فهرس المحتويات

العتبة العباسية المقدسة المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية الأبارتهايد دراسة في الجذور التاريخية والثقافية لمفهوم الفصل العنصري حميد لشهب
هذه السلسلة تتغيا هذه السلسلة تحقيق الاهداف المعرفية التالية: أولا:الوعي بالمفاهيم واهميتها المركزية في تشكيل وتنمية المعارف والعلوم الانسانية وادراك مبانيها وغاياتها ، وبالتالي التعامل معها كضرورة للتواصل مع عالم الافكار ، والتعرف على النظريات والمناهج التي تتشكل منها الانظمة الفكرية المختلفة. ثانيا:إزالة الغموض حول الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي غالبا ما تستعمل في غير موضعها أو يجري تفسيرها على خلاف المراد منها.لا سيما وان كثيرا من الاشكاليات المعرفية ناتجة من اضطراب الفهم في تحديد المفاهيم والوقوف على مقاصدها الحقيقة. ثالثا:بيان حقيقة ما يؤديه توظيف المفاهيم في ميادين الاحتدام الحضاري بين الشرق والغرب،وما يترتب على هذا التوظيف من آثار سلبية بفعل العولمة الثقافية والقيمية التي تتعرض لها المجتمعات العربية والاسلامية وخصوصا في الحقبة المعاصرة. رابعا:رفد المعاهد الجامعية ومراكز الابحاث والمنتديات الفكرية بعمل موسوعي جديد يحيط بنشأة المفهوم ومعناه ودلالاته الاصطلاحية ، ومجال استخداماته العلمية،فضلا عن صلاته وارتباطه بالعلوم والمعارف الأخرى. المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية

الفهرس

مقدِّمة المركز5

مقِّدمة المؤلّف7

الفصل الأول:

مصطلح "الأبارتهايد" 11

الفصل الثاني:

إرهاصات الأبارتهايد في التاريخ الغربي25

الفصل الثالث:

تجليات الأبارتهايد المعاصر81

الفصل الرابع:

الأبارتهايد كبنية في الفكر الغربي الحديث والمعاصر133

الفصل الخامس:

الأبارتهايد عند فلاسفة الحداثة159

الفصل السادس:

الإرث الأبارتهايدي في الثقافة الشعبيّة الغربيّة217

(4)

مقدمة المركز

تدخل هذه السلسلة التي يصدرها المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية في سياق منظومة معرفية يعكف المركز على تظهيرها، وتهدف إلى بحث  وتأصيل ونقد مفاهيم شكَّلت ولمّا تزل مرتكزاتٍ أساسيةً في فضاء التفكير المعاصر.

وسعيًا إلى تحقيق هذا الهدف وضعت الهيئة المشرفة خارطةً شاملةً للعناية بالمصطلحات والمفاهيم الأكثر حضورًا وتداولًا وتأثيرًا في العلوم الإنسانية؛ ولا سيما في حقول الفلسفة، وعلم الاجتماع، والفكر السياسي، وفلسفة الدين، والاقتصاد، وتاريخ الحضارات.

أما الغاية من هذا المشروع المعرفي فيمكن إجمالها بالآتي:

أولًا: الوعي بالمفاهيم وأهميّتها المركزية في تشكيل وتنمية المعارف والعلوم الإنسانية وإدراك مبانيها وغاياتها، وبالتالي التعامل معها كضرورةٍ للتواصل مع عالم الأفكار، والتعرُّف على النظريات والمناهج التي تتشكّل منها الأنظمة الفكرية المختلفة.

ثانيًا: إزالة الغموض حول الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي غالبًا ما تستعمل في غير موضعها أو يجري تفسيرها على خلاف المراد منها. لا سيما وأنّ كثيرًا من الإشكاليات المعرفية ناتجة من اضطراب الفهم في تحديد المفاهيم والوقوف على مقاصدها الحقيقية.

(5)

ثالثًا: بيان حقيقة ما يؤدّيه توظيف المفاهيم في ميادين الاحتدام الحضاري بين الشرق والغرب، وما يترتّب على هذا التوظيف من آثارٍ سلبيةٍ بفعل العولمة الثقافية والقيمية التي تتعرَّض لها المجتمعات العربية والإسلامية، وخصوصًا في الحقبة المعاصرة. 
رابعًا: رفد المعاهد الجامعية ومراكز الأبحاث والمنتديات الفكرية بعملٍ موسوعيٍ جديدٍ يحيط بنشأة المفهوم ومعناه ودلالاته الاصطلاحية، ومجال استخداماته العلمية، فضلًا عن صِلاته وارتباطه بالعلوم والمعارف الأخرى. 
وانطلاقًا من البعد العلمي والمنهجي والتحكيمي لهذا المشروع، فقد حرص المركز على أن يشارك في إنجازه نخبةٌ من كبار الأكاديميين والباحثين والمفكّرين من العالمين العربي والإسلامي. 

* * * 


سعت هذه الدراسة إلى فهم مصطلح “الأبارتهايد” كمفهوم وكتجربة سوسيو ـ تاريخية في سياق علاقة الكولونياليّة الأوروبيّة والأميركيّة مع البلدان المستعمرة ولا سيّما في أفريقيا. كما تبيّن الخلفية الإيديولوجية للعنصرية الغربية وطريقة اشتغالها وارتباطها الوثيق بالحركات الاستعمارية؛ لتصبح أطروحة الأبارتهايد أداة سياسية لإدارة المستعمرات حيث أفصحت عن نفسها بصورة صارخة في أفريقيا الجنوبية عام 1948 وفي المنطقة العربية عبر الاستيطان الصهيوني في فلسطين. 

والله ولي التوفيق

(6)

مقدمة المؤلف 

أعترف منذ البداية بأنّ هذا أوّل بحثٍ في حياتي كلّفني عناءً نفسيًّا أكثر منه فكريًّا؛ وسبب هذا هو هول ما اكتشفته وأنا في بحر الاشتغال عليه: بشاعة الوجه الغربي، وفظاعة ما اقترفه ضدّ شعوب وأمم أخرى، من ظلمٍ وعدوانٍ يرقى إلى مستوى جرائم ضدّ الإنسانيّة. وعلى الرغم من أنّني كنت أعرف هذه الأمور، إلّا أنّها كانت تدخل عندي في باب "ثقافة عامّة" بديهيّة تقريبًا. لكنّني عندما توغّلت في البحث وصادفت مراجع بلغاتٍ مختلفةٍ، أُصبت بما اسميه هنا «كابوسا" جثم على فكري وقادني إلى متاهات بحثٍ متشعّبةٍ، كنت مضطرًّا بعدها إلى اختيار أهمّها؛ لعرضها في هذا المؤلّف.

من بين المصطلحات المعاصرة المرتبطة ارتباطًا وثيقًا ومباشرًا بالإمبريالية الغربيّة، هناك مصطلح «الأبرتهايد". وبغضّ النّظر عن دلالاته اللّغويّة الاصطلاحيّة، فإنّه يلخّص كلّ الحركات الاستعماريّة الغربيّة، سواءً أمورست في مستعمرات الإنجليز والهولنديين والفرنسيين والبرتغاليين والإسبانيين إلخ في بدايات ما سُمي «الإكتشافات الجغرافّية الكبرى"، أم في بلاد الهنود الحمر في القارّة الأميركيّة قبل استعمارها من طرف الأوروبيين وتأسيس الولايات المتحدة الأميركية وكندا والقضاء النهائي على السكان الأصليين، أم عندما هربت مجموعات أوروبيّة من بلدانها الأصليّة طلبًا للرزق والاستغناء واستقرت في

(7)

إفريقيا الجنوبيّة، أم في حلّتها الجديدة مع «أبناء صهيون" واستيلائهم على أرضٍ ليست لهم وممارسة أعنف أبارتهايد عرفته الإنسانيّة على الإطلاق. فالحركة الصهيونيّة هي امتدادٌ مباشرٌ للحركات الاستعماريّة الغربيّة، ولا عجب في كونها محاطة برعاية كلّ الحكومات الغربيّة، وبالأخصّ الأميركيّة، منذ ظهورها؛ بل إنّها البنت الشرعيّة للتطوّر الرأسمالي الغربي إلى ليبراليّةٍ شرسةٍ، همّها الأساسي هو المحافظة على مصالح أقليّة صغيرة من أصحاب رؤوس الأموال والتضحية بباقي العالم. ولا يختلف الدارسون في كون قيام الصهيونيّة راجعًا بالأساس إلى الرأسمال الذي جمعه يهود العالم من مختلف الأنشطة الإقتصادية التي كانوا يزاولونها، وساعدهم ذلك في بسط نفوذهم المالي في الغرب، وبالتالي الضغط على كلّ الحكومات الغربيّة؛ لمساندة الأيديولوجيّة الصهيونيّة الأبارتهايديّة.

يحارُ العقلُ عندما يفكّر المرء في المساندة اللاَّ مشروطة للغرب جملةً وتفصيلاً للصهيونيّة في بُعدها الأبارتهايدي، بل مناصرتها دون قيود ولا شروط؛ في الوقت الذي تدوس فيه بقدميها على المبادئ كلّها، التي يعتبرها هذا الغرب «مقدّسة" لديه ويحاول فرضها على العالم بأكمله، بالترغيب وبالترهيب: «حقوق الإنسان"، «المساوات"، «العدالة" إلخ. أكثر من هذا لم يعد الغرب يعير أيّ اهتمامٍ للهدم المنظّم الذي تسلّطه الأيديولوجيّة الصهيونيّة تجاه القوانين الغربيّة كلّها؛ بتطبيقها للأبارتهايد الممنهج كسياسة رسميّة للدولة ومبدأ لها.

حاولنا في الدراسة التي بين أيدينا حول مصطلح «الأبارتهايد"

(8)

فهم المصطلح لغويًّا واستعماله في القانون الدولي، وخلفيّته التاريخيّة والأيديولوجيّة، وطريقة اشتغاله وارتباطه الوثيق منذ «الاكتشافات الجغرافية الكبرى" بالحركات الكولونياليّة الغربية؛ ليُصبح أداةً سياسيّةً في المستعمرات، وإفصاحه عن نفسه علنًا ودون أقنعة في إفريقيا الجنوبية عام 1948، وتوغّله في الشرق الأوسط بممارسته العلنيّة من طرف آل صهيون.

من أهمّ ما جاءت به هذه الدراسة هو إبراز العنصريّة والأبارتهايد كبنيةٍ في الفكر الغربي منذ عصر «الأنوار"، وهي بنية تتجلّى في ميادين فكريّة غربيّة مختلفة، بما فيها محاولة تأسيس العنصريّة على أسسٍ بيولوجيّةٍ. كما أنّنا قدّمنا عيّنة من الفلاسفة الغربيين ممّن دافعوا علنًا عن العنصريّة والاستعمار في عزّ عصر ظهور شعارات مثل «الحرية" والاستقلال و«حق تقرير المصير" و«الكرامة الإنسانية" و«حقوق الإنسان" إلخ. وختمنا بإظهار آثار العنصريّة والأبارتهايد المصاحب لها في عيّنة من الثقافة الشعبيّة الغربيّة.

لا يمكن لأيّ إنسانٍ غير غربيّ حيثما كان، عانى أجداده من الاضطهاد الغربي، لا يمكن له الثّقة ولو مزاحًا بخداع الغرب. فتاريخه منذ الاكتشافات الجغرافية هو تاريخ كذبٍ واحتيالٍ واستعمال العنف ضدّ الشعوب الأخرى واستغلالهم لصالح رفاهيّته. وإذا لم يَعِ أبناء الأمّة المسلمة وبناتها الازدواجيات الأخلاقيّة والفكريّة للغرب واتّجاهه المستمرّ في الكيل بمكيالين والتحريض والتخطيط للقضاء على الأمّة المسلمة كهدفٍ أسمى له، فإنّ هذه الأمّة التي نجح هذا الغرب في شرذمتها ستصبح في خبر كان.

(9)

المطلوب من النخبة المثّقفة في العالم الإسلامي هو إعادة النظر في ما «ورثته" من الفكر الغربي جملة وتفصيلا، وأخذ موقف ثقافيّ وحضاريّ منه، وتنوير الرأي العام المسلم بالمخاطر التي يشكّلها الفكر الغربي الإمبريالي. لا ندعو إلى مقاطعة الفكر الغربي، بل على العكس من هذا نطالب بالتعامل معه ودراسته بعمق، وعدم الانبهار به؛ لأنّ الغربيّ يقدّمه لنا وكأنّه الفكر الصالح الوحيد. ما ندعو له هو تجاوز موقفين منه: الموقف المنبهر والمدافع عنه بعمًى لا يُفهم، والموقف الرافد له فقط لأنّه غربيّ. فالورش الحقيقي الذي ينتظر الباحث والباحثة العربيين هو الدراسة المعمّقة للفكر الغربي قصد تجاوزه، عوض البقاء في منبر التهليل والدعاية له أو الاصطفاف في خندق نقده وتوظيف طاقات فكريّة وبشريّة وزمانيّة لهذا الغرض، وهو في عمومه لا يستحقّ كلّ هذا الاهتمام. نظر المفكّر الغربيّ ودافع على أطروحات بعينها في ميدان الفكر، ولا تنقصنا لا الكفاءات البشريّة ولا الفكريّة للابتكار في هذا الميدان، لربّما بتفوّق أكبر، إن نجحنا في تقوية إرادة مقاومتنا للسجون الفكريّة الداخليّة حيث أودعنا الغرب، ولم نعد نرى العالم إلا بنظاراتٍ غربيّةٍ. فالتعمّق في دراسة موضوع الأبارتهايد مثلا قادنا إلى وضع الإصبع على المشكل الحقيقي للغرب: لا يرى باقي الشعوب إلا كخدم له، وهو مستعدّ لمعايدة الإبادات الجماعيّة، كما في الماضي، حيثما ظهر له ذلك ضروريًّا -أي إبادة كلّ الشعوب التي تعارض رغباته وقراراته-.

حميد لشهب

(10)

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول

مصطلح "الأبارتهايد"

(11)

لا يستقيم تعريف مصطلح «الأبارتهايد»، لجهة إعطائه دلالاته العميقة إلا بربطه بمصطلحاتٍ أخرى، وهي: الاستعمار/الإمبرياليّة، والعبودية، والتفرقة، أو الميز العنصري/العنصريّة. ولربّما أمكن القول بأنّه ينتمي إلى سلسلةٍ من المصطلحات التي استعملت كأدواتٍ لتثبيت سيطرة الغرب على العالم منذ سقوط الخلافة الإسلامية في الأندلس، وما لحقها من نتائج هيمنة واستحواذ مارسته الدول الأوروبية منذ أكثر من سبعة قرون.

منهجيًّا، في تعريفنا للأبارتهايد، وبما أنّه أتى في نهاية سلسلة المصطلحات التي أشرنا لها أعلاه، سنعرف ولو في عجالةٍ تلك المفاهيم، قبل تدقيق تعريف الأبارتهايد. فالأبارتهايد هو نتيجة لما سبقه، لم يأتِ من عدم، بل مهّدت له ثقافة الاستعمار وما تسبّبت فيه من عنصريّة وعبوديّة.

أ. الاستعمار والإمبريالية

الاستعمار هو سيطرة دولة من الدول أو جماعة من النّاس على دولة أو شعب من الشعوب والتحكّم في مصيره واستغلال خيراته لصالح البلد المُسْتَعْمِر. ويتّفق معظم المؤرّخين على أنّ تأسيس المستعمرة البرتغاليّة في سبتة المغربيّة عام 1415، المحتلّة إلى الآن، كانت نقطة انطلاق الاستعمار الأوروبي. انطلاقًا من سبتة شرعت البرتغال في حملات اكتشافيّة «عسكريّة»، واستطاعت عام 1434 عبور «رأس بوجادور» في الجنوب المغربي حاليًّا، الذي كان يعتبره

(12)

الأوروبيون غير قابل للاجتياز. ومن ثم بدأت في إقامة محطّات تجاريّة، ضمت تجارة العبيد أيضًا، إلى أن وصلت رأس الرجاء الصالح عام 1488.

هناك الاستعمار القديم أو الحركات الاستيطانيّة التي قامت بها مجموعة من الدول الأوروبيّة منذ بدايات العصر الحديث، ونشاط دول أوروبيّة بعينها في القرن السادس عشر؛ لغزو دول خارج القارّة الأوروبيّة نفسها والاستحواذ عليها. ومن بين الأسباب الرئيسيّة لهذا الاستعمار هو البحث عن الثروة، سواء أكانت معادن نفيسة أم مواد استهلاكيّة وغذائيّة مختلفة. ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّ أغلبيّة الأوروبيين ممن شاركوا في الحركات الاستعماريّة قاموا بذلك هروبًا من الاضطهاد بكلّ أنواعه، الذي عاشوه في بلدانهم الأصليّة، والفقر لضيق الحال في أوروبا آنذاك، بعدما ارتفع عدد سكّانها إلى مستوى أصبحت فيه فرص العمل والعيش صعبة للغاية.

وهناك الاستعمار الحديث، الذي ظهر بعد الثورة الصناعيّة الأوروبية، وما صاحبها من بحثٍ عن أسواق خارجيّة؛ لتسويق مختلف السلع المنْتَجَة، وفي الوقت نفسه تزويد السّوق الأوروبيّة بالمواد الخام الضروريّة للرفع من الإنتاج الصناعي.

ما هو خطير في الاستعمار ليس هو فقط بسط النفوذ والاستغلال الاقتصادي للمستعمرات، بل فرض ثقافة وحضارة ودين وتصوّر للعالم مغاير تمامًا للدول المُسيطَر عليها عن طريق اللِّين وعن طريق القوّة، واستمرار هذا الفرض إلى يومنا هذا بطرقٍ شتّى. وما هو

(13)

أخطر هو أنّ الاستعمار هو السبب الرئيس في إقامة نظام أبارتهايد في جنوب إفريقيا، لم ينتهِ إلّا بعد نضالٍ طويلٍ للسكّان الأصليين، وهو مستمرّ إلى حدّ الآن في فلسطين المُحتلّة من طرف الصهاينة، الذين أقاموا فيها نظام أبارتهايد حقيقي.

في العمق، وحتى وإن كانت عامّة الناس تعتبر الاستعمار والإمبرياليّة مترادفين، فإنّهما ليسا كذلك في الحقيقة. فحتى وإن كانت الإمبرياليّة تتضمّن أيضًا السيطرة وإخضاع الآخرين، فإنّها تعني بالدرجة الأولى «فعل قيادة imperium»، يعني التركيز على طريقة ممارسة السيطرة وأسلوبها على بلد آخر. في غالب الأحيان يستعمل مصطلح الاستعمار لوصف المستعمرات في أميركا الشماليّة ونيوزيلندا والجزائر والبرازيل وغيرها، حيث سكن عدد كبير من الأوروبيين بطريقة دائمة وسيطروا عليها. أمّا مصطلح الإمبريالية فإنّه غالبًا ما يصف تولّي حكومة أجنبيّة إدارة منطقة دون نشاط استيطاني كبير؛ كما وقع للكثير من الدول الإفريقية في أواخر القرن التاسع عشر، والهيمنة الأميركية على الفلبين وبورتوريكو.

ما يميز مصطلح الإمبريالية، بالمقارنة مع نظيره الاستعمار، هو تغيّر معنى هذه الأخيرة باستمرار. للإشارة، لم يكن مصطلح الإمبريالية شائعًا قبل القرن التاسع عشر، بل استعمل الإنجليز مفهوم «الإمبراطوريّة»، التي كانت تعني نظام الهيمنة والسيادة العسكريّة على بلدان أخرى، حتى في حالة ما سيّر السكان الأصليون أمورهم بأنفسهم بتفويض من البريطانيين.

(14)

ابتداء من منتصف القرن التاسع عشر، تحوّل الاستعمار (Colonisation) إلى إمبرياليّة (Imperialisme)، أو ما يُسمّى الاستعمار الثاني. فإذا كان هدف الاستعمار في مرحلته الأولى هي التجارة، فإنّ أهداف الإمبريالية كانت لأسباب أيديولوجيّة محضة، بعدما قوّت نفسها في المرحلة الأولى. وتتمثّل هذه الأيديولوجية في ممارسة تفوّقهم التقني والعسكري والصناعي على الشعوب الأخرى والاستحواذ على ثرواتهم الطبيعيّة «لتغذية» صناعتهم والاستفادة من الأسواق الشاسعة التي كانت تمثلها البلدان المُستعمرة. ناهيك عن إتاحة الفرصة للأوروبيين المهمّشين والفقراء في بلدانهم للهجرة إلى المستعمرات والإستفادة من كلّ الإمكانيات المتاحة، بما فيها استعباد السكّان الأصليين، ليصبحوا «أسيادًا» وأغنياء وأصحاب جاه، وهو ما لم يحقّقوه في بلدانهم الأصليّة. ومن المعلوم أنّ المرحلة الإمبريالية تميّزت بالتغطية على هذه الأيديولوجيّة؛ بنشر بروباغاندا من قبيل: «مساعدة الشعوب من أجل التقدّم» و«مسؤوليّة الرجل الأبيض في هذه المساعدة».

والواقع أنّ هذا التحوّل حدث مباشرة بعد البدايات الأولى لمحاولة القضاء على قوانين العبوديّة منذ 1848. وعلى الرغم من المعارضة المضنيّة للمستعمرين الذين كانوا يستفيدون من نظام العبوديّة ويعتبرون دعاة تحرير السكان الأصليين كعملاء أجانب، يريدون خراب الاقتصاد الوطني وتشجيع كسل السكان الأصليين، فإنّ إلغاء العبوديّة تمّ بالفعل على الورق، لكن سياسة الرق وممارستها استمرّت بأشكالٍ أخرى. فباسم تحرير العبيد تمّ التبرير

(15)

الأخلاقي للتدخّل الإمبريالي من أجل «إنقاذ السكان الأصليين من حكم الملكيات الإقطاعية وعبوديتها» ومن «الخضوع للاستبداد" و«المُتخلَّى عنهم للهمجية». إضافة إلى هذا استغلّت الكنيسة المسيحيّة في أوروبا دعوات تحرير العبيد؛ لتمرير سياسة التبشير في المستعمرات، والتأكيد على المهمّة «الحضاريّة» للكنيسة[1]. وكانت هناك وجوه كنسيّة ذات تأثيرٍ كبيرٍ ساندت هذه «المهمّة الحضاريّة» كالكاردنال شارل لافيجوري (Charles Lavigerie) والأب جون ماري دو ملا ميني (Jean-Marie de La Mennais). ونتذكر بأنّ تدخّل فرنسا في سوريا عام 1920 كان تحت ذريعة «حماية» الدروز المسيحيين من المسلمين.

حتى وإن كان مصطلح الإمبريالية الجديدة الابن الشرعي للاستعمار (موجة الاستعمار بين 1402 و 1815)، بل وجها آخر له، فإنّ له خصوصيّات تميّزه عنه. تاريخيًّا بدأت الإمبرياليّة بعد «قوانين إلغاء الرق» في أوروبا، وشعور الغرب برمّته، بما في ذلك أميركا حديثة التأسيس، بضرورة ضمان قوّتها وهيمنتها وهيبتها وإظهارها هذه القوّة لمنافسيها من الإمبرياليين الآخرين. وهذه أكبر خاصيّة للإمبرياليّة الجديدة على الإطلاق؛ لأنّها عكست الصراعات الحادّة بين القوى العظمى، وبالخصوص بعد الحرب العالمية الثانية وبداية الاستقلال السياسي للمستعمرات.

(16)

ب. العبوديّة

تعني العُبُودِيَّة أو الرِّقّ امتلاك إنسان لإنسان آخر، فيها السَّيِّد والعَبْد أو الرق. كان الرقيق يباعون ويُشترون في أسواق النخاسة، فيما اصطلح عليه تجارة الرقيق بعد اختطافهم من أوطانهم، أو بعد أسرهم في الحروب والغزوات، أو بسبب اهدائهم من قبل أهاليهم أو مالكهم لمالك آخر.

وُجدت العبوديّة منذ القدم في أقطار وأمصار وحضارات مختلفة؛ لتغطية الخصاص في اليد العاملة، سواء المنزلية أو الفلاحية أو البناء أوالصناعة... إلخ، منذ مرور الإنسان من مرحلة الصيد إلى مرحلة الزراعة والاستقرار النسبي أو المؤقّت. لم تكن العبوديّة ممارسة مُشانة أو ممنوعة قانونيًّا ولا مُحرّمة دينيًّا، إلى أن جاء الإسلام الذي تحدّث عنها صراحة في القرآن وهناك أحاديث عدّة في الموضوع. ويعتبرُ القرآنُ تملّك العبيد أمرًا استثنائيًّا يمكن استخدامه في ظلّ ظروفٍ معيّنة ومحدودة. فالأطفال من العبيد أو من غير المسلمين من أسرى الحرب يمكن أن يُصبحوا عبيدًا، لكن يمُنَع تمامًا أن يكون أيّ طفل مسلم حديث الولادة عبدًا لأيّ شخص. وعلى الرغم من الإقرار بالعبوديّة فإنّ الإسلام شرّع عتق العبيد، وجعله من كفّارات الذنوب.

ما يميِّز العبوديّة الأوروبيّة، التي صاحبت ما سمّي «الاكتشافات الجغرافيّة» وبداية استعمار بلدان أخرى واستعباد سكّانها الأصليين في آسيا وإفريقيا والأميركيّتين وأستراليا، هو أنّ طريقة الاستعباد

(17)

وطول مدّته لم يسبق لها مثيل في التاريخ. ذلك أنّ الإنسان المُسْتَعْبَد مُسَّ في كرامته الأنطلوجيّة، وكان للسيّد عليه حقُّ الحياة والموت. أمّا طول مدّة استعباد الآخرين من طرف القوى الاستعماريّة الكبرى فقد فاق الخمسة قرون، طُوّرت خلالها ثقافة عنصريّة استرقاقيّة، كانت بمثابة التمهيد المؤسّس للأبارتهايد.

ج. العنصريّة

طبقًا لمعجم المعاني الجامع فإنّ العنصريّة هي: «اسم مؤنَّث منسوب إلى عُنْصُر... مذهب يفرِّق بين الأجناس والشُّعوب بحسب أصولها وألوانها ويُرتِّب على هذه التَّفرقة حقوقًا ومزايا، مذهب المتعصِّبين لعنصرهم، أو لأصلهم العِرقيّ».

تسمّى العنصرية أيضًا التمييز العرقي أي التأكيد على الفرق بين الأجناس والأعراق لأسباب مختلفةٍ منها البيولوجي والبيئي والاجتماعي والثقافي والديني إلخ. والنتيجة هي تبرير التعامل مع النّاس بطرقٍ مختلفةٍ في كلّ ميادين الحياة. وتتأسّس العنصريّة على شعور فئةٍ اجتماعيّة أو عرقٍ بتفوّقه على الآخرين في كلّ شيء، بل بكماله ودونيتهم. كما تتأسّس على الإقصاء الفعلي والرمزي للآخرين. وتُعتبر تجارة الرقيق، أو ما يُسمّى «التجارة الثلاثيّة» بين إفريقيا وأوروبا والأميركيتين والأبارتهايد الجنوب إفريقي والصهيوني ممارسات عنصريّة محضة لا غبار عليها.

د. الأبارتهايد

اشتقّت كلمة الأبارتهايد الأفركانيّة (Afrikaans) من اللّغة

(18)

الفرنسيّة جزئيًّا، وتعني «التفريق أو التمييز والإبعاد»[1]. تتكوّن الكلمة من شقّين: «أبار à part»، وهو الشقّ الفرنسي، الذي يعني «الإبعاد» و «هايد Heid» وهو الشقّ الهولندي، ويعني «حقيقة» أو «وضعًا». ينتمي هذا المصطلح إلى السياسة المسمّاة بـ «التطوّر أو النّمو المنفصل»، التي تُجمّع البشر في مناطقَ جغرافيّة محدّدة، طبقًا لانتمائهم العرقي أو الإثني.

نُظّر لهذا المصطلح في جنوب إفريقيا عام 1935م من طرف فان بيليوون (P.van Biljoen[2]) وأُدخل في القاموس السياسي ابتداء من عام 1948 في إفريقيا الجنوبية من طرف «الحزب الوطني» وأُلغي يوم 30 يونيو 1991. كما طبق في ناميبيا الحاليّة بين سنتي 1959 و1979، عندما كانت تُدار من طرف إفريقيا الجنوبية.

للأفركانس لغة خاصّة بهم، تُسمّى اللّغة الإفريقانيّة وهي لغة جرمانيّة غربيّة، تُستخدم في جنوب إفريقيا وناميبيا، كما يوجد عددٌ من المتحدّثين بها في كلّ من بوتسوانا وليسوتو وسوازيلند وزيمبابوي وزامبيا. يتحدّث هذه اللّغة ما يُقارب ثلاثة مئة ألف شخص في إنجلترا، وهناك فِرَق في طورونطو بكندا وبيرث الأسترالية وأوكلاند بنيوزيلاندا تتكلّم هذه اللّغة. فهي اللّغة الأم/الرئيسيّة لأكثر من ستة ملايين شخص، واللّغة الثانية لأكثر من عشرة ملايين آخرين. تكوّنت هذه اللّغة في القرن السابع عشر، ولها جذور من

(19)

اللغة الهولندية، لكنّها متأثّرة بشكلٍ كبيرٍ بلغاتٍ أخرى كالإنجليزية والمالوية والألمانية والبرتغالية والفرنسية وبعض اللّغات الإفريقية الأخرى، وتعتبر اللّغة الرسميّة لجنوب إفريقيا.

يُعرّف القانون الدولي[1] الأبارتهايد كالتالي:

«المادة 2»

في مصطلح هذه الاتّفاقيّة، تنطبق عبارة «جريمة الفصل العنصري»، التي تشمل سياسات وممارسات العزل والتمييز العنصريين المشابهة لتلك التي تمارس في الجنوب الإفريقي، على الأفعال اللا إنسانيّة الآتية، المرتكبة لغرض إقامة وإدامة هيمنة فئة عنصريّة ما من البشر على أيّة فئة عنصريّة أخرى من البشر واضطهادها إيّاها بصورةٍ منهجيّةٍ:

(أ) حرمان عضو أو أعضاء في فئة أو فئات عنصريّة من الحق في الحياة والحريّة الشخصيّة:

«1» بقتل أعضاء من فئة أو فئات عنصرية،

«2» بإلحاق أذى خطير، بدني أو عقلي، بأعضاء في فئة أو فئات عنصرية، أو بالتعدِّي على حريتهم أو كرامتهم، أو بإخضاعهم للتعذيب أو للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانيّة أو الحاطة بالكرامة،

(20)

«3» بتوقيف أعضاء فئة أو فئات عنصرية تعسفًا وسجنهم بصورة لا قانونية، (ب) إخضاع فئة أو فئات عنصرية، عمدًا، لظروف معيشيّة يقصد منها أن تفضي بها إلى الهلاك الجسدي، كليّا أو جزئيّا.

(ج) اتّخاذ أيّة تدابير، تشريعيّة وغير تشريعيّة، يقصد بها منع فئة أو فئات عنصريّة من المشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية للبلد، وتعمد خلق ظروف تحول دون النماء التام لهذه الفئة أو الفئات، وخاصة بحرمان أعضاء فئة أو فئات عنصرية من حريات الإنسان وحقوقه الأساسية، بما في ذلك الحق في العمل، والحق في تشكيل نقابات معترف بها، والحق في التعليم، والحق في مغادرة الوطن والعودة إليه، والحق في حمل الجنسية، والحق في حرية التنقل والإقامة، والحق في حرية الرأي والتعبير، والحقّ في حريّة الاجتماع وتشكيل الجمعيّات سلميًّا.

(د) اتّخاذ أيّة تدابير، بما فيها التدابير التشريعيّة، تهدف إلى تقسيم السكّان وفق معاييرَ عنصريّة بخلق محتجزات ومعازل مفصولة لأعضاء فئة أو فئات عنصريّة، وبحظر التزاوج فيما بين الأشخاص المنتسبين إلى فئات عنصريّة مختلفة، ونزع ملكيّة العقارات المملوكة لفئة أو فئات عنصريّة أو لأفراد منها.

(هـ) استغلال عمل أعضاء فئة أو فئات عنصريّة، لا سيما بإخضاعهم للعمل القسري.

(و) اضطهاد المنظّمات والأشخاص، بحرمانهم من الحقوق والحريات الأساسية، لمعارضتهم للفصل العنصري.

(21)
المادة 3

تقع المسؤولية الجنائية الدولية، أيًّا كان الدافع، على الأفراد وأعضاء المنظمات والمؤسسات وممثلي الدولة، سواء كانوا مقيمين في إقليم الدولة التي ترتكب فيها الأعمال أو في إقليم دولة أخرى:

(أ) إذا قاموا بارتكاب الأفعال المبينة في المادة الثانية من هذه الاتفاقية، أو بالاشتراك فيها، أو بالتحريض مباشرة عليه، أو بالتواطؤ عليه.

(ب) إذا قاموا بصورة مباشرة بالتحريض أو بالتشجيع على ارتكاب جريمة الفصل العنصري أو ساعدوا مباشرة في ارتكابها.

أمّا المادة السابعة من «معاهدة روما» والمؤسّس للمحكمة الجنائيّة الدولية[1]، فإنّها تعتبر الأبارتهايد كـ «جريمة ضدّ الإنسانية». في حين يعرف ميثاق المحكمة الجنائية الدولية جريمة «الفصل العنصري» بأنّها الأفعال اللا إنسانيّة التي «ترتكب في سياق نظام مؤسّساتي قوامه الاضطهاد المنهجي والسيطرة المنهجيّة من جانب جماعة عرقيّة واحدة إزاء أيّة جماعة أو جماعات عرقيّة أخرى، وترتكب بِنِيَّةِ الإبقاء على ذلك النظام»[2]. من هنا فإنّ الخاصيتين الأساسيتين للأبارتهايد هما: «سياسة الهيمنة والسيطرة وبسط النفوذ» بطريقة ممنهجة ومُنظّمة من جهة، و«سياسة الإضطهاد» الممنهج

(22)

أيضًا. فالسياسة الأخيرة هي وسيلة للوصول إلى الأهداف التي تسطّرها السياسة الثانية لنفسها. وحتى وإن لم يكن النص القانوني الدولي حدّد بتدقيق طبيعة «الهيمنة» أو «السيطرة» المُمَنهَجة الممارسة في ظلّ الأبارتهايد، فيمكن اعتبارها ديموغرافية، جغرافية، ثقافية، دينية، اقتصادية، سياسية إلخ. يعني أن هيمنة الأبارتهايد تتمّ على كلّ المستويات، التي تسمح له بتطبيق أيديولوجيته».

بكلمةٍ مختصرةٍ، يعني مفهوم الأبارتهايد: «التعامل مع أشخاص متساوين بشكل مختلفٍ، وتفضيل بعضهم على البعض على خلفيّة الانتماء القومي أو الديني أو الطائفي، أو بسبب اللّون أو العنصر أو الجنس»، ويقابل هذا المفهوم مفهوم المساواة، أي إعطاء حقوق متساوية للبشر دون الأخذ بعين الاعتبار الفوارق العرقيّة أو الجنسيّة أو الدينيّة وما إلى ذلك.

 

(23)
(24)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

إرهاصات الأبارتهايد

 في التاريخ الغربي

(25)

عرفت الإنسانيّة منذ غابر العصور العبوديّة في الكثير من حضاراتها وثقافاتها. لكنّ العبوديّة التي مارسها الاستعمار الغربي لم يسبق لها مثيل في التاريخ الإنساني الطويل، بالنظر إلى المدّة التي دامها وتنظيمه القانوني وأساسه العرقي[1].

بدأت عبوديّة الأوروبيين للشعوب الأخرى ابتداءً من القرن الخامس عشر الميلادي، وعرفت شبه نهاية في القرن التاسع عشر. وعلى طول أربعة قرون طوّرت القوى الاستعماريّة، وبالخصوص الفرنسيّة والإنجليزيّة والإسبانيّة، قوانين أسّست للعبوديّة، سمّيت في غالب الأحيان «قوانين السود»، نظّمت بها اشتغال هذه العبوديّة، بحيث كان العبد يُعتبر في نظر الأوروبي مُلكًا له، تمامًا «كأثاث منزله».

يُعتبر تحديد العبودية المشار إليه أعلاه، الأساس الأيديولوجي لمشروعيّته القانونية و«الأخلاقية»، وعملت هذه الأيديولوجية على إنتاج «ثقافة» خاصّة بالعبوديّة ورسم معالم الإنسان الأسود في البناء الفكري الأوروبي ككائن لا يُعتبر من البشر لا بيولوجيًّا ولا جينيًّا، وككائن أقلّ مستوى ثقافيًّا من الغربي[2]. وعلى هذا الأساس بُرّرت تجارة الرق، فيما يُعرف تاريخيًّا بـ«مثلّث التجارة»: تجارة الرقيق

(26)

من إفريقيا إلى الأميركيتين، وسكر وتبغ وقطن للقارة الأوروبية، ومنسوجات، وكحول وسلع مصنّعة إلى إفريقيا.

لا داعي للتذكير بأنّ هذه العبوديّة التي مارسها الأوروبي كانت مُرافقة بسلسة من السلوكات الوحشية التي كان يتعرض لها الإنسان الإفريقي، سواء في الطريقة التي كان المرء يحصل عليه بها في إفريقيا أو أثناء عبور المحيط الأطلسي أو عندما يُباع لمُستعمر ما في الأميركيتين. كان التعذيب الجسدي والعقوبات والضغط النفسي على الأفارقة يُمارس بأسلوب لا يتردّد المرء في تسميته بـ«جرائم ضدّ الإنسانية»[1].

لا يمكن إذن غضّ الطرف على هذا الأمر في معرض حديثنا عن «الأبارتهايد»[2]؛ لأنّ السياسة الاستعماريّة في حدّ ذاتها هي تمهيد له، وممارسة العبودية هي أقصى أشكاله، بل هي التي مهّدت الطريق لنظام الأبارتهايد في جنوب إفريقيا، وعزّزت الأبارتهايد الصهيوني، كما سنرى فيما بعد.

كان المرء يعتقد بأنّ الشعوب التي كانت مُستعمرةً ستتحرّر بالفعل بعد الإعلان عن استقلالها السياسي، وتقرّر مصيرها بذاتها،

(27)

وتنخرط في بناء أوطانها ومواطنيها. لكن الواقع أن هذا لم يحدث في أيّ بلد كان مستعمرًا، بل ظلّت هذه الشعوب إلى يومنا هذا تعاني من تبعات الاستعمار والممارسات التي كان يلجأ لها لتطويع البشر والأرض في المستعمرات. هناك نوع من الصدمة الكولونياليّة تعاني منها أجيال المستعمرات القديمة جيل بعد جيل، بل إنّ الأسس الاجتماعيّة في هذه البلدان لم يبارح المنطق العنصري الذي أسّسه الاستعمار، ذلك أنّ التمييز الاجتماعي أصبح العامل الأهم في التمييز والإقصاء الاجتماعيين[1].

طبقًا للسوسيولوجي الأميركي الجنوبي كيجانو[2] (Quijano)، فإنّ العلاقات الكلونياليّة الجديدة متجذّرة في أنظمة التفكير الاستعمارية القديمة، الذي من خصائصه العنصرية، المتمثّلة في اعتبار السكّان الأصليين للمستعمرات كبشر دونيين طبيعيًّا، والإدعاء بأنّ نساء المستعمرات لا تتحكّمن في حياتهنّ الجنسيّة والاستغلال الاقتصادي بفرض العمل القسري دون مقابل أو بمقابل هزيل. تلعب أنسقة الفكر الثلاثة هذه إذن (العنصرية، التحيّز الجنسي للرجل، الرأسمالية) دورًا في تشكيل العلاقات الحالية بين المستعمر الجديد ودول ما بعد الاستعمار القديم. ولهذا من طبيعة الحال تأثير مباشر على تصوّر المعرفة والثقافة من قبل الكولونيالي الجديد، ذلك أنّ ثقافته وعلمه هما ما يعترف

(28)

به، في حين يتسلّى بالثقافات الأخرى باعتبارها فولكلورًا يسلّي لا أقل ولا أكثر[1].

من تجليات النزعة الكلونياليّة الاستعبادية الغربية هناك استمرار فكرة «مهمّة نقل الحضارة» للشعوب المتخلّفة. وكما سبقت الإشارة إلى هذا، فإنّ هذه الفكرة الاستعمارية المحضة تفترض السمو الأخلاقي والحضاري الغربي على كلّ شعوب الأرض، أي تمييز عنصري أبرتهايدي خالص، يسهل، بل يسمح باستعباد البشر واستغلالهم في المستعمرات القديمة، إلى حدّ الآن على الرغم من استقلالها السياسي. فتمثل الإنسان الغربي الحالي لبشر مستعمرات بلدانهم، وبالخصوص من الطبقات الشعبية الواسعة، القليلة التكوين والمهمشة اجتماعيا، موروث مباشرة من تمثل أجدادهم المستعمرين: فالإفريقي مثلا هو عندهم كسول، متأخّر، دونيّ[2]. لا داعي هنا أيضًا لذكر سلوك الكثير من السياح الأوروبيين وتصرفاتهم تجاه الدول الإفريقية مثلا، وطريقة تعاملهم مع السكان الأصليين، التي لا تخلو من منطق التعالي، بل في كثير من الأحيان من الاستغلال، ومنه بالخصوص الاستغلال الجنسي.

من أبارتهايد جنوب إفريقيا إلى الأبارتهايد الصهيوني

في ظلّ التطوّرات الأخيرة لآخر أبرتهايد في العالم فيما سُمي عبثا «صفقة القرن» يستعدّ الاستعمار الإسرائيلي لضمّ ما تبقّى من

(29)

الضفّة الغربية المحتلّة، مستمرًّا في الآن وقته في عزل قطاع غزّة بطرق شتّى: استمرار الحصار، دفع ملف غزة باتّجاه مصر. بمعنى واضح محاولة إقبار حقّ الفلسطيني للرجوع إلى وطنه. لا يمكن بحال من الأحوال تفسير السلوك الإسرائيلي إلا كاستمرارٍ في بناء دولٍ أبرتهايديّة كاملة الأوصاف، تجاوزت في ممارساتها الأبارتهايد الجنوب الإفريقي.

ما ساعد الشعوب التي تعرّضت للأبارتهايد في حلله كلّها، وبالخصوص في جنوب إفريقيا وإسرائيل هي «الرغبة في البقاء (survivance)» وعدم قبول الذوبان في نظام لا يعترف بها ولا يريدها أن تستمرّ في الحياة؛ لأنّها تُضايقه باستمرار. فكما حلّقت إرادة البقاء بأجنحةٍ عريضةٍ في سماء الشعوب الأصليّة في الأميركيتين، رغم سياسة الإبادة الجماعية التي تعرّضت لها، فإنّ السكان الأصليين لفلسطين، تمامًا كنظرائهم في جنوب إفريقيا وهم تحت قبضة النظام الأبارتهايدي، مُحلقون كذلك في الفضاءات الشاسعة لأوطانهم، لا ينقطعون على المقامة إلى أن يتمّ النصر، على الرغم من كلّ الصعوبات والحواجز التي توضع أمامهم.

قام نظام الأبارتهايد الجنوب الإفريقي على أساس التمييز بين البيض والسود، ويقوم الأبارتهايد الصهيوني على أساس التمييز بين اليهودي وغير اليهودي. وعلى هذا الأساس تنظّم سياستها ومواردها، وتتفنّن في إقصاء الفلسطيني الممنهج بلجوئها لسياسة الطرد والتجويع والحرمان، بمعنى محاولة نزع صفة الإنسانية عنه.

(30)

بدأ الأبارتهايد في جنوب إفريقيا باستعمار البيض لأرض لم تكن لهم، بل استحوذوا عليها بالقوّة بعد هروبهم من أوروبا، موطنهم الأصلي. طردوا وشرّدوا السكّان الأصليين من أراضيهم، واستغلّوهم لفلحها واستغلالها؛ لتعود عليهم بالربح. وكان النّظام الأبارتهايدي يعتبر كلّ من سوّلت له نفسه المقاومة إرهابيًّا وخارجًا على القانون يجب معاقبته بكلّ وسائل المعاقبة. الشيء نفسه وقع ويقع في فلسطين المحتلّة، فبعدما استولى أل صهيون على أرضٍ ليست لهم، تفنّنوا في ملاحقة الفلسطينيين، وبالخصوص من يقاوم احتلالها.

لفهم أعمق لعمل واشتغال الأبارتهايد، نورد فيما يأتي، ولو في عجالة، تجربة الأبارتهايد في جنوب إفريقيا وفرض النظام نفسه في فلسطين المحتلّة من طرف الصهاينة.

الأبارتهايد الجنوب إفريقي

في إطار محاولة استقلال السكّان الأصليين لجنوب إفريقيا وخروجهم يوم 21 مارس 1960 في مظاهرات سلمية، انتبه العالم، بعد مجزرة مدينة «شاربفيل Sharpeville»[1] إلى فظاعة سياسة جنوب إفريقيا اتّجاه السكان الأصليين، وتّم طرد هذه الدولة من بعض المنظمات العالمية كالمنظمة العالمية للصحّة مثلا. وبعد مظاهرات سوفيطو عام 1976 [2] وما نتج عنها من أحداثٍ دمويّةٍ،

(31)

راح ضحيّتها الكثير من الشباب السود، عملت منظمة الأمم المتّحدة على معاقبة أكثر «قساوة» ضدّ النظام العنصريّ في إفريقيا الجنوبية.

