقٍ. ويمكن عدّ النص الجميل لأفلاطون مشيراً إلى ما يرتبط بالابتعاد عن قصد المؤلِّف. وهذا مالم يكن ملتفِتاً إليه أفلاطون نفسه في ذلك الزمن، لكنه ينفعنا في الأبحاث الجديدة[2].

(30)

تاريخ استخدام لفظ الهيرمينوطيقا:

المراد من لفظ الهيرمينوطيقا ومشتقاته، ما يعمّ الاستخدام اللغوي والاصطلاحي. وقد استخدم أرسطو هذا اللفظ في كتابه أرغنون في رسالة «پری ارمينياس» (المرتبطة بالتأويل)[1]. كما أن أفلاطون قد استخدم هذا اللفظ في عدة موارد، منها: عندما عدّ الشعراء مفسرين[2] إلهيين[3]. كما يمكن العثور على لفظتَيْ هرمنيويين وهرمينيا في بعض آثار المفكرين والكتّاب التابعين للعصر القديم. فنجد هذه الكلمات في تراجيديا اديبوس وفي كتابات: غزنفون، وبلوتارك، وأبيقوروس، ولوكرسيوس، ولونغينوس[4].

وفي القرن السابع عشر (1654م)، استفاد دان هاور[5] من لفظة هيرمنيوطيقا في عنوان كتابه Hermeneutica sacra sive methodus exponendarum sacrarum litterarum؛ أي الهيرمينوطيقا المقدسة أو منهج تأويل النصوص المقدسة[6]. وفي الواقع، يُعدّ هذا القرن بدايةً للاستعمال الرسمي والهادف للفظة هيرمنيوطيقا؛ لأنه من هذا القرن فصاعداً، صار هذا اللفظ اسماً

(31)

لعلمٍ رسميٍّ، وبدأ العلماء يبحثون عن النظريات المرتبطة به ويبيّنونها.

وقد تقدم سابقاً أن القرن السابع عشر يُعدّ بداية التشكّل الرسمي للهيرمنيوطيقا كعلمٍ خاصٍّ. وفي الواقع، صار هذا التحوّل بدايةً لاستخدام لفظ الهيرمينوطيقا في عناوين الكتب والمقالات والمحاضرات العلمية؛ ثم بعد ذلك، أضحى المفكرون الكبار يستفيدون من هذه الكلمة في كتاباتهم وأبحاثهم. وممّن استفاد كثيرا منها في كتاباته، نذكر: جان مارتن كلادينيوس في أواسط القرن الثامن عشر، وأوغست وُولف في أواخر القرن الثامن عشر، وشلايرماخر في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وفيلهلم دلتاي في أواخر القرن التاسع عشر، وهايدغر وغادامير في القرن العشرين، وهابرماس وريكور وبِتّي وهِرش و... في النصف الثاني من القرن العشرين.

تاريخ علم الهيرمينوطيقا:

يشتمل بيان تاريخ علم الهيرمينوطيقا على لمحةٍ تاريخيّةٍ لصيرورتها علماً مستقلّاً وممنهجاً، بدأ من فترةٍ محددةٍ ثم دخل في مرحلة التطور أو الأفول. وعلى هذا الأساس، فإننا لن نُعنى في هذه الجهة من النظرة التاريخية ببيان تاريخ التفسير والتأويل، ولا لجذور استخدام لفظ الهيرمينوطيقا، وإن كانا مرتبطين بعلم الهيرمينوطيقا.

وقد كان تشكّل هذا العلم مسبوقاً بعواملَ خاصةٍ، جعلت تكوّنه

(32)

وتوسّعه ضروريّاً. لذا، سوف نتحدث عنها كأرضيةٍ لظهور هذا العلم، ثم نشرح تاريخ التكوّن والتوسّع.

1. أرضية نشأة علم الهيرمينوطيقا:

لقد تأثر علم الهيرمينوطيقا بنهضة الإصلاح الديني كما تأثّرت بها الكثير من التحوّلات الأساسيّة في اللغة وفي الثقافة والفكر المسيحيين. فقد بدأت هذه النهضة في أحضان عصر النهضة[1]، متأثرةً بأسبابه وحوادثه. وهذا ما هيّأ الأرضية لظهور وتطور الاتجاهات الحديثة المرتبطة بالعالم والإنسان والله والدين والفكر البشري. وفي الواقع، تُعدّ نهضة الإصلاح الديني ردّة فعلٍ طبيعيةٍ على الحاكمية المطلقة للكنيسة وآبائها في أواخر القرون الوسطى. فقد نجح أرباب الكنيسة وآباؤها إلى أواخر القرون الوسطى بالحصول على المرجعية التامة في دين الناس ودنياهم. فكانت الكنيسة الواسطة الوحيدة في إيمان الناس، حتى وصل الأمر إلى أن صارت الطريقَ الوحيد للتديّن.

وكانت إدارة الكنيسة محتاجةً إلى أموال الناس، لذا، لم يكن أمامها إلا جلب أموال الناس الطائلة من خلال الأساليب الدينية (كبيع صكوك الغفران). وهذا ما أدّى إلى إبعاد الناس عن الأدبيات السائدة في الكنيسة.

وكان الآباء محتاجين إلى المصادر المالية وإلى الأتباع الأوفياء،

(33)

حتى يحققوا أهدافهم الدنيوية أثناء زعامتهم. ولم تكن الحاجة إلى المال أمراً جديداً، لكن الطرق غير المشروعة لكسبه أدّت إلى ظهور تفاسيرَ كثيرةٍ. يقول بعض الشهود: كلما دخلت إلى غرفة القضاء في كنيسة البابا، رأيت التجار والكهنة يتساومون ويعدّون الأموال المتراكمة أمامهم[1]. وقد أدّى هذا الغِنى المترَف إلى أن يُعرِّف آباء الكنيسة عن أنفسهم بأنهم المرجع الوحيد في تفسير الكتاب المقدس وفهمه.

وقد أكّدوا في الفكر الكاثوليكي أنه كلما تحدّث الأب في ظروفٍ خاصةٍ عن مواضيعَ مرتبطةٍ بالإيمان والأخلاق، فإن حديثه مصونٌ من الخطأ؛ أي إن الأحكام والأصول التي يذكرها، لا تكون قابلةً للنفي، كما لا مجال لتطرّق الخطأ إليها... وليست الكنيسة فقط غيرَ محتاجةٍ إلى الإصلاح، بل لا يمكن إصلاحها؛ لأنها في أعلى المراتب حيث لا قابلية للإصلاح[2].

وتعتقد الكنيسة الكاثوليكية بمرجعية الكتاب المقدس، وترى أن بيدها تحديد مفهوم المرجعية. فأيُّ نوعٍ من المرجعية أو الصلاحية الصادر عن رأس الكنيسة، أو أيُّ كلامٍ مرتبطٍ بالإيمان والأخلاق يصدر عن هذا الرأس أيضا، لا بد أن يكون مصوناً من الخطأ وغيرَ قابلٍ للتغيير والإصلاح، ولا يوجد فيه احتمالُ للخطأ[3]. ويقول جان باير ناس بصراحةٍ:

(34)

«كان للكنيسة في ذلك الزمان مقرّراتٌ وتأسيساتٌ خاصةٌ لجمع المال؛ فعلى سبيل المثال: كانوا يأخذون المال بإزاء: صكوك الغفران والأمن من العذاب الأخروي، والاعتراف، والتعميد، وتكاليف الزواج والعزاء، وغير ذلك من وظائف الكنيسة»[1].

وقد ساهمت هذه العوامل في تهيئة الأرضية لنهضةٍ أساسيةٍ، فلم يكن بإمكان الناس تحمّل سلوك الكنيسة وعقائد أربابها المربحة. وكان الفساد الأخلاقي والسياسي والمالي لأرباب الكنيسة مُظهرًا لتناقض أفعالهم وأقوالهم. وكان الكهنة غارقين في تصرّفاتهم النفعية، حتى أنه لم يكن يخطر في بالهم احتمال زوال مرجعية الكنيسة وحجيتها. إلا أن نهضة الإصلاح الديني البروتستانتي، قد ظهرت بنحوٍ لا يُصدّق. ويجب ألّا ننسى في هذا المجال السعي الحثيث لمارتن لوثر قائد هذه النهضة.

فقد قال بشكلٍ متناسبٍ مع حال الناس المتوسطين وحاجاتهم:

أنا أقول لكم أنه لا يحق للآباء ولا للأساقفة ولا لأيِّ شخصٍ آخرَ أن يأمر المسيحيين حتى بكلمةٍ واحدةٍ، إلا أن يقبل المسيحي ذلك بطيب خاطرٍ. ولو قبِله، فإنه يكون قد رضخ لروح الاستبداد. وأنا أقول لكم باسم الحرية والوجدان: إنه يجب ألّا يُفرض أيُّ قانونٍ على المسيحيين، بل هم يتبعون القانون الذي يريدونه ويرضونه، لأنّنا محرّرون ومخلَّصون من كل هذه القيود[2].

(35)

وصار فساد الكنيسة واضحاً جدّاً وغيرَ مرغوبٍ. وفي الحقيقة، لم تكن الكنيسة في نظر أناس ذلك الزمن إلا جهازاً طويلاً عريضاً يهدف إلى جمع النقود والأموال[1].

ويرى لوثر أن صكوك الغفران والمعاملات والتوبة هي أمورٌ مخالفةٌ تماماً لحقائق تعاليم عيسى المطلقة. وادّعى أن كل الكهنة، من الأسقف إلى البابا، معرّضون للخطأ. ويعتقد بأنه يجب على كلِّ إنسانٍ أن يربط قلبه بإلهه الرحيم بشكلٍ مباشرٍ ودون واسطة أحدٍ. ثم خلص إلى أنه لا يُراد من الكنيسة الحقيقية أيُّ نوعٍ من التشكيلات الخاصة، بل هي هذا الاتصال الحاصل بين المؤمنين بقيادة عيسى. وذهب إلى أن القوة الوحيدة الحاكمة بين العيسويين هي الكتاب المقدس[2].

وعلى إثر جهود لوثر، تغيرت مرجعية الدين من الكنيسة إلى الكتاب المقدس وشخص عيسى. وعلى هذا الأساس، يمكن لأي مسيحيٍّ أن يفهم الكتاب المقدس؛ إذ لم يعد فهمه منحصراً بالكهنة. فكل من يستطيع القراءة والكتابة، فإن بإمكانه أن يفهم الكتاب المقدس بمساعدة عيسى وفيضه.

ويُعدّ هذا التخلي عن وساطة الكنيسة في التفسير، تحوّلاً جديداً تشكّل في أحضان البروتستانتينية. وهو على ما يبدو قد جلب نوعاً جديداً من الحرية للمسيحيين. لكن أول مشكلة هدّدت هذا الاتجاه

(36)

هي كيفية تفسير النصوص وتأويلها؛ لأنه من الآن فصاعداً، يجب أن يكون كلُّ شخصٍ مفسّراً للكتاب المقدس.

وقد شعرت المحافل البروتستانتية الألمانية بحاجةٍ شديدةٍ إلى كتابٍ دليلٍ في مجال التأويل. وهذا لأجل مساعدة الكهنة البروتستانت؛ لأنهم صاروا في معرض السؤال عن التأويل، بعد أن كانوا يُسألون فقط عن حجية الكنيسة[1].

وشدّدت نهضة الإصلاح الديني وشيوع الفكر البروتستانتي على الحاجة إلى قواعدَ وأصولٍ لتفسير الكتاب المقدس. وبعد أن انقطعت العلاقة بين البروتستانت الألمان وبين الكنيسة الرومانية، وتبعهم على ذلك سائر البروتستانتيين، رفعوا أيديهم عن تفسير الكنيسة الرسمي للكتاب المقدس. وشاعت الرسائل والكتابات المستقلة المرتبطة بتنقيح قواعد تفسير الكتاب المقدس، ولم يطلقوا على ذلك اسم الهيرمينوطيقا إلى حوالي القرن السابع عشر[2]. وعلى هذا الأساس، يمكن عدّ نهضة الإصلاح الديني من أهم العوامل التي مهّدت الأرضية لنشوء علم الهيرمينوطيقا.

2. علم الهيرمينوطيقا: ظهوره وتطوّره وتحوّلاته

يمكن تقسيم علم الهيرمينوطيقا (كعلمٍ يبحث عن الفهم الصحيح ومنطق التفسير) إلى أربعِ مراحلَ متتاليةٍ: مرحلة ما قبل الحداثة،

(37)

مرحلة الحداثة، المرحلة الفلسفيّة، ومرحلة ما بعد الفلسفة. وسوف نبيّن في ما يلي سير التحوّلات التاريخية الهرمنيوطيقية على ضوء هذه المراحل الأربع.

ألف) هيرمنيوطيقا ما قبل الحداثة أو الهيرمينوطيقا الكلاسيكيّة:

تقدم سابقاً أنه يمكن أن نعتبر أول ظهورٍ لعلم الهيرمينوطيقا هو في القرن السابع عشر، وأنه مرهونٌ لدان هاور الذي انتشر كتابه (الهيرمينوطيقا المقدسة أو منهج تأويل النصوص المقدسة) سنة 1654م. وقد سعى في هذا الكتاب إلى التمييز بين التفسير وبين علم الهيرمينوطيقا. فذهب إلى أن التفسير هو شرحٌ بالفعل للنصوص، بينما الهيرمينوطيقا هي علمٌ لتدوين القواعد والمناهج الحاكمة على التفسير. ومن هنا، صار أساساً لتحوّلات الهيرمينوطيقا في ما بعد. وفي الواقع، يمكن عدّه أول شخصٍ استفاد من لفظ الهيرمينوطيقا في عنوان كتابه[1].

وثمة شخصيةٌ مميزةٌ أخرى تركت أثراً على تاريخ الهيرمينوطيقا هي شخصية الفيلسوف واللاهوتي في القرن الثامن عشر مارتن كلادينيوس. فقد كتب كتابا  لأجل بيان أسس نظريةٍ كاملةٍ مرتبطةٍ بالتأويل والتفسير (انتشر سنة 1742م)، وسمّاه: مدخلٌ إلى التأويل الصحيح للكلام العقلي والكتب العقلية[2].

وأراد كلادينيوس من علم الهيرمينوطيقا أن يشرح أصول علم التأويل. ويعتقد أنه بإمكاننا من خلال أدوات التأويل أن نصل

(38)

إلى المعنى القطعي والنهائي الذي يريده المؤلف؛ لأنه يرى أن معنى كل مؤلَفٍ هو أنه حاصل سعي  المؤلِف لبيان  المعنى الذي في ذهنه[1].

ب) الهيرمينوطيقا الحديثة:

دخلت الهيرمينوطيقا إلى ساحةٍ جديدةٍ من خلال محاولات شلايرماخر. لذا، يُعدّ هو مؤسسَ الهيرمينوطيقا الحديثة[2]. وعلى الرغم من وجود شخصياتٍ كثيرةٍ قد أثّرت في سير ظهور الهيرمينوطيقا وتحولها، إلا أن شلايرماخر ودلتاي هما العالمان المهمان اللذان كان لهما عظيم الأثر في تشكّل الهيرمينوطيقا في هذه المرحلة. لذا، سوف نتعرّض في هذا القسم للحديث عنهما فقط.

فلشلايرماخر ابتكاران خاصان: الأول: في تعريفه للهيرمنيوطيقا حيث عرّفها بأنها نظرية الفهم. وبدأ بالسؤال التالي: «كيف يمكننا أن نفهم عبارةً من كلامٍ مَقولٍ أو مكتوبٍ؟»؛ والثاني: في تفسيره للفهم. وقبل شلايرماخر، كان الفهم الصحيح أمراً طبيعيّاً ورائجاً، إلا في بعض الموارد التي يكتنفها الإبهام والغموض. أما هو، فيعتقد أن سوء الفهم هو الأصل، ويبدأ عمل الهيرمينوطيقا مع بداية كل فهمٍ؛ لأننا دائماً في معرض سوء الفهم[3].

(39)

والشخصية الثانية المؤثرة في هذا المجال هي شخصية فيلهلم دلتاي (1833 - 1911م). وأهم ما قام به هو توسعة دائرة الهيرمينوطيقا لتشمل كل العلوم الإنسانية والاجتماعية؛ أي كان يسعى للعثور على مبنًى لكلِّ فروع العلوم الإنسانيّة، بحيث يكون مؤوِّلاً لكل الأمور المرتبطة بالإنسان، أعم من أن تكون سلوكاً أو أفعالاً تاريخيةً أو قوانينَ أساسيةً أو آثارً فنيةً أو لغويةً[1].

ويرى دلتاي أن عمله، هو في الواقع تكملةٌ لما قام به شلايرماخر. وكان يحترمه كثيراً، حتى أنه كتب كتاباً كبيراً بعنوان: حياة شلايرماخر. وأهم كتاب لدلتاي في مجال الهيرمينوطيقا هو رسالةٌ صغيرةٌ بعنوان: مصدر الهيرمينوطيقا وتكاملها، حيث كتبها سنة 1900م[2].

ج) الهيرمينوطيقا الفلسفية:

يمكن أن نعدّ القرن العشرين أعظم تحوّلٍ للهيرمنيوطيقا. فقد أدّى البحث الهرمنيوطيقي في هذه المرحلة إلى ظهور اتجاهاتٍ متعددة في شتى المجالات المعرفية. وإلى قبيل هذه المرحلة، كنا نعدّ الهيرمينوطيقا علمَ منهج التفسير أو نظرية الفهم؛ لكن منها فصاعداً، لن تهتم الهيرمينوطيقا الفلسفية بهذه الهيكلية العلمية، بل سوف تخطو أبعد من ذلك، حيث صار يُدّعى أن الهدف الأساس للهيرمنيوطيقا هو التحليل الوجودي للفهم نفسه.

(40)

وقد استطاع مؤسس الهيرمينوطيقا الفلسفية مارتن هايدغر (1889 - 1976م) أن يفتح بواسطة تأملاته العميقة آفاقاً جديدةً نحو الهيرمينوطيقا المعاصرة. وصارت كتبه (الصعبة والمغلقة)، لا سيما كتابه المشهور الوجود والزمان[1]، أساساً فكريّاً لأنصاره في الهيرمينوطيقا الفلسفية.

وقد كان يعتقد أن الهيرمينوطيقا ليست مرتبطةً بفن التأويل، كما أنها ليست نفس التأويل، بل هي سعيٌ للوصول إلى معرفة ما هو التأويل[2]؛ أي إن رسالة الهيرمينوطيقا متمحورةٌ حول نفس الفهم والتأويل.

والشخصية الثانية المميزة في الهيرمينوطيقا الفلسفية هي غادامير، حيث استطاع من خلال اتّباع هايدغر ومنهجه أن يُحدث تغيّراتٍ عظيمةً في الهيرمينوطيقا. وعلى الرغم من وجود نقاطِ اشتراكٍ أساسيةٍ بين هيرمنيوطيقا هايدغر وهيرمنيوطيقا غادامير، إلا أن غادامير أبدى اتجاهاتٍ جديدةً ومختلفةً، انعكست في كتابه المهم الحقيقة والمنهج[3].

ومن الخصائص المهمة لغادامير أن نظرياته قد أثّرت عمليّاً على المجالات المعرفية المختلفة كالبحث الديني ونظرية المعرفة الدينية. ثم صارت الاتجاهات الهرمنيوطيقية لغادامير مبانيَ معرفيةً موجِّهةً للكثير من المفكرين الغرب. وقد نتج عن الهيرمينوطيقا

(41)

الفلسفية عدّةُ أمورٍ، من قبيل: النسبية المعرفية، التعددية الدينية، تعدد القراءات عن الدين و...[1]

د) مرحلة نقد الهيرمينوطيقا الفلسفية:

لقد أثّرت الهيرمينوطيقا الفلسفية بشكلٍ كبيرٍ على الاتجاهات الهرمنيوطيقية في القرن العشرين. وبعد غادامير، ظهرت اتجاهاتٌ مخالفةُ لهايدغر وغادامير، على الرغم من المحافظة على بعض النقاط التي طرحاها. وطرح كلُّ عالِمٍ بعد غادامير جهة من الهيرمينوطيقا الفلسفية الغالبة كتحدٍّ علميٍّ يجب معالجته (وكان لهذه الطروحات مراتبُ مختلفةٌ). فبعضهم، مثل هابرماس[2] وريكور، قبِل بعض ادّعاءات الهيرمينوطيقا الفلسفية، وخالف بعض جهاتها. والبعض الآخر، مثل إميليو بِتِّي[3] وهِرش[4]، هاجم الهيرمينوطيقا النسبية من خلال طرح الهيرمينوطيقا الموضوعية.

ولعل أهم نقدٍ لهابرماس على غادامير هو نفي عمومية الهيرمينوطيقا الفلسفية؛ لأنه يرى أنه يمكن قبول تحليل غادامير لماهية الفهم في مجال فهم الفن والتاريخ، ولا يمكن قبوله في مجال التفسير وفهم العمل الاجتماعي[5].

(42)

ويُعدّ بول ريكور أحد العلماء الذين استفادوا من النظريات السابقة عليهم ليكون لهم تبعيةٌ خاصةٌ بالهيرمينوطيقا الفلسفية. وترى في كتاباته أبحاثاً مختلفةً من قبيل: فلسفة الإرادة، البحث النفسي، التفسير الرمزي، البنيوية، الظاهراتية، نقد هيرمنيوطيقا غادامير والدفاع عنه، إبداء نظرياتٍ في اللغة وتفسير النص. ويمكن أن نعدّها أبحاثاً في «الفلسفة التأملية». وهو يعتقد أن الهيرمينوطيقا طريقٌ نحو فلسفة التأمل[1]. وسوف نبيّن مراده من الفلسفة التأملية في الدرس التاسع إن شاء الله.

أما إميلو بِتّي، فهو حقوقيٌّ إيطاليٌّ معروفٌ. لم تكن وظيفته الأصلية مرتبطةً بالهيرمينوطيقا، بل كانت أغلب كتاباته في مجال الحقوق. نعم، كان له مطالعاتٌ وتحقيقاتٌ في مجال الهيرمينوطيقا. ولم يكن فيلسوفاً محترفاً، وهدفه الأساس من دراسة الهيرمينوطيقا هو تقديم منهجٍ وهيكليةٍ أساسيةٍ للعلوم الإنسانية[2]. أظهر بِتّي ردّة فعلٍ نحو الاتجاه الذهني والنسبي للهيرمنيوطيقا الفلسفية لهايدغر وغادامير. وبخلافهما، فقد دافع عن الهيرمينوطيقا التي تشتمل على معاييرَ علميةٍ لعينية التفسير والفهم في العلوم الإنسانية. وكانت الهيرمينوطيقا التي بحثها جدلية أو ردّة فعلٍ. وقد طرح بِتّي، خلال الهيرمينوطيقا الفلسفية، نظريةً عامةً في التفسير، يمكن على أساسها أن ندرك مقصود المؤلف[3].

(43)

وأما إيريك هِرش، فهو من ناقدي الهيرمينوطيقا النسبية، ومن أنصار الهيرمينوطيقا العينية -أو الموضوعية-. كتبه المشهورة في مجال الهيرمينوطيقا، هي: الاعتبار في التفسير[1]، وأهداف التفسير[2]. وقد اتّضحت في كتابات هِرش الهرمنيوطيقية الأبحاثُ التي طرحها بِتّي في  نظريته العامة في التفسير[3].

وقد وجّه هِرش الاعتبار والعينية في التفسير في مستويين: أولاً: دافع عن قصد المؤلف واعتباره بمنزلة المرجع النهائي في تفسير النصوص الأدبية؛ وثانياً: انتقد الاتجاه الذهني في الهيرمينوطيقا وعدّه معياراً معرفيّاً مضِلًّا[4].

(44)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثالث

الهيرمينوطيقا الكلاسيكية

(45)

الهيرمينوطيقا الكلاسيكية

يمكن أن نعدّ الهيرمينوطيقا الكلاسيكية[1] البداية الرسمية لعلم الهيرمينوطيقا. وقد اشتملت على العديد من الشخصيات. ويعود سبب نشوئها إلى التصدي للإجابة على الهواجس التفسيرية والإحساس بنقص في مجال قواعد تفسير النصوص المقدسة. ولمّا كان نحتاج إلى قواعد ومناهج للتفسير الصحيح للنصوص المقدسة ولرفع الإبهامات عنها، هدفت الهيرمينوطيقا الكلاسيكية - انطلاقاً من مساعي عدة شخصياتٍ مثل: دان هاور، وكلادينيوس ورامباخ - إلى تدوين هكذا قواعد ومناهج. فكانت المباني الأساسية للهيرمنيوطيقا هي: المنهج، والاعتقاد بالمعنى النهائي للأثر، ومحورية المؤلف في عملية التفسير.

أهم شخصيات الهيرمينوطيقا الكلاسيكية:

يُمكن عدّ دان هاور أول شخصيةٍ في الهيرمينوطيقا الكلاسيكية. وقد نُشر في عام 1654م كتابه تحت عنوان الهيرمينوطيقا المقدسة أو منهج تأويل النصوص المقدسة[2]. وتمييزه في كتابه بين علم التفسير - وهو علمٌ باحثٌ عن شرح النصوص المقدسة وتفسيرها - وعلم الهيرمينوطيقا - الذي هو علمٌ يبحث عن القواعد

(46)

والمناهج والنظريات الحاكمة على التفسير-، قد أسّس لتحولات الهيرمينوطيقا في ما بعد. ويمكن اعتباره أول شخصٍ استعمل كلمة الهيرمينوطيقا في عنوان كتابه. وقد لاقت هذه الكلمة رواجاً كبيراً بعد هذا الاستعمال. ويُعدّ هذا الكتاب، فاتحةً لانتشار الكتب التي تحمل عنوان الهيرمينوطيقا، والتي تهدف إلى تدوين دليلٍ تفسيريٍّ للكهنة البروتستانت[1].[2]

والشخصية الأخرى من شخصيات الهيرمينوطيقا الكلاسيكية هو يوهانس رامباخ[3]، الذي  ألّف عام 1723م كتاباً بعنوان مؤسسات الهيرمينوطيقا المقدسة[4]. ويرى في  هذا الكتاب أن «أصل الانطباق» - بمعنى انطباق تفسير النصوص على النصوص أنفسها-، هو أهم أصلٍ تفسيريٍّ. ومراده من هذا الأصل القول بأن التفسير الصحيح والمقبول هو الذي ينطبق على معنى النص. وبعبارةٍ أخرى: الفهم هو الوصول إلى هذا الاتحاد بين التفسير ومعنى النص. وعلى هذا الأساس، يقول عند طرحه لمسألة «الدقة الانطباقية»: «كلما كان التفسير أقرب إلى النص، ومتطابقاً أكثر معه، فهو أدق»[5]. وبناءً عليه، يمكن القول: يرى رامباخ أن الهيرمينوطيقا علمٌ يمهد الأرضية لتفسير النصوص بشكلٍ دقيقٍ؛

(47)

حيث يصل المفسر فيه إلى الفهم الدقيق من خلال بذله الجهد في الاقتراب من النص.

أما الشخصية الأهم والأكثر تأثيراً في الهيرمينوطيقا الكلاسيكية، فيمكن القول بأنها جان مارتن كلادينيوس (1710 – 1759م). وهو كاتبٌ مجدٌّ في الموضوعات المرتبطة بالفلسفة، والإلهيات، والتاريخ والعلوم التربوية. وقد نُشِر عام 1742م كتابه مدخلٌ إلى التفسير الصحيح للمصادر والنصوص الحكيمة[1].[2]

وكان يسعى لتقديم نظريةٍ تفسيريةٍ محكمةٍ، تكون شاملةً لقواعد التفسير ومناهجه العملية. ويعتقد بأنه لا يمكن للفلسفة أن تؤمّن هذه الطرق؛ إذ لا يهتم الفيلسوف بتفسير معنى القضايا، يل يبحث عن نقد الأمور التي تعتبر صحيحةً؛ أي يهتم بالاختبار النقدي للأفكار[3].

ونظراً لأهمية شخصية كلادينيوس في الهيرمينوطيقا الكلاسيكية، فإننا سنبيّن في ما يلي نظرياته في المجال الهرمنيوطيقي.

أبعاد الهيرمينوطيقا الكلاسيكية:

الهيرمينوطيقا؛ فن التفسير:

عرّف كلادينيوس الهيرمينوطيقا بأنها فن التفسير. لذا، يرى

(48)

أن «الفهم» في كل بيان، هو فن الوصول إلى الفهم الكامل [1]. فالهيرمينوطيقا مغايرةٌ لأصل الفهم؛ لأن الفهم - سواءً أكان صحيحاً أم لا - موجودٌ في كل قولٍ ونصٍّ؛ وهما منبنيان على إمكان الفهم، ويُستعملان لأجل ذلك. أما علم الهيرمينوطيقا، فهو الباحث عن الفهم والتفسير الصحيحين وتدوين القواعد اللازمة للوصول إلىهما.

ولا يريد كلادينيوس من كلمة الفن علمَ الجمال، بل مراده تعليم دائرةٍ محددةٍ من المعرفة؛ من قبيل: مناهج علم المعاني، وقواعد النحو والمحاوارات[2]. فليس مقصوده من فن التفسير الآثارَ العينية للفن، بل المقصود هو العلم كغيره من العلوم التي لها نتائجُ عمليةٌ مترتبةٌ على تعلمها والعمل بها.

وعندما يكون الهدف من فن التفسير هو الوصول إلى الفهم الكامل، فإنه يجب على عالم الهيرمينوطيقا أن يحدد أهداف الفهم وموانعه، مضافاً إلى الطرق والأساليب المطلوب اتباعها لتحقيق الهدف. وقد بحث كلادينيوس ذلك في كتاباته، وفصّل الحديث عن أصول فن التفسير وقواعده بطريقة منطقية وممنهجة[3].

1 - فقد قال عن الهدف الأساس للكتابة والكلام:

«الهدف من الآثار المكتوبة والشفهية هو تمكّن المخاطبين بها من فهمها بشكل ٍكاملٍ. لذا، يجب أن نفهم معنى الفهم الكامل. فالغرض من التاريخ الملقى على مسامع شخصٍ ما أو المكتوب له

(49)

هو أن يستحوذ القارئ على هذه المعلومة التاريخية ليصوغها ضمن تحليلٍ منطقيٍّ. والشاهد على إمكان ذلك هو أن الإنسان يستخلص العبر والدروس الأخلاقية من التاريخ؛ ويمكن أن تكون هذه الأخيرة هي مراد المؤلف. فإذا قرأنا تاريخاً مكتوباً بهذه الدوافع، واستخلصنا منه واقعاً هذه العبر، فنكون قد فهمنا التاريخ بشكلٍ كاملٍ، وفهمنا كذلك الكتاب الذي بين أيدينا»[1].

ومن خلال الالتفات إلى أن الهدف الأساس لأيِّ أثرٍ هو نقل الرسالة إلى الآخرين، يعتقد كلادينيوس بأنه يجب على علم الهيرمينوطيقا، بوصفه أهمَّ أداةٍ لازمةٍ، أن يؤمّن لوازم هذا النقل وأن يرفع موانعه. فمراده من فن التفسير هو تهيئة الشروط اللازمة لتحقيق أهداف المؤلف؛ أي لفهم أثره بشكلٍ كاملٍ. وغرض الهرمنيوطيقي هو أن يلعب دور الفنّان للوصول إلى هذا الهدف.

2. الفهم والتفسير:

لا يعتبر كلادينيوس الفهمَ والتفسير شيئاً واحداً؛ بل شيئين متفاوتين. وعلى هذا الأساس، تكون الحاجة إلى التفسير أمراً استثنائيّاً للرسالة؛ لأنه إن كان المخاطب عالماً بموضوع الرسالة، فإنه سيفهم المعنى المراد مباشرةً دون الحاجة إلى تفسير. لذا، نحتاج إلى الهيرمينوطيقا فقط عندما لا يكون الفهم في نفسه واضحاً[2].

وانطلاقاً من التمييز بين مقام الفهم ومقام التفسير، يرى

(50)

كلادينيوس أنه يمكن في ظل شروط معينة أن نفهم الأثر بشكل كامل من خلال الظهور، ولكن ثمة مواردُ لا تتهيأ لنا فيها هذه الشروط، فلا يمكننا الوصول إلى الفهم الكامل، فنلجأ حينئذ إلى التفسير. وعلى هذا الأساس،  فقد جعل استخدام التفسير منحصراً بالموارد التي تكون فيها رسالة الأثر مبهمةً أو في الموارد التي تتعارض فيها الأفهام. ففي هذه الصورة، يتم اللجوء إلى التفسير لرفع الإبهام والتعارض وتجنب سوء الفهم. ويعتقد كلادينيوس أن التفسير يتبع أصولاً خاصةً تتبع بدورها قواعدَ خاصةً. ولأجل ذلك، يرى أن الهيرمينوطيقا هي فن التفسير؛ أي هي فن يقدّم لنا قواعد التفسير[1].

وبناءً على النقاط المذكورة آنفاً، يرى كلادينيوس أن الجمل والعبارات المبهمة هي الموضوع الخاصّ لفن التأويل. لكن لا بد من الالتفات إلى أن علم الهيرمينوطيقا عنده لا يشمل كل العبارات المبهمة؛ بل فقط الإبهامات التي تكون مصداقاً للتأويل  والهيرمينوطيقا؛ لأنها إبهاماتٌ خارجةٌ عن قدرة المؤوِّل. وبيان ذلك: أن كلادينيوس ميّز بين أربعة أنواعٍ من الإبهامات، وهي:

الابهامات الناشئة من التحريف في النص: وهي ألفاظ العبارات التي وصلتنا بطريقةٍ خاطئةٍ. ويتولى مهمة تصحيح هذه الأخطاء المصحح أو المُحقق، ويبحث عن ذلك في فن التحقيق[2]. فرسالة فن التحقيق متقدِّمةٌ على علم الهيرمينوطيقا والتأويل؛ لأن البحث

(51)

عن التأويل والفهم يكون لغواً إذا لم تكن العبارات مشخّصةً. وبالتالي، ليس عمل الهيرمينوطيقا هو رفع الإبهام الناشئ من الخلل في النص؛ الإبهامات الناشئة من نقص اطلاعنا على العلم بلغة الأثر: ويرتفع هذا الإبهام بالرجوع إلى علماء وأساتذة اللغة. فلا تستطيع الهيرمينوطيقا أن تلعب دوراً في رفع هذا الإبهام؛ لأنه إن لم يكن ثمة تمكُّنٌ كافٍ من اللغة، فإنه لا مجال للتأويل؛

الإبهامات الناشئة من إبهامٍ ذاتيٍّ في العبارة أو الكلمة: ولما كان الإبهام ذاتيّاً، فإنه لا يمكننا أن نلاحظ في علم الهيرمينوطيقا قواعد لتوضيح المعنى ورفع هذا النوع من الإبهامات.

الإبهامات الناشئة من عدم العلم الكافي بتاريخ البحث؛ وبعبارةٍ أخرى: إن السبب الأساس لهذا الإبهام هو عدم الاطلاع على موضوع البحث أو ما يريد الكاتب قولَه. وفي بعض الأحيان، لا يكون المعنى الذي يريده المتكلم أو الكاتب موجوداً بنفسه عند المخاطب، وكذلك لا يتحقق عند المخاطَب التأثيرُ الذي يصبو إليه الكاتب أو المؤلف؛ لأنه غالبا ما تتوقف الفكرة التي يريد الكاتب أو المتكلم نقلها إلى الآخرين على تصوّراتٍ أخرى، بحيث لا تنتقل الفكرة والمعنى المراد دون وجود هذه التصورات عند المخاطب. وعلى هذا الأساس، تُعدّ الغفلة عن هذه الأمور العارضة أو عدم العلم بها، مما يوجِب الإبهام في النص.

ويرى كلادينيوس أن التأويل يُعنى برفع النوع الرابع من الإبهامات؛ وهذه هي وظيفة علم الهيرمينوطيقا. لذا عرّف

(52)

التأويل بأنه: «اكتساب المفاهيم اللازمة لفهم الأثر بشكلٍ كاملٍ»[1].

3. قصد المؤلف:

يعتقد كلادينيوس أنه يمكن معرفة المعنى القطعي والنهائي الذي يريده المؤلف عن طريق التأويل. وانطلاقا من أهم عناصر الهيرمينوطيقا الكلاسيكية وهو «قصد المؤلف»،  رأى أن معنى الأثر هو ذلك المعنى الذي يريده المؤلف. وسمّى كشف المعنى المقصود للمؤلف بـ «التأويل». وعلى هذا الأساس، وبما أن آثار الناس  المكتوبة والشفهية للناس منشؤها قصدٌ واحدٌ، فقد أوصى قراء النصوص ومستمعي الكلام أن يدركوا هذه الآثار بشكلٍ كاملٍ كي يصلوا إلى الفهم الصحيح والحقيقي. وبناءً عليه، إذا لم يدرك الشخص شيئاً من مخطوطات أو مقولات صاحب أثرٍ، أو أنه أدرك شيئاً أكثر من قصد صاحب الأثر، فهذا يعني أن هذا الأثر غيرُ قابلٍ للإدراك. وذهب كلادينيوس إلى وجود اتحادٍ بين «قصد» المؤلف وبين «المعنى». لذا، رأى أن الهدف الأصلي للهيرمنيوطيقا هو تعيين الحلول التعليمية والعملية لأجل الوصول إلى إدراكٍ كاملٍ للأثر -سواءً أكان مكتوباً أم شفهيّاً-[2].

ومن خلال الالتفات إلى ما تقدم، يتبيّن أن اعتقاد كلادينيوس في ما يرتبط بقصد المؤلف مُنْبَنٍ على مجموعة من الفرضيات، نذكر منها:

(53)

يتبع المؤلف هدفاً محدداً في أثره؛  يسعى المؤلف إلى إيصال رسالةٍ أو رسائلَ محددٍ إلى المخاطبين؛ يمكن للمفسر أن يكشف عن مراد المؤلف وأن يفهم النص بشكل ٍكاملٍ؛

لا يوجد ارتباطٌ ضروريٌّ بين معنى النص وبين رغبات المفسر؛

يوجد عناصرُ مشتركةٌ بين المؤلف والمفسر.

فبملاحظة هذه الفرضيات، يمكن القول بأنه يمكن للآخرين أن يفهموا المؤلف وأثره.

4. زاوية الرؤية:

تعتبر نظرية كلادينيوس في «زاوية النظر»[1] من أهم عناصر الهيرمينوطيقا عنده. والمراد من «زاوية النظر»، كما هو الظاهر منها، هو تعامل المفسّر مع الأثر من منظورٍ محددٍ؛ بمعنى أن كلَّ مفسرٍ ينظر إلى الأثر من زاويةٍ محددةٍ. ويؤكد كلادينيوس على أنه لا أساس لصحة الدعوى القائلة بحصر سبب اختلاف كلمات المؤرخين في الخطأ في تقريرهم للوقائع؛ لأنه يوجد عاملٌ آخرُ مؤثرٌ في هذه الاختلافات التاريخية، وهو اختلاف الزاوية التي ينظر من خلالها المؤرخين. و يعتقد بوجود جذور لهذه المسألة في أصل ماهية الإنسان، فلا مفر منها. ولأجل ذلك، ينظر كلُّ إنسانٍ إلى الأشياء من منظوره - أي من زاويةِ نظرٍ محددةٍ -. وتجدر الإشارة إلى أن كلادينيوس لم يستدل بهذه النظرية على النسبية؛ لأنه، على الرغم من أن كلَّ ناظرٍ ينظر إلى الأشياء من منظوره، إلا أنه يراها كما

(54)

يراها الآخرون، بمعنى أنه لو نظر الآخرون من منظوره، لأيّدوا صدق فهمه ولرأوا ما يرى. لذا، لا يعتبر تعدد زوايا النظر مخلًّا في وحدة معانيها[1].

وبالنظر إلى الهيرمينوطيقا الفلسفية، فإنه يمكن التوفيق بوضوح بين الاعتقاد بـ «زاوية النظر» وبين النظرة الفلسفية لهايدغر وغادامير ومن يوافقهم في آرائهما. وعلى هذا الأساس، يمكن من جهةٍ، اعتبار كلادينيوس واحداً من الشخصيات المؤثرة في تكوين نسبية الفهم. ولا بد من الالتفات إلى أن كلادينيوس لم يكن يقصد ذلك ولا حتى يتوقعه. وبملاحظة سائر المسائل الهرمنيوطيقية التي ذكرها كلادينيوس، يتبين لنا وجود مسافةٍ شاسعةٍ بين الهيرمينوطيقا من وجهة نظر كلادينيوس وبين مسائل الهيرمينوطيقا الفلسفية. ولذا، لا يمكن الاعتماد على قصده لجعله الركيزة الأساسية للمباني الفلسفية للفهم التي يراها هايدغر وغادامير.

وبغضّ النظر عن تأثير نظرية كلادينيوس أو عدم تأثيرها في تكوّن المسائل النسبية في الهيرمينوطيقا الفلسفية، فإنه ينبغي الالتفات إلى أنه لا يمكننا بسهولةٍ القول بأن اعتقاد كلادينيوس الجدي في تأثير زاوية نظر كلِّ فردٍ في تفسير الآثار وفهمها، لا يؤدي إلى الاتجاه النسبي في الفهم. فإذا كان، في الحقيقة، كلُّ شخصٍ يواجه الآثار انطلاقاً من منظوره الخاص الذي له دخالة في فهمه، فإنه لا مفر من الالتزام بالنسبية. وتوجيه كلادينيوس -المتقدّم بيانه- المبني

(55)

على أنه «لو نظر الآخرون الى الأثر من منظور ذلك الشخص، فإنهم سيؤيدون ما فهمه ولن يكون إلا فهمٌ واحدٌ»، لا يمكن أن يكون مفرّا من شراك النسبية؛ لأنه يكفي لتحقق النسبية وجود زوايا نظرٍ مختلفةً ودخيلةً في عملية الفهم. فهل يمكن لجميع الناس أن ينظروا إلى المسألة من زاوية نظر الآخرين أيضا؟! ولا بد من الالتفات إلى أنه لا يمكن الجمع بين نظرية كلادينيوس في ما يرتبط بـ «زاوية النظر» وبين سائر المباني والأصول الهرمنيوطيقية التي تقدّم أو سيأتي بيانها. والحاصل: أنه بناء على مباني كلادينيوس -التي تحدثنا عنها في هذا الدّرس-، يتضح أنه لا يعتقد بمسألة النسبية.

5. شرائط الفهم الكامل وعلاماته:

تقدّم سابقاً أن كلادينيوس يعتقد بالفهم العيني والكامل للأثر. وهو يعتقد أن علم الهيرمينوطيقا يجب أن يؤمّن القواعد والحلول للوصول إلى الفهم الكامل. ولكن ما هو الفهم الكامل بنظر كلادينيوس؟ ومن أيِّ طريقٍ نعلم أنه وصلنا إلى الفهم العيني أم لا؟ وفي مقام الإجابة عن هذه الأسئلة، ذكر كلادينيوس عدة نقاطٍ، نذكرها باختصارٍ في ما يلي.

الفهم الكامل؛ الوصول إلى مراد المؤلف:

يعتقد كلادينيوس بأنه يمكن للإنسان، عندما يكون الفهم الكامل ممكناً، أن يعرف مراد المؤلف. وقد ضرب مثالاً على ذلك، فيقول: عندما يستطيع الشخص اعتماداً على القانون أن يحدد إرادة المشرّع، فإنه يكون قد أدركه بصورةٍ كاملةٍ. طبعاً، إنّ مراده من إرادة

(56)

المؤلف هو فقط اتضاح مراد المشرّع بالنسبة للآخرين؛ لأنه ربما يكتب الكاتب نصّاً أو يُلقي الخطيب خطبةً إلا أنه قد لا يتضح تمام مراده من خلال النص -المقروء أو المكتوب-. لذا، يقتصر المفسر على مراد المؤلف في مقام كشفه لكل المعاني المرادة من صاحب النص. من هنا، يصرح كلادينيوس بأن كشف الحدود التي يريدها صاحب الأثر ليتلقفها المخاطبون أمرٌ أساسيٌّ[1].

ونستنتج من عبارات كلادينيوس تمييزَه بين الإرادة التفهيمية[2] للمؤلف والمعنى الذي يقتضيه النص. فمن جهة، لكل أثرٍ معنًى في نفسه؛ ومن جهةٍ أخرى، يوجد مرادٌ خاصٌّ للمؤلف يريد تفهيمه للمخاطَب. فهو يعتقد بحصول الفهم الكامل عندما يستطيع المفسر الكشفَ عن الإرادة التفهيمية للمؤلف؛ لأن المؤلف لا يريد من المخاطب شيئاً أكثر من ذلك. ففي الواقع، يعتبر كلادينيوس أن كشف المراد الجدي هو عبارةٌ عن الوصول إلى الإرادة التفهيمية للمؤلف.

انبناء الفهم الكامل على إحساس التحولات الجديدة الناشئة من الأثر:

من أجل الوصول إلى الفهم العيني الكامل، يلاحظ كلادينيوس عنصراً آخر وهو الالتفات إلى التحولات التي تطرأ على الإنسان بعد مواجهته للأثر. ويعتقد بأن كون النص أو الكلام لهما معنًى،  فهذا يعني إيجادهما لتحولات في أذهاننا. وتُستخدَم هذه التحولات

(57)

في إيجاد اللذة، والابتسامة، والجدية، والخجل، والقلق وغيرها من الإحساسات. لذا، إن استطاع الأثر أن يوجد مثل هذه التغييرات في الإنسان، فإن ذلك يكون شاهداً على أنه قد فهمه بالشكل الصحيح. ولكن يذكر كلادينيوس إمكانية وجود موانع في هذا الأمر (إيجاد التغييرات والتحولات في المخاطب)، تحول دون حصول هذه الاحساسات في زمانٍ خاصٍّ أو في أفرادٍ خاصّين؛ ولكن إن استطاع الإنسان أن يشعر بهذه التحولات في الخطَب أو النصوص التي لها معنى، أو استطاع أن يلتفت إلى وجود الموانع التي تحول دون هذه التحولات، فيمكننا القول بأنه قد وصل إلى الفهم الكامل لهذا النص أو الخطاب[1].

وهناك نقطتان في هذا المورد لا بد من ذكرهما:

أولاً: بناءً على قبول الاعتقاد بأن الأثر يوجِد تحوُّلاً وتغيُّراً في المخاطب، فإنّ هذا التحول أعمّ من أن يكون من التغييرات المعرفية، أو المحفّزة، أو الإحساسية أو على مستوى المهارة. ومن غير الصحيح حصرُ هذه التحولات بالأمور الحسية؛ لأنه من الممكن أن لا يحدث أيُّ إحساسٍ عند المخاطب، إلا أنه قد يكون عاملاً في حثه على توسعة اطلاعه ومعرفته؛ خاصةً إذا لم يكن قصد المؤلف إيجاد أيِّ تحوّلٍ حسيٍّ عند المخاطب؛

ثانياً: لا يعني إيجاد التغير والتحول في المخاطب ضرورةَ تحقق الفهم الكامل للأثر؛ لأنه ربما يكون الأثر موجباً لحصول التحوّل

(58)

عند الآخرين، إلا أن التحول المرجوّ للمؤلف كان شيئاً مغايراً لما حصل. وإنما يحصل الفهم العيني للنص عندما يستطيع المفسر الوصول إلى الرسالة التي يصبو إليها المؤلف؛ وعندما يكون التحول الحاصل عند المفسر هو نفس الذي كان يهدف إليه المؤلف. وبناءً على ما تقدّم، لا يمكن قبول دعوى كلادينيوس بأن علامة الفهم العيني للنص هي إيجاد التحول لدى المخاطب. كما أن هذه الدعوى تناقض المسائل الأخرى التي ذكرها.

معرفة المفاهيم الضرورية المرتبطة بالأثر:

العنصر الآخر الذي اعتبره كلادينيوس أساسيّاً للوصول إلى الفهم الكامل هو معرفة المفسر بالمفاهيم الدخيلة في فهم الأثر. لذا، إذا لم يكن المفسّر مطلعاً على بعض المفاهيم والتصورات الضرورية المرتبطة بالنص، فإنّه لن يكون قابلاً للفهم عنده[1]. وبعبارةٍ أخرى: يمكن وجود مفاهيم خارج الأثر لا ربطَ مباشراً لها في فهمه، ولكنْ معرفتُها ضروريةٌ للفهم الكامل لمراد المؤلف. وفي هذا الفرض، يمكن فهم المعنى الظاهري للأثر بدون الالتفات إلى مراد المؤلف؛ ولكن فهم مراد المؤلف متوقّفٌ على فهم المفاهيم المرتبطة. مثلاً: عندما يبحث العارف عن ارتباط الله تعالى بالعالم أو بالإنسان، فظاهراً يمكن فهم كلامه؛ ولكن الفهم الكامل لكلامه منْبَنٍ على معرفة مفاهيمَ أساسيةٍ مرتبطةٍ بكلامه ( كمفهوم «وحدة الوجود») وعلى نظرة المؤلف لها. وعدم معرفة المفسر بالمفاهيم

(59)

الأساسية المرتبطة بالأثر هو أحد أهم عوامل سوء الفهم عندما يواجه الإنسان نصّاً ـ مكتوباً او مقروءاً ـ. ففي مثل هذا المورد، تُعدّ المعرفة بمعانٍ مختلفةٍ لكلماتٍ تحتمل عدةَ معانٍ أمراً ضروريّاً؛ لأنه يمكن أن يقع المفسر أسير الاشتراك اللفظي أو يقع في المغالطة مع عدم الالتفات إلى وجود المعاني المختلفة. فربما يفهم المفسّر معنًى من النص لا يكون مراداً لمؤلِّفه.

عدم وجود تبييناتٍ متناقضةٍ:

من العناصر الأخرى للفهم الكامل عند كلادينيوس هو عدم وجود التناقض في تبيين النص عند نفس المفسر. وعليه، يذكر كلادينيوس أنه في حال اعتقدنا بأن هذا التبيين صحيحٌ، ولكنْ كان حاوياً لأمور تتناقض مع تبييناتٍ أخرى، عندها يمكن القول بأننا لم نتمكن من الوصول إلى الفهم الكامل للأثر بعدُ؛ فالفهم ناقصٌ إما في أحد التبيينين أو في كليهما[1]. لذا، يعتبر كلادينيوس ـ بناءً على أن للمؤلف مراداً خاصّاً من أثره ـ أن التعارض في الفهم علامةٌ من علامات سوء فهم الأثر؛ لأنه من البديهي أنه لا يسعى أيِّ مؤلِّفٍ نحو هدفين متعارضين، بل يهدف المؤلف الحكيم إلى وصول المخاطب لمراده. وهذا يتنافى مع وجود تعارضٍ في نفس الأثر؛ لأنه حينئذ قد يفهم المخاطب شيئاً آخر يكون خلاف مراد صاحب الأثر.

(60)

 

 

 

 

 

 

الفصل الرابع

هيرمنيوطيقا شلايرماخر

 

(61)

هيرمنيوطيقا شلايرماخر

يُعدّ القرن التاسع عشر ميلادي مُلهِماً للنظريات الجديدة في مختلف العلوم الإنسانية. وفريدريك شلايرماخر هو من أشهر اللاهوتيين الذين تركوا أثراً مهماً في تكوّن النظريات الحديثة. فمن جهةٍ، يُعدّ أبا الإلهيات الليبرالية (الحديثة) ومؤسسها بعد أن قدّم نظرياتٍ مهمةٍ في مجال الإلهيات؛ ومن جهةٍ أخرى، أصبح فاتح عصر الهيرمينوطيقا الحديثة[1] عندما ورد إلى المجال النظري والعملي للهيرمنيوطيقا.

ثمة نقاط اختلاف بين هيرمنيوطيقا شلايرماخر والهيرمينوطيقا الكلاسيكية؛ إلا أنه يجب ألّا نعدّهما متباينين تماماً؛ إذ يوجد بينهما جهاتُ اشتراكٍ عديدةٌ. فعلى سبيل المثال، كلٌّ منهما يرى إمكان الوصول إلى فهمٍ نهائيٍّ للنص، وأن قصد المؤلف هو محور المعنى النهائي. نعم، لا بد من الاعتراف بأن المجال النظري والعملي للهيرمنيوطيقا الحديثة أوسع بكثيرٍ من الهيرمينوطيقا الكلاسيكية.

كان شلايرماخر يعيش في أجواء الفلسفة الرومانسية والفلسفة النقدية، وقد خطا خطوات في الأبحاث التحليلية، وسعى أن تكون الهيرمينوطيقا نقديةً ورومانسيةً. لأجل ذلك تُسمّى نظريته الهرمنيوطيقية أيضاً بـ «الهيرمينوطيقا الرومانسية»[2].

(62)

دور شلايرماخر في تحوّل الهيرمينوطيقا:

تُعدّ الهيرمينوطيقا الرومانسية لشلايرماخر منعطفاً أساساً في ميدان التحوّلات الواسعة في مجال الهيرمينوطيقا. وعلى الرغم من أنه في الحقبة الكلاسيكية، كان علم الهيرمينوطيقا منصبّاً على تفسير النصوص المقدسة وتأويلها، ووُجدت مساعٍ عديدةٌ باتجاهاتٍ هرمنيوطيقيةٍ، إلا أن الهيرمينوطيقا الحديثة التي أسسها شلايرماخر قد اهتمّت بأبعادٍ جديدةٍ غفلت عنها الهيرمينوطيقا الكلاسيكية. ومن جهةٍ أخرى، ثمة اختلافٌ ماهويٌّ بين هيرمنيوطيقا شلايرماخر وبين الهيرمينوطيقا الفلسفية من حيث المحتوى والنظرية ومن حيث اللوازم المترتبة عليها؛ ولم يكن شلايرماخر يسعى لتأييد الهيرمينوطيقا الفلسفية ولوازمها. لكنه من خلال التفاته إلى مسائلَ جديدةٍ، قد هيّأ الأرضية المناسبة للهيرمنيوطيقا الفلسفية. ويجب ألّا نغفل عن الدور الأساس لأفكار دلتاي في هذا المجال أيضاً. وهذا ما سوف نشير إليه في الدرس القادم.

ويمكن أن نعدّ هيرمنيوطيقا شلايرماخر تتمةً للهيرمنيوطيقا الكلاسيكية أو ما قبل الحديثة؛ لأنه يرى ـ مثل كلادينيوس وسائر الهرمنيوطيقيين ما قبل الحداثيين ـ أن الهيرمينوطيقا منهجٌ للوصول إلى الفهم الصحيح. ويعتقد أيضا بأنه يمكننا الوصول إلى فهمٍ عينيٍّ للنص، وأن الهدف من الفهم هو معرفة مراد المؤلف. لكن يوجد على الأقل ثلاثة أمورٍ يتميز بها شلايرماخر عن سابقيه، وهي:

(63)

أولا: شلايرماخر هو أول[1] من عرّف الهيرمينوطيقا بأنها نظرية الفهم[2]؛ أي فن الفهم[3]، حيث يُبيَّن فيها شروط فهم أيِّ نصٍّ وكلامٍ. وعلى هذا الأساس، يرى أن الهيرمينوطيقا علمٌ يُعنى بكيفية تشكّل الفهم وبطُرُق الوصول إلى الفهم الصحيح؛

ثانياً: يرى شلايرماخر أن القاعدة الأولية في التعامل مع النصوص والكلمات هي سوء الفهم[4]. فهو يعتقد أن كلَّ إنسانٍ يخطئ في فهمه لكلام الآخرين وكتاباتهم، فلا بدّ من معالجة ذلك من خلال قواعد الهيرمينوطيقا. لذا، يبدأ العمل الهرمنيوطيقي مع أول مواجهةٍ مع النص، فيتضح أن الهيرمينوطيقا لا تُستخدم بشكلٍ مقطعيٍّ وفي بعض الموارد الخاصة[5]. والحال أن الهيرمينوطيقا الكلاسيكية ترى أن القاعدة الأولية هي الفهم الصحيح وأنه يكفي مراعاة القواعد النحوية؛ إلا إن كان ثمة إبهامٌ، ففي هذه الحال، نحتاج إلى علم الهيرمينوطيقا وقواعد التفسير من أجل رفع هذا الإبهام والخطأ في الفهم.

ثالثاً: في هيرمنيوطيقا شلايرماخر، للوصول إلى الفهم الصحيح، لا بد من التفسير الفني والنفسي مضافاً إلى القواعد اللغوية والنحوية؛ [6]أي لا بد من النفوذ إلى ذهن المؤلف حتى يمكننا اكتشاف هدفه

(64)

ومراده من النص. وهذا بخلاف الهيرمينوطيقا الكلاسيكية التي تكتفي بالقواعد النحوية لأجل الوصول إلى الفهم الصحيح.

الاشتراك اللغوي؛ مبنى الرسالة العامة للهيرمنيوطيقا:

يرى شلايرماخر، كما كلادينيوس، أنه يجب ألّا نحصر عمل الهيرمينوطيقا في نصوص خاصة، كالكتب المقدسة؛ بل هو علمٌ ضروريٌّ ومهمٌّ لكل النصوص. فما هي خصائص الكتب المقدّسة حتى نخصّها فقط بتدوين علم الهيرمينوطيقا؟ فهل هي في معرض الإبهام وسوء الفهم دون سائر النصوص؟! إن النصوص الفلسفية والسياسية والاقتصادية و... أيضاً في معرض سوء الفهم. مضافاً إلى أن شلايرماخر يرى أنه يجب ألّا نحصر علم الهيرمينوطيقا بالقضايا المكتوبة فقط؛ فالقضايا الشفهية وغير المكتوبة مَعرضٌ لخطر الفهم الخاطئ أيضاً. ففهم القضايا الشفهية مُنْبَن أيضاً على القواعد النحوية. وكما أن الكشف عن معنى النص المكتوب يحتاج إلى الاطلاع على مجموعة من القواعد، كذلك كشف معنى القضايا الشفهية يحتاج إلى ذلك. كما ذهب شلايرماخر إلى إمكان إيجاد وحدةٍ بين مجموعة الهيرمينوطيقا الخاصة (الحقوقية، والأدبية، والنصوص المقدسة و...) اعتماداً على الهيرمينوطيقا العامة. لكن كيف يمكننا أن نقدّم هكذا هيرمنيوطيقا عامةً؟ وعلى أيِّ أساسٍ يمكننا إيجاد نظرةٍ واحدةٍ في كل هيرمنيوطيقا خاصةٍ؟

قرّر شلايرماخر أن الاشتراك اللغوي هو مبنى الهيرمينوطيقا العامة. وعلى الرغم من وجود اختلاف بين أنواع النصوص، إلا أنه

(65)

يرى أن ذات فن الهيرمينوطيقا واحدةٌ؛ فلا يختلف الأمر إن كان النص حقوقيّاً أو دينيّاً أو أدبيّاً أو غير ذلك. ففي باطن هذه الاختلافات، ثمة وحدةٌ مخفيةٌ وأكثرُ أساسيةً. فكون النصوص لغويةً يؤدي إلى عدم وجود فرقٍ فيها في ما يرتبط بفن الفهم. فمن خلال بيان قواعد الفهم بشكلٍ دقيقٍ وكاملٍ، نحصل على علم الهيرمينوطيقا العامة التي يمكن أن تكون أساساً لأيِّ علمِ هيرمنيوطيقا خاصٍّ[1].