ابتداء من عام 1990، حينما أطلق سراح نيلسون مانديلا (11 فبراير 1990)، بدأ الوضع يتغيّر في جنوب إفريقيا ومصير الأبارتهايد يسير بخطى حثيثة نحو النهاية، وبالخصوص بعدما انتخب مانديلا يوم 10 ماي 1994 كأوّل رئيس أسود للبلاد.

كان الأبارتهايد يميّز بين البيض، وهم من ذريّة المهاجرين الأروبيين الذين وصلوا إلى إفريقيا الجنوبية ابتداء من 1652. كان معظمهم هولنديين وفرنسيين وألمان وإسكندنافيين (يُطلق عليهم اسم الأفارقة (Afrikaner) وكانوا يمثلون 60 في المئة) وكذا الناطقين بالإنجليزية، من أصل بريطاني بالأساس (كانوا يشكلون 40 في المئة). والهنود، الملقبون بـالكولي (Coolie)[1] والمخضرمون، أي المختلطون عرقيًّا من أصل أوروبي وآسيوي إلخ. والسود، أي الأفارقة.

تأسّس الأبارتهايد تاريخيًّا على رفض المهاجرين الأوروبيين، وبالخصوص الهولنديين منهم، ابتداءً من القرن السابع عشر الميلادي، لأصلهم الأوروبي وادّعوا بأنّهم أفارقة. ومن أجل تأكيد انتمائهم إلى إفريقيا، لم تكن لهم علاقة جيّدة بالبريطانيين عندما احتلّوا جنوب إفريقيا في القرن التاسع عشر. ولا يخلو هذا

(32)

التأسيس الجديد للهويّة في منطق الأبارتهايد من عناصر دينيّة جليّة، وبالخصوص بعد «احتلال» بريطانيا. ذلك أنّ الأبارتهايد يتأسّس من بين ما يتأسّس عليه على أيديولوجيّة دينيّة من جهة وعلى نظريات تُبرّر الاستعمار من جهة أخرى. فالكلفانيّة، التي طوّرت نظريّة غريبة للقضاء والقدر، القائلة بأنّ الإنسان مُقاد/محكوم/مقدّر من طرف الله، وبأنّ هذا الأخير هو الذي يختار نُخبة من البشر (مُصطافون) يديرون العالم والعامّة، التي عليها الخضوع للمُصطافين، هي التي أسّست بدءًا التمييز العنصري. وأسّست الكلفانيّة «حقها» في جنوب إفريقيا على أسطورة كون هذه الرقعة الجغرافية أُعطيت لهم من طرف الله، تمامًا كما أُعطيت بلاد الكنانة للإسرائليين. وهنا بالضبط يظهر وجه آخر للأبارتهايد، ألا وهو «وهم» كون البيض أسمى من السود، وبأنّ الأوّلين هم دائمًا قادة، والأخيرين مُقادون.

«إذا كان قس الكنيسة البروتستانتية الهولندية «Nederduitse Gereformeerde Kerk (NGK)» مثل نود Naude يسمح لنفسه بانتقاد الفصل العنصري، فعليه أن يتوقّع الأسوأ؛ لأنّه بعد ذلك سيشعر باليد الطويلة لكنيسته، التي تفتخر بكونها أسّست العقيدة العنصريّة ونشرتها: العقيدة العرقيّة، التي قدّمها قبل 34 سنة الحزب الحاكم، ذلك أنّ «الفصل العنصري» يعود إلى الكنائس الكالفينيّة[1].

في وقت مبكر من عام 1881، قرّرت كنيسة البيض إنشاء كنيسة

(33)

إرساليّة منفصلة «للمخضرمين» في الكاب Cap، للأشخاص الذين كانوا موجودين منذ تأسيس مستعمرة الكاب؛ لأنّ المستوطنين الهولنديين الألمان لم يهتمّوا بالحواجز العرقيّة في ذلك الوقت. خجل NGK لإلقاء اللوم على «ضعف بعض البيض»، وكانت الخضرمة في الكنيسة نفسها «غير مقبولة».

يُعتبر ظهور الأبارتهايد، كما يقول أنطوان بوليي: «نتيجة الخوف التاريخي للأفريكان، الذين كانوا مسكونين بالخوف من الابتلاع من طرف الشعوب السوداء المجاورة»[1]. ولا يعني هذا أكثر من كون الأقليّة البيضاء المُستعمِرة، لم تكن قادرة على الاندماج في المحيط الذي استولت عليه بالقوّة، بل حاولت بكلّ قواها، ليس فقط إخضاع هذا المحيط، بل وأيضًا التميُّز عنه، باعتبارها تنتمي إلى حضارة متقدّمة، في حين تنتمي الشعوب السوداء إلى العالم الثالث.

لممارسة التمييز العنصري جذورٌ عميقةٌ في مجتمع جنوب أفريقيا. فمع بداية عام 1788، بدأ المستعمرون الهولنديون العمل على وضع القوانين واللوائح التي تفصل بين المستوطنين البيض والأفارقة. واستمرّت هذه القوانين واللوائح بعد الاحتلال البريطاني في عام 1795، وسرعان ما أدّى إلى توجيه الأفارقة إلى مناطق محدّدة لتصبح فيما بعد أوطانًا لهم. وفي عام 1910، عندما أسّست بريطانيا اتّحاد جنوب إفريقيا، وصل عدد الاحتياطات (أي مراكز تجميع السود) إلى ثلاثة مئة مركز احتياط.

(34)

ابتداء من 1948، تكثّفت سياسة الميز العنصري، تحت ذريعة «ضمان بقاء الجنس الأبيض» بالفصل بين الأعراق على كلّ مستويات الحياة، بما في ذلك حظر الزواج بين البيض والسود. وبعد الإحصاء العام لسكان جنوب أفريقيا عام 1950، تم تسجيل الناس على أساس العرق، الذي أصبح يُسجل في بطاقات إثبات الهويّة.

في السنة نفسها صدر قانون «مناطق المجموعات»، الذي يُعتبر في العمق النواة الأساسية لنطام التمييز العنصري في جنوب أفريقيا. حدّدت بمقتضاه المساحات المخصّصة لمختلف المجموعات العرقيّة، وهُجّر الكثير من الأفارقة إلى مناطق أو أحياء أخرى على الرغم منهم. تلاه فصل خدمات الدولة عام 1953، بتخصيص مراكز خدمات (بريد، مدارس، وسائل نقل عامة إلخ) للبيض وأخرى للباقي من سكان البلاد. وبين عامي 1960 و1983 هُجّر ما يُقدّر بثلاثة ملايين ونصف شخص لا ينتمون للعرق الأبيض من منازلهم، وفُرض عليهم الاستقرار في أحياء معزولة.

يلاحظ إذن من خلال هذه المعلومات المركّزة جدًا عن طريقة عمل الأبارتهايد، بأنّه كان يشتغل عن وعي تام، وبأنّ ما كان يقوم به لم يكن عفويًّا ولا صدفويًّا، بقدر ما كان مُخططًا له. فالتطبيق جاء على مراحل، وهذا يوحي بأنّ هناك استراتيجيّة سياسيّة كانت وراء إصدار كلّ هذه القوانين لبناء نظام يكون في صالح البيض فقط، على حساب الحقوق الطبيعيّة للجماعات الإنسانية الأخرى.

(35)

الأبارتهايد الصهيوني

يظهر وكأنّ الإنسانيّة في حاجة دائمًا إلى نظام يحافظ على الأيديولوجية الأبارتهايديّة في العالم. فبعدما قُضي على هذا النظام في جنوب إفريقيا أواسط التسعينيات من القرن الماضي، عوّضته الصهيونيّة في الشرق الأوسط. ولا يُعتبر هذا التشبيه اعتباطيًّا البتة، ذلك أنّ الصهيونيّة طوّرت ميكانيزمات فصل عنصريّ أكبر وأخطر بكثير ممّا كان عليه الحال في جنوب إفريقيا[1]. وليس في هذا القول أيّة مبالغة، ذلك أنّ بعض الإسرائيليين أنفسهم يعترفون بهذا، بل يُدينونه: في جلسة من جلسات الكنيست الصهيوني ردّ النائب عوفر كسيف على زميله في متان كهانا الذي يرفض مقارنة سياسة إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة بسياسة أبارتهايد جنوب إفريقيا البائد بقول: «إسرائيل دولة أبارتهايد والمسؤول عن ذلك أمثال متان كهانا»، مُذكّرًا بما يقع في مدينة الخليل من فصل تامّ بين العرب واليهود. وتساءل كسيف في الجلسة نفسها: «هناك شوارع لليهود وشوارع للعرب، والآن يخطط الاحتلال لهدم السوق تمهيدًا لبناء حيّ استيطانيّ جديدٍ لليهود فقط، فإذا لم يكن هذا أبارتهايد فماذا سيكون؟ وأنا لا أعرف عندئذٍ ماذا يعني أبارتهايد»[2].

فحتى إذا كانت الخيارات السياسية لجنوب إفريقيا وإسرائيل غير متشابهة، فإنّ وقائع النظامين وممارساتهما تؤكدان أنّ خاصيّات

(36)

الأبارتهايد تتكرّر في الحالتين، بل كان كلّ طرف ينسخ صورة الطرف الثاني. فقد كان هناك إعجابًا متبادلًا بينهما، بل سهرا على بناء علاقةٍ متميّزةٍ بينهما، كانت نتيجتها اعتراف إسرائيل بنظام «البانتوستونات»، وهي «الدولة» الوحيدة في العالم التي اعترفت به.

على الرغم من إيهام إسرائيل العالم بممارستها للمساواة وإدانتها للعنصرية، إلّا أنّ برلمانها صادق على عشرات القوانين تضمن الحقوق الجماعيّة لليهود على حساب المواطنين العرب. كما أنّ الممارسة الفعليّة للحكومة الصهيونيّة، المتمثّلة في إصدار عشرات القرارات واتخاذ الإجراءات، تتضمّن بجلاء واضح على تفرقةٍ عنصريّةٍ واضحة اتّجاه الفلسطينيين[1]. فقد بنت الحركة الصهيونية منذ إرهاصاتها الأولى أيديولوجيتها على فكرة عنصريّة خالصة، بالتأكيد على تميز اليهود بصفة عامة وعلى إحياء الموروث الثوراتي لليهود «كأمة مختارة». ومن المفيد في هذا المقام التذكير بأن منظمة الأمم المتحدة اعتبرت الصهيونيّة شكلًا من أشكال العنصريّة، وأصدرت قرارًا بذلك عام 1975، لكنّها تراجعت عنه عام 1992، تحت الضغط الأميركي[2].

جزّأت إسرائيل المناطق الفلسطينية إلى «بانتوستونات» معزولة عن بعضها البعض، لا يدخلها السكان الأصليون إلا بتصاريح

(37)

يصعب الحصول عليها من السلطات الإسرائيلية. عزلت كلّ منطقة على حدة، وسيّجتها بالأسلاك الشائكة، وبنت الأصوار من حواليها، وثبّتت عليها الكاميرات وكلّ وسائل المراقبة في محيطاتها، وأحاطتها بالمستوطنات الصهيونية والحواجز العسكرية إلخ.

هناك مثال آخر لتشابه الأبارتهايد الإسرائيلي بنظيره الجنوب الإفريقي السابق، ألا وهو اعتقال السكان الأصليين وتعريضهم لكلّ أنواع التعذيب والمعاملات اللا إنسانيّة وهضم حقوقهم، بل سجنهم في الكثير من الأحيان دون مقومات العدالة العادلة، بما في ذلك حقّهم في الدفاع عن أنفسهم، بل بمجرّد ما تندلع الانتفاضات ضدّ الاحتلال الصهيوني، تفتح السجون الإسرائيلية أبوابها لاستقبال كلّ من يتجرّأ على طلب حقّه في أرضه وأرض أجداده[1]. فإذا كان نيلسون مانديلا سُجن لمدّة ثمانية وعشرين سنة، فإنّ هناك مساجين فلسطينيين يقبعون في سجون الاحتلال منذ أكثر من ثلاثين سنة طوال، بل -وهذا أمر لا يقبله أيّ عقل ولا أيّ قلب بشريّ- تسجن دولة الصهاينة جثث الموتى أنفسهم وتحرمهم من مراسيم دفن في ظروف إنسانيّة، كما تحرم ذويهم من حداد مشروع.

لم يحظر المسؤولون الإسرائيليون تشييع جنازة الرئيس السابق لجنوب إفريقيا نلسون مانديلا، وهو غياب طرح آنذاك أكثر من سؤال في عموم وسائل الإعلام العالمية، بل ذهب البعض إلى حدّ

(38)

الربط بين هذا الغياب واستمرار الأبارتهايد الذي كافح مانديلا ضدّه بطرق شتّى في دولة الصهاينة بفلسطين المغتصبة[1]. للتذكير، فإنّ مظاهرات كبيرة نظّمت في جنوب إفريقيا ضدّ حضور الصهاينة في توديع مانديلا إلى دار البقاء، ويُعدّ هذا في حدّ ذاته تعبيرًا على رفض السياسة العنصرية التي تُميّز السياسة الصهيونيّة، مع الكثير من اليهود الذين هاجروا لها عمومًا ومع الفلسطينيين، أصحاب الأرض الحقيقيين.

من صدف التاريخ أنّ العالم كان شاهدًا عام 1948 على ميلاد الأبارتهايد في جنوب إفريقيا، وإقامة الدولة الصهيونيّة العنصريّة على أرض فلسطين. ما كان يجمعهما منذ البداية هو إيمانهما بأيديولوجيّة «التفوق» على كلّ البشر الآخرين، اعتقدوا بأنّهم «صفوة شعوب الأرض» و«شعب الله المختار». ما جمعهما أيضًا هو استغلالهما لتأويل معيّن لكتابيهما المقدّسين فيما يخصّ استلائهم على أرض الغير بحجّة أنّ هذه الأرض لهم: «أرض بلا شعب لشعبٍ بلا أرض».

يعتبر سنّ قوانين عنصريّة صرفة من الخصائص المميّزة للسياسة الجنوب إفريقية في زمن الأبارتهايد، وهي السياسة نفسها التي تنهجها الصهيونيّة منذ ظهورها. وتُعتبر هذه القوانين النواة الحقيقيّة للممارسة السياسيّة العنصريّة، بل لكلّ أيديولوجيّة هذه الأخيرة؛ لأنّها تشمل كافّة مجالات الحياة، هدفها الأسمى هو إقصاء

(39)

أصحاب الحقّ، بل إبعادهم والفتك بهم وحرمانهم من الحقّ في الحياة.

التجأ نظام الأبارتهايد في جنوب إفريقيا والصهيونية في فلسطين إلى ديكتاتوريّة عسكريّة ومقاربة أمنيّة قمعيّة لتطبيق سياساتها. بل تفنّنت الصهيونية: «على تطوير نظام تفرقة معقّد، وأرفقته بنظامها القضائي/القانوني مضاهيةً بذلك النظام العنصري الجنوب أفريقي»[1] في فترة تطبيق سياسة الأبارتهايد.

للتذكير أيضًا، لم تُشارك دولة الصهاينة في العقوبات التي فرضها المجتمع الدولي على نظام الأبارتهايد عام 1986 بسبب سياسته العنصرية، بل بادرت عام 1991 إلى توقيع مذكّرة تفاهم مع جنوب إفريقيا لتوسيع التفاهم والتعاون بينهما في المجالات الأمنية والاقتصادية والصناعية والثقافية والسياحية والزراعية والاستثمارات المتبادلة والتعاون العلمي والتكنولوجي وتبادل العلماء والمهندسين وإجراء أبحاث وبناء مصانع مشتركة، وبالخصوص التعاون في ميدان إحراز وتصنيع أسلحة نووية[2].

لا يمارس الأبارتهايد على الفلسطينيين فقط، بل حتى الصهاينة من أصول إفريقية يتعرّضون بانتظام لميز عنصري صارخ، انكشف أمره في الشهور الأخيرة، بعدما لم تعد هذه الفئة من الصهاينة (الفلاشا) قادرة على تحمل معاملات اليهود ذوي البشرة البيضاء

(40)

لهم. وكشفت تقارير مختلفة في السنوات الأخيرة عن الوضع المزري للفلاشا في إسرائيل، على كلّ الأصعدة. ويشتكي أفراد الفلاشا من الممارسة الممنهجة للعنصرية من طرف الإسرائيليين «البيض» اتجاههم وحرمانهم من حقوقهم الشرعية. كما أنّهم يشتكون من المعاملات الوحشيّة للشرطة ضدّهم، وممّا يُسمّى من «العنصرية في التعاملات اليومية»، سواء في الدوائر الحكومية الصهيونية أو في الشارع. يعني يتعلّق الأمر باضطهاد اجتماعيّ وسياسيّ وقانونيّ ممنهج في حقّهم. ولم يكن من الصدفة أن رفع متظاهروا الفلاشا شعار: «حياة السود مهمّة» Black lives matter  (الذي رفعه المحتجون في أميركا في مظاهراتهم ضدّ العنصريّة)، عندما سقط شاب منهم ميتًا بطلقة نار شرطي صهيونيّ في مدينة حيفا المحتلّة يوم 29 يونيو 2020.

لبنات الأبارتهايد في الحركات الاستعماريّة الغربيّة

ليس من التعسّف محاولة البحث على جذور الأبارتهايد في الحركات الاستعمارية الغربيّة؛ لأنّ هذه الحركات تعتبر بحقّ الوكر حيث فقس الأبرتهايد. فالممارسات اللا إنسانيّة للاستعمار الغربي تجاه الشعوب التي وضعتها تحت سيطرتها واستغلتها من كلّ النواحي، بما في ذلك سلبها كرامتها الإنسانيّة وحقّها الأنطولوجي الطبيعي. بل كانت ممارسات الإستعمار اليوميّة تجاه الشعوب الأصليّة تفوق بكثير ممارسات الأبارتهايد كنظام حكم وسلطة. فممارسات الأبارتهايد مُستوحاة من ممارسات الحركة الاستعمارية، بل تطوير لها وتعميق.

(41)

ملامح الأبارتهايد في الاستعمار الإنجليزي

«استولت بريطانيا على كثير من الأراضي، احتلّت عشرات البلدان، اغتصبت الحقوق من أجل الفوز بثرواتها وخيرات كلّ الدول التي استعمرتها، ومخطئ من يظنّ أنّ احتلال بريطانيا العظمى لعشرات البلدان كان عن طريق الحروب الاستعمارية فقط التي تستخدم فيها الآلة العسكرية فقط، وإنّما استعملت بريطانيا كلّ السُبل الشرعيّة وغير الشرعيّة والأخلاقية وغير الأخلاقيّة منها لتحقيق مصالحها الخاصّة، كان من بين هذه الطرق التي استخدمتها بريطانيا «تغييب» إرادة الشعوب للسيطرة على أفكارها وإضعافها وإنهاكها على كافّة المستويات والأصعدة من أجل تركيعها، تجاريًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا وصحيًّا»[1].

إنّها كلماتٌ تمهيديّةٌ قويّةٌ جدًّا، بل تلخيصٌ ناجحٌ ومركّزٌ لأثار الأبارتهايد في السياسة الاستعماريّة البريطانيّة. وليس هناك أفضل من الكلمة التي ألقتها الناطقة بلسان وزارة الخارجية الروسيّة ماريا زاخاروفا (Maria Zakharova) بتاريخ 19 أبريل 2018[2]، للبرهنة على تاريخ الجرائم البريطانية في المستعمرات التي استحوذت عليها، وسلوكات التمييز العنصري، بل لربّما بصمات الأبارتهايد، التي مارستها في شرق العالم وجنوبه وغربه (أسيا، إفريقيا، أميركا اللاتينية).

(42)

كباقي القوى الاستعمارية الأوروبية، فإنّ الشعب البريطاني في غالبيّته لا يعي بما فيه الكفاية المآسي التي سبّبتها بريطانيا للشعوب التي استعمرتها؛ لأنّ أغلبيّة الأحداث وقعت خارج الرقعة الجغرافيّة البريطانيّة والأوروبيّة بصفة عامّةٍ. وكما أكّدت على ذلك ماريا زاخاروفا، فإنّ إنكلترا كانت من بين الدول الأكثر عنفًا وقمعًا لمستعمراتها، إلى درجة أنّ الكاتبات الإنجليزيات المعاصرات وصفتها بـ «الرومان الجدد»[1] منذ استيلائها على إيرلندا في القرن الثاني عشر الميلادي. ما كانوا يرغبون فيه هو جلب الحضارة إلى «القبائل المتأخرة»، ومن ثمّ ضمان حقّ استغلال ثرواتهم الطبيعيّة وبشرهم على حدّ سواء. اعتبروا تأسيس إمبراطورية ما وراء البحار كإنجاز أخلاقيّ عظيم لهم وانهيارها كعمل كرم من جانبهم اتجاه الشعوب الأخرى.

تؤكّد زاخاروفا بأنّ الإنجليز كانوا السبّاقين في «اختراع» معسكرات الاعتقال أثناء حربها مع الأوروبيين المخضرمين عندما احتلّت جنوب إفريقيا[2]، التي ألهمت بعد ذلك النازيين في إنشاء معسكرات الموت. كما تؤكّد على أنّهم قضوا على ثقافة السكان الأصليين في إفريقيا والصين، وارتكبوا المجازر الدامية في إيرلندا، ونهبوا البنغال، ومن طبيعة الحال ممارسة العبودية في المستعمرات

(43)

على نطاق واسع. وتسوق في هذا الإطار شهادة المؤرّخ الأميركي فيل دورانت[1]: «كلّما قرأت أكثر، شعرت بالدهشة والغضب من التعذيب الواضح والمعتمد والمتعمّد تجاه الهند من قبل إنكلترا لمدّة 150 عام. بدأت أشعر وكأنّني أتعامل مع أفظع الجرائم في تاريخ العالم». كانت آسيا الجنوبيّة من المناطق التي لم تخرج منها بريطانيا إلا بعد هدمها كليًّا، بتقسيمها لهذه البقعة الجغرافية إلى قسمين، وعبر الكاتب العام السابق للأمم المتحدة شاشي تارور (Shashi Tharoor) على هذا الهدم البريطاني الممنهج والمرغوب فيه بكلماتٍ واضحةٍ أكثر من مرّة[2]: «كانت حصّة الهند من الاقتصاد العالمي عندما دخلت المملكة المتّحدة ساحلها لأوّل مرّة 23 %. وبعد مغادرة المملكة المتحدة انخفض إلى أقل من 4 %. لماذا؟ ببساطة لأنّ الهند كانت تُدار لصالح المملكة المتّحدة. لمدّة 200 عام، تمّ تمويل النمو البريطاني بفضل نهب الهند»[3]. بل يذهب إلى أكثر من هذا عندما يُؤكّد بأنّ الثورة الصناعيّة البريطانيّة تحقّقت بفضل القضاء على التصنيع في الهند، وهو تأكيد يتضمّن، في نظرنا، الكثير من الصحّة.

ومن بين السلوكات الاستعبادية لأنجلترا كانت هناك سياسة التجويع التي نهجتها في أكثر من مستعمرة، وبالخصوص في الهند،

(44)

حيث ناهز عدد الموتى من المجاعة التي سبّبتها هنالك العشرين مليون شخص، ومن بين المجاعات الكبيرة التي تسبّب فيها الإنجليز هناك مجاعة البنغال عام 1943، حيث مات أكثر من أربعة ملايين هندي. ويُذكّر شاشي تارور في كتابه «Inglorious Empire»[1] بعنف الإمبراطورية الإنجليزية في الهند، ويذكر ما قاله الوزير الأوّل البريطاني ونستون شرشل آنذاك في حقّ الهند: «إنّني أكره الهنود. إنّه شعبٌ حيوانيٌّ بدين قاس. وتعتبر هذه المجاعة بسببهم، إنّهم يتناسلون كالأرانب». وإذا لم ترقَ مثل هذه التصريحات إلى مستوى أكبر ديكتاتوريّة عرفها القرن العشرين، تماثل ديكتاتورية هيتلر، فإنّها على الأقل تشهد بأنّ الإنجليز لم يكونوا يرون لمستعمراتهم إلّا الجانب العبودي، فلا يحقّ لهم، طبقًا لشرشل، لا الأكل ولا الإنجاب. وتفنّن البريطانيون في المستعمرات في «إبداع» طرق التعذيب الفردي والجماعي. ويذكر المرء هنا بالخصوص يوم 13 أبريل 1919، حيث كان الناس يحتفلون بعيد جنب المنتجات الفلاحية بالبنجاب، فإذا بخمسين جندي بريطانيّ يطلقون النار دون تحذير على تجمّع للمدنيين، أغلبهم نساء وأطفال، قاتلين بذلك أكثر من ألف شخص.

لم يكن حظ الأفارقة أفضل مع الاستعمار البريطاني، فقد استعبدوا ما يناهز ثلاثة عشر مليون منهم، وقتلوا ثلاثة مرات أكثر من هذا العدد[2]. ومن الملاحظات المهمّة في هذا الإطار، أنّ

(45)

الفيلسوف الإنجليزي جون لوك[1] (John Locke)، صاحب نظريّة المجتمع المدني والذي ساعد على تحرير الدستور الأميركي في ذلك الوقت، كان من بين من استثمر كلّ مدّخراته في تجارة الرقيق[2]. وإن دلّ هذا على شيءٍ، فإنّما يدلّ على أنّ فكر إخضاع الآخرين للسيطرة واستغلالهم بأيّة وسيلة كانت لجني ربح من هذا الإخضاع، هو لبنة من لبنات البنية النفسيّة والعقليّة للأوروبي الغربي إلى يومنا هذا.

من المؤشّرات الأخرى على الأبارتهايد الإنجليزي، نذكر من جديد بحرب المستعمرين الأوروبيين الأوائل لإفريقيا الجنوبية، بين 1899 و1902، وإقامتهم لمعسكرات تعذيب كلّ من كانوا يظنّون بأنّهم كان ضدّهم ويساعدون من يحاربهم. فبعد حرق مزارعهم وإتلاف ماشيتهم، كانوا يعمدون إلى تفريق النساء والأطفال عن الرجال، الذين كانوا يُرسلون، أي يُرَحَّلُون قسرًا، إلى سجونٍ بعيدةٍ في المستعمرات البريطانية الأخرى ومنها الهند. احتضنت معسكرات احتجاز المستعمرين البيض الأوائل لإفريقيا الجنوبية آنذاك نصف سكان ما كانوا يسمونه «الجمهوريات» التي أسّسوها (مئتين ألف شخص) ومات منهم ما يعادل ثلاثون ألف جرّاء الجوع والأمراض[3]. ولعلّنا نُجازف بفرضّية كون معاملة الإنجليز للمستعمرين البيض الأوائل لجنوب إفريقيا هو الذي ألهمهم، بعد

(46)

نهاية الحرب، إلى تطوير فكرة الأبارتهايد كنظام للحكم في هذا البلد، على الرغم من أنّ إقامة مستعمرات تعذيب مورس من طرف الإنجليز في قبرص وفلسطين إلى حدود 1948، ولم يُستثنَ في ذلك الوقت اليهود من دخول هذه المعسكرات: «يعتقد المؤرّخون أنّ المملكة المتحدة تحمل الرقم القياسي العالمي للإبادة الجماعية. لقد قُتل ملايين الأبرياء في المستعمرات البريطانية، وهو أمر لا يمكن تصوّره»[1].

تعدّت الممارسات البريطانية في مستعمراتها حدود الأبارتهايد والميز العنصري والمعاملات اللا إنسانيّة ليصل في أستراليا مثلا إلى التصفية الجسديّة للسكان الأصليين وقتلهم عمدًا ودون سببٍ آخر من غير قتلهم وإبادتهم. وفي هذا الإطار هناك من يتحدّث عن إبادة ما يُناهز خمسة وتسعين في المئة من السكان الأصليين الأستراليين (الأبوروجين) على يد بريطانيا. بل تعدّى الأمر هذا ليصل إلى القيام بتجارب طبيّة عليهم بالاستيراد القصدي لبعض الأمراض التي كانت متفشّيةً في أوروبا ذلك الوقت، وكان دواؤها صعبًا أو غير ممكنٍ وبالخصوص مرض الجذري.

للإشارة فإنّ بريطانيا التي كانت تعتبر أستراليا أرضًا خالية (Terra nullius) كانت تسعى لجعلها مُستعمرة سجنية، وبهذه النية احتلّ العسكري البريطاني جيمس كوك استراليا عام 1770. وعندما يلقي المرء نظرةً ولو خاطفة على مذكراته الأولى عن هذا البلد، فإنّه لا يتورّع عن اعتبار احتلال استراليا كان بهدف نسف هويّة سكانها

(47)

الأصليين ونمط حياتهم الذي كان متفوّقًا كثيرًا على نمط البريطانيين والأوروبيين عامّة، حيث كانوا يعيشون في سلام مع أنفسهم ومع الطبيعة في توازن واحترام متبادل، دون شغف النهب والاستحواذ والاستغلال الوحشي لها. ويقول كوك بهذا الصدد: «في الواقع هم أكثر سعادة منّا نحن الأوروبيين. يعيشون في سلام غير مُعكّر بعدم المساواة في الوضع. توفّر الأرض والبحر لهم كلّ ما يحتاجون إليه للعيش. يعيشون في مناخ لطيف ولديهم هواء صحي للغاية. ليس لديهم وفرة»[1].

كانت مئتين وخمسين قبيلة مختلفة تعيش في أستراليا بحلول عام 1788، كان لكلّ واحدة لغتها الخاصّة بها وقوانينها وحدودها القبلية. وكانت الثقافة الأسترالية أقدم الثقافات التي استطاعت الاستمرار في الحياة، إلى حين وصول المستعمر البريطاني[2]. وعلى عكس السكان الأصليين لمستعمرات بريطانية أخرى، فإنّ الأبوريجين الأستراليين قاموا بانتفاضات ومقاومة المستعمر الإنجليزي من البداية. فالمقاوم الأبوريجي بيمولفوي (Pemulwuy) قتل مستعمرًا إنجليزيًّا عام 1790؛ لأنّه قتل بعض السكان الأصليين. ولأنّ هجماته على المستعمرين لم تكفِ، فإنّ الإنجليز قتلوه عام 1802 وقطعوا رأسه وأرسلوه إلى لندن[3]. كان المقاومون الأبوريجيون ينظرون إلى الاحتلال الإنجليزي كبداية للقضاء على مجالهم الطبيعي،

(48)

فإحظار المستعمر لأنواع حيوانات مثل الأرنب والأغنام والحصان والبقر، وتكاثرها بسرعة كبيرة أدَّى إلى إنهاك الأرض، لأنّها لم تكن مستعدّة للرعي الكثيف، نظرًا لمناخها الخاص[1]. إضافة إلى هذا قام الاستعمار الإنجليزي بهدم الحدود بين القبائل، باستحواذه على الأراضي وحرق مساكن الأبوريجين وتدنيس مواقعهم المقدّسة وهدم أنظمة الري عندهم وأحواض تربية الأسماك.

من بين حروب الإبادة التي مارستها بريطانيا في أستراليا كان هناك ما سُمي في التاريخ بـ «الحرب السوداء Black War»[2] بين 1803 و1834 في التسمانيا[3] (Tasmanie). كان قتل التسمانيين من طرف المستعمرين الإنجليز مرخّص به رسميًّا، بل كانت الدولة الإنجليزية آنذاك تدفع مكافئة لكلّ مستعمر قتل تسمانيًّا. ولم يقتصر القتل على رميهم بالرصاص أو شنقهم أو ذبحهم، بل سُمِّموا[4] وتمّ إجلاءهم إلى الفيافي والصحاري للموت جوعًا وعطشًا. ولم يعش من التسمانيين إلى حدود عام 1835 إلا ما يُقارب مئتين شخص، رُحِّلوا قسرًا إلى الجزر المجاورة لتسمانيا. مصير الإبادة نفسه لاقاه أبوريجين دامبيي Dampier عام 1868.

(49)

تكرّرت سياسية إبادة السكان الأصليين من طرف الاستعمار الإنجليزي في سبعينيات القرن التاسع عشر بجنوب إفريقيا، حيث تمّت إبادة شعب الزولو (Zoulou) بمستعمرة الكاب Cap.

إذا كان الكحول هو السلاح الآخر للاستعمار البريطاني في أستراليا، فإنّ اللّجوء إلى مخدّر الأفيون في الصين كان سلاحهم في محاولتهم تطويع الصينيين. وكان لجوؤهم إلى الأفيون في هذا البلد سلاحًا ذا حدين: شغل الصينيين عن الاهتمام بما كان الاستعمار البريطاني يقوم به واستغلالهم اقتصاديًّا، ذلك أّن تجارة الأفيون البريطانيّة كانت مصدر أرباح طائلة للاستعمار الإمبريالي الإنجليزي. ويتذكر التاريخ «حرب الأفيون الأولى»[1] التي اندلعت في الصين جرّاء أمر إمبراطوريها عام 1938 بمصادرة وتدمير احتياطات الأفيون بكانتون Canton[2]. انتهت الحرب بانتصار المستعمر البريطاني، ومنذ ذلك الحين وهونغ كونغ مستعمرة بريطانية، وفرض شروط قاسية على الصين[3]، لكي لا ترفع رأسها من جديد؛ لأنّ حرمان البريطانيين من الاستمرار في تسميم الصينيين بالأفيون[4]، بل قتلهم، كان خطيرًا على

(50)

اقتصادهم[1] وعلى وجودهم في ذلك البلد: «طالما بقيت الصين أمّة مدمنين على المخدّرات، فلا داعي للخوف من أن يتحوّل هذا البلد إلى قوّة عسكريّة كبيرة؛ لأنّ هذا الإدمان يمتصّ قوّة حياة الصينيين»، كما أكّد القنصل الإنجليزي ريشار هورست (Richard Hurst) في خطابه أمام اللجنة الملكية للأفيون عام 1895.

لعلّنا برهنا بما فيه الكفاية في هذا العرض السريع على الإرهاصات الأولى للأبارتهايد الذي مارسته الإمبريالية البريطانية في مستعمراتها. ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّ الممارسات العنصريّة البريطانيّة تجاه الشعوب الأصليّة لمستعمراتها كانت تتّخذ أشكالًا كثيرةً وتتمظهر في سلوكاتٍ مختلفةٍ، منها من طبيعة الحال التمييز بين المستعمرين وأهل البلد، وجعل هؤلاء الأخيرين خادمين، بل جعلهم عبيدًا للأوّلين.

بصمات الأبارتهايد في الاستعمار الفرنسي

كباقي القوى الاستعمارية، عملت فرنسا على إخراج سلسة من القوانين الخاصّة بالمستعمرات التي كانت تحتلّها. بدأت العمل بها

(51)

ابتداءً من عام 1834 بالجزائر وأكّدتها مرّة أخرى بظهير 28 يونيو 1881، قبل تعميمها عام 1887 على باقي مستعمراتها[1]. وتُخضع هذه القوانين السكان الأصليين للمستعمرات لحظر التجوّل ليلًا والضرائب على الاحتياطات وعقد اجتماع دون ترخيص[2] ومغادرة مكان الإقامة دون إذن بالسفر، كلمات مسيئة لموظف فرنسي، حتى خارج وقت عمله[3] ومجموعة من التدابير المهينة الأخرى[4]. بمعنى أنّها كانت تدابير تتوخّى نشر «النظام الكولونيالي الجيّد»، المؤسّس على إضفاء الطابع المؤسّساتي على عدم المساواة، وبالخصوص تأسيس مفهوم العقاب الجماعي، الذي يسمح بعقاب أو حتى تدمير قرية بكاملها عن جريمة ارتكبها رجل واحد من هذه القرية. وقد عُدِّلت هذه القوانين باستمرار، بطريقة تتكيّف مع مصالح المستعمرين وواقع المستعمرات.

كانت هذه القوانين رأس حربة الأبارتهايد الفرنسي، ذلك أنّها كانت تميّز بين نوعين من المواطنين: الفرنسيون القادمون من فرنسا ذاتها والرعايا الفرنسيون، يعني شعوب المستعمرات وسكّانها الأصليون. وكان السكان الأصليون محرومين من القسط الأوفر من حريتهم وحقوقهم السياسية. وبهذا تمّ تجريدهم من هويّتهم

(52)

الأصليّة، وبالتالي اعتبارهم رقيقًا لا أكثر ولا أقل[1].

عرّت الجريدة الفرنسية لونوفيل أوبسرفاتور في سلسة نصف شهريّة نشرتها في مجلّتها الأسبوعيّة عن التاريخ الفرنسي في إفريقيا، وخصّصت مقالًا خاصًّا بتجارة الرقيق، وكيف مارستها فرنسا بشغف؛ لأنّها كانت تعتبرها نعمة اقتصادية، وهي ممارسة تواطأت الصحافة الفرنسية آنذاك معها لتمجيدها وتبريرها. للتذكير فإنّ فرنسا ألغت قانون إلغاء العبوديّة الذي قرّرته عام 1794 وعاد نابليون بونبارت لممارسة العبودية عام 1802، مبرّرًا ذلك بكونها مفيدة للاقتصاد الفرنسي مهما كان الرّعب الذي يصاحبها. نصف قرن بعد ذلك تقريبًا -1848-، ألغت فرنسا العبودية من جديد، وهو إلغاء ظاهريّ على كلّ المستويات، كما سنوضّح فيما بعد.

كانت هذه القوانين، التي عُمل بها إلى حدود عام 1946 تتضمّن كلّ أنواع المحظورات، التي يُعاقب عليها بالسجن أو الترحيل. وللإشارة، فإنّ الفرنسيين استمرّوا في تطبيق وممارسة هذه القوانين إلى ما بعد معاهدة جنيف (23 أبريل 1938) التي منعت الأعمال الشاقّة، بل فرضها في الجزائر إلى حدود عام 1962.

من الأهميّة بمكان، في معرض الحديث عن قوانين الخزي هذه، الإشارة إلى أنّ اليهود بالجزائر استثنوا منها بتاريخ 24 أكتوبر 1870، بل مُنحوا الجنسيّة الفرنسيّة.

(53)

بعدما اعترفت محكمة النقض بمدينة الجزائر يوم 24 فبراير 1862 كون الجزائريين فرنسيين[1]، سنَّ البرلمان يوم 14 يوليوز 1865 بأن «الساكن الأصلي المسلم فرنسي» و«الساكن الأصلي اليهودي فرنسي». لكن لم يكن هذا يعني بأنهم أصبحوا يتوفرون على الجنسية الفرنسية مباشرة، بل كان عليهم طلب ذلك من السلطات الفرنسية المحلية. لكي يحصل الجزائري المسلم على الجنسية الفرنسية، كان عليه التخّلي عن دينه، وهو أمر لم يُطالب به الجزائري اليهودي، بمقتضى المراسيم التي سُميت «كريميو Crémieux» الصادرة بتاريخ 24 أكتوبر [2]1870. ولم يتغيّر الوضع حتى بعد الحرب العالمية الأولى، وموت آلاف الجزائريين الذين استقدمتهم فرنسا للمشاركة في الحرب بجانبها ولصالحها. فقانون تعديل الجنسية بتاريخ 4 فبراير 1919، لم يساعد إلا 1204 جزائري للحصول على الجنسية، وكانت صرخة هوبير ليوطي (Hubert Lyautey) مدوّيةً عندما صرّح: «أعتقد بأنّ الأمر غير قابل للحل. للمستوطنين الفرنسيين عقليّة ألمانية خالصة، لهم النظريات نفسها عن الأجناس السفلى، التي يُراد استغلالها دون رحمة. ليس لديهم لا إنسانية ولا ذكاء»[3].

(54)

من الأمور التي تؤكّد طابع الأبارتهايد على الممارسات الاستعمارية الفرنسيّة، كانت هناك السلطة الكبيرة لقائد دائرة ما في أية مستعمرة فرنسية كانت، وإذا بقينا في مثال الجزائر، كان مثل هذا القائد قادرًا على تطبيق عقوبات دون محاكمة ودون أن يكون باستطاعة المُحاكَم استئناف الحكم[1]. ومن أهم أسباب هذه العقوبات المشاركة في تظاهرات ضدّ الاستعمار أو تنظيم أو المشاركة في أيّ اضراب عن العمل[2]. وكما سبقت الإشارة إلى ذلك، كانت العقوبات الجماعية سارية المفعول، تمامًا كالعقوبات الجسدية[3].

لربّما يكون من المفيد التذكير بأنّ فرض الأعمال الإجبارية في المستعمرات الفرنسية، لا ينتمي فقط إلى فرض العبودية في هذه المستعمرات، بل يُعتبر مؤشّرًا قائمًا بذاته على الإرهاصات الأولى للأبرتهايد بصفةٍ عامّةٍ. فأغلبية المشاريع الفرنسية الكبرى في تلك المستعمرات: شقّ الطرق، مزارع، مناجم تم إنشائها بالاعتماد الكبير على العمل الإجباري المفروض على السكان الأصليين. وتوضح

(55)

بعض الأرقام هول فاجعة الاستغلال العبودي للاستعمار الفرنسي في البلدان التي احتلّتها، ذلك أنّ المُستعمر الفرنسي فرض عام 1906 على 14181 شخص من سافالو (Savalou) وصافي (Savè) (الداهومي) من أصل 39822 من السكان الأصليين[1]، يعني كلّ الرجال.

من طبيعة الحال، كانت هذه الأعمال الشاقّة مرتبطةٌ بالموت أيضًا، وهذا ما «اكتشفه» الصحفي الفرنسي ألبير لوندر (Albert Londres) في مقال نشره عام 1928، تحدّث فيه عن أبشع استغلال قامت به فرنسا اتجاه مستعمراتها[2]: «إنّهم زنوج الزنوج. لم يعد الحق لأسيادهم بيعهم. إنّهم يتبادلونهم. ويحثّونهم على إنجاب الأطفال. لم يعد الرِّق يشترى، إنّه يتكاثر. إنّها الحاضنة في البيت». وقد نبّه الكثير من الباحثين، بأنّ الأعمال الشاقّة في المستعمرات الفرنسية ارتفعت بصورة كبيرة بين الحربين العالميّتين[3].

من المؤشّرات الواضحة على استمرار عبوديّة الفرنسيين في مستعمراتها هناك مؤتمر 1889 ببروكسيل، الذي أكّد على حقّ تدخّل القوى الأوروبية في الدول ذات سيادة في المستعمرات باسم القضاء على العبودية. أخطر من هذا، ففي هذا الوقت بدأت نظريات تقسيم البشر إلى أعراق واجتهاد أكثر من عالم قصد «التبرير العلمي«بأنّ

(56)

"الجنس الأبيض هو أسمى الأجناس على الإطلاق»[1]. وفي هذا الوقت كذلك بدأ استعمال كلمة «العنصرية» و«العنصري». ولا ننسى هنا كلّ ما قاله وعمله الفرنسي جول فيري عن الاستعمار وضرورة إخضاع المستعمرات لنظام صارم: «مسؤوليّة الأجناس العليا والقوانين المعطاة لهم اتّجاه الأجناس الدنيا».

عرف القرن الثامن عشر ميلاد نمط جديد للاستعمار، ساهم مباشرة في تشكيل الأيديولوجيا الكلونيالية للقرن الذي لحقه. وتعتبر «الموسوعة» بحقّ المنعطف الحاسم في هذا الأمر؛ لأنّها كانت بمثابة البرج الذي سهر على توجيه الثورة الفرنسيّة، التي مثّلت بدورها منعطفًا إضافيًّا للحركة الاستعمارية.

احتلّ بونبارت (Bonaparte) مصر عام 1798، وألغى قانون إلغاء العبوديّة عام 1802. وما يجب تسجيله هو أنّ احتلال فرنسا للجزائر عام 1830، وتشجيع «مفكرين» كانوا ضدّ الاسترقاق لهذا الاحتلال مثل توكوفيل (Tocqueville) وشولخر (Schoelcher)، وبهذا أصبحوا هم أنفسهم استعماريّون، وسقطت ورقة التوت التي كانوا يخبّئون وجوههم بها، باسم مبادئ الديمقراطية. ومن مكر التاريخ أنّ الإلغاء الثاني لقوانين العبوديّة في فرنسا عام 1848، صادف الإلحاق الإداري التعسّفي للجزائر من طرف فرنسا، بعد هزيمة الأمير عبد القادر.

(57)

كان المستعمر يلجأ إلى التشويه الجنسي (بقطع الأعضاء الجنسيّة) للعبيد[1]، بل كانت هذه الممارسة متفشّيةً عند المستعمرين، دون المسّ بإمكانيّة ممارسة الجنس عند العبد؛ لأنّ المستعمر كان محتاجًا لإنتاج العبيد لعبيد آخرين يخدمونه.

بصفةٍ عامّةٍ، دافعت أنثربولوجية الأنوار، وبالخصوص عند بوفون [2]Buffon، على احتلال الجزائر، تحت مسمّياتٍ واهيةٍ ولأسبابٍ مُفتعلةٍ غير مفهومة لا منطقيًّا ولا إنسانيًّا ولا أخلاقيًّا. فعندما يصرّح بوفون هذا: «إذا كان العرب يعيشون دون قواعد ودون شرطة ودون مجتمع تقريبًا، وإذا كانوا يكرمون رذائلهم وليس لهم أي احترام للفضيلة وكلّ الإتفاقات الإنسانية [ ... ] باستثناء تلك التي أنتجها التعصّب والخرافات»، فإنّه من واجب تحضيرهم (من الحضارة) وفلح أرضهم المهجورة. لم يكن يعترف بوفون بأيّ عرق آخر من غير العرق الأبيض، الأوروبي، وقد ساهمت كتاباته في تشكيل الأيديولوجيا الاستعمارية.

كما أشار إلى ذلك المؤرخ الفرنسي كلود ليوتزو (Claude Liauzu) فإنّ: «الاستعمار مرتبطٌ بالحضارة» منذ الثورة الفرنسية. وكان دينو كونستانتيني (Dino Costantini) على حقّ عندما قال بـ «أنّ إلغاء العبوديّة في المستعمرات الفرنسية القديمة [ ...] لم ينهِ السياسة الاستعمارية لفرنسا، بل تزامن مع تسارع قويّ لها [ ... ] باعتبارها إنسانية، فإنّ الحرب الاستعمارية كانت ضروريّة لإنهاء الوحشيّة،

(58)

حيث كانت تعيش الشعوب التي لم تكن قادرة على الإرتقاء للشكل السياسي الجمهوري»[1]. إضافة إلى هذا، استثنيت الجزائر من قانون إلغاء العبودية لعام 1848، الذي همّ فقط المستعمرات الفرنسية الأخرى، على اعتبار أنّ فرنسا كانت تزعم بأنّ الجزائر لم تكن مُستعمرة من طرفها، بل مُلحقة فرنسية، وبتعبير معاصر ولاية من ولاياتها. ولم تُلغَ العبوديّة في الجزائر إلا في بداية القرن العشرين.

حاول الفرنسيون جعل الجزائر مثل أميركا الشمالية بالنسبة للإنجليز. بمعنى ترحيل أكبر عدد ممكن من الفرنسيين للعيش فيها ومصادرة أكبر عدد من الجزائريين، وتضييق الخناق عليهم حيثما وُجدوا، تمامًا كما مارس ذلك الأوروبيون الأوائل في أميركا الشمالية اتجاه الهنود الحمر[2]. بل هناك من الفرنسيين ممن اقترح إحظار العبيد السود للإشتغال في الجزائر، عوض الجزائريين[3]. وللإشارة فإنّ احتلال الجزائر كان مؤسّسًا أيضًا على فكرة الأنوار القائلة بأنّ من يفلح الأرض هو صاحبها ومالكها. وبما أنّ الاستعمار الفرنسي كان يعتبر الجزائري غير قادر على الفلاحة وليست له مؤهّلات الاعتناء بالأرض، بل هو كسول ولا يهمّه العمل. بل إنّ فرنسا، نظرًا لتقدّمها التقني والعلمي والحضاري، قادرة على إصلاح الأراضي الجزائرية وجعلها صالحة للزراعة، بل مثمرة وخصبة. وفي هذا، وبطريقة

(59)

ضمنيّة، تسخير للتقدّم التقني والعلمي والفكري لخدمة الاستعمار، تحت غطاء تنمية الشعوب المتأخرة للحاق بركب الحضارة.

مؤشّرات الأبارتهايد في الولايات المتحدة الأميركية

تذكر كتب التاريخ بأنّ البرتغاليين بدأوا بممارسة العبودية حوالي عام 1444[1]، وكانوا يرسلون حوالي 800 عبد سنويًّا من سواحل إفريقيا الغربية إلى البرتغال. تلتها إسبانيا[2]، التي تعاطت تجارة النخاسة في بدايات القرن السادس عشر، مُرحّلة ألاف الأفارقة قسرًا لاستغلالهم كعبيد في مستعمراتها بأميركا اللاتينية. تبعت إنكلترا النهج نفسه في منتصف القرن السادس عشر، هذا وتلتها دول أوروبية أخرى كفرنسا وهولندا والدانمارك والمستعمرات الأميركية.

لا نجازف القول، بل لا نتقوّل، إن أكّدنا بأنّ أميركا لم تُبنَ فقط على سواعد من انتزعت منهم حقوقهم، بل إنسانيتهم، بل بُنيت على الظلم المكشوف لكلّ من لم يكن أبيضًا. فالسكان الأصليون، الهنود الحمر، لم يُظلموا إلى يومنا هذا فقط، بل تعرّضوا أكثر من مرّة للإبادة الجماعيّة من طرف القوى المحتلة الغاشمة، سلبوا من أراضيهم وخيراتهم وسبل عيشهم، ورُكِّنُوا في مراكز محدّدة لا يبارحونها. ولم يكن مصير السود أفضل، ذلك أنّ «قنصهم» من القارة الإفريقية وإيصالهم في ظروف أقلّ ما يُقال عنها أنّها لم تكن

(60)

مقبولة لا إنسانيًّا ولا أخلاقيًّا للاشتغال كعبيد عند البيض هو برهان جليّ إضافيّ على الأبارتهايد الذي مُورس في حقّهم.

ربط المؤرّخ الأميركي هوارد زن في كتابه «التاريخ الشعبي للولايات المتحدة» بين سلوك مكتشفي الأميركتين في حقّ السكان الأصليين والحروب الوقائيّة الحالية لبلاده، مشدّدًا على أنّ الحرب الوقائيّة التي تمارسها أميركا ما هي إلا مجرّد كذبة، تغطي على الحقيقة المرّة المتمثّلة في كون الحرب نفسها إرهابًا واعتبر وصول كريستوف كولومبس عام 1492 إلى الشواطئ الأميركية بمثابة بداية الغزو والعبوديّة وإبادة السكان الأصليين.

انتقل حال السود في أميركا من استغلال إلى عبودية مؤسّساتيّة في النصف الثاني للقرن السابع عشر، تحت أقنعة قانونيّة مختلفة. فالمعسكرات الثلاثة عشر، التي شكّلت فيما بعد الولايات المتحدة الأميركية «استوردت» ما يناهز 600000 (ستة مئة ألف) إفريقي إلى حدود عام 1808، تاريخ منع الاتجار بالعبيد.

عندما استُقْدِم العديد من الأوروبيين لأميركا، وبالخصوص من إيرلندا وألمانيا وانكلترا، فيما سمّي آنذاك «عمال بالتعاقد» (indentured servants)، وكان هؤلاء المُستقدمون عمالًا بسطاء فقراء، استقدموا في الوقت نفسه أفارقة؛ ليخدموهم لمدّة معيّنة ويطهون لهم الطعام ويقومون بالأشغال المنزلية[1]. وتعود أثار وصول الأفارقة الأوائل لأميركا إلى سنة 1619 من طرف قراصنة-

(61)

تجار هولنديين، استولوا على سفينة إسبانيّة كانت تنقل العبيد. رست هذه السفينة في فرجينيا Virginie. وفي هذه الأخيرة بدأت عبوديّة السود في واضحة النهار بعدما حكم على الرجل الأسود البشرة جون بونش (John Punch) عام 1640 بخدمة سيده مدى الحياة، بعدما حاول الفرار. وهنا نلمس أوّل المحاكمات العنصريّة، المبنيّة على الميز العنصري؛ لأنّ المرء لم يسأل عن ظروف عمل بونش، بقدر ما نظر له باعتباره أسودًا، لا قيمة له اتجاه الرجل الأبيض الذي كان يخدمه. وجاءت سنة 1654 بأكثر من هذا، حيث أعلنت محكمة بنورث أمبتون Northampton بأنّ الرجل الأسود جون كاسور (John Casor) هو مِلْك لسيده الأبيض.

حتى وإن كانت كلّ المستعمرات الأميركية سواسية في ممارستها لعبودية الأفارقة، فإنّ المرء قد يُميّز بين شمال المستعمرات الثلاثة عشر ووسطها وجنوبها. يظهر من خلال تتبّع مختلف المراجع بأنّ الشمال كان يتعامل مع العبيد بطريقة يعتبرهم فيها: كـ «عمال بالتعاقد». وكان يحرّرهم عندما يقتنع المالك بأنّ عبده أو عبيده قد اشتغلوا بما فيه الكفاية وعوّضوا بعملهم هذا ثمن شرائهم.

بدأ ناثانيال باكون (Nathaniel Bacon) حركة احتجاج عام 1676 في المستعمرة الإنجليزية بفرجينيا، وأصبحت إلى حدّ ما ثورة بعدما انظمّ إليه العبيد السود. وكان سببها هو النزاع مع الأميركيين الأصليين حول الأرض. ودعا باكون إلى حرب شاملة ضدّهم، وهو ما دفع حاكم المستعمرة إلى سجنه، قام على إثرها ألفين (2000) من فرجينيا إلى تنظيم مظاهرة ضدّ سجنه هذا. أطلق سراح باكون بعدما

(62)

وعد بأنّه سيتوب عن تحريضه على الدعوة للحرب ضدّ الأميركيين الأصليين. لكنّه سرعان ما نظّم ميلشيات وهاجم الأميركيين الأصليين، وهو ما أدّى إلى إرسال الإنجليز قوات خاصّة لإخماد الثورة، لأنّه لم يكتفِ بمحاربة الأمريكيين الأصليين، بل اتّهم علنًا السلطات الإنجليزية بمستعمرة فرجيينا بفرض ضرائب غير عادلة واستحواذها على تجارة الفرو والجلد والتخلّي عن المزارعين الذين يواجهون هجمات الأميركيين الأصليين. تم إحباط هذه الحركة، وقدم المشاركون فيها إلى المحاكمة، بحيث أخلي سبيل كلّ البيض وسجنت أغلبية السود[1].

مع اقتراب انتهاء القرن السابع عشر، فُرض على كلّ السود الذين أستقدمهم المرء من إفريقيا وضع العبودية. وتعمّم هذا الوضع خطوة بعد خطوة في كلّ المستعمرات الأميركية، وحدّدت حقوق امتلاك السود كعبيد، كامتلاك لأثاث المنازل. بمعنى أنّهم حرموا من كّل حقوقهم، بل انتزعت منهم كلّ الحقوق، واعتُبروا أقلّ من الحيوان. شغَّل، أو بالأحرى استغلّ المرء هؤلاء الناس في الأعمال المنزلية شمال أميركا، في حين استغلّوا في الفلاحة والأعمال الشاقة في الجنوب.

تزيد مأساة عبودية السود بأميركا في نظام أبارتهايد قوامه التمييز بين البشر وهضم كلّ حقوقهم عندما بدأ «الأسياد البيض» ينتقلون إلى شرق البلاد، عندما بدأت فلاحة القطن تتطوّر أكثر في الولايات الشرقية لأميركا. عمد «مُلاّك» العبيد إلى ترحيل عبيدهم إلى الولايات التي قصدوها للاتّجار في القطن. هناك إحصائيات تقول بأنّ عدد

(63)

من «هَجَّرَهُم» المرء قسرًا من الجنوب إلى شرق المستعمرات الأميركية وصل حوالي مليون شخص أسود بين 1790 و1860. ولم يكن انتعاش زراعة القطن هو السبب الوحيد في ترحيل هؤلاء السود للشرق، بل تمّت المتاجرة بهم في كلّ ترحال «لأسيادهم». وبهذا أصبح الاتّجار في العبيد أكبر مدرّ للدخل على المستعمرين جنوب البلاد، يضاهي أو يفوق دخل الزراعة وتربية المواشي.

للإشارة فإنّ السود في ترحيلهم هذا كانوا مضطرّين لقطع مئات الكيلوميترات مشيًا على الأقدام، بكلّ ما يتضمّن ذلك من إرهاقٍ وتعبٍ ومرضٍ وقلّة التغذية وتعرضهم للأوبئة وسوء معاملة البيض لهم. ويقول شاهد من ذلك الزمان: «موكب من الرجال والنساء والأطفال على غرار موكب جنازة». ويوضّح هذا طريقة كسر العلاقات الإنسانية، بل دفع خوف «مالكي العبيد» من قطاع الطرق، إلى ربط «العبيد» بسلاسل تصل بعضهم ببعض وهم يمشون. إضافة إلى هذا حدثت شروخ في عائلات السود جرّاء هذه التنقلات، ويقول المؤرخ بيتر كولشين[1] (Peter Kolchin) في هذا الإطار بأنّه تمّ: «تفتيت الأسر القائمة وإجبار العبيد على الانتقال بعيدًا عن محيطهم المعهود»، وبهذا فإنّ هذه الهجرة الداخلية المفروضة على السود، سبّبت في الكثير من الفظائع في حقّهم. وفي السياق نفسه أكّد المؤرّخ إيرا برلين[2] (Ira Berlin) بأنّ هذا الترحيل الجماعي مثّل

(64)

صدمة رئيسيّة في حياة العبيد بين الثورة الأميركية والحرب الأهلية.

كان حال السود الذين اقتادهم المستعمرون البيض لأميركا إلى غرب البلاد أكثر قساوة؛ لأنّ الأراضي لم تكن مهيّأة لزراعة القطن، وكان عليهم العمل الشاقّ لساعات طويلة في اليوم دون تغدية كافية. وهذا ما كان، حسب المؤرخين، يرفع من «عصيانهم»، لكن في الوقت نفسه يرفع من قساوة «أسيادهم»، الذين كانوا يعاملونهم بفضاضة وفظاعة كبيرتين.

لا داعي للتذكير أيضًا، بأنّ أغلبيّة الولايات الأميركية في ذلك الوقت لم تكن تسمح بتعليم السود، ذلك أنّ النسبة المئويّة لتمدرسهم لم تتعدّ إلى حدود 1860 خمسة في المئة. لا داعي للتذكير كذلك بأنّ الأبارتهايد الأميركي الذي مورس على السود، فرض عليهم دينًا لم يكن دينهم، ذلك أنّ حركات التبشير المسيحيّة المختلفة، التي رافقت استعمار أميركا كانت جدّ نشيطة في صفوف السود. ويجمع المؤرّخون على أنّ الدين المسيحي عرف في منتصف القرن الثامن عشر انتعاشًا ولربّما «نهضة» أو «استيقاظ» جديد له وبالخصوص مع حركة «الصحوة الكبرى»، وهي حركة دينيّة إنجيليّة كان شعارها التبشيري هو إنقاذ الداخلين لدينهم الجدد. كما حقّقت المنهاجيّة والعمودية[1]، التي ابتعدت مذهبيًّا عن الحتمية الكالفينية فيما يخصّ الالتزام الفردي، نجاحًا خاصًّا عند السود. ولم يَشفع لهؤلاء الأخيرين «اعتناقهم» للمسيحية، ذلك أن مختلف المذاهب المسيحية التي فرضت عليهم، عملت على تبرير العبودية على

(65)

أسس دينية[1]. كان الهدف الرئيس من «إدخال» السود للمسيحيّة هو اعتبار الدين وسيلة إضافيّة لإخضاعهم والتحكّم فيهم. وبما أنّ الدين فُرض على أفراد وجماعات محدّدة ضدّ إرادتهم، فقد طوّر السّود نوعًا من التديّن الخاصّ بهم، وهو مزيج من الدين المفروض عليهم ودياناتهم الأصلية، وهو تديّن مارسوه سرًّا، رافضين خطاب الطاعة الذي كانت كنائس الجنوب تفرضه عليهم. كانوا يفضّلون نصوص الكتاب المقدّس المسيحي التي كانت تحضّ على التحرّر، كقصّة هجرة عبيد الفرعون التي بدأها موسى عليه السلام[2].

فيما يخصّ القهر الذي كان يُمارس على السود من طرف البيض يقول المؤرّخ كينيث م. ستامب (Kenneth M. Stampp)[3]: «دون سلطة المعاقبة، التي منحتها الدولة للسيد، فإنّه كان من الممكن ألّا توجد هناك عبوديّة». كما أنّه يقدّم نموذج مزارع ممّن كان «سيد» عبيد سود: «أتحدّث عمّا أعرفه عندما أقول بأنّ إقناع الزنجي ليَعِمَل يُشبه «رمي اللؤلؤ للخنازير». لا بدّ من إجباره على العمل، ولا بدّ أن يُفهمه المرء بأنّه سيعاقب إن لم ينجح في آداء مهمّته». ويتّفق المؤرخان دافيد بريون دافيس[4] (David Brion Davis) وأوجين

(66)

جينوفيزا (Eugene Genovese) على أنّ معاملة السود كانت «لا إنسانيّة»، ذلك أنّهم كانوا معرّضون للعنف المسموح به من طرف سلطات البيض سواء أكانوا يشتغلون أم فقط يمرون في الشارع العمومي. ويؤكّد دافيس بأنّ التنظيم الاقتصادي والاجتماعي لأميركا في ذلك الوقت كان يشبه إلى حدّ ما «رأسمالية اجتماعيّة welfare capitalist»: «ومع ذلك، يجب ألّا ننسى أبدًا بأنّ «الرأسمالية الاجتماعية» للمَزَارع في الجنوب كانت تعتمد أساسًا على استخدام الرعب. وحتى أكثر السادة ضرافة وإنسانيّة كانوا يعرفون بأنّ التهديد بالعنف هو وحده الذي يمكن أن يُجبر فريق رقيق ما على العمل من الفجر إلى الغروب، طبقًا لشهادة أحدهم «انضباط جيش نظامي متدرّب». كانت هناك جلسات جلد في الساحة العمومية متكرّرة لتذكير كلّ عبد بالعقاب على العمل غير الفعال أو السلوك الجامح أو رفض الخضوع للسلطة العليا».

كان قانون الرقيق يسمح بأمور لا تخطر على بال، وكانت طرق عقاب «العبيد» السود ووسائلها مختلفة ومتنوّعة، منها الضرب بالسوط، والحرمان من الأكل أو الشرب أو النوم، والأعمال الإضافيّة، وكَيّ الذين حاولوا الهروب بصفيحة حديد، والإخصاء أو تشويه أجسادهم أو حتى القتل. وكانت عائلات الرقيق تعيش في قلق واضطراب مستمرين؛ لأنّها كانت تعرف بأنّ «سيدهم» قد يبيع أيّا كان منهم في أيّة لحظة.

تؤكّد شهادة ماري شيسنوت (Mary Chesnut) وفاني كومبل

(67)

(Fanny Kemble)، كانتا من الأرستقراطيات أنذاك[1]، بأنّ الإناث السود كنّ يتعرّضن إلى الإعتداء الجنسي المنظم من طرف «أسيادهن» أو أفراد عائلات هؤلاء الأخيرين وأصدقائهم. ويتّفق كلّ المؤرخين على هذا، ويؤكّدون بأنّه في حالة حمل هؤلاء النساء ووضعهن، فإنّ المولود يصبح بدوره مُلكًا «للسيد» الذي يملك عائلته. ونذكر هنا مثلًا بأنّ الكثير من خدم الرئيس الأميركي السابق طوماس جيفرسون (Thomas Jefferson) كانوا أبناء صهره من زنجيات.

ما يثير الفضول، بل القرف هو أنّ الدولة كانت تتوصّل بضرائب سنويّة على الرقيق السود من ملّاكهم، الذين كانوا يستغلّونهم كما كان يحلوا لهم من أجل الاكتساب، كاستئجارهم لملّاك آخرين لمدّة معيّنة، وبالخصوص في فصول كثرة العمل المرتبطة بجني محصول الأراضي. كما استغلّ الزنوج في أميركا في بناء طرق السكك الحديدية، وهو عمل قام به على الخصوص السود الذين حاولوا الهروب وسُجنوا، عندما ألقي القبض عليهم من جديد.

حاول الزنوج في مستعمرات أميركا الشماليّة القيام بثورات، سواءً أكانت منظمة أم عفوية؛ بسبب عدم تحمّلهم لكلّ العذابات التي كانوا يتعرّضون لها، لكن البيض غالبًا ما أقبروا تلك الثورات بالقوّة، بل بعد كلّ حركة من حركات الثورة هذه، كانوا يتفنّنون في إبداع طرق جديدة للمراقبة والتعذيب والعقاب.

يقول كلود فولن (Claude Fohlen) في «تاريخ العبودية في

(68)

الولايات المتحدة»: «تخلّل تاريخ الولايات المتحدة بأكمله بدوافع دينيّة كان لها تأثير مباشر على التقدّم الاجتماعي»[1]. وتشكّل المسيحيّة البروتستانتيّة خلفيّة ثقافيّة مشتركة شكّلت العقليّة الجماعيّة بالرجوع إلى الكتاب المقدّس وأشبعتها. وبهذا فإنّ الحدود قابلة للاختراق تمامًا والدين الفردي ليس بعيدًا عن «الدين المدني»، الذي، وعلى الرغم من أنّه مستمدٌّ من مصادر مختلفة، فإنّه يستخدم اللّغة نفسها ويقدّم مظاهر متشابهة. ولم يفت مسألة العبودية في إحداث تغييرات كبيرة في المشهد البروتستانتي. كان للعبودية على الأقل التأثير نفسه على البروتستانتيّة، التي كان لها تأثيرٌ على العبودية أيضًا؛ بسبب انشقاقات الكنائس ومواقفها، وكذا بسبب المظهر الجديد الذي اتخذته البروتستانتية تحت تأثير تبشير السود.

إنّ الأسباب الحقيقيّة للعبوديّة هي اقتصادية وسياسية، وإذا تدخّل العامل الديني في قيامها، فإنّه يُعتبر عاملًا فقط من بين عوامل أخرى، وتأتي أهميّته من علاقته بالميادين الأخرى لا منه بذاته. ويوفّر الدين، في الخلفيّة، ذريعة أيديولوجية للعبودية. ذلك أنّ المجتمعات التي تمارس الرقّ تعتمد على النصوص المقدّسة؛ لإضفاء الشرعيّة على ممارستها هذه. مكلّلًا بأحكام مسبقة تتعلّق بادّعاء دونيّة الرجل الأسود، يعدُّ اللاهوت المسيحي أساسًا تقليديًّا لاستعباد السود تحت ذريعة لعنة سام، ابن نوح (تكوين 9: 20-

(69)

29)[1]. فوجود العبوديّة جاء بأمر من الله ويؤسّس هذا المرسوم، في إطار المسيحية، النظام الاجتماعي.

تقاسمت أوروبا كلّها الموقف الأوغسطيني، الحاضر بقوّة في الكنيسة الكاثوليكية[2]. وقد أعلن البابا الاتّجار بالبشر عام 1455 للأسباب نفسها. وانضافت إلى «تبرير وعذر السام» فكرة كون تجارة الرقيق مُطَهَّرة من الخطيئة؛ لأنّها سمحت بالتبشير، بمنطق تفضيل العبودية تحت المعمودية على الحرية الوثنية. وهكذا، فإنّ الدين الذي تمّ تأسيسه في أميركا، وبالخصوص من خلال الطوائف الأنغليكانية، كان في صالح الإتّجاه المحافظ اجتماعيًّا، الضامن للأداء السليم للنظام الذي تمّ إنشاؤه كامتيازاتٍ مكتسبة في الحياة العامة[3]. كان المرء يُعطي في ذلك الوقت للخضوع والتسلسل الهرمي (كانت الكنائس الأنغليكانية في فرجينيا تملك هي نفسها العبيد) قيمة، وفي إدخال السود للمسيحية. كان القساوسة البيض يركزون على وجوب الطاعة العمياء للمسيحيين السود، ليس فقط للرجال الدين، بل أيضًا لمُلاَّكهم.

(70)

إنّ «البصمة البروتستانتية» التي شجّعت العبوديّة ماكرة ومُتستّرة. استفاد المتشدّدون في نيو إنغلاند بشكل غير مباشر من الرقّ من خلال تجارة العبيد، التي كان عدد منهم يمارسها، وكانت تعود عليهم بأرباحٍ كبيرةٍ بنوا عليها ثروتهم، وساهمت هذه التجارة أيضًا في إنعاش الاقتصاد المحلي للموانئ والأسواق. يتعلق الأمر إذن بروتستانتيّة أنجلوسكسونية، تعزّز الممارسات الرأسمالية والأخلاق البراغماتية مع الاعتراف بأنّ العبودية هي مؤسّسة ظالمة.

كانت المحافظة الاجتماعية تخدم المصالح الاقتصادية، وكان للمستعمرات الإنجليزية نوعان متكاملان من الربح: واحد فلاحي يعتمد على العبيد والثاني صناعي تجاري. وعلى الرغم من الاختلاف في أساليب العمل، فإنّهما معًا مُتجذران في «الأخلاق البروتستانتية لرجال الأعمال»: «لم تختلف إدارة المزرعة في طبيعتها عن طبيعة إدارة الشركة، ما كان يبحث عنه المزارعون كان عملاً شاقًا وثابتًا ومنتجًا»[1].

ولأنّه عاملٌ متغيّرٌ بالمقارنة مع العامل الثقافي والاقتصادي (الأنجلو-بروتستانتي من النوع الرأسمالي) يبدو أنّ المعلمة الدينية للكنائس الناتجة عن الإصلاح سمحت ورافقت وشرّعت وأضفت الطابع المؤسّساتي على العبودية في أميركا.

وهكذا، وفي عشية إعلان الاستقلال (1776)، كانت العبودية مترسّخة، حتى لو كانت هناك اختلافات جغرافيّة ملحوظة بين

(71)

مختلف مناطق أميركا. كان التركيز الرئيسي للسود يوجد في المستعمرات الجنوبية[1]. وقد شكّل هذا الترسيخ الواضح للعبوديّة مشاكل عدّة، وبالخصوص عند تحرير وثيقة الاستقلال من طرف الآباء المؤسّسين للولايات الأميركية: فقد كان مثال حريّة الملكيّة يتضمّن أيضًا ملكيّة العبيد، ولقد تأسّست وحدة المستعمرات على هذا التناقض. بالنسبة للآباء المؤسّسين -كان معظمهم من ملاك الأراضي الرئيسيين- فإنّ الإجابة على مشكلة العبوديّة ظلّ دون إجماع، ما دفعهم إلى الالتفاف حوله، بظهور أولويات أخرى، مثل تنظيم مؤسّسات الولايات الجديدة.

كانت السياسة الأميركية اتجاه الرقيق أهمّ سبب لاندلاع الحرب الأهليّة بها، على الرغم من أنّ المرء يحاول التغطية على هذا الأمر بتقديم أسباب أخرى، ومنها بالخصوص رفض رئاسة أبرهام ليكولن (Abraham Lincoln) للجمهورية الأميركية الفتيّة، التي كانت تحاول توحيد جميع الولايات في تنظيم واحد. ذلك أنّ سياسة إنهاء العبودية كانت وراء الصراع بين مستعمرات الجنوب، التي كانت ضدّ هذه السياسة، ومستعمرات الشمال، التي كانت تعمل على إنهائها. وبعد إنهاء العبوديّة بقوّة القانون، بدأت الحركات العنصريّة ضدّ السود تنشط في الولايات المتحدة الأميركية، وبالخصوص في الجنوب. فمجموعة كوكلوكس كلان (Ku Klux Klan) مثلا ظهرت حوالي عام 1870، وكانت غالبية أعضائها من رجال الأمن الأميركيين.

(72)

ولعلّ الأكثر إثارة للدهشة هو أنّ قرار لينكولن بإلغاء العبودية في عام 1865 لم يكن له علاقة تذكر بالدوافع التي أدّت إلى الإلغاء. انتخب بالطبع على أساس برنامج إلغاء العبودية، الذي انخرط فيه في وقت متأخّر. كان لينكولن مهتمًّا قبل كلّ شيء بالحفاظ على وحدة الولايات الناشئة، فالأحداث هي التي كانت تقوده، وليس العكس: «على الرغم من أنّه لم يكن شخصيًّا ضدّ استمرار العبودية في الولايات الجنوبية، فإنّه أكّد نفسه كرئيس في الوقت نفسه باعتراضه على المساواة بين السود والبيض في الولايات الشمالية. لذلك كان موقفه معتدلاً للغاية»[1]. وحتى بعد إعلان الإلغاء، فإنّ وضع السود في الولايات المتحدة الجديدة لم يتغيّر في جوهره: «لتحرير العرق الأسود، لا يكفي إعادة بناء الجزء الأمامي من الدساتير وتغيير لباس العبد، إذا جاز التعبير. في اليوم الذي انضمّت فيه الولايات الجنوبية المهزومة والمسالمة إلى الإصلاح العظيم، يبقى من الضروري إلغاء جميع التشريعات الهمجيّة، التي ظهرت مع العبودية وتجعل منه يدوم ... ما هو الخير في إعلان الإلغاء، إذا كان السود سيُستبعدون بعد ذلك من المجتمع السياسي والمدني، ويُستبعدون بشكلٍ منهجيٍّ من المدارس، ويُبعدون من المحاكم، ويطاردون مثل الوحوش ... تمّ اعتقالهم قسرًا في المزارع، واستعبدوا من طرف مالكهم السابق تحت اسم العمال الأحرار، مقابل أجور متدنية للغاية. هناك نظام كامل من المؤسّسات السياسية والاجتماعية والتقاليد الأخلاقية

(73)

في الولايات الجنوبية يجب تدميرها قبل افتخارها بإطلاق سراح السود»[1].

ما يمكن تأكيده بعد هذه الإطلالة السريعة على سياسة الرقيق بأميركا هو أنّها كانت استجابة شبه طبيعية لأبارتهايد الإنسان الأبيض، فالرقيق كانوا يعيشون على هامش المزارع الكبرى، حيث كانوا يعملون في ظروف أقلّ ما يُقال عنها أنّها كانت جدّ صعبة على كلّ المستويات. وهذا التمييز العرقي ما زال ساري المفعول في أميركا، لا حاجة لتبرير هذا القول؛ لأنّ الجرائم العنصرية تتكرّر بانتظام إلى الوقت الحالي، سواء من طرف الحركات العنصرية الراديكالية أو من طرف رجال الأمن البيض، الذين غالبًا ما لا يُلاحقون قانونيًّا، حتى في حالة ثبوت القتل العمد لأميركي أسود، فقط لأنّه أسود. ولربّما يدفعنا هذا للقول بأنّ إرث الأبارتهايد ما يزال يعشّش في التركيبة النفسيّة، ولربّما العقليّة، للكثير من الأميركيين المعاصرين. وهو أبرتهايد موروث بدوره عن الحركات الاستعمارية الكبرى للإنجليز والفرنسيين والهولنديين والبلجيكيين والبرتغاليين إلخ.

في معرض دراسة معمّقة حول الأبارتهايد، لا يمكن أن يستثني المرء الحديث عن هذا الأخير في الولايات المتحدة الأميركية. وخير سبيل لهذا هو التذكير بالقوانين المؤسّسة لهذا البلد الذي يتغنّى إلى اليوم، ولربّما قلنا وبالخصوص اليوم، بحقوق الإنسان والمساواة والعدالة إلخ.

(74)

نذكر للتاريخ قصّة الرجل الأسود، البطل دريد سكوت (Dred Scott)، الذي عرّى حقيقة أميركا في المحاكة التي قامت بها المحكمة العليا عامي 57/1856 [1]. حاول سْكُوت، الذي كان عبدًا يشتغل لصالح رجل أبيض الحصول على حرّيته؛ لأنّه عاش لأوقاتٍ معيّنة مختلفة في ولايات أميركية كانت ألغت العبودية. لكنّ المحكمة، في شخصيّة رئيسها آنذاك روجي ب. طاني (Roger B. Tany)، نفى حقوق السود الأميركيين وقوّى قوانين العبودية[2]. فالحقوق الأميركية كانت في نظره كقاضٍ يحكم على شخص زنجيٍّ، تقتصر على البيض: «أنفسنا وذريتنا (to ourselves and posterity)». بل تساءل ما إذا كان سْكُوت أميركيّ الجنسية، ووصف الزنوج بـ: «كائنات ذات ترتيب أدنى، غير قادرة عمومًا على الاتّصال بالجنس الأبيض، لا في علاقة اجتماعيّة ولا سياسيّة، وهم في أدنى مرتبة إلى درجة أن لا حقوق لهم، يتعيّن على الرجل الأبيض احترامها، وأنّه على الزنجيّ أن يقتصر، من أجل مصلحته، على العبودية بموجب القانون»[3]. والواقع أنّ ما كانت المحكمة تخشاه في هذه القضيّة،

(75)

هو تبعات محاكمة عادلة لسكوت: «من شأنه أن يعطي لأشخاص من جنس زنجي [...] الحق في دخول أيّة ولاية أخرى وقتما شاء، [...] والحريّة الكاملة للكلام في الأماكن العامة والخاصّة في جميع المواضيع التي قد يتحّدث عنها مواطنوها، لعقد اجتماعات عامّة خاصّة بالشؤون السياسية وامتلاك وحمل السلاح»[1].

يرى الألماني أوفا شميت (Uwe Schmitt) بأنّ يوم 18 ماي 1896 كان بداية تأريخ نظام الأبارتهايد في هذه الولايات برفض محكمة عليا المساوات بين بيض وسود البشرة[2]: «لم تستمر حياة أميركا المزدوجة فقط على السكك الحديدية والفنادق والمدارس والمسابح وفي كلّ مرزاب: تمت الموافقة على الفصل العنصري من قبل المحكمة العليا، وتمّ إنشاء مجال منفصل بين العبد والمواطن، بقي على حاله إلى 1954»[3]. ومن بين البراهين على وجود نظام الأبارتهايد في الأسس القانونيّة للولايات المتحدة الأميركية منذ

(76)

بداياتها الأولى، ما نقرأه في تقرير حكم على أسود بمدينة بينسيلفانيا (Pennsylvania): «إقامة الفصل لا يعني إقامة الدونية... لكن فقط طاعة العناية الإلهية، التي تقول بأنّ السلطة البشرية يجب ألا تجبر هذه الأجناس المنفصلة على نطاق واسع على الاختلاط».

قبل 65 سنة تقريبًا، كان نظام جيم كراون (Jim Crow) يحكم مونتغوميري بألباما الأميركية، حيث كان المرء يدوس على حقوق السود بالأرجل. وفي يوم من الأيام رفضت زنجية اسمها روزا باركس (Rosa Parks) ترك مكانها في الأوطوبوس لرجل أبيض. وحاولت هيلاري كلينتون مرّة «الاستفادة» من هذا الحدث بقولها: «يُصنع التاريخ من طرف أناس عاديين، يقومون بأشياء غير عادية»[1]. وهذه الشهادة تسيء كثيرًا لروزا باركس، لأنّها تقدّمها كإنسانة عاديّة، بل تستغل عملها البطولي السالف الذكر لإيهام المرء بأنّ التغيير يأتي من تلقاء نفسه، في الوقت الذي نعلم فيه بأنّ باركس كانت من المقاومات الكبيرات لسياسة الأبارتهايد الأميركية في الوقت الراهن. كما أنّ ما قالته كلينتون يوحي بأنّ التغيير في أميركا ممكن من طرف شخص واحد، وهي في ذلك توهم بصورة «أمريكا حيث كل شيء ممكن»، بما في ذلك الحرية الفردية لكل سكانها. وبهذا يمكن اعتبار ما قالته كلينتون بروبغاندا بخيسة، تقلّل من قيمة قضيّة السود في أميركا، أكثر من مطالبتها برفع الحيف والظلم الذي طال أجدادهم ويطولهم إلى اليوم. وحتى وإن لم يكن مصير باركس كمصير مارتين لوثر (Martin Luther King)، الذي تمّت تصفيته

(77)

جسديًّا عندما كان يشارك في مظاهرة عماليّة بمدينة ميمفيس (Memphis)، فإنّ قضيتهما كانتا مشتركتين، تتمثل في استمرار النضال من أجل حقوق السود في أميركا القرن الواحد والعشرين. ومن بين الميادين التي كانت باركس نشيطة فيها أيضًا كان هناك ميدان متابعتها لحالات الاغتصاب المتعمّد للنساء السود من طرف رجال الأمن، وكأنّ زمن العبودية بكلّ قوانينه لم ينفع في أميركا الحالية: «كان حقّ الرجال البيض في اغتصاب النساء ذوات البشرة الداكنة هو جوهر نظام الأبارتهايد الأميركي. ومع إلغاء العبودية، تم إلغاؤه رسميًّا، لكنّه ظلّ جزءًا من الحياة اليوميّة للمجتمع العنصري»[1]. وتضيف دانيال ماك غير[2] (Danielle McGuire) في هذا السياق: «باستثناء رجال الشرطة، لم يرتكب إلا عدد قليل أعمال العنف والاغتصاب ضدّ النساء السود مثل سائقي الحافلات في مونتغمري. كانوا يضايقوهنّ بطريقة وحشيّة يومًا بعد يوم. والأسوأ من هذا هو أنّ سائقي الحافلات كانوا يعتبرون أنفسهم رجال شرطة. كانوا يحملون البنادق والهراوات، وكلّ الأميركيين من أصل إفريقي، الذين كانوا يعارضون نظام جيم كرو [الأبارتهايد] كانوا يتعرّضون للهجوم وأحيانًا للقتل». ويمكن أن نستنتج من هاتين الشهادتين، بأنّ نظام الأبارتهايد في مونتغمري عُزِّز بطريقة علنيّةٍ من طرف جيم

(78)

كرو في عزّ القرن العشرين بأميركا: «في الواقع كان الفصل العنصري مجرّد تعبيرٍ رسميٍّ، شبه سطحيٍّ لنظام حكم قائمٍ على عنف عار من جهة وهيمنة سياسيّة حديديّة من جهة أخرى»[1].

من هنا أمكن القول، إنّ إلغاء قوانين التمييز العنصري، لم يقضِ نهائيًّا على الإرث الأبارتهايدي المدسوس في الثقافة الأميركية إلى يومنا هذا، ولا بأس أن نذكر بما قاله الرئيس الحالي للولايات المتحدة الأميركية في عزّ حملته الانتخابية، في ما معناه ماذا سيفقد السود إن صوّتوا لصالحي؟.

(79)
(80)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثالث

تجليات الأبارتهايد المعاصر

(81)

سنركّز حديثنا في هذا الفصل على أبارتهايد ما بعد إلغاء العبوديّة في المستعمرات الإنجليزية والفرنسية وفي أميركا في أواخر القرن التاسع عشر. هل اختفت العبودية وما رافقها من تمييز عنصري وأبارتهايد مورس على مدى قرون على شعوب وثقافات في مختلف بلدان القارات الخمس؟ هل وفت القوى «العظمى» بالتزاماتها «الأخلاقية» اتجاه مستعمراتها على ضوء حقوق الشعوب والأفراد التي سنّتها؟ أكانت هذه الحقوق، بما فيها حقوق الإنسان، للمعمورة ككلّ أم منحصرة على بشر البلدان التي سنتها وباعتها وتبيعها دائمًا كدين جديد صالح لكلّ عصر وكلّ مصر؟

هذا جزء من الأسئلة التي شغلتنا ونحن في بحر سبر أغوار الأبارتهايد، الذي لم يكن في نظرنا إلّا أداة من أدوات إحكام السيطرة وإخضاع الآخرين، ليس فقط لسيطرة إنكلترا وفرنسا وأميركا ودولة الصهاينة، بل العمل به كمثال لكلّ شعب سوّلت له نفسه محاولة الوقوف في وجه هذه القوى الاستعمارية، وما كان مصطلح الاستعمار الجديد، إلا التعبير الواضح على عدم تخلي الدول الإمبريالية على نهجها، تحت بطانيات مختلفة، ومنها بالخصوص مبدأ حقوق الإنسان وضمان الحريات العامّة والخاصّة.

ما يُبرهن صراحة وعلانية على استمرار الإرث الاستعماري العنصري في الغرب هو ما كتبه الأميركيون أنفسهم، نذكر منها مقالة الأميركي بروس غيلي «دعوى لصالح الاستعمار»، المنشورة بمجلة

(82)

«فصلية العالم الثالث (Third World Quarterly)» منتصف شهر غشت 2017. والمقال هو دعوة علنيّة إلى إعادة النظر في الإتّهامات التي وُجّهت للاستعمار الغربي، ودفاعٌ عنه، واجترار للأيديولوجيّة المؤسّسة للاستعمار: «لقد كان الاستعمار الغربي، بشكل عام، مفيدًا وموضوعيًّا وشرعيًّا في معظم الأماكن التي وجد فيها.. وكان أداء البلدان التي تبنّت الإرث الاستعماري بشكل عام أفضل من أداء تلك التي رفضته... ورسالة الاستعمار الحضاريّة التي أدّت إلى تحسين ظروف حياة غالبيّة شعوب العالم الثالث خلال معظم وقائع الاستعمار الغربي»[1]. ومن بين ما طالب به هو تصحيح الصورة السلبيّة للاستعمار: «إنّ اسم الاستعمار الغربي اكتسب طيلة المئة عام الأخيرة دلالةً سيّئةً، وآن أوان وضع هذه الدلالة المتعصّبة والمتشدّدة (الأرثوذكسية) موضع تساؤل. وكقاعدة عامّة، كان الاستعمار الغربي مفيدًا وشرعيًّا من الناحيتين، الموضوعية والذاتية، في غالبية الأماكن التي حلّ فيها بمقياس واقعيّة هذين المفهومين. فالبلدان التي احتضنت موروثها الاستعماري على نطاق واسع، وبوساطته، قامت بما هو أفضل ممّا قامت به البلدان التي رفضته وعَادَتْ الأيديولوجيا المعادية لاستعمار الشعوب التي خضعت لها، وما زالت تواصل إعاقة التنمية المستدامة وتعترض وصول الحداثة إلى الكثير من الأماكن». ولا يتردّد في المطالبة بإعادة استعمار الدول الضعيفة، ليستعيد الاستعمار عافيته أو إصلاحه: «وبدلاً من الحديث بتعابير ملطّفة عن سيادة مشتركة أو وصاية جديدة، يجب

(83)

أن تسمّى هذه الأعمال صراحة «استعمارًا»؛ لأنّها ستحتضن السجلّ التاريخي بدل أن تتجنّبه»، ويضيف: «مئة سنة من المأساة تكفي، وحان الوقت لأن ندافع عن الاستعمار ثانية».

الواقع أنّ المقال لم يرقَ إلى مستوى بحث أكاديمي رصين، بقدر ما يمكن اعتباره مغالطة، تخدم أجندة الاستعمار المعاصر بصدق ومكر. لم يتستّر الكاتب على الجرائم التي قام بها الاستعمار ضدّ الإنسانيّة، ولا زال، بل يعتبرها -لمن يفقه قراءة ما بين السطور-، من الإنجازات العظمى للاستعمار لتثبيت الأمن في المستعمرات. ومن المغالطات الخطيرة في النص هو أنّ كاتبه يؤكّد بأنّ «فضل إلغاء تجارة الرقيق يرجع إلى الاستعمار»؛ لأنّ استرقاق الغرب للشعوب الأخرى لم يكف بعد، ولأنّ الإعلان عن إلغاء العمل بنظام العبوديّة كان لأسباب كثيرة، منها بالخصوص تنافس القوى الاستعمارية فيما بينها لتحسين سمعة الاستعمار من جهة، وحركات الاستقلال المختلفة، التي اندلعت في الكثير من المستعمرات. لربّما ما قالته جيني هيجون ويلز، الأستاذة بجامعة وينبغ، يلخّص النيّة العنصريّة المبيّتة لبروس غيلي: «في جونا السياسي الذي نعيشه حاليًّا يتمّ تهديد حياة اللاجئين وحلفائهم من مجموعات العنصريين البيض المتطرفين.. وهذا النّوع من الأفكار ليس مجرّد استفزازاتٍ مجرّدة، لكن تنبني عليه آثار ماديّة بالنسبة لمن يسعى البروفيسور غيلي السيطرة عليهم والتعامل معهم كأنّهم أشياء».

ما يجب التنبيه إليه هو أنّ بروس غيلي لا يمثّل إلا الشجرة التي تخفي الغابة، ذلك أنّ الإرث العنصري الأبارتهايدي ما يزال بخير

(84)

في الغرب، ويتغذّى من أطروحاتٍ مُؤَسَّسٌ لها منذ قرون خلت. ولا أدلّ على ذلك من انضمام مؤسّسات جامعيّة «عريقة» في الوقت الراهن، بطرق مباشرة وأخرى غير مباشرة، لموجة تعزيز الفكر الاستعماري حاليًّا: «شيء مؤسف جدًّا أن تحاول أعرق جامعة في بريطانيا، وواحدة من أقدم الجامعات وأرقاها في العالم، وهي جامعة أكسفورد، تجميل جريمة كبرى باتت البشريّة المتحضّرة تخجل من مجرّد ذكرها، وتعدّها من أبشع ما ارتكبه الإنسان الأوروبي بحقّ إخوانه البشر في عصر يمكن تسميته بما قبل التاريخ الإنساني، أو هكذا من المفروض أن يكون.

لقد تبنّت هذه الجامعة مشروعًا ضخمًا يمتدّ لخمس سنوات تحت عنوان فضفاض، تتناقض كلماته فيما بعضها، وهو «علم الأخلاق والإمبراطورية»! ويهدف هذا البرنامج، كما هو معلن مباشرة، إلى الموازنة بين منافع الاستعمار البريطاني ومضاره!»[1]. بلغة مباشرة ودون لفٍّ ولا دوران، إنّه إحياء للإتّجاه المدافع عن الحقبة الاستعمارية والمبرّر لدوافعها وأساليب عملها. بل يتعلّق الأمر بإعادة تأهيل إنكلترا وتبرير تدخّلاتها العسكريّة في أكثر من بلد حاليًّا.

ورئيس هذا المشروع الأكاديمي هو نايجل بيغاس الذي دافع عن بروس غيلي الآنف الذكر في مقال بجريدة «التايمز» البريطانية تحت عنوان «لا تشعروا بالذنب تجاه تاريخنا الاستعماري». ما

(85)

هو خطير في الأمر هو أنّ هذا المشروع، المموّل من المال العام، وتحت إشراف باحثٍ مسيحيّ وثيولوجيّ، هو أنّه يُعتبر بالكاد إهانة لمعاناة ملايين الناس في المستعمرات من العبودية التي مورست في حقّهم، والعنصرية الأبارتهادية التي كانوا ضحيّة لها إبّان الاستعمار.

كشف استطلاع عام 2014 أن 59 في المئة من البريطانيين ينظرون إلى إرث الإمبراطورية البريطانية الاستعماري على أنّه «شيء يمكن الافتخار به». وتبيّن أنّ أولئك الذين يفخرون بتاريخهم الاستعماري يفوق عددهم منتقدي الإمبراطورية بنسبة ثلاثة إلى واحد. وبالمثل، يعتقد 49 في المئة أنّ الإمبراطوريّة أفادت مستعمراتها السابقة[1].