فجُلُّ سعي شلايرماخر كان من أجل تقديم الهيرمينوطيقا كمبنًى لفهم كل النصوص وحتى غير النصوص (القضايا الشفهية). ومن هنا، تجد أن أهم مسألةٍ طرحها شلايرماخر هي كيفية الفهم الواقعي لأيِّ كلامٍ. وعلى حدّ تعبيره: يعمل علم الهيرمينوطيقا كعمل الطفل الصغير عندما يواجه كلمةً جديدةً. فكما أن ترتيب الجملة وسياق المعنى يرشدان الطفل، فإن أنظمة التأويل أيضاً ترشد الفهم العام[2].

أصالة سوء الفهم؛ المبنى الآخر للرسالة العامة للهيرمنيوطيقا:

عندما كانت الهيرمينوطيقا وسيلةً لتدوين قواعد التفسير ولرفع الإبهامات المحتملة في الفهم، كانت رسالتها خاصةً بمواردَ محددةٍ؛ إذ كانت القاعدة الأولية في هذه النظرة قائمةً على الفهم الصحيح وتأييد التفاسير؛ إلا إن وُجد إبهامٌ في الفهم، ففي هذه الحالة سوف نحتاج إلى الهيرمينوطيقا. لكن شلايرماخر يرى أن القاعدة الأولية

(66)

هي سوء الفهم[1]، ويعتقد بلزوم النفوذ إلى ذهنية المؤلف حتى نعالج سوء الفهم هذا. وبالتالي، تحوّلت الهيرمينوطيقا من حالة مقطعيةٍ مؤقتةٍ إلى حالةٍ دائمةٍ. وعلى هذا الأساس، أدّت نظرية شلايرماخر إلى جعل الهيرمينوطيقا أداةً للفهم في كل الموارد والظروف والأزمنة؛ لأنه إن كان الأصل سوءَ الفهم، فلا بد من معالجته عبر استخدام هذه الأداة.

ويرى شلايرماخر أن الفهم الخاطئ والإدراك غير الصحيح أمران طبيعيان، يحصلان في بداية أيِّ معرفةٍ؛ لأن معنى الكلمات يتغيّر بشكلٍ تدريجيٍّ، وتكون ثمة مسافةٌ بين المؤوِّل والمؤلِّف. لذا، وظيفة المفسرين هي معرفة الظروف التاريخية، حتى يكشفوا عن المعنى وراء هذه الظروف[2]. ومن الأمور الدخيلة في سوء الفهم، نذكر: الزمان، الظروف الخاصة للحياة الفردية، كيفية نظرة الإنسان إلى العالم المحيط به، معالم التفكير الأساسية للمتكلم و...

فهذا الاتجاه النقدي للفهم ساهم في توسعة مجال استخدام الهيرمينوطيقا، كما أدى إلى تعميق الحاجة لهذا العلم وتوضيحها. وعلى الرغم من أن شلايرماخر قد وسّع بنظريته الدائرة العملية للهيرمنيوطيقا، إلا أنه أوجد -من حيث لا يريد- شكّاً جديداً كالشك الكانطي. فعلى ضوء هذه النظرية، صار بشكلٍ منطقيٍّ الاعتماد الأولي على الفهم والمعرفة تحت مجهر السؤال. ويرى شلايرماخر أنه لا مفرّ من هذا النوع من الشك وعدم الاعتماد؛ كما

(67)

يعتقد الشكاكون التقليديون كبروتاجوراس، أو الشكاكون الحديثون كبعض المعجبين بالهيرمينوطيقا الفلسفية. بل يذهب إلى أن هذا الشك هو الخطوة الأولى للتخلص من سوء الفهم وعدم الاعتماد المذكور. فالفهم الخاطئ والشك -بنظره- موجبٌ للابتعاد عن الانحراف المعرفي.

تأثير هيرمنيوطيقا شلايرماخر على فلسفة كانط النقدية وعلى الفلسفة الرومانسية:

هيرمنيوطيقا شلايرماخر هي من جهةٍ نقديةٌ، كفلسفة كانط النقدية[1]، ومن جهةٍ أخرى رومانسية. فكما أن كانط انطلق من التشكيك في معرفة الأمور العينية، فطرح العلاقة بين المعقولات المجردة (نومن) وبين الظواهر الملموسة (فينومن)، كذلك شلايرماخر قد أحدث ثورةً في العلوم الإنسانية كثورة كانط، عندما ذكر التشكيك في كل فهمٍ عند عدم الالتفات إلى القواعد. وعلى هذا الأساس، تكون فلسفة شلايرماخر نقديةً؛ لأنه كان يعمل على وضع قواعدَ للفهم ذاتَ استخدامٍ عامٍّ. واعتقاد شلايرماخر بأن الأصل في كل فهمٍ هو سوء الفهم، وكلما كان سوء الفهم فلا بد من اللجوء إلى الهيرمينوطيقا، لهو اعتقادٌ حاكٍ عن اتجاه شلايرماخر النقدي.

ومن جهةٍ أخرى، فإن هيرمنيوطيقا شلايرماخر رومانسيةٌ أيضاً؛ لأنه يرى لزوم فهم النص كما كتبه مؤلفه، بل بشكلٍ أفضلَ منه أيضا. ولمّا كانت الفلسفة الرومانسية تعتمد على الإحساسات والأمور النفسية، فإن التفسير الفني لشلايرماخر يسعى للدخول إلى ذهن

(68)

المؤلف ونفسيته وحياته لأجل فهم النص الذي كتبه. وبالتالي، فهو يدافع عن التفسير النفسي، ويرى عدم كفاية النظرة اللغوية وغير الرومانسية للوصول إلى فهم النص[1]. ويجب ألّا نغفل عن عنصر الحدس والشهود في هيرمنيوطيقا شلايرماخر الرومانسية. فهو يعتقد أنه يمكننا الدخول إلى نفسية المؤلف من خلال الحدس والشهود، وبالتالي نكتشف مراده. ويمكننا بوضوحٍ أن نشاهد العلاقة بين المنهج الشهودي والنفسي عند شلايرماخر وبين الرومانسية، حيث يعتمدان على عنصر الإحساس والشهود، في مقابل الاتجاه العقلي الذي لا يعتمد عليهما.

وبحسب تعبير غادامير، موضوع «فن التأويل» والهيرمينوطيقا عند شلايرماخر هو «المعرفة غير الصحيحة أو الفهم الخاطئ»؛ بمعنى أن تأويل أيِّ نصٍّ هو عبارةٌ عن عمليةٍ تبدأ دائماً من سوء الفهم إلى أن تصل بنا إلى الفهم الصحيح. ومن الطبيعي أن هذه النظرة النقدية للفهم، تبيّن التأثّر الكبير لشلايرماخر بكانط؛ حيث كان كانط شكاكاً في المعرفة الخالصة والعقل المحض، فكان يُسري سوء الظن إلى المعارف العقلية في كل الموارد. وعلى ضوء ما تقدم، يتضح أن شلايرماخر قد تأثر بالاتجاه الرومانسي والنقدي: أما تأثره بالاتجاه الرومانسي فلأنه يعتقد بوجود مناسبةٍ فعّالةٍ بين التأويل وبين عملية إيجاد النص؛ وأما تأثر بالاتجاه النقدي فلأنه يرى استخدام التأويل (الذي له جذرٌ في الفهم الخاطئ) في شتى المجالات[2].

(69)

التفسير النحوي[1] والتفسير الفني[2]:

ترى الهيرمينوطيقا الكلاسيكية أن رسالة الهيرمينوطيقا هي تفسير النص وفهمه. فيكفي لتحقيق هذا الغرض تدوينُ القواعد اللغوية والنحوية؛ أي الالتفات إلى خصائص لغة النص، كالالتفات إلى خصائص اللغة والثقافة العربية ومراعاة الصرف والنحو والمعاني والبيان وسائر الأمور المرتبطة باللغة العربية في مجال تفسير النصوص العربية. وذلك لأن الهيرمينوطيقا الكلاسيكية تعتقد بعدم حاجتنا لإدراك المعاني الكامنة وراء النص. وفي هذا النوع من التفسير، لا أهمية للخصائص الفردية والشخصية للمؤلف؛ بل المهم هو الالتفات إلى الخصائص العامة لتفسير النصوص. بينما يعتقد شلايرماخر أنه يجب للحصول على فهمٍ كاملٍ للنصوص، الاطلاع على الخصوصيات اللغوية والنحوية، مضافا إلى الالتفات إلى فردية المؤلف واكتشاف إرادته. وعلى هذا الأساس، يرى عدم كفاية الإلمام بالقواعد اللغوية والنحوية لأجل الوصول إلى فهم كامل لمراد المؤلف.

ويؤكد شلايرماخر على عدم إمكان تفسير النص ومعرفة معناه بشكلٍ مطابقٍ لمراد المؤلف إن اعتمدنا فقط على القواعد النحوية واللغوية؛ إذ من الممكن أن يكون المؤلف قد لاحظ أهدافاً ومعانيَ باطنيةً بحيث لم يتمكن بشكلٍ دقيقٍ من بيانها. فبعض المؤلفين ليس بمقدورهم استخدام اللغة فقط لبيان تمام مرادهم. كما يمكن

(70)

أن يُحافظ المؤلف على بعض الخصائص اللغوية العامة، لكنه يتصرّف بشكلٍ خاصٍّ في بعض المسائل اللغوية التي لا عمومية لها[1]، كاستخدامه بعض الاستعارات والتشابيه الجديدة التي يمكن ألّا تكون مأنوسةً للمفسّر. كما يمكن أن يستعمل المؤلف ألفاظاً مشتركةً في النص بحيث تحتمل عدة معانٍ، فلا يتمكن المفسّر من تشخيص المعنى المراد. فهذه الأمور كلها موانع من الوصول إلى المراد الحقيقي للمؤلف، وتجعلنا في معرض الفهم الخاطئ. فمجرّد الاطلاع على القواعد النحوية لا يكفي للتخلص من هذه الموانع. وعلى هذا الأساس، لا يمكننا الاعتماد فقط على هذه القواعد[2].

ولأجل ذلك، يرى شلايرماخر ضرورة اللجوء في الهيرمينوطيقا إلى التفسير الفني أو النفسي، إلى جانب القواعد النحوية. فهذا التفسير النفسي، يُعين المفسر على النفوذ إلى نفسية المؤلف وذهنيته، فيكتشف جرّاء ذلك المعنى الحقيقي للنص. ويريد شلايرماخر من المفسّر أن يخضع للتجربة نفسها التي خضع لها المؤلف والتي لم تنفك عنه[3].

وسبب تركيز شلايرماخر  على هذين البُعدين التفسيريين هو أن فهم أيِّ كلامٍ مكتوبٍ أو ملفوظٍ يعتمد على أمرين مختلفين: فمن جهةٍ، لا بد في فهم أيِّ كلامٍ من الالتفات إلى مناسبته مع اللغة

(71)

المشتركة بين الأفراد؛ ومن جهةٍ أخرى، الكلام جزءٌ من حياة الفرد ومن فكر المؤلف وباطنه. وعلى هذا الأساس، نفصل في التأويل النحوي بين معنى الكلام وبين قصد المؤلف؛ بينما في التأويل الفني والنفسي، يرتبط معنى الكلام بالمؤلف. فالعنصر الأول يوضّح لنا الارتباط الداخلي للنظام اللغوي، والعنصر الثاني يجعل ارتباط المؤلف والمخاطب ممكناً[1].

طبعاً، لم يلجأ شلايرماخر إلى التأويل الفني لأجل معرفة المؤلف. وهذا بخلاف ما نفهمه للوهلة الأولى. فهو أساساً لم يكن يعتقد بـ «قصد المؤلف»، وكان يقول: المؤلف لا يدري ما كتبه، ولا يرى أبعاد النص -أو الأثر- الذي صدر عنه. فمعرفة المفسّر للمؤلف، أفضل بكثيرٍ من من معرفة المؤلف لنفسه. فالمفسّر يعرف الكثير من الأشياء عن المؤلف التي يجهلها المؤلف نفسه. لذا، استخدم شلايرماخر مفهوم «كامل حياة المؤلف» بدلاً من مفهوم «قصد المؤلف» الرائج في الهيرمينوطيقا الكلاسيكية[2].

يعتقد شلايرماخر أن «كامل حياة المؤلف» أمرٌ وراء قصده وإرادته؛ لأن المؤلف له قصدٌ أوجد من خلاله النص الذي كتبه؛ لكن يمكن أن يكون غافلاً عن بعض الأبعاد في نصه أو أثره. وعندما يرِد المفسر إلى ذهنية المؤلف وفرديته وحياته، يمكنه أن يحيط بالأثر والنص الصادر عنه، فيكتشف كل مدلولاته.

وتجدر الإشارة إلى أننا لا نؤيد بشكلٍ كليٍّ ما يراه شلايرماخر من

(72)

ذهابٍ إلى أبعد من قصد المؤلف. فإن كان مراده من هذه المسألة أنه يمكن للمفسّر أن يفهم من النص معانيَ أكثر مما أرادها المؤلف، فهذا كلامٌ صحيحٌ؛ لأن كل نص بإمكانه أن يدل على العديد من المعاني التي لم يردها المؤلف أو لم يهتم بها. وهذه الدلالة ترجع إلى الظروف الطبيعية لأيِّ نصٍّ أو أثرٍ. وهكذا الأمر بالنسبة لبعض العبارات التي يمكن أن يكون لها دلالاتٌ مختلفةٌ اعتماداً على شخصية المؤلف، لكن المؤلف نفسه لم يكن في صدد إرادتها. فصحيحُ أن المؤلف بإمكانه فهم هذه الدلالات، لكن الأمر الأساس في المقام أن هذه المعاني الأبعد من قصد المؤلف، لا يمكن أن تكون المقصود الأصلي من النص؛ لأن المعنى الأصلي هو ما أراده المؤلف. ومن هنا، يجب أن ينصبّ سعي المفسر على الكشف عن المعنى المقصود والمراد. وكشف هذا المعنى متوقفٌ على أمرين أساسيين: الأول: النص وظروف كتابته؛ والثاني: موقع هذا النص بالقياس إلى إرادة المؤلف. وبالتالي، فإن معنى النص أو الأثر هو نفس المعنى الذي يحصل عند مقارنة موقع النص مع إرادة المؤلف.

إعادة بناء وتوليد الفهم والتفسير اعتماداً على الإحساس المشترك عند الإنسان:

يعتقد شلايرماخر أن الفهم والتفسير نوعٌ من إعادة البناء[1] والتوليد[2]؛ بمعنى أنه يجب على المفسر أن ينفذ إلى ذهن المؤلف

(73)

ويعرف ما يدور في خلده، حتى يمكنه فهم نصه -أو أثره- وتفسيره. ويجب أن يُدرك المفسر الظروف الأساسية التي عاشها المؤلف ويشعر بها، مضافاً إلى معرفته بفردية المؤلف وعالمه الذهني المرتبط به. ففهم النص مبني على معرفة أن المؤلف كتب النص في أيِّ ظروفٍ وبأيِّ ذهنيةٍ؛ حتى نفهم ذلك مثل المؤلف نفسه[1].

يرى شلايرماخر أنه يمكن إعادة توليد النص بعد الاطلاع على الظروف التي عاشها المؤلف عند كتابته. وبالتالي، يستطيع المفسر أن يوجد هذا النص مرة أخرى كما فعل المؤلف أول مرةٍ. والحاصل من إعادة التوليد هذه، هو معرفة دوافع المؤلف والوصول إلى فهمٍ للنص كفهم الكاتب له. وهذا الإدراك المشابه لإدراك المؤلف، يُهيِّئ الأرضية لفهم  النص وتفسيره بشكلٍ صحيحٍ. فانتهى النص بالوصول إلى الفهم، الذي سيبدأ من جديدٍ بشكلٍ ثابتٍ، ويرجع إلى الحياة الذهنية للمؤلف -التي هي منشأ هذا النص-. فالمؤلف أو المتكلم يوجِدان جملةً، والسامع يستغرق في التفكير فيها وفي صياغتها[2].

وعلى هذا الأساس، يرى شلايرماخر ضرورة إعادة توليد الفهم والنفوذ إلى فردية المؤلف من أجل الوصول إلى الفهم الصحيح. لكن هل يمكن النفوذ إلى ذهنية الآخرين وفرديتهم؟ كيف يمكن النفوذ إلى ذهنية الآخرين المختلفة عن سائر الذهنيات؟ وهل يمكن أن يكون تفرّد كلِّ إنسانٍ بنظريةٍ وجوديةٍ ومعرفيةٍ مانعاً من الفهم المشترك بين المؤلف والمفسر؟

(74)

لقد التفت شلايرماخر إلى هذا السؤال وأجاب: بأنه يمكن إدراك فردية الأشخاص الآخرين؛ لأنه على الرغم من وجود عزلةٍ أو مغايرةٍ بين الأشخاص، إلا أنه يوجد إحساسٌ وتجربةٌ مشتركان عندهم؛ بمعنى أنه يوجد بين الناس أبعادٌ مشتركةٌ تكفي للنفوذ إلى فردية الآخرين والحصول على فهمٍ مشتركٍ والكشف عن إراداتهم. ومن هنا، يمكن للمفسر أن ينفذ إلى العالم الذهني الخاص بالمؤلف من خلال التفاته إلى المشتركات الوجودية، فيكتشف قصده من الكتابة والكلام[1].

عنصر الحدس والتنبّؤ[2]:

القواعد النحوية هي قواعدُ منهجيةٌ ويمكنها أن تكشف عن البُعد النحوي واللغوي في النص اعتماداً على معاييرَ خاصةٍ. وقد طرح شلايرماخر قواعدَ عامةً للتفسير النحوي مثل قاعدة الفهم حسب "السياق"[3]. لكن هل يمكننا جعل التفسير النفسي والفني المرتبط بذهن المؤلف ونفسيته ممنهجاً؟ في هذا الصدد، تحدث شلايرماخر عن عنصر الحدس والتنبؤ، فرأى بأنه لا يمكننا غضّ النظر عن استخدام هذا العنصر في عملية التفسير الفني[4]. فعنصر الحدس والتنبؤ له أثرٌ في فهم مراد المؤلف، مضافاً إلى أهميته في الخروج من الحلقة الهرمنيوطيقية  (أو الدائرة التأويلية أو الدور الهرمنيوطيقي) - التي سنتحدث عنها في ما بعد -.

(75)

تصوَّر شلايرماخر أنه يوجد فكرُ مخفيٌّ وكامنٌ خلف أيِّ نصٍّ أو كلامٍ. وفي الواقع، إن الهدف الحقيقي للتفسير هو اكتشاف هذا الفكر المخفي. وغاية ما يمكننا فعله هو الحدس بهذا الفكر. لذا، أكّد كثيراً شلايرماخر على الجهة الحدسية والمخفية في الهيرمينوطيقا. ومن هنا، تراه يتحدث عن "الفهم الخاطئ" كطرحٍ له في الهيرمينوطيقا، ويعتبره مرتبطاً بقاعدةٍ منهجيةٍ[1].

فالمنهج الحدسي هو منهجٌ يضع فيه الفرد نفسه مكان الآخر، حتى يُدرك فرديته بشكلٍ مباشرٍ؛ أي يخرج الشخص من ذهنيته، ويسعى جاهداً أن يجعل نفسه مكان المؤلف حتى يمكنه بشكلٍ مباشرٍ إدراك العمل الذهني للمؤلف. طبعاً، ليس الهدف من ذلك فهم المؤلف من الجهة النفسية، بل المقصود الأساس هو الوصول إلى معنًى يكون هو الأقرب من المعنى المراد من النص[2].

الحلقة الهرمنيوطيقية[3] أو الفهم الدوري:

لأجل فهم أيِّ نصٍّ أو كلامٍ، لا بد من الالتفات إلى بُعدين: البُعد الأول هو النص أو الجملة ككلٍّ واحدٍ؛ والبُعد الثاني: هو الأجزاء التي يتشكل منها هذا الكل. يرى شلايرماخر أنه في مقام فهم أيِّ نصٍّ من النصوص، فإنه لا مفرّ من معرفة الأجزاء في مرحلةٍ سابقةٍ، كما يجب أن نكون قد عرفنا الكل حتى يمكننا فهم الأجزاء. وعلى هذا الأساس، يتوقف فهم الكل على فهم أجزائه، كما يتوقف فهم

(76)

الأجزاء على فهم الكل[1]؛ لأن معنى الجملة الواحدة مرتبطٌ بفهم معنى كلماتها بشكلٍ مستقلٍّ، كما أنه يمكننا فهم الأجزاء بشكلٍ مستقلٍّ عندما نكون قد عرفنا مفهومها في تركيب الجملة. وبالتالي، لا بد أن يمرّ فهم النص بمسيرٍ دوريٍّ وديالكتيكيٍّ. ويسمّى هذا الدور بـ «الحلقة الهرمنيوطيقية» (أو الدائرة التأويلية).

فهل تؤدي الحلقة الهرمنيوطيقية في فهم النص وتفسيره إلى التناقض والدور الباطلين؟ وكيف يمكن لنا أن نكون قد فهمنا النص في مرحلةٍ سابقةٍ، على الرغم من أننا لم نفهمه إلى الآن؟ يُقرّ شلايرماخر بهذه الحلقة الهرمنيوطيقية وهذا الدور، لكنه يعتقد أنه لا يؤدي إلى الدور المنطقي المحال. إذ يرى أن هذا الدور يكون باطلاً عندما تكون هذه الرابطة الديالكتيكية والدورية بين الكل والأجزاء هي العنصر الوحيد الدخيل في الفهم. لكنه يذكر دخالة عنصرٍ آخرَ في تشكل الفهم، وهو عنصر الشهود والحدس والمقارنة. ففي الحقيقة، يدخل المفسر إلى هذه الحلقة الهرمنيوطيقية عن طريق عنصر الشهود، فيمكنه أن يدرك الكل والأجزاء مع بعضهما البعض، ولا يكون درك كلٍّ من الكل والأجزاء متوقفاً على الآخر توقفاً منطقيّاً. فالدور يكون باطلاً عندما يكون التوقف بينهما توقفاً منطقيّاً. وفي الواقع، بناءً على تحليل شلايرماخر، فإن عنصر الشهود يُعطي قدرةً للمفسر بحيث يمكنه من خلال الإشراف على الكل والأجزاء أن يفهمهما إلى جنب بعضهما البعض ودون أيٍّ توقفٍ منطقيٍّ؛ أي إنه يوجد طفرةً في الدور الهرمنيوطيقي، فنفهم الكل والأجزاء مع بعضهما البعض[2]. وبالتالي،

(77)

من خلال الالتفات إلى عنصر الحدس والمقارنة، يخطو المفسر خطوته الأولى، فيحدس بالمعنى الأولي للعبارة ويتنبأ به. ومن خلال التفاته في الخطوة الثانية إلى معاني أجزاء العبارة، يشرع بالمقارنة بين المعاني المختلفة، إلى أن يصل إلى معنًى محددٍ. لذا، لا يقع الدور الباطل بفضل عنصر الحدس والمقارنة.

والجواب الآخر: إن الدور الهرمنيوطيقي يعتمد على الأجزاء لفهم الكل، ونفهم هذه الأجزاء من خلال ارتباطها بالكل. ففي هذه الحركة الدورية، تزداد معلوماتنا في كل دورٍ. فعندما ننتقل من الأجزاء نحو الكل، فإننا نحصل على معلوماتٍ جديدةٍ مرتبطةٍ بالكل؛ وعندما نرجع إلى الأجزاء، نكون قد حصلنا على معلوماتٍ جديدةٍ مرتبطةٍ بالأجزاء، وهكذا. وعلى هذا الأساس، على الرغم من أن الدور الهرمنيوطيقي يقع بين الكل والأجزاء، إلا أنهما يتغيران في كل دورٍ[1].

والدور الهرمنيوطيقي الآخر الذي طرحه شلايرماخر هو الحلقة المعرفية للمؤلف وكلامه. فمن جهةٍ، لا بد من معرفة الإنسان حتى يمكننا معرفة كلامه، ومن جهةٍ أخرى، لا بد من معرفة كلامه حتى يمكننا معرفته؛ لأنه لا بد لمعرفة النص والكلام من النفوذ إلى فردية المؤلف وحياته وإدراك ظروفها، وبالتالي، تكون معرفة النص والكلام مبنيةً على معرفة المؤلف. وحيث إن قصد المؤلف وإرادته وذهنيته تتجلى في آثاره وكتاباته، فإن معرفة المؤلف ستكون مبنيةً على معرفة نصه وكلامه. طبعا، لم يرَ شلايرماخر أن هذه الحلقة من الفهم متناقضةٌ، بل يعتقد أنه لا بد من طيّها للوصول إلى الفهم

(78)

الصحيح[1]. ويمكن أن يكون الحل الذي ذكرناه للنوع الأول من الدور، مفيداً في حل النوع الثاني؛ لأنه من جهةٍ، يستطيع المفسر من خلال عنصر الشهود أن يدرك المؤلف والنص إلى جانب بعضهما البعض؛ ومن جهةٍ أخرى، في كل دور حاصل بين المؤلف والنص، نحصل على معلوماتٍ جديدةٍ، وستكون معلوماتنا عن المؤلف والنص في كل دورٍ غير التي كانت عندنا في الدور السابق.

إمكان الفهم العيني للنص:

على الرغم من أن شلايرماخر يرى الفهمَ الخاطئ - أو سوء الفهم - أمراً أساساً وأوليّاً في تفسير النصوص وفهمها، وعلى الرغم من طرحه مسألة دورية الفهم، إلا أنه لا يعتقد بعدم إمكان الفهم العيني للنص. فهو يرى أنه بإمكاننا أن نصل إلى فهمٍ عينيٍّ ونهائيٍّ للنص؛ أي يمكننا أن نصل إلى المقصود الواقعي للمؤلف. وهذا بخلاف الهيرمينوطيقا الفلسفية التي ترى أنه لا يمكن الوصول إلى المعنى النهائي للنص. وصحيح أن شلايرماخر تحدث عن سوء الفهم كحالةٍ أوليةٍ، إلا أنه أقرّ بإمكان التخلص منها. وبعبارةٍ أخرى: يرى أن الفهم الذي لا يعتمد على التفسير الفني هو فهمٌ خاطئٌ. ومن وجهة نظره، يمكن التخلص من الفهم الخاطئ من خلال النفوذ إلى فردية المؤلف وذهنيته ونفسيته.

كما أنه يرى أن الفهم الدوري لا يؤدي إلى عدم انتهاء عملية فهم النص. فمن خلال إدخاله لعنصر الشهود في الدور الهرمنيوطيقي، منع من دعوى انسداد باب الفهم في الحلقة الهرمنيوطيقية. وهذه

(79)

النظرة للفهم والتفسير، هي التي جعلت شلايرماخر في عداد المفكرين الهرمنيوطيقيين الذي يقولون بمحورية المؤلف[1].

ومثل كلادينيوس، يعتقد شلايرماخر بأنه يمكن الوصول إلى معنى النص الأصلي والقطعي. ويفترق عن كلادينيوس، أن الأخير يرى أن المعنى النهائي الذي وصلنا إليه هو بنفسه ما يقصده المؤلف. بينما يذهب شلايرماخر إلى أن المفسر في بعض الأحيان قد يذهب أبعد من المؤلف، بحيث يمكن أن يلتفت إلى معانٍ لم يلتفت إليها المؤلف نفسه. لذا، لا يقول شلايرماخر بأن المعنى النهائي للنص هو مقصود المؤلف؛ بل –كما ذكرنا سابقا- يرى أن «كامل حياة المؤلف» هي معنى النص القطعي والأصلي؛ أي للكشف عن المعنى النهائي للنص، لا بد من فهم كامل حياة المؤلف وخصائصه الروحية والنفسية، ولا يكفي في ذلك مجرّد الكشف عن قصده حال كتابته للنص. وهو يؤكد على أن لكل لفظةٍ في كل عبارةٍ معنًى واحداً، والبحث عن معانٍ مختلفةٍ للفظةٍ واحدةٍ لهو أمرٌ لا فائدة منه[2].

(80)

 

 

 

 

 

 

الفصل الخامس

هيرمنيوطيقا دلتاي

 

(81)

هيرمنيوطيقا دلتاي

بدأت الهيرمينوطيقا الحديثة مع شلايرماخر، لكنها لم تنحصر بجهوده بل تعدّته إلى أشخاصٍ آخرين. ويُعدّ فيلهلم دلتاي الشخصية الثانية المؤثر في هذه الحقبة الهرمنيوطيقية. فمضافا إلى قبوله لهواجس شلايرماخر وجعل هدفه متابعة سعي شلايرماخر، طرح هواجسَ ومناقشاتٍ جديدةً.

فمن جهة، ألزم الاتجاهُ التاريخي الحاكم أن يفهم دلتاي المعضلة التاريخية، وأن يبيّن المباني الهرمنيوطيقية المناسبة للتخلص من موانع الوصول إلى الفهم الصحيح الناشئة عن هذه المعضلة. ومن جهةٍ أخرى، لم يكن يتقبّل الطابع الغالب على الوضعية[1]، فلم يستطع أن يرضى بأن يكون الفهم محدوداً في الإطار الحسي والملموس. فهذه الأمور كلها، هيأت الأرضية لدخول دلتاي في مجال جديد من الهيرمينوطيقا (على أمل بيان قواعد عامةٍ للعلوم الإنسانية). ووصل إلى أن أصل المشكلة هو انحصار استخدام نظرية كانط المعرفية في مجال العلوم الطبيعية. ومن خلال الالتفات إلى عمق الاختلاف الجذري بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية[2]، فإن نظرية كانط لا يمكنها أن تكون صالحةً في مجال العلوم الإنسانية؛ لذا، سعى دلتاي إلى أن يمارس دور كانط في مجال العلوم الإنسانية.

ويعتقد بأن فهم العلوم الإنسانية تابعٌ لقواعدَ عامةٍ، ورسالة

(82)

الهيرمينوطيقا هي الكشف عن هذه القواعد. ولا بد من الإشارة كمقدمةٍ، إلى أن دلتاي كان يسعى لمتابعة جهد شلايرماخر، وتوقف عمله في مجال المنهجية فقط؛ لكنه من خلال اعتقاده بإمكان الفهم العيني، سعى لبيان قواعد عامة للوصول إلى الفهم العيني. لكن مناقشاته (لا سيما العنصر التاريخي)، قد هيأت الأرضية -وإن كان لا يريد ذلك- للهيرمنيوطيقا الفلسفية.

دور دلتاي في تحول علم الهيرمينوطيقا:

بعد وفاة شلايرماخر، انحسر طرح توسعة الهيرمينوطيقا العامة بشكلٍ تدريجيٍّ، وصار يُستخدم في مجالاتٍ خاصةٍ، من قبيل: التأويل التاريخي أو القضائي. لكن في أواخر القرن التاسع عشر، تابع فيلهلم دلتاي (فيلسوفٌ مهمٌّ ومؤرخٌ أدبيٌّ) عمل شلايرماخر، وعمل أيضا على توسعة مجال الهيرمينوطيقا. لقد سعى لكي يكون علم الهيرمينوطيقا بمثابة مبنًى منهجيٍّ لكل العلوم الإنسانية والاجتماعية؛ أي مبنًى لتأويل النصوص والكلمات والسلوك الإنساني والأفعال التاريخيّة والقوانين الأساسية والآثار الفنية والأدبية. كان هاجسه الأساس تشييدَ مناهج للوصول إلى تأويلاتٍ صائبةٍ موضوعيّاً لتعبيرات الحياة[1] الداخلية[2]. وقد اعتبر دلتاي نفسُه هذا الهدف مهمّاً جدّاً؛ لأنه من خلال حل المسألة التالية: «كيف يمكن الكشف عن معاني الألفاظ والنصوص والأفعال والفنون و... وعلى أساس أيِّ مبنًى»، سوف يساهم في حل الكثير من المشاكل

(83)

المعرفية والسلوكية والحقوقية وغيرها. وفي الواقع، لقد أدرك بحقٍّ أهمية علم الهيرمينوطيقا.

إبّان ذروة نفوذ الوضعية والعلم التجريبي، والرفض الكامل لفلسفة هيغل، كان دلتاي يعتقد بأنه لا بد من بيان نموذجٍ جديدٍ -كالتوصيف التجريبي - لأجل الفهم. لذا، سعى لبيان نظامٍ معرفيٍّ خاصٍّ بالعلوم التاريخية. وعلى هذا الأساس، كان السؤال الأساس الذي طرحه دلتاي هو: كيف يمكن أن تكون المعرفة التاريخية؟ أو كيف يمكن أن تكون العلوم المعنوية؟ وهذا السؤال، يبيّن اعتقاد دلتاي بوجود تقابلٍ أساسيٍّ بين بيان الطبيعة وفهم التاريخ. لأجل ذلك، انفصلت الهيرمينوطيقا عن البيان ذي الاتجاه الطبيعي، ودخلت في مجال الشهود النفسي[1].

يرى دلتاي أنه يوجد فرقٌ أساسٌ بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية؛ لأن العلوم الإنسانية لا تبحث عن الوقائع والأحداث المرتبطة بالإنسان الساكت؛ بخلاف العلوم الطبيعة التي موضوعها الوقائع والظواهر المرتبطة بالإنسان الساكت والذي لا يبدي أيَّ ردةِ فعلٍ داخليةٍ -أو باطنيةٍ-. تبحث العلوم الإنسانية عن الوقائع والظواهر المرتبطة بأعمال الإنسان الباطينة، أي المرتبطة بـ «تجربته الباطنية»؛ بخلاف العلوم الطبيعية التي لا تكترث أصلاً بذلك[2]. ويؤكد دلتاي في التمايز بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية على عنصر التوصيف

(84)

والإدراك. فمنهج العلوم الطبيعية هو توصيف الظواهر وعلاقة العلية والمعلولية الواقعة بينها. وموضوع العلوم الطبيعية هو الواقعية العينية التي لا دخل للإنسان في صنعها؛ بل هي مستقلةٌ عن إرادة الإنسان وفعله. أما منهج العلوم الإنسانية أو التاريخية فهو معرفة وإدراك معنى الظواهر التاريخية التي يكون حاصل الفكر البشري موضوعاً لها؛ فهي تشمل الإنسان (العالِم) أيضاً. ومنهج العلوم الطبيعية مبنيٌّ على الاستقراء العلمي، بينما يعتمد منهج العلوم الإنسانية على التأويل. فالإنسان يصنع التاريخ، ويوجِد تناسباً بين العناصر العينية والذهنية. وهذا بخلاف العلوم الطبيعية أيضا، حيث تتشكل الأمور فيها بمعزل عن قواعد الإنسان الذهنية؛ فهذه الأمور هي واقعياتٌ عينيةٌ توجَد دون أيِّ دخلٍ للإنسان وذهنيته فيها[1].

وليس مقصود دلتاي من الفرق بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية هو الفرق بلحاظ الموضوع فقط؛ بل يرى وجود تفاوت ماهوي بينهما في الإطار الذي يُفهَم فيه موضوع العلم. ففي بعض الأحيان، يوجد موضوعاتٌ أو أمورٌ واقعيةٌ مشتركةٌ بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية؛ لكن من الممكن أن تُستخدَم في  إطارٍ مختلفٍ. فعندما تكون هذه الموضوعات في إطارٍ مشتملٍ على تجربةٍ باطنيةٍ، فإنها تكون موضوعاً للعلوم الإنسانية، وعندما تُستخدَم بحسب المقولات العلّية فقط دون أدنى التفاتٍ إلى التجربة الباطنية للإنسان، ففي هذه الحال تكون موضوعا للعلوم الطبيعية. فالعلوم الطبيعية توضّح لنا الطبيعة، بينما تتناول العلوم

(85)

الإنسانية تعابير الحياة ومظاهرها[1]. والالتفات إلى هذا الفرق بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية دقيقٌ. ففي بعض الأحيان، تكون الظاهرة الطبيعية أولا وبالذات موضوعاً للعلوم الطبيعية، لكن عندما تقع هذه الظاهرة في التجربة الإنسانية وتُلاحَظ بنظرةٍ باطنيةٍ، فإنها تصبح حينئذ موضوعاً للعلوم الإنسانية. فعلى سبيل المثال، لو كان لدينا منظرٌ طبيعيٌّ لجبلٍ عظيمٍ، تترامى في أحضانه الأزهار والنباتات ويجري فيه شلالٌ من المياه، فإنه بالنظرة الأولى يكون موضوعا للعلوم الطبيعية؛ لكن لو جُعل هذا المنظر في خطابٍ (شفهيٍّ أو مكتوبٍ) لشاعرٍ أو روائيٍّ أدبيٍّ، وخضع للتجربة الباطنية، فإنه سيصبح موضوعاً للعلوم الإنسانية.

والدور الآخر المهم الذي قام به دلتاي هو تهيئة الأرضية للهيرمنيوطيقا الفلسفية في القرن العشرين. ولعله لم يكن يحب أن تأخذ الهيرمينوطيقا الطابع الذي سعى وراءه هايدغر وغادامير؛ لكن آراءه - شاء أم أبى، وعلى الأرجح أنه لم يكن يريد ذلك - مهّدت بشكلٍ أساسيٍّ لظهور الهيرمينوطيقا الفلسفية. يقول بول ريكور في هذا المجال: «جعل دلتاي المعضلة الكشفية والفقه لغويةً مرتبطةً بالمعضلة التاريخية، وهذا يعني توسعة رقعة الهيرمينوطيقا بشكلٍ أكبرَ. وهذا ما أدى إلى تهيئية الأرضية لتأتي النظرة الوجودية - أو الأنطولوجية- بدلاً من النظرة المعرفية، فتصبح الهيرمينوطيقا عقليةً أكثرَ»[2].

(86)

ومن خلال توضيحنا في ما يلي للاتجاه التاريخي، سوف نشير إلى كيفية تمهيد هذه النظرة لظهور الهيرمينوطيقا الفلسفية.

الأرضية الأساس لهيرمنيوطيقا دلتاي: ظهور الاتجاه التاريخي وغلبة الوضعية

كان دلتاي «فيلسوف حياةٍ»؛ لكن يمكن عدّه بمعنًى من المعاني مكمّلاً للفكر النقدي لكانط. فكما أن كانط شيّد المباني المعرفية للعلوم الطبيعية في كتابه «نقد العقل المحض»[1]، كذلك فعل دلتاي في العلوم الإنسانية في كتابه «نقد العقل التاريخي». فهو يعتقد أن ما ذكره كانط لا يكفي في بيان العلوم التاريخية ولا يناسبها أيضاً[2].

لقد أوجد كانط ثورة في مناهج العلوم التجريبية، حيث مهّد لظهور هواجسَ جديدةً عند الباحثين في مختلف المجالات العلمية من خلال تشكيكهم في منهج العلوم وحثّهم على إعادة التفكير في ذلك. فقد سعى كانط في كتابه «نقد العقل المحض» أن يطرح الإشكالية التي تواجه منهج العلوم التجريبية، ثم بيّن نظريته المناسبة في المقام لأجل حلّ هذه الإشكالية.

وهذه الطريقة التي بدأ بها كانط، لم تنحصر في المجال الذي بحث فيه، بل كانت بدايةً لثورةٍ منهجيةٍ في سائر المجالات. فالعلوم التاريخية هي من المجالات التي طالتها هذه الثورة، فصار يجب إعادة النظر في منهجيتها واعتبارها.

(87)

1. الاتجاه التاريخي[1]:

كان الاتجاه التاريخي أو الاتجاه النسبي بمعنًى من المعاني، هو الفضاء الحاكم في القرن العشرين. الاتجاه التاريخي يعني دراسة أيِّ ظاهرةٍ على أساس عصرها وزمانها؛ أي يجب أن نتجنّب الحكم على أيِّ ظاهرة اعتماداً على معايير زماننا. وبالتالي، يجب أن نفسر الأحداث التاريخية بشكلٍ متناسبٍ مع زمن حدوثها. وقد أوجدت هذه النظرة مشكلةً معرفيةً جديةً، وهي: أن أصل «لزوم قراءة كل عصرٍ من خلال الالتفات إلى هذا العصر نفسه» يشمل عصرنا أيضاً؛ لأن فهمنا عن العصور السابقة يجب أن يتحقق من خلال الالتفات إلى زماننا، وهذا يعني أنه لا يمكن أن يحصل عندنا أيُّ فهمٍ للتاريخ والعصور السابقة، إلا اللهم بنحوٍ نسبيٍّ؛ لأن زماننا مبيِّنٌ فقط لعصرٍ من العصور المختلفة جدّاً. وعلى هذا الأساس، نسأل: كيف يمكننا التخلص من المجال الهرمنيوطيقي التاريخي[2]؟

درويزن[3] (1808- 1884م) هو أول شخصٍ طرح إشكالية العلوم التاريخية. ويرى أن الاتجاه التاريخي يواجه إمكان الوصول إلى العلوم التاريخية وتفسير القضايا بنحوٍ مطلقٍ وصادقٍ. ومن هنا، فكّر أن يدوّن حلّاً منهجيّاً لهذه المسألة. وقد كان درويزن يعتقد بأن نجاح العلوم التجريبية مَدين لتحديد أدواتها ومناهجها (الاطلاع على المنهج). لذا، رأى حاجة العلوم التاريخية والتفسيريّة للتوسعة والارتقاء بها إلى مستوًى منهجيٍّ.

(88)

ويرى درويزن أن الهدف من معرفة التاريخ ليس تحديد القوانين التاريخية، بل معرفة القوانين الحاكمة على تحقق التاريخ وعلم التاريخ. وكان يسعى لبيان منهجٍ مشتملٍ على قواعدَ عامةٍ وكليةٍ لتحديد منهجٍ للمقولات التاريخية. لكنه تأثر بالفكر الوضعي الذي كان مهيمناً في عصره، فاعتقد باستحالة بيان فهمٍ عينيٍّ للعلوم التاريخية. وهو يعتقد بوجود فرقٍ جوهريٍّ بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية؛ لأن منهج العلوم التجريبية هو الكشف عن الظواهر القابلة للمشاهدة والتي يمكن أن يصل إليها الإنسان وأن يبيّنها بسهولةٍ. بينما ماهية العلوم التاريخية هي الكشف عن معنى الواقعيات التاريخية من خلال التاريخ وقصد صانعيه؛ أي إعادة الصناعة الذهنية والتفسيرية للحوادث التاريخية. فهل يمكن أن يكون لإعادة الصناعة الذهنية والتفسيرية نهايةٌ؟ أجاب درويزن بالنفي؛ لأنه يعتقد أن التاريخ نفسه لا يمكن أن يكون تحت تصرّف المفسّر، ولا يمكن أن يصل إلى نهايةٍ. وبالتالي، لن يتوقف التحقيق التاريخي. وعلى هذا الأساس، لا يمكننا أن نستفيد من المنهج الاطمئناني في العلوم التجريبية فنسرّيه إلى العلوم التاريخية[1].

وقد قرّر درويزن أن العلوم التاريخية والتفسيرية تحتاج إلى كانطٍ جديدٍ حتى نحصل على نموذجٍ مناسبٍ لمنهج العلوم التاريخية، مقابل العلوم الطبيعية[2].

وقد سعى دلتاي لأداء هذه الرسالة. لذا، كما اشتغل كانط في

(89)

كتابه نقد العقل المحض على تدوين مبانٍ منهجيةٍ للعلوم الطبيعية، فقد كان دلتاي يسعى من خلال كتابه نقد العقل التاريخي إلى بيان مبانٍ منهجيةٍ للعلوم الإنسانية.

وكدرويزن، كانت نهاية عمل دلتاي في الهيرمينوطيقا هي الإشكالية المعرفية للاتجاه التاريخي. وكان جلّ جهده الفلسفي في ما يرتبط بنقد العقل التاريخي، لأجل أن يضفي مشروعيةً معرفيةً على العلوم الإنسانية[1].

2. المدرسة الوضعية:

لا بد من ملاحظة انتصار المدرسة الوضعية عند دراسة دلتاي؛ لأنها أثّرت على هواجسه المرتبطة بالاتجاه التاريخي. فقد وصلت الوضعية في القرن العشرين إلى حدّ اعتبار المنهج التجريبي طريقاً وحيداً لتمييز المعلوم العيني والمعتبر. فعلى مبنى الوضعية، يجب أن يصنع الذهن لأيِّ نوعٍ من الأفهام نموذجاً توصيفياً تجريبياً رائجاً في العلوم الطبيعية. وعلى هذا الأساس، قالوا بأن العلوم الطبيعية هي الوحيدة المعتبرة والتي لها قيمةٌ، وأن الكثير من العلوم الإنسانية فاقدةٌ للاعتبار وخاليةٌ من القيمة العينية والواقعية لأنها غيرُ قابلةٍ للتجربة. وفي مقابل هذه النظرة الانحصارية لهذه المدرسة، سعى دلتاي لتدوين مبانٍ منهجيةٍ للعلوم الإنسانية كي يقدّمها كعلومٍ لها معنًى وغيرِ فاقدةٍ للاعتبار. ومن خلال تساؤله عن كيفية المعرفة التاريخية -أو العلوم المعنوية-، تحدث عن الفرق بين تبيين

(90)

الطبيعة والفهم التاريخي، وسحب الهيرمينوطيقا إلى مجال الشهود النفسي[1].

عناصر هيرمنيوطيقا دلتاي:

1. دلتاي ومراده من «التاريخية»:

مصطلح «التاريخية» (أو التاريخانية) هو من الكلمات المفتاحية في أدبيات دلتاي الهرمنيوطيقية. وقد أكّد على أن الإنسان كائنٌ تاريخيٌّ. وفهم معنى «التاريخية» ضروريٌّ لفهم هيرمنيوطيقا دلتاي، وللكشف عن الدور المؤثر لهذا المصطلح في الهيرمينوطيقا الفلسفية. فالتاريخية لها معنيان:

1. لا يفهم الإنسان نفسه من خلال النظرة الباطنية، بل من خلال عينية معطياته الحياتية. فالتاريخ فقط هو الذي يستطيع أن يقول للإنسان أنه ما هو. فما هو الإنسان وما يريده، هذا ما يمكن تجربته فقط في الحياة، لا في المفاهيم العينية. وبعبارةٍ أخرى: الإنسان له تعلّقٌ ذاتيٌّ وبالضرورة بالتاريخ؛

2. ليس طبع الإنسان وفطرته ذاتيّاً وثابتاً، بل هو حيوانٌ لمّا يَعلَمْ بَعْدُ ما هو. فالإنسان لم يقرّر إلى الآن ماذا يجب أن يكون؛ بل إن ما يقرّره مرتبطٌ بقرارته التاريخية. ليس الإنسان ساكناً في سفينةٍ مصنوعةٍ من قبلُ، بل هو صانع سفينته. فلديه قدراتٌ حقيقيةٌ وأساسيةٌ لخلق ذاته وتغييرها، وهو يذوب في تيّارٍ تاريخيٍّ ويتغير.

(91)

وعلى هذا الأساس، يعتقد دلتاي أن الإنسان لا يستطيع أن يهرب من التاريخ، بل هو موجودٌ في التاريخ وبواسطة التاريخ، أو تمامية طبعه وفطرته هي بالتاريخ فقط. والإنسان يذوب في تيّارٍ تاريخيٍّ ويتغير[1].

ومن خلال استفادته من مفهوم «التاريخية»، سعى دلتاي لإثبات تاريخية أيِّ نوعٍ من أنواع الفهم. والتاريخية تعني رؤية كل شيء في إطارٍ بحيث يكون قد تشكل هذا الشيء في الماضي. وعلى هذا الأساس، يكون المعنى مرتبطاً بالتاريخ، ويُنظر إليه بشكلٍ زمانيٍّ. فلا بد لفهم المعنى من الوصول إلى الآفاق الحاكمة على الزمان. وعلى الرغم من أن دلتاي طرح مسألة «التاريخية» التي مهّد لها الآخرون، إلا أنه من خلال الالتفات إلى الأهمية الكبيرة التي أولاها لها والتي نجمت عن إعادة استخدامها، فإنه يُمكن عدّه فاتح عهد النظريات الجديدة في مجال التاريخية. فعلى سبيل المثال، يُعدّ الالتفات إلى تاريخية الفهم عاملاً أساساً في تكوّن الهيرمينوطيقا الفلسفية. وعلى الرغم من أن دلتاي لم يكن ليقبل نظريات الهيرمينوطيقا الفلسفية؛ إلا أنه لا مفرّ من الاعتراف بأنه المؤسّس لها. وسوف نرى في الدروس المقبلة أن مسألة تاريخية الفهم قد أثّرت بشكلٍ عميقٍ على الهيرمينوطيقا الفلسفية.

(92)

2. فلسفة الحياة:

فلسفة الحياة[1] هي خصوصيةً أساسيةٌ للفكر الهرمنيوطيقي عند دلتاي. فهو يرى أن الحياة لا تنحصر فقط بمشاركة سائر الحيوانات بالحياة، بل هي حقيقةٌ جرّبناها بكل تعقيداتها. والحياة هي عبارةٌ عن مجموعةٍ لا تُحصى من الحيوات الفردية التي تتألف من الواقعيات الاجتماعية والتاريخية في حياة البشر. فالأمل والخوف والفكر والأفعال والمؤسسات التي يشكلها الإنسان والقوانين المُرشدة للسلوك والأديان والفنون واللغة والفلسفة، هذه كلها قسمٌ من حياة الإنسان[2]. ويولي دلتاي في هرمنيوطيقيته أهميةً كبيرةً للالتفات إلى هذه التجارب الحياتية؛ لِما لها من أثرٍ مهمٍّ في فهم النصوص والآثار.

ومراد دلتاي من لفظ الحياة هو مجموع القوى الباطنية عند الإنسان، لا سيما قوى الإحساس والإرادة التي هي غيرُ عقلانيةٍ والتي تتعارض أيضاً مع القوى العقلانية. ويعتقد أنه يجب ألّا تكون وظيفة فهم الإنسان مرتبطةً بالمقولات المنتزَعة من خارج الحياة؛ بل موضوع العلوم الإنسانية هو فهم الحياة على أساس المقولات المرتبطة بداخل الحياة. وضع دلتاي الفلسفات المعرفية للوك وهيوم وكانط تحت مجهر السؤال، ورأى أنه لا يمكننا فصل المعرفة عن تاريخ الحياة الداخلية (أو الباطنية) للإنسان. ففي الواقع،

(93)

تحصل المعرفة على أساس الماضي والحاضر والمستقبل، وعلى ضوء الإحساسات والإرادات. وبعبارةٍ أخرى: يجب أن نتعرّف على الحياة على ضوء «المعنى» و «التجربة الداخلية للإنسان»[1].

لكل إنسانٍ تجاربُ كثيرةٌ في الحياة. فالإنسان، مقابل سائر البشر والأشياء، له تجاربُ مختلفةٌ في حياته. وتظهر هذه التجارب في الخارج بأشكالٍ مختلفةٍ، من قبيل: النص، أو الكلام، أو الحركات، أو الأفعال، أو ردات الفعل، أو الإشارات أو غير ذلك. والسؤال المهم عند دلتاي هو: هل يمكننا أن ندرك الحياة الباطنية والداخلية الكامنة خلف هذه الظواهر؟ إن كانت الحياة تظهر في قوالب مختلفة، فكيف يمكن أن نعبر هذه القوالب لنصل إلى باطن الحياة؟ وبعبارةٍ أخرى: هل يمكننا النفوذ إلى التجربة الحياتية للآخرين؟ هذه الأسئلة تُطرح مع الالتفات إلى تميّز العلوم الإنسانية عن العلوم الطبيعية -التي تُعنى بمشاهدة الظاهرة ولا تولي أيَّ اهتمامٍ للباطن- بأن العلوم الإنسانية بإمكانها أن تُدرك الباطن وتفهمه؛ أي يجب على المفسر أن ينفذ إلى الأعماق الباطنية لصاحب التجربة، وأن يدرك تجربته بشكلٍ عميقٍ.

يرى دلتاي في مقام الجواب عن هذا السؤال  أن الإنسان يمكن أن يساهم في التجربة الحياتية للآخرين؛ لأن له تجاربُ حياتيةٌ مختلفةٌ تظهر بشكلٍ ثابتٍ في حياته. ويعقتد بأن هذا الاشتراك الأساسي في التجارب الحياتية بين المفسّر وبين المفسَّر له، يجعل بالإمكان فهم تجارب الآخرين. فعندما يكون ثمة اشتراكٌ بين التجارب الإنسانية

(94)

بحيث تشتمل على قواعدَ مشتركةٍ، فإنه يمكن في هذه الحال أن نحصل على أفهامٍ مشتركةٍ ومتساويةٍ[1].

يعتقد دلتاي أنه يوجد مقولاتٌ حياتيةٌ بإمكانها أن توجّه لنا أفهامنا بالنسبة إلى آثار الآخرين وأفعالهم، وهذا ما سوف نشير إليه في تتمة البحث.

3. مقولات الحياة[2]:

واجه دلتاي مشكلةً في فهم حياة الآخرين، وقد أشرنا إلى ذلك في فقرة فلسفة الحياة. ومن المشكلات الأخرى التي يعتقد بها هي مسألة محدودية المفسّر بالحياة والتاريخ. فإن كانت ذهنية المفسر خاضعةً لتأثير تجربته وحياته، كيف يمكن أن نوجّه المشاكل الفهمية التي تنشأ عن هذه المحدودية؟

يقول دلتاي في مقام الجواب على هذه المشكلة:

ليست الحياة مجموعةٌ من الحقائق غير المرتبطة، بل الحياة لها معنًى؛ لأنها في كل مراحها السابقة قد خضعت للتنظيم والتفسير. يبدأ الفيلسوف من معان أضافها البشر إلى عالمه. والفيلسوف أو المفسر هما جزءٌ من الحياة، ويخضعان لتأثير مرحلتهما. وهذا أمرٌ مهمٌّ جدّاً؛ لأنه يؤدي إلى أن يعرفا عملية تكوّن المعنى لديها عن طريق تجاربهما، ويأنسا بها. ومن هذا الطريق، يصبح المفسر عالما بعمل ذهنه وكيف تؤدي الأفكار إلى وجود الأحاسيس. وتزداد خبرة المفسر وتجربته

(95)

عند ملاحظة حياته الحالية وتوالي اللحظات، وعند تذكر الماضي وتوقّع المستقبل. ومن خلال النقاط المشتركة بين المفسر وبين بقية البشر، يستخدم أصولا وقواعد لتنظيم تجربته. ويسمي دلتاي هذه الأمور بمقولات الحياة، التي يُعد تحليلها لبّ فلسفته[1].

ويظهر من هذه العبارة أن أهم توجيهٍ عند دلتاي لإمكان الوصول إلى الفهم الصحيح هو اشتراك حياة الفرد مع سائر الأفراد الإنسانية. وحيث إن الفرد نفسه هو جزءٌ من هذه الحياة المشتركة، فإنه يمكن الوصول إلى فهم مراد الآخرين من خلال الأنس بعناصر المعنى والفكر. ومن هنا، ليس التاريخ أمراً مستقلاً عن الإنسان ومغايراً له حتى يُنفى إمكان الوصول إلى الفهم العيني من خلال التمسك بالمغايرة بين التاريخ والإنسان.

يرى دلتاي أنه يمكن فهم الحيوات المختلفة والمتنوعة فقط عن طريق الاستفادة من قواعد الفهم العامة. ويسمي هذه الأصول بـ «مقولات الحياة»؛ أي الأصول والقواعد التي تتشكل تجربتنا على ضوئها. ويعتبر هذه الأصول مناهج لتفسير الحوادث[2].

ومن المقولات التي بحثها دلتاي، نذكر:

ألف) العلاقة بين الداخل والخارج: نظر دلتاي في هذا الأصل إلى محتوى الذهن ومظاهره المادية؛ بمعنى أن الكلام والأفعال والحركات الظاهرية، تحكي عن عن المضمون والمحتوى

(96)

الداخلي. فكلُّ تجلٍّ ظاهريٍّ، يحكي عن معنّى واحدٍ وحقيقةٍ داخليةٍ أو باطنيةٍ. وعلى هذا الأساس، يجب القول بأن الأفعال والأقوال وسائر شؤون الحياة، ليست أموراً صرفَ ظاهريةٍ ولا مناسبة لها، بل كلٌّ منها يُخبر عن حقيقةٍ ذاتِ معنًى؛

ب) القدرة: يعني الاعتقاد بوجود تأثّرٍ وتأثيرٍ بيننا وبين الآخرين. وانطلاقاً من هذه المقولة، فإننا نجرّب تأثيرنا على الأشياء وعلى سائر البشر، كما نجرّب أيضاً تأثّرنا بهم؛

ج) القيمة: وهي مقولةٌ نجرّب من خلالها الحال والحاضر؛

د) الهدف: وهي مقولةٌ نتوقّع من خلالها المستقبل؛

هـ) المعنى[1]: وهي مقولة نتذكر من خلالها الماضي؛

و) الجزء والكل: أي إن المعنى من داخل النسبة، فيه عينيةٌ بين الجزء والكل[2].

يرى دلتاي أنه يمكن فهم حياة الآخرين إن تحققت بعض الشروط. ويعتقد بوجود ثلاثة شروطٍ ضروريةٍ لإمكان فهم سلوك الآخرين وكتاباتهم وأقوالهم:

أولاً: يجب الاطلاع على العملية الذهنية التي من خلالها ينتج المعنى والتجربة والانتقال. عندما لا نعرف كيف تتكوّن المحبة والبغض والإرادة وإظهار الأشياء، فإننا لن نستطيع فهم ذلك الشيء؛

(97)

ثانياً: يجب أن نتعرّف على الأرضية الخاصة التي تتحقق فيها التجربة الإنسانية. وبعبارةٍ أخرى: يجب الالتفات إلى الأرضية الاجتماعية التي تتشكل فيها التجربة، وإن كانت الأرضية الخاصة لإظهار التجربة لها دورها المهم أيضا في فهمها. ونحن نُدرك الإظهارات الشفهية أكثر من الكتبة وغير الشفهية، بسبب التفاتنا إلى أرضية إبراز القضايا في الإظهارات الشفهية. وعلى هذا الأساس، يجب أن نعدّ هذه المسألة شرطا مهما للفهم في كل التجارب البشرية. على سبيل المثال، لكي نفهم نهضةً دينيةً أو نظريةً فلسفيةً بشكلٍ أفضلَ، لا بد من ملاحظة الجو الفكري والظروف الاجتماعية الحاكمة في ذلك العصر؛

ثالثاً: يجب الاطلاع على الأنظمة الثقافية - الاجتماعية المُعيّنة لماهية أغلب الإظهارات البشرية. فمعرفة اللغة الخاصة المستعملة في الأثر (أو النص) والقواعد الحاكمة على اللغة وعلى النظام السائد، لهو أمرٌ أساسٌ نحو فهمٍ أفضلَ وأكملَ[1].

وعلى هذا الأساس، يكون التعرّف على: العملية الذهنية للتجربة وانتقال المعنى، وعلى الأرضية الاجتماعية لظهور التجربة، وعلى اللغة الخاصة للأثر والقواعد الحاكمة على اللغة، قد عدّها دلتاي كثلاثة شروطٍ أساسيةٍ لإمكان تحقق الفهم الصحيح.

(98)

4. الدور الهرمنيوطيقي:

يرى دلتاي -كشلايرماخر- أن الفهم يحصل جرّاء دورٍ متقابلٍ بين الكل والأجزاء؛ بمعنى أن فهم الكل يحصل من خلال معرفة الأجزاء؛ وفهم هذه الأجزاء يحصل من خلال الالتفات إلى الكل. ويعتقد أنه يمكن الوصول إلى المعنى في هذا الفهم المتقابل للكل والأجزاء.

وطرح دلتاي حلّاً آخرَ لدورية الفهم، مبنيّاً على تاريخية المعنى. فالمعنى أمرٌ تاريخيٌّ، أي إن معنى أي شيء يُحدَّد من خلال الالتفات إلى الأرضية الخاصة المرتبطة به. فيجب الالتفات إلى هذه الأرضية لتحصيل الفهم. ولكل نصٍّ زمانٌ وموقعٌ خاصٌّ يوجد فيه. ونصل إلى معنى النص من خلال النسبة بينه وبين المشهد التاريخي، ويتغير المعنى أيضاً بتغير الزمان. فلا يمكننا أن نعتبر المعنى أمراً ثابتاً لا يتغير، بل يتغير بتغير الأرضية والنص اللذين هما ناتجٌ من نتاجات التاريخ. لذا، فإن فهم النص مبنيٌّ على فهم أرضية معنى النص؛ كما أن الالتفات إلى النص يؤثر في تحديد معنى أرضيته[1].

وقد وضّحنا في الدرس السابق أن هذا الدور الهرمنيوطيقي ليس دوراً باطلاً وموجباً لعدم إمكان الفهم العيني؛ لأنه من خلال الالتفات إلى عناصر إمكان الفهم العيني التي ذكرها دلتاي -أي عنصر «المماثلة» و «التحويل»- فإنه يمكن للمفسر انطلاقاً من الإحساس المشترك مع سائر البشر أن يُشرف على الحلقة (أو

(99)

الدائرة) الهرمنيوطيقية ويحيط بطرفَيِ الدور، فيتغلب على لوازمه الظاهرية. والمفسر له إشرافٌ على كل الأثر (أو النص) وعلى أجزائه أيضاً. كما أنه يستطيع الإحاطة بأرضية معنى النص، وبنفس النص (أو الأثر) الذي نشأ في تلك الأرضية. وعلى هذا الأساس، لا يلزم من هذه الدائرة الهرمنيوطيقية بين كل الأثر وأجزائه -وكذلك بين الأثر وأرضية تحقق معناه- عدم إمكان الفهم العيني للأثر.

5. فهم المعنى النهائي للنص:

يرى دلتاي أنه يمكن الكشف عن معنى الوقائع التاريخية والإنسانية. فيمكن للمفسر أن يصل إلى المعنى المراد للمؤلف من خلال التأويل. وقد استفاد دلتاي من مفهوم «البيان» ليوضح كيفية تأويل مراد المؤلف. فهو يعتبر أن كل بيانٍ هو علامةٌ طبيعيةٌ أو جعليةٌ. وقد تكون العلامات في بعض الأحيان مرتبطةً بالقصد، بمعنى أنها تشير إلى استعمال معنًى خاص. والآثار الأدبية والرسائل و... هي من هذا القبيل؛ لأنها تحكي عن قصد المؤلف بالنسبة إلى الأثر. وثمة أدواتٌ مختلفةٌ لمعرفة البيانات أو العلامات.

وعلى أساس هيرمنيوطيقا دلتاي، فإننا نعرف معنى الأثر من خلال الكشف عن أرضيته المرتبطة بالمعنى. والبيانات والنصوص يمكن فهمها في أرضيات المعنى، التي لا يمكن الكشف عنها اعتماداً فقط على الكلمات المستخدمة. لذا، كلما تعرفنا أكثر على المتكلم، كلما أمكننا أن ندرك أكثر دوافعه الكامنة في كلماته. ويعتقد دلتاي أنه يمكننا أن نتعرف على الفضاء الذهني للمؤلف من

(100)

خلال البحث في الحقائق والمعطيات التاريخية والإحصاءات و... وعالَم المؤلف؛ بل يمكننا أن نفهم المؤلف كما يفهم نفسه.

ويقول دلتاي بأننا نصنع النص والماضي؛ وهذا أساس التأويل وجوهره. فهو كان يعتقد بأن المؤوّل يحذف الفاصلة الزمانية والتاريخية الموجودة بينه وبين عالَم النص، بحيث يصبح معاصراً للمؤلف[1].

6. عنصر «المماثلة» و«التحويل»[2]:

استفاد دلتاي من عنصرَيِ المماثلة والتحويل لأجل إثبات إمكان الفهم في العلوم الإنسانية. وهو يعتقد أن هذه العناصر تساهم في إمكان فهم: الأقوال والكتابات والحركات والأفعال والعلامات وسائر الشؤون الإنسانية.

ومراده من عنصر المماثلة هو وجود هويةٍ مشتركةٍ بين البشر. لذا، نحن مرجع فهم أعمال البشر والحوادث التاريخية. ومن خلال الالتفات إلى عنصر المماثلة، يمكننا أن ننفذ إلى الخصوصيات الفردية والنفسية للأفراد، وأن نصل إلى المعنى الواقعي لأفعالهم؛ لأن الفرد في النظام الإنساني، مهما كان مغايراً لسائر الأفراد، إلا أنه في النهاية يبقى إنساناً. فالأفراد ليسوا متغايرين وأجانب عن بعضهم البعض بشكل تامٍّ. وقد أكد دلتاي على الدور الأساسي للفرد في حياة الإنسان، في مقابل هيغل -الذي يطلق الروح العينية على روح

(101)

المؤسسات والثقافات- الذي يعتقد أن الروح العينية هي في الأصل ظاهرةٌ نفسيةٌ، وأن كل العلوم المعنوية مبنيةٌ على علم النفس[1].

ويرى دلتاي أن مبنى العلوم الإنسانية هو وجود نوع من القابلية الأولى عند كل الناس لأجل تحويل حياتهم إلى الحياة النفسية للآخرين. وهدف العلوم الإنسانية هو فهم أفعال الذين يصنعون الحوادث التاريخية. وحيث إن هذه الأفعال هي أفعال بشرية، فإن لها باطناً. وبالتالي يمكن فهمها بفضل إمكان التحويل والنفوذ إلى حياة صانعيها[2].

والمراد من التحويل هو أنه كي نفهم فعل شخصٍ كان يعيش قبلنا بمئة سنةٍ، فإنه لا بد أن نتمكن من أن نكون مكانه ومن العيش في مرحلته الزمنية. فإن استطعنا أن نفعل ذلك وأن نجعل أنفسنا مماثلين نفسيّاً وزمنيّاً له، فإنه سوف نتمكن من فهم فعله الذي قام به في الماضي. فنحن بشرٌ مثله، وإن كنا محله فسوف نفهم كما كان يفهم، وسوف نفعل ما كان يفعله[3].

(102)

 

 

 

 

 

 

الفصل السادس

الهيرمينوطيقا الفلسفية

1: هايدغر

(103)

الهيرمينوطيقا الفلسفية (1): هايدغر

يُعدّ القرن العشرون للميلاد منعطفاً تاريخيّاً في التحولات الهرمنيوطيقية. وعلى الرغم من تأثير العصر الكلاسيكي والرومانسي في التكوّن الرسمي لعلم الهيرمينوطيقا، إلا أننا شهدنا في القرن العشرين نظرياتٍ جديدةً لها جذورٌ في النظريات السابقة. وظهور الهيرمينوطيقا الفلسفية[1] في هذا العصر، أدى إلى تغيير الهيرمينوطيقا في شتى المجالات. فقد تغيّر مفهوم الهيرمينوطيقا وهدفها وقواعدها المرتبطة بعدة مقولاتٍ، من قبيل: الفهم والتفسير والتأويل.

ويُعدّ مارتن هايدغر (1889 - 1976) المؤسس الأساس لهذه النهضة، حيث ثبّت الهيرمينوطيقا الفلسفية وبيّنها، مستفيداً من عالِم الفينومينولوجيا هوسرل، ومتأثراً بنظريات بعض الفلاسفة ككانط ونيتشه. وقد خطا خطوةً جديدةً في الهيرمينوطيقا من خلال سعيه للقول بوجود ارتباطٍ عميقٍ بين الهيرمينوطيقا وبين نظرية الوجود.

وقد ظهرت الهيرمينوطيقا الفلسفية لهايدغر بعد نشر أهم كتابٍ له في هذا المجال وهو كتاب «الوجود والزمان»[2]. وحينئذ، أثّرت هيرمنيوطيقا هايدغر بشكلٍ جذريٍّ على الهرمنيوطيقيين المعاصرين

(104)

له. ولعل غادامير هو أكثر شخصيةٍ هرمنيوطيقيةٍ تأثُّراً بهايدغر، حيث سعى لإكمال مسيره[1].

خصائص الهيرمينوطيقا الفلسفية لهايدغر:

تأسست هيرمنيوطيقا هايدغر في مجالٍ جديدٍ ومختلف عن النظريات السابقة. ففي النظريات السابقة، أي الكلاسيكية والرومانسية، على الرغم من وجود اختلافٍ إجماليٍّ بينهما، إلا أن علم الهيرمينوطيقا كان أداةً ومنهجاً للوصول إلى الفهم الصحيح للآثار. فحاول الهرمنيوطيقيون الكلاسيكيون والرومانسيون أن يدوّنوا قواعدَ ومناهجَ منطقيةً لفهم الآثار، كما بحثوا عن أسباب سوء الفهم والتفسير. أما الهيرمينوطيقا الفلسفية -التي يمكن القول بأن مؤسسها هو هايدغر-، فقد كانت مختلفةً بشكلٍ تامٍّ عن الهيرمينوطيقا الكلاسيكية والرومانسية من حيث تعريف  الهيرمينوطيقا وعناصرها وسائر النظريات الهرمنيوطيقية. وسرّ هذا التغير هو نظرة هايدغر المختلفة للهيرمنيوطيقا. فهو، أولاً: يرى أن المسألة الأساسية هي معرفة حقيقة الوجود[2]؛ وعلى هذا الأساس، ذهب إلى أن السؤال الأساسي هو السؤال عن حقيقة الوجود؛ وثانيا: بدأ من وجود الموجود -أي الوجود الإنساني أو «الدازاين»- لفهم حقيقة الوجود التي هي الهاجس الأساسي عنده. ويعتقد بأنه من خلال إدراك وجود الإنسان، فإنه يمكننا أن ندرك نفس الوجود؛ وثالثا: من خلال تحليل الدازاين، بحث عن تحليل الفهم والعناصر الوجودية للفهم. ومن هنا، وصل

(105)

إلى أنه لا يمكننا تحليل الفهم كأمرٍ منهجيٍّ وذي قواعدَ. وانتقاده الأساسي للنظريات الهرمنيوطيقية السابقة هو أنهم حللوا الفهم دون الاعتماد على التحليل الأنطولوجي (الوجودي)[1].

طبعاً، يجب ألّا نغفل عن تأثّر الهيرمينوطيقا الفلسفية بالظاهراتية (أو الفينومينولوجيا أو علم الظواهر)[2]. فعلى الرغم من أن هايدغر يعتبر هرمنيوطيقيته وجوديةً، إلا أنه يعتبرها أيضاً ظاهراتيةً، ويعتقد بلزوم عدم الفصل بين النظرة الوجود والنظرة الظاهراتية للهيرمنيوطيقا[3]؛ لأنه يرى أن الوجود يظهر لنا بالشكل الذي هو عليه، لا أننا نحصل على الوجود بفهمنا.

 سعى هايدغر إلى التعرف على معنى ظاهرة الدازاين من خلال ظهور وجودها. وقد تأثر بالمنهج الظاهراتي عند هوسرل، ويوافق على القاعدة الظاهراتية القائلة بلزوم الذهاب إلى نفس الأشياء؛ أي أصل التأويل الفلسفي[4]. وقد كانت ظاهراتية هوسرل جذابةً بالنسبة إلى هايدغر؛ لأنها تسعى نحو إدراك ذات الأشياء عن طريق تحليلها، لا عن طريق أمورٍ أخرى، ولا بواسطة ذهن الإنسان. وبعبارةٍ أخرى: إن كانت ذوات الأشياء قابلة للإدراك، فإنه يجب أن نزيل الوسائط بيننا وبينها حتى تظهر لنا ذوات الأشياء.

وقد تأثر هايدغر في كتابه «الوجود والزمان» بدلتاي كثيراً. طبعاً، لا يوافق هايدغر على تفوق نظرية دلتاي على نظريات المفكرين

(106)

الغربيين من ديكارت[1] وما بعد؛ لكنه يمكننا أن نشاهد هواجس دلتاي الهرمنيوطيقية في هذا الكتاب لهايدغر[2].

صحيح أن دلتاي يعدّ نفسه عالماً هرمنيوطيقيّاً رومانسياً، ويميل إلى البحث عن المناهج، إلا أن التساؤلات المرتبطة بالفهم والتي طرحها، مهّدت الأرضية لدخول الهيرمينوطيقا إلى المجال الفلسفي. وقد ذكر الكثير من مؤسسي الهيرمينوطيقا الفلسفية بأن النظرية الفلسفية إلى الهيرمينوطيقا يمكن أن تكون إجابة عن التساؤلات الناشئة من التاريخية المطروحة في الهيرمينوطيقا الرومانسية. ومن الواضح أنه لا يمكن الجمع بين النتائج الحاصلة من الهيرمينوطيقا الفلسفية وبين أهداف الهيرمينوطيقا الرومانسية. وفي الواقع، تحديات التاريخية قد مهّدت الأرضية لحصول تغييرٍ أساسيٍّ في بارادايم هيرمنيوطيقا الحديثة.

السؤال عن الوجود:

بدأ هايدغر فلسفته بالسؤال عن الوجود. وقد انتقد الفلسفات الجديدة بسبب غفلتها عن هذا السؤال الأساسي؛ إذ هي تعتقد أن الوجود أعمُّ المفاهيم[3]، وأنه الوسيلة لفهم سائر المفاهيم.

ومن خلال نقده لطريقة الفلسفة الغربية، كان يعقتد أنها، بدلاً من السعي نحو إدراك حقيقة الوجود، أخذت معناه كأصلٍ مسلَّمٍ، ورأت أن السؤال عنه فضولٌ وغيرُ معقولٍ؛ لأن مفهوم الوجود

(107)

الذي هو أعم المفاهيم ـ بديهي التصوّر وغير قابلٍ للتعريف[1]. والحال أن هايدغر لا يرى مفهوم الوجود أوضح المفاهيم، بل يراه أكثرها غموضا. وأما عدم قابلية الوجود للتعريف، فيرى أن معناه هو أن الوجود ليس شيئاً كالموجود. وقد دعانا هايدغر للبحث عن معنى الوجود[2]. وبخلاف النظريات الرائجة التي ترى وضوح مفهوم الوجود واستغناءه عن التعريف، فإن هايدغر يرى أن عمومية هذا المفهوم شاهدٌ على إبهام معناه.

ويعتقد أن أول خطوةٍ في البحث هي السؤال عن نفس الوجود؛ لأن الموجودات تتعيّن به، وفهمها مبنيٌّ على فهمه[3]. وقد التفت هايدغر إلى أن وجود الموجودات ليس شيئاً منفصلاً عن الموجودات، لذا ذهب إلى لزوم البحث عن الوجود في الموجودات. وهكذا، يمكننا اكتشاف الوجود من بين الموجودات المختلفة.

ومن خلال التفاته إلى واقعية الموجودات المختلفة، ذكر الأسئلة التالية: من أيِّ موجودٍ يجب أن نكتشف معنى الوجود؟ أيُّ موجودٍ يمكن أن يكون نقطة الانطلاق للكشف عن معنى الوجود وتوضيحه؟ هل ثمة موجودٌ خاصٌّ، في عملية الكشف عن معنى الوجود، تكون له الأولوية على سائر الموجودات؟ بأي معنى يكون الموجود الخاص متقدماً على سائر الموجودات في تحقيق هذا الهدف؟ قال هايدغر في مقام الجواب عن هذه الأسئلة أنه:

(108)

للكشف عن معنى الوجود فإنه لا بد من البدء بوجود السائل، أي وجود الإنسان نفسه، الذي عبّر عنه بـ «الدازاين»[1].

فأول اختلاف أوجده هايدغر هو تغيير السؤال الهرمنيوطيقي، لأن المسألة الهرمنيوطيقية عند دلتاي كانت عبارة عن ارتباط السؤال عن الفهم بإدراك أذهان الآخرين. ويعتقد دلتاي بأن مسألة «إمكان الوصول إلى نفسٍ واحدةٍ أو إلى نفوسٍ أخرى والارتباط بها» مهيمنةٌ على كل العلوم المعنوية، من علم النفس إلى التاريخ. ويرى أن ماهية الشخص الآخر هي نفس ماهيتي، وبالتالي، يمكننا الوصول إلى معرفةٍ واقعيةٍ عن الآخرين. أما هايدغر، فيعتقد أنه يجب أن نغيّر مسار السؤال، فيجب أن نبدأ بالسؤال عن العلاقة مع العالم، بدلاً من السؤال عن العلاقة بالأشخاص الآخرين. وعلى هذا الأساس، يقول بأنه يجب أن نبحث المسألة الوجودية في مجال العلاقة مع العالم، لا في مجال علاقة الأشخاص مع بعضهم البعض. ويرى بأن الجهة الأنطولوجية لفهم الموجودات تبدأ من خلال التأمّل في «الوجود - في»، وليس من خلال التأمل في «الوجود - مع»؛ أي من خلال «الوجود في العالم» لا من خلال «الوجود مع الآخرين». فالسؤال عن العالم صار بديلاً عن السؤال عن الآخرين. ومن خلال هذا التغيير، يكون هايدغر قد قضى على الجهة النفسية للفهم[2]. وتأكيده على فهم الموجودات من خلال التأمل في «الوجود في العالم» والابتعاد عن منهج التأمل في «الوجود مع الآخرين»، سببه

(109)

أنه يسعى لفهم ذوات الأشياء من خلال الأشياء أنفسها، دون أن يلاحظ علاقتها مع الإنسان. فالتأمل في الأشياء من خلال علاقتها مع الآخرين يؤدي إلى الانحراف عن فهم وجود الأشياء أنفسها. وسبب هذا الانحراف في الفهم هو أن ذهنية الإنسان ورغباته بالنسبة إلى سائر الأشياء، بإمكانها أن تؤثر في فهمه لحقيقة الأشياء وتحرفها.

هيكلية الدازاين:

تقدم أن هايدغر بدأ فلسفته بالسؤال عن الوجود لأنه يرى أنه حقيقةٌ مخفيةٌ في كل الموجودات. ولمّا كان لكل موجودٍ ارتباطٌ مع الوجود، فلا بد -باعتقاد هايدغر- من النفوذ إلى أحد الموجودات للكشف عن معنى الوجود. فاختار الوجود الإنساني من بين هذه الموجودات للكشف عن معناه.

وقد ذكر هايدغر مجموعةَ من الخصائص دفعته لاختيار الدازاين من بين سائر الموجودات، منها:

أنطولوجية وجود الدازاين:

يجب ألّا نعدّ الدازاين موجوداً كسائر الموجودات؛ لأن وجود الدازاين له هواجس فهم وجوده؛ أي إن الدازاين في مجال وجوده، يفهم نفسه بشكلٍ واضحٍ وصريحٍ وبنحوٍ من الأنحاء؛ وفهم هذا الوجود بالنسبة له هو أحد الهواجس. وعلى هذا الأساس، يتميز وجود الدازاين بأنه يُفهم وجودياً وأنطولوجياً.

تقدم المعرفة الوجودية للدازاين على إمكان معرفة سائر الموجودات:

(110)

يجب أن تُفهم كل الموجودات من خلال الدازاين؛ لأنه يمكن معرفة كل الموجودات من خلال الإنسان. وحيث إن الدازاين نفسه هو أحد الموضوعات التي يجب أن تُعرف، فإن السؤال عن وجود الإنسان متقدم على وجود سائر الموجودات. والحاصل: أنه إن كان الوجود الإنساني منشأً لفهم وجود موجودات العالم الأخرى، فمن الأفضل أن نبدأ بالسؤال عن وجوده؛ لأن معرفة وجود الإنسان تمهّد لمعرفة سائر الموجودات[1].

الأبعاد الأنطولوجية للدازاين:

في صدد بيان معنى أنطولوجية الدازاين، ذكر هايدغر أبعاداً مختلفةً، عبّر عنها بالمصطلحات التالية: الوجود في العالم[2]، الوقائعية[3]، الإلقاء[4]، الوجود الأصيل[5]، الاسقاط[6]، والسقوط[7].

من جهةٍ، يرى هايدغر الدازاين أنه «الوجود – هناك»(Being - there)  أو «الوجود في العالم» (Being – in – the – world) ؛ بمعنى أن الوجود الإنساني هو وجودٌ في عالَمٍ خاصٍّ. وليس مراده من العالم الخاص المحيطَ الخارجي أو الأرض، بل مراده العالم الذهني – النفسي والظروف والموقعيات والعلائق. فالدازاين يدخل ضمن مجموعةٍ من العلاقات، وتُدخله العلائق والحاجات إلى

(111)

عالَمٍ خاصٍّ. فكل دازاين يعيش في مجموعاتٍ (أو عوالمَ) خاصةٍ (كعالم الثقافة والفلسفة والدين والفن)، سمّاها هايدغر بـ «العالم المعيش».

ومن جهةٍ أخرى، أشار هايدغر إلى عنصر «الوقائعية» في وجود الدازاين الذي يربط الدازاين بهذا العالم؛ أي إن حدود الدازاين وتبعيته التاريخية التي طُبع عليها في هذه الدنيا -التي فيها اختيار الإنسان- محدودةٌ بأمورٍ لم يحدّدها الدازاين نفسه. ومن خلال الالتفات إلى هذه المسألة، يعتقد هايدغر أنه لا يمكن للإنسان أن يجلس بعيداً عن العالم، ثم يُلاحظ عالمه كأنه شيءٌ من الأشياء (object).

ومراده من عنصر «الإلقاء» هو أن الإنسان محدودٌ بأمورٍ لم يخترها، وهي تحدّ حالاته وإمكاناته. وعلى هذا الأساس، يكون فهم الدازاين مرتبطاً بظروفه التاريخية وتراثه التقليدي. ولمّا كان الدازاين مُلقًى في هذه الوضعية المحدودة، فإن الظروف التاريخية مقدّمةٌ باللحاظ الوجودي على الذهنية والمعلومات. وبعبارةٍ أخرى: المُعطيات التاريخية هي مقدَّمةٌ دائماً على ذهنية الدازاين. ولمّا كان أيضاً لكل دازاين وجودٌ خاصٌّ بحيث يكون نحوُ هذا الوجود مرتبطاً بإمكاناته الخاصة المحدودة، فإنه لن يكون لدينا وجودٌ إنسانيٌّ للماهية وماهيةٌ مشتركةٌ وثابتةٌ. ويُعبّر هايدغر بـ «الوجود الأصيل» عن انحصار نحو وجود كل دازاين بفرد.

أما «الإسقاط»، فيريد به هايدغر أن الدازاين يحصل على إمكاناتٍ وقابلياتٍ جديدةٍ من خلال الفهم. فالفهم يمهّد لهذه الإمكانات حتى يتمكن الدازاين من التقدم. فكلُّ فهمٍ جديدٍ

(112)

يؤدي إلى تحرك الدازاين خطوةً إلى الأمام. و «إسقاط» الدازاين متأثرٌ بالأمور المحدودة التي أُلقي فيها، ويؤدي فهم الوجود إلى  أن يتخلص الدازاين من هذه المحدوديات والعلائق ويكشف عن أفقٍ جديدٍ.

ومعنى وضعية «سقوط» الوجود الإنساني هو ابتعاد الدازاين عن وجوده الحقيقي وغرقه في الحياة المعيشة. وطرق السقوط فيها هي: طلب العافية، الغربة عن النفس، التفرقة، الاستسلام للمحيط ولشرائط الآخرين و... والسر في كونها عوامل للسقوط هو أن هذه العوامل الخارجة عن الدازاين تُملي عليه إمكاناته، فيفقد الدازاين أصالته[1].

انطلاقاً من هذه العناصر، يعتقد هايدغر أن الدازاين يأخذ شكله في عوالمَ ثقافيةٍ وفنيةٍ مختلفةٍ، وهي التي تبيِّن وجوده وموجوديته. وعلى هذا الأساس، يكون الإنسان محدودا بهذا العالم ومتعلقا به، ولا يمكننا القول بوجود ثنائية بين الدازاين وبين هذه العوالم. وهذه النظرة تؤدي إلى أن لا يتمكن الدازاين من البحث عن العالم ومشاهدته كوجودٍ عينيٍّ في الخارج. وقد أوصلت هذه المباني الوجودية هايدغر إلى الرؤية الهرمنيوطيقية التالية: كل فهمٍ يجلبه الدازاين يكون محدوداً ومرتبطاً بهذا العالم، أي بإرثه التاريخي والتقليدي. وانطلاقاً من اعتماد هايدغر على عدم وجود ماهيةٍ مشتركةٍ بين الناس، ذهب إلى أن لكل دازاين فرديةً ووجوداً منحصراً به بحيث يكون موجوداً على أساس إمكانات الدازاين الخاصة. من هنا، يأخذ فهم كل دازاين شكله بلحاظ وجوده. وهذه الأبعاد الوجودية للدازاين، تفي -بنظر هايدغر- بتعيين العناصر

(113)

الهرمنيوطيقية. وهذه الأبعاد هي أساس النظريات الهرمنيوطيقية لهايدغر. وفي ما يلي، سوف نتعرض لأهم العناصر الهرمنيوطيقية بنظر هايدغر.

العناصر الهرمنيوطيقية عند هايدغر:

بيان نظرية هايدغر الهرمنيوطيقية مبنيةٌ على بيان نظرته إلى المقولات المختلفة المرتبطة بالفهم. وانطلاقاً من نظرته الفلسفية إلى الهيرمينوطيقا، ذكر عناصرَ جديدةً عند تبيينه للفهم والأمور المرتبطة به. وهذا ما سوف نتعرض له بإجمالٍ في ما يأتي.

ماهية الفهم:

ثمة اختلافٌ واضحٌ بين مصطلح الفهم عند هايدغر وبينه عند شلايرماخر ودلتاي. فهايدغر يرى أن الفهم ليس استعداداً أو قوةً خاصةً للإحساس بالوضع الشخصي للآخرين، كما أنه ليس قوةً لإدراك معنى مظاهر الحياة؛ بل هو قدرة الشخص على إدراك إمكاناته لأجل الكون في العالم الذي يعيش فيه الإنسان نفسه. وبخلاف نظريات السابقين، يرى هايدغر أن الفهم أمرٌ غيرُ قابلٍ للتصرف، بل هو حالةٌ أو جزءٌ لا ينفصل عن «الوجود في العالم». فالفهم هو تلك الهيكلية الوجودية التي لها جذرها في وجود الناس، ولها حضورها في أيِّ عملٍ تأويليٍّ. وبعبارةٍ أخرى: الفهم هو القوام الوجودي للدازاين والأساس لأيِّ علمٍ ومعرفةٍ؛ لأن كل العلوم هي مظاهر للدازاين الذي يتقوم بالفهم. ويرى هايدغر أن أحد أهم خصائص الفهم هي كونه ضمن مجموعةٍ من النسب والعلائق، تعمل كلُّها بشكلٍ متناسقٍ. ويرى هايدغر أن الفهم ليس

(114)

أمراً منفصلاً عن العالم، بل هو عبارةٌ عن ظهور الدازاين (في - العالم - وجود الإنسان)[1]. وبعبارةٍ أخرى: الفهم هو عبارةٌ عن ظهور العالم الوجودي للإنسان؛ لذا لا يمكن أن نلاحظه منفصلا عن الإنسان.

وعلى أساس نظرة هايدغر إلى الفهم، يمكن القول بأن الفهم أمرٌ وجوديٌّ وهرمنيوطيقيٌّ أيضاً. فهو وجوديٌّ لأنه نحو وجود الدازاين وعنصرٌ لا ينفك عنه. وهو هرمنيوطيقيٌّ لأنه موجبٌ لظهور «الوجود في العالم» المرتبط بالدازاين. والفهم الهرمنيوطيقي يُظهر وجود الدازاين والأشياء الموجودة في عالمه أيضاً[2]. نعم، لا يمكننا - والكلام لا زال لهايدغر - التمييز بين البُعد الوجودي للفهم وبُعده الهرمنيوطيقي، بل إن البُعد الثاني تابعٌ بشكلٍ كاملٍ للبُعد الأول.

ترى الهيرمينوطيقا الكلاسيكية والرومانسية أنه يمكن للمفسّر إزالة موانع الفهم الصحيح ومن ثَمّ الوصول إلى المعنى المقصود عند المؤلف. وهذا ما لا يرتضيه هايدغر؛ لأنه يرى أن الفهم غيرُ منفصلٍ عن الوجود الإنساني، بل هو نحوُ وجودٍ لأي إنسانٍ بحيث يتحقق ضمن قابليته الوجودية. وعلى هذا الأساس، لا يمكننا أن ننتظر من الإنسان أن يتخطى نحو وجوده ليصل إلى أمرٍ وراءه[3]. وبعبارةٍ أخرى: حيث إن وجود الإنسان - بالنظرة الأنطولوجية - وجودٌ مُلقًى في عالمه وتابعٌ له، فإن أي فهمٍ من الإنسان سوف يكون محدوداً بالأرضية الأنطولوجية لعالمه.

(115)

اللغة،  العالم والفهم:

يُعدّ تفسير هايدغر لعالم الإنسان من أهم العناصر المحددة لنظريته الخاصة في الفهم. والبيان الصحيح لهذا العنصر له دورٌ مهمٌّ في معرفتنا الدقيقة برؤيته للفهم. فتاريخية الفهم، واصطدام كل فهم بالقبليات، والبعض الآخر من العناصر الهرمنيوطيقية عند هايدغر، يعيننا على فهم نظرته إلى عالم الإنسان.

فهو يعتقد أن الإنسان غيرُ منفصلٍ عن عالمه أبداً. ولا يُراد بالعالم محيطنا وسائر الموجودات، بل هو ذلك الكل الذي يستغرق فيه الإنسان دائماً ويُعدّ عالماً شخصيّاً لكلِّ إنسانٍ. وبعبارةٍ أخرى: ظروف الإنسان الوجودية هي التي توجد عالمه الشخصي. لذا، يعتقد هايدغر بتقدم عالم الإنسان على أيِّ شيءٍ في الإنسان؛ فهو مقدَّمٌ على تصور المفاهيم وعلى فاعلية الذهن و...؛ لأنه يُحدث في الإنسان تصوّراً لأيِّ أمرٍ داخل العالم. ولما كان هذا العالم أصلاً سابقاً على أيِّ عملٍ معرفيٍّ، فإنه لا يمكننا وصفه اعتمادا على سعينا. فالإنسان يُدرك كل أمرٍ في العالم بحسب العالم الوجودي الخاص بهذا الإنسان، فهو يرى كل شيءٍ من خلال هذا العالم الخاص. فعالم كلِّ إنسان يكون من القبليات، ويُعدّ مهيمناً على كل شيءٍ. لذا، يرى هايدغر أن الفهم يحصل من خلال هذا العالم، الذي هو أساسٌ لأيِّ فهمٍ[1]. وبعبارةٍ أخرى: لا يمكننا أن نحصل على فهمٍ منفصلٍ عن العالم الشخصي للإنسان؛ لأن الإنسان يرى الأمور ويحللها دائماً من خلال البارادايمات الحاكمة على عالمه الذهني.

(116)

ويعتقد هايدغر أن النظرة النفسية إلى اللغة قائمة على القول بالتمايز بين اللغة والعالم؛ والحال أنه بناءً على ما تقدم، أي العلاقة بين الإنسان وعالمه المحيط به، لا يمكن القول بوجود تمايز بين العالم واللغة، ولا بين العالم والمعنى، بل لا معنى لذلك. فليست لغة الإنسان أمراً مستقلّاً عن عالمه. لذا، يجب أن ننظر إلى اللغة بنظرة أنطولوجية. ويرى هايدغر أن الكلمات تدل على وجود الأشياء؛ أي هي علاماتٌ على «الوجود - داخل - العالم» لكل وجود داخل العالم[1]. والنظرة النفسية ترى اللغة أداةً مستقلةً للفهم؛ لأنها تصوِّر اللغة كأمرٍ مستقلٍّ عن العالم وبإمكانه أن ينظر من فوقٍ إلى واقعيات العالم فيفهم حقائقها. لكن الأمر ليس كذلك عند هايدغر، إذ يعتقد أنه لا يمكن أن تكون اللغة منفصلةً عن العالم، بل هي جزءٌ من العالم، وبالتالي، تابعةٌ لحدود العالم وقابلياته.

وبنظر هايدغر، ليس امتلاك المعنى شيئاً حتى يمنحه الإنسان لأيِّ شيءٍ آخرَ؛ بل المعنى عبارةٌ عن شيءٍ يُعطى للإنسان من قبَل العالم الحاكم على الأشياء. كما يرى أن  التأويل عبارةٌ عن إعطاء الصراحة للفهم، وليس التأويل إعطاء المعنى لشيءٍ عارٍ عن المعنى. فهو يعتقد أن المعنى ليس شيئاً يمكن أن يعطيه الفاعل إلى شيءٍ آخرَ، بل هو نفس الوجود الذي يظهر في عالم الدازاين. وعلى هذا الأساس، لا يستطيع المؤوِّل إلا أن يُعطي الصراحة لذلك الأمر الوجودي[2].

وهذه النظرة للغة، تركت تأثيراً عميقاً على الاتجاهات

(117)

الهرمنيوطيقية عند هايدغر؛ لأنه، من جهةٍ، يرى أن اللغة والعالم أمران لا يمكن أن ينفكا عن بعضهما البعض، ومن جهةٍ أخرى، يذهب إلى أن الفهم يتحقق دائماً في أحضان اللغة. وبالتالي، فإن كل فهمٍ يتشكل في أحضان هذا العالم، وهو بالضرورة مبنيٌّ على قواعد هذا العالم أيضاً. وبعبارةٍ أخرى: حيث إن اللغة توجد في أحضان عالم الإنسان الخاص، فإنها ستشتمل على محدودياتٍ خاصةٍ. وعلى هذا الأساس، لا يمكننا أن ننتظر منها أن تكون أداةً لفهم العالم.

وانطلاقاً من ربط اللغة بالوجود، يصرّح هايدغر أن «اللغة بيت الوجود»؛ أي إن وجود الأشياء يتشكل في أحضان الكلمات واللغة[1]. ومن هنا، ليست اللغة - بنظره - أداةً تربطنا بالآخرين، كما أنها ليست ظهوراً للتفكير المنطقي؛ بل هي نوعُ ظهورٍ وتجلٍّ للواقعية؛ أي هي ظهورٌ لوجود الإنسان وداخله أو لهذا العالم الحاكم على الإنسان.

قبليات الفهم:

قبل أن يتعرض هايدغر لمسألة قبليات[2] الفهم، صرّح نيتشه (1844 - 1900م) بأن كلَّ فهمٍ مبنيٌّ على الأحكام المسبقة[3] عند المؤلف. وقد حذّر الآخرين من عدم انتظار الفهم الخالص عن القبليات، فالإنسان يتأثر دائماً في فهمه وتأويله برغباته وزاوية نظره الشخصية.

(118)

يا سعادة الفلاسفة! احفظوا أنفسكم تجاه تلك الأسطورة الخطيرة والقديمة والتي تدّعي وجود موضوعٍ يُفهم دون تدخل الرغبات والآراء والزمان. احذروا من فخ المفاهيم غير المنسجمة، من قبيل: «الفهم الخالص»، و «الروحية المطلقة»، و»العلم في نفسه». النظر يعني النظر من خلال زاوية محددة ومنظور معيّن؛ والعلم يعني العلم من خلال زاوية محددة، فقط لا غير. لا يستطيع عقل الإنسان أن يتجرّد عن رؤيته ومنظاره -التي تكون الرؤية والعلم عبره فقط-. صار العالم بعيوننا «غير متناهٍ» من جديدٍ؛ وبالتالي، لا يمكننا أن ننكر أن بإمكان العالم أن يشتمل على تأويلاتٍ غيرِ متناهيةٍ[1].

فكل تقييمٍ يصدر من الإنسان، فإنه يكون صادراً عن رؤيةٍ مسبقةٍ محددةٍ تهدف للحفاظ على إحدى الجهات التالية: الفردية، أو الاجتماعية، أو العرقية، أو الحكومية، أو الكنسية، أو الإيمانية أو الثقافية. فدائماً يترافق التقييم مع رؤيةٍ مسبقةٍ[2].

تُعدّ مسألة القبليات المعرفية الخالصة من أي قيدٍ أو شرطِ، أساساً في نظرة هايدغر الهرمنيوطيقية إلى الفهم، والتي نتجت عن تأثره الشديد بنيتشه. فيرى هايدغر أنه لا يمكننا أن نفرّغ الفهم أو التفسير من كل الأحكام المسبقة والقبليات الفهمية. ويؤكد بصراحةٍ على أنه لا وجود للتفسير الخالص والعاري عن كل الشوائب القبلية؛ بل كل تماسٍّ مع العالم، لا بد أن يكون مبنيا على قبلياتٍ[3]. ويذكر هايدغر

(119)

ثلاثةَ عناصرَ أساسية دخيلة في تشكل القبليات عند المفسر، وهي: المعلومات المسبقة[1]، وجهة النظر المسبقة[2]، والتصور المسبق[3].

دائماً يكون التفسير مبنيّاً على الفروض المسبقة؛ أي إن التفسير هو ذلك الفهم الذي يرجع إلى كلياتٍ معلومةٍ مسبقةٍ. والتفسير في كل مورد يعتمد على وجهة نظر مسبقة، تحدد طريق الدخول بحسب قابلية التفسير، بحيث تكون طريقة الدخول هذه قد استعملها مسبقاً. كما أن التفسير مبنيٌّ أيضاً على تصورٍ مسبقٍ؛ أي إن التفسير ينتهي شيئاً فشيئاً بمنظومةٍ مفهوميةٍ محددةٍ. ويستحيل أن نحصل على فهمٍ دون فروضٍ مسبقةٍ. فليس التفسير إلا فروضاً بديهيةً مسبقةً، لا مفر للمفسر من بدء تفسير بـ: معلوماتٍ مسبقةٍ وزاوية نظرٍ مسبقةٍ وتصورٍ مسبقٍ[4].

وقد استعان هايدغر ببيانٍ انطولوجيٍّ للدازاين من أجل تحليل فروض الفهم المسبقة وسببها. فهو يعتقد بظهور  إمكانات الموجود (الدازاين) أثناء إسقاط الفهم. وهذه الإمكانات مرتبطةٌ بنوع وجود الدازاين. وعلى ضوء «الوجود في العالم»، تكون موجودات كل عالم قد اُلقيت فيه. ويكون للدازاين معنًى عندما يُفهم ضمن عالمه. فيتضح أن المعنى رهين المعلومات المسبقة وزاوية النظر المسبقة والتصور المسبق. ويرجع الفهم دائما إلى «الوجود في العالم». يوجد

(120)

دائماً وجودٌ مع أيِّ فهمٍ لـ «الوجود في العالم»، كما أنه يوجد «الوجود في العالم» مع أيِّ فهمٍ للوجود[1].

وعلى هذا الأساس، يعتقد هايدغر بأن مجموعة الفروض المسبقة والمرتبطة بالتجربة، هي التي تعطي شكلاً للتأويلات. وقد سمى هذا الأمر بالحالة التأويلية[2]. ومراده أن الوجود الإنساني يشتمل على هيكليةٍ هرمنيوطيقيةٍ كامنةٍ بشكلٍ مخفيٍّ في كل تأويلاته، حتى في العلوم الطبيعية[3].

والسر في تأكيد هايدغر على القبليات الفهمية هو اعتقاده بأن «اللغة بيت الوجود». وعلى هذا الأساس، تأتي الأشياء إلى الوجود في أحضان الكلمات واللغة. لذا، لا يمكننا اعتبار وجود الأشياء شيئاً منفصلاً عن اللغة والعالم الحاكم عليها. وفي هذا الإطار، يكون كلُّ فهمٍ مسبوقاً بقبلياتٍ تمهّد لها اللغة.

ويدّعي هايدغر استحالة التأويل بدون فروضٍ مسبقةٍ، وبالتالي، لا يُبقي مجالاً أمام أيِّ تأويلٍ خالٍ من الأحكام المسبقة والقبليات؛ لأن كل تأويلٍ - حتى في الموارد البديهية - مُنْبَنٍ على فروضٍ مسبقةٍ غيرِ واعيةٍ. ويعتقد أنه لا يمكننا القول بأن المؤوِّل بالنسبة لأثرٍ أو نصٍّ ما، يكون خارجاً عن الزمان والمكان، أي خارجاً عن أفق التجارب والعلائق، بل

(121)

هو بالدقة يكون في تماسٍّ مع النص أو الأثر في زمانٍ ومكانٍ محدَّدَيْنِ[1].

تاريخية الإنسان:

 إحدى الخصوصيات المهمة التي طرحها هايدغر بالنسبة إلى الدازاين هي تاريخية الدازاين[2]. وهذا يعني أن وجود الدازاين هو وجودٌ تاريخيٌّ. ويعتقد هايدغر أن التاريخية مبنيةٌ على الزمانية؛ لأن الدازاين موجودٌ تاريخيٌّ بسبب كون الزمان أساساً في وجوده[3]. والمراد من التاريخية هو أن يُفهم الدازاين كأمرٍ ماضٍ يتعلق شيئاً فشيئاً بالتاريخ الذي هو ليس حاضراً أمامنا لكن تأثيراته السابقة لا زالت ماثلةً بين أيدينا. هذا التاريخ الذي يعيّن المستقبل في الحاضر، وهو الذي يجرّنا من الماضي إلى الحاضر والمستقبل[4].

ويستعمل هايدغر التاريخية بمعنًى آخرَ أيضاً. فيريد بها أن الدازاين هو بشكلٍ عمليٍّ مهدٌ تاريخيٌّ. فيعتقد  أن لا معنى للدازاين دون هذا المهد التاريخي؛ لأن وقوع الدازاين متلازمُ مع كونه تاريخيّاً. هذا التاريخ الذي وقع فيه الدازاين، يشتمل على الثقافة واللغة وكل الإمكانات المشتركة التي يستفيد منها الدازاين، والتي أُلقي فيها[5]. لذا، يكون الفهم دائماً محدوداً بالتاريخ وقواعده.

(122)

 

 

 

 

 

 

الفصل السابع

الهيرمينوطيقا الفلسفية

2: غادامير

(123)

الهيرمينوطيقا الفلسفية (2): غادامير

بدأت الهيرمينوطيقا الفلسفية مع هايدغر، وحدث فيها تحوّلٌ عظيمٌ. فقد خبت النظرة التقليدية للهيرمنيوطيقا شيئاً فشيئاً، وحلّت محلها النظرة الفلسفية. ويُعد هانس جورج غادامير[1] أفضل تلميذٍ لهايدغر في الهيرمينوطيقا الفلسفية، وقد سعى كثيراً لتبيين نظرياته الهرمنيوطيقية وإثباتها.

ويمكن عدّ كتاب الحقيقة والمنهج[2] لغادامير تفسيراً سلساً لنظريات هايدغر. وهذا لا يعني أن غادامير لم يأت بشيءٍ جديدٍ، كما لا يعني أنه وافق كل آراء أستاذه؛ بل ثمة مواردُ هرمنيوطيقيةٌ قد أبدع فيها غادامير.

وهيرمنيوطيقا غادامير هي أكثرُ عمليةً في مجال الفهم. وقد بنى نظرياته على مبانٍ وجوديةٍ (أنطولوجيةٍ) ومعرفيةٍ. وبعبارةٍ أخرى: يمكن القول بأن إسهامات هايدغر كانت ذات أثرٍ نظريٍّ غالباً، وأما إسهامات غادامير فكان أغلبها ذا أثرٍ عمليٍّ. فلم يكن هايدغر مشغول الفكر بتأثيرات نظرياته في مقام العمل، بينما كان غادامير كذلك. ويمكن مشاهدة هذا الأمر في آثاره الهرمنيوطيقية.

وسوف نبيّن في هذا الدرس نقاط الاشتراك والافتراق بين هايدغر وغادامير، ثم نتعرّض لبيان العناصر الهرمنيوطيقية عند غادامير.

(124)

خصائص الهيرمينوطيقا الفلسفية عند غادامير:

سعى غادامير لمتابعة مسير هايدغر من خلال النظر إلى الهيرمينوطيقا بنظرةٍ فلسفيةٍ، وابتعد بدوره أيضاً عن الاتجاهات الهرمنيوطيقية ما قبل الفلسفية، بسبب اعتماده على مبنى الهيرمينوطيقا الفلسفية. وقد اشترك غادامير مع هايدغر في موضوعين أساسيين، هما: النظرة الفلسفية إلى الهيرمينوطيقا، والنظرة غير الذاتية إلى الفهم. أما بالنسبة للموضوع الأول، فهو يعتقد أن الهدف الأساس للهيرمنيوطيقا هو التبيين الفلسفي للفهم نفسه الذي هو بمثابة نحوِ وجودٍ للإنسان، بخلاف النظريات النفسية التي رأت الهيرمينوطيقا أداةً ومنهجاً للفهم الصحيح. وانطلاقا من نظرة غادامير، لا يمكن تعريف علم الهيرمينوطيقا بأنه قواعدُ وأدواتٌ لفهم العلوم الإنسانية،؛ بل هو سعيٌ فلسفيٌّ لتوصيف الفهم بمثابة عملٍ أنطولوجيٍّ في الإنسان. ولم يكن عنوان كتاب الحقيقة والمنهج ناظراً أيضا إلى الهيرمينوطيقا كمنهجٍ؛ بل يبيّن هذا العنوان أن المنهج ليس طريقاً للوصول إلى الحقيقة، بل على العكس من ذلك، إن الحقيقة تفرّ من قبضة الإنسان الباحث عن المنهج.

وأما بالنسبة للموضوع الثاني المشترك بينهما، فيعتقد غادامير ـ كهايدغرـ بعدم إمكانية الإنسان على أن يحدّ عمل الفهم بواسطة السيطرة فقط، بل يستحيل أن يكون عمل الذهن معياراً لمعنى الأثر (أو النص). و بخلاف النظريات الذاتية التي ترى أنه يمكن للمفسر أن يفهم قصد المؤلف أو المعنى الخفي الكامن في الأثر، ذهب غادامير

(125)

إلى أن المهم هو ما يظهر في المواجهات التاريخية المتكررة. وعلى هذا الأساس، لا يرى لذهن فاعل الفهم دوراً مستقلّاً[1].

وعلى الرغم من وجود اشتراكاتٍ كثيرةٍ بين غادامير وهايدغر، لا سيما في نظرتهما الأنطولوجية لعلم الهيرمينوطيقا، إلا أن هدف غادامير الأساسي مختلفٌ عن هدف هايدغر. فهايدغر، سحب الهيرمينوطيقا إلى ساحة الوجود لأجل تحليل وجود الدازاين؛ بينما يرى غادامير أن النظرة الأنطولوجية هي وسيلةٌ للوصول إلى المعرفة[2]. لذا، غضّ غادامير نظره عن التحليلات الانتزاعية الصرفة لهايدغر في المجال الأنطولوجي للدازاين، وسعى كثيراً لجرّ الهيرمينوطيقا الفلسفية إلى مجال العمل ولتوضيح تأثيرات نظرياته في الفهم. لذا، كان هاجسه الأساس هو تحليل مسألة الفهم ونقد المنهج. وصحيحٌ أن هيرمنيوطيقا غادامير بدأت بشكلٍ أنطولوجيٍّ، إلا أنها عمليّاً كانت في المجال المعرفي والمنهجي. ويتميز هايدغر بكون جهوده الهرمنيوطيقية -سواءً في البداية أم في ما بعد- مركّزةٌ على الأنطولوجيا. وأهم فرقٍ بين هايدغر وغادامير هو أن هايدغر كان يسعى خلف الوجود، ويرى الدازاين أفضل طريقةٍ للوصول إلى هذا الهدف؛ بينما كان غادامير يركض خلف معرفة الفهم نفسه، ويرى البحث عن الفهم بنحوٍ أنطولوجيٍّ أفضلَ طريقةٍ للوصول إلى هذا الهدف. لذا، تقترب هيرمنيوطيقا غادامير من نظرية المعرفة؛

(126)

بخلاف هايدغر الذي لم يكن هدفه من الأساس الارتباط بالنظرة المعرفية.

تجنّب هايدغر الدخول في المباحث المنهجية والمرتبطة بالعلوم الإنسانية التي طرحها دلتاي؛ بخلاف غادامير الذي أخذ سؤال دلتاي على محمل الجد، وبحث عن منهج العلوم الإنسانية بمبانٍ هايدغرية. لذا، عنون كتابه بـ الحقيقة والمنهج، لأجل استخدام الاستفادة من فهم هايدغر للحقيقة في مقابل فهم دلتاي للمنهج[1].

والحاصل أنه لم يكن المنهج هاجساً لغادامير، على خلاف ما يوحي به عنوان كتابه. بل سبب عنونته لهذا الكتاب هو اعتقاده بأن الحقيقة تهرب من قبضة الإنسان الساعي نحو المنهج. ولم يعرّف علم الهيرمينوطيقا كقواعدَ عامةٍ مساعدةٍ في العلوم الإنسانية، بل عرّفها بأنها سعيٌ فلسفيٌّ لتوصيف الفهم كعملٍ أنطولوجيٍّ في الإنسان[2].

ماهية الفهم في هيرمنيوطيقا غادامير:

يبتتني الفهم بنظر غادامير على عدةِ عناصرَ، أغلبها مبنيةٌ بدورها على مباني ونظريات هايدغر الهرمنيوطيقية. وسوف نتعرض في ما يلي لبيان عناصر الفهم الأساسية عند غادامير.

ألف) ماهية الفهم:

تقدم أن غادامير يعتقد أن الهدف الأساس من الهيرمينوطيقا هو البحث الأنطولوجي عن الفهم وكيفية تحققه. وهو يرى الفهم بمثابة

(127)

نحوِ «وجود في عالم» الفاهِم -الذي يقوم بعملية الفهم-. وتركز هاجسه على كيفية حضور الدازاين في العالم. فهو يعتقد أن الفهم عبارةٌ عن نحوِ حضور الدازاين في العالم. وعلى هذا الأساس، يجب في الخطوة الأولى عدم اعتبار الفهم كأداةٍ ومنهجٍ للإدراك والفهم. طبعاً، نذكر بأنّ هذا الفهم للفهم مبنيٌّ على نفس المباني التي أصر عليها هايدغر في كتابه الوجود والزمان. ومن خلال الالتفات إلى خصائص الدازاين التي طرحها هايدغر، وإلى تأكيده الخاص على أنطولوجية الدازاين، لم يعتبر غادامير الفهم أمراً مستقلّاً عن وجود العالم، بل رأى أن تمام شؤونات الفهم يكون لها معنًى في أحضان عالم الوجود.

وذهب غادامير –كهايدغر- إلى القول بأن الفهم عبارةٌ عن الصورة الأصيلة لتحقق وجود الإنسان؛ أي إن الفهم بالدقة هو نفس نحوِ وجود الدازاين. وبعبارةٍ أخرى: وجود الإنسان له حالة واسعة، بحيث يمكن أن تظهر فيه الموجودات الأخرى. ومعنى هرمنيوطيقية الوجود الإنساني هو أنه يجيز لسائر الأشياء بالظهور. وهذه الحالة من السعة والانكشاف، هي حالةٌ وجوديةٌ مقدَّمةٌ على كل أعمال البشر وإداركاتهم، من قبيل: التأمل والتفكير والشهود والتأويل[1]. وهذا التقدم الواسع للدازاين، وبالتالي تقدم اللغة والبارادايم الحاكم على الدازاين وعلى فهمه وتأويله، يؤدي إلى أن يكون أثناء مواجهته للظواهر، مقيداً بالقواعد الحاكمة على وجوده.

وبخلاف النظريات الكلاسيكية والرومانسية للفهم، التي تعدّه

(128)

فعل فاعل الفهم وتنسبه إلى ذهنه، يرى غادامير أن الفهم واقعةٌ[1] تقع وتكون حصيلةَ فعالية الأشياء نفسها (موضوع هذا الفهم والتجربة)[2]. وتتشكل هذه الواقعة خلف رغبة الإنسان وإرادته[3]. وهذا الفهم للفهم ذي الاتجاه الفلسفي، هو ما سماه هايدغر بـ «الهيرمينوطيقا الوقائعية». ففي هذا الاتجاه، يرتبط الإنسان الفاهِم بالعالم الذي وقع فيه؛ لا أن العالم يرتبط بهذا الإنسان[4].

وعلى هذا الأساس، يرى غادامير أن ماهية الفهم أمرٌ خارجٌ عن الإنسان، غيرُ مرتبطٍ بداخله؛ بمعنى أن الفهم عبارةٌ عن حصيلة عواملَ فاعلةٍ وخارجةٍ عن ذهن الإنسان وإرادته. لذا، يعتقد بأنه لا يمكن عدّ الفهم خارجاً عن وجود الأشياء. طبعاً، سوف نشير في الأبحاث اللاحقة إلى هذه الأمور الخارجة عن ذهن الإنسان وإلى العوامل المؤثرة على تشكل الفهم.

ب) لعبة الفهم:

من قواعد الفهم الأساسية في هيرمنيوطيقا غادامير هي نظرته إلى عملية الفهم كلعبةٍ. فهو يرى أن معنى الفهم هو الدخول في لعبةٍ[5] ذاتٍ طرفٍ واحدٍ وهو صاحب الفهم. الاتجاهات السابقة كانت تفصل بين الذات وبين الموضوع، وهيغل يرى حيثيةً استقلاليةً لصاحب الفهم؛ بينما يعتقد غادامير بأنه لا يمكن التفكيك والفصل

(129)

بين صاحب الفهم وبين الموضوع واللعبة الحاكمين عليه. فيرى أن صاحب الفهم يدخل من خلال الفهم إلى لعبةٍ ذاتِ قواعدَ خاصةٍ. ويكون صاحب الفهم في هذه اللعبة خاضعاً لها وللقواعد الحاكمة عليها. لذا، ليس للإنسان حريةٌ مستقلةٌ بحيث يستطيع أن يفهم بإرادته أمراً. ففي الواقع، من ناحيةٍ أنطولوجيةٍ، ليس الفهم إلا هذا الدخول في اللعبة. وعلى هذا الأساس، لا يمكن عدّ الفهم ناتجاً عن ذهنية صاحب الفهم، ومن الأفضل أن نقول بأن صاحب الفهم يلعب في مسألة الفهم، ولا مفرّ له من اتباع قواعد هذه اللعبة.

في كتاب الحقيقة والمنهج، يبيّن غادامير مراده من مفهوم اللعب، حيث يقول:

«عندما نتناول اللعب من جهة علاقته بتجربة الفن، فهذا لا يعني أننا ننصرف إلى توجُّهٍ مبدعِ العمل الفني، أو إلى أولئك الذين يستمتعون به، ولا إلى حالاتهم الذهنية، كما أننا لا ننصرف إلى ما تشعر به ذاتٌ معينةٌ من حريةٍ في أثناء انغماسها في اللعب، إنما نحن نقصر حديثنا على نمط وجود العمل الفني نفسه»[1].

لم يستعمل غادامير مفهوم اللعب لأجل القول بوجود دورٍ مهمٍّ لصاحب الفهم، بل للإشارة إلى الماهية الوجودية للأثر نفسه، حيث يكون لصاحب الفهم بشكلٍ قهريٍّ دورُ اللاعب في هذه اللعبة. لكن ليس لهذا اللعب مدخلية في تحديد قوانين اللعبة على طبق رغباته. لذا، يصرّح غادامير في الحقيقة والمنهج بأن أهداف اللعبة تتحقق عندما يضيع اللاعب فيها. وعلى هذا الأساس، يجب في مقام بيان

(130)

ماهية اللعبة ألّا نسعى وراء البحث عن ذهن اللاعب، بل يجب أن نبحث عن المعنى الدقيق للعبة نفسها[1].

ويرى غادامير أن اللعبة وقواعدها حاكمةٌ على الإنسان حكومةً مطلقةً؛ بحيث لا يمكن الفرار من قبضتها. ويبيّن بالمر بصراحةٍ هذه الحكومة من وجهة نظر غادامير، فيقول: «عندما تبدأ اللعبة، تكون حاكمةً ومسيطرةً. وللأسف، فإن اللعبة تسحرنا وتجعلنا في قبضتها؛ وتكون مسيطرةً على اللاعب بشكلٍ حقيقيٍّ»[2]. وعلى ضوء هذا التحليل، يرى غادامير أن المهم في الهيرمينوطيقا هو التحليل الأنطولوجي للعبة وقواعدها، وأما صاحب الفهم، فيجب عدّه أمراً من الدرجة الثانية وتابعاً محضاً لشرائط اللعبة.