يقدّم المدافعون عن الحقبة الاستعماريّة البريطانية الهند، أكبر مستعمرة بريطانية، كمثالٍ على الاستعمار «الناجح». وإذا كان هذا النجاح يُقاس مثلا بدخل الفرد في شبه القارّة الهنديّة بين 1757 و1945، فإنّ المؤكّد هو أنّ هذا الدخل لم يحدث عليه أيّ تغيير في هذه الفترة الزمنية. علاوة على هذا فإنّ متوسّط العمر انخفض إبّان احتلال الإنجليز للهند بمعدّل 20 في المئة.

على الرغم من أنّ الكثيرين يستشهدون بشبكة السكك الحديديّة الهنديّة الواسعة باعتبارها إرثًا إيجابيًّا للاستعمار البريطاني، فمن المهمّ الإشارة إلى أنّ خطّ السّكة الحديديّة قد تمّ بناؤه بهدف صريح هو نقل القوّات الاستعماريّة الداخلية لقمع التمرّد ونقل المواد الغذائيّة من المناطق المنتجة والمناجم للتصدير، حتى في أوقات

(86)

المجاعات: مجاعة 1876-1879 أو 1896-1902، حيث مات ما يناهز ثلاثون هنديّا جوعًا، مجاعة البنغال عام 1943، تحت السيطرة الاستعمارية البريطانية، التي حصدت ثلاثة ملايين شخص. ولفهم الروح الاستعمارية والعنصريّة الإقصائية للاستعمار البريطاني، نُذكّر بما قاله ونستون تشرشل عندما طالبه المرء بالتوقّف عن شحن المواد الغذائية بنهمٍ شديدٍ من البنغال في عزّ المجاعة وإرسالها لإنجلترا. قال فيما معناه بأنّ الهنود هم المسؤولون عن موتهم: «يتكاثرون مثل الأرانب».

إلغاء تجارة الرقيق: إعلان فيينا بتاريخ 8 فبراير 1815

قبل اقتفاء آثار الأبارتهايد بعد إلغاء العبوديّة، من اللازم أن نتمعّن بهدوءٍ ما جاء في وثيقة إعلان فيينا ليوم 8 فبراير 1815. لا نشكّ في النوايا الحسنة التي كانت للكثير من المفكرين والفلاسفة الأوروبيين أثناء وبعض الثورة الفرنسيّة بالخصوص، وكلّ الأفكار الإنسانيّة التي تضمّنها فكرهم. ناضل الكثير منهم ابتداءً من سنة 1780 في صفوف المعارضين لسياسة العبوديّة والفصل العنصري في أوروبا نفسها وبعدها في المستعمرات. ذلك أنّ الدول الاستعماريّة كإسبانيا والبرتغال وإيطاليا مثلا استوردت العبيد من مستعمراتها لتستغلّهم في بلدانها في أمورٍ عدّةٍ. كانت هناك أسواق الرقيق في أزقّة بعض المدن الأوروبية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، من بينها مدينة لشبونة البرتغالية بـ «ساحة الرقيق Praça dos Escravos»[1]،

(87)

واستقدم عدد هائل من هؤلاء العبيد إلى هذه المدينة، بحيث وصلت نسبتهم المئوية عشرة في المئة من سكان لشبونة[1]. وكان هذا حال ساحة أو ميدان السوق (Le Market Square) بالإسكندرية بفرجينيا الأميركية ابتداء من عام 1830. واستيراد العبيد إلى أوروبا هو الذي أيقظ «ضمير» و«وعي» المفكر الغربي آنذاك إلى فظاعة ما كانت القوى الاستعمارية تقترفه ضدّ سكّان مستعمراتها.

كانت إنكلترا السباقة في حظر تجارة الرقيق قانونيًّا بتاريخ 25 مارس 1807، لكنّها لم تمنع العبوديّة. وهذا أمر غاية في الأهميّة، إذا كنّا نريد أن نفهم عمق بنية الأبارتهايد في شكله الكولونيالي عامّة والبريطاني بالخصوص. وكيفما أوّل المرء هذا الأمر، فإنّ ما هو ثابت هو أنّ الإنجليز وحتى وإن كانت قضايا الزنوج واردة في أجنداتهم الديبلوماسية بين 1810 و1905 [2]، فإنّ هذا لم يكن يعني بأنّهم تخلّصوا نهائيًّا من الرغبة في استعباد سكان مستعمراتهم أو كانوا واعون بأنّهم كانوا يقومون بشيءٍ ضدّ الطبيعة الإنسانية وغير مقبول نهائيًّا لا أخلاقيًّا ولا سياسيًّا ولا اجتماعيًّا.

لعلّ من قال التالي كان على حقّ: «تحت ذريعة مخادعة تدّعي تشجيع حضارة الأفارقة، تميل آراء الإنجليز في الواقع إلى الاستيلاء على كلّ تجارة الكون من خلال تدمير الدول الأخرى»[3]. ومع ذلك

(88)

لم تكفِ بريطانيا من الضغط على إسبانيا وفرنسا والبرتغال للكفّ عن تجارة الرقيق، بكلّ الوسائل بما في ذلك الضغط الديبلوماسي والاقتصادي. والملاحظ أنّ فرنسا لم تكن مستعدّة البتّة إلى هذا، على الرغم من نداء بابا روم آنذاك بينوا الرابع عشر (Benoît XIV) في رسالة منه لفرنسا بتاريخ 27 دجنبر 1741: «من بين أهم السلع التي جلبها إلى الأرض الضمير الديني الأكثر قداسة، هو أنّه يجب أن نأخذ في الحسبان فائدة إلغاء العبوديّة أو ممارستها المخفّفة من طرف الجميع إلى حدّ كبير»[1]. الأمر نفسه نجده في محاولة بريطانيا إقناع إسبانيا للعدول عن تجارة الرقيق: «سوف يساهم بالكامل في مشاعر جلالة الملك البريطاني فيما يتعلّق بالظلم واللّا إنسانيّة التي تتّسم بها تجارة الرقيق»[2]، كما هو موثّق في مقال إضافيّ للمعاهدة الأنجلو-إسبانيّة بتاريخ 5 يوليو 1814. وعلى الرغم من كلّ الاعتبارات الدينيّة والفكريّة والإنسانيّة، فإنّ فرنسا وإسبانيا والبرتغال لم تكن مستعدّة للتوقّف عن ممارسة تجارة الرقيق، بل كانت تطلب دائمًا مهلة إضافيّة بين خمس إلى ثماني سنوات للقيام بذلك، بدعوى أن إنكلترا كانت في حاجة إلى عشرين سنة للوصول إلى فكرة العدول عن هذه التجارة. وحتى معاهدة فيينا بتاريخ 8 فبراير 1815 لم تنجح في إقناع هذه الدول الثلاثة، وبالخصوص فرنسا

(89)

وإسبانيا لإنهاء تجارة العبيد[1]، التي لم تقبل روسيا والنمسا وبروسيا والسويد؛ لأنّها لم تكن قوى استعمارية، ولأنّ إلغاء تجارة الرقيق لا تعتبر من «القانون العام»[2]. لم يأتِ مؤتمر فيينا إذن بأيّ جديدٍ في هذا الإطار، بل كان موضوع سخرية من جديّة الديبلوماسيين فيما يخصّ هذا الأمر: «وضع الحلفاء [...] إعلانًا، صحيحًا للباقي، ولكنّه في الأسلوب تساوي على الأقل الوثائق الأكثر إثارةً للإزعاج (التبجّح) الصادر عن الجمعيّة التأسيسيّة. أيّد السادة دي نيسلرود ودي مترنيخ  ودي تالييران اللورد كاسليرج في هذا، وتفاهموا على لغة ابتسموا بها فيما بينهم؛ لأنّ طريقة تقسيم شعوب أوروبا بينهم أثبتت بدرجة كافية درجة الجديّة التي كانوا يفكّرون بها في حريّة السود»[3]. فكلّ ما نجحت فيه المؤتمرات حول إلغاء تجارة العبيد هو أنّها أرغمت نسبيًّا الدول التي كانت ضدّ هذا الإلغاء على تحديد فترة زمنيّة للحاق بالدول الأوروبية الرافضة له. ولربّما كانت هذه المؤتمرات سببًا إضافيًّا لوعي النخبة المفكّرة أكثر بمشكل هذه التجارة:

«قُدِّمَت مؤتمرات إلغاء تجارة الرقيق المهمّة فيما يخصّ المبادئ المعلنة والقرارات المتّخذة واحدة من أجمل انتصارات العقل والشعور بكرامة الإنسان، مهما كان اللّون الذي منحته الطبيعة

(90)

لتنويع الأجساد. وستشكّل هذه المناقشة حقبة في التاريخ الفلسفي والتجاري والسياسي للنوع البشري»[1].

الجانب المخفي لمعاهدة مؤتمر فيينا الذي نحن بصدد الحديث عنه يؤكّد قوّة سلطة بريطانيا و«إخضاعها» للقوى الاستعمارية لإرادتها، ذلك أنّها عمدت إلى الضغط على إسبانيا والبرتغال اقتصاديًّا، وبالخصوص فيما كان يتعلّق بمنح قروض. أمّا مع فرنسا فإنّها دخلت في منطق الابتزاز؛ لأنّها كانت تفاوضها على تمرير بعض المستعمرات الإفريقيّة لها، وكانت تريد موافقة فرنسا على قبول إلغاء تجارة الرقيق، كما فعلت في مؤتمر لندن من غشت إلى نونبر 1816. كما أنّها عملت على إحداث لجنة دائمة لسفراء الدول الثمانية الموقّعة على معاهدة فيينا (8 فبراير 1815) للسهر على تطبيقها.

خلاصة القول، تعتبر مؤتمرات إلغاء تجارة الرقّ كلّها، في نظرنا، بمثابة رمي الرماد في العيون، لكي لا ترى الحقيقة المرّة للسياسة العنصريّة الاستغلاليّة للقوى المستعمرة. ذلك أنّ هذه التجارة استمرّت بعد معاهدة فيينا لسنوات طويلة. وهناك من المؤرّخين ممّن يقدر عدد العبيد الأفارقة بين 1801 و1867 في حوالي ثلاثة ملايين ونصف من أصل إحدى عشر مليونًا بين القرن السادس عشر والتاسع عشر[2]. بل كثّفت إسبانيا والبرتغال أنشطتهما في هذا الميدان، ذلك أنّ إسبانيا مثلا رفعت من نشاط تجارة العبيد نظرًا للخصاص في اليد

(91)

العاملة التي كانت مستعمرتها الكوبيّة تعرفها، واستمرّت في ممارسته بنشاط إلى حدود سنة 1848. أمّا البرتغال فقد كانت في حاجة للعبيد لاستغلال مستعمرتها البرازيلية، ومارسته إلى عام 1888.

الأبارتهايد المصاحب للاستقلال السياسي للمستعمرات

عن سؤال: «هل يمكن أن نتحدّث عن العنصريّة ما بعد الاستعمار؟»، نجيب بسؤال آخر: كيف لا يُمكننا أن نتحدث عن ذلك؟ كيف يمكن أن نتحدّث عن الأشكال المعاصرة للعنصريّة دون ذكر اثنين من أصولها الرئيسيّة: الأنظمة الاستعبادية والاستعمارية؟ كيف يمكن أن ننكر اليوم وجود عنصريّة عميقة تجد أساسها في المؤسّسات والممارسات والخطابات والتمثّلات التي تمّ تطويرها في إطار الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية؟ كيف يمكن إنكار، على سبيل المثال، في الوقت الذي تكشف فيه استطلاعات الرأي عن شكلٍ من أشكال الاحتقار أو الرفض المحدّد، أقوى وأكثر دوامًا، ضدّ المهاجرين من البلدان المستعمرة؟[1] يتبيّن من هذه الدراسات الاستقصائيّة إمكانيّة ملاحظة وجود ظاهرتان منذ عقود: من جهة تعتبر موجات الهجرة الحاليّة الأكثر انخفاضًا والمسبّبة أكثر في الخوف والاحتقار، في حين يبدّد الوقت رويدًا رويدا هذا الخوف وهذا الاحتقار، ومن جهة أخرى يعدّ المهاجرون المنتمون للدول المستعمرة فيما قبل، وبالخصوص الأفارقة، استثناء لهذه القاعدة الأولى»[2].

(92)

بمثل هذه التأكيدات بدأت قبل سنوات مجموعة من الباحثين الفرنسيين كتابًا مشتركًا تحت عنوان: «الثقافة الكولونيالية بفرنسا»[1]. ومنذ الوهلة الأولى يميّز المرء في آخر هذا النصّ بين وصمة عار فوبيا الأجانب (xenophobe)، التي عانى منها الجيل الأوّل من الأجانب الحديثي في فرنسا بالخصوص. ووصمة العار العنصريّة (raciste)، التي تُبَلِوِر تمثّلات متجذّرة أكثر، وبالتالي لا تفقد من قوّتها مع الأجيال الجديدة من المهاجرين، ممّن ولدوا وترعرعوا في هذه الدول. ولتوضيح هذا أكثر، فإنّ الجيل الثاني والثالث من المهاجرين الإيطاليين والبرتغاليين والأرمينيين والبولونيين إلخ، لم يعانِ من خطابات العنصريّة والإقصاء وإجراءات تمييزيّة وحشيّة بالقدر الذي عانى به الجيل الأوّل منهم. وهذا أمر لا نجده في الأجيال المتلاحقة للمهاجرين من المستعمرات الفرنسية القديمة، وبالخصوص من شمال إفريقيا وإفريقيا جنوب الصحراء[2].

«لا تزال العبودية منتشرة في المملكة المتحدة، ويمكن إيجادها في مراكز تقليم الأظافر والمصانع ومغاسل السيارات وفي الصناعات المرتبطة بالنظافة»[3]. إنّها جملةٌ مدوّيةٌ، خارجة من صدر محامية بريطانية، إران كاتليف، تكلّفت بأوّل قضيّة موضوعها

(93)

العبودية الحديثة في «الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس»[1]. في كلّ البلدان الغربية، تعرف العبوديّة ظهورًا جديدًا، والواقع أنّها لم تختفِ أبدًا. وهي عبوديّة أقسى من سابقاتها، والأغلبية الساحقة من ضحاياها هم أبناء العالم الثالث وبناته من جديد. هناك أشكال متعدّدة ومعقّدة وخطيرة للاستعباد المعاصر، نتيجة تبعيّات مختلفة ومركّبة، ومنها بالخصوص التبعيّة الاقتصاديّة والتبعيّة لوسائل الإعلام المعاصرة على اختلافها، وعلى رأسها وسائل التواصل الاجتماعي، وما يرافقها من تَبِعات، منها بالخصوص «صيد» ضحايا الاسترقاق الحالي، كما كان الأوروبي يصيد الأفارقة في الغابات لبيعهم و«تصديرهم» خارج القارة الإفريقية. وقد حدّدت الأمم المتّحدة مظاهر الاستعباد الحالي في الاتّجار بالبشر، والعمل القسري والاستغلال الجنسي وعمل الأطفال، والزواج القسري.

إذا كانت الأمم المتّحدة قد حدّدت أشكال الاستعباد الجديدة، فإنّ هذا يعني أنّ هناك اعترافًا رسميًّا على الصعيد العالمي باستمرار العبودية في الوجود: «إذن ليست العبوديّة حدثًا تاريخيًّا وانتهى الأمر. ففي سياق استمراريّتها وقدرة ظاهرة الاسترقاق على التجدّد وإعادة الإنتاج وفق أشكال أخرى، يندرج إحياء العالم لليوم الدولي لإلغاء الرقّ الذي يصادف اليوم من كلّ عام»[2].

(94)

في تاريخ غير بعيد، كشفت وحدة التحقيقات في شبكة الجزيرة عن أنّ الشركات الكبرى في بريطانيا قد تكون مقصّرة في بذل ما هو مطلوب لمكافحة العبوديّة في سلسلة الإمداد التي تعتمد عليها. وقدّمت القناة فيديوهات صادمة لعمّال يُستغلون كعبيدٍ في غسل السيّارات، تستفيد منها شركات كبرى مثل فولفو وكيا. ذلك أنّ الأجر المؤدى على عملهم، لا يمكن اعتباره أجرًا، بل مبلغ لسدّ رمق العيش ليس إلّا، بالنظر إلى ساعات العمل التي تفوق في غالب الأحيان اثني عشر ساعة يوميًّا. وقال قائل في هذا التحقيق: «شهد العام الماضي زيادة كبيرة في عدد البشر الذين يجبرون على العمل، وقد وجدنا أنّ نسبةً ضخمةً من هؤلاء يخدمون في سلاسل إمداد شرعيّة». إضافة إلى هذا فأقلّ ما يمكن قوله عن ظروف العمل هذه هي أنّها غير إنسانيّة بالمرّة، ليس فقط لعدم التزام المشغّلين بقوانين الشّغل، بل لإجبار المشتغلين للعيش في ظروفٍ مأساويّة، معزولين في مناطق محدّدة، لا يُسمح لهم بالاختلاط مع السكّان الأصليين، ويُسكَّنون في حاويات قديمة، تفتقد لكلّ شروط السكن اللائق. وأيضًا: «إلى جانب مغاسل السيّارات، فإنّ الناس الذين يعملون في الزراعة وفي صيد الأسماك وحتى في صناعة الأَسِرَّة يوجدون في حالة من العبوديّة الحديثة، وما ينتجونه من سلع يباع في كبرى المحلات التجارية»[1].

اهتزّ الرأي العام البريطاني، ومعه الاتّحاد الأوروبي كلّها، عام 2013 عندما طفحت على سطح الأحداث أخبار عن ممارسة

(95)

العبوديّة على أشخاصٍ لمدّة سنوات في إنجلترا. ومن بين من اهتمّ بالموضوع كان هناك المخبر كيفين هيلاند (Kevin Hyland) الذي قال في حينه: «كانت هناك حالات استعباد احتجز فيها أناس ضدّ إرادتهم لمدّة عشر سنوات، لم يحدث أبدًا شيء بمثل هذا الحجم. إنّ هذا يتجاوز الخيال، من المستحيل تصوّر حدوث مثل هذا الشيء في بريطانيا العظمى، في لندن عام 2013». وكان ردّ فعل البرلمانية آنذاك طيسا جوفيل (Tessa Jowell)، عن حزب العمّال: «كيف كان هذا ممكنًا؟ ليس في حوزتنا إلّا القليل من المعلومات من البوليس». وعقّب كاتب الدولة للشؤون الداخليّة السابق جيمس بروكنشير (James Brokenshire) على الخبر بقوله: «إنّ العبوديّة هي ملفّ كان النّاس يعتقدون بأنّها خاصّة بكتب التاريخ. والواقع المحزن هو أنّ المشكل يوجد دائمًا». في السياق نفسه، قال فرانك فيلد (Frank Field) نائب رئيس منظّمة ضدّ الاتّجار بالبشر: «على النّاس أن يفهموا بأنّ هذه الحالات ليست نادرة. إنّ العبوديّة المعاصرة واقعيّة وهي على أحسن حال في بريطانيا العظمى».

الميزة الأساسيّة للاسترقاق المعاصر في ألمانيا هو تركيزها على الاستغلال الجنسي، وهذا ما دفع برولر الآنف الذكر القول بأنّ: «ألمانيا هي دار دعارة أوروبا»، وهي دعارة تُمارس في غالبيّتها قسرًا، أغلبيّة ضحاياها من نساء العالم الشرقي القديم.

يعتبر كتاب «كم عدد العبيد بحوزتك؟» للباحثة الألمانية إيفي هارتمان[1] من بين الكتب المهمّة، التي تحاول التنبيه إلى أنّ

(96)

الاسترقاق المعاصر لا يقتصر فقط على ممارسته مباشرة، بل يتمّ أيضًا بطرقٍ غير مباشرة، ومنها بالخصوص السلوك الاستهلاكي للنّاس. هناك في المعدّل ستون عبد يستغلّهم بطريقة غير مباشرةٍ كلّ شخص في العالم المصنّع، وغير المصنّع، باستهلاكه لأشياء لا تُصنع في بلده، بل في دول فقيرة تستغلّ بشرًا من لحم ودم لكي يلبس الآخرون، ويقودون سيارات، ويستعملون حواسيب ويلبسون ملابس ويأكلون لحمًا أو قمحًا أو رزًّا. بمعنى أنّ ما يسمّى بالعولمة هي أداة من بين أدوات أخرى لنشر الاسترقاق في العالم، وممارسته بطرقٍ شتّى.

المنحى نفسه أخذه برانت وفيسن في كتابيهما «طريقة الحياة الإمبرياليّة: فيما يتعلّق باستغلال الإنسان والطبيعة في عصر العولمة»[1]، مؤكدين بأنّ الكثير من النّاس في الشمال المُعوْلَمْ للكرة الأرضيّة، يتحلّون بطريقة عيش إمبريالية. يستغلّون الموارد الطبيعيّة والبشريّة في أماكن أخرى، لضمان مستوى عيش مرتفع، دون مبالاة بمصير الطبيعة والإنسان في تلك الأمكنة. وأكّد رولر الشيء نفسه، فالعبوديّة تقع في نظره: «بمجرّد شراء ملابس أو منتجات بها مواد أوّلية تأتي من مناطق نزاعات تسودها ظروف عمل تشبه العبودية في أجزاء أخرى في العالم».

للعبوديّة المعاصرة كما قلنا أوجه متعدّدة. ومن بين أرذلها والمعبّرة عن الكبت الساري المفعول في الأوساط الغربية على

(97)

مستويات عدّة، وعند الكثير من الغربيين، هناك الاسترقاق المرتبط باستغلال نساء المستعمرات القديمة في تجارة الجنس. ولا يقتصر الأمر على النساء، بل يتعدّاه إلى الأطفال، ذكورًا وإناثًا، بضرب عرض الحائط لكلّ الحقوق المنصوص عليها عالميًّا في إطار الأمم المتّحدة الخاصّة بالنساء والأطفال غير البالغين.

كما أنّ المنظّمة العالميّة للشغل حدّدت ميادين ممارسة العبودية المعاصرة في ميدان الفلاحة والبناء والصناعة والترفيه والأشغال المنزليّة بالخصوص. وحذّرت دراسة حديثة لفيريسك مابلكروفت (Verisk Maplecroft) بالخصوص بأنّ العمل القسري ارتفع في الاتّحاد الأوروبي أكثر منه في باقي دول العالم. ومن بين أسباب هذا الارتفاع المهمل هو هامش الرّبح الذي تحقّقه ممارسته: «إنّ الاسترقاق المعاصر هو سوق يمثّل 150 مليار دولار أميركي، حيث يعمل من يستفيد منه إلى القيام بكلّ شيء ممكن لإخفائه»[1].

إذا أخذنا بعين الاعتبار التقديرات الإحصائيّة لمؤشّر العبوديّة لمنظّمة (Walk Free Foundation) الأسترالية، فإنّ هناك طبقًا لها أربعون مليون عبد في وقتنا الحاضر، من بينهم ما يناهز مئة وسبعين ألف في ألمانيا. وعلى الرغم من أنّ العبوديّة لم تعد قانونيّة كما كانت عليه في السابق في المستعمرات، فإنّها، كما قال ديتمار رولر، رئيس «بعثة العدالة الدولية (International Justice Mission)»بألمانيا:

(98)

«تشبه الحرباء وتعيش في الخفاء»[1]. ويدلّ هذا على أنّ العبوديّة الحاليّة أصبحت مفهومًا مفتوحًا؛ لأنّ تحديد كلّ تجلّياتها لا زال غير قار، لأنّ ممارستها تتمّ بطرقٍ معقّدةٍ ومتنوّعةٍ، يصعب حاليًّا تحديدها بدقّة.

في بداية هذا القرن بثّت قناة «ب ب س BBC» سلسلة وثائقيّة حول الدول الإفريقية؛ لتعرف أين وصلت مسيرتها بعد مرور نصف قرن على استقلالها، والتأكّد ممّا قاله في نهاية أربعينيات القرن الماضي الجنرال البريطانى برنارد مونتغمرى، الذي كان قائد قوّات الحلفاء في معركة العلمين أثناء الحرب العالمية الثانية: «إفريقيا ما هي سوى أمم من الرعاع». وكان قصده هو أنّه لن تقوم لهم قائمة بعد حقبة الاستعمار. ركّز البرنامج بالخصوص على الجوانب السلبيّة في تسيير الدول الإفريقية لنفسها وعلى كلّ مظاهر التسليح والانقلابات والديكتاتوريات التي قامت فيها، على حساب برامج التنمية وتحسين أوضاع الشعوب فيها. ولعمري أنّ هذا جانبًا من الجوانب التي تؤكّد حنين الدول الاستعماريّة لمعايدة استعمار دول أخرى؛ لأنّ الحكام الأفارقة كلّهم تقريبًا منَصَّبين بالقوّة أو بالخدعة من طرف مختلف الدول الإمبريالية، خدمة لمصالحها وفرصة لترويج سلعها، ومنها بالخصوص منتوجات الصناعة العسكرية، وضمانًا لهيمنتها على الخيرات الطبيعيّة للدول الحديثة الاستقلال.

في يوم الجمعة 24 نونبر 2017 نُظمت مظاهرة أمام السفارة الليبيّة بباريس، احتجاجًا على أسواق بيع الرقيق في ليبيا في عصرنا وأيّامنا

(99)

الحاليّة[1]. وقال الناشط الحقوقي ليلان تورمان (Lilan Thuram) بعد مشاهدة تقرير-فيديو مرتبط بهذا الموضوع: «إنّها صور تتحدّى إنسانيّتنا». يُحتجز مئات المهاجرين، أغلبهم من جنوب الصحراء، في مناطق يسيطر عليها «أصدقاء» الإمبريالية الفرنسية وأخرى يسيطر عليها «أصدقاء» الإمبريالية الإيطالية. ودعا اتّحاد العمّال الأفارقة بفرنسا وأوروبا إلى التعبئة لمناصرة هذه التظاهرة ضدّ: «تجّار الرقيق ومن يساندهم مباشرة أو بطريقة غير مباشرة»، مطالبًا الحكومات الأوروبية بـ «وقف التعاون الأمني مع الحكومة الليبية ووقف عمليات ترحيل المهاجرين في ليبيا وفتح الحدود وحرية التنقل والاستقرار للجميع واحترام الحقّ في اللجوء».

ذكّر منظّمو هذه التظاهرة بأوضاع المهاجرين الأفارقة في ليبيا، مؤكّدين على استرقاقهم في واضحة النهار: «يباعون كالمواشي في الأسواق، وحتى في المرائب، فإنّ هؤلاء المهاجرين محرومون من كلّ كرامة وضحايا انتهاكات لا حصر لها وتعذيب واعتداء جنسي». ورجوع أسواق الرقيق إلى الضفة الجنوبية للمتوسط في القرن الواحد والعشرين هو ثمرة العدوان والسرقة التي شنّها المستعمرون

(100)

على ليبيا تحت غطاء القضاء على ديكتاتوريّة القذافي. وبعد القضاء على ديكتاتور ليبيا، عُوّض بديكتاتورين آخرين، برعوا في استرقاق الآخرين، خدمةً لأسيادهم الفرنسيين والإيطاليين بالخصوص، الذين يتهافتون على اقتسام، أو على الأقلّ الفوز بحصّة الأسد، آبار البترول والغاز الطبيعي لليبيا على حساب المهاجرين المستعبدين. وهذه شهادة إضافيّة أخرى على استمرار الغرب بصفة عامّة في استرقاق الآخرين، خدمة لمصالحه، ولربّما لنزواته العدوانية الدفينة والمتأصّلة فيه.

مثال بريطانيا

ما لا يذكره المرء إلّا نادرًا هو دور من استعبدتهم بريطانيا في عتق رقابهم بأنفسهم من خلال حركات تحرّر وتمرّد وعصيان وقعت في مستعمرات بريطانيا المختلفة، بل يقدّم قانون العبوديّة وكأنّه هبة أو صدقة من البيض للسود. وفي هذا نلمس العجرفة الإمبريالية البريطانية، التي لم تعترف بتعرّضها لضغط بشر من لحم ودم، لم يعودوا يطيقون وضع العبودية. ومن بين من تمرّد من العبيد في المستعمرات البريطانية كان هناك عبيد بربادوس عام 1816 وديمرارا سنة 1823 والجمايكا عام 1831.

من طبيعة الحال، وكما يمكن للمرء أن يتصوّر، فإنّ ردّ فعل بريطانيا على حركات التحرّر هذه، لم يكن يبتعد عن الإبادة الجماعيّة إلا بقليل. وعلى الرغم من التعذيب الذي لحق بالزنوج آنذاك، فإنّهم استمرّوا في المقاومة، رافضين قلب النظام الرأسمالي

(101)

وروحه المتمثّل في التجارة الحرّة. والواقع أنّ إلغاء العمل بنظام الرّق في المستعمرات الإنجليزية تمّ أيضًا بعدما لم تعد تجارة الرق مفيدة لبريطانيا.

خصّص كريس مانجابرا[1] (Kris Manjabra) مقالًا لجريدة الجارديان، يطالب فيه بضرورة اعتراف بريطانيا بجرائمها ضدّ الإنسانيّة على الجرائم التي اقترفتها عمدًا في مستعمراتها. ومن بين النقط التي ركّز حديثه عليها كان هناك قرار بريطانيا إيقاف العمل بتجارة العبيد عام 1833 والأموال الطائلة التي صرفتها للمستعمرين في عين المكان في هذه المستعمرات كتعويض لهم عن الخسارة التي زعموا أنّها ستصيبهم إن هم تخلّوا على تجارة العبيد[2]. وتكفي هذه «التعويضات» لوحدها للبرهنة على أنّ سوق الرقيق لم تكن أية سوق بالنسبة لإنجلترا ومستعمري مستعمراتها، بل سوق مربحة على المستويات كلّها.

ما لا يجب أن يغيب عنّا هنا هو أنّ بريطانيا، كما أشار لذلك مانجابرا، لم تعوّض ضحايا العبودية، بل من كان يستعبدهم، وهنا بالضبط تعبير صارخ على أبارتهايد يمشي على رجليه. أكثر من هذا لم تقدّم بريطانيا «العظمى» ولو اعتذارًا صغيرًا لهؤلاء المستعبدين، ولا لذوي من ماتوا منهم إما في البحر عند استقدامهم للمستعمرات

(102)

أو لأوروبا نفسها في بداية تجارة الرقيق، أو قضوا في مزارع هؤلاء المستعمرين أو بالأمراض التي حملها معهم الأوروبيون إلى مستعمراتهم. والملاحظ هو أنّ التعويض توارث أبًا عن جد، فديفيد كاميرو، رئيس الوزراء السابق، استفاد منه أيضًا، كما يورد ذلك مانجابرا[1].

ما احتفظت به ذاكرة التاريخ هو أن التعويض عن امتلاك العبيد لم يكن أوتوماتيكياً يعني بالنسبة لهم بأنهم قد أصبحوا أحرارا. من جهة فُرض عليهم خدمة أسيادهم لأعوام عدّة. يعني أنّ «تحريرهم» كان بالنسبة لمالكيهم يعني التعويض مع الإبقاء عليهم في خدمة أسيادهم. أكثر من هذا، قد نفهم هذا أيضًا كدفع تعويضٍ عكسيٍّ لمن استعبدهم وحرمهم من عيش حياتهم في كرامة. ومن جهة أخرى عمدت بريطانيا «العظمى» إلى استغلالهم بطريقة أخرى، في بداية الأمر لمدّة اثني عشر سنة لتصبح أربعة سنوات في آخر المطاف، تحت ذريعة ضرورة «تربيتهم على الحرية». والواقع أنّ المرء فرض عليهم بهذا منذ منتصف عام 1834 البقاء في مزارع المستعمرين والاشتغال فيها دون مقابل.

ما تغيّر في حياة الرقيق هو أنّ ممارسة العقاب أصبحت رسميّة، تقوم بها الدولة البريطانية مباشرة عن طريق موظفين لها أرسلتهم خصّيصًا لهذا الغرض. وتفنّنت إنكلترا في «اختراع» أجهزة التعذيب،

(103)

إضافة إلى الجلد والعنف الفيزيقي الإرادي لموظفي الدولة البريطانية الذين كانوا مكلفين بـ «تربيتهم على الحرية».

مثال فرنسا

إذا أخذنا مثال تصرفات النخبة الاستعمارية الفرنسية في غينيا، عندما استقلّت سياسيًّا عن فرنسا عام 1985، فلا يمكن ألّا نتأكّد من أنّ النظرة الدونيّة والحقد على سكان المستعمرات الفرنسيّة من طرف أصحاب القرار في فرنسا آنذاك يعزّز الأطروحة القائلة بأنّ الدول المستعْمِرة، ممثلة هنا بفرنسا، لم تتخلّص من فهمها للمستعمرات كأراضي لعبيد يخدمونها. نُذكر هنا بأنّ الإدارة الاستعمارية في غينيا قامت بتدمير كلّ ما أمكنها تدميره، ممّا كانت تعتبره إنجازًا لها في هذا البلد الإفريقي. هدمت المباني الإدارية العموميّة، والمدارس، ودور الحضانة، والكتب، والأدوية، والآلات الزراعية، وحرقت الأطعمة وسمّمتها، وقتلت الأبقار والخيول في المراعي؛ لكي لا يستفيد منها الإنسان الغاني بطريقة أو بأخرى.

الواقع أنّ الرسالة التي كانت فرنسا الاستعماريّة تريد تمريرها من خلال مثل هذا العمل التخريبي لممتلكات الغينيين هو تهديد باقي مستعمراتها إن طالبت باستقلالها عن فرنسا. وقد تمّ لها هذا بالفعل؛ لأنّ النّخب الإفريقية آنذاك لم تتجرّأ على تكرار التجربة الغينيّة، ولم تفقه الشعار الذي كان الغيني «سيكو توري» رفعه: «نحن نفضّل أن نعيش بحرّيتنا فقراء على أن نعيش عبيدًا في ترف». ومنذ ذلك الوقت اضطرّت الدول الإفريقية التي لم تكن تريد «توقيع عقد لاستمرار

(104)

الاستعمار» مع فرنسا إلى إيجاد حلول بديلة، كما كان الحال عليه مثلا في الطوغو، التي فضّلت دفع ضرائب سنويّة على ما سمّته فرنسا آنذاك «ما استفادت منه التوغو بفضل الاستعمار الفرنسي». يتعلّق الأمر إذن بما كان معروفًا باسم «الدين الاستعماري»، الذي لم يكن يقل في حالة الطوغو عن أربعين في المئة من ميزانيّتها السنويّة العامّة. وتكفي فكر «الدين الاستعماري» هذه للبرهنة على مواصلة الاستغلال الفادح لفرنسا لمستعمراتها، حتى بعد «استقلال» هذه الأخيرة. وللبرهنة على ما برهنّا عليه على التو، نذكّر بعمليّة اغتيال أوّل رئيس للطوغو أوليمبيو مطلع عام 1963؛ لأنّه حاول الاستتقلال الاقتصادي التّام عن فرنسا بتعويض الفرنك الإفريقي، الذي كانت فرنسا تفرضه على اثني عشر دولة إفريقيّة حديثة الاستقلال، بعملة محلية. الشيء نفسه حصل مع الرئيس المالي موديبيا كايت، أوّل رئيس بعد الاستقلال، الذي اغتيل في 19 نوفمبر عام 1968، بعد الانقلاب الذي تزعّمه «موسى تراوي»، الذي كان ملازمًا في الفيلق الفرنسي الأجنبي. أصبح اغتيال الزعماء الأفارقة المناهضين للاستعمار الفرنسي عملة سارية المفعول لفرنسا، وكانت هذه العمليات تتمّ عمومًا على يد أفارقة خدموا في الجيش الفرنسي، الفيلق الفرنسي الأجنبي، كما حدث في جمهورية إفريقيا الوسطى (ديفيد داكو)[1] وفولتا العليا، بوركينا فاسو الحالية، (موريس ياميوغو)[2] مطلع 1966

(105)

والبنين (هيوبيرت ماغا)[1] في خريف 1972.

هناك جانب آخر يثبت السلوك الاستعماري الفرنسي للقارّة الإفريقية، ذلك أنّ فرنسا لا زالت تفرض على أربع عشرة دولة في هذه القارّة إيداع 85 في المئة من احتياطاتها من العملة الأجنبية في البنك الفرنسي المركزي، أي تحت السيطرة المباشرة لفرنسا إلى حدّ الآن. وإلى اليوم هناك ثلاث عشرة دولة إفريقيّة ملزمة بدفع «الدين الاستعماري» لفرنسا. ويحدث هذا في قلب الاتحاد الأوروبي، دون أن تستطيع هذه «الدول العظمى» إقناع فرنسا للتخلّي عن الاستمرار في العبوديّة الاقتصاديّة لإفريقيا. فما معنى مثلا أن تسمح للدول الإفريقية الأربع عشرة بالوصول إلى ما قيمته 15 في المئة من مجموع ما تحوّله سنويّا إلى فرنسا، وفي حالة ما كانت في حاجة إلى مبالغ إضافيّة، يكون عليها اقتراضها ممّا حوّلته لفرنسا، أي أنّها تقترض من أموالها وبأسعار فوائد السوق العادية؟ ألا يُعتبر هذا حجر على الدول الإفريقية إلى الآن، يفوق بكثير العبودية؟

في عام 1958، وخوفًا من عواقب الاستقلال من الاستعمار الفرنسي، صرّح الرئيس ليبولد سادير سينغهور: «إنّ خيار الشعب السنيغالي للاستقلال هو لبناء صداقة مع فرنسا لا لأجل إثارة نزاع معها». وعلى الرغم من أنّ التعليق على هذا القول غير ضروريّ؛ لأنّ نبرة الخضوع واضحة فيه، فكيف تُبنى صداقة مع مستعمر غاشم مستبد واسترقاقي؟ فما هو ثابت هو أنّ فرنسا تصرّفت مع القادة الأفارقة الذين كانوا يحاولون التخلّص من هيمنتها بالقتل والفتك

(106)

والاضطهاد. بل عوّضتهم بديكتاتوريين أفارقة يخدمون مصالحها، ويطّبقون على أرض الواقع في بلدانهم ما تقرّره فرنسا لهم، مقابل محافظتهم على السلطة والاستغناء غير المشروع. بمعنى أنّهم كانوا اليد الطويلة لفرنسا لاستثبات سيطرتها على مستعمراتها، بعد «منحها» استقلالها السياسي. للتذكير، نَحَّتْ فرنسا بتدبير انقلاب في ساحل العاج الرئيس «لوران غباغبو»؛ لأنّه طالب بإنهاء استغلال فرنسا لبلاده. كان التدخّل العسكري الفرنسي مباشرًا بدبابات وطائرات، أطلقت الرصاص الحيّ على المدنيين العزّل، قاتلة أعدادًا كبيرة منهم، لا لشيء إلّا لأنّهم طالبوا فرنسا بمغادرة بلدهم. أكثر من هذا، بعدما «تربّع» خادم فرنسا «ألأسن أوتارا» على السلطة، طالبت منه فرنسا دفع تعويضات لرجال الأعمال الفرنسيين، عن الخسائر الناجمة عن الانقلاب. واتّضح فيما بعد بأنّ حكومة أوتارا دفعت أضعاف ما خسروه جرّاء مغادرة ساحل العاج بسبب هذا الانقلاب. وهذا نوع آخر من الضرائب التي تدفعها الأوطان الإفريقية لفرنسا، مقابل استقلالها الشكلي إلى حدّ الآن.

من تجليات الاستعمار الاقتصادي الفرنسي الأخرى هناك سيطرت الشركات الفرنسية على جميع المرافق الرئيسية كالمياه والكهرباء والهاتف والنقل والموانئ والبنوك الكبرى، والشيء نفسه في التجارة والبناء والزراعة، كما هو الحال عليه في ساحل العاج، وهو شيء يوجد في الكثير من الدول الإفريقية الأخرى. ذلك أنّ العبودية القديمة، عُوّضت بالسيطرة على الاقتصاد الإفريقي من طرف فرنسا، واستغلال أبناء القارّة السوداء بشبه أجور، لا تكفي

(107)

للعيش العادي، وبساعات عمل يوميّة تفوق في المعدّل عشرة ساعات.

إذا أضفنا ما تسمّيه فرنسا «اتّفاقيّة الدفاع عن مصالحها في الدول الإفريقية»، وهي اتّفاقيات فرضتها على مستعمراتها كشرطٍ لاستقلالها السياسي، تسمح لها بنشر قوّاتها العسكريّة والتدخّل العسكري في أيّ بلد إفريقي من البلدان الأربعة عشر السالفة الذكر، فإنّنا نتساءل أيّ استقلال تعنيه فرنسا حتى الآن، وهي لم تغادر بالفعل هذه الدول؛ لأنّ قواعدها العسكريّة مزروعة (ملغومة) في الجسد الجغرافي والأمني لهذه الدول.

منذ سنوات وفرنسا مسرحًا للعديد من الحِراكات الاجتماعيّة لأبناء المهاجرين المغاربيين وجنوب الصحراء، أي أبناء الجيل الأوّل من المهاجرين من المستعمرات الفرنسيّة الإفريقية. ولعلّ أعنف هذه الحراكات هي تلك التي وقعت عام 2006 بالأحياء المهمّة للعاصمة باريس، بحيث قرّرت الحكومة الفرنسية آنذاك «حالة طوارئ»، طبقًا للقانون الذي طبّقته في حرب الجزائر. ومن بين الأسباب الرئيسيّة التي تدفع بانتظام هذه الفئة الاجتماعيّة للتظاهر والتعبير عن غضبها وحالة الفقر الممنهج الذي تتعرّض له، بسبب عدم تأهيلها المهني وتكوينها المدرسي، الناتج عن العُطالة، وتعرّضها للتمييز العنصري في حياتها اليوميّة، وبالخصوص المؤسّساتي منه، وبالأخصّ المضايقات اليوميّة لرجال الأمن لأفرادها، لأسباب في كثير من الأحيان تافهة. تواصل فرنسا سلوك القوّة المستعمرة مع مهاجريها الأفارقة عمومًا، ولعلّ أفضل دليل على ذلك هو أنّها لم تكف إلى

(108)

حّد الساعة على تقديم استعمارها لدول أخرى بطريقة إيجابية. وإلى تاريخ غير بعيد، صوّت البرلمان الفرنسي (عام 2005) على قانون يفرض على مؤلّفي الكتب المدرسيّة تقديم الحقبة الاستعمارية الفرنسية بطريقة إيجابية لتلاميذ المدارس[1].

من بين أهمّ الكتب التي نُشرت في السنين الأخيرة هناك كتاب: «العبوديّة، الاستعمار، وما بعد ...»[2] لبتريك فايل وستيفان دوفوا. والكتاب هو نتيجة لقاءات عالميّة مختلفة عقدت في فرنسا والولايات المتحدة، يتتبّع فيه الكثير من الباحثين المرموقين آثار تاريخ العبودية والاستعمار والبصمات التي تركها في المجتمعات المعاصرة. ويعدّ هذا المؤلّف بحقّ مصدرًا مهمًّا، خاصّة وأنّ هذا الجانب من التاريخ الفرنسي بقي منسيًّا وغير مهتمّ به من طرف الأكاديميين الفرنسيين.

من بين أهمّ نتائج بحوث هذا الكتاب هو التأكيد الواضح والجليّ على أنّه وعلى الرغم من انقضاء مرحلة العبودية رسميًّا ومن بعدها الاستعمار، فإنّ إرثهما لم يختفِ، بل يتمظهر حاليًّا في «عدم المساوات والهرمية»، التي ساهما فيها بقوّة.

وعلى الرغم من أهمّيته الكبيرة، فإنّ هذا الكتاب لم يرقَ هو أيضًا إلى مستوى تفسير تركيبي للعلاقة التي جمعت العبودية والاستعمار.

(109)

لم يتطرّق المرء أيضًا للكيفيّة التي شكّلت بها العبوديّة والاستعمار الهويّة الوطنيّة الفرنسيّة، ذلك أنّ هذه الهويّة لم تقتصر فقط على المستعمرين الفرنسيين في مختلف مستعمرات فرنسا، بل طال أيضًا الفرنسيين بصفةٍ عامّةٍ؛ لأنّ الشعور بالتفوّق على الآخرين شمل جوانب الثقافة الشعبية الفرنسيّة كلّها، وكذا الإنجليزية والأميركية.

في كتاب مشترك لهما تحت عنوان «ميثولوجيات ما بعد الاستعمار. من أجل رفع الاستعمار عن الحياة اليوميّة»[1]، يؤكّد أشيل إيتيان وموديلينو ليدي بأنّ السياق الحالي لفرنسا متعدّدة الثقافات يجبرنا على النظر بجديّة في الطبيعة العنصريّة للحياة اليوميّة. يحتلّ العرق بالفعل مكانًا في الجمهورية الفرنسيّة الحاليّة، ومن الضروري التفكير في جوانبه الظاهرة والمستترة. تعرف فرنسا، طبقًا لهذا الكتاب، أزمة هويّة، وتلجأ إلى إنتاج الأساطير والأخذ بها، تقتات بوضوح من الأيديولوجية الاستعمارية للماضي القريب بكلّ ترسانتها المفاهيميّة والثقافيّة، ومنها بالخصوص الإزدراء وكراهية وممارسة العنصرية إزاء مهاجري المستعمرات، الذين يعيشون على أرضها. وما هو مهمّ في الكتاب الآنف الذكر، هو أنّه يقترح دراسة القوّة الخفيّة للعلامات في السياق الفرنسي الحالي/المعاصر من خلال وضع أسسٍ نقديّة لعلامات ما بعد الاستعمار في الحياة اليوميّة لفرنسا المعاصرة، التي لم تنهِ بعد الاستعمار بالمعنى الدقيق لكلمة إنهاء.