وعلى هذا الأساس، يعتقد غادامير بوجود نوع تفوقٍ وسيطرةٍ للعبة على اللاعب؛ لأن أهدافها وقواعدها حاكمةٌ عليه. ومع ذلك، ليست اللعبة عبارةً عن تلك القواعد المدوَّنة في المجموعات، بل هي ذلك الشيء الذي يُلعَب. وتتميز اللعبة بأنها تتفوق على أهداف اللاعبين وتسيطر عليهم، ومن جهةٍ أخرى، لا معنى لها إلا من خلال مشاركة اللاعبين. لذا، تكون اللعبةُ معيِّنةً لأفعال اللاعبين، وليست شيئاً سوى أفعال اللاعبين ورؤاهم[3].

ج) الفهم وانصهار الآفاق[4]:

يعتقد غادامير أن الحقيقة دائماً في حركةٍ دائريةٍ، ويمكن

(131)

فهمها من خلال النفوذ إلى عالم الحوار[1]. ويرى بأن الفهم عبارةٌ عن انصهار الآفاق -أو التحامها-: أفق معنى المؤلف، وأفق معنى المفسّر. أما الأفق المعنوي للأثر، فمرتبطٌ بالماضي؛ وأما الأفق المعنوي للمفسر، فمرتبطٌ بالحاضر. لذا، تكون المعرفة حاصلةً من دمج الأفق المعنوي الماضي والحاضر.

وقد فسّر غادامير الفهم بأنه الإجابة عن أسئلة الأثر، ثم أكد على أنه أثناء المحاورة بين الأثر والمفسر، يكون لكل أثرٍ أسئلةٌ خاصةٌ بزماننا ومتناسبةٌ مع الأفق المعنوي الحاضر، وهو يجيب عنها بدقةٍ. وفي هذه الصورة أيضاً، يُظهر هذا الحوار شيئاً من المعاني القديمة للأثر. وعلى هذا الأساس، يكون الفهم هو هذا الحوار بين هذين الأفقين وهذين الزمانين[2]. الحوار بين الأفق المعنوي للنص وبين الأفق المعنوي للقارئ أو المؤوِّل، يعني دمج هذين الأفقين. فلا مفرّ من انصهار «زمن كتابة النص» مع «الزمن الحاضر» أثناء القراءة والتأويل[3].

يرى غادامير أن قراءة أيِّ نصٍّ هي شبيهةٌ بحوارٍ يأخذ فيه النص مكان مؤلفه. النص المرتبط بموضوعٍ خاصٍّ، يُخبرنا كلاماً ما؛ لكن في الحوار الحقيقي، يتمّ تبادل العقائد ووجهات النظر. فلا يكتفي المتحاورون بالكلام فقط، بل يُظهر كل منهم رأيه وعقيدته. وفي هذه الحالة، نسأل: هل باستطاعة النص المرتبط بموضوع محدد أن يتحدّث مع القارئ، وهل باستطاعة القارئ أيضاً أن يتحدث مع النص؟ يجيب غادامير بالإيجاب؛ ففي كل مرحلة يريد القارئ أن

(132)

يحدد معنى النص والموضوع، فإنه يتحدث مع النص. فالقارئ يريد دوماً أن يجعل كلام النصّ معقولاً، وهذا تابعٌ للفهم المسبَق الذي يمتلكه القارئ عن الموضوع الذي يقرأ عنه. وبعبارةٍ أخرى: عندما نتحدث عن فهمٍ خاصٍّ للنص، فإن الرأي الخاص بالقارئ يكون ملحوظاً أيضاً[1].

ومن خلال ما مرّ، يتضح أن الفهم ليس إلا تلك المواجهة بين أفق المفسر وأفق المؤلف. وعلى هذا الأساس، يرى غادامير بأنه لا يمكن عدّ الفهم كاشفاً عن مراد المؤلِّف؛ لأن الأفق الذهني للمفسر يتدخل أيضاً في عملية الفهم ويكون له دورٌ مهمٌّ أيضاً. كما أنه لا يمكن القول بأن الفهم هو المعنى الذي يراه المفسر فقط؛ لأن الأفق الذهني للمؤلف له دوره أيضا في عملية الفهم ويدخل في نطاق اللعبة. وبالتالي، يكون الفهم الحاصل عبارةً عن مزج نظريات المؤلف ورؤى المفسر.

د) الفهم والأحكام المسبَقة[2]:

على أساس فهم هايدغر لمسألة الفهم، فإنه لا يمكننا أن نفهم نصّاً أو مسألةً أو وضعاً محدَّداً فهماً خالصاً (بحيث يكون باللحاظ الزماني متناسباً فقط مع الوضع الحالي)؛ بل فهمنا يكون بحيث نثبت الأحكام المسبقة وبعض الانتزاعات المفهومية السابقة[3]. وانطلاقاً من قبوله لهذا المبنى، نقد غادامير الفهم العادي من الزاوية التاريخية.

(133)

يرى هايدغر أن ذهن المؤوِّل في بداية التأويل لا يكون نظيفاً وخالياً؛ بل هو عبارةٌ عن مجموعةٍ من الأحكام المسبقة والفروض والرغبات المرتبطة بـ «الأفق المعنوي الحاضر». وهذه الاعتقادات والأفعال والمفاهيم والقواعد والضوابط والحدود الذهنية للمؤوِّل، هي في حكم «محيط عالم» التأويل. فتأويل أيِّ نصٍّ سيكون منسجماً مع «محيط عالم» المؤوِّل. ويعتقد هايدغر بأن التأويل عبارةٌ عن دمج «محيطَيْ عالمين» أو «أفقين معنويين»: أحدهما لصاحب الأثر، والآخر لصاحب التأويل[1].

واعتماداً على فكر هايدغر، يؤكد غادامير على القاعدة التالية: كلما كانت الأحكام المسبقة دخيلةً في صناعة وجودنا، فإنها لن تكون أحكامنا. وهذه القاعدة مبنيةٌ على القول بأن وجودنا وجودٌ تاريخيٌّ، وأن هذا الوضع التاريخي دخيلٌ في توجيه كل قدراتنا لأجل التجربة. وهذه الأحكام المسبقة هي ظروفٌ نجرِّب من خلالها أيَّ شيءٍ[2]؛ لأن الاعتقاد بوجود أحكام عينية مبنيٌّ على امتلاكنا الحرية الكافية لأجل الحكم؛ والحال أن الأحكام المسبقة تمنع من تحقق هذه الحرية الكافية للحكم بشكلٍ موضوعيٍّ.

ولا يرى غادامير أن الأحكام المسبقة هي أمورٌ خارجةٌ عن وجود الإنسان حتى يمكن التفكير بغضّ النظر عنها والهروب منها؛ بل يرى أنها الواقعية التاريخية لوجود الإنسان. وعلى هذا الأساس، تكون الأحكام المسبقة أساساً لوجودنا، ومن خلالها يمكننا فهم

(134)

التاريخ. ويمكن بيان البُعد الهرمنيوطيقي لهذا الأصل بهذا النحو، بأن نقول: يستحيل وجود أيِّ تأويلٍ بلا فروضٍ مسبقةٍ. فلا يمكن تأويل النص المقدس أو النصوص الأدبية والعلمية دون فروضٍ مسبقةٍ[1]. وللتذكير، نؤكد على لزوم عدم الفصل بين نظرية غادامير هذه وبين المباني الأنطولوجيّة التي بيّنها هايدغر. وبعبارةٍ أخرى: ذكر هايدغر أن اللغة بيت الوجود، وأن وجود الدازاين قد أُلقي في العالم، وأننا تابعون دوما للبيئة الحاكمة علينا و...، فلا يمكن الفصل بين الفروض المسبقة في عمل الفهم وبين وجود الإنسان. والنتيجة المنطقية لهذه النظرة الأنطولوجية هي استحالة وجود تأويلٍ بلا فروضٍ مسبقةٍ.

وعلى هذا الأساس، يعقتد غادامير باستحالة كون مفهوم «التأويل الحق» -أي التأويل الذي يكون في نفسه حقّاً- هدفاً؛ لأنه لا يوجد أيُّ تأويلٍ دون ربطٍ ونسبةٍ إلى الزمن الحاضر، وليست هذه النسبة ثابتةٌ. ويجب فهم النصوص المقدسة أو غيرها ضمن موقعها الهرمنيوطيقي؛ أي بالنسبة إلى الزمن الحاضر[2].

ومع ذلك، يوصي غادامير بلزوم أن نكون مستعدين للتمييز بين الفروض المسبقة المثمرة وبين تلك الفروض التي تسجننا وتمنعنا من التفكير والمشاهدة[3]. وهذا عجيب جدّاً! فكيف يوصي غادامير

(135)

بذلك على الرغم من قبوله المباني الأنطولوجية والهرمنيوطيقية لهايدغر؟

هـ) تاريخية الفهم[1]:

تُعدّ مسألة «تاريخية الفهم» من العناصر الأساسية في هيرمنيوطيقا غادامير. وقد تقدم في الدرس السادس، في تاريخ الهيرمينوطيقا، أن درويزن هو أول شخصٍ تحدث عن تاريخية العلوم الإنسانية، واعتقد بلزوم حلّ معضلة تاريخية الفهم من خلال الكانطية الجديدة. لذا، كثيراً ما سعى دلتاي كي تتجاوز العلوم الإنسانية هذه المشكلة الهرمنيوطيقية. وعلى الرغم من عدم اعتقاد درويزن ودلتاي بأفكار الهيرمينوطيقا الفلسفية في باب التاريخية، إلا أنهما وبشكلٍ لا إراديٍّ قد مهّدا لطرح أفكار الهيرمينوطيقا الفلسفية. وقد أشرنا في الدرس السابق إلى اهتمام هايدغر بهذا العنصر الهرمنيوطيقي.

وقد أكد غادامير على هذا العنصر الأساسي لأنه يعتقد بوجود مسافةٍ تاريخيةٍ بين الأثر وبين المفسر، وهذا ما يؤدي إلى: عدم فهم الأثر بشكلٍ عينيٍّ، وإلى تأثر فهم الأثر بتاريخ تشكله. وعند تعرّض غادامير لمسألة الوعي التاريخي، يقول:

لا يمكننا أن نتخلص من قيد الصيرورة التاريخية أو أن نبتعد عنه، حتى نصنع بهذه الطريقة من الماضي موضوعاً عينيّاً لنا... نحن دائماً مستقرون في قلب التاريخ... ومرادي أن معرفتنا تتحدد بواسطة تحوّلٍ تاريخيٍّ واقعيٍّ أو صيرورة هكذا تاريخٍ؛ بحيث لا

(136)

تكون هذه المعرفة من خلال هذه الحرية التي تجعلنا في موقع الهيمنة على الماضي[1].

وفي مقام بيان الدور المؤثر للأفق التاريخي، يرى غادامير أنه لا شك في أن الأفق العظيم للماضي -الذي نشأت عنه ثقافتنا وحياتنا الحالية- سوف يؤثر علينا في المستقبل في كل الموارد، سواءً كنا نرجوها أو نخشى منها. وقد تقدم غادامير خطوةً إلى الأمام، بعد أن استلهم من هايدغر، وادعى أن التاريخ حاضرٌ عندنا فقط في أحضان المستقبل[2].

ولا يوجد أيُّ نظرٍ أو فهمٍ محضٍ دون الرجوع إلى الزمن الحالي. والتاريخ يُفهم فقط من خلال ما فُهم من معرفة في الزمن الحالي. وفي الوقت نفسه الذي يُثبت مفهوم التاريخية هذه المسألة، فإنه يُثبت أيضاً مؤثرية الزمان الماضي على الحاضر. والزمن الحالي أو الحاضر يُفهم فقط من خلال النيات وأنحاء المشاهدة والفروض المسبقة المُستخلصة من التراث الماضي. وليس الماضي كمجموعةٍ من أمور الواقع التي يمكنها أن تقع موضوعاً للمعرفة، بل هو تيارٌ جارفٌ يشاركنا في كل عملية فهم.  فليس التراث والتقليد شيئاً يقع مقابلنا، بل هو شيءٌ نقع فيه ونوجد من خلاله[3]. وهذا التحليل لغادامير يبيِّن عدم إمكانية تصور المستقبل بغضّ النظر عن الماضي، وعدم إمكانية ملاحظة الماضي بغضّ النظر عن المستقبل أيضاً.

(137)

و) الجهة التطبيقية للفهم:

يُعدّ عنصر «التطبيق»[1] في الفهم من العناصر الهرمنيوطيقية عند غادامير[2]. وانطلاقا من وجود عنصرين أساسيين في الهيرمينوطيقا وهما «الفهم» و «التفسير»، يقول: إن دمج هذين العنصرين يُنتج عنصراً ثالثاً جديداً في الهيرمينوطيقا وهو «التطبيق». ومن خلال الالتفات إلى هذا العنصر الجديد، يعتقد غادامير بأن كل فهمٍ يحصل من خلال الالتفات إلى تطبيقه على وضع المفسر وظرفه. على سبيل المثال، يختلف تطبيق مواعظ الكتاب المقدس في الزمن الحالي عن الفهم التاريخي والإلهياتي لها. وفهم المفسر للنص قائمٌ على أساس تطبيق النص في ظرف ووضعه الحالي[3].

ويرى غادامير بأن التطبيق جزءٌ ذاتيٌّ لكل فهمٍ. ويعتقد أنه كما أن الفهم هو تفسيرٌ دائماً، فإن الفهم دائماً يتضمن للتطبيق بشكلٍ مسبَقٍ.

ومن أحد الإشكالات الأساسية لغادامير على شلايرماخر أنه غفل عن أن «الفهم عبارةٌ عن الوصول إلى توافقٍ مع شخصٍ آخرَ (حول موضوعٍ ما)». وعلى هذا الأساس، يعتقد غادامير أن فهم النص عبارة عن الوصول إلى الحقيقة التالية: عمّاذا يتحدث النص معنا[4]؟

وعلى ضوء هيرمنيوطيقا غادامير، فإن الحقوقي يفهم مضمون القانون على أساس تطبيقه الخاص. ولا يحدّ القانوني نفسه أبداً

(138)

يقوم بها بملء إرادته، بل مراده من التجربة هو الحيثية الوجودية للإنسان في العالم الذي وقع فيه.

و) الجهة التطبيقية للفهم:

يُعدّ عنصر «التطبيق»[1] في الفهم من العناصر الهرمنيوطيقية عند غادامير[2]. وانطلاقا من وجود عنصرين أساسيين في الهيرمينوطيقا وهما «الفهم» و «التفسير»، يقول: إن دمج هذين العنصرين يُنتج عنصراً ثالثاً جديداً في الهيرمينوطيقا وهو «التطبيق». ومن خلال الالتفات إلى هذا العنصر الجديد، يعتقد غادامير بأن كل فهمٍ يحصل من خلال الالتفات إلى تطبيقه على وضع المفسر وظرفه. على سبيل المثال، يختلف تطبيق مواعظ الكتاب المقدس في الزمن الحالي عن الفهم التاريخي والإلهياتي لها. وفهم المفسر للنص قائمٌ على أساس تطبيق النص في ظرف ووضعه الحالي[3].

ويرى غادامير بأن التطبيق جزءٌ ذاتيٌّ لكل فهمٍ. ويعتقد أنه كما أن الفهم هو تفسيرٌ دائماً، فإن الفهم دائماً يتضمن للتطبيق بشكلٍ مسبَقٍ.

ومن أحد الإشكالات الأساسية لغادامير على شلايرماخر أنه غفل عن أن «الفهم عبارةٌ عن الوصول إلى توافقٍ مع شخصٍ آخرَ (حول موضوعٍ ما)». وعلى هذا الأساس، يعتقد غادامير أن فهم النص عبارة عن الوصول إلى الحقيقة التالية: عمّاذا يتحدث النص معنا[4]؟

(139)

وعلى ضوء هيرمنيوطيقا غادامير، فإن الحقوقي يفهم مضمون القانون على أساس تطبيقه الخاص. ولا يحدّ القانوني نفسه أبداً بالمعنى الأصلي للنص وقميته التاريخية. والذين وضعوا القانون، تراهم لا يولونه كثير أهميةٍ. ففي مقابل الظروف الجديدة، سيكون للقانون معنًى جديداً. وهذا المعنى الجديد يحصل من خلال التطبيقات المختلفة للقانون في الظروف الجديدة[1].

وعلى أساس تحليل غادامير، فإن أي شيءٍ مثل تطبيق (الإطلاق) النص يتشكل في الفهم لأجل فهم الوضع والظرف الحالي. فالفهم يتضمن امتلاك شيءٍ كالإطلاق أو نسبة النص مع الزمان الحاضر. ووظيفة التأويل هي السعي لإزالة المسافة بين النص والظروف الحالية. فمضافاً إلى لزوم اشتمال التأويل على بيان معنى النص في عالمه، فإنه يجب أن يشتمل على توضيح معناه بحسب اللحظة الحالية. وبعبارةٍ أخرى: فهم النص يتضمّن دائماً إطلاقه[2].

وبناءً عليه، يرى غادامير أن تحقق الفهم عبارةٌ عن وضوح تطبيق معنى النص بالنسبة إلى الزمان الحالي للمخاطب. ومن الواضح أن هذه النظرية لغادامير مبنيةٌ على اعتقاداته السابق؛ أي انصهار الآفاق وتاريخية الفهم والأحكام المسبقة في الفهم.

وهذه النظرة التطبيقية للفهم، أوصلت غادامير إلى أن كلِّ فهمٍ مبيِّنٍ لجهةٍ خاصةٍ؛ لأنه نظرة من موقع خاص. وعلى هذا الأساس، لا يوجد لدينا نظريةٌ بإمكانها النظر من جميع الجهات. لذا، يبطل

(140)

تصوّر وجود «تفسيرٍ صحيحٍ واحدٍ»؛ لأن التفسير يتضمّن دائماً وساطةً بين الماضي والحاضر. وظروف المفسر وموقعه، شرطٌ مهمٌّ لفهم النص[1]. من هنا، يمكن القول بأن الفهم والتفسير بنظر غادامير مرتبطان بالظروف والأوضاع؛ ويترك كل ظرفٍ أو وضعٍ أثراً خاصّاً في الفهم.

ز) الفهم واللغة:

ذهبت النظريات التقليدية إلى أن اللغة أداةٌ للوصول إلى الفهم. بينما أنكر غادامير -كهايدغر- المسافة بين اللغة والفهم، ورأى أن ماهية الفهم لغويةٌ. وهذا التفسير من غادامير مبنيٌّ على عدم انفكاك اللغة عن عالم الواقع؛ بل يرى نوعاً من العينية بين العالم واللغة. وبعبارةٍ أخرى: ليس شكل اللغة[2] ومضمونها أمرين منفصلين؛ بل هما غير قابلين للانفكاك عن بعضهما البعض بحسب التجربة الهرمنيوطيقية[3]. ولمّا كان كلُّ فهمٍ لغويّاً، فإن كل الأفهام والتفاسير والتأويلات مقيّدةٌ بلغةٍ خاصةٍ وعالمٍ خاصٍّ. لذا، لا يمكننا الحديث عن فهمٍ خالصٍ للنص أو فهمٍ نهائيٍّ له.

ينظر غادامير في هذه المسألة إلى اللغة بنحوٍ غيرِ أداتيٍّ. فطبيعة الأداة أنه يمكننا أن نستعملها ساعة نشاء، وأن نضعها جانباً ونتخلى عنها عندما لا نريد أن نستفيد منها. بينما اللغة ليست كذلك؛ إذ نحن في جميع معارفنا عن أنفسنا وعن العالم محاصرون باللغة -التي تشكّلنا-.

(141)

ففي تفسيرنا اللغوي للدنيا، نكون خاضعين لأفكارنا ومعارفنا، وتكون اللغة دائماً في حدود وجودنا. وعلى هذا الأساس، يرى غادامير اللغة خالقا لعالم البشر؛ العالم الذي يظهر فيه كل شيءٍ[1].

ويمكننا تلخيص نظرية غادامير في باب اللغة في ما يلي:

ليست اللغة أداةً؛ بل هي جزءٌ من وجود الإنسان وحاضرةً في كل معلوماتنا عن أنفسنا وعن العالم؛ ليست اللغة والكلمات علاماتٍ تدل على أمورٍ معيَّنةٍ بشكل مسبق؛ بل هي أمرٌ حيويٌّ ومتحرِّكٌ وله عينيةٌ مع الوجود؛

اللغة محيطةٌ بالإنسان. فليست اللغة شيئاً متعلقاً بالإنسان، بل هي متعلقةٌ بالظروف والأوضاع وحاصل التجربة. لذا، تكون اللغة مبيِّنةً للظروف والأوضاع غير الخاضعة لاختيار الإنسان وتصرّفه؛

اللغة محل ظهور الوجود؛ فهي مكانٌ يسكنه الوجود، وكل ما يظهر في اللغة فهو نفس الوجود؛

طبيعة اللغة تأمليةٌ؛ فهي كالمرآة التي يقف الإنسان أمامها ولا يرى اللغة؛ بل يرى من خلالها المعانى والمفاهيم والواقعيات؛

واللغة أمرٌ عامٌّ وشاملٌ لكلِّ شيءٍ، فلا يوجد شيءٌ أو شخصٌ يُفهَم خارج إطار اللغة. وكلُّ نوعٍ من الفكر والفهم يتشكل في قالب اللغة؛

اللغة محلٌّ لظهور عالم البشر. اللغة هي العالم الذي يعرفه الإنسان ويعيش فيه[2].

(142)

إن مبنى الوصول إلى الأفق المشترك بين النص والمخاطَب، هو عنصر اللغة.ولمّا كان النص مرتبطاً بقارئ النص وباللغة، كانت اللغة بمثابة أفقٍ مشتركٍ بيننا وبين النص. وظهور الأفق المشترك ناتجٌ عن عامل سمّاه غادامير بـ «التحام الآفاق». لذا، يكون الارتباط باللغة أو المشاركة فيها، بمنزلة واسطةٍ لتجربتنا في العالم. وهذا مبنًى واقعيٌّ للتجربة الهرمنيوطيقية[1]. وبعبارةٍ أخرى: حصلت التجربة الهرمنيوطيقية جرّاء التحام أفق المفسر مع أفق النص. وهذا يحصل في أحضان اللغة التي يرتبط بها هذان الأفقان. طبعاً، لا يُراد بأن اللغة المرتبطة بأفق المفسر هي نفس اللغة المرتبطة بأفق الأثر؛ بل هما مشتركان بأن كلّا منهما لغةٌ، لكن تتميّز كل واحدةٍ بمضمونها وسياقاتها. على سبيل المثال، لو قلنا: «أرض إيران لها قوةٌ جاذبةٌ، وكذلك أرض ألمانيا»، فهذا لا يعني أن كلّ ما يجذب في إيران فهو جاذبٌ في ألمانيا؛ إذ يمكن أن تكون الظاهرة (ألف) جاذبةً في إيران، ولكنها غيرُ موجودةٍ أساساً في ألمانيا؛ لكن مع ذلك، نقول بأن هذين البلدين مشتركان بأصل الجاذبية. وهكذا الأمر في أفق المفسر وأفق النص؛ إذ هما مشتركان في أصل اللغة؛ أي في كون كلٍّ منهما لغويّاً، ويختلفان في مضمون اللغة.

معنى الأثر:

السؤال الأساس في هيرمنيوطيقا غادامير هو: ما معنى فهم الأثر؟ ما معنى الوصول إلى فهم الأثر على ضوء مباني غادامير؟ هل يمكن الحديث عن فهم الأثر على ضوء تاريخية الفهم والأحكام المسبقة؟

(143)

يعتقد غادامير بمعنى النص، لكنه لا يراه متضمّنا للنسبة بين الأشخاص. بل يرى أن معنى الأثر هو الفهم الموضوعي للنص الذي صار عليه في الزمن الحاضر. فالفهم عبارةٌ عن المشاركة في التيار التقليدي الجاري، حيث يختلط الماضي بالحاضر في لحظة من اللحظات. ومن هنا، لا تكون ذهنية المؤلف ولا القارئ مرجعاً واقعيّاً؛ بل المرجع الواقعي هو بالدقة المعنى التاريخي الذي يملكه النص في الزمن الحالي[1].

وعلى أساس هذه النظرة إلى الفهم، يرى غادامير أن المسافة التاريخية أمرٌ مقبولٌ ومفيدٌ للفهم. والمراد من المسافة التاريخية هي تلك المسافة بين الحاضر والماضي؛ أي المسافة بين العينية المقصودة لتأريخ الأثر (أي المقصودة للمؤلف) والعينية الموجودة في الحاضر (أي مقصود المؤوِّل). وتؤدي هذه المسافة التاريخية إلى عدم تمكّن المؤوِّل من الإحساس بالمؤلف وعقيدته؛ لكن غادامير يعدّ هذه المسافة التاريخية أمراً إيجابيّاً في الهيرمينوطيقا؛ لأنها تؤدي إلى حذف الأمر غير الذاتي للموضوع؛ وهذا ما يجعل الموضوع أكثر وضوحاً بنظر المؤوّل. بل يعتقد غادامير بأن هذه المسافة الزمنية تؤدي إلى الاستفادة من الأحكام المسبقة المؤدية إلى الفهم الحقيقي (أي الأحكام المسبقة التي تكشف معنى الموضوع بالنسبة إلى الزمن الحالي)، مضافاً إلى منعها من تدخل الأحكام المسبقة المتعلقة بذات الموضوع (أي الأحكام المسبقة التي يُسقطها تاريخ المؤلف على النص). لذا، يعدّ غادامير هذا الفصل الزماني أمراً مثمراً، وسبباً لإيضاح المعنى التاريخي والحقيقي للنص في الزمن

(144)

الحالي[1]. وهذه النظرة للمسافة التاريخية مبنيةٌ على ما ذكره غادامير في تحديد معنى فهم الأثر؛ أي فهم معنى الأثر من خلال الالتفات إلى نسبته مع الزمن الحاضر، لا مع مراد المؤلف. وهكذا تكون المسافة التاريخية ضروريةً لإدراكٍ أكثرَ عينيةً لمعنى الأثر.

وعلى هذا الأساس، لم يَمِل غادامير إلى إعادة صنع عالم الأثر الفني وإعادة إنتاجه الذي ذكره شلايرماخر وآخرون. فأساس الهيرمينوطيقا الرومانسية هي إعادة صنع عالم المؤلف لأجل النفوذ إلى ذهنيته، وبالتالي الكشف عن نيته ومقصوده. لكن غادامير يعتقد أنه لا يجب أن نعدّ إعادة الصنع هذه عملاً أساسيّاً في الهيرمينوطيقا؛ لأنه على طبق مبانيه، يكون معنى الأثر مرتبطاً بالأسئلة التي نطرحها في الزمن الحاضر. بناءً عليه، يرى أن إعادة الإنتاج والصنع والتوليد ليست هي الوظيفة الأساس للهيرمنيوطيقا. والدليل الآخر أنه يرى استحالة إمكان إعادة صنع عالم المؤلف، فهو من قبيل إعادة الحياة التي انتهت. فكما لا يمكننا أن نعيد الحياة التي انتهت، كذلك لا يمكننا إعادة عالم المؤلف ومقصوده وإحياؤهما[2]. والأساس لهذا الاعتقاد هو القول بالمسافة التاريخية المؤدية إلى الفصل بين العينية المتحققة في الماضي والمتحققة في الحاضر. فإن لم يمكن بإمكاننا الوصول إلى العينية التي انتهت وزالت، فكيف يمكن إعادتها وإحياؤها؟

(145)

3. الدور الهرمنيوطيقي:

انطلاقاً من العناصر الهرمنيوطيقية التي ذكرها غادامير، ادعى وجود دورٍ هرمنيوطيقيٍّ في عملية الفهم. طبعا، الدور الهرمنيوطيقي الذي يتحدث عنه مغايرٌ للدور الهرمنيوطيقي الذي ذكره الرومانسيون. فالدور الهرمنيوطيقي الذي ادعاه، يرجع من جهةٍ إلى عنصر «الأحكام المسبقة»، ويرتبط من جهةٍ أخرى بعنصر «الحوار بين النص والمفسر». فهذا الدور الهرمنيوطيقي هو عبارةٌ عن الحوار الديالكتيكي بين النص وبين الفهم المسبق للقارئ. فالقارئ يذهب نحو النص انطلاقا من أحكامه المسبقة وفهمه المسبق، فيصغي للكلام أو يقرأ النص، ثم يرجع مرة أخرى إلى هذه القبليات والأحكام المسبقة، وقد يُعدّل عليها. ثم ينظر مرةً أخرى إلى النص بنظرةٍ جديدةٍ. فهذا الذهاب والإياب من وإلى النص، يستمر حتى ينتهي إلى توافقٍ وانسجامٍ بين النص وبين القارئ. ومن خلال الالتفات إلى المستقبل، فإن هذا الأمر يستمر إلى ما لا نهاية. وبعبارةٍ أخرى: دائماً في قراءة النص يندمج أفق القارئ مع أفق النص، ويتشكل الفهم في الدور بين هذين الأفقين.

طبعاً، يرى غادامير بأن نقطة بدء الفهم هي أفق القارئ؛ أي من قبلياته الفهمية وأحكامه المسبقة. ويرد القارئ بأفقه إلى أفق النص، ويُصغي إلى كلامه. ويؤدي التركيب بين هذين الأفقين إلى خلق فضاءٍ جديدٍ من المعارف والاطلاعات عند القارئ. ويمكن للقارئ عند دخوله إلى النص أن يتأثر بالأسئلة والترديدات المرتبطة بأحكامه المسبقة أو أفق نفسه؛ لذا، يرجع إليها ثم يعود إلى النص بأفقٍ جديدٍ ورؤيةٍ جديدةٍ. ويستمر هذا الذهاب والإياب إلى أن يحصل توافقٌ مقبولٌ بين أفقه وأفق النص[1].

(146)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثامن

الهيرمينوطيقا الفلسفية

تحليلها ومناقشتها

(147)

الهيرمينوطيقا الفلسفية (3): تحليلها ومناقشتها

ذكرنا في الدرس السابق أن الهيرمينوطيقا الفلسفية مختلفةٌ من أساسها مع الاتجاهات الهرمنيوطيقية المتقدمة، ولها قواعدُ وأصولٌ متمايزةٌ عنها بشكلٍ كاملٍ. ويوجد نتائجُ ولوازمُ خاصةٌ للهيرمنيوطيقا الفلسفية لهايدغر وغادامير بحيث تؤدي إلى تحولاتٍ واسعةٍ في مجالاتٍ فكريةٍ متنوّعةٍ.

ولم ينحصر تأثير الهيرمينوطيقا الفلسفية على الفكر الغربي وشخصياته، بل وقع بعض المسلمين التنويريين تحت تأثيرها، وقبلوا أصولها ولوازمها وطبقوها على النصوص الإسلامية. وعلى هذا الأساس، كرّروا في كتبهم نفس النظريات الهرمنيوطيقية الفلسفية.

وعلى الرغم من أن المؤسسين للهيرمنيوطيقا الفلسفية قد سعوا لبيان نظرياتٍ أساسيةٍ وجامعةٍ في باب الفهم والتفسير والتأويل، إلا أنه يجب القول بجرأة أنها تواجه إشكالاتٍ مهمةً. وصحيحٌ أن بعض دعاوَى الهيرمينوطيقا الفلسفية قد ذُكرت على نحو الموجبة الجزئية، بحيث يمكن قبولها والتقدم إلى الأمام خطوة أخرى والسعي للتخلص من سوء الفهم؛ إلا أن الهرمنيوطيقيين الفلسفيين كانوا متهوّرين في دعاواهم العامة والشاملة والتي تشمل اللوازم الفاسدة للهيرمنيوطيقا الفلسفية أيضا. والهيرمينوطيقا الفلسفية -شاءت أم أبت- قد انجرّت إلى عدم اعتبار النصوص المرتبطة بهذه النظرية.

(148)

وسوف نبيّن في هذا الدرس نتائج الهيرمينوطيقا الفلسفية وإنجازاتها وتأثيرها على بعض المسلمين التنويريين، ثم نعمد إلى تسجيل بعض الملاحظات والنقود عليها.

نتائج الهيرمينوطيقا الفلسفية لغادامير:

لقد كان للهيرمنيوطيقا الفلسفية -المشتملة على قواعد وعناصر مرّ ذكرها- تأثيرٌ شديدٌ على مختلف المجالات النظرية. ومن خلال الالتفات إلى عمومية هذه النظرية الهرمنيوطيقية، فإن نتائجها سوف تنعكس على كل الآثار والنصوص والعلامات وحتى السلوك البشري. وثمة نتائجُ كثيرةٌ لعناصر الهيرمينوطيقا الفلسفية لغادامير -التي مرّ ذكرها-،  نشير في ما يلي إلى بعض منها:

1. يوجد دائماً فاصلٌ بين الحقيقة وتفسيرها. فالإنسان يبحث دائماً عن الحقيقية؛ إلا أنه لا يصل إلا إلى تفسيرها وتأويلها. وقد اقتضت الطبيعة الوجودية للإنسان بأن يكون مُلقًى في عالم مفسَّر من قبل. لذا، تكون استفادته من الواقعية هي نفس تفسير الحقيقة؛ وما يُسمى بالحقيقة فهو حقيقةٌ تفسيريةٌ؛

2. يتشكل الفهم والمعرفة من جهةٍ واحدةٍ وزاويةٍ واحدةٍ. فكلُّ فهمٍ، هو في الحقيقة تفسيرٌ من جهةٍ خاصةٍ. ولا يوجد فهمٌ خالصٌ ومستقيمٌ -أي دون أيِّ جهةٍ أو زاويةٍ-. وفي الحقيقة، لا يفكر الإنسان في خلاءٍ أبداً. والقبليات الفهمية والأحكام المسبقة والمعلومات المسبقة هي جهاتٌ ومواقعُ يقف عليها الإنسان وينظر إلى الحقيقة؛

3. العينية المراد بها مطابقة الفهم مع الواقع، لا معنى لها.

(149)

فانطلاقاً من الحقيقة التأويلية، تسقط نظرية المرآتية كنموذجٍ في نظرية المعرفة عن الاعتبار، ويحلّ محلها نظرية النظّارات أو ما يشبه ذلك؛ أي النظرية التفسيرية أو نظرية النظر من جهةٍ محددةٍ أو موقعٍ خاصٍّ. وعلى هذا الأساس، تبطل الواقعية الكلاسيكية التي هي واقعيةٌ محضةٌ، فلا اعتبار لها أيضاً؛

4. عندما نقبل الحقيقة التفسيرية، فإنه لن يكون ثمة معنًى للحقيقة الصحيحة بشكلٍ تامٍّ والنهائية؛ ويستحيل تحقق هدف التفسير النهائي -الذي هو حقٌّ في نفسه-. ويصبح مسار الفهم والتفسير عبارةً عن طريقٍ ممتدٍ إلى ما لا نهاية ولا يُتصوّر لها نهاية أيضاً؛

5. عندما نقبل الحقيقة التفسيرية، فإنه يمكن أن نحصل على أكثرَ من فهمٍ صحيحٍ (لكنه ليس صحيحاً مطلقاً). وبعبارةٍ أخرى: يُعدّ بحث تعدد القراءات من النتائج المباشرة المترتبة على الهيرمينوطيقا الفلسفية لغادامير؛

6. في الهيرمينوطيقا الفلسفية، لا يوجد أصلٌ أهمَّ من أن الإنسان أثناء التعرّف على الحقيقة، فإنه يجعل نفسه في موقع المحاور؛ أي يقبل ظهور معنى النص في المفسر وفي أفقه الذهني، وأن الموضوع يتضح من خلال التجربة الهرمنيوطيقية. ولا بد من العثور على الحقيقة في عالم الحوار؛

7. النص عبارةٌ عن ظاهرةٍ بشريةٍ ولغويةٍ. فاللغة تجلٍّ لوجود الإنسان وعالمه وثقافته. ويجب في الظواهر اللغوية -التي منها

(150)

النصوص- أن نبحث عن علامات وجود الإنسان وعالمه وثقافته. وفي هذه الأثناء، تكون نية المؤلف وقصده أمراً لا قيمة له أمام هذه العلامات[1]؛

8. ترى الهيرمينوطيقا الرومانسية أن عمل الفهم وتفسير النص هو إعادة إنتاج ذهنية المؤلف وقصده؛ بينما يذهب غادامير إلى أن عمل الفهم والتفسير هو الإنتاج؛ أي يَنتجُ معنًى جديدٌ أثناء عملية تفسير النص؛ مع الالتفات إلى الدور الفعّال لذهنية المفسّر وأحكامه المسبقة ولدور النص في هذا الإنتاج للمعنى[2].

تأثير الهيرمينوطيقا الفلسفية على بعض «التنويريين المسلمين المتأثرين بالغرب»:

تركت نظريات الهيرمينوطيقا الفلسفية تأثيراً عميقاً على أفكار بعض التنويريين المسلمين المتأثرين بالغرب. ويظهر من بعض كتب هؤلاء أنهم سعوا للالتزام بمباني الهيرمينوطيقا الفلسفية وبلوازمها ونتائجها. لذا، حاولوا الاستفادة من عناصر هذه الهيرمينوطيقا في باب نظرية الوجود، وطبّقوا لوازمها أيضاً في مجالاتٍ مختلفةٍ من العلوم الإنسانية، لا سيما مجال المعرفة الدينية. وللتعرف بشكلٍ إجماليٍّ على هذا التأثر، نشير في ما يلي إلى بعض أدلة هذه الدعوى.

1. دور القبليات الفهمية في فهم الأثر:

تأثر كثيرٌ بعض المتنورين المسلمين -ذوي النزعة الغربية-

(151)

بالقبليات الفهمية والأحكام المسبقة والرؤى القبْلية والعلائق في كل الأفهام؛ وسعوا لتطبيق هذه الأمور في مجال المعرفة الدينية.

ودائما يختلف المفسرون والفقهاء المسلمون في تفسيرهم واجتهادهم وفتاواهم بحسب قبلياتهم المعرفية وتوقعاتهم. وهذا أصلٌ كلِّيٌّ في فهم النصوص وتفسيرها؛ لذا، كان طريق الفهم والتفسير الجديدين مفتوحَين دائماً، ويجب أن ننقح بشكلٍ دائمٍ قبلياتنا الفهمية وعلائقنا وتوقعاتنا بدقةٍ وجديةٍ كاملتين[1].

وبدون امتلاك تصورٍ وتوقّعٍ مسبَقَين عن الدين والنصوص الدينية (كالكتاب والسنة مثلاً)، لا يمكننا أن نفهم أيَّ شيءٍ منهما، فلا نفهم معنى الدين ومجاله ولا غير ذلك. فامتلاك فهمٍ مسبقٍ وفرضياتٍ مسبقةٍ، شرطٌ ضروريٌّ لحصول علاقةٍ بين المفسر وبين النص الديني، وأمرٌ لا يمكن تجنّبه في فهم هذه النصوص. ولا وجود أبداً للذهن الخالي[2].

بعض الأشخاص ذوي النزعة الغربية والمدّعين للتنور الفكري، يرون أن تأثر الفهم بشخصية المفسر وعلائقه هو من الأمارات على كون المعرفة الدينية بشريةً (بالمعنى الخاص الذي يريدونه). ومن هنا يسعون للقول بوجود تمايز بين الدين وبين المعرفة الدينية.

وعندما يُقال بالمعرفة البشرية، فإنه يُراد وصف هذه المعرفة بكثير من الصفات البشرية، ولا يُراد فقط وصفها بالعقلانية. وعادة

(152)

ما يتصورون أن العلم مرآةٌ للقوة العاقلة عند الإنسان؛ ولكن مدَّعانا هو أنّ المعرفة محكومةٌ فقط لأحكام القوة العاقلة، وليست مرآةً لها؛ بل الصفات البشرية الأخرى تترك أثراً عليها أيضاً؛ أي إن كنا نسعى وراء مصالحنا، أو وراء الجاه، أو الحسد، أو طلب الحق، أو...، وكان لوجودنا ارتباطاتٌ وتعلقاتٌ كثيرةٌ من هنا وهناك، فإن كل ذلك سوف يؤثر على علمنا[1].

2. تعدد القراءات:

تُعدّ مسألة تعدد القراءات والتفاسير المختلفة للنص، من اللوازم المباشرة للهيرمنيوطيقا الفلسفية. فعلى أساس مباني الهيرمينوطيقا الفلسفية، يمكننا أن نحصل على أفهامٍ وقراءاتٍ متعددةٍ لنصٍّ واحدٍ؛ بل بإمكان شخصٍ واحدٍ أن يكون لديه العديد من التفاسير لأثرٍ واحدٍ، بحيث تكون هذه التفاسير والقراءات كلها معتبَرةً وقابلةً للاعتماد. وهذا ما ادعاه بعض المتنورين المسلمين ذوي النزعة الغربية، وذكره بعباراتٍ مختلفة في ما يرتبط بالنصوص الدينيّة:

يمكن لأشخاص مختلفين أن ينظروا إلى النص من جهاتٍ وزوايا مختلفةٍ، فيحصلون على فهم وتفسير جديدَين له. ويُعدّ الاختلاف في القبليات الفهمية والعلائق والتوقعات -الذي يؤدي إلى اختلاف زوايا النظر إلى النص- دليلاً آخرَ على عدم إمكان إغلاق باب التفسير والفهم وعلى عدم إمكان الادعاء بوجود نوعٍ واحدٍ أو أنواع محددةٍ من التفسير[2].

(153)

القواعد والمعارف الأصلية في الشريعة -أي النصوص الدينية وسيرة أولياء الدين وسننهم- أمورٌ ثابتةٌ، والذي يتغير هو فهمها؛ أي ما يتغير هو الاستنباطات الفقهية والتفسيرية والتحاليل التاريخية والاجتماعية. وهذا التغير في الأفهام والاستنباطات والتحاليل، مستندٌ لا محالة إلى أمرٍ داخليٍّ؛ أي إلى المخزون المعرفي (غير الديني) للعلماء. ولمّا كان هذا المخزون المعرفي في حالة تغيرٍ وتكاملٍ مستمرَّين، كانت هذه الأفهام متغيرةً ومتكاملةً أيضاً. ولأجل ذلك، يُعد الاختلاف في فهم الشريعة أمراً إنسانيّاً طبيعيّاً. ولا مفر من تجدد هذه المخزونات البشرية والأفهام الدينية؛ لأن بعض المعارف مؤثّرة في حصول القبض والبسط في ما بينها، ولا يوجد أيُّ علمٍ لا تطاله التحولات الحادثة في العلوم الأخرى[1].

3. الحوار بين النص والمفسر:

من الموارد الأخرى في الهيرمينوطيقا الفلسفية والتي أثرت في بعض المسلمين ذوي النزعة الغربية هو عنصر التحام الآفاق والحوار بين القارئ والنص. ونتيجةُ ذلك، إنتاجُ معنًى جديدٍ في فهم النص، على أساس الحوار القائم بين النص والقارئ:

«معرفة الشريعة تحصل من خلال مجموع الأسئلة التي نطرحها عليها والأجوبة التي نسمعها منها. ومن خلال كثرة الأسئلة وتنوعها، تُظهر الشريعة نفسها بشكلٍ أفضلَ، وتسهّل علينا عملنا في أخذ صورةٍ نهائيةٍ عنها»[2].

(154)

والتفسير الصحيح يحصل عندما تتم «المواجهة» بين المفسر ومخاطبيه وبين النص. وهذه الواقعية تدل بنفسها على أنّ ثمة معنًى خفيّاً يبدأ بالظهور. فالمعلومات المسبَقة والسؤال عن المقدمات والمقومات، هي أمورٌ مهمةٌ[1].

4. عدم ثبات فهم النصوص:

التغير في المعرفة الدينية وعدم ثباتها هو أيضاً من إفرازات الهيرمينوطيقا الفلسفية التي أثّرت بشكلٍ جدّيٍّ ومباشرٍ على النظرية التفسيرية عند التنويريين المسلمين[2]:

فمدعانا هو أن «فهمنا لكل شيءٍ هو في حالة تغيرٍ»، وهذا بنحو الموجبة الكلية التي لا يُستثنى منها حتى البديهيات؛ أي إن فهمنا لهذا المدعى يتغير أيضاً. فالحديث عن تغير فهمنا لكل شيءٍ. وتغير الفهم يجري في البديهيات بل في أبده البديهيات -التي هي أم القضايا، وهي أصل امتناع النقيضين- أيضاً[3].

وليس الكلام عن إضافة حلالٍ أو حذف حرامٍ أو نسخ آيةٍ أو مسخ روايةٍ، بل الذي يتغير هو فهم الناس للشريعة، وأما الشريعة

(155)

فهي ثابتةٌ. لِمَ يجب أن نغلق باب هذا التغير ونمنع أو نحرّم الأفهام الجديدة والتجليات الحديثة للشريعة؟ في الحقيقة، إن فهم المعنى هو حصيلة تركيبٍ بين الخارج والداخل. الشريعة التي حدثت في التاريخ هي شريعةٌ صامتةٌ (هذا الخارج). وأما الفهم الجديد  فيحصل للمفكر عندما تختلط الشريعة الصامتة في ذهنه مع معتقداته المسبَقة وأفكاره القبلية (هذا الداخل). والفيلسوف يقطف من كلامٍ ثمرةً ما، بينما يجني الفقيه أو الأديب ثمرةً أخرى. وهؤلاء الثلاثة واقفون أمام فاعلٍ واحدٍ. فليس معنى الكلام أو الحادثة ومدلولهما عبارة عن عصارةٍ تُستخرَج منهما، بل هو لباسٌ يُخلَع عليهما[1].

نقد الهيرمينوطيقا الفلسفية:

من ابتكارات الهيرمينوطيقا الفلسفية هو النظر بشكلٍ مستقلٍّ وأساسيٍّ إلى أنطولوجية الفهم. وباللحاظ المنطقي، يمكن الدفاع عن كون بداية الهيرمينوطيقا من أنطولوجية الفهم، ويمكن لذلك أن يؤثر كثيراً في النظريات المرتبطة بالفهم. ومع ذلك، ثمة إشكالاتٌ أساسيةٌ تواجه نظريات هايدغر وغادامير في الهيرمينوطيقا الفلسفية. وسنشير في ما يلي إلى بعض هذه الإشكالات:

1. منطق هايدغر في تحليل الوجود:

تقدم في الدرس السادس أن هايدغر ابتدأ فلسفته بـ «السؤال عن الوجود». وقد انتقد الفلسفات الجديدة بسبب غفلتها عن هذا

(156)

السؤال الأساس. وعلى خلاف العادة الفلسفية السائدة في الغرب، فهو يعتقد أن مفهوم الوجود ليس بأوضح المفاهيم، بل هو أكثر غموضاً[1]. والنظريات السائدة تُعرض عن تعريف مفهوم الوجود بسبب الاعتقاد بوضوحه، أما هايدغر، فقد رأى أن كلية مفهوم الوجود دليلٌ على إبهام معناه.

واستدل هايدغر على لزوم البدء بالسؤال عن «الوجود» نفسه، من خلال القول بأن الوجود هو الذي يعيّن الموجودات[2]. ويعتقد بلزوم البدء من وجود السائل لأجل الكشف عن معنى الوجود؛ أي يجب البدء من نفس الإنسان حيث عبّر عنه بـ «الدازاين» (Dasein)[3]. وعلى هذا الأساس، يرى بلزوم البحث عن المسألة الأنطولوجية في مجال العلاقة مع العالم، لا في مجال علاقة الأشخاص مع بعضهم البعض. وبهذا التغيير، يكون هايدغر قد أغلق الباب أمام الجهة النفسية للفهم[4].

وعلى الرغم من سعيه لبيان طريقةٍ جديدةٍ في تحليل الوجود، إلا أن اتجاهاته وتحليلاته في هذا المجال لا تخلو من إشكالاتٍ ترد عليها. ولأجل تسليط الضوء على نقاط الضعف في نظريته، نذكّر بالمسائل التالية:

(157)

أولاً: الهدف الأساس لهايدغر من تحليل الدازاين هو الكشف عن معنى الوجود؛ لكنه بقي في تحليل الدازاين ولم يستطع أن يستفيد منه لأجل الكشف عن معنى الوجود. فبقي هايدغر في المقدمات الأنطولوجية، وعجز عن إيجاد آفاقٍ واضحةٍ للوصول إلى أنطولوجيا عامةٍ. وهذا يعني إخفاق المنهج الذي كان يريده[1]؛

ثانياً: أول نقطة لبداية الانحراف الفكري لهايدغر تكمن في اعتقاده بعدم بداهة مفهوم الوجود؛ والحال أن المفاهيم البديهية ليست أموراً يمكن تكلّف البداهة لها. ومفهوم الوجود هو من أوضح المفاهيم، حيث ينتزعه ذهن الإنسان من كل الموجودات. ولا يمكن تعريفه تعريفاً حقيقيّاً؛ لأنه يشترط أن يكون المعرِّف أوضح وأجلى من المعرَّف، ولا يوجد مفهومٌ أوضحَ من مفهوم الوجود حتى نستفيد منه لبيان معنى الوجود. ومن الشواهد على بداهة مفهوم الوجود أنه عندما تحضر المعلومات الحضورية - وهي المعلومات الأكثر يقيناً- إلى الذهن على شكلِ هليةٍ بسيطةٍ، يكون محمولها «الموجود»، دون أن نحتاج إلى تحليل معنى الموجود[2]. وعلى هذا الأساس، يكون مفهوم الوجود بديهيّاً ولا يمكن تعريفه؛

ثالثاً: لا نقبل دعوى لزوم الوصول إلى مفهوم الوجود من خلال تحليل «الدازاين»؛ لأن مفهوم الوجود مشتركٌ معنويٌّ بين كل الموجودات؛ أي هو معنًى مشتركٌ بين كل المصاديق، غاية الأمر

(158)

أن هذه المصاديق تختلف في الشدة والضعف الوجودي[1]. وعلى هذا الأساس، لا يوجد ميزةٌ خاصةٌ للدازاين حتى يمكنه الدلالة على معنى الوجود بشكلٍ أفضلَ. كما لا يمكن قبول توجيهات غادامير؛ لأنه كون معنى الوجود هاجساً عند الإنسان الموجود، لا يلزم منه إمكان فهم الوجود بشكلٍ أفضلَ من خلال تحليل الدازاين. فالدازاين بنفسه وجودٌ يجب أن يُدرَك. والظاهر أن هايدغر يفترض بشكلٍ مسبَقٍ أن مفهوم الوجود مختلفٌ بين الموجودات؛ أي أنّه مشتركٌ لفظيٌّ[2]. والحال أن الوجود مشتركٌ معنويٌّ بين كل الموجودات. هذا كله من جهةٍ. ومن جهةٍ أخرى، لم يستطع هايدغر أن يفكك بين الأنواع الثلاثة للمفاهيم. فلو كان الوجود من المفاهيم الماهوية، فإنه يمكن فهمه من خلال الرجوع إلى الموجودات؛ لكنه من المفاهيم الثانية الفلسفية التي تحكي عن نحوِ الأمور الخارجية وحيثيتها عند المقارنة بين الأشياء، ولا تحكي عن الحدود الماهوية[3]. فعلى سبيل المثال، يُنتزَع مفهوم العلية من العلاقة بين العلل الخارجية ومعلولاتها، ويكون اتصافه ذهنيّاً. ولا يمكننا أن نحصل على معنى العلية من خلال تحليل ذات العلل الخارجية فقط. ولا يمكننا من خلال تحليل النار أن نكتشف معنى العلية، بل غاية ما يمكن أن نثبته هو تأثير شيءٍ على شيءٍ آخر. فالعلية

(159)

مفهومٌ ذهنيٌّ ليس له ما بإزاءَ عينيٌّ في الخارج؛ لكن له منشأُ انتزاعٍ خارجيٌّ. وفرض انتساب هذا المفهوم إلى الأشياء الخارجية، معناه أننا نعرف معناه من قبل. وهكذا الأمر في انتساب مفهوم الوجود إلى الموجودات الخارجية.

2. تناقض (أو مفارقة) الهيرمينوطيقا الفلسفية:

من الإشكالات الأساسية على الاتجاهات الهرمنيوطيقية والمعرفية الذين يعتقدون بالنسبية أو بالتشكيك، هو أن هذه الاتجاهات والنظريات نفسها واقعةٌ في فخ النسبية والتشكيك؛ وهذا ما يؤدي إلى تناقضٍ داخليٍّ فيها.

ومن النتائج القطعية للهيرمنيوطيقا الفلسفية لهايدغر وغادامير هو عدم وجود أيِّ فهمٍ ثابتٍ وخالصٍ، بل الفهم دائماً في حالة تحولٍ وتبدلٍ، ويتغير بالنسبة إلى مختلف الأشخاص والظروف. ومبنى هذه النسبية العامة هو العناصر الأساسية للهيرمنيوطيقا الفلسفية في باب الفهم، من قبيل: «لا يوجد لدينا فهم أو تفسير بلا فروضٍ مسبقةٍ أو أحكام ٍقبليةٍ»، و «كلُّ فهمٍ هو حصيلة التحام أفق المفسر مع النص»، و «كل الأفهام تاريخيةٌ»، و «الفهم عبارةٌ عن دخولٍ إلى لعبةٍ تكون قوانينها منتصرةً على الإنسان»؛ وغير ذلك من عناصر هرمنيوطيقية تقدمت الإشارة إليها في الدروس السابقة.

فلو قبِلنا عمومية هذه الادعاءات في الهيرمينوطيقا الفلسفية، للزم أن نسأل: هل تشمل هذه الادعاءات نفس تلك النظريات الهرمنيوطيقية الفلسفية أم لا؟ فالنظرية الهرمنيوطيقية الفلسفية

(160)

لهايدغر وغادامير هي بدورها عبارةٌ عن فهمٍ وتفسيرٍ. فهل دعوى أنه «لا يوجد لدينا فهمٌ أو تفسيرٌ بلا فروضٍ مسبقةٍ أو أحكامٍ قبليةٍ»، قد فُهمَت اعتماداً على فروضٍ مسبقةٍ وأحكامٍ قبليةٍ، أم دون ذلك؟ وهل دعوى عدم وجود فهمٍ خالصٍ وثابتٍ، هي بدورها فهمٌ ثابتٌ وخالصٌ، أم أنها في حالة تغيرٍ وتحوّلٍ أيضاً؟ فلو كانت هذه الدعاوى صادقةً أيضاً في موردها نفسها، للزم الخدش بأصل هذه الادعاءات، ولسقطت عن الاعتبار. وأما إن لم تكن صادقةً في موردها، فإن أصل هذه الادعاءات أيضا يسقط عن الاعتبار؛ لأنه أمكننا أن نفترض وجودَ فهمٍ واحدٍ أو تفسيرٍ واحدٍ على الأقل مخالفٍ لهذه الادعاءات الكلية والعامة في الهيرمينوطيقا الفلسفية. وبعبارةٍ أخرى: إن لم تكن دعوى «عدم وجود فهمٍ خالصٍ وثابتٍ» ثابتةً وخالصةً، فإنه لا يمكننا القول بوجود مثل هكذا دعوًى صحيحةٍ ويمكن الاعتماد عليها. وأما إن كانت ثابتةً وخالصةً، فإنه يكون قد ثبت على الأقل وجود فهمٍ واحدٍ ثابتٍ وخالصٍ. وفي هذه الحالة، سوف تكون هذه الدعوى الكلية كاذبةً. والحاصل: أن هذه الدعاوَى الهرمنيوطيقية على نحو الموجبة الكلية، هي ناقضةٌ لنفسها. نعم، يمكن أن تكون الهيرمينوطيقا الفلسفية بمثابة نظريةٍ قابلةٍ للبيان والتقديم، عندما تكون نظرياتها -على الأقل- خارجةً من قبضة النسبية والتناقض.

وقد التفت غادامير إلى هذه المسألة إلى حدٍّ ما، وقبِل بأنه قد يأتي يوم يثبت فيه خلاف نظريته، ويصل الإنسان إلى القول بعدم تاريخية فهمه. لكنه صرّح بأن ذلك لا يعني أن قضيةَ «كلُّ فهمٍ متغيرٌ

(161)

وغيرُ ثابتٍ» هي دعوًى متناقضةٌ[1]. وكأنه لم يأخذ إشكال التناقض والمفارقة في النظرية الهرمنيوطيقية الفلسفية على نحو الجد. وليس بحثنا ونقدنا منصبّاً على أنه قد يأتي يوم تكون فيه نظرية الهيرمينوطيقا الفلسفية باطلةً، أو حقيقة الإنسان الأنطولوجية متغيرةً، وبالتالي تكون الأفهام غيرَ تاريخيةٍ، حتى يأتي غادامير ويحل مسألة التناقض بكلِّ سهولةٍ. فهروب غادامير من إشكال التناقض لا يمكنه أن يفتح لنا الطريق، بل الإشكال الأساس -كما ذكرنا- يكمن في أن النظرية الهرمنيوطيقية الفلسفية بهذه العناصر التي ذكرناها، تكون مشتملةً على تناقضٍ داخليٍّ. فالإشكال هو في كون الادعاءات في الهيرمينوطيقا الفلسفية تشمل نفس هذه النظرية أيضاً. ومن النتائج السلبية المترتبة على شمولها لنفسها، نذكر:

1. تأثر هذه النظرية بالفروض المسبقة والأحكام القبلية الشخصية لهايدغر وغادامير. وعلى هذا الأساس، لا تكون هذه النظرية معتبرةً أمام الآخرين؛

2. تاريخية نظرية الهيرمينوطيقا الفلسفية. وبناءً عليه، تكون هذه النظرية متأثرةً بتاريخها، فلا اعتبارَ ذاتيّاً لها؛

3. عدم ثبات النظرية الهرمنيوطيقية الفلسفية. وعلى ضوء ذلك، لِمَ يجب علينا قبول حقانية هذه النظرية لكل الأزمان والظروف الأخرى (حتى الأزمنة والظروف المتأخرة عن الهرمنيوطيقيين الفلسفيين)؟

(162)

4. دخول نظرية الهيرمينوطيقا الفلسفية في لعبة الفهم، وكونها مقهورةً ومغلوبةً لقواعد اللعبة وقوانينها. ويترتب على ذلك أن تكون هذه النظرية نفسها حصيلةَ لعبةٍ يلعب فيها الباحثون في هذه النظرية، وأن تكون قواعد هذه اللعبة موجِبةً لظهور هذه النظرية. فمن أين لنا أن نعلم اعتبار قواعد هذه اللعبة وأنها تُلعَب بشكلٍ صحيحٍ؟

3. الاتجاه النسبي (أو النسبية) في الهيرمينوطيقا الفلسفية:

تُعدّ النسبية من اللوازم القطعية لنظرية الهيرمينوطيقا الفلسفية عند هايدغر وغادامير[1]. وللنسبية أنواعٌ متعددةٌ، من قبيل: النسبية الأنطولوجية[2]، والنسبية المعرفية[3]. كما أن النسبية تُطرح في مجالاتٍ مختلفةٍ، من قبيل: النسبية السياسية[4]، والنسبية الثقافية[5]، والنسبية الأخلاقية[6]. وليست النسبية في الهيرمينوطيقا الفلسفية من نوع النسبية الأنطولوجية، بل هي من نوع النسبية المعرفية التي يستلزم القول بها قبول سائر أنواع النسبية باستثناء النسبية الأنطولوجية؛ لأن الأمور السياسية والثقافية والأخلاقية وسائر المجالات المشابهة، مبنيةٌ على مسألة الفهم. فعندما نسحب النسبية إلى مجال الفهم، فإنها سوف تطال قطعاً هذا المجال أيضاً. والنسبية في الفهم هي ناتجٌ طبيعيٌّ للكثير من العناصر التي طرحها هايدغر وغادامير في

(163)

الهيرمينوطيقا الفلسفية. فعلى سبيل المثال، دعوى أن «كل فهمٍ هو حصيلة التحام أفق المفسر مع النص» تدل بصراحةٍ على النسبية؛ إذ من جهةٍ، يمكن أن يكون لكل إنسانٍ أفقه الخاص، وبالتالي، سوف تتكثر الأفهام بحسب تكثر الآفاق؛ ومن جهةٍ أخرى، يمكن لكل إنسانٍ أن يكون له آفاقٌ متنوعةٌ بلحاظ الظروف والأزمنة المختلفة. ومن الطبيعي أن يتكثر فهم كل إنسانٍ بسبب تكثر آفاقه بالنسبة إلى أثرٍ واحدٍ. كما أن دعوى «عدم وجود فهمٍ بلا فروضٍ مسبقةٍ وأحكامٍ قبليةٍ» تستوجب النسبية المطلقة في كل الأفهام؛ لأنه لو كان ملاك كل فهمٍ هو الفروض المسبقة أو الأحكام القبلية للمفسر، لحكمنا بنسبية الأفهام من خلال الالتفات إلى اختلاف هذه الأمور المسبقة بين الأشخاص بل حتى عند الشخص نفسه لكن في ظروفٍ مختلفةٍ. وبالتالي، يلزم من هذه الدعوى إمكان الحصول على معانٍ لا متناهيةٍ بالنسبة إلى أثرٍ واحدٍ. وأما مسألة «تاريخية الفهم»، فهي بدورها تستلزم مشكلة النسبية. فلو قبِلنا نظرية هايدغر وغادامير بأن كل فهمٍ يتشكل في صيرورةٍ تاريخيةٍ وتحت التأثير القطعي للعوامل التاريخية، لأمكننا أن نحكم بوجودٍ أفهامٍ متعددةٍ لأثرٍ واحدٍ،ـ من خلال الالتفات إلى اتساع التاريخ واختلافه بين الأفراد. فبلحاظ اختلاف التواريخ، يلزم نسبية فهم الأفراد بالنسبة إلى الأثر الواحد. وقد تؤدي هذه التواريخ المتنوعة والمتعددة إلى ظهور أفهامٍ لأثرٍ واحدٍ في عرض بعضها البعض.

ويلزم من النسبية المطلقة في الفهم فقدان الاعتبار المعرفي للكثير من الآثار، من قبيل: النصوص والكلام والعلامات؛ لأنه

(164)

في هذه الحالة، لا يبقى اعتبارٌ لهذه الآثار. فهل يلتزم المؤسسون للهيرمنيوطيقا الفلسفية والمدافعون عنها بهذه اللوازم المنطقية لنظريتهم، ويقبلون التنقيص من القيمة المعرفية لهذه الآثار؟

طبعا، حتى لو التزموا بها في الظاهر، ولم يقولوا بوجود مشكلةٍ في قبول هذه اللوازم، إلا أنه لا يمكنهم التسليم بذلك في مقام العمل. فعلى سبيل المثال، عندما يطالع غادامير آثار دلتاي ويحللها وينقدها، فإنه يبني بشكلٍ مسبقٍ على أنه فهم المعنى المراد لدلتاي في هذه النصوص، وأن المعنى الوحيد الذي يُفهَم منها هو ما فهمه غادامير نفسه. وكون شلايرماخر ودلتاي قد دافعا عن اتجاهٍ منهجيٍّ واحدٍ في الهيرمينوطيقا، هي دعوى استفادها المؤسسون للهيرمنيوطيقا الفلسفية من آثار الهرمنيوطيقيين الرومانسيين. ومن الواضح أن المرتكِز في ذهن المؤسسين للهيرمنيوطيقا الفلسفية هو أن العلماء الرومانسيين قد أرادوا هذا المعنى، ولا يمكن أن يُفهَم غير ذلك من عبائرهم. فلو أردنا الالتزام بلوازم النسبية، كيف يمكننا إذًا أن ننسب اتجاهاً منهجيّاً إلى شلايرماخر ودلتاي بنحوٍ قاطعٍ؟

4. انتقال الرسالة؛ فلسفة إيجاد الأثر:

نظرية الهيرمينوطيقا الفلسفية القائلة بأن معنى الأثر يحصل من خلال التحام أفق المفسر مع أفق النص، تتعارض مع فلسفة إيجاد الأثر؛ لأن فلسفة كل أثرٍ -أعم من كونه مكتوباً أو شفهيّاً أو علامةً أو...- هو أنه ينقل للآخرين رسالةً أرادها صاحب الأثر ومؤلفه. وانتقال الرسالة متوقفٌ على ملاحظة المؤلف لرسالةٍ وسعيه لنقلها

(165)

للآخرين بلغةٍ مناسبةٍ. فلا يريد المؤلف أن يوجد أثراً بحيث يستفيد منه الآخرون بشكلٍ شخصيٍّ ودون الالتفات إلى مراد المؤلف. ولا يقبل أيُّ مؤلفٍ عاقلٍ أن يوجد أثراً فقط ليُنسَب هذا الأثر له؛ بل الفرض أن المؤلفين يعتقدون مناسبة رسائلهم لكل الأشخاص أو لطائفةٍ محددةٍ منهم، وأن نقل الرسالة لهم يصب في مصلحة هؤلاء الأشخاص أو يوجب إضرارهم. وهذا هدفٌ مطلوبٌ للمؤلفين.

من البديهي أن نفس هايدغر في كتاب الوجود والزمان وغادمير في كتاب الحقيقة والمنهج قد أرادا ذلك. ففلسفة تدوين كتاب الحقيقة والمنهج هي أن غادامير يريد نقل الأمور التي يعتقد بها إلى الآخرين. فهو في كل عبارات هذا الكتاب، كان يلاحظ رسالةً ما، ويريد إيصالها إلى آذان القرّاء وقلوبهم. فهل عبارات الكتاب مرتبطةٌ بالمعنى الذي قصده غادامير أم لا؟ وهل فهم عبارات الكتاب يوصلنا إلى المعنى الذي قصده غادامير، أم أنه إسقاطٌ لأحكام القارئ المسبقة على هذا الكتاب؟ لو كان في الواقع لا يوجد أيَّ فهمٍ بلا فروضٍ مسبقةٍ، وكان كل فهمٍ تاريخيّاً وزمانيّاً وناتجاً من التحام أفق المفسر مع النص، ولم تمكن هناك أهميةٌ أو موقعيةٌ للمعنى المقصود للمؤلف، فما هي إذًا فلسفة تدوين هذا الأثر؟ هل يقبل غادامير أن نقرأ عباراته فنفهم نظرياتنا بدلاً من مراده؟ هل يمكن القول بأنه لمّا كان فرضنا المسبق هو «الوصول إلى فهمٍ عينيٍّ وخالصٍ»، فإنه لدينا من كتاب الحقيقة والمنهج لغادامير أفهامٌ خالصةٌ وعينيةٌ وبلا فروضٍ مسبقةٍ؟ لو اعتبرنا أن معنى الأثر هو ما يفهم الآخرون منه اعتماداً على قبلياتهم الذهنية

(166)

والوجودية، فهل يبقى من قيمة للأثر ولمؤلفه؟ إن نسبة نظريةٍ ما لشخصٍ اعتماداً على آثاره، مبنيةٌ على إمكان الكشف عن مراده من آثاره. والمطالع لآثار الهرمنيوطيقيين الفلسفيين والمدافعين عنها، يجد كثيراً من أمثال هذه النسب. فعلى سبيل المثال، نجد في آثار بعض المدافعين المسلمين عن الهيرمينوطيقا الفلسفية ولوازمها، أنه كثيراً ما ينسب نظرياتٍ لأفرادٍ مستنداً في ذلك إلى آثارهم؛ فيقول بشكلٍ قاطعٍ بأن مراد المؤلف كذا وكذا. كما تراه أيضاً يرجع إلى الآيات القرآنية ويدّعي أنه فهم معانيها وأنه هو المراد لله تعالى لأجل هداية الإنسان؛ أو يرجع إلى كلمات المعصومين عليهم‌السلام وينسب بعض العقائد لهم. فهل هذه النسَب مبنيةٌ على غير إمكان الكشف عن المعنى المقصود للمؤلف؟ لو كان في الواقع كلُّ فهمٍ مرتبطاً بالفروض المسبقة للمفسر وبسائر العوامل المؤثرة في الفهم، فكيف يمكننا في مقام العمل أن ننسب بسهولةٍ النظريات والآراء للآخرين من خلال مراجعة آثارهم؟

5. التمايز بين دلالة الأثر  وبين معرفيته:

من أهم عوامل الانحراف في الهيرمينوطيقا الفلسفية وابتلائها بالنسبية المطلقة هو عدم قدرتها على التفكيك بين مجالين أساسيين مرتبطين بالأثر، وهما: الجهة الدلالية (أو معرفة المعنى)[1] والجهة المعرفية[2].

(167)

فكل أثرٍ يصدر عن شخصٍ عاقلٍ ويكون في مقام البيان[1]، فإنه يشتمل على معنًى ذاتيٍّ؛ سواءً كان المخاطَب في مقام فهم هذا الأثر أو لم يكن. فليس معنى الألفاظ والقضايا تابعاً لفهم المخاطبين وعدمه؛ بل لكل لفظةٍ معنًى موضوعٌ لها، إما بوضعٍ تعيّنيٍّ أو بوضعٍ تعيينيٍّ[2]. وعلى أساس الأصول اللغوية، يستفيد المتكلم من هذه الألفاظ لأجل نقل رسالته إلى الآخرين. وفي غير هذه الحالة، سوف يكون عمله (التكلم أو التأليف أو...) لغواً وخلاف العقل. نعم، يوجد عواملُ أخرى مؤثرةٌ في تعيين المعنى الذاتي للنص، من قبيل: القابليات المختلفة للألفاظ، وظروف المتكلم، وسياق صدور الكلام، وشأن صدور الكلام. ويتحدد معنى الأثر على أساس معناه الوضعي بشكلٍ عامٍّ وعلى أساس إرادة المؤلف بشكلٍ خاصٍّ. وبناءً على ذلك، لا يتبع معنى الأثر ودلالته فهمَ المخاطّبين أو تفسير المفسرين. وبعبارةٍ أخرى: يكون معنى الأثر في مقام الثبوت الذاتي للأثر.

أما معرفية الأثر، فهي مرتبطة بمقام كشف المخاطَبين عن المعنى الذاتي. فيمكن للمخاطبين في مقام فهم الأثر أن يكشفوا عن معناه الذاتي، ويمكن أن لا يكشفوا عنه. فلو كانوا عالمين بالقواعد الحاكمة على صدور الأثر ومطّلعين على ظروف صدور الكلام،

(168)

لأمكنهم الكشف عن المعنى الذاتي. وفي غير هذه الحال، فإنه من الممكن أن يُسقطوا تفاسيرهم وأفهامهم الشخصية على الأثر. وبعبارةٍ أخرى: يمكن في مقام الإثبات أن ينتقل المعنى الذاتي للأثر إلى المخاطَبين، كما يمكن أن ينتقل خلاف هذا المعنى. وعلى كل حالٍ، لا يمكن أن يكون المفسّر معيّناً لمعنى الأثر؛ لأنه عند مواجهته معه، ليس له شأنٌ إلا تحليله من الجهة المعرفية. ولا يخفى أن البُعد الدلالي (أي معرفة المعنى) للأثر خارجٌ عن قدرة المفسر واختياره. لكن الهرمنيوطيقيين الفلسفيين، لم يفككوا بين البُعد المعرفي والبُعد الدلالي، فأشركوا المفسر في البُعد الدلالي أيضا، وجعلوا ظروف المفسر معيّنةً في مقام اختيار معنى الأثر.

6. السؤال والجواب ومسألة الفهم:

ترى الهيرمينوطيقا الفلسفية أن الفهم عبارةٌ عن حادثةٍ تحصل للمفسر، بحيث يكون منطق السؤال والجواب حاكماً عليها. وفي هذه الحادثة، يوجه المفسر أسئلةً للنص، كما يوجه النص بدوره أسئلةً للمفسر. وبذلك، يكون الفهم ناتجاً عن ديالكتيكية السؤال والجواب، وبالتالي، يحصل الفهم من خلال أجوبة النص على أسئلة المفسر وأجوبة المفسر على أسئلة النص.

وفي مقام مناقشة هذه الدعوى، نقول: لا يوجد تطابقٌ بين هذا التحليل وبين الواقع؛ لأنه لا يحصل هكذا أمرٌ عند فهم النص. فحال المواجهة مع النص، لا يكون الكاتب والنص في مقام سؤال القارئ والمفسر، ولا في مقام الإجابة عن أسئلتهما. في الحقيقة،

(169)

لا يكون المؤلف وصاحب الأثر حاضراً أثناء مواجهة المفسر مع النص، حتى يكون تابعاً لأسئلته. نعم، المفسر يكون في مقام استنطاق النص والأثر، لكن لا بمعنى أنه بإمكانه الحصول على أجوبة أسئلته في النص وفي كل الظروف[1].

ولأجل تحليل هذه المناقشة، نقول: في مقام مواجهة المفسر مع الأثر، يوجد نوعان من الأسئلة التي يمكن فرضها:

ألف) السؤال العام؛ وهو سؤال المفسر عن الرسالة التي يريدها النص؛ أي عن هدف المؤلف من إيجاد النص والرسالة التي يريد أن يوصلها من خلاله.

ب) الأسئلة الخاصة؛ أي توقعات المفسر الخاصة من الأثر، حيث يتوقع المفسر أن يجيبه النص عن أسئلته حتى التي لم تكن في بال المؤلف عند الكتابة.

فإن كان المراد من أسئلة المفسر وأجوبته بالنسبة إلى النص هو النوع الأول من الأسئلة -أي الأسئلة العامة-، لكان كلامهم منطقيّاً ومقبولاً. فكل إنسانٍ عاقلٍ، عندما يواجه أثراً ويلتفت إليه، فإن أهم سؤالٍ يخطر إلى ذهنه هو السؤال عن المعنى الذي يريده المؤلف في هذا النص، والسؤال عن هدف المؤلف من إيجاده؛ أعم من أن يكون هذا الهدف مفيداً له أو لا، وأعم من أن يكون متطابقاً مع توقعات المفسر أو لا. وأما إن كان المراد هو النوع الثاني من الأسئلة -أي الأسئلة الخاصة للمفسر-، فهذه دعوًى بلا وجهٍ ولا

(170)

دليلٍ. نعم، من الممكن في بعض الأحيان أن يجد المفسر في النص أجوبةً عن بعض الأسئلة التي يحبها؛ لكن هذا لا يعني أنه أمرٌ مطّردٌ. ولا يشترط في المفسر دائماً أن يسأل عن الأمور التي تعجبه؛ وهذا ما يحصل عندما يواجه الإنسان أثراً جديداً فيريد فقط أن يزيد معلوماتٍ إلى معلوماته. كما أنه لا يشترط أن يكون لدى النص سؤالٌ للمفسر. فالنص يحتوي على رسالة أرادها المؤلف. نعم، يمكن أن يكون المؤلف في صدد الإجابة عن حاجات المخاطَبين؛ لكن هذا لا يعني أن يكون النص مشتملا على أسئلة للمؤلف.

7. الهداية الإلهية في النصوص المقدسة:

تدعي الهيرمينوطيقا الفلسفية عدم إمكاننا الوصول إلى مقصود المؤلف عندما نواجه أيِّ نصٍّ. وإن وصلنا إلى مقصوده، فإنه لا يكون راجحاً؛ بل جلّ ما يحصل من هذه المواجهة هو الوصول فقط إلى المعنى الذي يحصل بسبب العلاقة بين النص والمفسر. ولازم هذا الكلام هو عدم إمكان الوصول إلى مراد الله تعالى في النصوص المقدسة أيضا، أو ألّا يكون لمراده تعالى رجحانٌ على مراد الآخرين، وهذا ما يتعارض مع فلسفة نزول الوحي وبعثة الأنبياء عليهم‌السلام ؛ وبالتالي، يكون مخالفاً للحكمة الإلهية. ففلسفة نزول الوحي وإرسال الرسل هو عدم قدرة الأدوات البشرية على معرفة طريق السعادة بشكلٍ كاملٍ؛ لذا أنزل الله تعالى الكتب المقدسة مع الأنبياء عليهم‌السلام لأنه حكيمٌ مطلقٌ ويريد أن يهدي الناس إلى طريق

(171)

السعادة. كما علّم أنبياءه عليهم‌السلام علماً لدنيّاً حتى يتمكنوا من خلال حديثهم أن يهيئوا الأرضية لكي يتلقى الناس الهداية. إن لم نستطع أن نصل إلى الفهم العيني للأثر اعتماداً على مباني الهيرمينوطيقا الفلسفية، فإنه لن يمكننا أبداً أن نفهم مراد الله تعالى. وبالتالي، يلغو إنزال الوحي وإرسال الرسل؛ وهذا خلاف الحكمة الإلهية. وجعل الوحي والنبوة يكون قيّماً عندما يمكننا أن نفهمهما بشكلٍ صحيحٍ.

طبعاً، من الممكن ألّا يقبل الهرمنيوطيقي أساس الهداية الإلهية وضرورتها، ففي هذه الحال، يجب أن يكون البحث فيها وفي دورها في تحقيق الهدف من الخلقة -أي السعادة الحقيقية- بحثاً مبنائيّاً.

8. الفرق بين القضايا الظاهرة وبين التي تكون نصّا:

بناءً على محورية المفسر والأركان التي ذكروها، ترى الهيرمينوطيقا الفلسفية إمكان انتزاع معانٍ متكثرةٍ في عرض بعضها البعض من أيَّ نصٍّ؛ أي يمكن وجود قراءاتٍ متعددةٍ لكل نصٍّ على نحو الموجبة الكلية. وأحد جذور هذه الدعوى هو عدم التمييز بين النص والظاهر[1]. ولو فرضنا دخالة القبليات المعرفية عند المفسر في فهم النص، فإنها تكون فقط في مورد الظاهر دون النص؛ لأنّ ثمة اختلافاً لوجود معانٍ مختلفةٍ في مورد الظاهر، أما في مورد النص، فلا يمكن قبول هذا الأمر، لأنه لا يمكن فرض أكثر من معنًى واحدٍ للنص.

(172)

على سبيل المثال، عندما نقول: «طقس طهران اليوم ماطرٌ»، فإننا نفهم معنًى واحداً فقط من هذه العبارة وهو كون طقس طهران اليوم ماطراً؛ ولا يمكننا أن نتصور معنًى آخرَ حتى يفهمه مفسرٌ آخرُ ويجعله معنًى آخرَ لهذه العبارة في عرض المعنى الأول. هذا، إلا إن وُجد شاهدٌ أو قرينةٌ على أن المؤلف استعمل هذه العبارة بنحوٍ رمزيٍّ لأجل الإشارة إلى معنًى آخرَ. فلو كان المخاطَب بهذه الجملة يحب الطقس الغائم، أو كان يفترض مسبقاً أن طقس طهران في الخريف لا يكون ماطراً، هل سوف يفهم هذه الجملة بنحوٍ آخرَ؟ هل هذه الأمور تؤدي إلى أن يفهم أن طقس طهران غائمٌ بدلاً من أن يكون ماطراً؟ من الواضح أن هذا بعيدٌ جدّاً عن الإنسان العاقل. وتجدر الإشارة إلى أننا لا نقصد من هذا البحث الوصول إلى صدق النص أو كذبه؛ بل بحثنا في الصدق الهرمنيوطيقي؛ أي في الفهم الصحيح للنص.؛ سواءً كان النص في نفسه صادقاً أو كاذباً. فقد يصدر من المتكلم جملةٌ كاذبةٌ، لكن بحثنا في الدرجة الأولى هو عن الفهم؛ أي عن الصدق الهرمنيوطيقي أو الفهم الصحيح لمراد صاحب الأثر من أثره.

وفي المقابل، في العبارة الظاهرة والتي تحتمل أكثر من احتمال، فإنه يمكن -لا على نحو الضرورة- أن تؤدي الفرضيات المسبقة إلى حدوث خللٍ في الفهم العيني للأثر عند المفسر. وفي هذا النوع من العبائر، يمكننا في بعض الأحيان أن نصل إلى المعنى العيني للأثر من خلال الاعتماد على بعض قرائن صدور الأثر وخصائص المؤلف ومخاطَبيه. وعلى هذا الأساس، يمكن قبول أصل تدخل

(173)

الأفهام الشخصية للمخاطَبين في مورد العبارات الظاهرة والتي لا تكون نصّاً. وبهذا القيد، تخرج الكثير من الآثار المكتوبة أو الملفوظة من نطاق دعوى الهيرمينوطيقا الفلسفية.

9. أنواع المعلومات المسبَقة:

تُعدّ المعلومات والنظريات المسبَقة للمفسر، من أهم أركان الهيرمينوطيقا الفلسفية والتي تنبني عليها الأفهام والتفاسير. فيرى هايدغر وغادامر ومن تبعهما أيضاً من التنويريين المسلمين، أنه لا يوجد تفسيرٌ بلا فروضٍ مسبّقةٍ؛ وبالتالي، لا يمكن تصور فهمٍ خالصٍ وعينيٍّ.

وفي مقام الجواب، نقول: لا ننكر أن المفسر يسعى وراء النص وهو حاملٌ لمجموعة من المعلومات المسبقة؛ لكن هذا لا يعني إيجاد خللٍ في الفهم وعدم إمكان الوصول إلى فهمٍ عينيٍّ وخالصٍ؛ لأن بعض هذه المعلومات هي من ضروريات الوصول إلى الفهم العيني. فلا يمكننا أن نقبل هذه الدعوى على إطلاقها، أي: «إن كل المعلومات المسبقة تؤدي إلى نفي الفهم العيني للأثر». وتوضيح ذلك بأن المعلومات المسبقة على أقسامٍ: بعضها يؤدي للوصول إلى الفهم العيني، وبعضها يؤدي للوصول إلى فهمٍ ضروريٍّ أعمقَ، وبعضها أيضاً يؤدي إلى سوء الفهم. ومن أقسام المعلومات المسبقة، نذكر:

معلوماتٌ تؤدي دوراً تمهيديّاً في عملية فهم النص، من قبيل: القواعد النحوية والمنطقية واللغوية والقواعد الحاكمة على

(174)

المحاورة. ولا تتدخل هذه المعلومات المسبقة في تشكل محتوى النص، بل هي محض أداةٍ ضروريةٍ للوصول إلى فهمٍ صحيحٍ للأثر. ومن الواضح عدم تأثيرها في الفهم العيني للأثر.

معلومات تمهّد لاستنطاق النص؛ أي هي أسئلة المفسر للنص التي تؤدي إلى توضيح علاقة مضمون النص مع أمور أخرى. وينحصر دور هذه الأسئلة في تهيئة الأرضية للاستنباط من الأثر، فلا تتدخل في تحديد محتوى النص.

معلومات المفسر عن المؤلف وصاحب الأثر. ويؤدي هذا النوع من المعلومات إلى تسهيل الوصول إلى مراد المؤلف. على سبيل المثال، معرفة حافظ كشخصيةٍ عرفانيةٍ، تؤدي إلى حمل مصطلحاته المتشابهة والرمزية على المعاني العرفانية؛ وبالتالي، لا نحمل بعض الكلمات في أشعار حافظ على الخمر. ولا يتسبب هذا النوع من المعلومات المسبقة بإيجاد خللٍ في فهم مراد المؤلف، بل هو ضروريٌّ للوصول إلى فهمٍ عينيٍّ لمراده.

معلوماتٌ يقينيةٌ، يعرفها المفسر بشكلٍ مسبقٍ ومرتبطةٌ بالنص بنحوٍ أو بآخرَ. فبعض المعلومات اليقينية تؤدي إلى وضوح المراد الحقيقي للمؤلف في كتاباته وأقواله. على سبيل المثال، علمنا اليقيني بعدم جسمية الله تعالى، يدفعنا نحو التأويل الصحيح لبعض الآيات، من قبيل: [يد الله فوق أيديهم[1]]. وهذه المعلومات اليقينية ضروريةٌ لأجل رفع اليد عن الظهور اللفظي لمثل هذه الآية وحملها

(175)

على معناها الصحيح. وهذا ما لا يؤثر سلباً في فهم مراد المؤلف.

المعلومات الظنية التي هي تدخّلٌ غيرُ واعٍ في تحديد الظهور اللفظي للكلام أو المراد الجدي للمتكلم. ولا وجه لتدخل هذه المعلومات، بل هي تؤدي إلى سوء الفهم والوقوع في التفسير بالرأي. فيجب على المفسر أن يحذر من إدخال هذا النوع من المعلومات المسبَقة في عملية فهم النص[1].

وعلى هذا الأساس، ليست كل المعلومات المسبقة مخلّةً بالفهم العيني للأثر؛ بل بعضها ضروريٌّ لتحقيق الفهم العيني، وبعضها يرجح استعماله للوصول إلى فهمٍ صحيحٍ للأثر. نعم، جزء من المعلومات المسبقة مخلّةٌ بالفهم العيني، لكن لا دليل على ضرورة تدخلها في فهم الأثر. وعلى هذا الاساس، مجرد احتمال دخالة هذا النوع من المعلومات المسبقة في فهم الأثر، لا يؤيد دعوى تأثر كل الأفهام بهذه المعلومات.

(176)

 

 

 

 

 

 

الفصل التاسع

هيرمنيوطيقا ريكور

 

(177)

هيرمنيوطيقا ريكور

أثمرت جهود غادامير في تثبيت وإحياء نظريات هايدغر، وتأثر الكثير من علماء القرن العشرين بالهيرمينوطيقا الفلسفية. لكن هذا لا يعني أن المدافعين عن الهيرمينوطيقا الفلسفية قد تبنوا كل نظرياتها ولوازمها.  وقد قبِل بعض المدافعين عن الهيرمينوطيقا الفلسفية بعد غادامير كليات هذه الهيرمينوطيقا واتخاذها المنحى الفلسفي، لكنهم خالفوا الادعاءات الإفراطية عند هايدغر وغادامير، وحاولوا تقديم نسخةٍ معدَّلةٍ عن الهيرمينوطيقا الفلسفية.

ويُعدّ بول ريكور (1913 - 2005 م) من أبرز هؤلاء المدافعين المنتقدين. فهو يقبل بعض مباني الهيرمينوطيقا الفلسفية؛ لكنه يسعى لبيان قراءةٍ جديدةٍ عن الهيرمينوطيقا الفلسفية من خلال الحديث عن «المنهج» -الذي كان متروكا عند هايدغر وغادامير- وإيجاد عناصرَ جديدةٍ. وسنبيّن في هذا الدرس مكانة ريكور في عملية الهيرمينوطيقا، ونوضح نظريته، ونبحث عن نقاط ضعف الهيرمينوطيقا التي يتبناها.

مكانة ودور ريكور في سير تحوّل الهيرمينوطيقا:

من خلال الالتفات إلى التفسير الهايدغري للفهم والذي يقبله ريكور، فإنه يمكن عدّه من أتباع الهيرمينوطيقا الفلسفية؛ وإن كان يختلف في بعض المباني عن أتباع هذه المدرسة الهرمنيوطيقية.

(178)

وقد حلل أفكار شلايرماخر ودلتاي بشكلٍ جيدٍ، ورفع يده في نهاية المطاف عن إعادة الصنع النفسية وعن الكشف عن ذهنية المؤلف[1].

وقد وجّه ريكور سهام النقد اللاذعة والأساسية إلى الهيرمينوطيقا الفلسفية. وكان يعتقد أن تبني نظرية هايدغر في الهيرمينوطيقا وقبول أنطولوجية الفهم، يؤدي إلى نسيان الأسئلة الهرمنيوطيقية الأساسية[2]؛ لأنه يمكن في فلسفة هايدغر الرجوع نحو أساس الفهم، لكنْ يستحيل في هذه الفلسفة الرجوع عن السؤال الأنطولوجي نحو السؤال المعرفي المرتبط بمكانة العلوم الإنسانية. والفلسفة التي لا يمكنها أن تتحاور مع العلوم الإنسانية وأن تحدد لها طريق العمل، سوف تبقى لنفسها ولن تكون مثمرةً أبداً. والحاصل في نظر ريكور هو أن هيرمنيوطيقا هايدغر غيرُ فعالةٍ في الرجوع إلى المسائل المعرفية[3].

وقد تحدث ريكور عن «منهج المعنى العيني» لفهم النص والعمل في العلوم الاجتماعية، مقابل الفلسفة الأوروبية. ويعتقد أن اعتبار فهم النص والعمل  والنظرية الاجتماعية يكون ضمن إطار «المنهج المعتبر». لذا، انتقد هرمنيوطقا غادامير بسبب فقدانها لمعيارٍ في التفسير. وانطلاقاً من مسائل عالم النص ومنهج التفسير، يعدّ ريكور نفسه في زمرة الذين يقولون بعينية معنى النص[4].

(179)

ماهية الهيرمينوطيقا وهدفها:

يقول ريكور في تعريف الهيرمينوطيقا: «الهيرمينوطيقا هي نظرية عمل الفهم في ما يرتبط بتفسير النصوص»[1]. ومراده أن علم الهيرمينوطيقا يبحث عن موضوع الفهم الإنساني عندما يتعلق بالنص؛ مثلا، يبحث عن الأسئلة التالية: ما هو النص؟ ماذا يحدث عند فهم النص، وما هي المراحل التي يقطعها ذهن الإنسان؟ هل يمكن أن نفهم النص؟ ما هي المعاني المتصورة لفهم النص؟ ما هو ملاك الفهم الصحيح للنص؟ و....

يرى ريكور وجود هاجسين وهدفين أساسيين لعلم الهيرمينوطيقا، هما:

الأول: بيان قواعدَ كليةٍ وعامةٍ للفهم بحيث تشمل فهم النصوص من مختلف العلوم، حتى العلوم الإنسانية والنصوص المقدسة وغير المقدسة. وهكذا، تسعى الهيرمينوطيقا لبيان مناهجَ عامةٍ للفهم. ومن خلال توسعة موضوع الهيرمينوطيقا، يمكن القول بأن الهدف الأول بنظر ريكور هو: «تأسيس نظريةٍ عامةٍ للتفسير المعتبَر؛ أي أصل كل اليقينيات في التاريخ لأجل المنع من حصول التلوّن الرومانسي والذهنية الشكاكة»[2].

وفي ما يلي سنبين الهدف الثاني للهيرمنيوطيقا. فالسؤال الأساس في الهيرمينوطيقا الفلسفية هو: «ما هو الوجه الوجودي لذلك الموجود

(180)

الذي له وجودٌ فقط بواسطة الفهم؟»[1]. ما هي العملية التي يمر بها الوجود الإنساني -وهو موجودٌ فاهِمٌ- أثناء الفهم؟ وعندما تحصل مواجهة بين الإنسان والنص، ما هو الوضع الداخلي الذي يكون فيه الإنسان، وما هي الظروف التي يخضع لها ذهن الإنسان أثناء إدراكه للنص؟ فهذه بعض المسائل التي تبحث عنها الهيرمينوطيقا الفلسفية، وموضوعها الأساس هو ماهية تحقق الفهم وكيفيته.

وعلى هذا الأساس، يرى ريكور وجود هدفين أساسيين للهيرمنيوطيقا: الأول: معرفيٌّ، والثاني: وجوديٌّ أنطولوجيٌّ. وقد سعى العلماء الذين سبقوه لتحقيق هدفٍ واحدٍ من هذين الهدفين.

المباني الهرمنيوطيقية لريكور:

1. ريكور وفلسفة التأمل:

نظرية ريكور في ما يرتبط بماهية «التأمل» هي من المسائل الأساسية الحاكمة على سائر أفكاره. قبل ريكور، كان العلماء يعتقدون بأن التأمل والتفكر طريقٌ لتبرير المعتقدات والحصول على الاستدلالات والتبيين الصحيح في العلوم. أما ريكور، فقد عرّف ماهية «التأمل» في مجال العلاقة مع فهم الآثار الناتجة عن الوجودات الإنسانية الأخرى. فعندما يتكلم الناس أو يقومون بأيِّ فعلٍ من الأفعال، فإنهم في الحقيقة في مقام السعي نحو الحياة والميل نحو الوجود.  وهذه الجهود (كالكتابة والسلوك والرسم وأي أثرٍ إنسانيٍّ آخر ظهر) علاماتٌ نُدركها ونريد أن نفهمها. والسؤال هو: ماذا يحصل أثناء عملية الفهم؟ هنا، تأثر ريكور بشكلٍ

(181)

كاملٍ بنظرية «الدازاين» لهايدغر، وذكر أن الفهم عبارةٌ عن تفعيل إمكانات الوجود الإنساني السابقة وإيجاد إمكاناتٍ جديدةٍ. وعلى هذا الأساس، تؤدي معرفة كلِّ أثرٍ إلى أن يفهم الإنسان نفسه[1]؛ أي تحصل إمكاناتٌ وجوديةٌ جديدةٌ للإنسان، ويحصل الوجود الإنساني على فعليةٍ جديدةٍ. ففهمنا لآثار الآخرين وأقوالهم وسلوكهم هو في الحقيقة فهمٌ لأنفسنا. والتأمل، من وجهة نظر ريكور، هو هذا السعي لكي يفهم الإنسان نفسه في آثار الآخرين؛ أي «أن يخصّ نفسه بالجهود الإنسانية لأجل الحياة والميل إلى الوجود، من خلال الآثار التي تكون علامة على هذا السعي». وسمّى ريكور البحث عن ماهية التأمل بـ «فلسفة التأمل».

وثمة مسألةٌ مهمةٌ جدّاً هنا، وهي علاقة فلسفة التأمل بالهيرمينوطيقا. فما هو الطريق الذي يمكن أن يسلكه الإنسان لكي يفهم آثار الآخرين؟ قلنا بأن هذه الأقوال والأفعال تظهر في قالب علاماتٍ ورموزٍ. لذا، لا يمكن فهمها من دون تفسير شخص المدرِك لهذه العلامات. فيجب القول بأن التأمل الفلسفي يتحقق من خلال التفسير والفهم. وهنا تحتاج فلسفة التأمل إلى الهيرمينوطيقا التي تُعنى بضوابط فهم العلامات. ولا يمكن إدراك فعل الحياة والعيش إلا من خلال العلامات المُلقاة في العالم. وبالتالي، يجب على فلسفة التأمل أن تستفيد من النتائج المذكورة في علوم الدلالة، وتُعدُّ الهيرمينوطيقا من أهم هذه العلوم[2].

(182)

2. علم اللغة والبنيوية عند ريكور:

يرى الباحثون في البنيوية أن موضوعات العلوم الإنسانية يجب ألّا تُلاحَظ كموضوعات العلوم الطبيعية. فهذه الظواهر لها معانٍ، ولأجل فهمها بشكلٍ صحيحٍ، يجب أن نبحث عن دلالاتها بدلا من البحث عن العلاقات العلية الموجودة في الطبيعة. عند البحث عن الظواهر في هذه العلوم، يجب البحث عن تحليل البنية والعلاقات بين الأجزاء.

وتُعدّ اللغة إحدى الظواهر الإنسانية التي يرى البنيويون لزوم معرفتها على أساس التحليل البنيوي وعلاقتها بسائر الأنظمة الأخرى. وعلى ضوء الاتجاه البنيوي، تكون اللغة نظاماً أو بنيةً مؤلفةً من عناصر لا معنى لها إن وُجدَت خارج هذه البنية وهذا النظام. وبعبارةٍ أخرى: يوجد دلالةٌ معنائيةٌ لأجزاء اللغة فقط من خلال العلاقة بين أجزاء اللغة مع بعضهم البعض داخل نظام اللغة.  فلا تُستعمَل المفاهيم والأصوات خارج دائرة اللغة[1].

وثمة فرقٌ بين اللغة[2] وبين الكلام الشفهي[3]. فالكلام الشفهي هو عبارةٌ عن تحققٍ شخصيٍّ وبالفعل للغة، ويشتمل على معانٍ خاصةٍ ورسائلَ تجري في اللغة. أما اللغة، فهي عامةٌ ولا زمانيةٌ وغيرُ مرتبطةٍ بقصد المتكلم وعينيته. فاللغة نظام

(183)

مترابطٌ مؤلفٌ من أصواتٍ ومعانٍ، وغيرُ مخصوصٍ باستعمالٍ خاصٍّ.

وعلى أساس النظرة البنيوية إلى اللغة، لا تكون اللغة حاكيةً عن عالم الواقع، بل هي نظامٌ مغلَقٌ يجب أن يُعرَف من خلال الالتفات إلى علاقاته الداخلية. وهذه النظرة المقنّنة للغة، تؤدي إلى سلب الخصوصيات التي تملكها لغةٌ ما أثناء وصولها إلى فعليتها وأثناء الكلام الشفهي. وقد انتقد ريكور منهج البنيوية المحضة، حيث تفقد اللغة على رأيهم دورها كواسطة بين الأذهان وبين الأشياء. وعلى ضوء نظريتهم، ننظر إلى اللغة كشكلٍ من حياة الإنسان لا معنى له، وتكون عبارةً عن نظامٍ مكتفٍ في نفسه ومؤلفٍ من علاقاتٍ داخليةٍ بين أجزائه[1].

يرى ريكور أن أساس تشكل اللغة هو لأجل العلاقات الإنسانية ونقل العواطف والإحساسات والنظريات. لذا، عطف القول نحو الفينومينولوجيا، وسعى لفهم ظاهرة الكلام الشفهي من خلال حفظ المنهج البنيوي في فهم أجزاء اللغة. وهذا ما أدى بعد مدةٍ بريكور إلى التأكيد على التفكيك بين علم الرموز (السيميولوجيا)[2] وعلم الدلالة (السيميوطيقا)[3].

3. علم الدلالة وعلم الرموز عند ريكور:

علم الرموز هو العلم الباحث عن نظام الدوالّ. فيبحث عن

(184)

الفرق بين العلامات والقوانين الحاكمة عليها في الأنظمة مثل نظام اللغة. أما علم الدلالة، فيبحث عن كيفية وسببية تحقق المعنى. وبعبارةٍ أخرى: يبحث علم الدلالة عن المسألة التالية: عندما نضع أجزاء الجملة إلى جنب بعضها البعض، فإننا نحصل على معنًى محددٍ؛ فماذا حدث حتى حصلنا على هكذا معنًى؟ ومن الواضح أن هذين العِلْميْن مرتبطان ببعضهما البعض. ففي علم الدلالة، نحلل كيفية الاستعمال الفعلي للعلامات، وهذا ما لا يمكن من دون وجود علاقةٍ بالقوة بين العلامة والمعنى -والتي تُبيَّن في علم الرموز-. وبالعكس، تخسر أنظمة معرفة الرموز قابليتها إن لم تُستعمل الرموز والعلامات بالفعل[1].

وهكذا، عطف ريكور النظر من علم الرموز إلى علم دلالة الأقوال؛ أي إلى المرتبة الفعلية للغة التي تشتمل على محكِيٍّ مشخَّصٍ ومحدَّدٍ؛ وعبّر عن ذلك بـ «حادثة الديسكورس»[2].[3] فالديسكورس هو عنصرٌ لغويٌّ أكبرُ من الجملة، ويقع تحت تأثير فردٍ خاصٍّ وزمانه وموقعه، ويرتبط بإرادته ومقصوده، ويشمل كل حالاته أثناء البيان.

ولمفهوم الديسكورس[4] دورٌ محوريٌّ وأساسٌ في هيرمنيوطيقا ريكور. فهو يعقتد أن الديسكورس عبارةٌ عن حدثٍ، وتتصف اللغة

(185)

في طياته ببُعدها الزماني. وليست اللغة والبنية اللغوية عبارةً عن حادثةٍ، بل لها جهةٌ عامةٌ؛ لكن تصل اللغة عند التكلم أو الكتابة إلى فعليتها، وتخضع لظروفٍ خاصةٍ. والخطاب في كلامٍ شفهيٍّ هو عبارةٌ عن حدثٍ يزول؛ وفي الكتاب هو عبارةٌ عن حدثٍ يوجد في زمانٍ خاصٍّ ويثبت بواسطة الكتابة. وهكذا، كما أن «العلامة[1]» هي وحدة أساس اللغة، فـ «الجملة» هي وحدة أساس الخطاب[2]. واللغة أداةٌ محدودةٌ؛ أما الخطاب فهو عبارةٌ عن الاستفادة اللامحدودة من هذه الأداة. فليست اللغة ناتجاً؛ بل من خلال الخطاب تؤدي إلى الإنتاج الجديد. وثمة علاقةٌ تحصل بين الخطاب وبين المتكلم بسبب كون الخطاب حدثاً. ويوجد في الخطاب الواحد، ضمائر المتكلم التي غالباً ما يكون مرجعها المتكلم نفسه. لذا، ثمة علاقةٌ ضروريةٌ في الخطاب بين الكلام وبين خصوصية المتكلم. وللخطاب فاعلٌ ومتكلمٌ واحدٌ؛ لذا، يكون مرتبطاً بالعالم الذي يستقر فيه المتكلم، وهذا ما يؤدي إلى إيجاد «عالمٍ» في اللغة. وتتولى الخطابات مهمة نقل الرسائل. فلها مخاطَبون، بحيث يكون المتكلم في حالة تحاورٍ معهم؛ أي ثمة حوارٌ متحققٌ في الخطاب. وتشكل حوارية الخطاب الهويةَ الأساس للخطاب؛ حتى أننا في حديثنا مع أنفسنا نشكل حواراً[3]. لذا، يوجد مع كل خطابٍ ثلاثة أمور: المتكلم (أو الكاتب)؛ والعالم الذي يريد المتكلم أن يحكي عنه؛ والمخاطَب[4]. وسوف نرى أن ريكور يسعى في الهيرمينوطيقا وراء بيان

(186)

نظريةٍ مرتبطةٍ بالنصوص وتفسيرها، ويحاول توجيه خصائص الكلمات، من قبيل: تعدد المعنى، والاستعارة، والرمزية. وتُعد مسألة الخطاب من أهم مبانيه في مقام الوصول إلى هذا الهدف.

العناصر الهرمنيوطيقية عند ريكور في ما يرتبط بالنص:

1. تعريف النص:

وضحنا مصطلح الديسكورس (الخطاب) عند ريكور في فقرة علم اللغة. والآن نبيّن أنه يرى النص عبارةً عن صورةٍ مثبَّتةٍ لديسكورسٍ (خطابٍ) شفهيٍّ. فيعتقد ريكور أن كلَّ نصٍّ مسبوقٌ بكلامٍ قابلٍ للبيان؛ لكنْ لا يلزم أن يكون مبيَّناً بصورةٍ شفهيةٍ. فالكتابة -كالكلام الشفهي- يمكن أن توصل اللغة مباشرة إلى الفعلية. وليس النص محدوداً بكلامٍ مَقولٍ ومسجَّلٍ سابقاً؛ بل هو عبارةٌ عن تسجيلٍ مباشرٍ لمرادٍ محدَّدٍ[1]. وهذا التسجيل يؤدي -بحسب رأي ريكور- إلى حدوث عددٍ من الأمور، نبحث عنها في ما يلي.

ويذكر ريكور أن النص يشتمل على الخصوصيات التالية:

1. النص بعنوان ديسكورسٍ (خطابٍ) واحدٍ، يختلف عن «حدث البيان» ويشتمل على «معنًى» محددٍ. وهذا المعنى موجودٌ أيضاً في الديسكورس اللغوي. وما يحصل بين الشخص الآخر والنص هو تبادل المعنى، وليس شيئاً آخر.

(187)

2. يتبدل الديسكورس في نصٍّ واحدٍ إلى «أثر» واحدٍ. والأثر عبارةٌ عن مجموعةٍ من الجمل التي توجِد موضوعاً جديداً للفهم (يشتمل فهم الأثر على قوانينَ خاصةٍ به. فعلى سبيل المثال، يجب النظر إليه بنحوٍ مجموعيٍّ وإدراك كل جمل الأثر الأثر مع بعضها؛ ولا يمكن تحليل معناه الكامل من خلال تحليل كل جملة على حدة؛ و...). ويتشكل الأثر في قالَبٍ خاصٍّ كالقصة أو الشعر أو... ويُعرَف بـ «النوع الأدبي»؛ كما يكون له شكلٌ وتركيبٌ خاصٌّ يُسمى بـ «النمط». وبعبارةٍ أخرى: يتحول الديسكورس بنوعه الأدبي ونمطه إلى أثرٍ محددٍ[1].

3. يبتعد النص عن مؤلفه وعن الظروف المحيطة به وبإيجاده وعن مخاطَبه الأوّلي، ويسمح بفهمه لأيِّ شخصٍ يريد أن يقرأه.

ومن خلال أدنى تأملٍ يتضح إمكان تسرية هذه الأمور من النص المكتوب إلى الأعمال الإنسانية المسجّلة والثابتة من قبيل: الرسومات والأفلام. لذا، سرّى ريكور القواعد الحاكمة على فهم النص ومعرفته، على السلوك الإنساني أيضاً[2]. وفي مقالة «نموذج النص»، بيّن العلاقة بين الأعمال والنصوص، وأراد تهيئة «المعطيات العينية» من النصوص كي تنتفع بها العلوم الاجتماعية. ويقول في هذا المجال: «تشتمل النصوص على معنًى عينيٍّ؛ يختلف عن قصد المؤلف. وليس هذا المعنى العيني أمراً مختبئاً وراء النص؛ بل هو حاجةً مرتبطةً بالقارئ»[3].

(188)

2. الفرق بين الكلام والكتابة:

عندما يتحول الكلام إلى نصٍّ، أو عندما يكتب الإنسان مراده بدلاً من التلفظ به، ماذا يحدث بالنسبة إلى المدلول؟ الكتابة -لا سيما بنية الأثر- تؤدي إلى تغيير المدلول، إلى حدٍّ يرى معه ريكور أنه يوجد لنا مشكلةٌ. أما في الكلام الشفهي، فيستطيع المتكلم أن يأخذ بيد مخاطَبه نحو واقع كلامه ويُرشده إلى مراده. فمشكلة إمكان عدم تطابق النص مع مقصود المتكلم، محلولة في الكلام الشفهي بسبب قدرة الطرفين على مشاهدة الواقعية المشتركة من خلال الحوار. وإن لم نستطع مشاهدة الأمر الذي يدور الحوار حوله، فعلى الأقل يمكننا ربطه بشبكةٍ زمانيةٍ - مكانيةٍ منحصرةٍ بفردٍ يحدده طرفا الحوار. وهذه الشبكة - المشخَّصة هنا والآن بواسطة ظروف الكلام الشفهي - هي التي تمهِّد للمدلول النهائي للكلام الشفهي.

أما بالكتابة، فالأشياء تبدأ بالتغيّر. وبالتالي، لا يوجد وضعٌ مشتركٌ بين الكاتب والقارئ[1]. في الحوار، يكون الحوار مرتبطاً بمصاديق المعاني والعالم الخارجي؛ ويحصل اتصالٌ بين معاني الألفاظ وبين محكيها الواقعي، فتفنى فيها وتنطبق عليها؛ أما في ما يرتبط بالنص، فإنه لا يحصل بين محتوى النص وذهنية المؤلف (الواقع الذي يتصوره ويحكي عنه) ارتباطٌ مباشرٌ. فيكون محتوى النص مرتبطا بالقارئ. وهكذا، يبتعد النص في الكتابة عن ذهنية

(189)

المؤلف، ولا يلزم أن يتطابق ما هو في قالب النص مع نية المؤلف؛ بل يمكن أن يصل القارئ إلى مكان أبعد من مقصود المؤلف. في الكتابة، لا تفنى الألفاظ في مصاديقها؛ أي يوجد مسافةٌ وبُعدٌ بين الألفاظ وذهنية المتكلم والمصاديق.

طبعاً، لا يرى ريكور أن ديسكورس (خطاب) النص فاقدٌ للمصاديق؛ بل هدف القراءة والتفسير هو العثور على تفسير للنص وعلى مصاديقه؛ لكن لا نضمن مطابقة هذه المصاديق مع ذهنية المؤلف.

ويعتقد ريكور أنه أثناء الكلام الشفهي، تكون الألفاظ فانيةً في المصاديق؛ لذا، ثمة فرقٌ بين أي ِّكلامٍ وكلامٍ آخرَ. بينما لا يحصل مثل هذا الفناء أثناء قراءة نصٍّ مكتوبٍ[1].

وأثناء الكتابة، تزول ضرورة التطابق بين محتوى النص وبين ذهنية المؤلف. وبالتالي، يبتعد النص عن مؤلفه. وهذه النظرية قد قرّبت ريكور من نظرية موت المؤلف[2].

وحاصل رؤية ريكور: أولاً: أثناء تبديل الديسكورس (الخطاب) الشفهي إلى نصٍّ (بواسطة السامع)، ليس حدث الكلام الشفهي هو الذي يتبدل إلى نصٍّ، بل معناه؛ وثانياً: يوجد في الديسكورس الشفهي نوعٌ من المباشرة وعدم الواسطة بين الكلام وبين ذهنية المتكلم؛ بحيث يكون المعنى المفهوم من الديسكورس مطابقاً

(190)

لمراد المتكلم؛ وثالثا: في الديسكورس الكتابي، تحصل دلالاتٌ في ظروفٍ مختلفةٍ عن زمن الصدور؛ لأن النص المكتوب قد ابتعد عن مخاطَبه الأول وظروفه الأولى. ما يحصل لنا أثناء قراءة النص هو عالم النص، وليس عالم الواقع؛ ولا يكون قرّاء النص منحصرين، كما لا ينحصر النص في إطار مجموعةٍ خاصةٍ من القرّاء[1].

3. فهم النص:

اعتماداً على نفسية المؤلف، ولأجل حل مسألة الاتجاه التاريخي، جعلت الهيرمينوطيقا الرومانسية فهمَ النص على أساس فهم حياة المؤلف. بينما يرى ريكور أنه من خلال وجود مسافةٍ بين النص والمؤلف أثناء إيجاد الأثر ونقله وتبدل الظروف المحيطة وتغير المخاطَبين، فإن النص لن يكون عبارةً عن تجلٍّ لحياة المؤلف. وقد اقترح ريكور طريقاً جديداً لفهم النص، حتى يتجنّب نظرة الرومانسيين في إعادة صنع ذهنية المؤلف، وحتى يبتعد أيضا عن النظرة التفريطية للبنيويين المبنية على استحالة النفوذ إلى ذهنية المؤلف والقول بعدم دخالتها في معرفة النص. ولأجل حل هذه المعضلة، تحدّث ريكور عن «عالم النص» ومحكيّه.

4. عالم النص:

ريكور مَدينٌ في هذه المسألة للفيلسوف التحليلي الألماني «غوتلوب فريغه»[2]. فالألفاظ في اللغة تدل على المعنى لا على

(191)

وجود أمرٍ في عالم الواقع. في اللغة، لا وجود للمحكي؛ لكن عندما نتحدث عن الديسكورس، فإن الشخص يريد بواسطة المعاني أن يحكي عن عالمٍ واقعيٍّ. لذا، يوجد في الديسكورس «محكيٌّ» مضافاً إلى وجود المعنى. فالمحكي هو ذلك العالم الواقعي الذي يسعى المتكلم أن يشير إليه أثناء إلقاء المعاني إلى المخاطَب. في الكلام الشفهي، يتّحد المعنى والمحكي؛ بسبب وجود شبكةٍ زمانيةٍ - مكانيةٍ (دلالة الإشارة) واحدةٍ بين طرفي الحوار. أما النص؛ فإن له محكيّاً ويسعى أن يأخذ ذهن المخاطَب إليه. وهذا المحكي هو نفس عالم النص[1].

ويعرّف ريكور عالم النص بما يلي:

«إن لم نستطع أن نعرّف الهيرمينوطيقا كبحث عن شخص آخر وعن المقاصد النفسية المخفية في النص، وإن لم نستطع أن ننزل التفسير إلى معرفة البنية، فماذا يبقى للتفسير؟ وأُجيبَ عن ذلك بأن التفسير عبارةٌ عن توضيح نوع «الوجود في العالم» الذي يظهر في «سطح النص». وننتقل هنا مرةً أخرى إلى كلام هايدغر عن معنى الفهم. ففي كتاب «الوجود والزمان»، أشار إلى أن نظرية الفهم غيرُ مرتبطةٍ بفهم الآخرين؛ بل يتبدل الفهم إلى بنية عن الوجود في العالم. وقد اقتبست فكرته في مورد «إسقاط إمكانات الأساسية» من تحليلاته، واستخدمتها في نظرية النص. وفي الحقيقة، ما يُفسَّر

(192)

في نص واحد هو عالَمٌ مقترَحٌ؛ عالَمٌ يُحتمَل أني أقيم فيه، ومكانٌ يُحتمَل أني أُسقط عليه قدراتي الأساسية. وهذا ما أسمّيه بـ «عالم النص»[1].

فالعالم الذي يقع فيه النص مقابل القارئ، يضع أمام القارئ إمكاناتٍ جديدةَ من «الوجود في العالم» الهايدغري. والمراد من عالم النص هو مجموع المحكيات والمصاديق أو مدلولات النص الخارجية التي يقرأها القرّاء ويفهمونها (بالمعنى الهايدغري) ويلتذّون بها[2]. لذا، يوجد جهتان لمسألة عالم النص عند ريكور: الجهة الأولى: نوعٌ من الوجود في العالم، خاصٌّ بالقارئ؛ والجهة الثانية: أن هذا العالم الناتج عن توسعٍ خاصٍّ، لا يحصل إلا من خلال النص. ولهذه المسألة دورٌ أساسٌ في النظرية التفسيرية لريكور.

5. دور المؤلف في فهم النص:

في القرن العشرين، كان دور المؤلف في إعطاء معنًى للنص قليلاً جداً. فالبنيويّون يعقتدون بأن اللغة تُفهَم فقط بشكل مجموعيٍّ، ولا يوجد لأجزاء اللغة معنًى خارج ذلك. فلفهم النص لا يلتفتون إلا إلى بنية اللغة التي تمثل نظاماً منسجماً وذا تركيبٍ معيّنٍ من العلامات، ويفهمون معاني الألفاظ في هذا الإطار. لذا، لا يعتقدون بأيِّ دورٍ لقصد المؤلف ونيّته. وأما الهيرمينوطيقا الفلسفية

(193)

عند هايدغر وغادامير، فقد أنكرت دور المؤلف أصلاً، فسيطرت نظرية موت المؤلف (أو موت الكاتب) على الفكر الهرمنيوطيقي. وفي مجال النقد الأدبي، واجه دور ذهنية المؤلف تحدياتٍ أساسيةً، من قبيل: ما سُمّي بـ «المغالطة القصدية»[1]. ويُعد بول ريكور من الذين تأثروا بهذه المسألة ولاحظوها في نظرياتهم.

وقد تقدم أن الديسكورس يبتعد عن المؤلف عند تحقق النص. وهذا الابتعاد[2] يكون في ثلاث جهاتٍ: 1. ابتعاد النص عن قصد المؤلف؛ لذا، ربما يدل النص على ما لم يقصده المؤلف؛ 2. الابتعاد عن المخاطَبين الأوائل؛ 3.  الابتعاد عن البيئة المحيطة. وكان لهذه الجهات الثلاث أهميةٌ كبيرةٌ في هيرمنيوطيقا ريكور[3].

ومن جهة أخرى، تبنى ريكور المغالطة القصدية، وفكك بين معنى النص وبين الهدف من كتابته وإيجاده. لذا، ليس المؤلف أفضل مفسرٍ للنص الذي كتبه، ويمكن أن يدل نصه على أمرٍ لم يفهمه المؤلف نفسه، لكن يفهمه الآخرون ويُلفتونه إلى أن هذا النص يدل على هذا الأمر. فيمكن للآخرين أن يفسّروا نص المؤلف أفضل من المؤلف نفسه.

كذلك، عند الالتفات إلى رمزية الكلمات، نحكم بأنه لا يمكن للغة أن  تحكي عن تمام مراد المتكلم. فرمزية الكلمات هي من جهات البُعد الأخرى التي يرى ريكور أنها تُبعدنا عن قصد المؤلف. ومسألة الرمزية مفادها أنه عندما نُدرك أي بيانٍ (أعم من كونه كلاماً

(194)

أو فكرةً ذهنيةً أو لوحةً مرسومةً أو صورةً أو...) ويستقر في ذهن المخاطَب أثناء الحوار؛ فإن له جهةً رمزيةً لا مفر منها؛ إذ ثمة الكثير من المعاني المخفية في جوهر اللغة. وعلى أساس الرمزية هذه، يرى ريكور أنه أثناء مواجهة المخاطَب مع الأثر، فإنه ربما يحصل في كل لحظة الكثير من المعاني التي تكون مضادةً مع المعاني التي يريدها المؤلف[1].

وعلى هذا الأساس، يوجد ثلاث مسائل على الأقل جعلت ريكور يتخلى عن قصد المؤلف، وهي: 1. ابتعاد النص عن المؤلف وعن مخاطبيه الأوائل وعن ظروف صدور الكلام. وهذا ما يجعل الكشف عن ذهنية المتكلم أمراً مستحيلاً؛ 2. رمزية الكثير من الكلمات؛ 3. المغالطة القصدية واختلاف هدف النص عن معناه. فهذه المسائل الثلاث دفعت بريكور للقول: بأنه يجب ألّا نسعى نحو مقصود المؤلف للكشف عن معنى النص. والنتيجة التي توصل إليها ريكور هي أنه لا يمكننا السعي وراء قصد المتكلم، ولا أهمية لاكتشافه أيضاً.