(110)

في الإتّجاه نفسه، أي تأسيس الدول الاستعمارية والغرب بصفة عامة صورهم الذاتيّة على أساطير، أكّدت صوفي لوكليرك[1] بأنّ الاستعمار تأسّس على أحكام مسبقة موغلة في القدم عن «الآخرين» (السكان الأصليين للمستعمرات). ومن بين المفكّرين الذين انتبهوا إلى هذا الأمر وتحدّثوا عنه، ذكرت أيضًا رولاند بارت (Roland Barthes)، الذي أوضح في نصوص مختلفة له[2] بأنّ الاستعمار لم يوجد إلا بفضل أو بسبب إضفاء ميثولوجي كبير على ممارساته في المستعمرات. وتطوّر وعي هذا الأمر في الساحة الفكرية الفرنسية بين الحربين العالميّتين، دون أن يعني عدم وجود مفكرين آخرين، بعدد كبير حتى، كانوا مع استعمار بلدهم فرنسا لدول أخرى وإخضاعها لنفوذها بكلّ الوسائل، ذلك أنّ المطامع الاستعمارية لفرنسا بالخصوص لم تتوقّف بعد منع العبوديّة قانونيًّا، بل «تفنّنت» بعده في «اختراع» طرق أخرى لتطويع أبناء المستعمرات وفرض سلسلة من الممارسات للاستفادة منهم ومن قوّتهم البدنيّة، سواء للعمل في المزارع وضمان التغذية لملايين البطون الجائعة في فرنسا بين الحربين، أو استغلالهم كمحاربين ضدّ من حاربت فرنسا ضدّهم في أوروبا. إضافة إلى هذا فإنّ التمييز العنصري، وميثولوجيّة تفوّق الإنسان الأبيض على باقي البشر بمختلف ألوانهم وثقافاتهم، لم تختفِ أيضًا بعد إنهاء العمل بنظام العبودية، بل أصبح أكثر ضراوةً وقساوةً.

(111)

من بين الأنشطة التي كانت فرنسا تمارسها مثلا؛ لتغذية أسطورة ضرورة استعمارها لبلدان أخرى لأسباب إنسانيّة. كان هناك تنظيم ما كانت تسمّيه «المعارض الكلونياليّة (Expositions colonials)» في مختلف مدنها وجهاتها الجغرافية: «المعرض الدولي، هكذا أصبحت الحقيقة الاستعمارية، الأوروبيّة كما قال المرء في خطاب الافتتاح، من البديهيات»[1]. ما كانت فرنسا مطالبة به بعد إنهاء العبوديّة ليس هو تعاملها مع مستعمراتها بإنسانيّة أكثر، واعتبار سكان المستعمرات بشرًا، بل كانت مطالبة بالانسحاب الفوري من البلدان التي استولت عليها بالقوّة. وسنعود بالتفصيل إلى هذا الموضوع لاحقًا.

إذا أخذنا مثال تصرّفات النخبة الاستعمارية الفرنسيّة في غينيا، عندما استقلّت سياسيًّا عن فرنسا عام 1985، فلا يمكن ألّا نتأكّد من أنّ النظرة الدونيّة والحقد على سكان المستعمرات الفرنسية من طرف أصحاب القرار في فرنسا آنذاك يعزّز الأطروحة القائلة بأنّ الدول المستعْمِرة، ممثلة هنا بفرنسا، لم تتخلّص من فهمها للمستعمرات كأراضٍ للعبيد يخدمونها.

بعد عقود من الإنكار والنفي، بدأ المرء يعترف في فرنسا شيئًا فشيئًا بتفشّي أشكال كثيرة من التمييز العنصري في الأوساط الفرنسية، وبالخصوص اتّجاه أبناء المهاجرين الأفارقة بصفة عامة. وعلى الرغم من وجود دراسات كثيرة حول الموضوع، فإنّ المرء

(112)

يفهمها على أنّها تؤكّد وجهة نظر الرأي العام الفرنسي، القائل بأنّ هؤلاء المهاجرين هم السبب الرئيس في هذه العنصرية وهذا النبذ؛ لأنّ سلوك الغالبيّة العظمى منهم غير مقبولة، وبالتالي لا يريدون الإندماج في النسيج الاجتماعي الفرنسي، ينكمشون على أنفسهم ويبنون مجتمعًا موازيًا للمجتمع حيث يعيشون. ما ينكره المرء ببساطة هو الاعتراف بوجود سيروراتٍ اجتماعيّةٍ تُنتج العنصرية، على مستويات عدّة، وفي ميادين مختلفة للحياة الاجتماعيّة الفرنسية[1]، بل وأيضًا تعشّش هذه السيرورات في مؤسّسات الجمهوريّة الفرنسيّة ذاتها، تحت غطاء بمبدأ رسمي، يُردَّدُ بشكلٍ طقوسيّ في المناسبات كلّها، لكن المرء يستهزأ به يوميًّا. وهو أمر يُذكّرنا، بل يُحيلنا على الحقبة الاستعمارية المباشرة: «إضافة إلى سلسلة التشبيهات التي يمكن فهمها بين -تشابهات النظام التاريخي (غالبًا ما تكون الهجرة ابنة الاستعمار المباشر أو غير المباشر) والتماثل البنيوي (تحتلّ الهجرة حاليًّا المكان الذي احتلّه الاستعمار في ترتيب علاقات الهيمنة). أصبحت الهجرة بطريقة ما نظامًا بالطريقة نفسها التي اعتاد النّاس قول «أن الاستعمار هو نظام»، كما عبّر عن ذلك سارتر»[2]. وبالتالي فإنّ: «العنصريّة ما بعد الكولونياليّة ليست فقط بقاءً بسيطًا في الماضي. على العكس من هذا يتعلّق الأمر بإنتاج دائم ومنظَّم لمجتمعنا، تُعاد صياغة التمثّلات الموروثة عن الماضي وتُستثمر من

(113)

جديد لصالح المصالح المعاصرة. فمجتمعنا مُستمرّ حاليًّا في إنتاج السكّان الأصليين في المعنى السياسي للكلمة: «مواطنين أدنى» «رعايا» غير غرباء بالمعنى القانوني للكلمة، لكن لا يتمّ التعامل معهم كفرنسيين بالمعنى الكامل»[1].

من استراتيجيات مواصلة إخضاع المستعمرات، بعد استقلالها السياسي، هناك مثال تشويه أو حتى محاولة مسح هويّة شعوب هذه المستعمرات[2]. وأوضح مثال على ذلك، هو التقرير الذي قدّمه «مجلس المحاسبة الفرنسي» في تقرير صدر مؤخّرًا يؤكّد بأنّ أربعين ألف صندوق يعود إلى أرشيف الجزائر المدني، لم يتم فتحها حتى اليوم، بل لم تُرجع للجزائر، بعدما «هرّبتها أو سرقتها» فرنسا عندما أجليت عن الجزائر عام 1962. وتحتوي الصناديق على سجلّات ما يُسمّى في شمال إفريقيا «الحالة المدنية»، الذي أدخلته فرنسا إلى الجزائر منتصف القرن التاسع عشر. والواقع أنّ هدف فرنسا لم يكن توثيق سجلّات الولادات والوفيات، بل محو الذاكرة وتشويه الأنساب واستخدام ألقاب محرّفة، بطريقة ممنهجة بين 1838 و1848، بإلغاء الطريقة التي كان الجزائريون يعتمدونها في التسميات فيما يخصّ الأسماء والألقاب. جُرّد ثلاثة ملايين جزائري من هويّتهم، وتمّ تشويه أسمائهم أو إطلاق أسماء ساخرة عليهم من قبل موظفي دوائر «الأحوال المدنية»: «استحدث الاستعمار ألقابًا عشوائيّة للكثير من

(114)

العائلات الجزائرية، ولم تبقَ سوى عائلات قليلة حافظت على لقبها الأصلي، ونتيجة ذلك فإنّ أيّ شخص يريد البحث عن أصوله في أرشيف سجلات الحالة المدنية في بلديّته الأصليّة، سيكتشف بأنّ تلك السجلّات أحدثت سنة 1890 ودوّنت على الأكثر خمسة أجيال أي أن أصول الشخص تتوقّف عند سنة 1800»[1].

تعدّى حجز أرشيف «الحالة المدنية» من طرف فرنسا إلى حجز جماجم قادة المقاومين الجزائريين ضدّ الاستعمار الفرنسي. وسبق للرئيس الفرنسي ماكرون أن عبّر عن استعداده لإرجاع هذه الجماجم، معترفًا بذلك، ضمنيًّا على الأقل، بجرائم الحرب التي اقترفتها فرنسا ضدّ الشعب الجزائري. وما عبّر عنه ماكرون هو مهزلة؛ لأنّ هذه الجماجم تعتبر «تراثًا فرنسيًّا» بموجب القانون الفرنسي، يتطلّب تعديله من طرف البرلمان الفرنسي للسماح بإرجاعها لفرنسا. ولا يمكن للمرء أن يفهم شيئًا آخر من هذا من غير تمسّك فرنسا، وبالتأكيد دول استعماريّة أخرى، بآثار جرائمها في متاحفها، وبهذا تُعتبر متفانية في إعطاء المثال لما تقوم به دول في وقتنا الحاضر من جرائم ضدّ شعوبها؛ وهي دول مدعومة مباشرة من طرف القوى الاستعماريّة للأمس. للإشارة تحتفظ فرنسا بأكثر من ثمانية عشر ألف جمجمة لجزائريين قُتلوا برصاص الاستعمار الفرنسي في الجزائر بين 1830 و1932، أو أجبروا على مساعدتها في الحروب التي شاركت فيها فرنسا في أوروبا (وبالخصوص الحربين الكونيتين، الأولى والثانية).

(115)

نَظر المرء للمهاجرين ما بعد الكولونيالية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي من خلال الخيال الكولونيالي، الذي برّر انحطاطهم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وشرعنه، بفرض بقائهم في أسفل السلم الاجتماعي ومزاولة مهن لا تساهم في رقيّهم الاقتصادي، بل اختيار مهن شاقّة لهم ونكر حاجاتهم الاجتماعية في السكن اللائق واختزال الإنسان المهاجر إلى قوّة عاملة لا غير. وعلى أساس هذه الهيمنة وهذا الإقصاء تم تضخّم البطالة وتفشّي الهشاشة في صفوف المهاجرين الأفارقة في فرنسا في ثمانينيات القرن الماضي، وإلى يومنا هذا. بمعنى أنّ التصوّر الكلونيالي للإفريقي المهاجر إلى فرنسا، لم تتغيّر عن النظرة التي كان يحملها الفرنسي عن الأفارقة وهو في بلدانهم في الوقت الذي كان يهيمن عليها في عين المكان.

يلمس المرء استثمار هذا المُتخَيَّل الكلونيالي في اعتبار أوضاع اللا مساوات الفعليّة. فإذا كان الكلونيالي القديم لا يُنكر اللا مساوات المُنتجة من قِبل النظام الكلونيالي، فإنّه كان ينفي ظهورها ويغطيها بشرح بيولوجي عنصري وثقافي إقصائي. فتُهمة كسل المُستَعمَر لم تُربط بالسبب الحقيقي لهذا الكسل[1]، الذي كان في العمق حدًّا أدنى لمقاومة الاستعمار، بل رُبطت «بالكسل الأخلاقي» للإفريقي. وتستمرّ هذه الآليّة في الاشتغال في الوقت الراهن، ذلك أنّ التمييز لم يعد يشرح تهميشًا وغضبًا وعدم اهتمام الشباب المنحدر من والدين من أصل بلدان المستعمرات، بل نقص في هؤلاء الشباب

(116)

وضيق أفقهم أو خطأ في التربية الأسرية والعجز أو عدم التوافق الثقافي[1] وعدم الإلمام «بقيم» الجمهورية الفرنسية أو الحداثة؛ بل وأيضًا بـ «سلوكهم الاجتماعي، الناتج عن تعدّد زوجات الأب، كما صرّح وزير فرنسي سابق عام 2005.

يُنظر سياسيًّا لاندماج المهاجرين الأفارقة في النسيج الاجتماعي الفرنسي بمنظار كولونيالي قديم بنفحات ثقافية، أي التأكيد بأنّ الفروق الثقافيّة بين المستعمر والسكان الأصليين كبيرة جدًا، إلى درجة أنّها لا تترك المكان لأيّ اندماج، في ثقافة اعتبرها المرء عُليا للمستعمر، وبالتالي فإنّ الدونيّة الثقافيّة للجزائريين مثلا، لم تكن تُخوّل لهم الحصول على الجنسيّة الفرنسيّة عندما كانت فرنسا تستعمر الجزائر مباشرة[2]. بالأدوات والأيديولوجيةنفسهما تحكم فرنسا على اندماج الأفارقة المهاجرين. والأمر الثاني الذي من الضروري تسجيله في الاستعمار الما بعد الكولونيالي هو فرض فرنسا على المهاجرين الأفارقة، تمامًا كما فرضت ذلك على أبائهم وأجدادهم في مستعمراتها، الإلتزام بالاحتياط وعدم الظهور و«الاحتشام» بل، الاختفاء حتى: «لأنّ ميزان القوّة هو بدون شكّ لصالح مجتمع الهجرة -ويُخوّل لها هذا عكس العلاقة التي يجمعه بالمهاجرين بصورة تامّة، إلى درجة وضعهم في موضع مُلْزَمِين في الوقت الذي كان من الممكن أن يكونوا فيه مُلْزِمِين- ويستفيد مجتمع

(117)

الهجرة هذا من هذا الوضع»[1]. فالسياسة الفرنسيّة في ميدان الهجرة، «تبيع» في غالب الأحيان نجاحات نضال المهاجرين من أجل حقوق معيّنة كنجاح لها في إدماجهم وتربيتهم، مُقحمة عنصر تمييز جديد بين المهاجرين في «الراغبين في الاندماج» و«الرافضين له». ويعني الاندماج كأيديولوجيّة فرنسيّة عنصريّة مُبطنة؛ لأنّه لا يحمل أيّ معنى للمساوات، فإذا كان الهدف هو «ضمان مكان» للمهاجر في النسيج الاجتماعي الفرنسي، فإنّ هذا «المكان» هو بالضبط مصدر العنصريّة؛ لأنّ الاندماج المعني بالأمر هو قبول المكان الذي حدّده الفرنسي للإفريقي منذ قرون، كتابع وعبد وخادم ليس إلّا.

مثال أميركا

من حقّ المرء أن يعتبر القتل العمد للسود من طرف البيض في أميركا المعاصرة كامتداد للاضطهاد والميز العنصري الذي مورس عليهم منذ قرون. ومن حقّ المرء أن يعتبر أيضًا الميز العنصري الأميركي الحالي من أبشع أنواع التمييز؛ لأنّه لا يُمارس فقط من طرف أشخاص منفردين، بل وراءه تنظيم وأيديلوجية محكمة. إضافة إلى هذا تساهم الدولة الأميركية مباشرة في هذا التمييز بعدم محاكمة الجناة، إلا في حالات استثنائية، ناهيك عن عدم عقاب رجال أمنها من البوليس الأبيض الذين يقتلون أميركيين سود[2].

(118)

قبل أيّامنا هذه بسنوات، عام 1964، كانت هناك أحداث غيتو هارليم، قُتل فيها رجل أسود البشرة على يد شرطي، وكان هذا السبب الرئيس في اندلاع انتفاضة للسود. وعلى الرغم من الجانب المأساوي لهذه الانتفاضة، فإنّ ما حقّقته هو إلغاء قوانين التمييز العنصري كلّها. وحتى وإن كان بإمكان السود ابتداءً من عام 1970 مزاولة وظائف كانت حكرًا على البيض في الولايات المتحدة الأميركية: الشرطة، وظائف سياسية، فإنّ نظام التمييز العنصري ما زال قائمًا بها.

إذا رجعنا إلى عام 1865، إلغاء العبودية بالولايات المتحدة الأميركية، فإنّنا نجد الوضع نفسه للسود كما كان عليه الحال لنظرائهم في المستعمرات الأوروبية، سواء في أميركا الجنوبية والوسطى أو إفريقيا وأستراليا وآسيا. بمعنى أنّ إلغاء قانون العبودية لم يكن يضمن للسود حريتهم الكاملة والفعلية، بل فقط الحرية النظرية. رافق إذن إلغاء العبودية قانون الفصل العنصري، وعزلهم الفعلي عن البيض من الأميركيين، في الأمور كلّها وفي المرافق العموميّة كلّها، وبهذا تمّ تكريس دونيّة السود قانونيًّا[1].

(119)

لم يكن هناك تمييز على أساس لون البشرة ولا العرق على مستوى القانون الفيديرالي نظريًّا على الأقل، لكن كانت هناك سلسلة من التدابير التمييزية، وأقصى تجليات هذه التدابير وأقساها هو الإعدام الفوري للسود، دون محاكمة، حيث كان شخص يُعدم كلّ أسبوع بين 1877 و1950، وفي الكثير من الأحيان، لأسباب لا تستحقّ حتى المحاكمة، فبالأحرى الإعدام، كعدم تحيّة رجل أبيض بعبارة «سيدي» مثلًا. وكان المقترفون لمثل هذه الجنح ضدّ الإنسانية لا يتابعون قانونيًّا إلا نادرًا، وإن دلّ هذا على شيءٍ، فإنّما يدلّ على أنّ العقلية الأبرتهايديّة متجذّرة في ثقافة أغلبيّة بيض أميركا[1].

وكان موضوع أغنية «الفاكهة الغريبة (Strange Fruit)» للفنّانة السوداء بيلي هوليداي (Billy Holliday) (غنّتها عام 1939)[2] الإعدامات الفوريّة الجائرة. وسبّب لها أداء الأغنية أنواع المضايقات كلّها التي عرفتها من طرف السلطات الأميركية البيضاء.

على الرغم من هذا الاضطهاد والحيف والتمييز الأبارتهايدي، وكأجدادهم في مستعمرات أخرى، لم يكف السّود على النضال من أجل حقوقهم منذ غابر الأزمان. ففي عام 1890، نظّموا أنفسهم في ولايات

(120)

أميركية عدّة، مشجعين صغار المزارعين البيض الفقراء أيضًا للمطالبة بتحسين ظروف العيش المتدهورة باستمرار. وحتى وإن لم تنجح مثل هذه الحركات، فإنّ ما حقّقته هو الإبقاء على وعي السود بوضعهم متوهّجًا، وعدم الخضوع النهائي والدائم لسيطرة أغنياء بيض، لا يعتبرونهم بشرًا، بل فقط أدوات تساهم في رفاهيّتهم وتوفّر لهم المزيد من الغنى.

حاول السّود أيضًا تنظيم أنفسهم للدفاع عن مصالحهم، كما يتّضح ذلك جليًّا بتأسيس «الجمعية الوطنية لترقية الملونين"NAACP  عام 1909، لمناهضة الإعدام التعسّفي، بتوفير مدافعين قانونيين للمرشحين للإعدام. وارتفع عدد المنخرطين في هذه الجمعيّة إلى حدود عام 1946 إلى ما يناهز نصف مليون منخرط[1].

كما يؤكّد على ذلك ليون تروتسكي [2] فإنّ نصيب تعرّض السود للميز العنصري طال أيضًا الحركة العمّاليّة الأميركية. فالفيدرالية الأميركية للعملAFL ، التي كانت مبنيّة على أسس فئويّة، والتي كانت مهيمنة على الحركة العمّاليّة بين 1880 و1930 بالولايات المتحدة الأميركية، لم تكن تهتمّ إلّا بالنقابات التي كانت تمثّل العمّال المؤهّلين دون غيرهم. ومن المعروف أنّ الغالبية العظمى من السود كانوا عمّالًا يدويين وبسطاء. بل كانت الكثير من النقابات ترفض انضمام السود لصفوفها، فقط لأنّهم سود.

(121)

من طبيعة الحال كانت هناك استثناءات، ذلك أنّ «نقابة عمّال المناجم المتّحدة»، التي تأسّست سنة 1890، كانت تسمح للسود بالانخراط فيها. الشيء نفسه يمكن أن يُقال عن نقابة عمّال الموانئ، ونقابة ناشري الخشب في لويزيانا، التي ظهرت بعد الحرب العالميّة الأولى 1902، ومنظّمة «عمّال العالم الصناعيين IWW»، المؤسّسة عام 1905، وهي إلى حدّ ما نقيض الفيدرالية الأميركيّة.

لنتذكر حركة هجرة أو تحرّك السود من الجنوب إلى الشمال، الذي كان ينادي بإلغاء العبوديّة، وهو نداء لربّما نعتبره هراء؛ لأنّ التمييز والفصل العنصريين كانا يمارسان دون هوادة. فُرض على السود السكن بعيدًا عن البيض، بتشجيع واضح من الدولة، بحيث كانت تموّل سياسة السّكن العنصريّة هذه ابتداء من 1930، ذلك أنّ المهاجرين من جنسيّات أوروبيّة مختلطة كانوا يسكنون بعيدًا عن السود[1].

أرسلت الولايات المتّحدة الأميركية نصف مليون جنديّ إلى ساحات المعركة أثناء الحرب العالميّة الثانية بأوروبا. وكانت أغلبيّة السّود المرسلين من الجنود العاديين دون مراتب قيادية تذكر. دفعوا للمشاركة في حرب ليست حربهم، وقتل أناس ليست لهم بهم أية علاقة أو قتلهم من طرف هؤلاء. ونورد هنا صرخة ك. ل. م. جيمس،

(122)

التي ذكرها تروتسكي أيضا: «في كلّ مرة يجب أن تهدر الدماء يرى قادة هذا البلد أنّه على الزنوج هدر دمائهم [...] لقد حرموا [الزنجي] من حقّ التصويت وقد خصّصوا له أسوء الأعمال وأسكنوه في أحياء مزرية فقيرة ثم مورس بحقّه الإعدام العشوائي ولكنّهم عندما يريدون أن يموت الناس من أجل «الديمقراطية»، فكونوا متأكدين بأنّهم سوف يأتون للبحث عن الزنوج». وحتى بعد الحرب، لم ينجوا من التعرّض إلى الإعدام دون محاكمة، وسرِّحوا من الجيش ليشتغلوا كمأجورين عاديين لمن ساعده الحظ، أو العطالة لمن كان حظّه سيّئًا. وكان هذا من بين أسباب اكتظاظهم في المدن، وبالتالي ظهور مشاكل أخرى انضافت إلى التمييز العنصري الذي كانوا يعيشونه فرادى وجماعات.

على الرغم من النضال الطويل والمرير للسود للقضاء على التمييز العنصري في أميركا القرن العشرين، فإنّه استمرّ في مؤسّسات الدولة على مستويات عدّة، وبحدّة قويّة في الحالات كلّها. عندما أصبح كندي رئيسًا لأميركا عام 1961، وعلى الرغم من أنّه كان يظهر بمظهر من قد يساعد السود لاسترجاع كرامتهم الإنسانية والقضاء على الميز العنصري، فإنّ ذلك لم يكن من أولويّات سياسته، لأنّه أكّد بأنّ الحرب الباردة والصراع ضدّ الشيوعيّة كانا أهمّ من ذلك[1].

(123)

لم يؤيّد الرئيس جونسون، على غرار كندي، قضيّة إلغاء التمييز العنصري، بل لم يستثنِ أيّ جهد له لطمس أيّ حراك للسود والقضاء عليه. أمّا القوانين القليلة المتعلّقة بالحقوق المدنيّة التي قُرّرت في عهده، فلم تكن بفضله ووعيه بمشكل التمييز العنصري، بقدر ما كان نتيجة ضغط الحركات الاحتجاجيّة للسود في مجموع ولايات الولايات المتحدة.

بعد نضالٍ سلميٍّ طويلٍ للسود من أجل إلغاء قوانين وممارسات الفصل العنصري، بدأت في منتصف الستينيات من القرن العشرين حركات احتجاج عنيفة لمقاومة إرهاب الدولة ضدّهم، وهو إرهاب كان يتمثّل في العنف الذي كانت السلطات الأمنيّة تمارسه ضدّ الحركات السلميّة لهم، بل وأيضًا غضّ الطرف عن أنشطة عنف تنظيمات البيض، مثل الكو كلوكس كلان، التي لم تستوعب الدرس الذي لقّنه إياها تنظيم أسود للدفاع عن النفس عام 1964. من هذه الناحية، أدّى التعامل العنيف مع مظاهرات وتجمّعات وتنظيمات السود السلميّة، إلى عنفٍ مضادٍّ، وكأنّ لسان حال التاريخ كان يقول إنّ الرجل الأبيض الأميركي في الولايات المتحدة، لا يعترف إلا بمن يردّ الصفعة بصفعتين، لا بمن يُؤمن بسذاجة في أيديولوجيّة تبيع وهم الحقوق باليد اليمنى، وتسرقها باليد اليسرى. ولنذكر في هذا المقام تنظيم «أمة الإسلام» في شمال الولايات المتحدة آنذاك ومالكوم إكس، بحيث لم تكن أنشطتهما تتأسّس على مدّ الخد، بل على ردّ اللّكمة بلكمتين. ولعلّ محمد

(124)

علي كلاي (كاسيوس كلاي) ومالكوم إكس[1] يبقيان من الوجوه البارزة «لأمّة الإسلام». اشتدّ لهيب مقاومة السود لتعنّت البيض بأميركا وعدم الاعتراف بهم كبشر كاملي الحقوق مثلهم، إلى تأجيج الشوارع، وبالخصوص في المدن الكبرى: «إنّ الولايات المتحدة [... ] تعيش حربًا اجتماعية فتّاكة وقد أخذت شكلها الأكثر راديكالية، أي الانتفاضة المسلّحة في المدن، وهو شكل كان قد اختفى في أوروبا منذ فترة طويلة، وبدا أنّه لن يعاود الظهور في البلدان ذات «المستوى المعيشي المرتفع». فالمشهد في واتس لا ينقصه غير المتاريس ليصبح مشابها بأحياء الماريه (Marais) الباريسي والـكرواروس (Croix Rousse) في مدينة ليون الفرنسية بانتفاضة عمّال النسيج منذ أكثر من قرن[2]:

رافقت هذا الأحداث الدامية نزاعات مباشرة مع السلطة، أخذ شكل عصيان مدني دموي، بل تعالت أصوات الرافضين للحكومة

(125)

وللدولة الأميركية وكلّ مؤسساتها الدستورية، وبالخصوص مؤسّستي الجيش والأمن بصفة عامة والعدل.

عُقّدت الأمور أكثر بعد اندلاع حرب الفيتنام ودفع عدد كبير من السود الأميركيين للمشاركة فيها، بحيث إن عددهم وصل حدًّا أقصى عام 1968، على الرغم من أنّ أغلبية السود، ولربّما عدد كبير من الجنود السود، كانوا ضدّ هذه الحرب، على شعب لم يقترف أيّ جُرم في حقّ الأميركيين. وكان موقف البطل محمد علي كلاي من هذه الحرب برفضه الإلتحاق بالعسكر الأميركي، تعبر عن موقف الأغلبية الساحقة للسود: «ليس لدي أيّ عداء ضدّ الفيتكونغ (Vietcong) وأيّ من الفيتناميين لم ينعتني يومًا بكلمة زنجي ... لماذا يطلبون منّي أنا، من بين الذين يسمّونهم بالزنوج، بارتداء الزي العسكري للذهاب 16.000 كم بعيدًا عن بيتي لرمي قنابل وقذائف على رجال ملوّنين بينما السود هنا يعاملون مثل الكلاب ويحرمون من الحقوق الأساسية للإنسان؟»[1].

هناك إجماع شبه عالميّ على أنّ ترامب بسلوكه اتّجاه البشر من جنسيات أخرى من غير الجنسيّات الغربيّة عمومًا، أي البيض، هو رئيس عنصريّ على المستويات كلّها. والمذهل هو أنّه لا يُخفي عنصريّته هذه، بل يؤكّدها عندما يردّد بأنّه غير عنصريّ؛ لأنّ سلوكه وخطبه ورسائله الإلكترونية القصيرة تفضح على الدوام روحه العنصريّة.

(126)

وصل الأمر بالكونغرس الأميركي إلى التصويت على قرار يدين «عنصرية» ترامب إزاء نائبات أميركيات[1]، على خلفيّة سلسة من التغريدات له عبر تويتر، استعمل فيها لهجة أقلّ ما يقال عنها هي أنّها لهجة عدائيّة عنصريّة تحريضيّة إقصائيّة لعضوات في الكونغرس من إثنيات مغايرة[2] لإثنية ترامب، وتتمتعن بلون غير لونه. وانضمّ أربعة نوّاب من حزب دونالد ترامب إلى 235 نائبًا ديمقراطيًّا، ليقرّوا بأنّ الرئيس الأميركي عنصريّ وتغريداته: «شرّعت وزادت الخوف والكراهية تجاه الأميركيين الجدد والأشخاص الملوّنين»[3]. وأكّد جو بايدن، نائب الرئيس السابق والمرشّح الديمقراطي لانتخابات الرئاسة عام 2020، بأنّ التاريخ الأميركي «لم يشهد إطلاقًا رئيسًا عنصريًّا أكثر من هذا الرجل».

ووجّه 148 من الأميركيين الأفارقة البارزين[4] ممّن خدموا في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما رسالة للأميركيين والعالم ترفض ما أسموها «لغة الكراهية والعنصريّة التي بدأت تتفشّى في الولايات المتّحدة»، نشرت على شكل مقال بصحيفة واشنطن بوست، جاء فيه: «لقد سمعنا هذه العبارات من قبل: عودوا من حيث أتيتم، عودوا

(127)

إلى إفريقيا. والآن.. أعيدوها من حيث أتت (هتاف ضدّ النائب الأميركيّة من أصول صوماليّة إلهان عمر). فهذه الهتافات نسمعها طوال الوقت يُصرخ بها في وجوهنا ويُهمس بها من وراء ظهورنا ونُرمى بها عبر الإنترنت. فهي جزء من نمط في بلدنا مصمّم لتشويه سمعتنا وإبقائنا متفرّقين وخائفين ... بصفتنا أميركيين أفارقة خدمنا في الإدارة السابقة فقد شهدنا مباشرة الهجمات القاسية على شرعيّة الرئيس أوباما وعائلته من مقاعدنا الأماميّة في أوّل رئاسة أميركية يشغلها شخص أسود. ومعاصرتنا لتصاعد العنصرية في بلدنا، أثناء وبعد نهاية خدمة أوباما وخدمتنا، كانت حقيقة مدمّرة، وهذا أقلّ ما يقال. لكنّها وفّرت أيضًا وقودًا محرّكًا لنضالنا، وخاصّة في لحظات كهذه ...نرفض الجلوس مكتوفي الأيدي تاركين الرئيس ترامب أو أيّ مسؤول منتخب متواطئ في تسميم ديمقراطيّتنا، يمارسون العنصريّة والتحيّز ضدّ المرأة وكره الأجانب. وندعو المسؤولين المحليين وعلى مستوى الولايات والكونغرس، وكذلك المرشحين للرئاسة إلى توضيح سياساتهم واستراتيجياتهم للمضيّ قدمًا كدولة ديمقراطية قويّة من خلال المساواة العرقية»[1].

ندّد ترامب بانتقاد النائب الديموقراطي عن ماريلاند إيلايجا كامينغز[2] ظروف اعتقال القاصرين من طالبي اللجوء على الحدود الجنوبية مع المكسيك، معتبرًا أنّ «دائرته بالتيمور أسوأ بكثير وأخطر

(128)

بكثير»، وهي دائرة تقطنها غالبيّة من المواطنين السود؛ مضيفًا: «لا يودّ أيّ إنسان العيش فيها ... دائرة كامينغز هي فوضى مثيرة للاشمئزاز، موبوءة بالجرذان والقوارض. لو قضى المزيد من الوقت في بالتيمور، لكان بمقدوره ربّما المساعدة على تنظيف هذا المكان الشديد الخطورة والقذارة».

اختلطت عنصريّة رئيس أميركا الحالي ترامب بنرجسيّة مرضيّة فاقت كلّ ما يمكن للمرء تصوّره في التغريدة التي أطلقها في حسابه على تويتر بمناسبة اغتيال المناضل الأميركي الأسود مارتين لوثر كينغ. يشم المرء في هذه التغريدة رائحة غدر التاريخ، فقد حاول ترامب سرقة تضحية كينغ ليعوّضها «بهبته» للسود ليعيشوا حياة سعيدة، حسب قوله: «قضى م ل ك حياته في النضال من أجل أعلى مثال للولايات المتحدة الأميركية: كون الله خلقنا سواسية. عندما أفكّر في إرثه وأرى إلى المستقبل، فإنّني جدّ فخور برونالد ترامب الحقيقي للالتزام بإعطائه الإمكانيّة للسود الأميركيين للعيش حياة سعيدة ومزدهرة. لنتابع»[1]. في العمق ليس هناك أيّ مقياس يمكننا أن نقيس به هذه العنصرية القابعة في روح رئيس أميركا الحالي. لنلاحظ بأنّه لم يعطِ لنفسه حتّى عناء الكتابة الكاملة لاسم مارتين لوثر كينغ، في الوقت الذي كتب اسمه كاملا، داعيًا بذلك ضمنيًّا بالاحتفاء به عوض كينغ؛ لأنّه يقدّم إمكانيّة للسود لكي يعيشوا في

(129)

سعادة في الظروف الجهنميّة التي يوفّرها لهم بسياسته، بإقصاء الأغلبيّة الساحقة منهم وفرض الفقر والمرض والجريمة عليهم، وإرسال عنصريين بيض لقتلهم في واضحة النهار، سواء أكانوا من أتباع جماعات عنصرية أم رجال أمن، أي موظفي الدولة الأميركية.

وتجدر الإشارة إلى أنّ ترامب تدخّل مباشرة في قرار بمدينة شارلوتسفيل (Charlottesville) بالرغبة في إزاحة تذكار للجنرال روبيرت لي (Robert E. Lee) (1807-1870)، الذي كان جنرالًا في الجيش الأميركي، شارك في الحرب الأميركية المكسيكيّة، ودَرَّسَ في الأكاديمية الحربيّة في ويستب بوانت (West Point). كان مالك عبيد واقترف جرائم حرب، بالمنطق الحالي للأمور، في الحروب التي شارك فيها أو ترأّسها. حارب تحت راية الاتّحاد الأميركي، وهي الراية التي تستعملها الجماعة العنصريّة الراديكالية بأميركا كو-كلوكس-كلان، أي أنّ هذه الراية أصبحت رمز العنصرية. وفي تدخّله بعدم إزالة تمثاله، أكّد ترامب على أنّه دينامو العنصريّة الأميركية، ولربّما الغربيّة عامّة: «أصبح من الممكن عن طريق ترامب إعلان المرء عن نفسه كمدافع عن «تفوق البيض»[1].

ترامب ليس عنصريًّا داخل بلده فقط، بل داعم للأبترتهايد الإسرائيلي، فمنذ تولّيه زمام الأمور في الولايات المتحدة الأميركية مارس سياسة منحازة لكيان الاحتلال الصهيوني، ودعم عدوانه

(130)

المتواصل على الشعب الفلسطيني، ويتخذ الاجراءات لتصفية قضيّته. بل أكثر من هذا، يتعامل مع الدول العربية الغنيّة معاملة العبيد، بحيث يُكرههم على دفع علاوات له ولبلده، مقابل الاستعمار الذي يمارسه عليهم وعلى مجموع شعوب الشرق الأوسط. والاسترقاق الأميركي الجديد في المنطقة العربية، لم يسبق له مثيل، يسلب العرب أموالهم تحت التهديد وبازدراء ملحوظ وباحتقار ملموس.

 

(131)
(132)

 

 

 

 

 

 

الفصل الرابع

الأبارتهايد كبنية في الفكر 

الغربي الحديث والمعاصر

 

(133)

نظرًا للكمّ الهائل من الدراسات والمؤلّفات التي نُشرت في السنين الأخيرة حول الاسترقاق والاستعمار في فرنسا، فإنّ الوعي بأنّهما كانا ملازمين لبعضهما لم يعد من الممكن نكرانه أو كبته[1]. ومن بين أهمّ ما نُشر في هذا الإطار هناك كتاب الباحثة ميشال دوشي «أنثروبولوجيا وتاريخ عصر الأنوار»[2]، وترجع هذه الأهميّة في نظرنا إلى تأكيد الباحثة على أنّ توثيق المسافرين والمغامرين الأوروبيين لما عاشوه ورأوه وشعروا به في المستعمرات، هو توثيق أيضًا للكولونيالية، مع تمييزها بين من سافر قبل نشر «الموسوعة l’Encyclopédie»[3] ومن سافر بعدها. وهذا ما يتركنا نعيد التأكيد على أن «العلماء» والمفكرين وعلماء الطبيعة والأنثروبولوجيين والإثنولوجيين، تمامًا كالتجار والبحارة والعسكريين والساسة، ساهموا مباشرة في تعزيز الإمبريالية والدفاع عن وممارساتها الوحشيّة، حيثما حلّت وارتحلت. وهذا ما تعزّزه الكاتبة السالفة الذكر، فأكبر ميزة لكتابها هذا هو محاولة فهم فلسفة الأنوار وظهور العلوم الطبيعيّة في ارتباطهما الوثيق بالنظام الكلونيالي ونتيجته الطبيعية المتمثّلة في العبودية واستغلال البشر.

(134)

تجدر الإشارة إلى أنّ أعمال الأغلبية الساحقة للأنثروبولوجيين والإثنولوجيين في الفترة الاستعمارية، كانت تساهم في الإبقاء وتقوية «الأساطير المؤسّسة للأيديولوجية الاستعمارية»، ليس فقط لأنّها كانت أعمالًا مطلوبة ومموّلة من طرف السلطات الاستعمارية، بل لأنّ هؤلاء الدارسين كانوا مقتنعين بضرورة استعمار الأوروبيين للدول الأخرى، حيثما كان ذلك ممكنًا، وبأقلّ تكلفة، محافظة منهم على أيديولوجية تفوق العرق الأبيض على الآخرين. فالإثنلوجية مثلا هي: «علم في خدمة الإمبريالية»[1]. الهدف نفسه كانت تتوخّاه الكثير من الجرائد، التي عملت عن وعي ودون وعي على نشر أحكام مسبقة سلبية على بشر المستعمرات، وتقديمهم، حتى بعد إلغاء العبودية كبشر صالحين للعبودية لا غير؛ لأنّ ثقافتهم لا ترقى إلى ثقافة الإنسان الأبيض، لبدائيّتها ووحشيّتها. فالبراديغم العلمي (نعني هنا بالخصوص، ولربما فقط العلوم الإنسانية الحديثة) كان سابحًا ابتداء من منتصف القرن التاسع عشر في التصوّر العنصري الاستعماري[2].

أخذت العنصرية الثقافيّة وجهًا آخر أيضًا: قُدّم الزنجيّ مثلًا كآكل للّحم البشري، لكنّه استغلّ أيضًا في عشرينيات القرن الماضي من طرف وسائل الإعلام المتوفّرة؛ للإبقاء على أسطورة دونيّته، على الرغم من استغلاله الفاحش في الدعاية لمواد استهلاكيّة كثيرة، سواء غذائيّة كالشوكولاتة أو منزليّة كالصابون. فجودة الصابون

(135)

مثلًا الذي بإمكانه أن يغسل وسخ إنسان أسود، هو صابون جيّد. وهناك الكثير من الملصقات الدعائيّة خاصّة بمواد كثيرة، تصبّ في هذا الاتّجاه وتساعد على تقوية ميثولوجيّة العنصريّة في الموَاطِن الأصليّة للمستعمِرين[1].

إذا أخذنا بالتعريف الذي يعطيه ألبير ميمي للعنصرية: «كشرعنة عامّة ونهائيّة للاختلافات الفعليّة أو المُتخيّلة، في مصلحة المُتَّهِم وعلى حساب ضحيّته، قصد إضفاء الشرعيّة على الاعتداء بامتياز»[2]، فلا بدّ من ملاحظة وجود عنصريّة خاصّة، بُنيت على مرّ العصور والقرون لإضفاء الشرعيّة على الاعتداءات الاستعمارية وامتيازاتها. فقد أسّس الاستعمار «لاختلافات ثقافيّة»، وقام بتنحية «أخلاقية» لهذه الأخيرة، ونظّر لمفهوم «السكان الأصليين» وأنتجه كهيئة استثنائيّة مؤطّرة باحتياطات خاصّة[3].

وقد مرّت هذه العنصريّة الثقافيّة بالفعل من جيل إلى آخر إلى يومنا هذا، دون كبير عناء ولا خسارة، ككلّ أنسقة التمثّل غير الخاضعة للنّقد والهدم والتحليل. لا يمكن بتاتًا نفي استمرار تمثّلات عنصريّة وإقصائيّة في السلوكات اليوميّة للغربيين الحاليين، في عصرنا الحاضر، وتتمظهر هذه السلوكات في تعابير يوميّة منتشرة على نطاق واسع، ولا تستثني أيّة طبقة اجتماعيّة. فعبارات

(136)

«الزنوج» و«المهاجرون» والمسلمون» و«المخضرمون»[1] مثلا، لا زالت تحمل معاني سلبيّة إقصائيّة، تُستعمل للإعلاء من شأن الغربي والحطّ من قيمة أبناء المستعمرات القديمة، المهاجرين إلى مختلف الدول الغربية. وبالتالي فإنّ أحكام قيمة تحقيريّة لهؤلاء المهاجرين سارية المفعول في الأوساط الغربية من قبيل: «يتميّزون في أحسن الأحوال بالنقص أو التخلّف وفي أسوئها بالخطورة»[2]، بينما: «نجسّد نحن «العقل» و«الكوني» والحديث». ويضمن مثل هذا الخطاب وضع الهيمنة حاضرًا وتقوية الإقصاء في حقّ هؤلاء المهاجرين.

البيولوجيا في خدمة الاستعمار والاسترقاق والأبارتهايد

في عام 1869 قام البريطاني «فرانسيس جالتون» بوضع قواعد علم «اليوجينيا» الذي يختصّ بآليات التحكّم في السلالة البشريّة من خلال رصد التفاوت العرقي للحدّ من تناسل من لا يستحقّون الحياة في نظره كالمعاقين والمتخلفين ذهنيًّا والزنوج. ووجدت عنصريته مداها الأقصى في قوله: «كلاب إفريقيا ستكفّ عن النباح إذا ما تنفَّسَت هواءنا».

هناك شبه إجماع على أنّ إدوارد لونج (1734 – 1813) هو مؤسّس الحركات العنصريّة في أميركا؛ لأنّه كان أوّل من استعمل مصطلح

(137)

«مكانة الزنوج في الطبيعة»، عندما قام بتقسيمات معقّدة للسلالات البشرية. وبما أنّ الزنوج في تقسيماته هذه يحتلّون الدرجة السفلى في سلّم السلالات، فقد أيّد استرقاق البيض لهم.

تصوّر الألماني يوهان فريديريك بلومنباخ في أطروحة له أعلن عنها عام 1776 خمسة أجزاء/أقسام للبشرية[1]. وما هو مُضمر وراء تقسيمه هذا هو عدم وجود أيّ جواب عن بعض الأفكار الإنسانيّة للأنوار مثل كون الحقوق الطبيعية هي حقوقًا كونيّة. كونيّة هذه الحقوق لا تسمح البتّة بشرح الاستعباد في إفريقيا وأميركا وآسيا، لذا التجأ المرء إلى البيولوجيا لإنتاج مثل هذا الشرح، والإدّعاء بأنّ البشر ليسوا متساوين بيولوجيًّا، ولا يستطيعون الفعل والتفكير مثل الأوروبيين.

نُصادف في كتاب «أنماط البشر»[2] المنشور عام 1854، رسمًا توضيحيًّا يوحي بأنّ سود البشرة من الناس يقعون في رتبة بين الإغريق والشامبانزي. وقد حاول البيولوجيّون الغربيّون بكلّ ما أوتوا من «جهل" البرهنة على هذا الأمر بأدوات «علمية"، تُستعمل في مجال العلوم الحقّة، بفرضيّات يوحي ظاهرها بأنّها علميّة ومؤسّسة على التجريب والقياس إلخ. وهذا ما يُصطلح عليه بـ «العنصرية العلمية». والغريب في الأمر أنّ مثل هذه الادّعاءات لاقت رواجًا كبيرًا بين العلماء، إلى وقت غير بعيد، إلى أن تقلّص الاعتقاد في مصداقيّتها.

(138)

تطوّرت العنصريّة «العلميّة» (البيولوجية) بين 1880 و1914، ويمكن اعتبارها اليد اليُمنى لتبرير الاستعمار الأوروبي واضطهاد واسترقاق أجناس بشريّة أخرى. وعرفت هذه العنصريّة ذروتها بين 1920 و1945، لكنّها لم تعرف انتقادات جوهريّة إلا نهاية القرن العشرين، وبالخصوص بعد بيان منظمة اليونيسكو: «صراع الأجناس» عام 1950. ومن بين أهمّ ما جاء فيه: «يجب دحض نظريّات صراع الأجناس عمليًّا واجتماعيًّا، فحقيقة اختلاف الأجناس ليست إلا ظاهرة بيولوجيّة وليست اختلافًا عقليًّا أو اجتماعيًّا. فقد خلّفت الصراعات بين الأجناس قدرًا هائلاً من الضرر البشري والاجتماعي في السنوات الأخيرة، ووقعت خسائر فادحة، وتسبّبت في معاناة لا توصف. وقد أثبت علم الوراثة التطوريّة بأنّ الاختلافات البيولوجيّة بين الأجناس تعدّ طفيفة ومتدرّجة».