طبعاً، لا يعقتد ريكور بعدم وجود أيِّ دورٍ للمؤلف في معنى النص؛ بل يرى أن المؤلف قد أوجد النص، بل قد أوجد جمله بطريقةٍ خاصةٍ وسبكٍ أدبيٍّ محددٍ. فصار لا يكفي مجرد الالتفات إلى البنية اللغوية لفهم النص، بل لا بد من قراءة النص لأنه مشتملٌ على وحدةٍ خاصةٍ. وبالتالي، لا يمكن الحكم على تمام أجزائه من دون قرائته كله. لذا، لا ينفع اكتشاف قصد المؤلف بعيدا عن النص،

(195)

بل لا بد من معرفته ضمن هذا السبك الكامل للنص. فهذه الطريقة التي كتب المؤلف بها نصه، هي طريقةٌ منحصرةٌ بفردٍ، وهي مؤثرة في معنى النص؛ وإن لم يكن هذا المعنى مقصوداً للمؤلف. وبتعبير ريكور: كل مؤلف يوجِد سبكاً خاصّاً يؤثر في المعنى[1].

6. دور المفسر في فهم النص:

ظهر للنص بيئةٌ جديدةٌ ومخاطَبون جددٌ، بإزاء ابتعاد النص عن المؤلف وعن مخاطَبيه الأوائل وعن البيئة المحيطة به. فكل مخاطَبٍ يواجه النص في ظروفٍ خاصةٍ به. وقد ذكرنا في أوائل هذا الدرس أن ريكور يعتقد بفلسفة التأمل. وعلى ضوء نظرية الدازاين عند هايدغر، يرى ريكور أن فهم أي شيء هو في الحقيقة عبارةٌ عن تفعيل إمكانات الفرد السابقة والعثور على إمكاناتٍ جديدةٍ. وعلى هذا الأساس، يتحقق الفهم الأول داخل الإنسان ويكون مرتبطاً بإمكاناته الداخلية المُعَدّة له. ومن الواضح أنه على هذا الأساس، يكون فهم النص متأثراً بالعالم الذهني للمفسر. والذي يؤدي إلى ازدياد إمكانات الإنسان هو ملاقاته مع النص. وأهم مرحلةٍ في عملية تفسير النص هي اختصاص النص الذي يقع داخل المفسر. لذا، يكون للمفسر دور أساس في فهم النص. وسوف نتعرض لهذه المسألة بشكلٍ مفصَّلٍ عند البحث عن النظرية التفسيرية لريكور.

7. أصول نظرية ريكور التفسيرية:

يرى ريكور أن النظريات الهرمنيوطيقية السابقة متشتتةٌ وغيرُ

(196)

قادرةٍ على بيان نظامٍ تفسيريٍّ كاملٍ. ويقول في هذا المجال: «لا يوجد هيرمنيوطيقا عامةٌ ولا قانونٌ عامٌ مرتبط بالتفسير؛ والنظريات الموجودة هي نظرياتٌ متشتتةٌ ومتضاربةٌ في مجال قواعد التفسير»[1].

ومن خلال الالتفات إلى الأبحاث التي مر ذكرها، سنعرض في ما يلي أصول نظرية ريكور التفسيرية:

أثناء إيجاد الكلام، تتحول اللغة -والتي هي موجودٌ بالقوة- إلى ديسكورس -الذي هو موجودٌ بالفعل- ذي زمانٍ ومؤلفٍ ومحكيٍّ خارجيٍّ (عالم النص) ومخاطًبين محددين؛

عند تبديل الديسكورس الشفهي إلى مكتوبٍ، يبتعد النص عن ذهنية المؤلف وقصده الأساس، وينقل إلى القارئ محكيُّه ومعناه. وبالتالي، لن يكون ثمة مواجهةٌ بين المفسر وبين المؤلف؛ بل سوف يراه من خلال هذه المسافة التي أحدثها النص نفسه؛

من خلال الالتفات إلى العلاقة التي كانت بين النص والمؤلف وإلى أن بنية النص مأخوذةٌ من العالم الذهني للمؤلف، وأنه صاغه بطريقةٍ أدبيةٍ خاصةٍ، يكون النص مستقلّاً أيضاً عن المفسر؛ وإن كانت قبليات المفسر تؤثر على فهمه للنص؛

الديسكورس «فعلٌ شفهيٌّ»، وله معنًى في ثلاثة أبعادٍ: الأفعال البيانية، والأفعال حين البيان، والأفعال من خلال البيان.

البُعد الأول من الفعل الشفهي (أي الأفعال البيانية) مرتبطٌ تماماً ببنية اللغة، وهو أمرٌ ثابتٌ ومتعينٌ. وقد سمى ريكور هذا البُعد

(197)

الأول من معنى النص بـ Sense. كما سمى أول مرحلةٍ في التفسير بـ «التبيين»[1]. ففي مرحلة تبيين البنية اللغوية، يُحلَّل النص ويُجزَّأ، ويُحدَّد محتوى الكلمات والقضايا وعلاقتها مع بعضها البعض. وفي هذه المرحلة، تُحلَّل وظيفة الأجزاء في الكل[2].

وفي المرحلة الثانية من التفسير، يجب أن يسعى المفسر للوصول إلى قصد المؤلف من النص. وليس مراده من قصد المؤلف المؤلفَ الحقيقي الذي أوجد النص في تاريخٍ محددٍ؛ لأنه يستحيل الوصول إليه؛ بل مراده المؤلف الضمني؛ أي عالم النص وما يمكن أن يكون مُرادًا من النص في ظرف اللغة. وعلى الرغم من أن المؤلف الأصلي قد لا يكون قاصداً لهذا المراد، لكنه يستحيل أن نصل إلى عالمه الداخلي بنحوٍ نفسيٍّ. وقد سمّى ريكور هذا البُعد من معنى النص بـ Meaning، وهذه المرحلة من التفسير بـ «الفهم[3]»[4].

أما المرحلة الثالثة من التفسير فهي مرحلة «التصاحب» والاختصاص. وهذا هو المعنى الذي يمتلكه المخاطَب الخاص من النص، وهو العالَم –بالتفسير الهايدغري- الذي يُفتَح أمام مفسِّرٍ خاصٍّ ويؤدي إلى توسعته الوجودية وزيادة إمكاناته. ويسمي ريكور هذا البُعد من المعنى بـ Signficance.

وقد بيّن ريكور بنحو مبتكَرٍ، عملية التفسير ضمن قوسٍ

(198)

هرمنيوطيقيٍّ[1]، فصوّر النص من «المعنى إلى المفهوم» ومن «التبيين إلى التصاحب».وتنتهي هذه العملية بتصاحب معنى النص -أي ذلك العالم الذي هو محكيّ النص- وتوسعة العالَم أمام المفسر.

ويرى ريكور أن المفسر يبدأ عمله بفهمٍ أوليٍّ وحدسيٍّ أو من خلال حكمٍ مسبَقٍ؛ ثم يشرع بتبيين معنى النص وفقاً لتحليل بنية اللغة؛ إلى أن يصل في النهاية إلى مرحلةٍ جديدةٍ من الفهم والتي يمكن أن تكون معنًى جديداً للنص. وهذه المراحل الثلاث متصلةٌ في ما بينها، وتكون نهاية كل مرحلةٍ منها على أساس المرحلة التي تليها. وبناءً عليه، يتشكل الفهم على أساس التبيين، ويكون التصاحب نتيجةً للفهم[2].

8. مِلاك التفسير وسوء الفهم:

مر سابقاً أن ريكور يعتقد أن النص مستقلٌّ عن المؤلف وعن القارئ أيضا، وقد أثبت له معنًى سمّاه «عالم النص». كما أنه يرى لزوم سلوك طريق التبيين لأجل الوصول إلى عالم النص. وهذا ما دعاه إلى التفكيك بين التفسير الصحيح والتفسير غير الصحيح؛ لأنه لم يوكل تمام معنى النص إلى القارئ. وقد ذهب ريكور إلى أن معنى النص مستقلٌّ عن القرّاء، ولا يشترط مطابقته مع المعنى الذي ينسبه إليه المفسر والقارئ. لو وجدنا في تبيين النص أن التفسير المذكور مخالفٌ تماماً للظاهر، فإنه يمكننا أن نعدّه تفسيراً خاطئاً ومرفوضاً. مضافاً إلى ذلك، يمكننا من خلال «التبيين» أن نخمّن

(199)

احتمال خطأ التفسير أو احتمال صحته بالنسبة إلى محكي النص، وأن نحصل من بين التفاسير المتعددة على بعض التفاسير التي يكون احتمال مطابقتها مع محكي النص قليلاً[1].

مناقشة العناصر الهرمنيوطيقية عند ريكور:

عدم الالتفات إلى هدف التفسير:

يعتقد ريكور أنه يجب عدم السعي وراء قصد المؤلف، بل لا أهمية له من الأساس. ولا ننكر إمكان النظر إلى النص بنحوٍ مستقلٍّ عن مبدأ وجوده (أي المؤلف وظروف الصدور)، وإمكان قراءة النص وفهمه من دون ملاحظة قصد المؤلف. ولا شك في قابلية كل نصٍّ لأن يُقرأ دون الالتفات إلى المؤلف وظروف الصدور والمخاطَبين. لكن عندما نفرض استقلال معنى النص عن المؤلف، فما هي الأهداف التي نريدها من خلال التفسير؟

في أكثر الموارد، يريد القارئ أن يتعرف على رأي الكاتب والمؤلف في موضوعٍ محددٍ. فعندما نفصل النص عن المؤلف، ألا تصبح كلُ الأبحاث الهادفة للكشف عن مقصود العلماء غيرَ ذات معنًى؟ وعلى فرض استقلال النص عنن المؤلف، كيف يمكننا أن نعرف نظرية ريكور من خلال كتاباته؟ عند إلغاء ارتباط المؤلف الواقعي مع نصه، وفصله عن بيئته الثقافية والاجتماعية التي صدر فيها، كيف يمكننا أن نفهم مراد المؤلف من خلال الرجوع إلى آثاره؟ وكيف نحقق هدف المفسر الذي يريد الكشف عن آراء المؤلفين من خلال الرجوع إلى النصوص؟

(200)

عمومية المخاطَبين بالنص:

في ما يرتبط بالديسكورس وتبديل الكلام الشفهي إلى كتابة، يقول ريكور بأن المصاديق الأولية وإمكان الارتباط بذهنية المتكلم تزول عند تبدّل المخاطَبين الأوائل. فنسأل: لو تحدّث شخصٌ فوجّه كلامه لكل المخاطّبين في جميع الأزمنة والأمكنة، ولم يلحظ أيّ خصوصية لمخاطَبيه في زمن صدور الخطاب، هل يمكن حينئذ أن نحصر كلامه بمخاطَبٍ خاصٍّ؟ وفي الكتاب الذي يكون مؤلفه منذ البداية لم يلحظ مخاطَباً خاصّاً ولا القرائن العامة الحاكمة على جوّ التخاطب، كما لم يلحظ القرائن العامة في زمانه ولا القرائن الخاصة، كيف يمكن حينئذٍ أن نحصر معنى نصه بزمانه الخاص؟

الفرق بين الكلام الشفهي والمكتوب:

على الرغم من أنه عند تبديل الكلام الشفهي إلى مكتوبٍ يُحتمَل اختفاء بعض القرائن، لكن ما ذكره ريكور كدليلٍ على استقلال النص عن المؤلف - من قبيل: أن القرّاء في بعض الأحيان يفهمون النص أكثر من المؤلف نفسه - يصدق أيضاً في مورد الكلام الشفهي. ففي الكلام الشفهي، يكون فهم معاني الألفاظ مرتبطاً بالصورة التي يُحدثها اللفظ في ذهن السامع؛ فلا فرق بين الكلام الشفهي والمكتوب من هذه الجهة. مضافاً إلى أننا نجد في بعض الأحيان أن السامع يفهم معاني من الكلام أكثر مما يريد المتكلم. فيجب أن يُعلم أن كون الفهم أكثر من الكلام، ليس ناتجا عن عدم دخالة القصد في المعنى بل هو ناتجٌ عن مداليلَ أخرى لم يلتفت إليها المتكلم نفسه. فلا فرق في هذه الناحية بين الكلام الشفهي وبين النص المكتوب.

(201)

نقد المغالطة القصدية (الناشئة من القصد):

مدّعو المغالطة القصدية يتّهمون أتباع محورية المؤلف بأنهم يرون أن ضرورة وجود قصدٍ للمؤلف مستلزمةٌ لمحورية هذا القصد عند المفسر. والحال عدم وجود هكذا تلازمٍ بينهما. وفي مقام الجواب على هذه المغالطة، يجب القول -كما أشرنا إلى ذلك في النقد الرابع على الهيرمينوطيقا الفلسفية في الدرس الثامن تحت عنوان «انتقال الرسالة؛ فلسفة إيجاد الأثر»- بأن محورية قصد المؤلف تقتضي إيجاد أيِّ أثرٍ، وهي فلسفة رجوع الآخرين إلى الأثر. فإن لم يكن قصد المؤلف هو المحور، لِمَ ترى الآخرين يرجعون إلى الآثار المنسوبة إلى مؤلفيها المحددين؟ هل لهم من غرضٍ سوى فهم مراد المؤلف؟ طبعاً، ليس المراد من محورية المؤلف قبولَ رأي المؤلف بنحوٍ قطعيٍّ؛ بل المراد أنه يجب على المفسر في الخطوة الأولى التعرّف على قصد المؤلف من عباراته. وربما يتعقّب ذلك خطوةٌ أخرى في نقد نظرية المؤلف أو تعديلها. والمغالطة الناشئة من القصد تحصل عندما يكون قصد المؤلف مؤثراً في قبول مطلق دعاواه، كأن نقول: «لأن المؤلف قصد ذلك، فقصده حقٌّ وحجةٌ»؛ والحال أن أتباع الاتجاه القصدي لا يريدون ذلك أبداً. لذا، يعمد القصديون إلى نقد آراء الآخرين أو التعديل عليها؛ لأنهم لا يرونها متطابقةً مع قصد المؤلف. وعلى هذا الأساس، تكون محورية قصد المؤلف اقتضاءً طبيعيّاً لكل أثرٍ، وفلسفةً لإيجاد الأثر وللرجوع إليه.

(202)

 

 

 

 

 

 

الفصل العاشر

الهيرمينوطيقا العينية

 

(203)

الهيرمينوطيقا العينية

أصبحت الهيرمينوطيقا في العقود الأخيرة اتجاهاً لأغلب التفكير الفلسفي الغربي المعاصر، وصار القرن العشرين توأماً مع غلبة الفكر النسبي[1]. فأضحى من الضروري البحث عن إمكان الفهم العيني والثابت.

وفي الوقت الحالي، لا يزال يوجد أتباعٌ لكلٍّ من الاتجاه النسبي والاتجاه العيني. ويُعدّ إميلو بتّي وإريك دونالد هِرش من أبرز المدافعين عن الاتجاه العيني والذين نهضوا لمواجهة الاتجاه النسبي. وهذا ما يُعدّ نوعاً من العودة إلى الهيرمينوطيقا التقليدية. ولأجل توضيح البحث، لا بد من شرحٍ مختصرٍ للنسبية والعينية[2].

النسبية والعينية في الهيرمينوطيقا:

1. النسبية:

تُعدّ النسبية أو الاتجاه النسبي نظريةً أثبتت حضورها في فروعٍ علميةٍ مختلفةٍ. وكما أنه يوجد مدارسُ للنسبية في الهيرمينوطيقا، كذلك يوجد مدارسُ في فلسفة الأخلاق ونظرية المعرفة وفي الأكسيولوجيا (علم القيَم). والقائلون بنسبية الحقيقة، يرون أنها متغيرةٌ. وربما يكون أمرٌ حقيقةً في نظر البعض، بينما لا يكون كذلك

(204)

في نظر آخرين. كما أنه قد نجد قضيةً تكون صادقةً وحقيقيةً في نظر بعض الأفراد، فيما تكون كاذبةً وغيرَ حقيقيةٍ لأشخاصٍ آخرين. بل يمكن أن يكون الشيء حقيقةً في زمانٍ، ومجانباً للحقيقة في زمانٍ آخرَ. فالقائلون بنسبية الحقيقة لا يعتقدون بوجود معيارٍ عينيٍّ ومستقلٍّ عن الأشخاص والظروف والأوضاع المتغيرة. لذا، لا يقولون بالحقيقة المطلقة وعدم تقيّدها بأشخاصٍ وظروفٍ محددةٍ.

ويرى النسبيون الباحثون في نظرية المعرفة، أن العلم البشري مرتبطٌ بالخصائص الفردية والذهنية للعالِم؛ بحيث لا يمكننا الحكم على أيِّ معرفةٍ إلا من خلال ملاحظة فردية[1] العالِم. فلا يمكننا تمييز المعرفة بين معتبرةٍ وغيرِ معتبرةٍ ولا تقييمها بنحوٍ مستقلٍّ عن فاعلها؛ لأنه لا يوجد معيارٌ مستقلٌّ لمحاكمة القضايا المعرفية. ولا يتفق النسبيون مع مصطلحات من قبيل: «الصدق»، و «الحق»، و «المعتبر»، و «الباطل». فالمهم بالنسبة إليهم هو التفاوت والتمايز والكثرة.

ويُنكر الاتجاه النسبي في الهيرمينوطيقا إمكانَ الفهم المعتبَر والثابت وغير التاريخي؛ لأنهم يعقتدون أنه يمكن أن نحصل على تفاسيرَ متنوعةٍ بالنسبة لأثرٍ واحدٍ.

والهيرمينوطيقا الفلسفية، قد انجرّت إلى النسبية في الفهم من خلال اتجاهها الذهني؛ لأنهم -كما تقدم في الدرس السادس والسابع- يرون أن تفسير الآثار والفهم الهرمنيوطيقي وتحوله متأثرٌ بتغيّر أفق المعنى والوضع الهرمنيوطيقي للمفسر. وصارت

(205)

الهيرمينوطيقا الفلسفية معتقدةً بنسبية الفهم بسبب اعتقادهم بدخالة الأفق المعنوي (أي المرتبط بالمعنى) للمفسر في عملية الفهم، وتعريفهم الفهم بأنه عبارةٌ عن التحام وانصهار الأفق المعنوي للمفسر مع النص والأثر المعرفي. وعلى أساس الهيرمينوطيقا الفلسفية، يكون الفهم دائماً تابعاً للأفق المعنوي للمفسر بالنسبة إلى النص.

2. العينية:

تقع العينية أو الاتجاه العيني في مقابل الاتجاه الذهني. وحيثما تُطرح العينية، فإنها تكون معتمدةً على بعض الأصول والمباني المسلَّمة. على سبيل المثال، يرى الباحثون في علم الجمال ذوو الاتجاه العيني بأن الجمال متكئُ على واقعيةٍ وراء ذوق الأشخاص وذهنيتهم، ويمكن للناس أن يدركوا هذه الواقعية وأن يشخصوها. وفلاسفة الأخلاق ذوو الاتجاه العيني، يقولون بوجود أساسٍ للقضايا الأخلاقية وراء الميول الفردية؛ بحيث لا نستطيع إلا التسليم بإدراك منشأ هذه العينية والاعتراف بصدقها.

والخصوصية الأخرى للاتجاه العيني هي الاعتقاد بالثبات. فالاتجاه الذهني منسجمٌ مع التغير والكثرة، ولا يتلاءم مع القضايا الثابتة والمعتبرة والصادقة دائماً. بينما الاتجاه العيني في أيِّ مجالٍ معرفيٍّ، يرى إمكان الوصول إلى مثل هذه القضايا. والخصوصية الثالثة للاتجاه العينية هي التأكيد على تميّز الفاعل العالِم[1] عن موضوعه ومتعلقه[2]. وتؤكد الهيرمينوطيقا العينية على إمكان فهم

(206)

الأثر بنحوٍ عينيٍّ وثابت وما وراء التاريخ، وترى أن معنى النص واقعيةٌ مستقلةٌ عن المفسر؛ وتعود جذور هذه الواقعية إلى قصد المؤلف. ولا يوجد ارتباطٌ بين معنى النص وبين ذهنية المفسر وأفقه المعنوي، ولا بينه وبين ظروف المفسر الزمانية[1]. والمسألة المهمة في معرفة الاتجاه العيني هي التفاتهم المعرفي (الابستمولوجي) في الهيرمينوطيقا العينية إلى المسائل؛ بينما الهيرمينوطيقا الفلسفية هي أصلاً أنطولوجيةٌ.

إميلو بِتّي:

إميلو بِتي (1890 – 1986م) قانونيٌّ إيطاليٌّ مشهورٌ، وصاحب تأليفاتٍ متعددةٍ في الموضوعات القانونية، وله تأملاتٌ خاصةٌ في ما يرتبط بنظرية التفسير. وهو وليس فيلسوفاً محترفاً، بل هدفه الأساس هو بيان قانونٍ للفهم يكون منهجاً عامّاً للعلوم الإنسانية؛ لكن هذا لا يعني أن نظرياته ليست جيدةً[2].

وباللحاظ التاريخي، تُعدّ هيرمنيوطيقا بِتي متقدمة على غادامير. فقد طرح قبل غادامير هيرمنيوطيقا محددة في سنة 1955م تحت عنوان «النظرية العامة للتفسير»[3]، التي لُخصت سنة 1967م بطلب من غادامير ونُشرت باللغة الألمانية[4]. وقبل ذلك، كان قد

(207)

نشر بِتي كتابين جدليين[1] له تحت عنوان «البيان» سنة 1954م و 1962م[2]. ويمكننا أن نعُدّ هيرمنيوطيقا بِتي جدلية وانفعالية[3]؛ لأن كل جهده كان في الحقيقة عبارةٌ عن انفعالٍ في مقابل الاتجاه الذهني[4] والاتجاه النسبي (النسبية) في الهيرمينوطيقا الوجودية لهايدغر وبولتمان[5]. ومراده من مواجهة هذه الاتجاهات هو إعادة تشييد الفكرة الهرمنيوطيقية الخاضعة للقوانين العلمية؛ حتى يمكنه بذلك الوصول إلى عينية التفسير في العلوم الإنسانية. وليست عمومية هيرمنيوطيقا بِتي وكليتها بأقل من هيرمنيوطيقا غادامير. لذا، طرح النظرية العامة للتفسير، على الرغم من أن «العام» في تعابيره له أهميةٌ معرفيةٌ فقط؛ لأنه كان يريد بيان منهجٍ عامٍّ لمطلق العلوم الإنسانية. أما غادامير، فقد اهتم ونظّر لأنطولوجية الفهم بشكلٍ عامٍّ.

المراد بالمنهج العام الذي طرحه بِتي هو أن كل أشكال التفسير والمباني المعرفية مشتركةٌ، وتكون الهيرمينوطيقا بمثابة منهجٍ لكل العلوم الإنسانية بحيث تأخذ على عاتقها استخراج معايير عينية هذه العلوم[6].

والمسألة الأساس عند بِتي هي المعنى المقصود للمؤلف. لذا، يرى أنه يجب على المفسر أن يتخلص من أحكامه المسبَقة وعلائقه الشخصية، ويلحظ استقلال المعنى الذي قصده المؤلف. ومن هنا،

(208)

رأى أن الهيرمينوطيقا الفلسفية المبنية على كون الأحكام المسبقة شرطاً وجوديّاً للفهم، هي خطرٌ جدِّيٌّ على التفسير في العلوم الإنسانية. وقد توجه إشكال بِتي بشكلٍ خاصٍّ إلى نظرية غادامير. فيعتقد بِتي أنه يمكن بيان التفسير بنحوٍ عينيٍّ، لأنه يمكن أن يكون موجَّهاً[1].

وثمة قسمان أساسيان في هيرمنيوطيقا بِتي: أولهما: نظريته في مجال ماهية التفسير والأصول الحاكمة عليه وأبعاد النظرية التفسيرية العامة؛ والثاني: نقوده على الهيرمينوطيقا الوجودية لهايدغر وبولتمان وغادامير.

ماهية الفهم وتفسير النص عند إميلو بِتي:

يرى بِتي التفسيرَ عبارةً عن نشاطٍ يهدف للوصول إلى الفهم الصحيح. فالفهم يعني إدراك ذهنية ونفسية فردٍ آخرَ. فالهدف من التفسير هو النفوذ إلى ذهنية الفرد ونفسيته. والمفسر لا يمكنه بشكلٍ مباشرٍ وبلا واسطةٍ أن ينفذ إلى ذهنية الفرد الآخر. وبالتالي، يكون إدراك العالم النفسي للآخرين محتاجاً إلى أن يواجه المفسر أموراً ذاتَ معنًى بحيث تكون حاكيةً عن هذا العالم الذهني. وعلى أساس هذا التفسير، يوجد ثلاثةُ عناصرَ أساسيةٍ ومهمةٍ في عملية التفسير، هي: العنصر الأول: أن يكون المفسر بمثابة من يسعى وراء فهم الأثر؛ العنصر الثاني: القوالب والعلامات ذات المعنى والتي يستخدمها المفسر للوصول إلى الفهم؛ العنصر الثالث: الذهنية التي يجب أن تُفهَم، والتي هي كامنة وراء القوالب ذات المعنى. فإدراك

(209)

ذهنية الفرد الآخر وفهمها يتحقق من خلال تفسير هذه الذهنية والنفسية بواسطة هذه القوالب.

ولا يُراد من الفهم إدراكُ المعنى الظاهري للكلمات والجمل المستعملة في الأثر؛ بل المراد أن القارئ أو السامع، أثناء مواجهة الكلام الشفهي أو المكتوب، يكون شريكاً في ذهنية المتكلم أو الكاتب، ويساهم في الفكرة التي تدور في خلدهما. وبعبارةٍ أخرى: فهم الأثر -كما ذكر شلايرماخر- عبارةٌ عن نوعٍ من إعادة الإنتاج والتوليد. ومن خلال الالتفات إلى المسافة الموجودة بين المفسر وبين الأثر، يتضح أن التفسير أمرٌ لازمٌ لأجل إدراك العالم الذهني لصاحب الأثر. ويسعى المفسر من خلال التفسير أن يرفع موانع الوصول إلى العالم الذهني لصاحب الاثر، وأن يعبر القوالب ذات المعنى لأجل الوصول إلى المعنى الكامن وراءها.

ويرى بِتي أن التفسير العيني للآثار والقوالب ذات المعنى، تابعٌ للقوالب التفسيرية المتنوعة؛ لأن كلًّا من هذه التفاسير المتنوعة يُظهِر شكلاً مختلفاً من إدراك الأثر. ويُعَدّ اختلاف ماهية هذه القوالب سببًا لتنوع التفاسير. وقد سمّى بِتّي هذه الطريقة من التفسير باللحظات الأربع أو باللحظة النظرية[1]:

ألف) اللحظة الفقه لغوية[2]: وهذه اللحظة مرتبطةٌ بالسعي العام المرتبط بدوره بالرموز والعلامات الثابتة كالنصوص. ويهدف فقه اللغة لإدراك المقصود الواقعي لصاحب الأثر، ويسعى لبيان كيف

(210)

كان هذا المعنى في الواقع. ويريد هذا القسم من التفسير إدراك أمرين: الأول: المعنى العام والتركيب اللغوي الذي استُخدِم في ذلك القالب. وهذا الأمر يُبحَث في مجال القواعد. والثاني: الكشف عن المعنى الذي يريده المؤلف. وهذا ما يستلزم التركيز على الجهة النفسية؛

ب) اللحظة النقدية[1]: وتُستخدَم عندما يكون التفسير وملاحظة الأسئلة يسعيان خلف الأثر؛ مثل الموارد التي يحصل فيها تعارضٌ بين مضامين النص، أو عندما يُستفاد من القضايا غير المنطقية في النص؛

ج) اللحظة النفسية[2]: وتكون فعّالةً عندما يكون المفسر في صدد وضع نفسه مكان المؤلف، ويريد إعادة توليد ذهنية المؤلف وإعادة إنتاجها؛

د) اللحظة التقنية - المورفولوجية[3]: ويسعى هذا البُعد من الفهم نحو إدراك الظواهر الاجتماعية وتفسيرها، ولا يسعى وراء الآثار المكتوبة أو الشفهية. ويكون المفسر فيه بصدد الكشف عن القواعد الحاكمة على الظواهر الاجتماعية[4].

1. قواعد التفسير الأربع:

يرى بِتي أن عملية التفسير الهرمنيوطيقية تستلزم المرور بمسير

(211)

تحقق الأثر؛ لكن بحيث يكون هذا المسير عكسَ مسير إيجاد الأثر، وبعبارةٍ أخرى: إعادة تشكيل الأثر. فأثناء إيجاد الأثر، تكون ذهنية صاحب الأثر ومقاصده هي النقطة الأولى التي تبدأ منها عملية الإيجاد. أما في عملية التفسير الهرمنيوطيقية، يكون الوصول إلى ذهنية المؤلف ومقاصده هي النقطة النهائية.

والمشكلة الأساس في مسير إعادة إيجاد الأثر هو أنه يجب أن تؤمِّن عملية التفسير أمرين يبدوان بحسب الظاهر متقابلين وغير منسجمين: فمن جهةٍ، نتوقّع من التفسير أن يكون عينيّاً؛ ومن جهةٍ أخرى، سوف تتشكل إعادة الإيجاد في ذهن المفسر، وستكون قابلياته الذهنية دخيلةً في عملية الإعادة هذه. وعلى هذا الأساس، سوف نواجه تعارضاً في الظاهر بين الاتجاه الذهني والاتجاه العيني.

يرى بِتي أن هذا التقابل الظاهري يشكّل بداية النظرية التفسيرية العامة؛ لأن العمل الهرمنيوطيقي ليس إلا ديالكتيكاً بين المفسِّر (subject) والموضوع (object). ويمهّد هذا الديالكتيك لمنهجٍ يضمن صحة النتائج التفسيرية. هذا المنهج في التفسير يكون ناتجاً عن القوانين التي سمّاها بِتّي بالقوانين الهرمنيوطيقية. ويعتقد بِتي بوجود أربعة قوانين هرمنيوطيقية: قانونين مرتبطين بالموضوع (object)، وقانونين مرتبطين بالمفسر (subject).

القانون الأول هو أصل استقلال الأثر:

يجب تفسير الأثر بحسب ارتباطه بالذهنية التي تبلور فيها.

(212)

وموضوع التفسير هو الكشف عن ذهنية صاحب الأثر. وبناء عليه، لا يحق للمفسر أن يلحظ معنى الأثر بشكل مستقل عن المؤلف.

ويمكن أن يُسمّى هذا القانون بأصل الاستقلال[1] الهرمنيوطيقي، أو قانون بقاء المعايير الهرمنيوطيقية. والمراد من «الاستقلال الهرمنيوطيقي» هو أنه يجب أن نفهم موضوع التفسير أو القوالب ذات المعنى بنحوٍ مستقلٍّ عن الذهنية الخارجية ومن خلال ملاحظة منطق تكوّنها والعلاقات الداخلية في ما يبينها ونتائجها.

القانون الثاني هو أصل التمامية[2] أو قانون انسجام المعنى[3]:

ومفاد هذا القانون هو التأكيد على الارتباط القائم بين الجزء والكل، ولزوم الالتفات إلى الدور والتأثير المتقابل بين الكل والجزء في عملية التفسير. ويرى بِتي أن العلاقة بين الكل والجزء غيرُ منحصرةٍ بـ «اللفظ والجملة» أو بـ «الجملة والنص». وبالتالي، يكون ثمة ترابطٌ واتصالٌ بين النص -الذي هو جزءٌ- وبين الكل -الذي يشكل أرضية المعنى أو سياق المعنى[4]-؛ فيمكن حينئذ فهم النص بشكلٍ كاملٍ من خلال الرجوع إلى موقعه في السياق الواسع للمعنى. فعلى سبيل المثال، حياة الفرد كلها عبارةٌ عن كلٍّ، يكون كل عملٍ صادرٍ من الفرد -ككتابة الكتب وإلقاء الشعر وخلق الآثار الفنية- جزءاً منها.

(213)

القانون الثالث هو قانون فعلية الفهم:

والمراد منه أن المفسر مجبورٌ على أن يعيد في ذهنية العملية الذهنية لإيجاد الأثر. فيجب عليه الاشتغال بإعادة توليد ذهن الفرد الآخر، وأن يترجم في ذهنه ونفسيته ذهنيةَ موجِد الأثر. ويميل بِتي إلى تسمية هذا القانون بـ «قانون فعلية الفهم[1]»؛ لأن هذا القانون يؤكد على دخالة فعلية العالم الذهني للمفسر في عملية الفهم.

القانون الرابع هو تناسب المعنى في الفهم:

سمّى بِتي هذا القانون بـ «تناسب المعنى في الفهم» أو بـ «قانون المطابقة الهرمنيوطيقية للمعنى[2]» أو بـ «صناعة الانسجام[3]». وعلى ضوء هذا القانون، يجب على المفسر أن يجعل فعلية ذهنه في أقصى حالات الانسجام والتناسب مع ما يفهمه من الموضوع. ولهذا القانون الرابع جهةٌ عمليةٌ لأقسام التفسير؛ إلا أن بِتي لم يبيّن لنا معياراً لمقارنة هذا الانسجام وتأييد انطباقه[4].

2. نظرة بِتّي النقدية للهيرمنيوطيقا الفلسفية:

لا يُنكر بِتي كون المفسر فعّالاً في عملية التفسير. ولا يعقتد بأن الفهم هو عمليةٌ ميكانيكيةٌ وبأن وظيفة المفسر هو مجرد الانفعال مقابل الأثر؛ بل يذهب إلى أن الفهم عبارةٌ عن إعادة إيجاد ذهنية المؤلف، ويكون المفسر عنصراً فعّالاً في تحقق الفهم. ومع ذلك، فقد

(214)

أبدى حساسيةً عاليةً تجاه استعمال لفظ «القبليات» لأجل بيان وظيفة المفسر؛ لأنها مبهمةٌ وسيفٌ ذو حدين. فهي توهم بأن عملية التفسير تجعل على عاتق المفسر وظيفة تأييد القبليات والفروض المسبقة وتقويتها. والحال، أن مراد بِتي هو أن ذهنية المفسر وخبرته واطلاعه على الموضوع، يمهِّد الأرضية للوصول إلى فهم عيني وعميق للأثر.

لا يعتقد بِتي أن تأكيدَ بولتمان على المواجهة الوجودية بين المفسر وبين التاريخ والظواهر التاريخية، توجيهٌ مقبولٌ لنفي العينية. فالمشاركة المسؤولة من المفسر في التاريخ، واتصاله به، ووجوده في وضعٍ تاريخيٍّ خاصٍّ، كل ذلك لا يمكن أن يمنع من الفهم العيني للحادثة التاريخية أو للنص. وفي مقام توضيح هذه المسألة، فكّك بِتي بين «المعنى اللفظي» و «المعنى الضمني»[1].

ففي كلُّ أمرٍ تاريخيٍّ، يوجد سؤالان يمكن طرحهما: 1. ما معنى هذا الأثر؟ 2. ماذا يؤثر معنى هذه الظاهرة في العصر الحاضر وفي سائر العصور؟ والجواب عن السؤال الأول هو الفهم العيني للظاهرة التاريخية؛ أي إدراك معنى الأثر بغضّ النظر عن تأثيراته ونتائجه البَعدية، وهذا أمر مقدورٌ بالكامل. فالموقعية التاريخية للمفسر ومواجهته الوجودية المسؤولة مع التاريخ، لا تترك أثرا على محتوى هذا الفهم. والأمر المتغيّر والمرتبط بموقعية المفسر التاريخية هو الجواب عن السؤال الثاني. ويجب  ألّا نخلط بين هذين السؤالين عندما نتحدث عن الفهم العيني للأثر التاريخي.

(215)

ومن أهم اعتراضات بِتي على غادامير، أنه أدخل جهة التطبيق والاستعمال في عملية التفسير. نعم، بِتي لا يُنكر ضرورة الالتفات إلى التطبيق والاستفادة من تجارب الماضين وإبداعاتهم ونقلها إلى الزمن الحاضر. فهذه الإبداعات والعالم الذهني للمؤلفين، يمكن أن تكون أدواتٍ فعّالةً للإجابة عن تساؤلات المفسر وحل مشكلاته. وفي مقام الاعتراض، أكّد بِتي على أربع مسائل:

باللحاظ المنطقي، يتأخر التطبيق والاستعمال عن فهم الأثر والظاهرة التاريخية؛

إدخال جهة التطبيق في عملية الفهم، يؤدي إلى تغيير الهدف الأساس للمفسر ورسالته الأصلية؛ لأنه في هذه الحالة، لا يمكن للآخر أن يفهم أن الفهم عبارةٌ عن إعادة الإيجاد والإنتاج. ويؤكّد هذا التشديد أرضيةَ تدخُّل العنصر الذاتي (subjective)، ويجرّ التفسير نحو التفسير بالرأي وبما يرغبه المفسر؛

يرى غادامير أن الجهة التطبيقية هي جزءٌ لا ينفك عن أيِّ فهمٍ وأيِّ تجربةٍ هرمنيوطيقيةٍ؛ والحال أن للتطبيق مجالاً في بعض الموارد فقط؛

حتى في الموارد التي يكون للتطبيق فيها مجالٌ، يجب التفكيك بين نوعين من المفسرين. فعلى سبيل المثال، ثمة فرقٌ شاسعٌ بين القانوني وبين المؤرخ.

ولما لم يلتفت غادامير إلى هذه المسائل الأربع، صرّح بعدم خلوِّ أيِّ عملية تفسيرٍ من الجهة التطبيقية. ويرى بِتي أن كتاب الحقيقة والمنهج لغادامير، مليءٌ بالإبهامات والمغالطات المفهومية. فهو

(216)

يعتقد أن غادامير قد غفل عن البُعد المنهجي لعملية الفهم، وأنكر القواعد الحاكمة على عملية التفسير. ويذهب بِتي إلى وجود ارتباطٍ بين السؤال المعرفي وبين هدف التفسير، وأنه يجب على المفسر أن يقوم بذلك[1].

إريك دونالد هِرش:

إريك هِرش، عالمٌ أمريكيٌّ، وُلد سنة 1928م، وكان من المدافعين الشرسين عن الاتجاه العيني (أي العينية) في تفسير النصوص. وقد أكّد على إمكان بيان فهمٍ عينيٍّ للنص، ولزوم الوصول إلى الفهم المعتبر، ووجود معايير تميّز بين التفسير المعتبَر واللا معتبَر. وهذا ما جعله يقع مقابل النسبية والشكاكية في التفسير. وقد دافع عن التعيّن المعنائي للنص، وتحدّث عن لزوم الالتفات إلى قصد المؤلف، وإمكان البحث عن اعتبار التفسير. وهذا ما جعله أيضا في موضع الناقد للاتجاهات السائدة في القرن العشرين في مجال الهيرمينوطيقا والنقد الأدبي. وكان له أثران مهمان في مجال الهيرمينوطيقا؛ أشهرهما وأهمهما هو كتاب الاعتبار في التفسير[2] الذي طُبع سنة 1967م. ويشهد ريتشارد بالمر أنه أول كتاب انكليزي ثقيل المضامين في مجال الهيرمينوطيقا العامة[3]. كما رأى ك. م. نيوتين أن هذا الكتاب هو أول كتابٍ أمريكيٍّ مهم في مجال النقد بحيث حدّد لنا الهيرمينوطيقا[4].

(217)

وبشكلٍ عامٍّ، تُقيَّم هيرمنيوطيقا هِرش بكونها أقرب إلى  الهيرمينوطيقا الرومانسية؛ وإن كانت لمساتها الخاصة ومسائلها البديعة كثيرةً. وقد اعترف هرش بقبوله للفكر الأصلي لفيلهلم دلتاي في مجال الفهم، وأنه يريد التأسيس الاستدلالي لهيرمنيوطيقا دلتاي من خلال الاستعانة بنظرية المعرفة عند إدموند هوسرل[1] واللغة عن سوسير[2]و[3]. وقد صبّ هرش تفكيره على الفهم والتفسير فقط، بخلاف دلتاي الذي كان يفكر بكل العلوم الإنسانية. وقُرْب هرش من الهيرمينوطيقا الرومانسية في الاتجاه العيني، لا يعني تبعيته في كل المباحث لشلايرماخر[4] ودلتاي. ويرى هرش نفسه مَديناً في تفكيره الهرمنيوطيقي إلى مجموعة من الشخصيات العلمية التي أشار إليها في مقدمة كتابه الاعتبار في التفسير، ومنهم: فرديناند سوسير، فيلهلم دلتاي، شلايرماخر، هوسرل، كارل بوبر[5]، جون مينارد كينز[6]، و هانس رايشنباخ[7]و[8].

ولهرش رأيٌ خاصٌّ في تعريف المعنى اللفظي[9] وكيفية دخالته في قصد المؤلف في مجال تعيّن معنى النص. ويختلف هذا الرأي عمّا ذهبت إليه الهيرمينوطيقا الرومانسية. وقد طرح أبحاثاً جديدةً

(218)

وظريفةً في مجال هيرمنيوطيقا النص، أهمها: المعنى اللفظي وتعيّنه، تمايز المعنى اللفظي عن الاتجاه النفسي والعملية الذهنية النفسية للمؤلف، تمايز المعنى اللفظي عن «المعنى الضمني» أو «المعنى بالنسبة إلى»[1]، التفكيك بين فهم النص وبين تفسيره ونقده ومحاكمته، تحليل اعتبار التفسير بحسب أقوى الاحتمالات، قبول التفسير المعتبر للتأييد بالشواهد، ثبات المعنى اللفظي وعدم قابليته للتغير، قبول التفسير للتغير، نقد معنى النص ومحاكمته. وقد حظي قصد المؤلف بدورٍ مهمٍّ في نظرية هرش الهرمنيوطيقية؛ لأنه قال بوجود ارتباطٍ بين قصد المؤلف وبين معنى النص وثباته وتعيّنه وإمكان الوصول إلى تفسيرٍ عينيٍّ. ويعتقد هرش أن المعنى اللفظي ليس حاصلاً من الألفاظ؛ بل هو مرتبطٌ بمعرفة المؤلف وقصده. فليس للألفاظ أيٍّ معنًى، إلا أن شخصاً قد قصد منها شيئاً محدداً أو فهم منها شيئاً خاصّاً[2].

يرى هرش وجود ارتباطٍ بين المعنى اللفظي وبين معرفة المؤلف وقصده، ويعتقد أن المعنى اللفظي أمرٌ ثابتٌ وغيرُ قابلٍ للتغير لأن المؤلف قد قصد منه شيئاً محدداً. نعم، لو قلنا بأن المعنى اللفظي مرتبطٌ بمعرفة المفسر بدلاً من ارتباطه بمعرفة المؤلف وقصده، لكان من الطبيعي القول بتغيّره. ومن خلال فهمه للمعنى اللفظي، يكون هرش قد مهّد الأرضية لتقوية إمكان التفسير العيني؛ لأن التفسير المعتبر والعيني للنص ليس إلا إدراك معناه اللفظي، أي المعنى المرتبط بقصد المؤلف ومعرفته؛ وهو أمرٌ ثابتٌ ومحددٌ. وبين أنصار

(219)

المذهب الواقعي وأتباع التفسير العيني للنص والمعتقدين بإمكان تمييز التفسير المعتبر عن غير المعتبر، لم نجد شخصاً بقوة هرش ودقته قد دافع عن هذا الفكر[1].

ويرى هرش أن الهيرمينوطيقا الخاصة به مندرجةٌ تحت نظرية الهيرمينوطيقا العامة. ولم يساهم في الهيرمينوطيقا العامة من جهة تصديه لبيان منهجٍ عامٍّ للفهم المطلق للنصوص؛ لأنه يعتقد بأنه لا يمكننا اعتماداً على المنهج والقواعد العامة أن نصل إلى معنى النص وقصد المؤلف منه. يذهب هرش إلى أن الفهم للوهلة الأولى يكون من سنخ الحدس، بحيث إما يكون صائباً أو خاطئاً. ولسنا نحتاج في الحدس إلى «المنهج». فالنشاط المنهجي في عملية التفسير، يظهر عندما نبدأ بمرحلة نقد الحدس وتقييمه. وقد صرّح بعدم وجود مكانٍ للمنهج العام في عملية فهم النص. والاعتقاد بإمكان الاعتماد على مجموعةٍ من القواعد لبيان منهجٍ تفسيريٍّ معتمَدٍ، لا يعدو كونه سراباً محضاً[2].

ومن وجهة نظره، لا يمكننا الغفلة عن الدور المصيري للتفسير المعتبر في ما يرتبط بكل الاستنتاجات المستقبلية في التأملات البشرية؛ لأن كل التأملات البشرية منصبةٌ على فهم النصوص. والهدف النظري لفرع علمي أو إنساني هو الوصول إلى الحقيقة؛ والهدف العملي هو موافقة الحقيقة التي يمكن الوصول إليها. لذا، يكون الهدف العملي لأيِّ نظامٍ أصيلٍ، هو الإجماع والتوافق العام على نتيجةٍ تكون الأكثر احتمالاً من سائر النتائج. وهذا التوافق العام

(220)

هو بالدقة نفس هدف التفسير المعتبر. ويجب ألّا يُغفل عن التفسير المعتبَر فقط بسبب إبهام الموضوع الأساسي في التفسير أو بسبب عدم قطعية نتاجه؛ إذ ليست القطعية عينَ الاعتبار؛ كما أن معرفة الإبهام لا تعني بالضرورة المعرفة المبهمة[1].

مضافاً إلى ذلك، يشتمل السعي للوصول إلى نظريةٍ تفسيريةٍ ما وانتصار أتباعها بواسطة ملاحظة اعتبارها وصحتها[2]، على سعي ضمنيٍّ لإبعاد القارئ عن النظريات الأخرى التي يجب حذفها أو تعديلها[3]. لذا، يرى هرش أن هدف التفسير بمثابة جهازٍ يراكم احتمالات صحة الحدس التفسيري[4]. وفي الواقع، تبيِّن هيرمنيوطيقا هِرش مباني الهيرمينوطيقا العينية وعناصرها وميزان اعتبار التفاسير. وسوف نشير في ما يلي إلى أهم العناصر الهرمنيوطيقية عند هرش.

العناصر الهرمنيوطيقية عند هرش:

التأكيد على دور المؤلف في الأثر:

يرى هِرش أنه حصلت في العقود الأخيرة حملاتٌ وتهديداتٌ واسعةٌ على المعتقدات التي تعدّ معنى النص معنىً للمؤلف، وأنه يجب على مؤرخي الثقافة أن يبيّنوها ويحللوها. ويعقتد هرش أن أهم هذه الحملات والهجومات هي الحملة المرتبطة بالأدبيات

(221)

المتقدمة؛ لأنها من خلال بعض المسائل الأدبية -كالتي تعتبر أفضل شعرٍ هو ما يكون غيرَ شخصيٍّ وعينيّاً ومختاراً والذي ينقطع بعد موت المؤلف ويستقل عنه- تهيِّئ الأرضية لأن يكون المعنى النصي[1] مستقلاً عن رقابة المؤلف وسيطرته[2].

ويذهب هرش إلى أن كل مؤلِّفٍ يحمل معنًى بمقدار حجية نصه. فحذف المؤلف الأصلي كمعيِّنٍ للمعنى، عبارةٌ عن إنكار المعيار الذي يمنح للتفسير الاعتبارَ. إن لم يكن معنى النص هو المعنى نفسه الذي يريده المؤلف، فإنه لا يمكن الحصول على تفسير مطابق للمعنى؛ لأن النص ليس بإمكانه أن يحدّد أيَّ معنًى. وعلى هذا الأساس، لو أراد منظِّرٌ ما أن يُثبت فكرةً مطلوبةً ومعتبَرةً، فإنه لا بد له من لحاظ مؤلفها أيضاً[3].

التمايز بين «المعنى اللفظي» و «المعنى الضمني»:

لا بد من التفكيك بين نوعين من المعاني: فـ «المعنى اللفظي» الذي يُعبَّر عنه في بعض الأحيان بـ «المعنى»، مغايرٌ لما يُعبَّر عنه بـ «المعنى الضمني»[4]. ويُعرَّف المعنى أو المعنى اللفظي من خلال الالتفات إلى معرفة وقصد المؤلف. ولفظ   significance

(222)

له تعريفٌ مُحدَّدٌ أيضاً؛ وإن لم يكن له لفظٌ معادلٌ له في اللغة الفارسية. ولعل أفضل تعبير عنه كامنٌ في لفظ «المعنى الضمني»؛ لأنه في كل استعمالات هذا اللفظ، يوجد ارتباطٌ بين معنى النص والسياق[1] الخارج عن النص. ولا بد في شرح هذا اللفظ من القول: بأن مصطلح «المعنى» يدل على كل «المعنى اللفظي» للنص؛ لكنّ مصطلح «المعنى الضمني» يشير إلى معنى النص في مجالٍ واسعٍ، مثل: ذهنٌ آخرُ، وعصرٌ آخرُ، وموضوعٌ أوسعُ، ونظامُ قيَمٍ آخرُ. وبعبارةٍ أخرى: «المعنى الضمني» هو معنى النص بالقياس إلى بعض المجالات، بل إلى أيِّ مجالٍ يكون وراء النص نفسه[2]. وعندما نلاحظ المعنى اللفظي للنص بالنسبة إلى ظروفٍ وشروطٍ أخرى، يمكننا الحصول على المعنى الضمني من خلال اكتشاف هذه النسبة بين المعنى اللفظي وهذه الشروط.

سنخ المعنى:

من العناصر المهمة أيضاً في هيرمنيوطيقا هرش هو الالتفات إلى مفهوم السنخ. يعتقد هرش بضرورة الالتفات إلى مفهوم السنخ عند اكتشاف معنى المؤلف؛ لأن سنخ المعنى جسرٌ بين المصاديق؛ وهو الجسر الوحيد الذي يستطيع أن يحدد المعنى المراد في الأثر من بين المعاني الأخرى العامة. فقد يكون لكل معنًى وجوهٌ

(223)

منحصرةٌ بفردٍ، لكن لا بد من تعلقها بسنخٍ قابلٍ للمعرفة حتى يمكن نقلها للآخرين[1]. وبعبارةٍ أخرى: ما يمكّننا من نسبة المعنى الواحد إلى مصاديقَ متعددةٍ هو تعلق كلِّ لفظٍ -أو عبارةٍ لها معنًى واحدٌ- بسنخٍ واحدٍ شاملٍ لمصاديقَ متعددةٍ. وهدف التفسير هو تطبيق سنخ المعنى على مصاديقه الحقيقية في مختلف الاستعمالات. وعلى هذا الأساس، من خلال الالتفات إلى قابلية اشتراك المعنى، فإنه يمكن للأشخاص أن يدركوا هذا المعنى في ظروفٍ مختلفةٍ ومصاديقَ متعددةٍ.

وجزئيات المعنى التي يفهمها مفسِّرٌ ما، تتشكل من خلال المعنى الذي يتوقّعه. وهذه التوقعات، تحصل من خلال فهم المفسر لسنخ المعنى المبيَّن. فمن خلال هذه التوقعات، يستطيع المفسر أن يوجد معاني الألفاظ التي جرّبها وقتاً طويلاً[2]. نعم، يأتي هنا بحث الاستلزام وأن لكلِّ سنخٍ من المعنى حقيقةً ذاتَ لوازمَ خاصةٍ موجودة ضمن هذا السنخ وفي بطنه. والتعيين الصحيح من هذه الاستلزامات، هو عنصرٌ حاسمٌ في وظيفة تمييز التفسير المعتبر عن غير المعتبر. وفي أغلب الموارد، تتركز اختلافات المفسرين على جزئيات هذه اللوازم -أو الاستلزامات-؛ لأن الأجزاء والكل يشتركان في تحديد المعنى. والسؤال الأساس هو: هل هذا المعنى مستلزَم

(224)

أم لا؟ فاستلزامات إظهارٍ ما، تُحدَّد من خلال سنخ معناها الذاتي[1]. لذا، لأجل الوصول إلى المعنى الصحيح للأثر في ساحاتٍ متعددةٍ، لا بد من الالتفات إلى كون استلزام هذه المعاني أمراً منطقيّاً.

تفكيك أقسام التعامل مع النص:

لا بُدَّ من التمييز بين أقسام التعامل مع النص، لأن الخلط بينها يؤدي إلى الكثير من الاشتباهات والمغالطات؛ لأن هدف كلّ قسم ووظيفته غيرُ هدف الآخر ووظيفته. فلا بد من التفكيك بين الأقسام الأربعة للتعامل مع النص التي نسميها بـ: الفهم، والتفسير، والمحاكمة[2] أو النقد. ولا يعني التفكيكُ بينها، عدمَ تأثير إحداهما على الأخرى. وقد غفلت الكثير من المذاهب الهرمنيوطيقية الحديثة عن هذه الوظائف، فصارت تقيّم أيَّ مواجهةٍ مع النص ضمن إطار فهم النص أو تفسيره. لذا، وقعت في الكثير من الأخطاء والمغالطات. فعلى سبيل المثال، أشار هرش إلى غادامير الذي جعل الفهم والتفسير والتطبيق[3] أجزاءً لعملية فهم النص.

ويُعدّ التفكيكُ بين أقسام التعامل الأربعة هذه وتعدادُ لوازم كلٍّ منها ووظائفه، عملاً جديداً إبداعيّاً؛ وإن كان بعض الأشخاص السابقين على هرش قد فككوا بين بعضها. فعلى سبيل المثال، ميّز

(225)

إرنستي[1] بين فن «الفهم» وفن «التبيين»، وحذّر من الخلط بينهما تحت عنوانٍ واحدٍ وهو «التفسير». ففهم الأثر مقدَّمٌ على تبيينه وتفسيره للآخرين. فعلى الرغم من أن المفسرَيْن مثلاً، وصلا إلى فهمٍ مشتركٍ للنص، إلا أنهما اختارا منهجَيْن مختلفَيْن[2] لأجل نقل المعنى وتبيينه للآخرين[3].

والفهم هو صناعة «المعنى اللفظي» للنص. ولا يوجد ارتباطٌ بين فهم النص وبين «المعنى الضمني». وبالتالي، ليس «التفسير»[4] إلا «تبيين»[5] المعنى اللفظي. لذا، يوجد ارتباطٌ بين «التفسير» وبين «المعنى الضمني»، مضافاً إلى ارتباطه بـ «المعنى»[6].

ويُعدّ فهم النص عملاً مختلفاً عن التفسير[7]؛ وهما بدورهما مختلفان عن النقد. ودائما ما يحصل نقد النص ومحاكمته بعد الفراغ عن إدراك «المعنى اللفظي». ويُقيَّم في المحاكمة، الارتباطُ

(226)

بين معنى النص مع معاير التقييم أو مع أيِّ شيءٍ خارج النص. فالتعامل مع النص الذي يكون من قبيل النقد والمحاكمة، هو تعاملٌ مرتبطٌ بـ «المعنى الضمني» لا بـ «المعنى اللفظي»؛ لأنه ليس محتوى النقد والمحاكمة هو بيان المعنى اللفظي؛ بل بيان نسبته مع معيارٍ خارجٍ عن النص؛ أي ما عبّرنا عنه بـ «المعنى الضمني». وقد يختلط الفهم بالنقد والمحاكمة في بعض الموارد، فيشرع القارئ بمحاكمة المؤلف إلى جانب إدراك مراده، كما يقوم المفسر بعملية النقد والمقارنة أثناء تبيين معنى النص. وهذا الخلط بين الأقسام المختلفة للتعامل مع النص، لا يمنع من تفكيك هذه الأقسام عن بعضها البعض. ما يُقال في ما يرتبط بالنص، يجب أن يُفكَّك بشكلٍ صحيحٍ، حتى تُعلم المسألة المرتبطة بفهم النص من المرتطبة بالتفسير أو بالمحاكمة والنقد. وتساهم الغفلة عن هذا التفكيك في ترويج النظريات الشكاكة والنسبية المرتبطة بفهم النص؛ كما يؤثر الالتفات إلى هذا التمايز إلى التقليل والحدّ من الاتجاه الشكي.

وما لا يرتبط بالمعنى اللفظي، ويرتبط بـ significance، يقع خارج نطاق الهيرمينوطيقا. فعلى سبيل المثال، يجب أن يكون النقد والمحاكمة مختصَّيْن بمجال النقد الأدبي. وفي الواقع، يُعدّ التفكيك بين «المعنى» و «المعنى الضمني» من جهةٍ، وبين أقسام التعامل مع النص من جهةٍ أخرى، ممهِّداً لتحديد مجال الهيرمينوطيقا[1].

(227)
(228)

 

 

 

 

 

 

الفصل الحادي عشر

مباني الهيرمينوطيقا في الفكر الإسلامي

 

(229)

مباني الهيرمينوطيقا في الفكر الإسلامي (1)

حاولنا في الدروس السابقة أن نبيّن ونناقش مباحث الهيرمينوطيقا وسيرها التاريخي في الغرب. وعلى هذا الأساس، بيّنا المباحث المفهومية ولمحةً تاريخيةً عن تحولات هذا العلم، ووضحنا الهيرمينوطيقا الكلاسيكية والرومانسية، ثم ذكرنا أنه حدثت ردات فعلٍ تجاه الهيرمينوطيقا الفلسفية، وقلنا بأن بعض الإسلاميين المدّعين للتنوير قد تأثروا بها، وقد ذكرنا ملاحظاتنا ومناقشاتنا على ذلك. وفي أواخر الدروس، تحدثنا عن الهيرمينوطيقا العينية كاتجاهٍ مخالفٍ للهيرمنيوطيقا الفلسفية لهايدغر وغادامير. لكننا لم نشر إلى الآن إلى موقعية علم الهيرمينوطيقا في الفكر الإسلامي. فهل يوجد أصلاً في الفكر الإسلامي علمٌ باسم الهيرمينوطيقا؟ وفي مقام الجواب، لا بد من القول بأن «الهيرمينوطيقا» عنوانُ غربيٌّ، ونشأ في أحضان الأدبيات والبيئة الغربية. لذا، لا يمكننا الحديث عن «هيرمنيوطيقا إسلامية»؛ لكن اختصاص هذا المفهوم بالأدبيات الغربية لا يعني عدم وجود أبحاثٍ هرمنيوطيقيةٍ في كتابات العلماء المسلمين وآثارهم. ومن خلال التحقيق في آثار العلماء المسلمين واتجاهاتهم، نجد أن الحكماء والمتكلمين والمفسرين والأصوليين قد اهتموا ببيان أصول الفهم والتفسير لأجل تنظيم مباحثهم المعرفية والكلامية والتفسيرية. ولا يفوتنا الاعتراف بأنه لم يُدوَّن إلى الآن نظامٌ جامعٌ لكل الأبحاث الهرمنيوطيقية في الفكر الإسلامي. ومع

(230)

ذلك، فقد سعينا لمراجعة كتابات المفكرين والمحققين المسلمين، وبيّنّا مباحثهم باختصارٍ في هذه الدروس الأربعة الأخيرة. فعرضنا في الدرس الحادي عشر والثاني عشر أهم المباني العامة للفهم والتفسير في الفكر الإسلامي، ثم بحثنا في الدرس الثالث عشر والرابع عشر عن أهم أصول الفهم والتفسير من وجهة نظر العلماء المسلمين.

مِلاك الفهم[1] اليقيني في نظرية المعرفة الإسلامية:

مسألة المعرفة اليقينية وإمكان تحققها، لا سيما عند تشكّل مدارس الشك والنسبية وتوسّعها في الفكر الغربي، كانت دائماً من الهواجس الأساسية عند الفلاسفة المسلمين. فبعد أن برزت هذه المدارس، سعى فلاسفة الإسلام بشكل معرفيٍّ جدِّيٍّ للرد على الشك والنسبية. ولم يكن الباحثون المسلمون في نظرية المعرفة بصدد إثبات يقينية كل معارفهم، بل كانوا يثبتون إمكان حصول المعرفة اليقينية على نحو الموجبة الجزئية، وهذا كان الهاجس الأكبر عندهم. لذا، بيّنوا نظاماً معرفيّاً متماسكاً ومنسجماً لأجل تحديد مِلاكاتٍ تؤدي إلى الاطمئنان بتشخيص المعارف اليقينية. وبينما ذهب الهرمنيوطيقيون الفلسفيون في أنطولوجية الفهم إلى إنكار وجود أيِّ معرفةٍ خالصةٍ ومطلقةٍ، كانت أقل ثمرة من النظام المعرفي للمسلمين هي بطلان نظرية  «نفي المعرفة المطلقة والخالصة». وسوف

(231)

نبيّن في ما يلي -باختصارٍ- كيف تحدث المعرفيّون المسلمون عن إثبات «إمكان تحقق المعرفة اليقينية».

وعلى أساس نظرية المعرفة الإسلامية، تنقسم المعرفة بنحوٍ كلِّيٍّ وعامٍّ إلى قسمين. القسم الأول: يشمل المعارف الحضورية؛ حيث يتعلق العلم بالمعلوم بلا أيِّ واسطة، فيحضر الوجود الواقعي والعيني للمعلوم عندى العالم (أي الشخص المدرِك). ولا يوجد في هذا القسم من المعرفة أيِّ واسطةٍ بين العالم والمعلوم؛ بل يجد العالِمُ المعلومَ بنحوٍ حضوريٍّ. والقسم الثاني: يشمل المعارف الحصولية؛ حيث يحصل المعلول للعالِم من خلال وسائط (أي من خلال المفاهيم أو الصور الذهنية). وفي هذا القسم من المعارف، يوجد واسطةٌ بين العالِم والمعلوم، فلا ينكشف الوجود العيني للمعلوم بشكلٍ مباشرٍ للعالِم. ولا يخفى أن تقسيم المعرفة إلى حضورية وحصولية هو تقسيمٌ بالحصر العقلي؛ لأن العلاقة بين العالم والمعلوم لا تخرج عن حالتين: إما ألّا يكون ثمة واسطةٌ بينهما -وهذا هو العلم الحضوري-، أو يوجد واسطةٌ بينهما -وهذا هو العلم الحصولي-. ولا يمكننا فرض حالةٍ ثالثةٍ في البين. وفي ما يلي، سوف نبيّن القيمة المعرفية لكلٍّ من المعرفتين الحضورية والحصولية:

ألف) العلم الحضوري: لما كان لا يوجد أيّ واسطةٍ في العلم الحضوري بين العالم والمعلوم، استحال وجود الخطأ في هذا القسم من العلوم؛ لأن العالم في هذه العلوم يشاهد نفس الواقعية العينية للمعلوم. أصلاً، يمكن تصور الخطأ عندما يوجد بين الشخص المدرِك وبين الذات المدرَكة واسطةٌ، بحيث يكون

(232)

إدراك المعلوم من خلالها. فعند وجود الواسطة، نسأل: هل هذا المفهوم أو الصورة التي تقع واسطةً بين العالم والمعلوم والذي يتحمّل مسؤولية الإراءة، يُري ويكشف المدرَك بشكلٍ متطابقٍ كاملاً مع المدرَك أم لا؟ أما عند عدم وجود مثل هذه الواسطة بين العالم والمعلوم، فيحضر المعلوم بوجوده العيني لدى العالم، فإنه لا يمكن حصول خطأٍ في البين حتى نتحدث بعد ذلك عن مطابقة العلم مع المعلوم وعدم المطابقة. وبعبارةٍ أخرى: في هذه الحال، يكون العلم عينَ المعلوم، ووجود العلم مساوياً للتصديق بالمعلوم.

ويوجد مصاديقُ متعددةٌ للعلم الحضوري، منها:

1. علمنا بوجودنا؛ حيث لا يعلم الإنسان بوجوده عن طريق الحس أو التجربة ولا بواسطة مفاهيم ذهنية، بل يجد «الأنا» من خلال الشهود الباطني. وعندما نجد «وجود أنفسنا» بنحوٍ وجدانيٍّ وبلا أيِّ واسطةٍ، فإنه لا معنى عندئذ للسؤال عن إمكان الخطأ في هذا العلم. فالحديث عن إمكان الخطأ في العلم بوجودنا، ينبني على وجود حاكٍ عن وجودنا بإمكانه أن يُخطئ؛ والحال أنه في العلوم الحضورية -كما في علمي بوجودي-، لا يكون الحاكي مغايراً للمحكي؛

2. علمنا بحالات النفسية وإحساساتنا وعواطفنا، كعلمنا بالخوف والمحبة والشك والإرادة؛ حيث يُدرك الإنسان هذه الحقائق دون وساطة أيِّ مفاهيمَ ذهنيةٍ. فنحن نُدرِك إرادتنا دون توسط أيِّ مفاهيم ذهنية أو أمور حسية.

(233)

3. علمنا بقوانا الإدراكية، كعلم النفس بقوة التفكر والتخيل. والعلم بهذه القوى أيضاً هو علمٌ حضوريٌّ، حيث يحصل لدى الإنسان دون تدخل أيِّ صورةٍ ذهنيةٍ؛

4. علمنا بصورنا ومفاهيمنا الذهنية؛ فالمفاهيم الذهنية -سواءً الحاكية عن المحسوسات أو عن المعلوم الحصولي أو الحاكية عن المعلوم الحضوري- تكون حاضرةً لدى النفس بلا أيِّ واسطةٍ. ولا بد من الالتفات إلى أننا لا نريد من حضورية المفاهيم الذهنية خاصيةَ حكايتها عن الواقع الخارجي، بل مرادنا هو حضور نفس المفاهيم الذهنية لدى النفس؛ أعم من أن تكون حاكيةً عن الأمور الخارجية أو لم تتعلق بأيِّ متعلَّقٍ خارجيٍّ -مثل مفهوم «الإنسان ذو الرؤوس السبعة» الذي يوجده الذهن دون أن يكون له متعلَّقٌ في الخارج-.

ب) العلم الحصولي: يوجد في هذا القسم من العلوم واسطةٌ بين العالم والمعلوم، لذا يمكن تصور الخطأ؛ لأنه عندما يكون العلم غيرَ المعلوم، وتتوسط بينهما صورٌة ذهنيةٌ، فإنه من الممكن أن تكون الواسطة الموجودة مانعةً من أن يحصل العالم على المعلوم. ومن هنا، يشتمل على هذا النوع من المعارف على شأنية كونه حقيقةً (أي مطابقاً للواقع) وكونه خطأ (أي مخالفاً للواقع). وعلى هذا الأساس، نعرّف الحقيقة بأنها «الصورة العلمية المطابقة للواقع المحكي». وأغلب علومنا هي من هذا القبيل؛ لأن الكثير من العلوم تحصل عن طريق المفاهيم؛ كالعلم بالأشياء المادية، التي يعلم بها ذهن الإنسان عن طريق المفاهيم الذهنية. والعلم بالأمور الاستدلالية هو أيضا من هذا القبيل. والسؤال الأساس في العلوم الحصولية هو:

(234)

هل يوجد معيارٌ لتشخيص المعرفة الحقيقية من غير الحقيقية؟ هل يمكننا في هذه الطائفة من العلوم أن نصل إلى معرفةٍ يقينيةٍ؟ يرى الباحثون الإسلاميون في نظرية المعرفة أن العلوم الحصولية على قسمين: إما حاصلةٌ من البديهيات أو من النظريات. والبديهيات هي القضايا اليقينية والتي لا تحتاج إلى دليلٍ عليها (مثل بطلان اجتماع النقيضين)؛ والنظريات هي القضايا التي تحتاج إلى دليلٍ وبرهانٍ.

والمعارف النظرية اليقينية هي فقط التي يمكن إرجاعها عن طريق الاستدلال إلى البديهيات. فلو استطعنا أن نُرجع معرفةً نظريةً بنحوٍ منطقيٍّ إلى البديهيات، فإنه في هذه الحال تكون معرفةً يقينيةً. وهذا هو الشيء الذي يعبّر عنه العلماء المسلمون بـ «التأسيس»؛ بمعنى أن «المعارف الأساسية» تكون مبنًى ومستنداً لـ «المعارف غير الأساسية»؛ ومن خلال إرجاع المعارف النظرية إلى هذه «المعارف الأساسية»، يمكننا الكشف عن صدقها. على سبيل المثال، يُعدّ إثبات وجود الله من المعارف النظرية اليقينية؛ لأن الاستدلال على وجود الله ينبني على مقدماتٍ بديهيةٍ (مثل: حقيقة الوجود، أصل العلية، حاجة الموجودات الرابطة إلى موجودٍ مستقلٍّ)، فمن خلال ضمّ هذه المقدمات البديهية بعضها إلى بعض نحصل على استنتاجٍ يقينيٍّ.

يبقى الحديث عن سرّ صدق البديهيات. لِمَ كان البديهي بديهيّاً؟ لِمَ كانت البديهيات يقينيةً وتحكي عن محكيّها؟ أجاب الحكماء المسلمون عن ذلك بأن اعتبار البديهيات وصدقها هو في بداهتها؛ بمعنى أنه يكفي التصور الصحيح للموضوع والمحمول والنسبة في هذه القضايا حتى نضطر للتصديق بها. فلا يحتاج العقل

(235)

لإدراك اعتبار هذه المعارف إلا إلى تصور طرفَيْ الحكم (الموضوع والمحمول) والنسبة بينهما. وعلى هذا الأساس، يُقال أنّ البديهيات الأولية فاقدةٌ للحد الأوسط، والحديث عن الاستدلال يكون عندما يوجد علةٌ وحدٌّ أوسطُ. على سبيل المثال، في قضية «اجتماع النقيضين محال»، يكفي تصور مفهوم «اجتماع النقيضين» ومفهوم «المحال» والنسبة بينهما، حتى يحصل عندنا تصديق بـ «استحالة اجتماع النقيضين»[1].

ومن خلال الالتفات إلى هذا التحليل، تكون المعرفة اليقينية ممكنةً، ويمكننا الحديث عن معرفة خالصةٍ ومطلقةٍ، لأنه لا معنى لتغيّر الحقيقة اليقينية، كما لا معنى لأن تكون نسبيةً وتابعةً للظروف والشروط. وتجدر الإشارة إلى أن ملاك «المعرفة اليقينية» هو خصوصية المعرفة نفسها، لا حالات الفاعل المدرِك. وبناءً عليه، لا تكون قيمتها المعرفية تابعةً لحالات الفاعل المدرِك حتى تتغير بتغير ظروفه (توقعاته، تعلقاته، قبلياته، وما إلى ذلك). وسر عدم الخطأ في المعرفة الحضورية هو عدم وجود واسطةٍ بين العالم والمعلوم. فعدم وجود الواسطة هو الذي أدى إلى أن تكون هذه المعرفة يقينيةً، بغضّ النظر عن ظروف المُدرِك وخصائصه. على سبيل المثال، ليس «العلم بوجود النفس» مرتبطاً بالتعلقات القلبية المختلفة للمُدرِك، بل الإنسان يعلم بواقعيته الحضورية علماً يقينيّاً،

(236)

مهما كان اتجاه هذا الإنسان النظري أو العملي. هل يمكن القول بأن الإنسان المادي مثلاً، يجد مثل هذه المعرفة الحضورية، أما الإنسان غير المادي، فلا يجدها؟ وهكذا الأمر في البديهيات، فالكشف عن بداهتها مرتبطٌ فقط بالتصور الصحيح لأجزائها؛ مهما كانت ظروف المُدرِك. فليست «استحالة اجتماع النقيضين» مرتبطةً بظروف الإنسان حتى نقول بأنّ التعلقات القلبية إنْ كانت روحيةً فاجتماع النقيضين محالٌ، وأما إن كانت ماديةً، فليس بمحالٍ. وأما القضية النظرية، فمعيار صدقها يكمن في إمكان إرجاعها إلى البديهيات. فعندما يمكن ذلك في قضيةٍ نظريةٍ، فإنها تكون يقينيةً. وهذا أيضا غيرُ مرتبطٍ بخصوصيات الإنسان الفردية؛ لأن وجود الحد الأوسط في الاستدلال لا يتغير بتغير ظروف الإنسان. ولأجل ذلك كله، يمكننا الحديث عن معارفَ يقينيةٍ مطلقةٍ وثابتةٍ. وبالتالي، يبطل ادعاء الهرمنيوطيقيين الفلسفيين بعدم وجود فهمٍ خالصٍ، وبأن المعارف كلها تابعة لشخص المُدرِك.

فلسفة الوضع:

تُعدّ مسألة «الوضع» من أهم مباني تحقق الفهم والوصول إلى التفسير المطلوب. وقد اهتم بها العلماء المسلمون في آثارهم الأصولية (أصول الفقه). فالوضع والعلم به هو الذي يوجِب دلالة الأثر المكتوب أو الملفوظ على المعنى، ويؤدي إلى الكشف عن مراد المتكلم أو الكاتب في أثره. فمهما كانت اللغة، فإنه يوجد فيها عُلقة بين بعض الألفاظ وبعض المعاني؛ بحيث كلّما تصورنا اللفظ،

(237)

انتقل الذهن مباشرةً إلى المعنى. وهذا الاقتران بين اللفظ والمعنى وانتقال الذهني من اللفظ إلى المعنى يُسمى بـ «الدلالة». فعلى سبيل المثال، عندما نتصور لفظة «الماء»، أو نستعملها، فإن الذهن ينتقل إلى «مائعٍ خاصٍّ». وفي هذه الحالة، تكون لفظة «الماء» هي الدال، و معناها الذي انتقل إليه الذهن هو المدلول. وهذا الانتقال الذهني من اللفظ إلى المعنى هو كالانتقال الذهني والعلاقة السببية في مورد الأمور الطبيعية؛ مثل علاقة السببية بين النار والحرارة، إذ بسبب وجود علاقة السببية بينهما، فإننا عند رؤية النار، ينتقل ذهننا إلى الحرارة. نعم، العلاقة بين اللفظ والمعنى تكون متشكلةً في الذهن؛ بخلاف علاقة السببية بين الأمور الطبيعية، فهي موجودة في الخارج ويكتشفها الذهن[1]. وعلى هذا الأساس، فإنه يوجد في الدلالة اللفظية علاقة سببيةٍ بين اللفظ والمعنى.

1. أنطولوجيا الدلالة الوضعية:

السؤال هنا عن منشأ الارتباط بين اللفظ والمعنى، أو بعبارةٍ أخرى: عن أنطولوجيا «الدلالة اللفظية». فكيف تتشكل العلاقة بين اللفظ والمعنى؟ فاللفظ والمعنى أمران مختلفان تماماً، فما هو الموجب لعلاقة السببية بينهما؟ يوجد في علم الأصول نظريتان في المقام:

النظرية الأولى ترى أن العلاقة بين اللفظ والمعنى هي علاقةٌ ذاتيةٌ، فالمعنى مُستقًى من طبيعة اللفظ. وعلى هذا الأساس، تكون العلاقة في الدلالة اللفظية كالعلاقة الذاتية بين الحرارة والنار، فهذه

(238)

العلاقة لم تحصل من الخارج بل هي مقتضى طبيعة هذين الطرفين. وقد ذكر العلماء إشكالاتٍ كثيرةً على هذه النظرية. فعلى سبيل المثال، لو كانت العلاقة بين اللفظ والمعنى علاقةً ذاتيةً، فلِمَ لا يحصل هذا الانتقال لو تحدثنا بلغةٍ أخرى؟ لِمَ ترى غير العرب لا ينتقل ذهنهم إلى معنى الماء عندما يسمعون لفظ الماء، إلا بعد العلم بوجود هكذا علاقةٍ في اللغة العربية؟ وهذا بخلاف علاقة السببية بين الأمور الطبيعية، حيث مهما كانت لغة الفرد، فإنه من خلال رؤية الدال، ينتقل ذهنه إلى رؤية المدلول.

وأما النظرية الثانية، فترى أن العلاقة بين اللفظ والمعنى ليست ذاتيةً، بل هي جعليةٌ. ففي أيِّ لغةٍ، يوجد شخصٌ أو أشخاصٌ قد استعملوا مجموعةً من الألفاظ بلغةٍ خاصةٍ في معانٍ محددةٍ. وعمليات اختصاص اللفظ بالمعنى تُسمى بـ «الوضع»، والواضع هو الذي يقوم بهذه العمليات. ويسمى اللفظ الذي اختص بالمعنى بـ «الموضوع»، ويُسمى هذا المعنى بـ «الموضوع له». وعلى هذا الأساس، تكون علاقة السببية في «الدلالات اللفظية» حاصلةً من تدخل شخصٍ أو مجموعة أشخاصٍ[1].

ومن خلال الالتفات إلى ما تقدم، يتضح أن العلاقة الوضعية بين اللفظ والمعنى هي التي أوجبت انتقال الذهن من اللفظ إلى المعنى. وعلى هذا الأساس، يُعدّ العلم بهذه العلقة الوضعية من أهم الأمور الضرورية في عملية الفهم. فكل من يواجه أثراً (مكتوباً

(239)

أو ملفوظاً)، لا بد له أن يعلم على الأقل بهذه العلقة الوضعية. وهذا شرطٌ لازمٌ، لكنه غيرُ كافٍ؛ لأنه في الكثير من الأحيان، يتوقف الفهم الكامل للأثر على ملاحظة: القرائن اللفظية وغير اللفظية، وشأن الصدور، وخصوصيات المؤلف، وبعض المعارف الأخرى. وبعبارةٍ أخرى: مجرّد العلم بالعلاقة الوضعية بين اللفظ والمعنى، لا يكفي للعلم بالمراد الجدي للفظ المستعمَل؛ إذ كثيرا ما يُطلق اللفظ، ويُراد منه معنًى آخرُ غيرُ الذي وُضع له؛ أو يكون للفظٍ ما عدةُ معانٍ لغويةٍ، فيحتاج السامع أو القارئ إلى العلم بالأصول اللفظية حتى يتمكن من اكتشاف المعنى المُراد. على سبيل المثال، وُضع لفظ «العين» لعدة معانٍ: كالعين الباصرة والنابعة وغير ذلك (سواء كان الوضع تعيينيّاً أو تعيّنيّاً). ومن الواضح في هذه الحالة أنّ مجرد العلم بهذه المعاني اللغوية لا يكفي لفهم الكلام المراد، بل ثمة حاجةٌ للالتفات إلى سائر عناصر الفهم. وسنتعرض للبحث عن الأصول اللفظية لأجل الفهم الصحيح، في الدرس الثالث عشر والرابع عاشر إن شاء الله.

2. التبادر وأنواع الدلالات:

ما يُذكر في علم الأصول من بحث عن «التبادر»، مرتبطُ بهذه العلقة الوضعية. فمن يعلم بهذه العلقة، فإنه متى ما سمع اللفظ، انتقل ذهنه مباشرةً إلى المعنى الموضوع له. لذا، يذكرون بأن التبادر معلولٌ لوجود الوضع، ويعدّونه علامةً على كون المعنى المتبادَر

(240)

إليه حقيقيّاً. فعلى سبيل المثال، عندما يُقال «جبل»، فإن الذهن ينتقل بصورةٍ طبيعيةٍ إلى معناه وهو ذلك الشيء المادي الصلب المؤلف من صخورٍ وترابٍ.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الدلالة ليست فقط دلالةً لغويةً مُستقاةً من الوضع اللغوي، بل يوجد عند الأصوليين نوعان من الدلالات: دلالةٌ تصوريةٌ، ودلالةٌ تصديقيةٌ.

فالدلالة التصورية هي هذه الدلالة اللغوية، حيث ينتقل الذهن من تصور اللفظ إلى تصور المعنى. وهي موجودةٌ في كل جملةٍ من الجمل. فكلما صدرت جملةٌ أو لفظةٌ من المتكلم (سواء كان واعياً أو غافلاً)، مهما كان المتكلم (حتى لو كان مجرد اصطكاك حجرين ببعضهما بحيث يصدر عنهما صوتٌ ما)، فإن هذه الدلالة تكون موجودةً، لأنها تابعةٌ للوضع، وليس لها ربطٌ بالإرادة أو بالتفات الإنسان الواعي ذي الشعور. فعلى سبيل المثال، معاني الألفاظ أو الجمل التي تصدر من الإنسان النائم بشكلٍ غيرِ اختياريٍّ منه، هي من هذا الباب. فالإنسان النائم غير ملتفت إلى الكلمات التي تصدر منه، ولا يقصد منها معنًى محدداً؛ وعلى الرغم من ذلك، فإنّ لكل لفظٍ منها معنًى محدداً، بحيث متى ما سمعه الآخرون انتقل ذهنهم إلى هذا المعنى المحدد. وهكذا الأمر في الكلمات التي تصدر من حالات الرعد والبرق وغير ذلك. ومن الواضح أن الرعد والبرق لا شعور لهما حتى يقصدا معنًى محدّداً لنقله إلى السامع، لكن

(241)

يمكن أن تصدر منهما ألفاظ تكون دالة على معانٍ محددةٍ، من حيث هي ألفاظٌ.

فالدلالة التصورية تحصل من العلم بالمعنى اللغوي للألفاظ؛ بمعنى أن مجرد علم السامع بالمعنى اللغوي، يؤدي إلى تحقق هذه الدلالة، أعم من أن يكون الذي تصدر عنه الألفاظ قاصداً لمعنًى محددٍ أو لا؛ بل يمكن أن تصدر هذه الكلمات والألفاظ من موجودٍ غيرِ ذي شعورٍ. فكيفما كان، هذا اللفظ الذي وُضع لمعنًى وصار يحكي عنه، يكفي في دلالته التصوريّة العلم بالعلقة الوضعية فقط. فعندما يقول شخصٌ نائم: «أين تفاحتي؟»، فإن لكل لفظٍ مستعمَلٍ في هذه الجملة معنًى خاصّاً محدّداً. والعلم بهذه المعاني والتراكيب، يؤدي إلى انتقال ذهن السامع إليها. لكنه لا يمكننا أن نرتب أثراً على هذا العلم الحاصل من المعاني اللغوية للكلمات، فلا نبحث عن تفاحة هذا الشخص النائم.

وأما الدلالة التصديقية، فهي تكون موجودةً عندما يكون المتكلم واعياً وقاصداً وملتفتاً، ويبيّن جملةً ما. ففي هذه الحالة، يوجد دلالةٌ تصديقيةٌ، مضافا إلى وجود الدلالة التصورية. فالدلالة التصديقية تحكي عن قصد المتكلم من هذه الجملة. وبعبارةٍ أخرى: هذا النوع من الدلالة، يبيِّن مراد المتكلم أو الكاتب من العبارة التي ألقاها أو كتبها. وعلى هذا الأساس، ينحصر وجود الدلالة التصديقية في الموجودات التي

(242)

لها شعورٌ. وفي هذا النوع من الدلالات، يلتفت المخاطَب إلى المعنى اللغوي للكلمات وإلى المعنى المقصود للمتكلم وصاحب الأثر. وفي الحقيقة، تكون المعاني اللغوية مقدمةً للوصول إلى المعنى المقصود من الأثر. نعم، لا بد من الالتفات إلى أن منشأ الدلالة التصديقية هو حال المتكلم؛ بخلاف الدلالة التصورية التي تنشأ من الوضع. في الدلالة التصديقية، نلتفت إلى المعنى المراد من المتكلم عندما نبحث حالة صدور الكلام منه[1].

والحاصل أنه: عندما يصدر الكلام في حالة غفلةٍ -كالصادر من النائم أو من الأشياء المادية-، فإنه يشتمل على دلالة تصورية فقط. أما لو صدر في حالة التفات ويقظةٍ وبصورةٍ جدّيةٍ، فإنه يشتمل على دلالةٍ تصديقيةٍ مضافاً إلى اشتماله على الدلالة التصورية.

والمتكلم يتكئ على الوضع لأجل التواصل مع الآخرين؛ أي يجعل العلامات اللفظية (كوضع لفظ الشجر لموجودٍ نامٍ محددٍ، مؤلفٍ من جذورٍ وجذعٍ وأغصانٍ وأوراقٍ وفي بعض الأحيان يشتمل على الثمار) أو غير اللفظية (كوقوف الشخص لأداء الاحترام، أو كإشارات المرور لأجل ضبط حركة السير). وكيفية العلاقة بين هذه العلامات أو الألفاظ مع صورها الذهنية، وحكايتها عن الأشياء الخارجية، هي بنحوٍ متى ما رأى المتكلم شيئاً (كالشجرة مثلاً)، وأراد أن ينقل مفهوم ما رآه للمخاطَب، فإنه يستعمل لفظ «الشجرة»،

(243)

فيلفت انتباهه إلى هذا الموجود الخارجي الذي رآه -وهو الشجرة- وانطبعت صورته في ذهنه. فلفظ «الشجرة» الصادر بقالب صوتٍ، يتحد عن طريق السمع مع تلك الصورة الحاصلة من رؤية الشجرة. وبشكلٍ عامٍّ، كلما تصورنا الشجرة، فإن لفظ «الشجرة» يحضر معها؛ وبالعكس، فلفظ «الشجرة» مترافقٌ أيضاً مع الصورة الذهنية التي نملكها عن الشجرة الموجودة في الخارج. وعلى هذا الأساس، وضع الإنسان العلامات اللفظية أو غير اللفظية لأجل الدلالة على الأشياء الخارجية. فتكون هذه العلامات اللفظية أو غير اللفظية هي الدال، والصور الذهنية للأشياء الخارجية هي المدلول[1].

وبالتالي، المعنى اللغوي لأثرٍ مرتبطٌ بالعلاقة الوضعية وبالعلم بها؛ والمعنى التصديقي مرتبطٌ بالعلم بالمعنى اللغوي وبقصد صاحب الأثر. لذا، من خلال الالتفات إلى ثبات المعنى اللغوي وقصد صاحب الأثر، يكون المعنى أمراً ثابتاً ومشخصاً. فلا يتغير المعنى اللغوي ولا قصد المؤلف عند تغير الظروف أو تغير المخاطَب. وهذا بخلاف نظرة الهرمنيوطيقيين الفلسفيين، الذين ذهبوا إلى تكثر المعنى وارتباطه بالمفسر. يرى الأصوليون المسلمون بأن تكثر المعنى وانفصاله عن النص، لا ينسجم أبداً مع حقيقة الوضع. وبعبارةٍ أخرى: مع وجود حقيقة الوضع، كيف يمكن أن نُخرج الفهم من انحصاره في النص، ونقبل تكثره في أفهام المخاطَبين دون أيِّ مِلاكٍ أو معيارٍ؟

(244)

العلماء المسلمون ومسألة «القصدية»:

من خلال إلقاء نظرةٍ إجماليةٍ على الكتابات الأصولية والتفسيرية للعلماء المسلمين، يتضح لنا اهتمامهم الشديد بمسألة القصد والاعتقاد بوجود معنًى مقصودٍ للمؤلف -سواءً في آثاره المكتوبة أو الملفوظة-، وبأنهم يعتقدون بإمكان الوصول إلى هذا المعنى من قبَل المخاطَبين والمفسرين. ويرى العلماء المسلمون بأن فلسفة وجود الأثر هو نقل معنى محدد للمخاطَبين؛ ويمكننا اعتماداً على منهج الفهم والتفسير، أن نكتشف المعنى المراد لصاحب الأثر.

ويرى الأصوليون أن القواعد الأصولية قد بُحثت لأجل الوصول إلى مراد صاحب الأثر. وقد صرح الشهيد الصدر (ره) أن الأصوليين يعتقدون أن المراد من الحجية واعتبار الظواهر هو إمكان اكتشاف المراد الجدي للمتكلم. كما صرّح الآخوند الخراساني بأنه لا بد من سلوك طريقٌ ظواهر الكلام لأجل الكشف عن عن مراد الشارع المقدس؛ وهذه طريقة العقلاء في الفهم. كما يرى المفسرون أيضاً أن التفسير طريق لبيان المراد الجدي لله تعالى[1]. فمسألة القصدية هي محل نظر الذين يُنتجون آثاراً -مكتوبة أو شفهيةً-، والذين يرجعون إلى هذه الآثار. والعرف يرى أن الذي يُلقي محاضرةً أو يكتب نصّاً ما، فإنه يريد أن يُلقي بمقاصده إلى الآخرين؛ لذا، يسعى لبيان كلامه

(245)

بنحوٍ يكون قابلاً للفهم من قبَل الآخرين. وهكذا الأمر بالنسبة لمن يرجع إلى الآثار المكتوبة أو الملفوظة، فإنه يريد اكتشاف المعنى المقصود. بل يذهب الناس وراء المحاضرات والآثار الخاصة لأجل اعتقادهم بإمكان الكشف عن مراد المؤلف أو المتكلم. لذا، يسعون للحصول على القواعد والأصول اللازمة لفهم الأثر. كما أنه يوجد قواعدُ وأصولٌ تساهم في الكشف عن مراد المؤلف وقصده من خلال منع تدخل العوامل المضرة في الوصول إلى المراد. وهذا ما سوف نبحث عنه في الدروس القادمة إن شاء الله.

(246)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني عشر

المباني الهيرمنيوطيقية

في الفكر الإسلامي

(247)

المباني الهيرمنيوطيقية في الفكر الإسلامي(2

تقدمت الإشارة في الدرس السابق إلى أهم ثلاثة مبانٍ هرمنيوطيقية في الفكر الإسلامي. وسنبيّن في هذا الدرس ثلاثة مبان أخرى وهي: وحدة المعنى ونسبته مع التأويل والمعاني الطولية، اقتضاء الهيرمينوطيقا لبعض المسائل الكلامية، ومسألة الثابت والمتغير في الدين. 

وحدة المعنى ونسبته مع التأويل والمعاني الطولية: 

يعتقد العلماء المسلمون أن للآثار (المكتوبة أو الشفهية) معانيَ ثابتةً ومشخصةً، بحيث تكون مرتبطةً بالنص والمؤلف، وينحصر دور المفسر في الكشف عنها. ومما يمكن أن يوهِم بتكثر المعاني هو مسألة التأويل ومسألة المعاني الباطنية. فالتأويل يكشف عن المعاني غير الظاهرة، وهذا بنفسه دالٌّ على وجود معانٍ كثيرةٍ كامنةٍ في النص. وكذلك تدل المعاني الباطنية على وجود معانٍ كثيرةٍ مخفيةٍ في النص. لكن، هل يدل وجود هذه المعاني التأويلية أو الباطنية على عدم تناهي المعاني؟ هل يمكن أن تتّحد هذه المسائل مع اتجاه الهرمنيوطيقيين الفلسفيين القائلين بوجود معانٍ لا متناهيةٍ في الأثر؟ وفي مقام الجواب عن ذلك، لا بد أولاً من بيان المراد -باختصارٍ- من التأويل ومن المعاني الباطنية. 

يوجد تعاريفُ متعددةٌ لكلمة التأويل. فبعضهم عدّها مساويةً

(248)

للتفسير. لذا، سوف نتعرض باختصارٍ لمعنى التفسير، ثم نبيّن معنى التأويل.  

عرّفوا التفسير بأنه: كشف القناع عن اللفظ المشكل[1]؛ أي عندما يكون لدينا لفظٌ مبهَمٌ، ويكون هذا الإبهام مانعاً من الوصول إلى المعنى الحقيقي، فإننا نستعين بالتفسير لرفع هذا الإبهام. والتفسير من «فسّر الأمرَ» بمعنى «أوضحه وكشف عنه». و «فسر» و «فسّر» هما متعدّيان ولهما معنًى واحدٌ. نعم، «فسّر» فيه مبالغةٌ أكثر؛ أي تُستعمَل في بذل الجهد في التفسير[2]

أما «التأويل»، فهو من جذر «أول» بمعنى الإرجاع. فكلّما أوجب ظاهر المعنى في كلامٍ أو سلوكٍ ما شبهةً محددةً، فإننا نستفيد من لفظ التأويل للتخلص من هذه الشبهة. ووجه التسمية هو أن المؤوِّل يُرجِع من خلال التأويل ظاهر الكلام أو السلوك المشتبه إلى معناه الصحيح. ويوجد شاهدٌ قرآنيٌّ على هذا المعنى، وهي الآية الشريفة المرتبطة بالشخص الذي رافق النبي موسى عليه‌السلام ، عندما تعجّب موسى عليه‌السلام من فعل ذلك الشخص الذي كان ظاهره يخالف العقل والعرف، فقال له هذا الشخص الصالح: [سأنبّئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً][3].[4]

نعم، يوجد للتأويل معانٍ أخرى أوسعُ من هذا المعنى، فيشمل

(249)

الآيات المتشابهة والمحكمَة أيضا؛ فيُراد منه بيان «بطن القرآن» أو دلالته الداخلية. والمراد من بطن القرآن هو الدلالة الداخلية والفهم الكلي من نص القرآن الذي يكون شاملاً لكل العصور؛ أي «هو الفهم الكلي، بقطع النظر عن الخصوصيات الموردية التي توجد في كلِّ آيةٍ»[1]. وبعبارةٍ أخرى: ظاهر القرآن يدل على مفهومٍ محددٍ في إطار مناسبةٍ أدت إلى نزول الآية؛ وأما باطن القرآن فهو ناظر إلى المعاني غير المحدودة بحدود ولا المقيدة بقيود، بل له معنًى عامٌّ وشاملٌ. فيوجد بعد الدلالة الظاهرية مفهومٌ عامٌّ، يُستفاد من فحوى الكلام وبعد إلغاء الخصوصيات الناشئة من ظرف النزول وسببه. وفي الحقيقة، هذا المفهوم العام هو الهدف الأساس من الكلام؛ أي إن الهدف الأصلي من نزول الآية هو هذا المعنى العام؛ لا المعنى المحدود بالظاهر وبمورد النزول. وإليك مثالٌ عرفيٌّ على ذلك، فعندما يخاطب رئيس الحكومة مدراءَ البنك المركزي، فيقول لهم: «لا يحق لمدراء البنك المركزي توزيع مصادر البنك بنحوٍ غيرِ عادلٍ». فظاهر هذه العبارة هو أن رئيس الحكومة يكلّف مدراء البنك المركزي بتوزيع مصادره بنحوٍ عادلٍ، لكن المعنى الباطني لهذا الكلام هو ضرورة مراعاة العدالة من كل المدراء في كل مراكز الدولة، وليس الأمر مختصّاً بمدراء البنك المركزي. وفي الحقيقة، من خلال رفع خصوصية مدراء البنك المركزي، وصلنا إلى هذا الحكم وأنه شاملٌ لكل المدراء العاملين في الدولة. ودون إلغاء هذه الخصوصية، يمكن لمدراء وزارة الزراعة أن يدّعوا اختصاص

(250)

خطاب رئيس الحكومة بمدراء البنك المركزي فقط؛ لذا، يمكنهم أن يوزعوا مصادر وزارة الزراعة كما يحلو لهم. والحال، أن العرف لا يقبل مثل هذا الفهم، بل يستند إلى هذا الحكم الخاص ليحكم على سائر المدراء بمخالفتهم لكلام رئيس الحكومة في ما لو وقعوا في المخالفة. 

وعلى سبيل المثال أيضا، الآية الشريفة [وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون][1]، تخطاب المشركين في زمن الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله . وعلى أساس ظاهر الآية، يقول لهم الله تعالى: إن كنتم مترددين في إمكان أن يُرسل الله تعالى بشرا، فاسألوا في هذا المجال أهل الكتاب. لكن، هل المراد من الآية هو هذا المعنى المحدود فقط؟ في هذه الحالة، ستكون كل آيةٍ خاصةٍ بمورد نزولها ولا يمكن أن نستفيد منها بشكلٍ دائمٍ. ومن الواضح أن هذه الآية لا تختص بمورد نزولها (أي المشركين)، بل الملاك هو جهلهم بحقيقة الأمر. وبالتالي، يصبح مفاد هذه الآية: كلّ من يجهل أمراً ما، فإنه يجب عليه أن يسأل العلماء فيها. وهذا هو المعنى الباطني للآية الذي توصّلنا إليه من خلال إلغاء الخصوصيات المرتبطة بظرف النزول. لذا، يُراد من المعاني الباطنية هو هذه المعاني الكلية الحاصلة من خلال إلغاء خصوصيات الآية الموردية، وعلى هذا الأساس، تكون هذه المعاني عالميةً وخالدةً[2]

(251)

ويوجد لدينا رواياتٌ مبنيةٌ على وجود معانٍ باطنيةٍ للقرآن. فعلى سبيل المثال، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «إن للقرآن ظهراً وبطناً ولبطنه بطنٌ إلى سبعة أبطنٍ»[1]. كما ورد عن الإمام الصادق عليه‌السلام أنه قال: «إن للقرآن ظهراً وبطناً»[2]. ويوجد نظرياتٌ مختلفةٌ في ما يرتبط بمعاني القرآن الباطنية. ويرى العلامة الطباطبائي رحمه‌الله أن المراد من المعنى الظاهري هو هذا المعنى الذي نحصل عليه من خلال ظاهر الألفاظ، وأما المعنى الباطني، فهو معنًى مخفِيٌّ في الآية ووراء المعنى الظاهري؛ سواء كان هذا المعنى واحداً أو كثيراً؛ وسواءً كان قريباً من المعنى الظاهري أو بعيداً عنه[3]. ويعقتد أن الله تعالى قد أراد كلًّا من المعنى الظاهري والمعنى الباطني، غاية الأمر أنهما في طول بعضهما البعض، لا في عرض بعضهما؛ لذا، لا يوجد منافاةٌ بين إرادة المعنى الظاهري للفظ والمعنى الباطني له. 

فعلى سبيل المثال، يشير العلامة إلى المعنى الظاهري والباطني في آية [واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً][4]. فظاهر هذه الآية هو النهي عن العبادة العادية للأصنام، ويقول تعالى: [واجتنبوا الرجس من الأوثان][5]. لكن بالتأمل والتحليل يُعلم أن عبادة الأصنام ممنوعةٌ لأنها خضوع، وذلّ أمام غير الله، ولا خصوصية لكون المعبود

(252)

صنماً، كما عدّ الله تعالى طاعة الشيطان عبادة للشيطان، حيث قال: [ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدوّ مبين][1]. وبتحليلٍ آخرَ، يُعلم أنه لا فرق في طاعة الإنسان وخضوعه، بين نفسه وغيره، وكما أنه لا تجوز طاعة الغير، كذلك لا تجوز طاعة رغبات النفس مقابل الله تعالى، كما يشير الله تعالى إلى ذلك: [أفرأيت من اتخذ إلهه هواه][2]. وبتحليلٍ أدقَّ، يُعلم أنه يجب عدم الالتفات إلى غير الله أبداً، وعدم الغفلة عنه، لأن الالتفات إلى غير الله هو إعطاؤه الاستقلالية والخضوع وإظهار الذل أمامه، وهذا الإيمان هو روح العبادة. ويرى العلامة أن هذا الترتيب، أي ظهور معنًى بسيطٍ ابتدائيٍّ من الآية وظهور معنًى أوسعَ وراءه، ظهور معنًى تحت معنًى آخرَ، أمرٌ جارٍ في سائر القرآن المجيد[3].  

ومن المسائل المهمة جدّاً هو أنه لا يمكننا رفع اليد عن ظاهر الآية لأجل المعاني الباطنية؛ لأن القرآن الكريم قد أكّد على أهمية قراءة القرآن[4] والاستماع إليه[5] والتدبر فيه[6]. فلو لم يكن ثمة أهميةٌ كبيرةٌ لظاهر القرآن، فلِمَ كل هذه التأكيدات؟ وكذلك الروايات، فقد أكدت كثيرا على ضرورة الرجوع إلى القرآن في الفتَن وفي المشكلات؛ فعلى سبيل المثال، قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : «فإذا التبست

(253)

عليكم الأمور كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن»[1]. فإن لم يكن ظاهر الآيات حجةً علينا، فكيف له أن يُنجينا من مدلهمّات الفتَن؟ 

مضافاً إلى أنه لا يمكن للجميع الوصول إلى المعاني الباطنية للقرآن، وفي الحقيقة، لا يقدر الجميع على فهم كل بطون القرآن. ولعله لأجل ذلك ورد في بعض الروايات اختصاص فهم كل بطون القرآن بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وبأهل البيت عليهم‌السلام حيث ورد عن الإمام الباقر عليه‌السلام : «ما يستطيع أحد أن يدّعي أن عنده جميع القرآن كله ظاهره وباطنه غيرُ الأوصياء»[2]. ومن خلال الالتفات إلى اختصاص المعاني الباطنية للقرآن بالأوصياء، وعدم إمكان جميع الناس الوصول إليها، فإنه مع فرض عدم حجية ظواهر القرآن، ماذا ستكون فلسفة نزول القرآن؟ وبالتالي، يجب ألّا يحجبنا وجود المعاني الباطنية للقرآن عن الالتفات إلى ظاهر القرآن[3]

ومن خلال الالتفات إلى ما تقدم، يتضح أن المعاني الكثيرة الناشئة عن المعاني الطولية للقرآن، لا تجرّنا إلى القول بالنسبية، ولا تؤدي بنا إلى القول بدخالة تغيّر المخاطَب وتغيّر ظروفه في كثرة هذه المعاني. وهذا بخلاف الهرمنيوطيقيين الفلسفيين الذي ربطوا تكثر المعاني بالمخاطَبين وبتنوّع أفهامهم. 

اقتضاء الهيرمينوطيقا لبعض المسائل الكلامية: 

(254)

يُعدّ علم الكلام من العلوم الأساسية في الفكر الإسلامي. ويُعنى هذا العلم بإثبات المسائل الاعتقادية (أي كل ما يرتبط بالذات الإلهية وصفاتها وأفعالها أو بأحوال الممكنات من حيث تعلقها بالصفات الإلهية) وتبيينها والدفاع عنها. وعلى أساس المباني الكلامية الإسلامية، تأخذ العلوم الإسلامية الأخرى كالفقه والأخلاق والتفسير والعرفان صبغتَها الدينية. وبعبارةً أخرى: كلٌّ من العلوم الإسلامية يأخذ جهةً إسلاميةً من خلال ملاحظة محورية ذات الله وصفاته. فعلى سبيل المثال، الفقه إسلاميٌّ لأن مصادره (العقل[1] والقرآن والسنة) موجَّهةٌ على أساس المباني الكلامية. فلو لم يثبت رضا الله تعالى عن ضرورة هذه المصادر وحجيتها، لما أمكننا أن ننسب أي فقهٍ إلى الله تعالى. وبالتالي، لن يكون لدينا «فقهٌ إسلاميٌّ». 

والأمر المتصل بعلم الكلام هنا في بحثنا، هو علاقة علم الكلام مع الهيرمينوطيقا. فحيث إن الهيرمينوطيقا معنيّةٌ بمقولة الفهم (بالمعنى العام) وبفهم النصوص الدينية (بالمعنى الخاص)، فإن تحقق الكلام الإسلامي مبنيٌّ على أصول هرمنيوطيقيةٍ محددةٍ، بحيث يمكن الحديث عن كلامٍ إسلاميٍّ فقط عند قبول هذه المباني، دون اتجاهاتها المعارضة. وبعبارةٍ أخرى: مباحث الكلام الإسلامي متوقّفةٌ على توجّهٍ خاصٍّ للهيرمنيوطيقا، بحيث يكون لهذا التوجه دور المعيِّن، في تحقق الكلام الإسلامي ولوازمه العمليّة

(255)

كالفقه والتفسير والأخلاق. لذا، سنسعى في هذا القسم من البحث أن نبحث عن اقتضاء الهيرمينوطيقا لبعض أهم المسائل الكلامية الإسلامية. 

1. اقتضاء الهيرمينوطيقا لمسألة «المعاد»: 

على أساس البراهين العقلية، كبرهان الحكمة[1] والعدالة[2]، والآيات القرآنية[3]، فإن وجود المعاد أو الحياة الأخروية هو من مسلّمات الدين الإسلامي وأحد أهم مبانيه الكلامية. فالفلسفة الأساسية للمعاد هو تحقق الأرضية اللازمة لوصول الإنسان إلى الكمال الحقيقي والسعادة الأخروية. والسعادة الأخروية مُنبنيةٌ على الحياة الدينية (الحياة المبنية على الإيمان أو الاعتقاد القيّم والعمل الصالح) في هذه الدنيا، والحياة الدينية مبنية على المعرفة الصحيحة والعمل الحسن. والحال، أنه لو لم يمكن، من وجهة نظر الهيرمينوطيقا، الوصولُ إلى معرفة صحيحةٍ للمعارف (بالمعنى العام) وللنصوص الدينية (بالمعنى الخاص)، وكان كلُّ فهمٍ مرتبطاً بشخص المفسر، فإن فلسفة المعاد ستقع تحت مجهر السؤال. كيف يمكن تمهيد الأرضية للصول إلى السعادة الأخروية، من

(256)

دون إمكان المعرفة الصحيحة والخالصة في ما يرتبط بالمعتقَد والعمل الصالح؟ وبالتالي، من خلال تبنّي تعدد القراءات للدين[1]، واتجاه عدم إمكان الوصول إلى فهمٍ خالصٍ، فإن المسألة الكلامية الأساسية -وهي المعاد والحياة الأخروية- ستُصبح مثاراً للتساؤل. وعلى هذا الأساس، لأجل قبول هذه المسألة الكلامية الأساسية، فإنه لا مفرّ من الاعتقاد بإمكان الوصول إلى المعرفة الصحيحة واكتشاف مراد الله تعالى. 

2. اقتضاء الهيرمينوطيقا لـ «حُسن التكليف وضرورته»:

من خلال الالتفات إلى خصائص الإنسان وقابلياته للوصول إلى الكمال النهائي، تقتضي الحكمة الإلهية ضرورة توجّه “تكليفٍ” من الله تعالى إلى الإنسان. ويرى المتكلمون أن التكليف مشتقٌّ من العمل الشاق والمشتمل على كلفة، وقد أوصله الله تعالى إلى الإنسان[2]. وتُعدّ ضرورة التكليف من المسائل الكلامية والمباني المهمة للمسائل الفقهية. وبعبارةٍ أخرى: الأمور الفقهية هي من لوازم المبنى الكلامي لـ “التكليف”. وتنبني ضرورة التكليف على حكمة الله تعالى؛ بتقريب: أنه لو لم يكلّف الله تعالى الناس، فهذا معناه أنه يتركهم يفعلون القبيح؛ لأن الإنسان يميل بطبيعته وباختياره

(257)

نحو قوته الشهوية؛ فإن لم يُصدر الله تعالى أوامرَ تكليفيةً لردعه عن القيام بالأمور القبيحة، لما كان أمام الإنسان حجةٌ شرعيةٌ على ترك هذه الأمور[1]. وبالتالي، عندما لا يكلّف الله الإنسانَ، فإنه يكون قد هيّأ له أسباب الشقاوة، وهذا خلاف الحكمة الإلهية. نعم، يجب الالتفات إلى أن القدرة هي من أهم شروط التكليف؛ فالعقل يحكم بأن التكليف غير المقدور قبيحٌ (وهذا ما يصطلح عليه المتكلمون والأصوليون بالتكليف بما لا يُطاق)، ويُعدّ صدوره من الله الحكيم قبيحاً أيضاً[2]؛ وقد أشار الله تعالى إلى هذا الأمر في الآية التالية: [لا يكلف الله نفساً إلا وسعها][3].

ومن خلال ما مر، يتضح أنه يجب أن تقتضي الهيرمينوطيقا هذه المسألة الكلامية، بمعنى يجب أن تقتضي إمكان فهم الدين والتكاليف الإلهية التي كلّف الله بها الناس. فلو كان صدور التكليف من الله تعالى ضروريّاً، لكن لم يمكن للإنسان أن يفهمه، فإن أصل هذا التكليف يصبح أمراً لَغْوِياً. فلو كان كلُّ فهمٍ مرتبطاً بالمخاطَب، وكانت كل الأفهام نسبيةً، فما هو الداعي لضرورة التكليف؟ حينئذ لا معنى لأن يكلف الله الحكيم الناسَ بأمورٍ لا يقدرون على فهمها. فإمكان فهم مراد الشارع في تكاليفه الدينية هو من الاقتضاءات البديهية لـ “حُسن التكليف وضرورته”. وفي

(258)

غير هذه الحال، كل تكليف يصدر من الله تعالى سيكون “تكليفا بما لا يُطاق”، الذي هو -كما تقدم- أمرٌ قبيحٌ يستحيل صدوره من الله تعالى الحكيم. وبالتالي، انطلاقاً من الحكمة الإلهية في “حُسن التكليف وضرورته” وعدم إمكان صدور “التكليف بما لا يُطاق”، يتضح أن إمكان الفهم الخالص للمسائل الدينية أمرٌ مسلَّمٌ.

3. اقتضاء الهيرمينوطيقا لضرورة “الوحي” و “النبوة” و “الإمامة”:

انطلاقا من المباني الكلامية الإسلامية، يُعدّ وجود الوحي والنبوة والإمامة من الأمور الضرورية لكي يصل الإنسان إلى السعادة. فمن خلال الالتفات إلى عدم إمكان الحس والعقل على التشخيص الدقيق لطريق السعادة الحقيقية، فإن الحكمة الإلهية تقتضي وجود طريقٍ غيرِ طبيعيٍّ (أي ما وراء الأدوات المعرفية العامة) يشخّص للناس المسير الذي يجب سلوكه للوصول إلى السعادة. وفي الفكر الإسلامي، يُعبّر عن هذا الطريق بـ “الوحي”. كما تقتضي الحكمة الإلهية لزوم تعيين الله تعالى لهادٍ يمهّد الأرضية لهداية الناس (سواءً عن طريق الوحي أو عن طريق العلم اللدني). ويُصطلح في الفكر الإسلامي على هؤلاء الهداة بـ “النبي” و “الإمام”. فلو لم يوجد وحيٌ ونبيٌّ وإمامٌ، لأمكن للناس أن يدافعوا يوم القيامة عن جهلهم بالمعارف الذي أدى إلى شقائهم. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الدليل، حيث عدّ وجود الرسُل قاطعا لعذر الناس يوم القيامة؛ إذ لو لم يكن ثمة أنبياء ورسُلٌ، لأمكن أن يضل الناس بسبب قصور حسهم وعقلهم، ولبرّروا عدم إيمانهم. يقول تعالى: [رسُلاً مبشرين

(259)

ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجةٌ بعد الرسل][1]. وبناءً على هذه المسائل الكلامية، لا يمكننا نفي إمكان الفهم الخالص والصحيح، والقول بنسبية المعرفة وبأنها مرتبطةٌ بشخص المخاطَب. ففلسفة وجود النصوص والمصادر الوحيانية هو أن يستطيع الإنسان اكتشاف مراد الله تعالى عند مطالعتها وقراءتها. فلو لم يكن ثمة طريقٌ للوصول إلى مراد صاحب هذه النصوص، ماذا ستكون فائدة نزول الوحي وإرسال الرسل وتنصيب الأئمة؟ فعند قبول الهيرمينوطيقا الفلسفية ونظرية تعدد القراءات، فإنه لن يبقى فرقٌ بين الآيات القرآنية وروايات الأنبياء والأئمة عليهم‌السلام وبين كتابات الناس العاديين وآثارهم. فعندما يكون الفهم تابعاً لشخص المخاطَب، فإن الوحي وكلام الرسل الإلهيين لن يعود طريق السعادة.

وهكذا الأمر في ما يرتبط بـ “عصمة النبي والإمام”. فالرسالة الإلهية تصل إليهما بنحوٍ يقينيٍّ ومصونةٌ عن الأخطاء الناشئة عن الجهل والغفلة والتعلقات الإنسانية، ثم ينقلونها للناس. وبالتالي، لا يمكننا في مقام تحليل عملية التفسير، أن نُلغي محورية المؤلف. وبعبارةٍ أخرى: من خلال نفي محورية المؤلف ونصه في عملية التفسير، فإن عصمة رسالته ستصبح أمراً لَغْوِيّاً؛ لأنه عندما لا يُلتفَت إلى المراد الجدي للمؤلف، فما هي الضرورة لصدور الوحي بنحو معصوم من قبَل الله تعالى، ولتلقِّي النبي والإمام لهذا الوحي بنحوٍ معصومٍ ومَصونِ عنِ الخطأ؟ في هذه الحالة، يكون صدور الكلام الناظر لهداية الناس من قبَل الأنبياء والأئمة عليهم‌السلام بنحوٍ معصومٍ،

(260)

أمراً غيرَ ضروريٍّ ولَغْوِيّاً. وبالتالي، فإن اقتضاء الهيرمينوطيقا للوحي والنبوة والإمامة، يُلزمنا بالقول بإمكان الفهم الخالص ونفي الهيرمينوطيقا الفلسفية.

الثبات والتغيّر في فهم الدين:

من المباحث المهمة التي يجب الالتفات إليها في مجال الهيرمينوطيقا والفهم هو مسألة “التبدّل في فهم الدين”. فهل كل المعارف الدينية هي في طور التغيّر والتبدّل؟ هل يمكننا القول بعدم وجود أمرٍ ثابتٍ؟ يرى العلماء المسلمون أن دعوى تغيّر كل المعارف -ومنها المعارف الدينية- هي دعوى متناقضةٌ -لأنها تشمل نفسها-؛ مضافا إلى أنه لا يوجد دليلٌ عليها. ويعتقدون باشتمال الدين على أمورٍ ثابتةٍ وأمورٍ متغيرةٍ. نعم، الأمور المتغيرة في الدين محدودةٌ، ولها خصوصياتٌ واضحةٌ. وأول أمرٍ في حل هذه المسألة هو لزوم التفريق بين الدين (المسائل المبيَّنة في النصوص الدينية) والمعرفة الدينية(معرفتنا لهذه المسائل الدينية). لذا، سوف نبحث هذه المسألة في قسمين:

1. الثبات والتغيّر في الدين:

تتألف المسائل الدينية من ثلاثة أقسامٍ: العقائد والأخلاق والأحكام. ويرى العلماء المسلمون أن العقائد الدينية غيرُ قابلةٍ للتغير؛ لأن موضوعها الأصلي ناظرٌ إلى ذات الله وصفاته وأفعاله. ولمّا كان الله تعالى غيرَ قابلٍ للتغير، كانت العقائد الدينية كذلك.

(261)

نعم، لا ننكر وجود تبدلٍ في البراهين، بحيث تصبح أكثرَ وأدقَّ، لكن هذا يرجع إلى التغير في المعرفة الدينية، لا إلى الدين نفسه. وأما القواعد الأخلاقية كالعدالة والظلم والحق، فهي أمورٌ ثابتةٌ وغيرُ قابلةٍ للتغير أيضاً؛ فإن حُسن العدل لا يتغير مع تغير ظروف الإنسان وأحواله. نعم، في الفروع الأخلاقية، كالصدق مثلا، يمكن الحديث عن التغير، لكنه في الحقيقة ناظرٌ إلى قيود القواعد الأخلاقية؛ بمعنى أنه لو التفتنا إلى القواعد والأصول الأخلاقية للصدق مثلا، لوجدنا قيد “بشرط عدم المفسدة كقتل النفس المحترمة”. وبالتالي، تكون الفروع الأخلاقية المتغيرة، هي نفس الأمور الأخلاقية الثابتة، لكن مع الالتفات إلى قيودها الواقعية.

وأما في الأحكام العملية، فثمة مجالٌ للتغيّر؛ لأن الأحكام تابعةٌ للمصالح والمفاسد. وحيث إن المصالح والمفاسد تتغير على ضوء الظروف المكانية والزمانية، فإن الأحكام أيضا ستتغير. وبيان ذلك: أن الأحكام إما ثابتةٌ، لثبات العوامل الدخيلة في مصالحها ومفاسدها، أو متغيرةٌ، لتغير هذه العوامل. وتجدر الإشارة إلى أمرين: أولاً: إن التغير في الأحكام المتغيرة يرجع إلى موضوعها وليس إلى أصل الحكم؛ إذ عندما يتغير موضوع الحكم، سوف يتغير الحكم تلقائيّاً، وثانياً: يتوقع الدين أن تتغير الأحكام بسبب تغير موضوعاتها؛ بمعنى أن الأوامر والنواهي الفقهية المتغيرة موجودةٌ في الدين بنحوٍ ثابتٍ؛ لذا، بالدقة، لم يقع تغييرٌ في الحكم، بل نفس الحكم من أساسه متغيرُ وتابعٌ لشروط صدوره.