للإشارة، فإنّ العنصريّة «العلمية» الغربيّة تمدّ بجذورها في الإرث اليوناني القديم، ذلك أنّ الطبيب الفيلسوف أبقراط (القرن الثامن قبل الميلاد) قال فيما معناه بأنّ الأشخاص ذوي البشرة الداكنة يتّصفون بالجُبن والضعف، أمّا الأشخاص ذوي البشرة البيضاء فإنّهم شجعان ويقاتلون ببطولة. في الإرث نفسه نجد الروماني فيتروفيوس (Marcus Vitruvius Pollio) (51- 135 قبل الميلاد) الذي قال: «إنّ الأشخاص ذوي الشعر المجعّد والبشرة داكنة اللّون والعيون السوداء، يملكون كميّة ضئيلة من الدم نتيجة تعرّضهم للشمس، وهو ما يجعلهم أقلّ قدرة على المواجهة بشجاعة أثناء الحروب، وذلك على العكس من ذوي البشرة البيضاء وساكني البلدان الباردة

(139)

والذين يملكون قدرًا أكبر من الدم والشجاعة لحمل السلاح». ومن الطرائف، التي يمكن إدراجها في الخرافات العلميّة الأوروبية هو أنّ جورج دي بوفون (Georges-Louis Leclerc) (1707- 1788) ويوهان بلومنباخ[1] (Johann Friedrich Blumenbach) (1752-1840) كانا يعتقدان، لعنصريّتهما العميقة، بأنّ آدم وحوّاء كانا من بلاد القوقاز، أي من جنس أبيض. كما دافعا على فكرة كون كلّ الأعراق الأخرى ناتجة عن تدهور عوامل بيئيّة كالشمس وسوء التغذية ونمط الحياة. وفي هذا الاتّجاه ذهب بنجامين روش (1812)، صاحب مصطلح «التزنج»، الذي قصد به مرض يُصيب الجلد ويُصبح داكنًا، واعتقد بأنّ الزنوج مصابون بهذا المرض، وهو في زعمه مرض وراثي. ومن ثمّ أكّد على أنّ اختلاط الأعراق غير جيّد، بل هو أمر خاطئ تمامًا.

لم تنتهِ العنصريّة «البيولوجية»[2]، بل هناك إلى اليوم، بعض الجهات الداعمة لها، بما في ذلك بعض الجرائد والمجلات، بنشرها لمقالات تصبّ في هذا الاتّجاه. ومن بين هذه الجرائد هناك الجريدة البريطانية مانكايند الإنجليزية (Mankind Quarterly)،

(140)

ومجلّة «تَفوّق الجنس الأبيض»، ومجلّة «العنصريّة العلميّة»، وغيرها كثير. ولربّما نَعُدُّ جيمس اتسون عالم الأحياء المشهور، الحائز على جائزة نوبل لاكتشافه التركيب البنيوي للشفرة الوراثية أو الـDNA ، من هذا الاتّجاه. فقد عبّر عن أراء عنصريّة واضحة، وبذلك يمكن اعتباره الوارث الشرعي للبيولوجيا العنصريّة، حيث قال في محاضرة له في جامعة بيركلي قال فيها: «إنّ حرارة الشمس تجعل من أصحاب البشرة السمراء أكثر نشاطًا في الحبّ والجنس. لهذا كان أعظم المحبين من السمر وذوي الأصل اللاتيني.. هل سمعتم مثلاً بعاشق انجليزي؟. هناك فقط «مريض انجليزي بارد». ومن الكتب التي حقّقت مبيعات كبيرة في أميركا وبريطانيا كتاب «منحنى الجرس»[1] لعالمي النفس تشارلز مواري وريتشارد هيرمستين. ومنحنى الجرس نموذج بياني يعبر عن انقسام المجتمع إلى شكل يشبه «الجرس» فنخبة المجتمع يمكن تمثيلها بقمّة الجرس الضيّقة (التي تنحصر وتضيق كلّما اتّجهنا إلى الأعلى) ودهماء الناس يكثر عددهم وتتّسع قاعدتهم كلّما هبطنا للأسفل. قد يكون هذا صحيحًا وموجودًا في كلّ مجتمع، إلّا أنّ مواري وهيرمستين حاولا حصر السود والمهاجرين في قاع الجرس ورفع النخبة المسيحيّة البيضاء إلى قمّته. كما ألقيا باللّوم، فيما يتعلّق بازدياد قاعدة المهمّشين، على برامج الرعاية الاجتماعية التي -على حدّ قولهما- تشجّع الفقراء والمهاجرين على مزيد من الكسل والتقاعس. وكتاب منحنى

(141)

الجرس حاول إثبات أنّ تخلّف السود أمرٌ فطريٌّ (وليس مكتسبًا نتيجة الفقر أو العنصرية)، وأنّه لا فائدة من محاولة تطوير مواهبهم أو زيادة ذكائهم.

يحلّل جافِن إيفانز[1] في كتابه «العقل الأسود، والعقل»[2] الحجج العلميّة الخاطئة والمضلّلة التي لا تزال تُستخدم كذريعة لتبرير العنصرية. وعلى الرغم من أن «عِلْم"الأعراق اختفى إلى حدّ ما من علم الأحياء؛ لأنّ الأدلّة العلميّة الرصينة برهنت على أنّ معظم التباين الوراثي البشري يرجع إلى عامل فردي، يختلف من شخص إلى آخر، فإنّ هناك وجودًا واضحًا للكثير من «العلماء» يدافعون عنه.

كما نبّه إيفانز إلى ذلك في كتابه الآنف الذكر، فإنّ هناك ادّعاءات كثيرة لـ «العلم» العنصري، تخصّ في المقام الأوّل الرياضة والذكاء. حاول هؤلاء مثلًا شرح الإنجازات الرياضيّة (الماراتون وألعاب القوى بصفة عامّة) لأبناء القارّة السمراء بإرجاعها لعوامل بيولوجية وراثيّة، أو كونهم لربّما يملكون سيقانًا أطول وأنحف بالمقارنة مع أجناس أخرى، أو أن لديهم اختلافاتٍ في وظائف القلب والعضلات إلخ. وكما أشار إلى ذلك إيفانز، فإنّ مثل هذه التعميمات لا تُصدر على الرياضيين الأوروبيين مثلاً، عندما يبرعون في رياضات بعينها، كألعاب القوى مثلا. إنّها

(142)

إذن البيولوجيا العنصرية، التي تأسّست مبدئيًّا على فكرة إقصاء الأجناس البشريّة كلّها، وجعلها في خدمة الجنس الأبيض.

هاجم إيفانز أيضًا النزعات القائلة بأنّ الذكاء يكون وراثيًّا بنسبة كبيرة، كما أكّد على ذلك البريطاني روبرت بلومين (Robert J. Plomin) مثلًا[1]، بمعنى أنّ لذكاء شخص علاقة ببيولوجيّته[2]؛ وفي هذا الادّعاء تبرير للعنصرية الصارخة؛ لأنّ ارتفاع نسبة الذكاء أو انخفاضه تابع لعوامل كثيرة أخرى منها الوسط الاجتماعي والانتماء الاقتصادي. كما أنّ اختبارات الذكاء المعمول بها حاليًّا، لم تُثبت بعد جدارتها؛ لأنّ عمليات وسيرورات الذكاء -بمعنى مهارات يستطيع المرء القيام بها- معقّدة للغاية. فالإجابة عن التساؤلات الخاصّة بتكوين شخصيّاتنا، وما إذا كانت نتاج بيئتنا وتربيتنا أو أنّها تجسيد لموروثاتنا الجينيّة، لا تزال غامضة إلى اليوم، ولهذا السبب فإنّ هناك انقسامًا بشأنها.

لا يمكن مناقشة قضايا الأعراق دون مراعاة للتأثيرات الخفيّة والدقيقة للّغة والسياسة والعادات والدين والنظام الغذائي، وهي كلّها عوامل تُشكِّل جُلَّ ما يعتبره الكثير من الأوروبيين بأنّه اختلاف «عرقيّ». فجهلهم التامّ أو الجزئي بتاريخ الدول الأخرى وثقافاتها وبيئتها، لم يسمح لهم بأكثر من التأويل الذي وصلوا إليه للعرق، أي التأويل العنصري.

(143)

ويرى بلومين بأنّ المرء يرث شكله الجسدي وقوّته البدنيّة من والديه، تمامًا كما يرث طباعه وخصوصيّاته النفسيّة والعقليّة. بل يؤكّد بثقة زائدة على المعتاد، بأنّ الجينات هي التي تحدّد كلّ هذا: «المفتاح لفهم طبائعنا وشخصيّاتنا لا يرتبط بتربية أهلنا لنا، بل بما ورثناه بيولوجيًّا منهم: تحديدًا الجينات في حمضنا النووي»[1]. والخلاصة التي يصل إليها بلومين هي أنّ الشخص يرث 50 في المئة من قدراته العقليّة جينيًّا و50 في المئة تحدّدها البيئة والتربية. كما أنّه يُرجع هذه الأخيرة أيضًا إلى العوامل الجينيّة: «نعرف الآن أنّ الاختلافات في الحمض النووي (بين الأفراد) هي المصدر المنهجيّ الأساسيّ للاختلافات السيكولوجيّة بيننا. فالتأثيرات الاجتماعيّة مهمّة، لكن ما توصّلنا إليه في السنوات الأخيرة هو أنّ تلك التأثيرات عشوائيّة، غير منهجيّة وغير مستقرّة، ما يعني أنّنا غير قادرين على تغييرها أساسًا».

لا يخلو كتاب بلومين السالف الذكر من نفحةٍ سياسيّةٍ عنصريّةٍ تخدم الجناح اليميني العنصري، الذي يؤّكد على الموروث الجيني كعامل مهمّ في ذكاء الأفراد وشخصيّتهم. ومن نتائج هذا مثلًا هو دفاع اليمين على سياسة تعليميّة تقوم على مبدأ تعليم الأفضل جينيًّا وإهمال الأقلّ حظًّا في وراثة جينات جيّدة، أي ما يفوق الميز العنصري الأبرتهايد، ليعانق الأيديولوجية النازية، وما هذه الأخيرة في التاريخ البشري إلا نتيجة للسياسات اليمينيّة العنصريّة.

تُستغلّ البيولوجيا العنصريّة سياسيّا أيضًا، حتى وإن كان من

(144)

الصّعب بكثير التعرّف السريع على المدافعين عنها في عالم العلم البيولوجي حاليًّا؛ لأنّهم يختبئون وراء الكثير من الأمور، كحقّ التعدّد والاختلاف العلمي والتعبير عن الرأي وصياغة فرضيّات ومحاولة البرهنة عليها. والحصيلة هي أنّ ما يجب فهمه هو أنّ أصحاب نظريّات العلم «العنصري» لم يلتجئوا للعلم للبرهنة على عنصريّتهم، بل انطلقوا من عنصريّتهم ليبرهنوا على اختلاف الأجناس[1]، وبالتالي دعم أسس الأبرتهايد. وكما كان عليه الحال بالأمس، فإنّ الأمر يتعلّق في عصرنا هذا بالرغبة العميقة في الاستمرار في السيطرة على العالم من طرف البيض.

بواكر الأبارتهايد في فكر «الأنوار» الغربي

نلاحظ حاليًّا نهضة حقيقيّة للأنوار[2] عند العديد من مفكري أجنحة الوسط والمحافظين في الغرب[3]، ممن رجعوا إلى الحركات الفكرية للقرن السابع عشر والثامن عشر. ويؤكّد مثل هؤلاء المفكرين بأنّ تاريخ الأنوار يمشي بطريقة مستقيمة، ودون انعراجات، نحو التقدّم؛ دون أيّ نقد لا ظاهر ولا مضمر للويلات التي جاء بها أيضًا مثل الاستعمار والعنصرية. ذلك أنّ الغالبيّة العظمى من مثل هؤلاء

(145)

المفكرين يقبلون الاستعمار ولا يرون حرجًا في العنصرية. وبهذا يتمّ قطع الأنوار عن جذورها الثقافيّة والتاريخيّة الحقيقيّة، بل بفهمها كخطّ مستقيم للتقدّم والرفاهيّة يتمّ تشويه وجهها الحقيقي، الذي يتكوّن في الحقيقة من وجهين: وجه خير وآخر سيئ/شرير. ومن بين الثنائيّات الكثيرة لهذا الوجه هناك النداء للحريّة الفرديّة والليبراليّة في الأوطان الأوروبية، وفي الوقت نفسه ممارسة الاستعمار والاسترقاق في المستعمرات خارج أوروبا. وبهذا نلمس الوجه الحقيقي للأنوار الغربية، ليس لأنّها مرتبطة في الأساس بمركزيّة أوروبية واضحة، بل لأنّها إقصائيّة وإقليميّة، أي محدودة ثقافيًّا وجغرافيًّا، على الرغم من ادّعائها بأنّها كونيّة. ولا بدّ أن تفهم هذه الأخيرة، طبقًا لما سبق، كاستعمار، بما أنّ شعار الأوروبي الغربي كان هو «إيصال الآخرين" للتقدّم الصناعي والاقتصادي والاجتماعي والسياسي إلخ.

إنّ مُصطلح العرق كما نفهمه اليوم -أي كتصنيف بيولوجي يُحوِّل الفرق الفيزيقي إلى علاقة هيمنة- هو منتوج مباشر للأنوار. وظهرت العنصريّة، باعتبارها نظام اجتماعيّ سياسيّ مؤسّس على الهرميّة الدائمة، كمحاولة للقضاء على التناقض العميق بين إشعاع الأنوار والإبقاء على العبوديّة. ومن مسؤوليّة كلّ من يتغنّى بالأنوار ويروّج لها ألّا يغضّ الطرف عن تركيبتها الحقيقية ولا محاولة تعليل وجهها اللا إنساني.

ما يميّز العنصرية التي ظهرت في عصر الأنوار عن أنواع العنصريّة التي سبقتها في التاريخ البشري، هو تعليلها وتصنيفها علميّا للعنصرية، وتأكيدها على تفوّق الإنسان الأبيض عن كلّ البشر

(146)

الآخرين، ليُضاف هذا التصنيف إلى كلّ التعليلات الدينيّة والسياسيّة والفلسفيّة إلخ: «نضع جانبًا الترتيب الميتافيزيقي واللاهوتي للأشياء، ونفضّل وصفًا وتصنيفًا يُنظّم البشريّة طبقًا لمعايير جسديّة وعقليّة مُؤسّسة على «وقائع» مُلاحظة ودلائل تجريبيّة»[1].

من البديهيّات الساطعة الوضوح هو الغياب التام، ولربّما المقصود[2]، لتخصيص فلاسفة الأنوار والعصر الحديث دراسات جديّة لموضوع الاسترقاق والتمييز العنصري، في زمن عرف «تحوّلًا" كبيًرا في محاولات «عقلة" السلوك والواقع والابتعاد أكثر من إنسانيّة أكثر إنسانيّة. ولربما تصحّ هذه الملاحظة على الفلاسفة الغربيين المعاصرين، إلّا قلّة قليلة منهم: «خلال العقد الماضي، من كانون الثاني/يناير 2007 وحتى كانون الأوّل/ديسمبر 2016، نشرت خمس مجلات كبرى مقالات في تاريخ الفلسفة الحديثة المبكرة (دراسة أكسفورد في تاريخ الفلسفة الحديثة المبكرة، وأرشيف تاريخ الفلسفة، والمجلة البريطانية في تاريخ الفلسفة، ومجلة تاريخ الفلسفة، وتاريخ الفلسفة الفصلية) إذ نُشر نحو 990 مقال، 5 % فقط كانت العبودية موضوعها الرئيس»[3]. وترى كريس مينز بأنّ أحد أسباب هذا الغياب هو كون التطرّق للرّقّ لم يكن يتناسب مع ما كان

(147)

الأوروبي يعتقده عن العلم الحديث، بل استعمل المرء غطاء العلم والفلسفة لتبرير الاسترقاق. تمّ العمل على تبرير التمييز العنصري «علميًّا» (كما سبقت الإشارة إلى ذلك) لتثبيته سياسيًّا.

قفز المرء على نظريّة التسلسل الأحادي للبشريّة، القائل بأنّ كلّ البشر ينحدرون من آدم وحواء؛ ليؤكّد بمبرّرات واهية بأنّ هناك بشرًا -وبسبب ظروفهم البيئيّة والاجتماعيّة- انحطّوا في إنسانيّتهم وتخلّفوا في المجالات كلّها. والأخطر من هذا هو ظهور فكرة تعدّد أصول البشريّة، بمعنى كون البشر لا ينحدرون من الأصل نفسه: «استخدمت الأفكار عن تراتبيّة الفصائل البشريّة لتسويغ إساءة معاملة الأوروبيين للسكّان المحلّيين»[1]. وتستشهد الباحثة بنصّ لسسمان يقول فيه من بين ما يقوله: «لقد اخترع الأوروبيون مفهوم العرق لتبرير الاستعباد وسَمَّوْهُ علمًا»[2]. وفي كتابه «العقد العرقي»، يؤكّد تشارلز ميلز بأنّ البيض لا يعترفون إلا بالبيض مثلهم، ويصنّفون الأعراق الأخرى كلّها على أنّها غير «بيضاء»، غير كاملة في إنسانيّتهم، بالمقارنة مع البيض الكاملين. وبالتالي، يرى في هذا المنظور المبرّر الذي اختاره البيض لاسترقاق الآخرين[3].

(148)

فُهمت الحياة من طرف الكثير من فلاسفة التنوير كصراع أجناس متحضّرة ضدّ أجناس متخلّفة، مفترضين بذلك حتميّة التخلّف «البنيوي» لثقافات الشعوب غير الأوروبية، وبالتالي اختزال الإنسان إلى بعد مادي واحد يتم التعامل معه بلغة الأشياء.

في كتاب حديث بعنوان «الفلاسفة والعبودية»[1]، يتساءل جون بول دوغي عن «العلاقة التاريخيّة التي حافظت عليها الفلسفة من مؤسّسة العبودية». وإذا كان السؤال يؤكّد بأنّ للعبوديّة والعنصريّة، وبالتالي للأبارتهايد جذور عميقة في الفكر والثقافة الغربيين، فإنّه يظهر بما فيه الكفاية ازدواجيّة الخطاب الثقافي الغربي، وبالخصوص الإرث التنويري منه، اتّجاه ما أنتجه من مُثُل كالحريّة والمساوات وحقوق الأفراد إلخ. وعلى الرغم من أنّ المرء يعلّل الموقف الإيجابي للكثير من الفلاسفة والمفكرين الغربيين بكونهم أبناء عصرهم، وبأنّ العبوديّة كانت أمرًا يُمارس قانونيًّا، ومقبولةً من طرف عامّة الناس، فإنّ هذا الطرح تبريريّ أكثر منه بُرهانيّ؛ لأنّ هناك مفكرين آخرين رفضوا العبوديّة والاستعمار والعنصرية رفضًا قاطعًا وبحزم في الفترة التاريخية نفسها. هناك لا محالة ما يُمكن تسميته وجوهًا فلسفيّة حاولت عقلنة العبودية والعنصرية بأدوات فكريّة تنويريّة وحديثة ومعاصرة. وما يؤكّد هذا الطرح هو أنّ العقليّة العنصريّة قابعة في الفكر الغربي عامّة، المؤسّس والمقتنع بهرميّة الإنسانيّة، ويتجلّى ذلك بالخصوص في محاولة تبرير العنصرية والعبودية علميًّا، أي بمساعدة البيولوجيا، وما نظريّة الأعراق، إلا شاهد إثبات على ذلك.

(149)

بما أنّ الغربيين يعتبرون ثقافتهم إرثًا مباشرًا من الإغريق، فلا بأس أن نذكر بأنّ هناك توجهين أساسيين في إشكالية العبوديّة في تاريخ الفكر الغربي، نابعان من انشغال الفلاسفة الإغريق بالإشكاليّة السفسطائية المتسائلة ما إذا كانت العبودية أمرًا طبيعيًّا أم نتيجة اتّفاق بشريّ. ونتج عن الإشكالية ما نسميه «التوجّه الهرمي» و«توجّه المساوات». مَثَّل الاتّجاه الأوّل كلّا من أرسطو وأفلاطون، بينما مثل الاتّجاه الثاني الرواقيّة والأبيقوريّة والشكيّة والأفلاطونيّة المُحدثة، ولربّما إلى حدّ ما الفلسفة المسيحيّة، على الأقلّ بعض أقطابها. ويتمثّل الفرق الصارخ بين الاتّجاهين في تصوّرهما للإنسان عمومًا. فالتوجّه الهرمي يقدّم البشر في نوعين: أسياد وعبيد. ما يميّز الأسياد هو العقل، أمّا العبيد، فإنّهم لا يتمتّعون بعقل، ولهذا السبب، في نظرهم، يكونون مضطرّين للتبعيّة لأسيادهم. ونجد هذه الفكرة عند الكثير من آباء الكنيسة، مثل طوماس الأكويني كذلك. أمّا اتّجاه المساوات، فإنّه يعترف للبشر كلّهم بملكة العقل، التي يُحرم منها الحيوان. فالعقل إذن في هذا الاتّجاه عام وشامل عند البشر كلّهم.

إذا أردنا أن نفهم الصّلة الوثيقة بين العنصريّة والعبوديّة، اللبنتان الأساسيّتان لظهور الأبارتهايد في منتصف القرن العشرين كنظام حكم في جنوب إفريقيا، فلا بدّ أن نرجع إلى مصدر مهمّ آخر للفكر الغربي، ويتعلّق الأمر باليهوديّة والمسيحيّة. يعتبر القانون بالنسبة لليهودية، أي قانونهم الخاص، مصدر الأخلاق والتشريع. وهذا ما يؤدّي إلى عزل غير اليهود عن المجتمع اليهودي، بمعنى أنّ أصل العبوديّة هنا هو الدين اليهودي نفسه، وكلّ القوانين التي

(150)

فرضها على اليهود لكي لا يختلطون بالناس الآخرين، لأنّهم يؤمنون في أيديولوجيّة دينهم بتفضيل، بل باختيار الله لهم عن العالمين. وطبقًا للكثير من الباحثين[1]، فإنّ المسيحية ورثت التصوّر اليهودي للعبودية والميز العنصري. وبرهانهم على ذلك هو أنّ العبوديّة هي نتيجة «إجلاء» الإنسان من الجنّة من جهة ومن «لعنة كنعان»[2]. وهنا يُعوّض الخطأ، أو الخطيئة، الطبيعة كمصدر للعبودية. إذا انتبهنا جيّدًا إلى الأمر، فإنّنا نجد بأنّ اليهوديّة فيما يخصّ العبودية، تُزاوج الاتّجاه أو الفكر الهرمي والاتّجاه القانوني للعبودية. وما قامت به المسيحية بعد اليهودية هو أنّها، معتمدة على اليهودية من طبيعة الحال، هي إعادة استثمار فكرة «الطبيعة المخادعة» المطابقة لتصوّر هرمي للعالم. ويربط مثل هذا التصوّر العبد بسيّده ويسمح بالحرب «المشروعة» والحقّ في احتلال الآخرين واستعباد غير المسيحي وتعلّم العبد الخضوع والصبر في انتظار العالم السماوي، حيث لا وجود للعبودية. وهنا بالضبط نلمس بسهولة وبساطة الصلة بين الاسترقاق والعنصريّة التي مارستها الحركات الاستعمارية الأوروبية ابتداءً من القرن الخامس عشر الميلادي.

(151)

إذا سلّمنا بأنّ فلسفة الأنوار[1] كانت مشروعًا كونيًّا للاستقلال السياسي والأخلاقي والفكري للجماعات والأفراد، فإنّ العبوديّة تشكّل إذن عائقًا في وجهها، كان عليها مبدئيًّا إنهاءه. لكن، وبغضّ النّظر عن عدد ضئيلٍ من الفلاسفة الذين اشتغلوا على هذا الأمر والتزموا به، فإنّ الكثير من الفلاسفة إلى حدود القرن الثامن عشر لم ينشغل بموضوع إلغاء العبودية، في وقت ظهرت فيه نظريات تعلّل العبودية، كنظريّة الارتقاء الداروينيّة والتاريخانيّة. ذلك أنّ تطبيق الداروينيّة في الميدان الاجتماعي وطريقة تنظيمه في القرن التاسع عشر، أصبح بمثابة ذريعة لتقوية نظريات عدم المساوات التي تنتقل عن طريق الوراثة، وبالتالي عدم المساوات بين الأفراد والعروق. واحتفظت هذه النظريات على أشكال السيطرة على الآخرين من طرف الأوروبيين، كامتداد «طبيعي» للعبودية. يعني أنّنا نوجد هنا في صلب النظرية العنصرية، كإرهاص للأبارتهايد الصلب، الذي ظهر فيما بعد.

لعب تدوين التاريخ الحديث دورًا أساسيًّا، ليس فقط في المحافظة على العبودية في المستعمرات والدفاع عنها، بل في التأصيل لها انطلاقًا من التصوّر الارتقائي أيضًا. فقد عبّر المرء في تلك الحقبة على ضرورة وضع بشر أنفسهم رهن إشارة بشر آخرين، وخدمتهم تحت السوط والعمل الإجباري. فالأسياد الأحرار يتمتّعون بحريّة إبداعيّة، وينشغلون بالسياسة والثقافة والفن إلخ.

حاول ما يُسمّى «التنوير الأوروبي» تبرير الحركات الاستعماريّة

(152)

أيديولوجيًّا، متسبّبًا بذلك في «خلق» هويّة غربيّة، استبدلت فيها: «الفوقيّة الروحيّة والفوقيّة العرقيّة للإنسان الأبيض»[1]. وهذا أمر آمنت به غالبيّة المفكرين والفلاسفة التنويريين، بل ساهموا بدورهم في تبرير التدخّل الاستعماري والتحكّم في مصير شعوب أخرى بعيدة جغرافيًّا كلّ البعد عن الأوروبيين.

إنّ العنصرية ونبذ الآخر من طرف التنويريين والحداثيين الغربيين، وقبل أن تعبّر عن نفسها في سلوكات اجتماعيّة وسياسيّة واقتصاديّة إلخ، هي موقف فكريّ ونفسيّ، لإنسان «توهّم» أنّه محور العالم واعتبر الآخرين عبيدًا وخدمًا له، من واجبهم السهر على رفاهيّته الماديّة والمعنويّة، ومن واجبه التعامل معه كما يحلو له، في أيّ وقتٍ وأيّ مكان.

وفلسفة التمييز العنصري هي كلّ «تصوّر فكريّ ينطلق من الاعتقاد بتفوّق مجموعة بشريّة على غيرها ثقافيًّا وحضاريًّا بناءً على الاختلاف الجسماني كاللّون والشكل أو العرق، وينزع إلى تفسير الاختلافات الثقافيّة بين البشر من خلال إرجاعها إلى أسباب بيولوجية، موروثة وخارجة عن سيطرة الإنسان»[2].

ليس من حقّنا تعميم الحكم على الفلاسفة التنويريين كلّهم، للإنصاف، وتوخيًا للموضوعيّة كان هناك الكثير ممن كانوا ضدّ العنصريّة والاستعمار والاسترقاق. وإذ نثمّن مواقفهم وتشبّعهم

(153)

بمبادئ ناضلوا من أجلها طويلاً، إلّا أنّنا لن نُشير لهم هنا إلا قليلا؛ لأنّهم لا يدخلون في صلب موضوع دراستنا الحالية. ونظرًا للعدد الهائل لفلاسفة الأنوار والحداثة الذين اصطفّوا في مستنقع العنصريّة والعبوديّة والاستعمار، وبالتالي الأبارتهايد، فإنّنا سنكتفي فيما سيأتي بعيّنة تمثيليّة منهم فقط.

بذور العنصريّة في الفكر الفلسفي الغربي كلبنة للأبارتهايد

يؤكّد باتريك شبيت (Patrick Spنt) في نصّه: «العنصريّة المسكوت عنها للفلاسفة»[1] على عنصريّة عدد كبير من الفلاسفة والمفكرين الغربيين بمن فيهم عدد مهمّ لا يخطر على البال بأنّهم كانوا كذلك مثل كانط ولوثر وفولتير وهانا أرينت وألبيرت أينشتاين وغيرهم كثير. وإذا كانت اللائحة مرعبة لطولها، فإنّ الأكثر رعبًا هو أنّ المرء -المقصود هنا الغربيون- لم يتطرّق إلى هذه الظاهرة التي تفشّت بين الفلاسفة إلا نادرًا جدًا، بل لم تُقدّم دراسات جديّة في الموضوع، تسمح بإعادة النّظر في شبه «التقديس» الذي يحضَى به مثل هؤلاء الفلاسفة، على الرغم من أنّهم أخلاقيًّا بدفاعهم عن العنصريّة بشكل من الأشكال، حشروا أنفسهم من تلقاء أنفسهم في ثنائيّات متناقضة لا حصر لها في تحاليلهم.

يعتبر «المصلح الديني» مارتين لوثر (Martin Luther) (1483-1546) قِسَّ العنصريين الألمان، وبطريقة غير مباشرة، أحد مؤسّسي

(154)

الأبارتهايد الجنوب الإفريقي؛ لأنّ معاداته لليهود الألمان وغير الألمان ليس لها مثيل من رجل دين يُفترض فيه أن يبجّل خلق الله كيفما كانوا وأينما كانوا. هاجم اليهود في كتابه «عن اليهود وأكاذيبهم» (1543) [1]مؤكّدًا بإيمان أعمى فيما كان يقوله: «منذ 1400 سنة واليهود بلاؤنا ووباؤنا وكلّ مصائبنا». لنتمعّن هذا الحقد الدفين للوثر على اليهود، وهو حقد عنصريّ بارز ورثه هو نفسه من ثقافته الغربية، ولهذه العنصريّة علاقة مباشرة أو غير مباشرة بهجرة اليهود من الأندلس إلى مختلف الدول الأوروبية الأخرى، ومنها ألمانيا، بعد سقوط الأندلس (1492). ونلمس بوضوح أكثر وبحقد أكثر عنصريّة لوثر هذا عندما يضيف في مكان آخر من كتابه الآنف الذكر: «نعم، لأنّهم يسجنوننا في بلدنا، يُشغلوننا إلى حدود العرق، ويربحون المال والخيرات، يجلسون أمام مواقدهم بكسل وأُبَّهَة ويَشْوُون الإجاص، يعلفون ويَوْرِدُون، يعيشون في نعيم وعافية من خيرات كدّنا، أمسكوا بنا وببضائعنا من خلال الربا الملعون، يبصقون علينا ويسخرون من كوننا نعمل وهم كسالى [...] إنّهم أسيادنا ونحن خُدّامهم». كما طالب لوثر الأمراء البروتيستان كتابيًّا بحرق كلّ معابد اليهود وإتلاف منازلهم، وإجبارهم على السكن في الإسطبلات ك «الغجر»، وتجريدهم من كلّ ما يملكونه وفرض العمل الإجباري على شبابهم. وأفضل حلّ بالنسبة له كان هو إجلاءهم من ألمانيا: «لذلك يجب إجلاءهم دائمًا».

ليس على المرء أن يتفاجأ إذا علم بأنّ الأيديولوجيين النازيين مثل

(155)

ألفريد روزنبيرغ (Alfred Rosenberg) كانوا يرجعون باستمرار إلى فختيه (Fichte) (1762-1814). الذي يقول في نصّه «المساهمة في تصحيح أحكام الجمهور حول الثورة الفرنسية»: «تنتشر دولة معادية قويّة في جميع الدول الأوروبية تقريبًا، وهي في حالة حرب مستمرّة مع باقي الدول الأخرى، تضغط على المواطنين بطريقة شديدة الصعوبة في بعض الحالات؛ إنّها اليهودية. لا أعتقد ذلك، وآمل ألّا تقوم كدولة منفصلة ومترابطة جدًا، وبما أنّ هذه الدولة مبنيّة على كراهية الجنس البشري كلّه، فإنّها تصبح فظيعة للغاية»[1]. ويضيف: «قد يقول المرء عن اليهودي الذي يتحدّث عمَّا يترسّخ أمامه من تحصينات لا يمكن التغلّب عليها، بأنّه يخترق العدالة العامّة وحبّ والناس والحقيقة هو بطل وقديس. ولا أدري ما إذا كان مثله موجودًا أو قد يوجد. سأثق بالأمر عندما أراه. لكن لا يجب أن يبيع لي المرء المظهر الجميل كواقع [...]. يجب أن تكون لديهم حقوق الإنسان، سواء اعترفوا لنا بالشيء نفسه أم لا؛ لأنّهم بشر، وظلمهم لنا لا يسمح لنا أن نكون مثلهم [...] لكن لا أرى أي سبيل لمنحهم حقوقًا مدنيّة، سوى قطع رؤوسهم في ليلة واحدة ووضع رؤوس أخرى مكانها لا توجد فيها الفكرة اليهودية. لا أرى طريقة أخرى لحماية أنفسنا منهم سوى غزو أرضهم الموعودة وإرسالهم جميعًا إليها».

أمّا الموسيقار الألماني المشهور ريخار فاغنر (Richard Wagner) (1813-1883)، فقد خصّص مقالًا قائمًا بذاته، عبّر فيه على

(156)

عنصريّته اتّجاه اليهود «اليهودية في الموسيقى» (1850): «البغيض اللا إرادي الذي تمثّله شخصيّة ووجود اليهودي بالنسبة لنا»، ويضيف: وفقًا للوضع الحالي في هذا العالم، فإنّ اليهودي هو في الواقع أكثر من متحرّر: إنّه يُسيطر، وسيسيطر طالما ظلّ المال في السلطة، وأمامه يفقد كلّ ما نقوم به قوّته». ويخاطب اليهود بالقول: «لكن ضعوا في اعتباركم بأن شيئًا واحدًا فقط يمكنه أن يكون خلاصكم من اللعنة التي عليكم: وخلاص أهاسفيرس هو السقوط/الفناء». وفي رسالة من فاغنر إلى الملك لودفيغ الثاني بتاريخ 22 نونبر 1881 يقول: «إنّ الجنس اليهودي هو العدو الأصلي للإنسانية وكلّ ما هو نبيل فيها: من المؤكّد أنّنا نحن الألمان على وجه الخصوص سوف نُهلك على يدهم وربّما أنا كآخر ألماني وفنان أعرف كيف أحافظ على نفسي ضدّ اليهودية، التي تهيمن بالفعل على كلّ شيء».

كانت العنصريّة ضدّ اليهود جزءًا لا يتجزّأ من العنصرية التي رافقت الحركات الاستعمارية في أوروبا، لربّما لأنّ أصلهم غير أوروبي، بل تشتّتوا في جميع أنحاء العالم في حركات هجرة تاريخيّة، وبالتالي فإنّ وضعهم ووضعيّتهم -على الرغم من أنّ الكثير منهم كان يملك رأسمال كبير- لم تكن أحسن من السكان الأصليين في المستعمرات الأوروبية. قال عنهم غيورغ كريستوف ليختنبيرغ (Georg Christoph Lichtenberg) (1742-1799)، أحد من يُعتبر في الفضاء الثقافي والفكري والفلسفي الجرماني ممثلا «للأنوار»: «إنّ اليهودي هو مخادع جشع لا يشبع، تمتلكه تجارة عديمة الضمير وضعيفة العقل».

(157)

هناك من رأى بأنّ التيّار التجريبي في الفلسفة هو أكثر تلاؤمًا مع العنصرية، كريتشارد بوبكين؛ لأنّ هذا التيّار في نظره يرفض المكونات المشتركة والفطرية بين الناس، ويؤدّي هذا إلى خلق بيئة تجعل من الاختلاف بين البشر فروقات عنصريّة. بينما رأى آخرون، مثل جون رودجر سيرل، بأنّ العكس هو الصحيح، ذلك أنّ التيّار العقلي مؤسّس على عنصريّة واضحة، ولا أدلّ على ذلك طبقًا لبرهنته هي فلسفة ديكارت. أمّا ديفيد ثيو غولدبيرغ فإنّه يأتي على الأخضر واليابس، بتأكيده على أنّ العنصرية كامنة في روح وقلب التنوير الأوروبي، بجناحيه التجريبي والعقلاني. بل ذهب إلى أكثر من ذلك بقوله إنّ الليبرالية الحديثة، تحمل في ثناياها عنصرية حقيقية. أمّا الفرنسي «آرثر غوبينو»[1] (1816-1882) فكان يعتقد أنّ اختلاط الأعراق وتزاوجها هو السبب في انحطاط الحضارات، ويؤكّد على أنّ العرق الآري هو أرقى الأجناس البشرية. يُعتبر غوبينو بحقّ عميد المدرسة العرقية العنصرية الفرنسية، فقد قسّم في نظريّته الشعوب إلى ثلاثة أعراق: الأبيض القوقازي، الأسود الزنجي، الأصفر المنغولي. وكان يرى بأنّ العرق الأبيض يتمتّع بصفات متفوّقة مثل الذكاء والسمو الأخلاقي والإرادة. وهذه الخصال الموروثة أبًا عن جد، في نظره، هي التي ساعدت الغرب على بسط سيطرته على العالم. أمّا السود فإنّهم يحتلّون في نظره مرتبة دنيا ودونيّة، بسبب غياب قدرات عقليّة عندهم ويقتربون من مرتبة الحيوان لافتقارهم للقيم الأخلاقيّة.

(158)

 

 

 

 

 

 

الفصل الخامس

الأبارتهايد عند فلاسفة الحداثة

 

(159)

إيمانويل كانط والعقل العنصري

من بين الفلاسفة الألمان الذين لم يستفيدوا ممّا نظّروا له في نظريّة المعرفة وفي فلسفة الأخلاق هناك إيمانويل كانط، الذي لم يبخل على الثقافة العنصريّة الغربيّة بشيء، بل هو واحد من بين آخرين دعوا إلى تصنيف البشر طبقًا لمعايير عرقيّة، أي تصوّر هرميّ للإنسانيّة: كان المعيار الذي اختاره في تقسيم الأجناس هو معيار اللّون أساسًا، معتبرًا البيض أكثر ذكاءً وقدرةً على بناء الحضارات. وخصّص للّون الأصفر الدرجة الثانية وكانت الدرجة الثالثة عنده للزنوج، وتتبعهم كلّ الأجناس الأخرى؛ مع تأكيده على أنّ الهنود الحمر يحتلّون الدرجة السفلى، معتبرًا إيّاهم أسوأ جنس وهم عنده أقلّ تطوّرًا وذكاءً. وبربطه مسألة العرق بالقدرة على التفكير، انزلق كانط انزلاقًا إلى هاوية العنصريّة المُدبَّرة، تمامًا كديفيد هيوم، الذي كان متأكّدًا بأنّ السود وكلّ الأعراق الأخرى هم بالفطرة أدنى من البيض. يقول كانط: «إنّ الإنسانيّة في كمالها الأكبر هي الجنس الأبيض. فالهنود الصُفر يمتلكون موهبة أقل. ويعتبر السود أقلّ درجة والأقل درجة هي شعوب أميركا [...] لا يتوفّر سود إفريقيا طبيعيًّا على مشاعر تتجاوز مشاعر الأحمق».

كان كانط من بين المعادين لليهود أيضًا. فقد كان اليهود يمثّلون في نظره: «أمّة من المخادعين/المحتالين» و«مصّاصي دماء المجتمع». كما افترض كانط بأنّ اليهود «ضعفاء عقليًّا ومعرفيًّا».

(160)

ولهذا السبب لم يتردّد في تحديد الدين الأخلاقي الخالص: «إنّ القتل الرحيم لليهوديّة هو الدين الأخلاقي الخالص»، بمعنى أنّه تجاوز مقت اليهود كبشر ليشمل مقته هذا اليهودية كدين.

من مظاهر العنصريّة عند كانط نسجّل النظرة الدونيّة التي كان يحملها عن الفيلسوف الصيني كونفوشيوس، متهكّما بكون الكونفوشيوسيّة لم تضف أيّ شيء في الأخلاق، ودليله على ذلك غياب كلّ مفاهيم الفضيلة والأخلاق في عقول الصينيين. أكثر من هذا أنكر بالمرّة وجود الفلسفة في عموم الشرق؛ وهي فكرة كانت سائدة عند الكثير من الفلاسفة الغربيين، الذين حصروا أصل التفكير الفلسفي في الإغريق. واستمرّ هذا الاعتقاد إلى الوقت المعاصر مع دريدا مثلا، الذي قال مرّة وهو في الصين بأنّ لا فلسفة في هذا البلد، بل فقط أفكار، مؤكّدًا على أنّ الفلسفة لا توجد إلا في أوروبا، وهي مرتبطة في نظره بتاريخها ولغتها وإرثها اليوناني. الشيء نفسه نلمسه عند برتراند راسل وجورج برنارد شو وحتى بعض الساسة المعاصرين كتشرشل و فرانكلين روزفلت.

يقول كانط في كتابه الأنثروبولوجيا: «ينضج الرجال في البلدان الحارّة بسرعة من جميع النواحي، لكنّهم لا يصلون إلى كمال المناطق المعتدلة. تصل الإنسانية أكبر كمال في العرق الأبيض. يمتلك الهنود الصُفر موهبة أقل. ويوجد الزنوج في مرتبة أقلّ». ولا يكتفي كانط بهذا فقط، بل يقول بأنّ البيض: «يملكون كلّ دوافع الطبيعة في المشاعر والعواطف وكل الاستعدادات للثقافة والحضارة وباستطاعتهم الطاعة بسرعة عوض الحكم. إنّهم الوحيدون الذين

(161)

يتقمدّون للكمال». وتمثل مثل هذه المواقف الفكريّة أساسًا جوهريًّا من أسس التفكير الفلسفي والأخلاقي لكانط[1].

هيغل وروح العنصريّة

أكّد هيغل على أنّ العمل من شأنه أن يحرّر البشر، لكنّه استثنى هذا في حالة العبودية، لأنّها تنتمي في نظره إلى ميدان فرض العمل والخضوع. وبهذا لا نتفاجأ بعنصريّته، بل نلمس في تفكيره في هذا الإطار بصمات واضحة لمعلّمه كانط. يقول: «ليس للأسد مكان في حبّة الجوز وليس للروح اللا نهائيّة مكان في زنزانة روح يهوديّة». وفي «فينومونلوجية الروح» (1807)[2]، أكثر مؤلّفات هيغل متابعة وقراءة، لم يتورّع هيغل في التعبير عن عنصريّته الواضحة ضدّ اليهود بقوله مثلا: «إنّ مصير الشعب اليهودي هو مصير ماكبث (Macbeths) الذي جاء من الطبيعة نفسها، وفي تشبّثه بالكائنات الأخرى وخدمتهم داس وقتل كلّ شيء مقدّس في الطبيعة الإنسانية تخلت عنه آلهته في الأخير وكان لا بدّ أن يحطّم في إيمانه».

من بين الأمور التي كانت تُزعج غوتي في هيغل هناك النظرة الدونيّة لهذا الأخير لغير الجرمانيين[3]، أي فكر الإقصاء. فباسم فكرة الجدليّة الذي يجمع الشيء ونقيضه، تنتج نزعة إقصائيّة اتّجاه

(162)

الوجود والطبيعة والأشياء. بل يبني هيغل فكرة الهويّة على ضرورة إقصاء الآخر ولا توجد غيريّة أو أنا إلا وفيها إقصاء.

في غمار حديثه عن القارة الأميركية يرى هيغل (1770-1831) بأنّ العالم المعروف حاليًّا هو عالم حديث فيزيائيًّا/جيولوجيًّا، وهكذا يُقصي أميركا القديمة من الوجود، وحتى وإن افترض المرء وجودها، فإنّ مصيرها هو الزوال عندما تلتقي بأوروبا في نظره؛ لأنّه: «لم يبقَ إلا القليل من سلالاتهم» و«إنّ الوداعةَ والنقصَ في العفويّة والوضاعة مع خضوعٍ حسير، هذه هي الخاصيّة الرئيسيّة للأميركيين (السكان الأصليين) ويجب الانتظار طويلاً حتى يستطيع الأوربيون أن يمنحوهم قليلاً من الكرامة الشخصيّة. إنَّ أمرَ دونيّة هؤلاء الأفراد في كلّ الأحوال، حتى بالنسبة لقاماتهم، ظاهرٌ كلّ الظهور».

لم يكن حظّ الأفارقة في تصوّر هيغل أفضل من الهنود الحمر: «إنّ الرجل الإفريقي يمثّل الرجل الطبيعي بكلّ وحشيّته ونزقه. إذا أردنا فهمه، يجب تناسي كلّ طرائق رؤيتنا للأشياء نحن الأوربيين. يجب ألا نفكر لا في إلهٍ روحيٍّ ولا في قانونٍ أخلاقيٍّ، يجب تعليق كلّ احترامٍ وكلّ أخلاقٍ لما نسمّيه مشاعر. كلّ ذلك ينقص الإنسان (الإفريقي)، الذي ما زال في مرحلةٍ خامٍ، لا يمكن أن نجد في طبعه ما يمكن أن يذكّرنا بالإنسان». ولتبرير استرقاق المستعمرين للأفارقة يزعم بأن العبودية هي خاصيّة إفريقية: «في كلِّ الممالك الإفريقيّة المعروفة تُشكّل العبوديّة مؤسّسةً محليّةً وهي تطغى بشكلٍ طبيعيٍّ». بل يؤكّد بأنّ استرقاق الأوروبيين للأفارقة أفضل لهم من البقاء في إفريقيتهم: «مع ذلك فمصيرهم في بلدانهم الأصليّة أنكى وأشدّ

(163)

بسبب وجود عبوديّةٍ مطلقةٍ أيضًا»[1]. فأصل العبودية في منطقه آت من إفريقيا، وأصل استعباد الإفريقي قابع في الإفريقي نفسه. إنه ضرب مباشر لإنسانيّة الإفريقي: «يمثل الزنجي الإنسان الطبيعي في كلّ وحشيّته وبربريّته [...] لا يوجد في هذه الشخصيّة أي شيء بشري/إنساني يمكن العثور عليه». أما القارة الإفريقية فليست عنده إلا: «بلد الأطفال الذي يوجد ما وراء يوم القصص الواعية، الملفوفة باللّون الأسود ليلاً [...] ما يميّز الزنوج هو أنّه لم يُلاحظ بعد في وعيهم بأنّه وصل إلى أي موضوعيّة ثابتة».