(262)

2. الثبات والتغير في المعرفة الدينية:

في ما يرتبط بالمعرفة الدينية، بمعنى معرفتنا للمسائل الدينية، لا يمكننا إنكار التغير فيها بمعنى “الرشد الكمي”؛ أي الزيادة والنقصان في معرفتنا عن الدين. وهكذا الأمر في التغير بمعنى “الرشد الكيفي”، بمعنى تعميق معرفتنا. لكن محل البحث هو التغير والتبدل بمعنى “الرد والإبطال”. والمسألة الأساس هنا هي: هل معرفتنا الدينية قابلةٌ للرد والإبطال؟ وفي مقام الجواب نقول: أصل هذه القضية في ما يرتبط بالمعارف البشرية والدينية ممكنةٌ، وواقعةٌ. نعم، لا بنحوٍ يشمل جميع المعارف، بل على نحو الموجبة الجزئية. والأمر المهم هنا هو بيان أيِّ نوعٍ من المعارف هو الذي يتغير؟ وفي تحليل هذا الأمر، نقول: إن المعارف على قسمين: يقينيةٌ وظنيةٌ. والمعارف اليقينة -أي أصول العقائد (مثل التوحيد وأصل المعاد والنبوة)، وأصول القيَم الأخلاقية (كحُسن العدل وقبح الظلم) و الكثير من الأحكام العملية (كوجوب الصلوات الخمس وعدد ركعاتها)- غير قابلةٍ للتغير. وسرّ ذلك أنها يقينيةٌ؛ بمعنى أنها مُستفادةٌ -كلٌّ بحسب مجاله- من منهجٍ يقينيٍّ وأدلةٍ يقينيةٍ. أما المعارف الظنية -كبعض فروع العقائد (مثل جزئيات المعاد) وبعض الأحكام العملية (كأحكام المسافر والخمس وشكوك الصلاة)- فهي قابلةٌ للتغير؛ لأن أدلتها غيرُ يقينيةٍ. وفي هذا القسم من المعارف، يمكن الحديث عن إمكان الردّ والإبطال. نعم، تغيّر هذه المعارف لا يعني نسبية المعرفة، بل تحديد الوظيفة في هذا النوع من المعارف تابعٌ للأصول العقلائية والقواعد المقرَّرة في الدين. لذا، تنبني المعارف

(263)

الظنية على أصولٍ محددةٍ، ولا يمكن الحكم عليها بنسبيتها بسبب كونها ظنيةً، فلا يجوز اتخاذ أيِّ قرارٍ -كيفما كان- تجاهها[1].

وانطلاقاً من أهمية الوصول إلى فهمٍ منظَّمٍ ومعتمِدٍ على أصولَ وقواعدَ عقلائيةٍ ودينيةٍ في المعارف الظنية، سوف نبحث في الدرسين القادمين عن أهم قواعد فهم الدين.

(264)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثالث عشر

الأصول الهيرمنيوطيقية

في الفكر الإسلامي (1)

(265)

الأصول الهيرمنيوطيقة في الفكر الإسلامي (1)

حاولنا في الدرس الحادي عشر والثاني عشر أن نبيّن أهم المباني العامة في الفهم والتفسير اعتمادا على آراء العلماء المسلمين. وبحثنا في الدرس الثاني عشر عن أهم قواعد الفهم والتفسير في الفكر الإسلامي. ولمعرفة هذه المباني والقواعد أهميةٌ عظمى في التعرّف على شروط الفهم والتفسير الصحيحين، وفي التخلص من موانع تحقق هذا الهدف.

وقد طُرحت في الجوّ الإسلامي مسألة «تعدد القراءات» انطلاقاً من المباني الهرمنيوطيقية التي اقتبسها دعاة التنوير من الغرب. وعلى هذا الأساس، فإنه يمكن الجمع بين كل التفسيرات البشرية المتعارضة والمستقاة من النصوص -ومنها النصوص الدينية-، ولا يترجّح أيٌّ منها على الآخر؛ وبالتالي، سوف يكون قبول أيٍّ منها مبرّراً.

نعم، كان لهذه المسألة جذورٌ ثقافيةٌ في الإسلام، ولأجل ذلك راجت بشكلٍ سريعٍ في إيران. ومن هذه الجذور والسوابق، نذكر:

وجود قراءاتٍ مختلفةٍ لبعض الآيات القرآنية: فقد كان في صدر الإسلام نظرياتٌ مختلفةٌ في ما يرتبط بتلفظ الآيات وقراءتها. ومن الواضح مدى تأثير هذا الاختلاف في القراءة على الاختلاف في المعنى. والتعدد في القراءة –لا سيما في قراءة ألفاظ القرآن ومعانيها- سينسحب على تعدد قراءات الأحكام الفقهية والمسائل العقائدة.

وجود الآيات المتشابهة: فبعض آيات القرآن الكريم متشابهةٌ

(266)

وتحتمل عدةَ معانٍ. وقد مهّدت هذه الآيات المتشابهة الأرضية لوجود تفاسيرَ مختلفةٍ ولقبول تعدد القراءات.

التفسير بالرأي: وهو عبارةٌ عن بيان معاني الآيات والروايات كما يحلو للمفسر، من دون الاعتماد على قواعد فهم الكلام. وبالتالي، سيؤدي إلى وجود اختلافاتٍ جدّيةٍ في تفسير النصوص، ويمهّد لقبول نظرية تعدد القراءات.

تأويل الآيات: لقد أدى وجود التأويل بالنسبة لبعض الآيات -بمعنى الحقائق غير الماديّة الخارج عن إطار إدراكنا الظاهري- إلى التوطئة لقبول نظرية تعدد القراءات.

وجود تفاسيرَ مختلفةٍ لبعض الآيات: فقد اختلف المفسرون في تفسيسر بعض الآيات، مما مهّد لقبول القول بصحة كل هذه التفاسير ولعدم وجود ضابطةٍ للمفاهيم الدينية.

البحث عن ظاهر القرآن وباطنه: إذ يوجد رواياتٌ متعددةٌ تُثبت وجود باطنٍ للقرآن الكريم. ومفاد هذه الروايات هو وجود معانٍ باطنيةٍ كثيرةٍ، مضافاً إلى المعاني الظاهرية للآيات الكريمة. فقد استند بعضهم إلى هذه المعاني الباطنية للقول بصحة نظرية تعدد القراءات التي تكون في عرض بعضها البعض[1].

فصارت هذه العناصر والسوابق مبرّراً لمدّعي التنوير، حتى يعتنقوا النظرية الغربية المرتبطة بتعدد القراءات. ويبدو لنا، أنه لا يؤيّد أيُّ عنصرٍ من هذه العناصر الستة المذكورة دعوى تعدد القراءات الغربية.

فالعلماء المسلمون يرون إمكان الفهم الصحيح لظواهر

(267)

النصوص الدينية. ولا بد لتحقيق ذلك من مراعاة مجموعةٍ من الشروط والضوابط، بحثوها في علم أصول الفقه وعند تعرضهم أيضا للقواعد التفسيرية. ومن خلال مراعاة هذه القواعد والضوابط، فإننا تارةً نصل إلى فهمٍ يقينيٍّ للنص، وأخرى إلى فهمٍ ظنيٍّ. ومن الواضح أنه مع وجود الفهم اليقيني، لا يصل الدور إلى القراءات المتعددة. لكن مع وجود الفهم الظني، فإنه لا يمكننا ادعاء انحصار المعنى في هذا الفهم الشخصي الظني، بل لا بد من احترام فهم الآخرين وتفسيرهم. وتجدر الإشارة إلى أنه لا يمكننا القول بصحة كلِّ تفسيرٍ آخرَ، بسبب وجود الفهم الظني، بل الفهم الظني المتَّبَع هو الذي يكون مراعياً للقواعد والأصول والضوابط.

ولعل أفضل دليلٍ على إمكان الوصول إلى الفهم الصحيح، هو وقوع الحوار والنقاش بيننا وبين أتباع نظرية تعدد القراءات. فهم يدّعون بأنهم فهموا كلامنا بشكلٍ صحيحٍ، ونحن ندّعي ذلك أيضا[1]. بل إن إمكان الوصول إلى الفهم الصحيح، هو أمر مسلَّمٌ في كل حوارٍ ومناقشةٍ.

والطريقة الصحيحة في التعامل مع النصوص وكيفية الكشف عن المراد الحقيقي، هو من خلال مراعاة القواعد والأصول الهرمنيوطيقية التي سنبيّنها في ما يأتي إن شاء الله.

ضرورة الاطلاع على العلوم اللازمة للتفسير:

يُعدّ الاطلاع على العلوم للازم لعملية تفسير النصوص، من أهم الأصول والقواعد لتحقق الفهم الصحيح. ففي كل نصٍّ تابعٍ لعلمٍ ما أو لمجالٍ محدَّدٍ، لا بد من الاطلاع على مجموعة العلوم

(268)

الدخيلة في فهمنا له. وليست النصوص الدينية مستثناةً من هذه القاعدة أبداً. وبالتالي، انطلاقاً من الأهمية الكبيرة للنصوص الدينية في تحقق المعرفة الدينية ودورها في سعادة الإنسان، لا بد في مقام تفسير هذه النصوص من الاطلاع على العلوم الكافية لعملية التفسير هذه. ويوجد انحرافاتٌ لا بأس بها في مجال فهم النصوص الدينية، مسبَّبَة عن عدم الاعتناء بهذه العلوم الضرورية. وقد قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في هذا الصدد: «من قال في القرآن بغير علمٍ فليتبوأ مقعده من النار»[1].

ولا بد من الالتفات إلى دخالة المستوى المعرفي والمعنوي للإنسان في وصوله إلى مراتبَ مختلفةٍ من المعنى، مضافاً إلى تأثير هذه العلوم اللازمة للتفسير والفهم الصحيح ودخالتها أيضاً. والرواية الآتية تدل على أن الدرجات المعرفية والوجودية للمفسرين، تُعدّ من العوامل المؤثرة في فهم الآيات الإلهية. فقد ورد عن الإمام علي عليه‌السلام أنه قال:

«إن الله جل ذكره قسّم كلامه ثلاثة أقسامٍ: فجعل قسماً منه يعرفه العالم والجاهل، وقسماً لا يعرفه إلا من صفا ذهنه ولطف حسه وصح تمييزه ممّن شرح الله صدره للإسلام، وقسماً لا يعرفه إلا الله وأمناؤه والراسخون في العلم»[2].

وعلى ضوء هذا الحديث، يختص فهم بعض المعاني القرآنية بالأشخاص الذين وصلوا إلى درجاتٍ معرفيةٍ ومعنويةٍ محددةٍ.

(269)

وفي ما يلي، سنشير إلى أهم العلوم التي يُحتاج إليها في تفسير الآيات القرآنية:

العلم بالأصول اللفظية للفهم:

معرفة الأصول اللفظية للفهم، تحتاج إلى العلوم اللغوية المرتبطة بفهم القرآن وتفسيره. والعلوم اللغوية المُحتاج إليها للتفسير، هي:

علم اللغة؛ أي معرفة المفردات والتراكيب، أو العلم الباحث عن مفاد مادة المفردات وأشكالها الخاصة، التي وُضعت لمعانيها بوضعٍ شخصيٍّ أو كليٍّ.

علم الصرف، وهو العلم الباحث عن تبدل الكلمة إلى صورٍ مختلفةٍ لأجل إفادة معانٍ متعددةٍ (كتبديل لفظ «موت» إلى «مات، يموت، تموت، ماتوا، مت، إماتة، و...»).

علم النحو، وهو العلم الباحث عن القواعد التي تمكّننا من استكشاف حالات الكلمة من حيث الإعراب والبناء عندما تقع في التراكيب[1].

علم البيان، وهو العلم الباحث عن القواعد التي تكشف عن كيفية

(270)

بيان معنًى واحدٍ بأكثر من أسلوبٍ مختلفٍ من جهة الوضوح والبيان[1].

وهذه العلوم كلها، توصلنا إلى الفهم الصحيح لمراد الله تعالى، اعتماداً على الالتفات الدقيق إلى ألفاظ القرآن والكشف عن العلاقة المنطقية بينها وبين معانيها. وقد أكّد القرآن الكريم بصراحةٍ على هذا الالتفات إلى الألفاظ، حيث ورد على سبيل المثال في سورة مريم: [فإنما يسّرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوماً لدّاً][2]. فيشير الله تعالى في هذه الآية إلى البُعد اللفظي في القرآن الكريم، وأنه أداةٌ لهداية النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله للمؤمنين وغير المؤمنين (من خلال التبشير والإنذار). وعلى هذا الأساس، يتضح ضرورة الاطلاع على القواعد اللفظية لأجل الكشف عن المراد. ويشهد لهذه الضرورة أيضا، أن بعض الأخطاء في تفسير القرآن، ناشئةٌ عن عدم الاهتمام بهذه المسائل اللغوية.

ومن هنا، تجد العلامة الطباطبائي في ذيل الآية الشريفة [كتاب فُصِّلت آياتُه قرآناً عربيّاً لقوم يعلمون][3]، يقول في بيان معنى «التفصيل»: «والمراد بتفصيل آيات القرآن تمييز أبعاضه بعضها من بعضٍ بإنزاله إلى مرتبة البيان بحيث يتمكن السامع العارف بأساليب البيان من فهم معانيه وتعقل مقاصده‏»[4]. وعلى هذا الأساس، يكون الله تعالى قد أنزل ألفاظ القرآن بحيث يكون الالتفات إلى بُعدها اللغوي شرطاً أوليّاً وضروريّاً للكشف عن المراد.

(271)

المعارف العقلية:

يجب على المفسر الاطلاع على المعارف العقلية، إذ هي من الأبعاد العلمية الضرورية في عملية التفسير والتي تؤدي إلى الفهم الصحيح للآيات. فعلى سبيل المثال، قد أُشير إلى هذا الأمر في بعض الموارد من توحيد الصدوق.

عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ :سَأَلْتُ الرِّضَا عَلِيَّ بْنَ مُوسَى عليه‌السلام عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ‏ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَا يُوصَفُ بِمَكَانٍ يَحُلُّ فِيهِ فَيُحْجَبَ عَنْهُ فِيهِ عِبَادُهُ وَلَكِنَّهُ يَعْنِي إِنَّهُمْ عَنْ ثَوَابِ رَبِّهِمْ لَمَحْجُوبُون‏[1].

فيستفيد هذا الحديث من المعرفة العقلية القائلة بأن الله تعالى ليس ماديّاً ولا يمكن توصيفه بمكانٍ يحلّ فيه. وبالتالي، لا يُراد من «محجوبون» في آية [كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون][2] وجود حاجبٍ يوم القيامة بين الله تعالى وبين عباده، بل المراد أنهم محرومون من الوصول إلى الثواب الإلهي يوم القيامة. ومن الواضح، أنه لا يمكن حمل هذه الآية على خلاف ظاهرها إلا انطلاقاً من هذه المعرفة الفلسفية.

عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْتُ الرِّضَا عَلِيَّ بْنَ مُوسَىعليه‌السلام عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ-  «وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا»، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُوصَفُ بِالْمَجِي‏ءِ وَالذَّهَابِ تَعَالَى عَنِ الِانْتِقَالِ إِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ وَجَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً[3].

ويظهر من هذا الحديث أن الإمام الرضا عليه‌السلام  قد استفاد من

(272)

المعرفة العقلية القائلة بأن الله تعالى ليس ماديّاً ولا يمكن وصفه بالانتقال والذهاب والمجيء، ففسر الآية الشريفة [وجاء ربك والملك صفّاً صفّاً][1] على هذا الأساس، فقال عليه‌السلام : بأنه لا يُراد من «جاء ربك» مجيء الله، بل مجيء أمر الله. فعلى الرغم من عدم وجود هذه المعرفة العقلية في هذه الآية الشريفة، إلا أن الإمامعليه‌السلام استفاد منها للكشف عن مراد الله تعالى من عبارة «جاء ربك».

وتجدر الإشارة إلى أنه لا يُشترط دائماً أن تكون المعارف العقلية (البديهية أو البرهانية) معيِّنةً دائماً لمعنى اللفظ، بل يمكن في بعض الأحيان أن يكون لها دلالةٌ سلبيةٌ، بمعنى أنها تنفي فقط المعنى الظاهري للفظ، ونبقى نحتاج إلى قرينة لتحديد المراد الأصلي من اللفظ. وبيان ذلك: أننا تارة نحدد المعاني التي لا تُراد قطعاً من الكلام، وأخرى نحدد المعنى المراد قطعاً. لذا، يمكننا الاستعانة بالمعارف العقلية للقطع بنفي بعض المعاني المحتملة، أو للقطع بالمعنى المراد للمتكلم. وعندما تعيننا هذه المعارف على نفي بعض الاحتمالات، فإن البيان القطعي للمعنى المُراد يبقى مفتقراً إلى قرائن وشواهد. فعلى سبيل المثال، نقول: «الله تعالى يرى كل الأمور». فاستناداً إلى الدليل العقلي القطعي القائل بأن الله تعالى ليس ماديّاً، فإننا نستطيع أن نجزم بأنه ليس له عينٌ ماديةٌ باصرةٌ يرى بها. واستناداً إلى الدليل العقلي القطعي القائل بأن الله تعالى كمالٌ مطلقٌ (أي إن الله تعالى يشتمل على كل كمالٍ بأشرف نحوٍ وأكمل وجهٍ)، فإننا نجزم بأنه تعالى مطّلع على كل الأمور، ولا يمنع ذلك عدم امتلاكه لعينٍ ماديةٍ باصرةٍ. وفي هذه الموارد، استفدنا من البراهين العقلية بنحوٍ سلبيٍّ -فسلبنا المعنى المادي للرؤية عن الله تعالى- وبنحو إيجابي -فأثبتنا أصل الرؤية والاطلاع لله تعالى-.

(273)

وبعبارةٍ أخرى: تارةً تكون هذه المعارف العقلية بمثابة القرينة المعيّنة (وهي القرينة التي نستفيد منها بنحوٍ إيجابيٍّ فنحدد معنًى للكلام)، وأخرى بمنزلة القرينة الصارفة (أي القرينة التي نستفيد منها بنحوٍ سلبيٍّ فننفي بعض المعاني). فعلى سبيل المثال، في الآية الشريفة [إلى ربها ناظرة][1]، نستفيد من الدليل العقلي القطعي على أن الله ليس ماديّاً ولا يمكن رؤيته بالعين الباصرة، فننفي المعنى المادي للرؤية في الآية؛ لكن تحديد المراد الحقيقي للرؤية المذكورة في الآية يحتاج إلى قرائن أو أدلة أخرى[2].

فالمعارف العقلية القطعية، هي في الحقيقة قرائنُ عقليةٌ، بمعنى أن العقل يستفيد في بعض الأحيان من القرائن العقلية غير اللفظيّة بدلاً من استفادته من القرائن اللفظية المذكورة في الكلام. وانطلاقاً من هذه المعارف العقلية، يمكن للمخاطَب أن يصل مراد المؤلف[3].

وفي هذه الموارد، حتى لو لم نتمكن من العثور على قرائن معيِّنة للمراد الحقيقي من الآية، فإن الدليل العقلي ينفعنا في نفي الاستفادة الخاطئة من الآية.

الالتفات إلى الآيات المحكمة والمتشابهة:

من المسائل المهمة في التي يجب الالتفات إليها في عملية فهم النصوص، هي التفكيك بين الدلالات الصريحة وغير الصريحة. فلا يصح الادعاء بأن كل النصوص لها مستوًى واحدٌ من الدلالات؛ وبالتالي، لا يمكن القول بأنه، عند مواجهتنا لأيِّ نصٍّ، فإنه بإمكاننا الوصول إلى مراد المؤلف، بل يوجد بعض النصوص التي تكون دلالتها صريحةً، وبعضها الآخر تكون دلالتها مبهمةً. وهذا ما عبّر

(274)

عنه العلماء المسلمون بـ «المحكم والمتشابه». وقد استندوا في هذا التعبير إلى الآية الشريفة: [هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آياتٌ محكماتٌ هنّ أم الكتاب وأخرُ متشابهاتٌ فأمّا الذين في قلوبهم زيغٌ فيتّبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كلّ من عند ربنا وما يذّكّر إلا أولوا الألباب][1].

ويقول العلامة الطباطبائيu في ذيل هذه الآية الشريفة أن المراد من المحكمات هو الآيات الصريحة والواضحة. فهذه الآية تريد أن تقول بأن الآيات المحكمة، بخلاف الآيات المتشابهة، لا تَشَابُهَ فيها، ويفهم القارئ معناها دون أيِّ اشتباهٍ أو ترديدٍ. والمراد بالتشابه كون الآية بحيث لا يتعين مرادها لفهم السامع بمجرد استماعها بل يتردد بين معنًى ومعنًى حتى يرجع إلى محكمات الكتاب فتعيِّن هي معناها وتبينّها بياناً[2]. وعلى هذا الأساس، يكون المعيار في فهم الآيات هو ملاحظة الآيات المحكمة، فيجب أن تكون هذه الآيات هي المحور في فهم الآيات المتشابهة. فمن أهم أسباب الفهم الخاطئ للآيات، هو عدم إرجاع المتشابهات إلى المحكمات، وإسقاط التفاسير الشخصية عليها. وقد قال الإمام الصادق عليه‌السلام  بعد تلاوة هذه الآية: "إنما هلك الناس في المتشابه لأنه لم يقفوا على معناه، ولم يعرفوا حقيقته فوضعوا له تأويلاً من عند أنفسهم بآرائهم"[3].

وقد أكّد علماء الإسلام على ضرورة الرجوع إلى الآيات المحكمة عند مواجهة المتشابهات من الآيات، وقد عدّوا ذلك أساساً

(275)

للتفسير، وطريقاً لتجنّب التفسير الخاطئ، ونظاماً ممنهجاً للوصول إلى الفهم الصحيح. وقد عبّر القرآن الكريم عن الآيات المحكمة بوصف "أم الكتاب" لأجل هذا الأمر. فلفظ "الأم"، يعني المرجع الذي يجب أن يرجع الآخرون أو الأشياء إليه. والآيات المحكمة هي أم لأنها مرجع للآيات المتشابهة. فمن الواضح أن مرجع بعض الآيات القرآنية (وهي المتشابهات) إلى بعضها الآخر (وهي المحكمات). وعلى هذا الأساس، يشتمل القرآن الكريم على آياتٍ تكون هي الأم والمرجع للآيات الأخرى، فيزول بواسطتها الترديد الحاصل من الآيات المتشابهة. وبالتالي، تصبح الآيات المتشابهة في نفسها، محكمةً بواسطة إرجاعها إلى الآيات المحكمة. فالآيات المجكمة، محكمةٌ بنفسها، والآيات المتشابهة، محكمةٌ بغيرها[1].

ومن خلال الالتفات إلى ما ذكرنا، يتضح أنه يجب ألّا يكون وجود الآيات المتشابهة واحتمالها لأكثر من معنًى، دليلاً على صحة نظرية تعدد القراءات؛ لأنّه: أولاً: لا يكشف وجود هذه الاحتمالات عن صحتها كلّها؛ وثانياً: المعيار في معاني الآيات المتشابهة هو الآيات المحكمة.

التجنّب عن القبليات المعرفية والتعلقات القلبية في عملية التفسير:

من الجهات الهرمنيوطيقية الأساس في الفكر الإسلامي، هو دور القبليات المعرفية والتعلقات القلبية عند التعامل مع النصوص الدينية، وضرورة التخلص منها أو التجنّب عنها. فإدخال هذه القبليات والتعلقات في عملية فهم النصوص الدينية، يُعدّ من المصاديق الواضحة لمنهج التفسير بالرأي، الذي نهت الروايات عنه بشدةٍ، وبُحث عنه أيضاً في التفاسير والمصادر المرتبطة بعلوم

(276)

القرآن ومنهج فهم الحديث. وقد ورد في رواية مشهورة في هذا المجال عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أنه قال: "من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار"[1]. وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله أيضاً: "ما آمن بي من فسر برأيه كلامي"[2].

وفي هذا المقام، ثمة كلامٌ لأمير المؤمنين عليه‌السلام يصف فيه من أسقط رأيه على القرآن الكريم ولم يعمل بالحقّ، بأنّه اقتبس جهائل من جهّال، وغير ذلك من الصفات، يبيّنها عليه‌السلام في كلامه التالي:

"وآخر قد تَسمَّى عالماً وليس به، فاقتبس جُهائل من جُهّال وأضاليل من ضُلَّال، ونصب للناس أشراكاً من حبائل غرور وقول زورٍ، قد حمل الكتاب على آرائه وعطف الحق على أهوائه، يؤمن الناسَ من العظائم ويهوِّن كبير الجرائم، يقول أقف عند الشبهات وفيها وقع ويقول أعتزل البدع وبينها اضطجع، فالصورة صورة إنسانٍ والقلب قلب حيوانٍ لا يعرف باب الهدى فيتبعه، ولا باب العمى فيصد عنه وذلك ميت الأحياء"[3].

ويقول العلامة الطباطبائي في مقدمة تفسيره، في مقام ذم التفسير المتأثر بالقبليات المعرفية:

"واختيار المذاهب الخاصة واتخاذ المسالك والآراء المخصوصة وإن كان معلولاً لاختلاف الأنظار العلمية أو لشي‏ءٍ آخر كالتقاليد والعصبيات القومية، وليس هاهنا محل الاشتغال بذلك، إلا أن هذا الطريق من البحث أحرى به أن يُسمّى تطبيقاً لا تفسيراً. ففرقٌ بين أن يقول الباحث عن معنى آيةٍ من الآيات: ماذا يقول القرآن؟ أو يقول: ماذا

(277)

يجب أن نحمل عليه الآية؟ فإن القول الأول يوجب أن ينسى كل أمرٍ نظريٍّ عند البحث، وأن يتكي على ما ليس بنظريٍّ، والثاني يوجب وضع النظريات في المسألة وتسليمها وبناء البحث عليها، ومن المعلوم أن هذا النحو من البحث في الكلام ليس بحثاً عن معناه في نفسه"[1].

وقد انتقد العلامة المشائين بسبب تأويلاتهم غير الصحيحة للقرآن الكريم. فقد تأولوا الآيات الواردة في حقائق ما وراء الطبيعة وآيات الخلقة وحدوث السماوات والأرض و آيات البرزخ وآيات المعاد، حتى أنهم ارتكبوا التأويل في الآيات التي لا تلائم الفرضيات والأصول الموضوعة التي نجدها في العلم الطبيعي: من نظام الأفلاك الكلية والجزئية وترتيب العناصر والأحكام الفلكية والعنصرية إلى غير ذلك، مع أنهم نصوا على أن هذه الأنظار منبنية على أصولٍ موضوعةٍ لا بينةٍ ولا مبينةٍ[2].

كما ذمّ العلامة الطباطبائي مسلك أهل التصوّف من الفلاسفة، فإنهم لاشتغالهم بالسير في باطن الخلقة واعتنائهم بشأن الآيات الأنفسية دون عالم الظاهر وآياته الآفاقية اقتصروا في بحثهم على التأويل، ورفضوا التنزيل، فاستلزم ذلك اجتراء الناس على التأويل، وتلفيق جمل شعرية والاستدلال من كل شي‏ء على كل شي‏ء، حتى آل الأمر إلى تفسير الآيات بحساب الجمّل ورد الكلمات إلى الزبر والبينات والحروف النورانية والظلمانية إلى غير ذلك[3].

وتجدر الإشارة إلى أنه ليس كل قبليةٍ معرفيةٍ وفرضٍ مسبَقٍ يضرّان بعملية الفهم الصحيح، بل المراد من المضرّ منهما: أولاً: تلك

(278)

الطائفة التي لم تستند إلى دليلٍ علميٍّ، والتي تفتقد القيمة المعرفية، لأن الاستفادة من المعارف غير المعتبرة في عملية التفسير، يؤدي إلى الانحراف عن كشف مراد المؤلف؛ وثانياً: القبليات المعرفية غير المرتبطة بالأثر، بحيث يكون الالتفات إليها مؤدياً إلى الإخلال في فهم الأثر المكتوب أو الملفوظ؛ وثالثاً: القبليات غير الضرورية في فهم الأثر؛ لأن العلم بالأمور الضرورية لفهم الأثر لا يضرّ بفهمه، بل هو ضروريٌّ للوصول إلى فهمه بنحوٍ صحيحٍ. فعلى سبيل المثال، لا بد من العلم بمعاني الألفاظ أو بفضاء إيجاد الأثر من قبَل المؤلف، حتى يمكننا الكشف بشكلٍ صحيحٍ عن مراده؛ ورابعاً: الفرضيات المسبَقة التي يُسقطها المفسر على الأثر، بمعنى أنه يفسّر الأثر على طبقها، فقط لأنه يعتقد بصحتها، فيطبقّها عليه بنحوٍ غيرِ منطقي. وبالتالي، فإن مجرد امتلاك فرضياتٍ مسبقةٍ وقبلياتٍ معرفيةٍ -حتى وإن كانت غيرَ علميةٍ وباطلةً-، لا ينفي إمكان الكشف عن مراد المتكلم؛ بل محل البحث هو في إدخال هذه القبليات في عملية التفسير، لا في أصل وجودها. وحيث لم يوجد أيُّ دليلٍ على ضرورة تدخل هذه القبليات تكويناً بنحوٍ مخل في عملية التفسير، فإنه يمكن تجنّب الأضرار في هذا المجال من خلال مراعاة المفسر لشروط التفسير اللازمة.

مضافاً إلى ذلك، يجب عدم الغفلة عن دور التعلقات القلبية والميول في عملية فهم الأثر. فلا يمكن لأحدٍ أن يشك في تأثر الإنسان بتعلقاته وتوقعاته الشخصية ورغباته الفردية والاجتماعية. فالإنسان –شاء أم أبى- يواجه هذه الحالات الباطنية في ظروفٍ مختلفةٍ. وبعض هذه العلاقات والتوقعات مطلوبةٌ، ولها خلفيةٌ محكَمةٌ. بخلاف بعضها الآخر، حيث لا يمكن الدفاع عنها من جهةٍ عقليةٍ ولا عُرفيةٍ

(279)

ولا دينيةٍ. وبشكلٍ عامٍّ، تدخل أيُّ ميلٍ أو رغبةٍ -مطلوبةٍ أو غيرِ مطلوبةٍ- في فهم الأثر، بمعنى تأثير التعلقات القبلية في نوع المعرفة، لهو أمرٌ مذمومٌ، ويجب السعي لاجتنابه. على سبيل المثال، لو كان لدينا شخصٌ له علاقةٌ وطيدةٌ مع شخصٍ آخرَ، فإنه يجب ألّا تؤثر هذه العلاقة وهذا الميل الشديد تجاهه على فهم آراء الآخرين الصريحة عن هذا الشخص. ومن جهةٍ أخرى، ثمة أنحاء من التأثير لبعض التعلقات القلبية يمكن قبولها. وهذا من قبيل: تأثير بعض الميول على مزيد الاهتمام بالأثر وتعميق المعرفة والاطلاع على مختلف زواياه وملاحظة دوره بالنسبة إلى مختلف الواقعيات. فهذا مضافاً إلى أنه لا ربط له بسوء الفهم، فإنه يمهد الأرضية للفهم العميق والواسع.

ويريد المفسر، في عملية التفسير، الوصول إلى فهمٍ صحيحٍ لمراد المؤلف من خلال النص ودلالته. لذا، يذهب نحو النص بطريقة منفعلة. وعلى هذا الأساس، فإن إدخال التعلقات والميول في عملية فهم الأثر، لهو أمر مخالف لرسالة المفسر. ويُعدّ انفعال المفسر أثناء مواجهته للنص الدنيني، من أقل مقتضيات التقوى؛ إذ لا معنى لأن يُسقط المفسر آراءه على القرآن الكريم عندما يكون في مقام فهم الآيات. وقد ذكر الله تعالى أن هذا القرآن الكريم هو سبب لهداية أهل التقوى فقط، حيث قال: [ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين][1]. وأدنى مرتبةٍ من مراتب التقوى هي انفعال الإنسان في مقام الفهم الصحيح لظواهر الآيات، من دون أن يُدخل في ذلك قبلياته وميوله.

(280)

 

 

 

 

 

 

الفصل الرابع عشر

الأصول الهرمنيوطيقية

في الفكر الإسلامي (2)

(281)

الأصول الهرمنيوطيقية في الفكر الإسلامي (2

أشرنا في الدرس السّابق إلى قسم من أهم القواعد والأصول في عملية الفهم والتفسير في الفكر الإسلامي، وسوف نبيّن في هذا الدرس بعضا آخر من هذه الأصول والقواعد. ونحتم هذا الدرس بتحليل مسألة «تعدد القراءات» ونجيب على بعض الشبهات المطروحة في المقام، إذ حاول مدّعو التنوير أن يبرّروها بمسألة اختلاف الفتاوى الفقهية. 

السعي لفهم معاني الألفاظ في زمن النزول: 

تتشكل العبارة من مجموعة كلماتٍ، حيث يُعدّ الفهم الصحيح لهذه الكلمات مُهمّاً جدّاً في فهم الأثر بشكلٍ صحيحٍ. ومن الأصول المهمة في عملية التفسير هو الكشف عن معاني الكلمات بنحوٍ متناسبٍ مع ظرف النزول -زماناً ومكاناً-، ويجب عدم الاكتفاء بالمعنى الحالي المرتكز في الأذهان. لذا، يجب الالتفات إلى ما يلي: أولاً: ربما تكون المعاني المرتكزة حاصلةً من ارتكازاتٍ متأخرةٍ عن زمن النزول، بحيث تكون مختلفةً عن المعاني المرتكزة في زمن النزول أو مختلفة عن المعنى الذي أراده المؤلف. لذا، يجب بذل الجهد في مراجعة المصادر المعتبرة، للوصول إلى المعنى الأصلي في زمان النزول. وثانياً: انطلاقاً من أن القرآن أو أيِّ نصٍّ آخرَ، يتناسب مع الظروف الثقافية للمخاطَب ولفضاء النزول، ففي مقام الكشف عن المعنى الحقيقي للجمل، لا بد من ملاحظة معاني الكلمات المتناسبة مع تلك الظروف. وثالثاً: يجب الاطلاع على كل المعاني المحتمَلة للفظ، إذ على الرغم من أن تعيّن المعنى

(282)

المراد للمؤلف يحصل من خلال القرائن، إلا أن عدم الاطلاع على هذه المعاني المحتملة يمكن أن يؤدي بالمفسر إلى الوقوع في التفسير الخاطئ[1].  

ضرورة الالتفات إلى القرائن: 

القرائن هي أمورٌ لها نوعُ ارتباطٍ لفظيٍّ أو معنويٍّ بالكلام، وتؤثر في فهم مراد المتكلم. وقد تكون هذه القرائن متصلةً بالكلام (القرائن المتصلة[2]) أو منفصلة عنه (القرائن المنفصلة[3])، كما قد تكون لفظيةً (القرائن اللفظية أو المقالية) أو غيرَ لفظيةٍ (القرائن غير اللفظية أو القرائن اللبية أو العقلية). والقرائن غير اللفظية من قبيل: ظرف صدور الكلام، وصفات المتكلم وخصائصه، وحالات المخاطَب ومشخصاته، والبراهين العقلية، والحقائق العلمية، والوقائع الخارجية المرتبطة بمفاد الكلام. وهذه الأمور كلها، تُسمى بـ «القرينة»، من حيث دلالتها على المعنى ومدلول الكلام[4]. وسوف

(283)

نشير في ما يلي إلى أهم القرائن التي لها تأثيرٌ أساسيٌّ في فهم المراد الجدي للمتكلم. 

لحن الكلام: 

يُعدّ «لحن الكلام» من القرائن التي لها دورٌ مهمٌّ في الفهم الصحيح للأثر. والمراد بلحن الكلام هو «تلفّظ الكلمات في الكلام الملفوظ، وكيفية الكلمات وتركيبها في الكلام المكتوب»[1]. ومن الواضح أن الكتّاب والمتكلمين، يستفيدون في آثارهم من لحن خاصٍّ لأجل نقل المراد إلى مخاطَبيهم، بحيث لا يقع المخاطَبون في الاشتباه في فهم المراد. على سبيل المثال، في عبارة «الإعدام لا تحرره»، يختلف معناه في اللفظ والكتابة عندما تصدر من القاضي مثلاً. فتارة يركّز القاضي على عبارة الإعدام، فيتوقف، ثم يقول «لا تحرره»، فنفهم لزوم الإعدام والحكم على المتهم بعدم تحريره. وتارة أخرى، يركّز القاضي على «تحرره»، ويتوقف بعد لا، فيقول «الإعدام! لا»، ثم يقول «تحرره»، فنفهم أن القاضي ينفي حكم الإعدام عن المتهم ويُثبت له الحرية. وكما ترى، فإن عبارةً واحدةً، اختلف معناها بسبب لحن الكلام. وهكذا الأمر أيضاً في الكتابة، فعندما تكتب: «الإعدام، لا تحرره»، تفيد معنى غير العبارة التالية: «الإعدام! لا، تحررّه». وعلى هذا الأساس، فإن المتكلم أو الكاتب، يعتمدان على لحن الكلام لأجل إيصال المعنى خالياً عن الإبهام.

ويقول العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان، في ذيل الآية الشريفة: [عم يتساءلون * عن النبأ العظيم * الذي هم فيه مختلفون *

(284)

كلا سيعلمون * ثم كلا سيعلمون][1]: «لحن التهديد هو القرينة على أن المتسائلين هم المشركون النافون للبعث و الجزاء دون المؤمنين ودون المشركين والمؤمنين جميعاً"[2]. فانطلاقاً من الآيتين: [كلا سيعلمون * ثم كلا سيعلمون]، فهم العلامة الطباطبائي أن اللحن هو لحن تهديدٍ وناظرٌ إلى العاقبة السيئة للمنكرين، فاستفاد من ذلك أن السائلين أيضاً هم المشركون أنفسهم.

2. دور الالتفات إلى شأن النزول وفضائه:

لو تحدّد شأن الصدور في كلامٍ ما، فإنه يمكن أن يؤثِّر جدّاً في تحديد المعنى المراد؛ لأن العلم بشأن النزول يؤدي إلى انصراف الكلام عن الكثير من المعاني إلى معانٍ محدودةٍ. وبعبارةٍ أخرى: الالتفات إلى المصاديق القطعية للكلام -سواءً حصل ذلك من خلال العلم بشأن النزول أو من طريقٍ آخرَ-، مانعٌ من حمل الكلام على المعاني المخالفة لهذه المصاديق. لذا، يسعى المفسرون، من خلال بيانهم لشأن النزول، إلى تضييق دائرة المعاني المنسوبة إلى الآيات. ومن هذا الطريق أيضاً، يمكننا الدفاع عن المعاني التي نراها، مقابل الاستفادات والأفهام غير المتناسبة مع شأن النزول.

ومن فوائد الالتفات إلى فضاء النزول، هو تخصيص العام. فلو لاحظنا الأثر بنحوٍ ظاهريٍّ ودون الالتفات إلى مورد صدوره، فإنه يدل دلالةً عامةً. لكن، عندما نلتفت إلى فضاء الصدور، فإننا سنفهم من النص دلالةَ أخصَّ[3].

(285)

ويرى البعض، أن بيان سبب النزول، من جهة كونه علماً بالسبب، سيوجِب لنا العلم بالمسبب. وهذا طريق متينٌ لفهم معاني القرآن. فيقول في هذا المجال: "(منها) الوقوف على المعنى وإزالة الإشكال حيث إن بيان سبب النزول طريقٌ قويٌّ إلى فهم معاني القرآن بل معينٌ على فهم الآية حيث إن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب"[1].

وتجدر الإشارة إلى أن الالتفات إلى شأن وفضاء النزول، لا يعني حصر المعنى في مورد النزول فقط؛ لأن شأن النزول هو ظرف فقط لنزول الآية. وقد ورد عن الإمام الباقرعليه‌السلام أنه قال: "ولو أن آيةً نزلت في قومٍ ثم ماتوا أولئك ماتت الآية إذًا ما بقي من القرآن شيءٌ"[2].

ويقول الإمام الصادق عليه‌السلام أيضاً في هذا المجال: "ولو كانت إذا نزلت آيةٌ على رجلٍ ثم مات ذلك الرجل ماتت الآية مات الكتاب ولكنه حيٌّ يجري في من بقي كما جرى في من مضى"[3].

وعلى سبيل المثال، يمكننا الإشارة إلى حديثٍ نبويٍّ شريفٍ، ظاهره الدلالة على أن كلَّ شخصٍ بشّر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بخروج شهر صفر فله الجنة. والحال، أنه عند الالتفات إلى شأن صدور هذا الحديث، نجد أن مراد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله من هذا الحديث هو تعريف الناس بأن أبا ذر في الجنة. وينقل الشيخ الصدوق: "كان اَلنَّبِيُّ صلى‌الله‌عليه‌وآله  ذَاتَ يَوْمٍ فِي مَسْجِدِ قُبَا وَعِنْدَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ أَوَّلُ مَنْ

(286)

َدْخُلُ عَلَيْكُمُ اَلسَّاعَةَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اَلْجَنَّةِ فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ قَامَ نَفَرٌ مِنْهُمْ فَخَرَجُوا وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُحِبُّ أَنْ يَعُودَ لِيَكُونَ أَوَّلَ دَاخِلٍ فَيَسْتَوْجِبَ اَلْجَنَّةَ فَعَلِمَ اَلنَّبِيُّ صلى‌الله‌عليه‌وآله  ذَلِكَ مِنْهُمْ فَقَالَ لِمَنْ بَقِيَ عِنْدَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ إِنَّهُ سَيَدْخُلُ عَلَيْكُمْ جَمَاعَةٌ يَسْتَبِقُونَ فَمَنْ بَشَّرَنِي بِخُرُوجِ آذَارَ فَلَهُ اَلْجَنَّةُ فَعَادَ اَلْقَوْمُ وَدَخَلُوا وَمَعَهُمْ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ لَهُمْ فِي أَيِّ شَهْرٍ نَحْنُ مِنَ اَلشُّهُورِ اَلرُّومِيَّةِ فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ قَدْ خَرَجَ آذَارُ يَا رَسُولَ اَللَّهِ فَقَالَ صلى‌الله‌عليه‌وآله قَدْ عَلِمْتُ ذَلِكَ يَا أَبَا ذَرٍّ وَلَكِنِّي أَحْبَبْتُ أَنْ يَعْلَمَ قومِي أَنَّكَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اَلْجَنَّةِ»[1]. فيظهر من شأن صدور هذا الحديث، أن المراد هو بيان مقام أبي ذر وأنه من أهل الجنة، وليس المراد بيان كون كل من أخبر بانتهاء شهر صفر فهو من أهل الجنة[2].

وكذلك الأمر في الحديث الوارد عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أن: “الفرار من الطاعون كالفرار من الزحف”[3]. فظاهر هذا الحديث أن الفرار من الطاعون قبيحٌ كالفرار من الحرب. والحال، أنه عند الالتفات إلى شأن صدور هذا الحديث، لما استفدنا هذا المعنى. فقد سُئل الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام عن هذا الحديث، فقال: “قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى‌الله‌عليه‌وآله إِنَّمَا قَالَ هَذَا فِي قَوْمٍ كَانُوا يَكُونُونَ فِي الثُّغُورِ فِي نَحْوِ الْعَدُوِّ

(287)

فَيَقَعُ الطَّاعُونُ فَيُخَلُّونَ أَمَاكِنَهُمْ وَيَفِرُّونَ مِنْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِkذَلِكَ فِيهِمْ.»[1].

3. ضرورة الالتفات إلى السياق للكشف عن المعنى المقصود:

يُعدّ الالتفات إلى السياق من أهم أصول الفهم الصحيح للآثار. ويمكن تعريف السياق: «بأنه خصوصيةٌ للألفاظ أو العبارات أو الكلام الواحد، بحيث توجد بسبب معيتها للكلمات والجمل الأخرى»[2]. وأما الشهيد الصدر، فيعرّف السياق بأنه: «كلّ ما يكتنف اللفظ الذي نريد فهمه من دوالّ أخرى‏، سواء كانت لفظيةً كالكلمات التي تشكّل مع اللفظ الذي نريد فهمه كلاماً واحداً مترابطاً، أو حاليّةً كالظروف الملابسات التي تحيط بالكلام وتكون ذات دلالةٍ في الموضوع»[3]. وعلى أساس هذا التعريف، كلّما كان اللفظ أو الجملة قابلَين للانطباق على أكثر من معنًى، فإنه يمكن التمسك بالسياق لتحديد المعنى المناسب، لأنّه يجب أن تكون عبارات المتكلم الحكيم منسجمةً مع بعضها البعض، ولا معنى لأن يذكر الحكيم عباراتٍ متعارضةٍ وغيرَ منسجمةٍ في كلامٍ واحدٍ.

وقد استفاد الإمام السجاد عليه‌السلام من قاعدة السياق، ليبيّن المراد من كلمة «قرية» في الآية الشريفة» [وكم قصمنا من قرية كانت ظالمةً وأنشأنا بعدها قوماً آخرين][4]، حيث قال عليه‌السلام : «ولقد أسمعكم الله في كتابه ما قد فعل بالقوم الظالمين من أهل القرى قبلكم حيث

(288)

قال وكم قصمنا من قرية كانت ظالمةً وإنما عنى بالقرية أهلَها حيث يقول وأنشأنا بعدها قوماً آخرين»[1].

ومن الواضح من هذا الكلام، أن الإمام عليه‌السلام يعتمد على السياق الأخير للآية (وأنشأنا بعدها قوما آخرين) ليحدد بأن المراد من القرية في الآية هو أهل القرية.

4. دور الآيات نفسها في فهم الآيات الأخرى:

يُعدّ الالتفات إلى مجموعة الآيات القرآنية، من إحدى طرق الكشف عن مراد الله تعالى في القرآن الكريم. فمن الواضح أن الله تعالى الحكيم والعالِم المطلق، لا يمكن أن يصدر منه كلامٌ معارضٌ لكلامٍ آخرَ له. وبالتالي، تكون الآيات الأخرى قرائنَ لفظيةً منفصلةً، لها دورها في الكشف عن المراد الحقيقي لله تعالى. وقد قال أمير المؤمنين8 في هذا المجال عن القرآن الكريم: «وينطق بعضه ببعضٍ ويشهد بعضه على بعضٍ»[2].

وقد فسّر الأئمة المعصومون%القرآن الكريم وبيّنوا المراد من الآيات، من خلال إرجاع بعض الآيات إلى بعضٍ. وللالتفات إلى الآيات الأخرى، وظائفُ مهمةٌ في عملية الفهم الصحيح، نذكر منها:

ألف) العام والخاص:

المراد من العام هو اللفظ الشامل لكل المصاديق والأفراد القابلة لأن يشملها؛ مثل لفظ «الإنسان»، حيث إنه يشمل الرجال

(289)

والنساء والعلماء والجهلاء. وأما اللفظ الخاص، فهو الذي تكون دائرة شموله أضيق من دائرة العام. والمراد من «التخصيص»، هو إخراج بعض المصاديق والأفراد من دائرة العام. وهو قرينةٌ لفظيةٌ منفصلةٌ، يجب الالتفات إليها في مقام الفهم الصحيح لمراد المتكلم. ويعتقد الأصوليون المسلمون أنه لا يمكن التمسك بالعام مع وجود الخاص، حتى ولو كان الخاص منفصلاً عن كلام العام. ومن هنا، لا بد من ملاحظة مجموع الآيات القرآنية، حتى نُخرج مصاديق المخصّص المنفصل من تحت دائرة العام، فلا يشملها حكمه. وملاك قرينية الخاص بالنسبة العام وتقدّم الخاص على العام هو أخصية الخاص بالنسبة إلى العام، أو أظهرية الخاص بالنسبة إلى العام. فعلى سبيل المثال، الآية الشريفة [والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء][1]، تفيد لزوم اعتداد النساء المطلقات لثلاثة أشهر، فلا يتزوجن قبل ذلك. وأما الآية الشريفة التالية [وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن][2]، فتفيد أن المرأة الحامل المطلقة تعتدّ حتى تضع حملها، فإذا وضعته، جاز لها أن تتزوج برجلٍ آخرَ. وبالتالي، هذه الآية تخصص الآية السابقة، وتُخرج المرأة المطلقة من تحت عموم حكم المطلقات المذكور في الآية الأولى. وعلى هذا الأساس، لأجل أن نفهم الآيات العامة بشكلٍ صحيحٍ، لا بد من ملاحظة سائر الآيات، حتى لا نستند إلى عمومية العام بلا دليلٍ. وقد فصّل الأصوليون البحث في ما يرتبط بالعام والخاص وأحكامهما، وهذا خارجٌ عن محل بحثنا في هذا الكتاب[3].

(290)

ب) الناسخ والمنسوخ:

المراد من نسخ الأحكام هو رفع الحكم الشرعي استناداً إلى دليلٍ شرعيٍّ متأخرٍ. وهذا من المعايير المهمة التي لا بد من ملاحظتها حتى نفهم الآيات بشكلٍ صحيحٍ. إذ يمكن، بعد العمل بحكمٍ ما مدةً من الزمن، أن ينتهي أجل هذا الحكم، بسبب انتهاء مصلحته ومِلاكه. ولا بد أن يُخبَر عن انتهاء الأجل بواسطة تشريع حكمٍ جديدٍ. فمن طرُق الكشف عن نسخ الحكم هو ملاحظة سائر الآيات التي أخبر الله تعالى فيها بهذا النسخ. فعلى سبيل المثال، من مصاديق النسخ الواضحة هو تغيير قبلة المسلمين من جهة بيت المقدس باتجاه المسجد الحرام. فبناءً على الآية الشريفة [ومن حيث خرجت فولّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولّوا وجوهكم شطره][1]، يكون حكم القبلة إلى المسجد الأقصى قد نُسخ، وقد صارت القبلة بمقتضى هذه الآية هي المسجد الحرام.

نعم، تجدر الإشارة إلى عدم وجود ملازمةٍ بين إمكان وجود النسخ في القرآن الكريم، وبين نسبة الجهل إلى الله تعالى؛ لأن لله تعالى نوعين من الأحكام: أحكاماً دائمةً، وأحكاماً مؤقتةً. وتارةً يكون الحكم المؤقت واضحاً، وتارةً يوجد مصلحةٌ لإبرازه بشكلٍ دائمٍ، فعلى الرغم من علم الله تعالى بأنه حكمٌ مؤقتٌ، إلا أنه يُبرزه على شكل حكمٍ دائمٍ لأجل مصلحةٍ محددةٍ، ثم يُعلن عن نسخه عندما ينتهي أمده[2].

(291)

ج) تعيين المصداق الحقيقي:

ومن الوظائف الأخرى للالتفات إلى الآيات الأخرى هو تحديد المصاديق الحقيقية للآيات[1]. فقد ترد بعض المعارف (العقائدية أو الفقهية أو الأخلاقية) في بعض الآيات، دون الإشارة إلى مصاديقها؛ لكنه عند ملاحظة الآيات الأخرى، يمكن الكشف عن مصاديقها الحقيقية. فقد ورد في بعض الروايات، تحديد المصاديق الحقيقية لآية استنادا إلى آية أخرى. فعلى سبيل المثال، حدّد أمير المؤمنينعليه‌السلام والإمام العسكري عليه‌السلام المصداق الحقيقي للآية الشريفة [صراط الذين أنعمت عليهم][2] اعتمادا على الآية الشريفة الأخرى [ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا][3].[4]

د) تعيّن المعنى:

يُعدّ تعيّن المعنى أيضاً، من الوظائف الأخرى للالتفات إلى مجموع الآيات. فقد يكون لبعض الالفاظ معانٍ مختلفةٌ بنحوٍ تشكيكيٍّ. فيمكن أن نعيّن في بعضها مرتبةً محددةً اعتماداً على الآيات الأخرى. فعلى سبيل المثال، عند ملاحظة الآية الشريفة [الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلمٍ أولئك لهم الأمن وهم مهتدون][5]، ثم ملاحظ الآية الشريفة الأخرى [يا بنيّ لا تشرك بالله

(292)

إن الشرك لظلم عظيم][1]، يكون المراد من الظلم في الآية الأولى هو هذا الشرك، لا مطلق الظلم[2]. فدون الالتفات إلى الآية الثانية، قد يظن الناس بأن أيَّ نوعٍ من أنواع الظلم يكون موجبا للبُعد عن هداية الله تعالى، وبالتالي يقعون في شراك اليأس. لكن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، انطلاقاً من الآية الثانية، يرى أن الظلم الوحيد المانع من الهداية الإلهية هو الظلم البالغ حدّ الشرك؛ وبالتالي، لا يقع الناس في شراك اليأس.

هـ) بيان السبب:

في بعض الأحيان، قد نحتاج إلى ملاحظة الآيات الأخرى للكشف عن السبب. فعلى سبيل المثال، يستند الإمام الرضا عليه‌السلام إلى الآية الشريفة [بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلاً][3]، للقول بأن المراد من الآية الشريفة الأخرى [ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم][4] هو بمثابة العقاب على كفرهم[5].

وكل الموارد السابقة الذكر، كانت من القرائن اللفظية المنفصلة المؤثرة في فهم مراد صاحب الأثر.

(293)

اختلاف الفتاوى ومسألة «تعدد القراءات»:

يتمسّك مدّعو التنوير الفكري بوجود اختلاف في الفتاوى الفقهية بين الفقهاء، فيبرّرون مسألة تعدد القراءات. وتقريب قولهم: بأنه على الرغم من وجود اختلاف بين الآراء الفقهية، إلا أن اعتبار هذه الآراء شاهدٌ على صحة نظرية تعدد القراءات. فعندما تكون الأفهام المختلفة للفقهاء في ما يرتبط بالنصوص الدينية معتبرةً، فهذا يمكن تسريته إلى كل النصوص. وبالتالي، لا يمكن القول بحقانية فهمٍ خاصٍّ وبترجيحه على سائر الأفهام. وعند بحث هذه المسألة، لا بد من الالتفات إلى بعض المسائل:

أولاً: يوجد في المسائل الدينية العقائدية والفقهية طائفتان من المعارف: معارفُ يقينيةٌ، ومعارفُ ظنيةٌ. أما المعارف اليقينية فهي من قبيل: كون الكتاب المقدس واحداً، وكون صلاة الصبح ركعتين، وجهة القبلة، فإن المسلمين عندما يرجعون إلى النصوص الدينية، لا مجال للحديث عن تعدد القراءات، لأن أدلة إثبات هذه المعارف يقينيةٌ. أما في المعارف الظنية، فلا يوجد مجال لتحصيل اليقين. فبسبب عدم قطعية أدلة إثباتها، وُجدت آراء وأفهامٌ مختلفةٌ؛ كوجوب صلاة الجمعة أو عدم وجوبها، أو الخلاف في حد الموسيقى الحلال، وهكذا. وعلى هذا الأساس، فإن اختلاف الآراء والأفهام، ليس مرتبطاً بكل المعارف الدينية، بل مخصوصٌ بدائرة المسائل الظنية. وبالتالي، لا يمكن قبول دعوى أن النصوص الدينية كلها قابلةٌ للقراءات المختلفة بدليل اختلاف الفتاوى الفقهية.

(294)

ثانياً: حيث لا يوجد دليلٌ قطعيٌّ على المسائل الدينية، فإنه لا بد من الاعتماد على الأدلة الظنية في عملية الفهم. ويجب الالتفات إلى أن قيام الدليل الظني على أمرٍ ما، لا يعني أنه يمكن للجميع أن يتمسك به ويُفتي على ضوء قراءته الخاصة للنص الديني. فهل يصح لغير المجتهدين أن يردوا إلى مجال الاستنباط والإفتاء بحجة اختلاف المراجع وعلماء الدين في فتاويهم؟ من الواضح أن هذا المجال المعرفي، كسائر المجالات المعرفية الأخرى، لا يحق لأحد أن يُظهَر رأيه فيه إلا إذا كان متخصصاً ومجتهداً وصاحبَ نظرٍ. والاطلاع على منهج العلم ومسائله، هو من الشروط اللازمة للتخصص في هذا المجال. فعلى سبيل المثال، لا يصح للأفراد العاديين أن يكتبوا وصفةً طبيةً للمريض، عندما يختلف بعض الأطباء في تشخيص المرض أو في تشخيص العلاج المناسب. وعلى هذا الأساس، يكون تعدد القراءات والأفهام في الموارد الظنية منحصراً بالمتخصصين في ذلك المجال، فيُفتون اعتماداً على المنهج المناسب مع مسائل العلم. وبالتالي، لا يمكن أن يكون اختلاف الفقهاء والمتخصصين في الرأي في المسائل الفقهية، دليلاً على جواز القراءات المختلفة واعتبار الأفهام المتعددة من قبَل كل الأشخاص الباقين.

ثالثًا: القراءات المتعددة المبنية على أساس قواعدَ وأصولٍ عقلائيةٍ، تكون مقبولةً في مقام الإثبات فقط، وأما في مقام الثبوت والواقع، فلا يمكننا القبول بوجودِ معانٍ في عرض بعضها البعض. وبعبارةٍ أخرى: القراءات الممنهجة التي يذكرها المتخصصون، تكون معتبرة في مقام الحجية، ولا يمكن التمسك بحجية هذه

(295)

القراءات للقول بواقعيتها كلها. ومن الواضح أن الأفهام المتعارضة لا يمكن أن تكون واقعيةً عينيةً، بل ثمة فهمٌ واحدٌ وقراءةٌ واحدةٌ صحيحةٌ ومطابقةٌ للواقع، وإن لم تكن معلومةً لنا ومحددةً في مقام الإثبات. وبالتالي، فإن الفتاوى المختلفة الصادرة عن المتخصصين في الدين، لها حجيّة في مقام العمل، لكن الحجية في مقام العمل، لا تكشف عن واقعية متعلقها، أي لا نكتشف من حجية الفتاوى الفقهية واقعيةَ كل متعلقاتها[1].

(296)
المؤلف في سطور صفدر إلهي راد صفدر الهي راد باحث في الفلسفة والإلهيات – إيران أستاذ الفلسفة الإسلامية وعلم الكلام في مدينة قم المقدسة. من مؤلفاته: 1- الإلهيات ما بعد الليبرالية. 2- المباني الفكرية للإسلام. 3- وهذا الكتاب. له مجموعة دراسات وبحوث تم نشرها في مجلات محكمة في ايران والعالم العربي
هذا الكتاب الهيرمينوطيقا يعرض هذا الكتاب إلى"الهيرمينوطيقا" كعلم يرجع الى نظرية المعرفة ونظرية الوجود في آن.والأبحاث الأساسية في هذا العلم ذات تاريخ طويل بعد وإلى ما قبل اليونان مرورا بالأديان الوصايتية وصولا الى الحضارات المعاصرة. تتركز فصول الكتاب على بيان أصل المفهوم ونشأته والتأويلات التي ظهرت حوله في الأدبيات المختلفة للحضارات البشرية. من المقدمة المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية http://www.iicss.iq [email protected] دار الكفيل