أمّا سكان شمال إفريقيا الأصليّون (الأمازيغ) فإنّهم لا يملكون أيّة هويّة في نظره، بل يعتبرون في تاريخهم الطويل مواطنين من الدرجة الثانية؛ لأنّهم استعمروا من طرف قوى كثيرة على الدوام. ينفي عنهم كلّ هويّة خاصّة، لأنّهم استُعمروا على مرّ تاريخهم من طرف أمم أخرى: الفينيقيون، الرومانيون، البيزنطيون، العرب والأتراك.

تاريخ العالم في التصوّر الهيغلي هو مسارٌ تُكافح فيه الرّوح لكي تصل إلى وعي ذاتها، وكلّ مرحلةٍ من مراحل سَيْرِها تمثّل درجةً من الحريّة. تبدأ المرحلة الأولى في العالم الشرقي: الصين والهند وفارس ومصر. وكلّ ما عرفه الشرق هو أنّ الحريّة منحصرةٌ في شخصٍ واحدٍ وهو الحاكم، أمّا المواطنون فهم جميعاً عبيد لهذا الحاكم.

(164)

وتمثّل الحضارة اليونانيّة والرومانيّة المرحلة الثانية في نظره، بحيث اتّسع نطاق الحريّة فيها حسب ظنّه، وأصبح الآخرون، أي باقي الشعوب الأخرى «متوحّشون» أو «همجٌ»، واستُعبدوا كأسرى الحرب تحت هذه الذريعة. أمّا الأمم الجرمانيّة فقد كانت في نظر هيغل، بتأثير المسيحيّة (اللوثيرية)، أوّل الأمم التي تصل إلى الوعي بأنّ الإنسان بما هو إنسانٌ حرٌّ، وأنّ حريّة الرّوح هي التي تؤلّف ماهيّته. وظهر هذا الشعور أوّل ما ظهر في الدين، المكان الذي يمثّل أعمق منطقةٍ للروح، حسب هيغل.

يقسّم هيغل العالم الشرقي تقسيمًا ثلاثيًّا، الصين ثم الهند وأخيرًا فارس، ويلحق مصر بالإمبراطوريّة الفارسيّة لتكون الجسر الذي تعبر عليه الرّوح إلى العالم اليوناني. الصين عند هيغل هي النموذج الأوّل الذي تتحرّك فيه الروح في رحلتها الطويلة عبر التاريخ لكي تتحرّر من الطبيعة، وكان وجودها خارجيًّا فالمبدأ الذي يحكمها هو المبدأ الأبيسي البطريركي.

تصل عنصريّة هيغل أوجها في قوله: «إنّ القدر المحتوم للإمبراطوريات الآسيويّة أن تخضع للأوروبيّة، وسوف تضطرّ الصين في يومٍ من الأيام أن تستسلم لهذا المصير». ولا عجب في ذلك لأنّ العالم الشرقي في نظره لم يعرف أنّ الإنسان بما هو إنسانٌ حرٌّ؛ لأنّ الحريّة محصورةٌ في شخصٍ واحدٍ هو الحاكم. أمّا الحضارة الغربيّة، وبالخصوص الشعوب الجرمانيّة، فإنها عرفت -بفضل المسيحيّة في نظره- أنّ الإنسان كإنسان حرٌّ. وهذا ما يُلمس عندما يتحدّث عن المصريين: «كانوا أطفالًا أقوياء ممتلئين بطاقةٍ

(165)

خلاّقةٍ، لا يحتاجون إلى شيءٍ سوى الفهم الواضح لأنفسهم في صورةٍ مثاليّةٍ لكي يصبحوا شبابًا».

لا يُنَظّم هيغل الشعوب والثقافات انطلاقًا من تتبّعٍ موضوعيٍّ لتقدّم الفكر في الزمن، بل انطلاقًا من نظرةٍ تحدّد الغرب باعتباره غاية التطوّر ومنتهى طريق التقدّم. وبهذا يُخرج كلّ القارات الأخرى من حركة التاريخ[1]. يعتبر الشرق بالنسبة لهيغل في «محاضرات في فلسفة التاريخ»، نقيض الغرب، ويتميّز عنده بـ: «اللاعقلانيّة والطفوليّة والاستبداد والأنثويّة والتخلّق والعنف والوحشيّة».

ماركس-إنجليز والرأسمال العنصري

أكّد عددٌ كبير من المفكّرين، في شرق الكوكب الأرضي وغربه، جنوبه وشماله بأنّ ماركس وإنجلز كانا في الواقع من أصحاب النزعة المركزية الأوروبية. ولا يقتصر هذا التأكيد على اليمينيين والمدافعين على الرأسمالية، بل يشاركهم فيه منتمون للتيّارات النقديّة، الذين يضيفون بأنّ الماركسية تمتلك جوانب سلطويّة بفرضها لرؤية أوروبيّة على المجتمعات غير الأوروبية، بل شجّعت بطرق مختلفة وواضحة الحركات الاستعمارية والإمبريالية للأوروبيين.

من المتداول أنّ ماركس ركّز عمله أساسًا على ثنائيّة «العمل-رأس المال» داخل المجتمعات الأوروبية الغربية وأميركا الشمالية. وإلى جانب هذا اهتمّ بما يُسمّى عبثًا دراسة المجتمعات غير الغربية

(166)

وتحليلها. ذلك أنّ عددًا مهمًّا من هذه النصوص يظهر قدرًا مهمًّا من النظرة الأحادية لسيرورة التطوّر التاريخي، مع نفحة عنصرية واضحة المعالم.

نظر ماركس وإنجلز عام 1848 للمجتمع الرأسمالي وتناقضاته الأساسيّة في «البيان الشيوعي». وقراءة أوليّة للبيان يترك الانطباع قويًّا بأّن التطوّر الاجتماعي الذي اقترحاه يسير في طريق مسدود، أحادي الجانب، يتضمّن ما يكفي من العنصريّة اتّجاه دول عديدة، ومنها بالخصوص الصين «الأكثر بربرية» كما قالا، وضرورة استعمارها لإلحاقها بالحداثة الغربية. وفي مقالات أخرى لماركس في جريدة «دا تريبون» عام 1853 وسّع تصوّره العنصري ليضمّ الهند، مادحًا استعمار بريطانيا للهند؛ لأنّ ذلك سيساعد على القضاء على النظام التقليدي الهندي الذي كان يعتبر متخلّفًا وهرميًّا طائفيًّا، ستاتيكيًّا لا يتغيّر وكسولًا. وفي هذا السياق اعتبر الهند مجتمعًا دون تاريخ، باستثناء تاريخ من استحوذ عليها من عرب وإنجليز. ولم يجازف إدوارد سعيد الصواب عندما اعتبر نصوص ماركس لعام 1853 معرفة استشراقية بعقليّة استعمارية لا أقل ولا أكثر.

ويتبنّى مثل هذا التفكير الاستشراقي أسطورة الطبائع الثابتة للأمم والشعوب بشكل كامل. وما يميّزها عن بعضها في نظره هي درجة تفوّقها ورقيّها وتحضّرها، ولهذا السبب أقرّت الماركسيّة بأنّ شعوب الشرق الأسيوي استبداديّة ومُستبدّة، في حين أنّ شعوب غرب أوروبا هي شعوب «ديمقراطيّة». وإذا كنّا نؤكّد على تعبير غرب أوروبا، فلأنّ الماركسيّة كانت تعتبر شرق أوروبا، بما فيها

(167)

روسيا، شعوبًا إقطاعيّة فلاحيّة لم ترقَ بعد إلى مستوى الشعوب «الصناعية» في غرب القارة الأوروبية.

من الهلوسات والأساطير التي ورثها جزء من النخبة المثقّفة العربيّة بعد الحرب العالمية الثانية كان هناك وهم كون الماركسية كانت تساند حركات التحرّر والاستقلال في دول العالم الثالث، ومنها الدول العربية. والواقع هو أنّ إنجليز وماركس، كانا عكس هذا كلّه، بشهادة الكثير من النصوص لهما. فقد كانت معرفتهما بتاريخ الشعوب التي كتبا عنها سطحيّة وغير كافية لإطلاق مجموعة من الأحكام البخسة والتحقيريّة على ملايين البشر خارج أوروبا الغربية. وإذا سلّمنا بهذا، يكون التساؤل حول الدوافع التي حفّزتهما على إطلاق أحكام شبه قطعيّة على شعوب وثقافات لم يكونا يعرفانها إلا قليلا؟ ولعلّ الجواب يكمن في كون نظارات المركزية الأوروبية والإحساس الدفين باحتقار كلّ ما هو غير غربي، أي عنصرية بيّنة، كانا وراء هذه الأحكام. والحال أنّ هذا الأمر كان مع هيغل ومونتسكيو، ولربّما ورثت الماركسية هذا الميل العنصري منهما. يشعر المرء وهو يتصفّح كتاب إنجلز «أصل العائلة والملكيّة الخاصّة والدولة» أمام «أنا» جرماني منفجر لقوّة أعداده بنفسه، ويتأكّد هذا الشعور عندما يقرّ ادّعائه بأنّ الألمان يمثّلون «فرعًا آريًّا كثير المواهب»، صابغًا هذا القول بصباغة «علميّة ماديّة»، مفسّرًا هذا التفوّق بكون الألمان «يتوفّرون على غذاء وافر مكوّن من اللحوم والحليب».

(168)

عام 1882 زار كارل ماركس الجزائر[1] حيث قضى ثلاثة شهور تقريبًا، لم يختلط فيها مع الجزائريين؛ لأنّه كان يحتقرهم ولا يرى فيهم إلا بشرًا متخلّفين، كلّ ما يتقنونه في نظره هو السرقة والكسل. كان يؤيّد السياسة الاستعمارية الفرنسية وتعاملها الوحشي مع الجزائريين، ولم يتضامن لا علنًا ولا سرًّا مع مختلف حركات المقاومة فيها، وهو الذي كان يوهم بأنّه مع حركات تحرّر العالم الثالث. وخير دليل على ذلك ما قاله عن ثورة «بوعمامة»، التي عايشها عن قرب وهو هنالك. يقول في رسالة إلى إنجليز من الجزائر بتاريخ 18 أبريل 1882: «يجب أن أذكر لك هنا مقلبًا دبّرته السلطة الفرنسيّة ضدّ لصّ مسكين وقاتل محترف من العرب. ففي اللّحظة الأخيرة التي يسمّيها اللندنيون الخبثاء لحظة الانطلاق نحو الأبدية، اكتشف بأنّه سوف لن يعدم رميًا بالرصاص، وإنّما سيقطع رأسه بالمقصلة! نقضًا للتعهّد! فقطعوا رأسه رغم التعهّد المسبق. ولم ينته الأمر عند هذا الحدّ: فقد كان أهله ينتظرون من الفرنسيين إعادة رأس القتيل، مثلما كان مألوفًا بعد الصّلب، لكي يخيط الأهل الرأس على الجذع ثانية، فيتسنّى لهم دفنه بجسد كامل. لكن الفرنسيون لم يحقّقوا رغبتهم، فصار الأهل يبكون ويقذفون بالشتائم، ثم ثارت ثائرتهم تمامًا. غير أنّ السلطة الفرنسية قطعت الرأس عن الجسّد بالتمام والكمال. والآن إذا ما ذهب الجذع إلى الجنّة، فإنّ محمّدًا سيسأله: أين أضعت رأسك؟ أو من ذا الذي فصل رأسك عن جذعك؟ إنّك غير أهل لدخول الجنّة، فلتذهب طعمًا سائغًا لكلاب

(169)

المسيحيين، وهكذا كان الأهل يولولون وينتحبون». هذه هي إذن قمّة تضامن الماركسية مع ثورات الشعوب المستعمرة، حيث يصبح الثوّار لصوصًا وقتلة، وتُصبح الجريمة الشنعاء للمستعمر «مقلبًا»، يسلّي ويُضحك أصحاب «الرأسمال العنصري». وتكفي هذه الرسالة لتوثيق جهل ماركس الفادح بمصير بوعمامة رغم تواجده وقتها بالجزائر. فقد كتبت جرائد فرنسيّة عديدة عن حادثة بوعمامة مثل «الأخبار»، «لوبتي كولون» و«مونيتور»، ذلك أنّ بوعمامة أنهى حياته في المغرب ولم يعدم. فدفاع ماركس عن قضايا البروليتاريا لا يتعدّى حدود العمال والفلاحة الأوروبيين.

كانت الماركسية تؤيّد الاحتلال الفرنسي للجزائر، تحت ذريعة حمل نبراس الحضارة إلى شعب بربري وهمجي. وفي مقالة «عبد القادر» يقول إنجلز: «وإذا كان من الممكن أن نأسف على ما أصاب الحريّة من دمار، فلا يجوز أن ننسى أن أولئك البدو أنفسهم هم شعب من اللصوص، وسائلهم الرئيسية للعيش هي غزو بعضهم بعضا، أو غزو القرويين الحضر، ناهبين ما يجدونه [...] إنّ جميع شعوب البربر الأحرار هؤلاء يبدون للناظر من بعيد في غاية العزّة والنبل والبهاء، ولكن ما عليك إلا أن تقترب منهم حتى تكتشف أنّ الشّره إلى الكسب هو دافعهم ومحرّكهم، مثلهم مثل الأمم الأكثر تحضّرًا، كل ما في الأمر أنّهم يلجأون إلى وسائل أكثر فجاجة وفظاظة»[1]. ويقول بخصوص ملابسات أسر الأمير عبد

(170)

القادر: «إن رأينا، بالإجمال، هو أنّه من حسن الحظ الكبير أن يكون الزعيم العربي قد أسر. فقد كان صراع البدو بلا أمل، وعلى الرغم من أنّ الكيفيّة التي أدار بها الحرب جنود أفظاظ من أمثال بوجو تستحقّ الإدانة الشديدة، فإنّ فتح الجزائر واقعة مهمّة وموائمة لتقدّم الحضارة»[1]. وفي موضع آخر يدافع عن الاستعمار بحجّة التحسّن الاقتصادي الذي شهدته البلاد فيقول: «يقال إنّ التجارة شهدت تطوّرًا مرموقًا منذ الاحتلال الفرنسي، وتقدّر الواردات بحوالي 22 مليون دولار، وتتألّف هذه الواردات بوجه الخصوص من القطن والأصواف والحرائر... الخ».

اعتبر ماركس وإنجلز التاريخ حقبًا متتابعةً تتّبع النّظام نفسه في المجتمعات كلّها، وذهبا إلى أنّ الغرب وحده هو الذي سيصل إلى الحقبة الأخيرة (العلميّة أو الاشتراكيّة) وأنّ على بقيّة العالم أن تلحق به. وبهذا يُلحقان تاريخ البشريّة كلّه إلى الغرب، ويُطالبان باتّباعه من طرف الأمم الأخرى؛ لأنّه في نظرهما نموذج يُحتذى. وعوض استخدام مصطلح «التصنيع» في حديثهما عن بلدان مثل الهند والصين، استعملا مصطلح «التغريب»، وهو مصطلح لا يعني «الاستلاب Entfremdung»، بل يعني «أوْرَبَة» الدول الأخرى إن صحّ التعبير؛ ويحمل هذا آثارًا واضحةً للمصادقة على استعمار الدول الأخرى من طرف أوروبا الغربية؛ لأنّ ذلك هو ثمن التحديث

(171)

في نظرهما ودخول العصر الصناعي. ولم يكن هناك أيّ مشكل عندهما لاستعمار البلدان الضعيفة من طرف الأوروبيين، لأنّهما كانا يحملان نظرةً دونيّةً عنصريّةً واضحةً اتّجاه الشعوب الأخرى، ولم يكن لهما أيّ مشكل مع الهيمنة والسيطرة الإمبريالية الغربية، بل أيّدا استعمار أمم أخرى كما فعل إنجلز بوضوح بتأييده استعمار الجزائر من طرف الفرنسيين، وتأييد ماركس لاستعمار الهند من طرف أنجلترا. وقد عاصرا حركات التحرّر التي اندلعت في إفريقيا والهند وأمريكا الوسطى ضدّ الإمبريالية، ولم تكن مواقفهما داعمة لتحرّر الشعوب، بل كانت على عكس ذلك تمامًا. بل حتى عندما بدأت حركات التحرّر، تجاهلاها بالمرّة ولم يتطرّقا لها لا في قصاصاتهم الصحفية ولا في كتب قائمة بذاتها، فقد مرت عندهما ثورة هايتي مثلا (1804) مر الكرام، وكانت أول ثورة ناجحة للسود وأحفادهم. كما أنّهما تجاهلا بالمرّة، وهما الصحفيان «الكبيران» في جرائد غربية عدّة، حركات التحرّر في جنوب إفريقيا والسودان وغينيا إلخ.

نظر إنجلز وماركس إلى العبودية في الأميركيتين كفائض للقيمة، بمعنى أنّ السود يُنتجون فائض قيمة تصبّ في المجتمع الرأسمالي. ويعلّلان وجود العبوديّة بكونها أحد الأسس المهمّة للنّمو الصناعي الغربي الحديث، وظهور طبقة العمال أصحاب الأجور في الغرب. ومن غرابة التفكير الماركسي-الإنجليزي، بل «اغترابه»، هو توهّمها بأنّ الرّق في الأميركيتين كان يساهم في قفزة التطوّر النوعيّة التي حقّقها العالم الغربي في التاريخ البشري، فالاسترقاق في تصوّر إنجلز هو: «أحد مرتكزات الصناعة البرجوازية، تمامًا كالآلات إلخ،

(172)

فبدون الرّق لا يمكن الحصول على القطن، وبدون قطن لا توجد صناعة حديثة». وبهذا تظهر العبودية عنده كفئة اقتصادية قائمة بذاتها.

كما تشير إلى ذلك الباحثة الألمانية مارلينا فسبر[1]، فإنّ خلاصة رحلة ماركس إلى الجزائر لم تخلُ من شعور بالتفوّق تجاه «القضيّة الشرقية» برمّتها. ولعلّ قصّة «الخنجر الجزائري» الذي أهداه ماركس لرفيقه إنجلز أقوى دليل على الإنتاج المستمر للعقلية الاستشراقية. ففي رسالة له، يحذّر ماركس صديقه إنجلز من خطورة المسلمين الذين لا يتردّدون في الإجهاز على كلّ وافد عليهم بدعوى أنّه «كافر يستوجب ذبحه بخنجر حالاً».

ب. عنصرية فولتير والروح الفرنسيّة

كان فولتير من المدافعين عن الفكرة القائلة بأنّ هناك أصولًا مختلفة للإنسان، وهي الفكرة التي ظهرت في القرن الثامن عشر وتعمّمت في القرن التاسع عشر. كانت ضدّ التصوّر الذي كانت تعطيه الكنيسة عن أصل واحد للإنسان، بداية من آدم وحواء. كما أشرنا إلى ذلك سابقًا، فإنّ فكرة تعدّد أصول الإنسان (le polygénisme) هي التي بُنيت عليها ثقافة العنصريّة بصفة عامّة. وفي هذا الإطار كان فولتير مدافعًا صلبًا على تفوّق البيض ابتداء من 1756، مبرّرًا العبودية دون اللّجوء إلى أيّ غطاء، حتى وإن كان قد حاول، ثلاثة سنوات فيما بعد، التراجع عن تبريره

(173)

هذا في كتابه «الصريح Candide» في قصّة «زنجي سورينام le nègre de Surinam». لكنّه يبقى تراجعًا غير مفهوم، لم يُبرّره، ولم يعتذر عن مواقفه العنصريّة السابقة. وهذا ما يترك المجال مفتوحًا للاعتقاد، وخاصّة بالطريقة التي كتب بها قصة هذا الزنجي، بأنّه قام بالتراجع المشار إليه أعلاه لأسباب مُبهمة.

استعرض فولتير في كتابه «رسالة في الميتافيزيقا Traité de métaphysique» (1734) أفكاره المتعلّقة بتعدّد أصول الإنسان، محاولًا التموضع بين من دافع عن هذه الفكرة انطلاقًا من حُدُوس فلسفيّة، مطبوعة بمجادلات قويّة؛ ومَنْ دَافَع عنها مُتشبّعًا باهتمام تصنيفي، كان يُميّز الأنثروبولوجيا التنويرية. تم الرجوع من قبل فولتير إلى علم النبات، للبرهنة على أنّ البشر لا ينحدرون من أصل واحد: فالبشر يشبهون الأشجار: «فالإجاص والتنوب والبلوط والمشمش لا تأتي من الشجرة نفسها»، والشيء نفسه ينطبق على البشر: «فالبيض الملتحون والسود الذين يلبسون الصوف والصُّفر الذين يلبسون قماش الدوم والناس غير الملتحين لا يأتون من الرجل نفسه». من هنا منطلق دفاع فولتير على البيض: «يظهر بأنّهم أسمى من الزنوج، كسمو الزنوج على القردة، والقردة أسمى من المحار والحيوانات الأخرى من هذا النوع».

تظهر النزعة العنصرية بجلاء عند فولتير في ما اعْتُبِر حجر من حجارة فلسفة الأنوار «مقال عن أخلاق وروح الأمم l’Essai sur les mœurs et l’esprit des nations» (1756)، حيث أكّد مرّات عديدة على أنّ الفروق الفيزيقيّة والعقليّة والأخلاقيّة بين البشر، لا يمكن أن

(174)

تأتي إلا من اختلاف أصولهم. وبقدر ما دافع عن هذا الموقف، فإنّه رفض فكرة أخرى -عنصريّة أيضًا- تقول بأنّ سبب الفرق بين البشر هو المناخ حيث يعيشون. بالنسبة لفولتير فإنّ الأصناف البشريّة غير قابلة للتغيير على الإطلاق ولا تنحدر من زوج واحد (آدم وحواء)، وبرهانه على ذلك أن الزنجي الذي يتزوّج بزنجيّة يُنجبان زنجيّا، مهما اختلف المناخ حيث يعيشان. في عماه العنصري هذا، وفي محاولة منه لتعميق فكرة اختلاف البشر، يقول في كتابه الآنف الذكر: «لا يصحّ إلا للأعمى الشكّ في كون البيض والزنوج والأمهق والهوتينتوس والليبون والصنيون والأميركيون هم أجناس مختلفة تمامًا. لا يوجد هناك مسافر مُتعلّم مرّ على لِيدَا ولم يرَ شبكة الغشاء المخاطي (reticulum mucosum) لزنجيّ ما، التي شَرَّحَهَا رايش الشهير. وقد نقل بيير الكبير ما تبقّى من هذا الغشاء إلى متحف الأشياء النادرة بستالينغراد. إنّ هذا الغشاء أسود، وهو الذي يُعطي للسود سوادهم المتأصّل، الذي لا يفقدونه إلا بسبب الأمراض التي قد تمزق نسيج هذا الغشاء، وتسمح للشحم الذي يفلت من خلاياه بإعطاء بقع بيضاء تحت الجلد». ويتابع واصفا الزنوج بطريقة غير معتادة، مليئة -ليس فقط بالعنصرية، بل بالحقد الدفين-: «إنّ عيونهم المستديرة وأنفهم المنفوخ وشفاههم الكبيرة دائمًا وبروز آذانهم بشكل مختلف وشعر رؤوسهم ومقدار ذكائهم حتى، يضع بينهم وبين الأجناس البشرية الأخرى اختلافات كبيرة. وما يُبرهن على أنّ هذا الاختلاف غير مرتبط بالمناخ، هو أن الزنوج والزنجيات المُنَقَّلُون إلى بلدان أكثر برودة يستمرّون في إنجاب حيوانات من

(175)

فصيلتهم، وما الهجين إلا جنس من أبناء الزنا يولد من ارتباط زنجي وبيضاء، أو من أبيض وزنجية». لا يكتفي فولتير بإعلان عنصريته الصارخة، بل يؤكّد بأنّه ليس ضدّ تجارة الرقّ أيضًا: «إنّ الأمهقين [مفرد أمهق: إ. المؤلف] هو شعب صغير جدًا ونادر جدًّا، يعيشون وسط إفريقيا: لا يسمح لهم ضعفهم بالابتعاد عن الأكواخ التي يسكنون فيها، ومع ذلك فإنّ الزنوج يقبضون عليهم بعض المرّات، ونشتريهم منهم من باب الفضول». واستعار منه مدافعين آخرين عن تعدّد أصل البشرية شرح القرب بين الأجناس البشرية السفلى والقردة، بحيث اعتبر أنّ هناك إمكانيّة لتلاقحهما، وهو الذي يُعتبر «فيلسوف التسامح» في عصر الأنوار.

اهتمّ فولتير أيّما اهتمام بالسود في الجزء الثاني من كتابه «مقال عن أخلاق وروح الأمم». اعتبر بأنّهم الأبعد فيزيقيًّا عن الكمال الجسدي للبيض، تمامًا كما أنّهم الأدنى عقليًّا وأخلاقًا: «يمكننا القول إذا كان ذكاؤهم من نوع آخر من غير فهمنا، فإنّه أدنى بكثير: لا يستطيعون التركيز كثيرًا ولا يركبون كثيرًا، ويبدو بأنّهم لا يصبّون لا في مصلحة ولا في انتهاكاتنا الفلسفية. هم من هذا الجزء من إفريقيا كالفيلة والقردة [...] يعتقدون بأنّهم وُلدوا لِيَتِّم بيعهم للبيض قصد خدمتهم». وكسابقه أرسطو، فإنّ فولتير وجد في نظريّة تعدّد أصول البشرية المناسبة لتبرير العبودية بالرجوع إلى الطبيعة. وبهذا المنطق الإقصائي، فإنّ الزنجي، هو في نظره أدنى من الأبيض، وبهذا يُصبح منطقيًّا عبدًا لهذا الأخير ودون انتفاضة ولا ثورة.

كان فولتير رجل مال، تمامًا كما كان رجل أدب وثقافة،

(176)

وكان يحلو له اعتبار نفسه «الفيلسوف التاجر»[1]. بل كانت التجارة الاستعمارية جزءًا مهمًّا من دخله. وقال عنه أوليفيي بارلي: «بورجوازي جيّد يتوقّع كلّ شيء، كان يملك حصصًا بِمدينة نَانْتْ الفرنسية في شركة مونتودوان (Montaudoin)، أكبر مالك لسفينة الرقيق في ذلك الوقت»[2]. وعلى الرغم من أنّ المدافعين على فولتير يُعزون هذا الاعتقاد إلى إشاعات نشرها أوجين فيلمان ومن بعده شارل لوفافاسور[3]، فإنّ كتابات فولتير نفسه، لا تسمح البتّة بتبرئته. لقد كانت مدينة نانت (Nantes) عاصمة تجارة الرّق في القرن الثامن عشر. وإذا كان المرء سائحًا بهذه المدينة وبيده كُتيب المرشد السياحي لها، فبإمكانه أن يقرأ إلى اليوم التالي: «[...] لفولتير المعروف بفطنته التجارية خمسة ألف جنيه من سفينة عبيد نانتية»[4]. إضافة إلى هذا لم يكن من الصدفة أن سمى جون غابريال مونطودوين مول اتوش (Jean-Gabriel Montaudouin de La

(177)

Touche) سفينة من سفنه عام 1768 باسم «فولتير»، وهي سفينة كانت تنقل العبيد، بل راكمت عائلته ثروتها من تجارة الرقيق. ويؤكّد عدم اعتراض فولتير على هذه التسمية، بل شكره عليها[1].

كانت تجارة الرقيق النشاط الاقتصادي الرئيس لـ«شركة الهند الشرقية"[2]، بحيث كانت تمتلك ما يناهز 190 سفينة في القرن الثامن عشر[3]. ورث فولتير «ثلاثة أسهم» لهذه الشركة واكتتب في قروضها بين 1746 و1749، كما تؤكّد على ذلك شهادات معاصرة. ويُعدّ هذا تأكيدًا إضافيًّا بأنّ فولتير كان على دراية بمصدر المال الذي ورثه وعلى وعي تام بالمال الذي وظّفه في شركة رقيق. وهذا ما تؤكّده دراسات حديثة[4]. ومن بين الرحلات التجارية الثلاث للرقيق لسفينة

(178)

القديس جورج (Saint-Georges) بين 1748 و1767، وهي سفينة كانت تمتلكها شركة جيل فورنيي (Gilly-Fornier)، استثمر فولتير حوالي 1000 جنيه، وهذا أمر نكتشفه في الخطاب الذي أرسله لمدير بنكه[1].

كفاعل تجاري، وبالتالي اقتصادي، لا يلمس المرء أيّ رفض لفولتير لممارسة تجارة الرّق ولم يعارضها ولم يكن له أي موقف فلسفي ضدّها بنقدها ورفضها القاطع. لربّما يؤاخذنا المرء بأنّنا نحكم عليه انطلاقًا من «أخلاقيات» عصرنا، وبأنّه هو أيضًا كان ابن عصره، ولربّما ضحيّة زمانه فيما يخصّ العبودية[2]. لكن لا يشفع له هذا من التأكيد على أنّه مارس تجارة الرّق بوعي تام، بل لم تساعده فلسفته وفكره في مقاومتها والنداء إلى إلغاء قوانين الرق، كفلاسفة ومفكرين كُثُر في زمانه[3]. والغريب أنّ الكتب المدرسية الفرنسيّة مستمرّة إلى حدّ الآن في تقديمه كأكبر فلاسفة الأنوار وتوهم صغارها بأنّه كان ضدّ الرق، وهذا تشويه إرادي للتاريخ، وكذب على الأجيال الصاعدة، بل إلباس الباطل عباءة الحق. والنص المعني بالأمر هنا هو «الزنجي من سوريمان le nègre du Surinam»، يدرسه الطلاب الذين يرغبون في الحصول على شهادة إنهاء التعليم الثانوي بفرنسا

(179)

(باكالوريا)، ويُشرح لهم كقمّة فنّ خطابة فولتير؛ لأنّه لجأ إلى تقنية السخرية ليوضّح رفضه للعبودية، في الوقت الذي نعتبر هذا النّص عنصريّة صارخة لفولتير ودفاعًا على الاسترقاق.

ركّزنا، بل اخترنا فولتير، كنموذج للمفكرين الفرنسيين العنصريين؛ لأنّه يُعتبر في تاريخ الأفكار في فرنسا من أيقونات فكر التنوير، وقال عنه هوغو: «إن فولتير، ولنقل هذا بسرور وحزن، هو الروح الفرنسية» (فيكتور هوغو، شكسبير).

ج. جون لوك تاجر الرق

في محاولة منه للقضاء على «الأبيسية/ الأبوية»، وهدمًا لـ «الحق الإلهي للملوك»[1] لفلمر، يظهر جون لوك وكأنّه منظّرًا للحريّة وضدّ الاسترقاق؛ لأنّ طريقة برهنته في هذا الإطار توحي بذلك. ومن بين ما انتقده لوك في كتاب فلمر هو أنّه رأى بأنّ الأبيسية تعني من بين ما تعنيه استعباد المواطن من طرف الملك، ومن هنا عبارته الشهيرة: «الاستعباد حالة بئيسة وبغيضة للإنسان». ولا يسمح بالاسترقاق إلا في حالة وحيدة، تتمثّل في الحرب العادلة، أي عندما يكون بلد مستهدف ومُهاجم من طرف بلد آخر، للاستحواذ عليه وسلبه حرّيته. وحصر الاستعباد في العسكريين المقاتلين في الجبهة ومن يساعدهم.

لا داعي للتذكير بأنّ جون لوك كان من بين أهمّ المفكرين الليبراليين القدامى، ممن دافعوا على «الحقوق الطبيعية» للأفراد، وهي حقوق حسرت في الحرية والملكية الخاصّة والحق في الحياة.

(180)

لكن عندما نقترب قليلًا من تفكيره الخاص بالعبودية والاستعمار، فإنّنا نكتشف ذاك الوجه المقرف لمفكر يقول ما لا يفعله، وفي أكثر تقدير كانت «حقوقه الطبيعية» محصورة على الإنسان الأوروبي من دون غيره. كفولتير، كان لوك من المستثمرين في تجارة الرقيق والمدافعين على الاستعمار. فالعبيد الذين كان يعيش جزئيًّا من الاستثمار في تجارتهم، لم يصبحوا عبيدًا جرّاء حرب عادلة شاركوا فيها ضدّ دولة ذات سيادة، بل هم بشر هاجمهم الأوروبيون في عقر ديارهم وأخرجوهم منها، ناقلين إيّاهم في «سفن العار» إلى أوروبا أو إلى الأميركيتين لبيعهم.

لا يمكن ولا يجب ولا يحقّ لكلّ مفكر حرّ ومسؤول تبرير أو محاولة تبرير تناقض جون وأمثاله من المفكرين بين ما كتبوه وما اقترفوه، كيفما كان نوع هذا التبرير. فقد كانوا خونة لفكرهم وأصالتهم وللجنس البشري عامة، وبالخصوص لأبناء قومهم. فقد لعب لوك دورًا مهمًّا في التنظير لنظام العبودية في المستعمرات الإنجليزية بأميركا الشمالية. وبهذا ساهم في ترسيخ ورسم وترسيم وشرعنة العبودية. وُكلت للوك مسؤوليّة تعديل المادّة 101 وهي من المواد الأساسية لنص «الدساتير الأساسية لكارولاينا» الأميركية[1]. وكانت المادّة تقول: «يتمتّع كلّ رجل حرّ في كارولاينا بسلطة مطلقة على عبده الزنجي في غير ما يخص الدين والرأي». أصبحت: «بسلطة مطلقة» «بسلطة وقوّة مطلقة» عند لوك، شارحًا «القوّة»

(181)

بكون السيد يتمتّع بالحق في قتل عبده، ولا يجوز تجريم السيد إن قام بالفعل بفعل القتل.

لنلاحظ أنّ ما تبقّى من المادة، يعني ذاك الذي يستثني حريّة التديّن، يوحي أو على الأصح يوهم ظاهريًّا بأنّ الأمر يتعلّق بـ «احترام حريّة العبد الدينيّة»، لكنّه في جوهره يعكس علاقة الصراع بين الكنيسة ومُلاك العبيد، وهو صراع كان قائمًا في حالة ما اعتنق العبد المسيحية. وبهذا قام لوك بتسوية هذا الصراع على أساس يُرضي الطرفين: للمالك حقّ مطلق، بما في ذلك حقّ الحياة والموت على عبده؛ وللكنيسة الحقّ في تبشير العبيد وإدخالهم للمسيحية. يعني قام بتسوية تواطئ السيد والكنيسة على العبد، فحتى إن اعتنق هذا الأخير المسيحيّة، فإنّه لا ينجو لا من العبودية ولا من التصفية الجسدية إن أراد ذلك سيّده؛ لأنّ له عليه سلطة وقوّة مطلقة. ولكي يُجذّر فكره الإقصائي للعبد استغلّ لوك نصوصًا من الكتاب المقدّس للمسيحيين، مستشهدًا ببعض نصوصه التي لا ترى أية حريّة للعبد، بعد دخوله للمسيحية.

العرقية، الإثنية، القومية الفيبيرية والعنصرية

يُعدّ ماكس فيبر (Max Weber) (1964 – 1920) -الأخ الأكبر لألفريد فيبر (1868-1958)، من أوائل المفكرين السوسيولوجيين والسياسيين. خلَّف نصوصًا كثيرةً، أثرت إلى اليوم في ميادين اشتغاله، على الرغم من وجود خط رابط بينها يتمثل في اهتمامه الخاصّ بالداروينية وبمواقفه الواضحة من القوميّة الألمانية.

(182)

في أوّل محاضرة له بجامعة فرايبورغ، حيث اشتغل كأستاذ للاقتصاد الوطني لمدّة سنتين، جلب على نفسه بلبلة كبيرة في الأوساط السياسية للدولة بنصّه: «الدولة الوطنية وسياسة الاقتصاد الشعبي» (13 ماي 1895). فقد استقبل المدافعون على السياسة الاستعمارية الألمانية هذه المحاضرة بالكثير من الحماس: "إنّ السياسة الاقتصادية لدولة ألمانية، وكذلك معيار القيمة لمنظّر الاقتصاد الألماني لا يمكن أن يكون إلا لألمانيا (...) ما علينا تركه لأحفادنا ليس هو السلام والسعادة، ولكن النضال الأبدي من أجل الحفاظ على نمطنا الوطني والتربية عليه. ويجب ألا ننغمس في موقف متفائل مفاده أنّنا بمستوى التطوّر العالي لثقافتنا الاقتصادية نكون قد أنجزنا المهمّة والاختيار في الصراعات الاقتصادية الحرّة و«السلمية» سيساعد تلقائيًّا النوع الأكثر تطوّرًا على الفوز. لن يحملنا أحفادنا مسؤوليّة التاريخ بسبب نوع التنظيم الاقتصادي الذي نتركه لهم، لكن بسبب حجم مساحة الكوع التي نكتسبها ونتركها وراءنا في العالم. وصراعات القوة هي في نهاية المطاف عمليات تنمية اقتصادية، التي تعتبر مصالح السلطة الوطنية، والمصالح النهائية والحاسمة التي يجب على سياستها الاقتصادية الخضوع لها. إن علم السياسة الاقتصادية هو علم سياسي. إنه خادم للسياسة، ليس السياسة اليومية للحكام والطبقات المسيطرة، ولكن المصالح السياسية الدائمة للأمة»[1]

لعلّ هذا المقتطف القصير من محاضرة فيبر لا يشي بكلّ شيء

(183)

عنه، حتى وإن كان أمر دفاعه على توسيع المستعمرات الألمانية واضحًا. وعلى الرغم من أنّ العنصرية مرتبطة مباشرة بالاستعمار والنظرة الدونية للأوربيين للشعوب الأخرى، فإنّ عنصرية فيبر لا تفصح عن نفسها إلا إذا علمنا بأنّ الخلفية الفكرية التي كان يستعملها هي أيديولوجية قائمة بذاتها. فقد كان عضوًا في «جمعية السياسة الاجتماعية» ابتداء من أواخر 1880 وفي المؤتمر الاجتماعي الإنجيلي، بمعنى أنه كان مُنغمسًا في أيديولوجيّة ثنائيّة القطب: ضدّ الليبرالية على الطريقة البريطانية وضدّ الاشتراكية في صيغتها الماركسية. إلى جانب هذا، كانت هذه الأيديولوجية تدعو لإعادة الاعتبار للكلونيالية الألمانية، وأيّدت بحماس «قانون الأسطول التوسعي 1899/1900». منهجيًّا، فكر ماكس فيبر بدأ في نوع من الاستعمار الداخلي للأقاليم الألمانية الشرقية، بما فيها بولندا التي كانت «مستعمرة» من طرف ألمانيا. فقد كان مديرًا لدراسة سوسيولوجيّة بهدف فهم الوضع واقتراح حلول له. وكانت النتيجة العامة لدراسته، التي نشرها عام 1892، في أكثر من 900 صفحة، هي تعرية وجهه العنصري الحقيقي اتّجاه الفلّاحين الصغار، الذين كانوا في أغلبهم فقراء وأصحاب دخل محدود جدًا. ما كان يهابه هو أن تلتحق جحافل هؤلاء الضعفاء بالمدن وتنظم إلى البروليتاريا وتقويها، وبالتالي تقوي الاشتراكية الديمقراطية، ذات المنحنى الماركسي أنذاك. وكان اقتراحة هو استعمار تلك المناطق. وتتجلّى عنصريّته هنا في تصوّره للفلّاح، بل للفقراء على العموم وللطبقة العاملة بالخصوص، إن اعتبرنا بأنّ مصطلح البروليتاريا يعني هذه

(184)

الطبقة. أضف إلى ذلك موقفه من هجرة البولنديين الفقراء إلى وسط ألمانيا للعيش والعمل، وهو موقف عنصري واضح. فقد نصح بإغلاق الحدود الشرقية مع بولندا وروسيا وإلحاق ما يمكن إلحاقه من المناطق الحدودية هذه لألمانيا، في عملية قد نسميها «الاستعمار الداخلي»، بشراء الدولة الألمانية للأراضي هنالك وكرائها للفلاحين الألمان الكبار. والمصطلحان العنصريان أيديولوجيًّا اللذان استعملهما للتعبير عن هذا الاستعمار الداخلي هما: «الجرمانية Deutschtum» و«ثقافة Kultur»، مع الإشارة بأنّه كان يعتبرهما متطابقان، كما أكّد على ذلك عام 1894 في جلسات «مفاوضات الرابطة الألمانية حول المسألة البولندية»، التي كان يحضرها بصفة رسمية. بروح وطنية مركزية عنصرية، كان فيبر يرى بأنّ «الجرمانية» مهدّدة على الحدود الروسية البولندية وعلى السلطات الألمانية أخذ الأمر محلّ الجدّ قبل أن تُعوض بـ «السلافية»، كما قال في نص له[1]. هناك نوع من العماء الأيديولوجي المغلّف بعنصرية مبطنة وظاهرة اتّجاه البولنديين عند ماكس فيبر، كان يمرّرها تحت ذريعة الخوف على الثقافة الجرمانية من التدنيس من طرف «نصف الجرمانيين»، كما سمى البولنديين في محاضرة له عام 1893 في يوم دراسة «لجمعية السياسة الاجتماعية» ومتابعتهم الهجرة إلى داخل ألمانيا: «تحرك أسراب الرُّحل الشرقيين» الذين، بـ«بطونهم المختلفة البناء»، قاموا «بتخفيض ثقافتنا إلى مستوى ثقافة شرقية عميقة». من

(185)

وجهة نظر ثقافية «فإنّ «استيراد البولنديين» أكثر خطورة حتى من استيراد حمالي البضائع الصينية: «لأنّ عمّالنا الألمان لا يندمجون مع الحَمَّالة، لكنّهم يفعلون ذلك مع نصف الجرمانيين البولنديين في شرق بلادنا»[1]. تظهر مخالب العنصرية الفيبيرية بكلّ وضوح في هذا النص من تحت عباءة «خوفه على الثقافة الجرمانية»، التي تُعتبر في نظره هنا أفضل من الثقافة البولندية ومن الثقافة الصينية.

هناك الكثير من تعابير هيتلر في كرهه للبولنديين في كتابه «كفاحي» (1923) ذات نفحة فيبيرية واضحة. ذلك أنّهم كانوا عند فيبر، بالإضافة بالإضافة إلى اعتبارهم دونيين، خطرًا على الثقافة الجرمانية ومن واجب الدولة وقف هذا الخطر: «يكسب الفلاح البولندي الصغير المزيد من الأرض (السلطة) لأنّه، إذا جاز التعبير، يأكل العشب من الأرض، ليس على الرغم من ذلك، ولكن بسبب عاداته الجسدية والعقلية العميقة»[2]، يعني المتخلّفة بكلمات صريحة.

العنصرية الأينشتاينية الخالية من النسبية

قام ألبيرت أينشتاين رفقة زوجته إلزا (Elsa) بين أكتوبر 1922 ومارس 1923 برحلة إلى الشرق الأقصى والشرق الأوسط. وكغالبية الأوروبيين، دوّن يومياته عن البلدان التي زارها، ظلّت ضمن مذكراته الشخصيّة إلى أن نشرتها دار نشر جامعة برينستون تحت عنوان «مذكرات آينشتاين عن رحلاته إلى آسيا وفلسطين وإسبانيا

(186)

بين عامي 1922-1923»[1]. وتكشف تدويناته هذه الوجه الآخر له، لا علاقة له بالوجه الذي يعرفه عليه العالم كمناهض سابق للنازية وللعنصرية في أميركا، التي كان يعتبرها: «مرض متفشٍّ عند البيض».

كانت بداية رحلة أينشتاين من إسبانيا التي راقته كثيرًا، وبالخصوص مدينة طليطلة (Toledo) الأندلسية، ثم حطّ رحاله في الشرق الأوسط. زار سيلان (سيرلانكا الحالية) والصين واليابان، وخّصص للصينيين الجزء الأكبر من مذكّراته، معتبرًا إيّاهم شعب: «كادح لكنّه قذر ومنبوذ». كما اعتبر من صادفهم في ميناء بورسعيد المصري: «وكأنّهم تدفقوا جميعاً من جهنّم» وهم حسب تعبيره: «شرقيون قذرون». ولم ينج سكان سريلانكا (زار عاصمتها كولومبو) من أحكام دونيّة وعنصريّة واصفًا طريقة عيشهم هكذا: «السكان المحليون وسط قذارة وروائح كريهة»، واصفًا إيّاهم بالكسل والتواكل: «لا يعملون كثيراً واحتياجاتهم قليلة».

اعتبر أطفال الصين مجموعة كائنات: «فاقدة الإحساس وبليدة» واعتبر الصينيين: «أمّة شبيهة بالقطيع». ولم تنج المرأة الصينية كذلك من نظراته العنصرية الحادة، بل صبّ عليها كلّ وابل مشاعره المعادية للمرأة، باعتبارها لا تختلف في بنيتها الجسدية عن الرجل الصيني، أي أنّها لا تتوفّر على أي جمال يُذكر، وبأنّها لا توجد إلا للإنجاب[2]. بل لم يحترم أينشتاين حتى كرامة الموتى في الصين،

(187)

عندما شاهد موكب جنازة صينية بشنغاي، معتبرًا إيّاها ممارسة وحشية: «بالنسبة لمذاقنا (الأوروبي)، حيث تعج الشوارع بالمشاة». ودَوَّنَ بعد جولته في شانغاي التالي: «حتى أولئك الذين نزلوا إلى مرتبة الخيول لا يعطون أبدًا انطباعًا واضحًا بأنهم يتألمون. إنّهم شعب قطيع، غالبًا ما تكون لهم بطون منتفخة محترمة وعضلاتهم جيدة دائمًا، وغالبًا ما يُشبهون الآلات أكثر منه البشر». كما أنّ كثرة إنجاب الصينيين أزعجه إلى حدّ الخوف: «سيكون من المؤسف أن يحلّ الصينيون محلّ الأجناس الأخرى. بالنسبة لأمثالنا، فإنّ مجرّد التفكير في ذلك يثير الكآبة». كما أنّه نفى على الصينيين أية قدرة على التعلم والعلم: إنّ «الصينيين غير مؤهلين للتفكير المنطقي، ولا يملكون أية موهبة في علم الرياضيات تحديداً».

وعلى الرغم من أنّه تحدث عن اليابان وكأنّه كان مكلفًا بتحضير وصلة إشهارية لها: «لا يمكن للشخص إلا أن يحبّ اليابان» و«كلّ ما يضرب بجذوره في أطناب هذه الحضارة رائع ومبهج»، إلا أنّه حرمها في أحكامه المسبقة، كالصين، من ملكة المعرفة والعلم: «الاحتياجات الفكرية لهذا الشعب تبدو أقلّ من احتياجاته الفنيّة - تصرّف طبيعي؟»، بل يُحذِّر من «خيانتهم المختبئة وراء مظاهر ودهم: «ابتساماتهم تحمل الكثير من الود، لكن لا أحد يستطيع أن يدرك كنه المشاعر الكامنة وراء تلك الابتسامات». هناك دعوة شبه علنية في مثل هذا القول في التعامل مع اليابانيين بكلّ حيطة وحذر، لأنهم

(188)

قادرون، طبقا له، على إخفاء خبثهم وشرهم في ابتسامات مُحتَشمة. ولا يهمّ هنا، كيف يمكن للمرء تأويل مثل هذه التقارير عن شعوب أخرى، فالأهم من ذلك هو تسجيل «رهبة» غربي عنصري كأينشتاين من كل ما لا يعرفه، وترك فتيل الكراهية والأحكام المسبقة تشتعل في الوعي، بعدما كانت مختبئة تحت رماد شخصية علمية عالمية.

إذا أضفنا عنصريّة أينشتاين إلى صهيونيّته المعلن عليها، وهذه الأخيرة هي أكثر من عنصرية، إنّها أبارتهايد حقيقي، فإنّ الرؤية تتّضح أكثر لعالم فيزياء حصل على «جائزة نوبل» في تخصّص، في السنة نفسها التي «جاد» فيها وعيه بميولاته العنصرية اتجاه غير الأوروبي. كانت زيارته لفلسطين في هذه الرحلة دعمًا قويًّا للحركة الصهيونيّة في بدايات تأسيسها، وقد زار فلسطين على الرغم من نصيحة حاييم وايزمان، رئيس المنظمة الصهيونية العالمية آنذاك: «ليس هناك من ضرورة قصوى للتوقّف في فلسطين»، وكان قد توصّل وهو ببرلين قبل بداية رحلته بدعوة من رئيس مكتب فلسطين آرثور رابين لزيارة فلسطين. والظاهر أنّه لم يلتقِ بسكان فلسطين الأصليين، التي كانت مُحتلّة من طرف بريطانيا، بل فقط بصهاينة مثله، قال عنهم في زيارته لتل أبيب بأنه عاين: «جهد ومثابرة اليهود وعملهم الهائل» في كلّ القطاعات الحية بالبلاد. ففلسطين هي أرض البدايات الجديدة في نظر أينشتاين، ولم يجد حرجًا في مدح المستوطنات الاستعمارية التي «تعج بأفراد مثيرين للإعجاب، خاصة الروس، والحياة اليهودية المفعمة بالنشاط، والدأب من أجل التوصل إلى الحالة الاجتماعية المثالية، والصلابة في مواجهة الملاريا والجوع».

(189)

بشهادة زئيف روزنكانز (Ze‘ev Rosencranz)، مترجم وناشر مذكرات أينشتاين، وهو صهيوني مُقتنع يشتغل كمساعد لمدير مشروع أبحاث أينشتاين في معهد كاليفورنيا بأميركا[1]، فإنّ هذه المذكرات تتناقض والصورة العامة «للأيقونة» أينشتاين. والخطير في الأمر هو أن أينشتاين لم يكن يريد نشر هذه المذكرات، لا في حياته ولا بعد مماته، يعني إخضاعها إلى عملية حجر واع لكي لا يمسّ بسمعته وشهرته العالمية. وكمحاولة تعليل عنصرية أينشتاين، يورد روزنكانز فيما معناه أنّه كان ضحيّة الرأي العام الغربي فيما يخصّ تمثل الصينيين بالخصوص: «يبدو من الواضح أن أينشتاين قد صدَّق ما يُقال عن الخطر الأصفر»، دون أن يعفيه من تحمّل مسؤوليته فيما قاله عنهم: «أعتقد أن الكثير من التعليقات التي قالها تبدو لنا سيئة وخاصّة فيما يتعلّق بالصينيين». «إن مذكرات آينشتاين حول الأصل البيولوجي للنقص الفكري المزعوم لليابانيين والصينيين وكذلك الهنود يمكن بالتأكيد اعتبارها عنصرية. والمقاطع التي يتم فيها تصوير الشعوب الأخرى على أنها أقل من الناحية البيولوجية هي السمة المميزة للعنصرية». ويضيف في حوار آخر له[2]: «انتشرت الآراء العنصرية على نطاق واسع [...] ولم يكن أينشتاين استثناءً: فقد آمن العديد من المثقفين والعلماء بعدم المساواة العرقية - بما في ذلك الأسماء الشهيرة مثل إيمانويل كانط وكارل ماركس وفولتير. ولكن كانت هناك أيضًا آراء أخرى: آراء علماء الاجتماع

(190)

مثل الأميركي الألماني فرانز بواس أو الأميركي الإفريقي دبليو. أنت W.E.B. Du Bois [...] كانت في رأسه تصوّرات عن الشرق الأقصى، ترجع إلى شبابه عندما كان يقرأ كتبًا عن البلدان الغريبة.

وكان موقف شاندا بريسكود، العالمة والناشطة الحقوقية، من أينشتاين أشدّ وضوحًا؛ لأنّها وجدت بأنّ تدوينات أينشتاين: «صادمة ومخيبة للآمال [...] فالنجاح العلمي لا يعني النجاح الاجتماعي، حيث قد يحمل الأوّل (النجاح العلمي) العنصرية في طياته». وعلقت الجريدة البريطانية على هذه المذكرات بقولها: «يكشف نشر اليوميات الخاصة، التي يصف فيها ألبرت أينشتاين انطباعاته وتجاربه عن رحلته إلى آسيا في عشرينيات القرن العشرين، عن المواقف العنصرية... للشخص المعروف كنموذج للمواقف الإنسانية. وأظهر هذه المواقف اتجاه الصينيين بشكل خاص».

على الرغم من أنّ مذكرات أينشتاين لا تُدرج في إطار أدب الرحلات بمعناه الاصطلاحي الدقيق، إلّا أنّها تحمل في طيّاتها كلّ مقوّمات وأسس، بل أهداف، أدب الرحلات الغربي لنهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، بنزعته الاستعمارية ونظرته الدونية للشعوب الأخرى. أكثر من هذا، وطبقًا لناشر هذه المذكرات، فإنّ «آراء» أينشتاين فيها تنتمي وتغذّي أيديولوجية عنصرية واضحة، على الرغم من أنّه لم يقضِ إلا وقتًا قصيرًا في البلدان التي زارها: «قضى حوالي خمسة أسابيع ونصف في اليابان، في الوقت الذي قضى فيه أربعة أيّام فقط في الصين»[1]. يعني بعد خمسة أيّام في

(191)

الصين مثلا كان بإمكانه التعبير بسرعة عن عمق عنصريّته اتّجاه هذا الشعب، سرعة حلّه لمعادلاته الرياضيّة.

سارتر، العنصرية أو العدم

من أصعب المفكرين الغربيين في طريقة كتابته وأسلوبه والاشتغال على النصوص كان هناك سارتر. وهذه الصعوبة تزيد الطين بلّة عندما يريد المرء التنقيب في فكره هذا على بصمات العنصرية والمركزية الغربية؛ لأنّ الأمر يتعدّى الوصف والتعليق على ما في نصوصه المختلفة من تصوّر دوني للإفريقي والأميركي الجنوبي، بالاعتماد على مقاربة تحليليّة تذهب إلى عمق هذه النصوص ولا تقف على قشرتها. لربّما يتزعزع الكثير من العرب من أماكنهم ممن اشتغلوا على سارتر واعتبروه «قمة» الفكر الوجودي، المناهض للإمبريالية والعنصرية عندما يعلمون بأنّه، وككلّ الفكر الغربي منذ التنوير، مُمرَّغ في ثنائية فكرية، ولربّما عاطفيّة اتّجاه الآخر. وهذا ما خَبِره العرب في مواقف سارتر من القضية الفلسطينية ودعمه للصهيونية العنصرية، التي شكرته على مواقفه اتّجاهها بمنحه شهادة دكتوراه من جامعة من جامعاتها، وقبوله لهذا التشريف، وهو الذي رفض جائزة نوبل.

كثرت الدراسات الغربية على سارتر، بما فيها الجانب المظلم في شخصيّته، ومن النصوص «القنبلة» التي نُشرت في السنين الأخيرة عنه هناك نصّ للباحثة البلجيكية كاتلين غيسل[1] (Kathleen

(192)

Gyssels)، التي ذهبت إلى عمق الموضوع الذي يهمّنا هنا. ونظرًا لأهميّة هذا النص وعمق تحليله وتعريته المنهجيّة الدقيقة على عنصريّة سارتر، فإنّنا سنعتمد عليه في المقام الأوّل هنا.

إلى جانب مجموعة النصوص التي جمعها سارتر نفسه ونشرها عام 1964 تحت عنوان «الأوضاع 4، الكلونيالية والكلونيالية الجديدة»[1]، فقد كتب مقدّمة لأوّل أنطولوجيا لشعراء زنوج، نشرها ليبولد سيدار سنغور عام 1948 تحت عنوان «قربان أسود Orphée noir» (1948)، كما قدّم لكتاب فرانتس فانون Frantz Fanon «ملعونو الأرض Les Damnés de la terre» (1956)، ومقدّمة ثالثة لألبير ميمي (Albert  Memmi) «صورة المستعمر Portrait du colonisé» (1957). والصورة التي تمنحها هذه المقدّمات الثلاثة هو سارتر كراعي أبيض ومروّج للشعر والأدب الإفريقي، كما فعل أندري بريتون (André Breton) لإيمي سيزير (Aimé Césaire) بتقديمه كتابه «دفتر عودة للوطن الأصلي Cahier d’un retour au pays natal» (1939) أو كما قدّم روبير ديسنو لكتاب ليون غونتران دماص Léon-Gontran Damas«أصباغ Pigments» (1937).

بعد مقدّمة سارتر لـ «قربان أسود» نُعت بـ «فيلسوف العالم الثالث»، لكن ما يثير الانتباه هنا هو تعبير غير عادي لسارتر:

(193)

«أنطولوجيا الشعر الزنجي الجديد والمدغشقاري باللغة الفرنسية»، وكأنّ هناك أنطولوجيا قديمة لهذا الشعر كان المرء يعرفها. كلّ ما نُشر من شعر زنجي باللّغة الفرنسية حدث سنة قبل هذه «الأنطولوجيا الجديدة» ليون غونتران دماس السالف الذكر تحت عنوان «الشعراء الناطقون بالفرنسية Poètes d’expression française» (1947). وإذا تركنا برهة ما قاله سارتر عن الشعر الزنجي والتفتنا لما قاله سينغور نفسه عن هذه الأنطولوجيا، فإنّنا نلاحظ الغياب التام في وعيه لآثار الاستعمار على فكر المُفكرين المُستَعْمَرِين، ذلك أنّه كان «سعيدًا» بتزامن نشر هذا الكتاب بـ «مئوية ثورة 1848» (ص 1)، متناسيًا أو جاهلًا بأنّها السنة نفسها التي «ألغيت فيها العبودية» في جزر غرب الهند، أي ما يسمى الأنتيل، والرويونيون وغويانا. يعني أنّ سنغور[1] احتفل بالجمهورية الفرنسية في أنطولوجيّته، ولم يذكر الشعوب المُستعمَرة التي فقدت ذاكرتها الثقافية بفعل الاستعمار ومذابحه وفرض عنصريّته وعبوديّته على الشعوب الزنجية.

عندما يتمعّن المرء في المضمون الحقيقي لهذه الأنطولوجيا، ويحاول سبر أغوارها الرمزيّة، فلا يمكنه المرور مرور الكرام على احتوائها لثنائيّة سارتيرية خطيرة: في قلب الهدف التحرّري الذي تريد الوصول إليه، هناك -على الرغم منها- نفحة استعماريّة جديدة. وتتجلّى هذه النفحة في إضافة استعمار جديد من نوعه، إلى جانب

(194)

الاستعمار المُعتاد، يتمثّل في إقحام «الفرانكفونية» وإيغال جذورها في طريقة تفكير السود، أي البداية الواضحة لاستعمار ثقافي-لغوي، لم تتحرّر منه الشعوب التي استعمرت من طرف فرنسا وبلجيكا إلى حدّ الآن. فما يجمع هؤلاء الشعراء المنتمين لدول مختلفة هو استعمالهم للغة الفرنسية، واعتبارهم «رعايا فرنسيين وفرانكفونيين». وبهذا فإنّهم يخدمون من جديد المستعمر الفرنسي. من هنا نلمس نوعًا من اللبس والتجاذب في مقدّمة سارتر، التي تدّعي بأنّها تُحرِّر، وفي الواقع، بوعي أو دون وعي، تُعزّز أيديولوجية المَعَارِض الاستعمارية، التي كانت تقدّم الإنسان الأسود، وكلّ من كانت تجلبهم من مستعمراتها الأخرى في آسيا، كنماذج بشرية غريبة. ولعلّ مصدر التناقضات الكثيرة في مقدّمة هذا الكاتب والفيلسوف الماركسي «الكبير» يكمن هنا. يكرّر سارتر في نصّه هذا مرّات عديدة «بأنّ هذا الشعر ليس للبيض، وعلى الرغم من ذلك فإنّهم سيقرأونه»، ويؤكّد بأنّ هذا «الشعر هو شعر ثوري»، لكنّه في الوقت نفسه مطبوع بالصمت، بسبب الشرط الكلونيالي.

دشّن سارتر الأبيض، بمقدّمته هذه، «مدرسة أدبية» أسّسها رجل أسود، تحتفل بـ «النيغريتود négritude» (الزنوجة)، لكن ليس باللّغات المختلفة للسود، بل بلغة السيد المستعمِر، يعني بالإنسلاخ عن اللّغات الوطنيّة واعتناق الفرنسية، وهذا ما جعل سارتر يحتفل بهذا الانسلاخ على الهويّات المختلفة للشعوب الزنجيّة بقوله: «بسخاء كبير يتخلّى [شعراء الزنوجة] عن [كبريائهم] كما تخلّى فيلوكتيتيس (Philoctète) عن قوسه ورماحه لنيوبطوليموس

(195)

Néoptolème» (ص 42). وتشي هذه بأنّ سارتر يتنبّأ بأنّ مصير أدب الزنوجة هو التلاشي والاختفاء بعد برهة الإشارة، بإدخاله أورفيوس (Orphée) الذي أغرى بأغنيّته الإلهة يوريدوس (Eurydice)، التي تختفي بمجرّد ما يلتفت أورفيوس لرؤيتها.

باستعمال استعارة عكسيّة (métalepse) يتوجّه سارتر للقرّاء بقوله: «ماذا كنتم تتمنّون، عندما تخلعون الكمامة التي كانت تغلق هذه الأفواه السوداء؟ أن يُغَنُّوا مديحكم؟ أكنتم تعتقدون بأنّه عندما تقف هذه الرؤوس التي أحناها أجدادنا بالقوّة ستقرأون في عيونها الحب» (ص 9). يبدو وكأنّ سارتر بطريقة كلامه هذه يُحذّر الرجل الأبيض من استيقاظ الزنجي عن طريق الشعر، بعد سنوات الضغط الفيزيقي والنفسي والمادي التي عاشها؛ لكنّه في الوقت نفسه يحُثُّ الزنجي على أن يكون أصيلًا، بعدما طلى دواخله بلغة غريبة عنه يمكنه من خلالها التعبير عن أصالته هذه: «يمكن ليهودي ما، أبيض بين البيض، أن ينكر بأنّه يهودي، ويعلن بأنّه إنسان من بين الناس. والزنجي لا يمكنه أن ينكر بأنّه زنجيّ ولا أن يدّعي بأنّ له هذه الإنسانية المجرّدة التي لا لون لها: إنّه أسود. لهذا فهو محاط بالأصالة: إهانة، استعباد، انتصب، التقط كلمة «زنجي» التي رماها به المرء مثل الحجر، يُطالب بكلّ فخر أن يكون أسودا مقابل الأبيض» (ص 14). نستشفّ من هذا القول بأنّ سارتر لا يريد أن يطالب الأسود بحقّه كإنسان بغضّ النّظر عن لونه، بل يدفعه لإشهار لون بشرته في مقابل البشرة البيضاء، وهو أمر لم يطالب به سارتر مُستعمَرِين آخرين (الصفر والحمر). وإلى جانب

(196)

الأسلوب القاطع لسارتر في هذا النص، فإنّنا نتفرج على محاولته قلب الأدوار والمهام والصور النمطية الملتصقة بالأسود وبالأبيض، بطريقة ديالكتيكية معهودة عنده في نصوص أخرى. بطريقة هيغيليّة يحاول أن يُقحم العبد في دور لم يختره ليأخذ مكان السيد، بمعنى تسلية الزنجي وإيهامه بأنّه معه وضدّ الأبيض، والواقع أنّ مقدّمة سارتر لأنطولوجيا الشعر الزنجي لسنغور لا تُخاطب الرجل الأبيض، بقدر ما تخاطب الزنجي الذي يعرف القراءة والكتابة، ليس قراءة وكتابة أجداده، بل تلك التي فرضها عليه المحتل. ونلمس هذا أكثر عندما يقول: «كلّ الذين سيفتحون هذا الكتاب من مُستعمِرين وشركائهم سيعتقدون بأنّهم سيقرؤون من فوق كتف ما كلمات غير موجّهة لهم. يخاطب هؤلاء الزنوج السود لكي يحدثونهم عن السود، فشِعرهم ما هو هجاء ولا غير لائق: إنه وعي» (ص 11). فرغبة الزنوج الذين كتبوا بالفرنسية شعرًا زنجيًّا ليخاطبوا العالم، يجدون أنفسهم يُرَدُّون مباشرة إلى بلدانهم الأصليّة من طرف سارتر، الذي -بهذا- لا يريد أن يلتقوا بالعالم الفرنكفوني لتُسمع معاناتهم. وكيفما حلّل المرء الأمر، فلا مفرّ من تسجيل هذه الرقابة اللاشعوريّة لسارتر الأبيض على شعراء سود.

كباقي المستعمِرين الفرنسيين الذين كانوا يستهزؤون من الطريقة التي كان المُستَعمَرِين يتكلّمون بها الفرنسيّة، فإنّ سارتر فعل الشيء نفسه، بطريقة لربّما أخطر؛ لأنّها أتت من إنسان لا يمكن لمُضطَهَد مُستعمَر في ذلك الوقت أن ينتبه لها، لأنّ سارتر كان يحمل «خاتم» المفكر الفرنسي المدافع على المُضطَهَدِين والضعفاء والمُستعمَرين: «ليس صحيحًا أنّ الأسود يعبّر بلغة أجنبية؛ لأنّ المرء يُعلّمه الفرنسية

(197)

وهو في سنّ صغير، ولأنّه مرتاح كليًّا عندما يفكر كتقنيّ وعالم وسياسي. يجب أن نتحدث عوضًا عن ذلك عن فارق زمني طفيف ومستمرّ يفصل ما يقوله وما يريد أن يقوله عندما يتحدّث عن نفسه» (ص 19). ماذا يعني هذا؟ ألا نلمس من جديد هذا النوع من العنصرية «العالمة»، ملفوفة بعناية في كلمات وتعابير لا تُوحي بهذا. فإذا كان «يُحلِّلُ» على الزنجي أن يكون عالمًا وسياسيًّا وتقنيًّا، فإنّه «يُحرم» عليه ضمنيًّا أن يكون شاعرًا حقيقيًّا، لأنّ له صعوبة في التعبير الشعري بلغة «موليير». بمعنى، طبقًا لما نسجّله بين الخطوط في نصّ سارتر، لا ترقى الفرنسية التي يتكلّم بها هؤلاء الزنوج إلى مستوى الشعر الفرنسي «القح».

يُرعِد داماس السابق الذكر في قصيدة مشهورة له «الفواق Hoquet» ضدّ: «فرنسيّة فرنسا، فرنسيّة الفرنسي، الفرنسيّة الفرنسيّة»، التي كانت أمّه المخضرمة بالتبنّي تفرضها عليه وتمنعه من اللّعب مع «طفلة زنجية»، ناسية بأنّ لها دمًا أسودا أيضًا يسري في عروقها. وعلى عكس ما يريده سارتر، فإنّ الكُتَّاب الأفارقة ضاقوا ذرعًا من مناداتهم التحقيريّة بـ «الزنوج nègres»، ووعوا بأنّ هدف تعليمهم قواعد النحو ومفردات اللّغة الفرنسيّة هو تدجينهم وإخضاعهم، يعني الصمت أمام البيض، وتعميق «الأزمة الوجودية» التي تُحيط بهم من كلّ جانب؛ كما نلمس ذلك في نصوص الكثير من الكتاب السود كداديي Bernard Dadié في «زنجي في باريس» وفانون Fanon في «جلد أسود، قناع أبيض»: «انظر للزنجي»، «الأسود الوسخ» و«ماما، انظري للزنجي، إنني خائفة» (ص 90).

(198)

يريد سارتر أن يقوم الزنوج الذين تعلّموا في المدارس الفرنسيّة الاستعمارية بنهضةٍ جذريّةٍ، أي نوع من إعادة الولادة، مستعملًا في ذلك تركيبًا تعبيريًّا يُردّده بنفحة الآمر: «إنّ الأمر يتعلّق بـ» : «إنّ الأمر يتعلّق بالنسبة للزنجي بالموت للثقافة البيضاء لكي يولد من جديد للروح السوداء» (ص 23). وهنا يحدث شيء خطير للغاية في طريقة تفكير «أب الوجودية": لا يمكن للزنجي العثور مجدّدًا على روحه إلّا بالمرور من الثقافة البيضاء، وهو بهذا يقف كمُبشِّر مسيحي أمام قبيلة زنجية، يحثهم -يفرض عليهم- اعتناق المسيحية لعتق أرواحهم. لا يعترف لهم بأية روح، وإذا رغبوا في هذه الأخيرة عليهم المرور بالثقافة البيضاء، وبالخصوص الفرنكفونية. وكلّ ما يعترف لهم به، هو «فحولتهم"، تمامًا كما كان المُستعمِر الفرنسي يتعامل مع الجزائريين مثلا. يقول سارتر معلّقًا على شِعر سيزير Césaire: «لا يتعلّق الأمر بالوصول إلى تهدئة وحدة الأضداد، لكن بوقوف، كذكر، أحد جوانب الضدين «أسود-أبيض» في تعارضه مع الآخر» (ص 27). وفي مكان آخر: «إن الوجود يخرج من العدم مثل قضيب يقف» (ص 33). بل يذهب في الصفحة نفسها إلى أبعد من ذلك، عندما يعتبر الزنوجة «وحدة وجود جنسي» و«خنثى» يندمج فيها الجنسين.

تتّضح الأمور بطريقة أفضل في تعليق سارتر على مقطع شعري لسنغور يتغنّى فيه بجمال المرأة الإفريقية: «امرأة عارية، امرأة داكنة فاكهة ناضجة بلحم قوي، نشوة داكنة من النبيذ الأسود»[1]، ويعلق سارتر: «يبدو لنا بياضنا طلاء شاحبًا غريبًا يمنع بشرتنا من التنفّس،

(199)

قميص أبيض اللون مقطع على المرفقين والركبتين، وإذا استطعنا نزعه فسوف نجد تحته لحمًا بشريًّا حقيقيًّا»[1]. تطغى على سارتر مرّة أخرى «كراهية الذات le Mal تtre de soi» كثمن لتضامنه مع الزنجي، وكأنّ البشرة البيضاء عار. ويستمرّ التجاذب اتّجاه الزنجي عنده، فمرّة يعتبره «دونيًّا»، وأخرى يمجّده ويريد أن يضعه على قدم المساوات مع الأبيض، شريطة أن يعترف بزنوجيّته ويعيها. وللتكرار، إنّ أفضل ما يعترف سارتر به للزنجي هي «فحولته» وتطويعه للمرأة: «عندما يُمارس الزنجي الجنس مع امرأة من جنسه، فإنّ الفعل الجنسي يبدو له احتفالًا بسر الوجود [...] ويُشبه هذا الدين المنوي توتّر الروح يُوازن اتّجاهان متكاملان: الشعور الديناميكي بكونه قضيبا واقفا وشعور أكثر صمتًا وصبرًا أكثر أنوثة ليكون نباتًا ينمو» (ص 33). فالمرأة الإفريقية لم تنج هي الأخرى من التصوّر الإثنو-عنصري لسارتر، الذي يردّد مرّة أخرى الأحكام المسبقة عن المرأة الإفريقية الخاضعة، التي لا حول ولا قوّة لها أمام «جبروت» زوجها. فالعقلية الأبيسية الموروثة من الثقافة اليهودية المسيحية التي ترعرع فيها سارتر واضحة المعالم هنا، ذلك أن القضيب يُصبح في نظره ديناميّة تتحكم، وما على المرأة إلا الخضوع والاستسلام، ولا أدلّ على ذلك الغياب التام للمرأة السوداء وقضيّتها في الأنطولوجيا التي يقدّم لها سارتر.

في تعليق له على مقطع شعري لسيزار حيث يقول: «البِحار القذرة لجزر تتكسّر تحت أصابع ورود قاذفات اللهيب وجسدي

(200)

السليم من البرق» (ص 14)، يقول سارتر: «هذا هو تأليه قمل البؤس الأسود الذي يقفز بين شعر الماء، «جزر» فوق الضوء، تتكسر تحت أصابع المنفضة السماوية، الفجر بأصابع وردية، هذا الفجر من الثقافة اليونانية والمتوسطية، انتزعه لصّ أسود من قصائد هوميروس المقدّسة». ونلاحظ هنا بأنّ سارتر في «تساميه» مع الزنجية، يطلق العنان لأسلوب زنجي في الكتابة، موهمًا بذلك أن «تضامنه» مع قضيتهم «الزنجية» نابع من التزام وتعاطف «أصيل» عنده اتّجاه قضايا المغلوب على أمرهم. ونضيف بحذر هنا ملاحظة ماكسيمين (Maximin) في نصّه: «سارتر و(العالم) الثالث»، بأنّ سارتر يعرض هنا بدون أدنى شك: «عقدته الشخصية للقبح»، كما أشار إلى ذلك ألان بويسين كذلك[1]، وهو أمر لا يخفيه سارتر نفسه: «لقد تغيّرت. سأحكي فيما بعد ما هي الأحماض التي التهمت الشفافيات المُشَوّهة التي كانت تغلفني، متى وكيف تعلمت العنف واكتشفت قُبحي الذي كان لمدّة طويلة مبدئي السلبي، الجير الحي حيث تحلَّل الطفل الرائع، ولأية أسباب دُفعت للتفكير نسقيًّا ضدّ نفسي إلى درجة أنّني كنت أقيس وضوح فكرة ما طبقًا للاستياء الذي تُسبّبه لي»[2]. هذا الغلاف، هذا الجلد الذي لا يطيقه سارتر، هو نفسه القناع غير القابل للتغيير وغير القابل للنزع عند الزنجي.

بِنَظّارَاتِه الماركسية الغليظة، التي لم يكن يرى عبرها إلا الديالكتيك في كلّ مكان، يجد سارتر تقاربًا بين قضيّة الزنوج وقضيّة

(201)

مظلومين آخرين من بروليتاريين بيض ويهود. فالبورجوازي الصغير (سارتر)، الذي يضع بينه وبين من يزعم بأنّه يدافع عنهم حدودًا وحدًّا: «لا أعتقد بأنّ العمّال أقلّ «موهبة» من أبناء أسرنا» (ص 12) يُعيد إنتاج التقابل بين البورجوازي والعامل والأسود والأبيض إلخ)، ويتّضح شقّ سارتر البورجوازي الصغير لهذه الحدود عندما يضيف فيما بعد: «لم يعد ممكنا الاعتماد على امتيازات عرقنا ولوننا وتقنياتنا» (ص 21). ألا يعني هذا بصراحة بأنّه كان مقتنعًا بتفوّق الأبيض ويعترف له بالامتيازات التي وصل إليها؟

وحتى عندما يستمرّ في محاولته للتغطية على «مركزيته الغربية» وفي التأكيد على كون قضيّة الزنوج في المستعمرات هي قضيّة العمّال البيض في فرنسا، فإنّ الواقع يُظهر بوضوح بأنّ الأمر ليس كذلك؛ فحال البروليتاريا المادية والمعنوية في فرنسا أفضل بكثير من حال المُستَعمَرين، بل «من المستحيل» المقارنة بينهما، ما دام العمال يناضلون من أجل حقوق أكثر والسود يئنّون تحت سيطرة وسلطة الفرنسي. لذا لا نعير ما يقوله سارتر في التالي أي اهتمام: «إن الزنجي، كالعامل الأبيض، هو ضحية الأساس الرأسمالي لمجتمعنا؛ وهذا الوضع يكشف له تضامنه الوثيق، وراء الفروق الدقيقة لجلده، مع فئات معينة من الأوروبيين المضطهدين مثله، ويشجّعه على إبراز مجتمع دون امتياز، حيث يُعتبر تصبغ الجلد حادث بسيط» (ص 13).

يعتقد سارتر بأنّ العنصريّة ناتجة عن الخوف من «الآخر»، وما كان يطمح له هو التضامن بين الأقليّة اليهوديّة غير الظاهرة وبين

(202)

الأقلية السوداء الظاهرة. لكن أَمِن المعقول المقارنة بين اليهودي الأبيض والزنجي الأسود، لأنّ اليهودي يمكنه بحيل ضروريّة مختلفة إخفاء هويّته اليهوديّة أو حتى نكرانها والذوبان في المجتمعات الغربية، لكن الزنجي، بالنظر إلى لون بشرته لا يستطيع ذلك. بل أكثر من هذا، وفي سلّم المضطهَدين يبقى الأسود في أسفل السلّم بعد العامل واليهودي. والحلّ الذي يراه سارتر مناسبًا هو أن يَعِيَ الزنجي بشرته وجسده، قبل المطالبة بمكان له في «المساوات، الأخوة، الحرية».

في تأويله الخاطئ للزنوجة كمرحلة ديالكتيكية في بحث الزنجي على المساوات، يغضّ سارتر النظر على العنصرية الغربية القوية لما بعد الحرب الكونية وما بعد الكلونيالية، بل يقدّم أشعار أفارقة الأنطولوجيا «السنغورية" كنوع ممَّا سُمي عبثًا «العنصرية المعادية للبيض racisme anti-blanc»، وهو أمر كانت النخبة الزنجية ترفضه[1]. أكثر من هذا بأيّ منطق يريد سارتر تعويض العنصرية ضدّ الزنوج بالعنصرية ضدّ البيض، ألا يعتبر البعد الإنساني حتميّة بشريّة تطمح للقضاء على كلّ أنواع العنصرية، مهما كان مصدرهما والمجموعة الموجّهة لها.

على الرغم من شبه التقديس الذي كان يحظى به سارتر من قبل فانون (Fanon)، الذي كان يدور في فلك فلسفته الوجودية، بل يُعتبر

(203)

إلى حد ما «الفقيه» الزنجي الذي نشرها في العالم الزنجي وتأثّر بها الكثير من المفكرين السود، فإنّه لم يجد بدًّا من انتقاد سارتر في كتابه «بشرة سوداء، أقنعة بيضاء Peau noire, masques blancs»، ذلك أن سارتر يقول: «لليهودي نوع من الإمبريالية العاطفيّة للعقل؛ لأنّه لا يريد فقط الإقناع بأنّه على حقّ، هدفه هو اقناع مُخاطَبِيه بأنّ هناك قيمة مطلقة وغير مشروطة للعقلانية» (فانون ص 95). بمعنى أنّ فانون «يتّهم» سارتر بأنّه لا يعترف للزنجي بملكة العقل، التي يعترف بها لليهودي، وبذلك تتعزّز فرضيّة كون سارتر كان يعتبر الأسود في آخر درجة في سلم المضطهدين. ويذهب فانون إلى أبعد من ذلك فيما يخصّ استرقاق السود كعامل تاريخي يساهم في تعميق جرح الإنسان الأسود عبر الأجيال، يقول: «ضِعت منذ قرنين بالنسبة للإنسانية، عبدًا إلى الأبد. بعدها جاء أناس، قالوا بأنّ كلّ هذا دام أكثر من اللازم. وقامت مثابرتي بالباقي: لقد أُنقِذتُ من الطوفان الحضاري» (فانون، ص 98).

كسنغور، انتبه فانون إلى طريقة التفكير المزدوجة لسارتر، الذي «اعترف» للسود بطريقة تفكير عاطفية وللبيض بطريقة تفكير عقلانية. وكان هذا من دواعي شعور فانون بالغُبن اتجاه «أستاذه»، رافضًا رفضًا قاطعًا تصوّره للإنسان الأسود، لأنّ سارتر بهذا -طبقا لفانون- يرى بأنّ أبناء العبيد السود لا يمكنهم «تذوق» نكهات وفضائل الحضارة الأوروبية والثقافة الفرنسيّة بالخصوص، التي تحظى بإعجاب أقليات أخرى، بما في ذلك اليهود. كما أنّه، بوضعه للزنوج في الخانة نفسها كالبروليتاريا واليهود لا يعترف لا

(204)

من بعيد ولا من قريب بالمعاناة التي عاشوها وبالعذاب الأليم، نفسًّيا وجسديًّا، الذي ذاقوه على يد الأوروبيين؛ وهو عذاب لا يمكن لا لليهودي ولا للبروليتاري الأبيض الشعور به، وهذا ما يُذَكّره به الشاعر الزنجي دماس (Damas) في نصّه «رثاء الزنجي La complainte du nègre»: «ضربات حبل بعُقد على الجثث المتفحّمة من أصبع القدم إلى الظهر المتفحّم واللحم الميّت بجمر الحديد المُسخَّن، ذروع مكسّرة تحت السوط الذي يطلق العنان للسوط" (مقطع لداماس ذكره سارتر في مقدمته للأنطولوجيا ص 11). وباعتباره للإنسان الكاريبي: «عرق مختار لأنّه عانى» (ص 24)، فإنّه لا يُخفي نوعًا من السخرية منهم، لم تمر دون تعليق لسيسر (Césaire) وغضب داماس.

هايدغر وزمن كينونة العنصرية

اهتمّ هايدغر بحزب العمال الاشتراكي الوطني بعد وصول هتلر للسلطة عام 1933. نسق عمل الجمعيات العسكرية للطلبة وهيئة التدريس النازية وكان وفيًّا لمبدأ «القيادة Führerprinzip»، ومع ذلك أصرّ في الكثير من المناسبات على أنّه لم يكن نازيًّا (آخر حوار له مع مجلة شبيغل ترجمناه، وكُتيبه الدفاتر السوداء Schwarzen Hefte. كما أنّ ابنه -الذي ليس من صلبه- هيرمان أكّد على عدم نازيّته في حوار (ترجمناه أيضًا سابقًا). علّل «تعاطفه» مع النازية وقبوله إدارة جامعة فرايبورغ بعد وصول النازيين للحكم بسذاجته واعتقاده بأنّ هيتلر يمثّل بالفعل المثال الأعلى لما يجب أن تكون عليه ألمانيا وضمان مكان ومكانة لها بين الأمم الغربية، بعد خسارتها

(205)

الحرب العالمية الأولى. وقد دافع الكثير من المفكرين الغربيين على هايدغر ضدّ «تُهمة» النازية، التي أدّى ثمنها غاليًا بعد نهاية الحرب وعزله، ليس فقط عن العمل، بل أيضًا نسبيًّا عن عالم الفكر. ونسجّل هنا أنّ الصهيوني العنصري جاك دريدا، كان من المدافعين الأشراس على صديقه هايدغر حتى وفاته (أي دريدا) عام 2004.

يعتبر نصّ هايدغر: «رسالة في النزعة الإنسانية" نوعًا من الاستعطاف ودعوة للتصالح مع الكثير من الجهات، وبالخصوص الساحة الثقافية الفرنسية لما بعد الحرب العامية الثانية. عدَّل فيه الكثير من منطلقاته الفلسفية العامة، مركزًا على قضيّة الإنسان، التي جلبت له الكثير من المشاكل بعد ثبوت ارتباطه بالفكر النازي. كما أنّه حاول في نصّه هذا التصالح مع الدين، ذلك أنّه «عمد» إلى ذكر كلمة الله أكثر من 30 مرّة، ومدَّ يده لمصافحة الماركسيين، بعد عداوته لهم في حقبة ما أسميها حقبة «دازاين النحن».

لم ينجح هايدغر أيضًا في إخفاء أو التستّر على عنصريّته النازيّة بطريقة كتابته المعهودة: المغالاة في التعقيد واستعمال مفردات غير دارجة ولجوئه إلى سرد حلزوني ودائري، غريب في كثير من الأحيان. وهذا ما يُعقد كثيرًا محاولة اقتفاء آثار العنصرية في فكره وأسلوبه في التفكير. ما كان يطمح له هايدغر هو تخصيص مكان خاص للفكر الألماني وتمييزه عن كلّ فكر آخر؛ لأنّه كان في نظره الفكر الغربي الأصيل الوحيد والوارث الشرعي للإرث اليوناني. واستثنى قدرة التفلسف على الغربيين والثقافات الأخرى، مؤكّدًا فيما معناه أنّ الفلسفة لا توجد إلا عند الألمان وعند اليونان القدماء.

(206)

كما أنّ مصطلحه الغامض «الكينونة Dasein»، يصبّ في محاولته تأسيس الخصوصيّة الألمانية في المقام الأوّل، مؤكّدًا بأنّ الحديث عن «الدازاين» لا يستقيم إلّا باستعمال الضمير الجماعي «النحن» للشعب الألماني. وهذا نوع من هدم الفردانيّة المُؤَسِّسَة للنازية، فبتقوية هذا «النحن» يتمّ القضاء على الآخر، لا يهمّ إن كان يهوديًّا أو من إثنية أخرى، لأنّ هذه الأخيرة كانت كلّها في نظر النازية وأتباعها أدنى ولا ترقى لسمو الجرمانيين. ومن أجل تحقيق مثال «النحن»، أي التفوق الجرماني، كان لا بدّ من «قائد Führer» يوحّد ويسيطر بقوّة وبطش، أو كما قال: «فقط عندما نكون ما سنصيره، من عظمة استهلال الدّازين الخاصّ بروحنا وشعبنا، حينها فقط سنكون جديرين بقوّة الهدف الذي يكافح تاريخنا للوصول إليه».

يتضمّن مصطلح «الكينونة»، بتعبيره عن «النحن» الجرمانية دعوة إلى الرجوع إلى «مَا قَبل» كان يظهر له بأنّه كان أفضل، قُضي عليه بالفردانية. وكلمة الرجوع تعني ببساطة الرجوع إلى «أصالة» النحن، وبهذا يؤسّس «الدازاين» لفلسفة عنصريّة إقصائيّة، وجدت فيها كلّ الحركات العنصريّة -بما فيها التيّارات السلفية الإسلامويّة- ضالتها. وفلسفة «الدازاين» هذه هي فلسفة سياسية أيضًا، لأنّها انبرت إلى مواجهة الاشتراكية والليبرالية والفلسفة التقنيّة الناشئة، أي أن ميكانيزم الإقصاء الفكري كان يشتغل بكلّ أريحيّة في هذه الفلسفة. هناك إذن محاولة للتأسيس إلى سلوك القطيع بالدعوة إلى الرجوع إلى «النحن»، عوض إصلاح وتصليح عمل الأنا وتحريره من شوائب الأنانيّة مثلا وحب الذات. وحتى وإن كان «النحن» يتحدّث

(207)

باسم الجميع، فإنّه لا يعترف إلا بنخبة محدّدة لهذا «النحن» عليها قيادة الجميع بتعاليم من «القائد»، أي تركيز السلطة في يد فرد واحد، وهذا خروج صريح عن مبدأ الدازاين، بل نوع من التناقض القابع فيه: فمن «النحن» نصل إلى «فرد» واحد، يستطيع عيش وممارسة «أناه» كما يحلو له، ويحرم الآخرين من ذلك.

لا تتجلّى عنصريّة هايدغر في مناصرته للنازية فقط، التي لم تكن عنصرية اتّجاه اليهود فقط، استفاد منها آل صهيون أيّما استفادة -بل يمارسونها بأبشع صورة في حقّ الشعب الفلسطيني حاليًّا-، بل أيضًا في ثنايا الكثير من نصوصه الفلسفية الأخرى. وخطورة التوجّه العنصري الإقصائي لفكر هايدغر على العرب والمسلمين، هو ممارسة الإسلامويين الإقصائيين لفسلفة «دازاين النحن» ضدّ كلّ الفرق المسلمة الأخرى والعمل على تأسيس ديكتاتورية دينيّة إسلامويّة في مجموع العالم المسلم.

هانا أرينت والعنصرية

ممن غذّى جذور العنصريّة الغربية العميقة اتّجاه شعوب وثقافات وحضارات أخرى كانت هناك هانا أرينت[1]، الفيلسوفة المعاصرة، التي عانت هي نفسها منها إبّان الحكم النازي لألمانيا. وما يجب تسجيله على التو في هذه الإطلالة السريعة على «عنصرية» أرينت هو أنّها لم تكن تعي بأنّ أوروبا بدأت بنهب إفريقيا الجنوبية

(208)

وقارات أخرى ابتداء من عصر الأنوار وليس ابتداء من القرن التاسع عشر كما كانت تظن.

إذا كان من الممكن التمييز بين العنصرية والفكر العنصري بالتأكيد على بُعده المؤسّس وقدرته على ممارسة «احتكار الحياة السياسية للدول المعنية بالأمر»، فلا يمكن عدم الاهتمام بقضيّة الاسترقاق وعلاقته بالفكر السياسي الغربي. وتؤكّد أرينت في الجزء الأخير من كتابها «الإمبريالية» بأنّ الدراما الحقيقية للعبودية لا تتمثّل في حرمان الآخرين من حقوقهم الفردية لكن في تعميمه. وعلى خلاف أشكال وأنواع العنصرية القديمة التي كانت واضحة إلى حدود معيّنة، لأنّها وحتى وإن كانت مبنيّة على التجارة بالبشر، فإنّه كان بإمكان العبد أن يضمن لنفسه وضعًا اجتماعيًّا متقدّمًا نوعًا ما؛ فإنّ تجارة الرق التي مارستها الدول الاستعمارية قدّمت الرق كحتميّة بيولوجية، لها علاقة مباشرة بالإرث البيولوجي للعبد.

ومع ذلك، فإنّ أرينت لم تحلّل بما فيه الكفاية مشكل الرق هذا، بل اكتفت فقط بإشارة عابرة له، بل عملت كل ما في وسعها في كتابها «أصول الطوطاليرية»[1] على تقديم الاسترقاق كفرضيّة خاطئة، وبالتالي استبعادها لها في تحاليلها السياسية، بل إخفاء دورها في الاقتصاد والثقافة الغربيين كليًّا.

تتأسّس نظريّة أرينت المتعلّقة بفكرة العنصرية بإقصاء آخر رهيب، ذلك أنّها لم تعتبر الأساس الأيديولوجي للعنصرية تاريخيًّا

(209)

إلا ابتداء من القرن التاسع عشر، معتبرة كلّ ما سبقه أفكار شخصيّة لأصحابها. وإذا دفعنا التحليل لأقصاه، نراها تعلّل العنصريّة الفكرية للغرب برمّته كإشكاليّة غير ذات قيمة ولا تستحقّ الاهتمام والدراسة، لأنّها كانت أفكارًا شخصيّة وحسب. بل تذهب إلى أبعد من هذا، حتى عندما أقرّت، بل اعترفت، بوجود أيديولوجية عنصريّة غربية واضحة المعالم؛ بأنّ الأمر لا يتعلّق في هذه الأيديولوجية إلّا بأفكار متعدّدة ومختلفة ومُخالفة لبعضها البعض، وإلى حدود نهاية القرن التاسع عشر لم يُعترف بها لا كأفكار ولا كأيديولوجية.

وحجّتها في ذلك هو أنّ الجمهور الغربي عامّة لم يتبنَّ الأفكار المناهضة للعنصرية ولم يساند المفكرين الذي كانوا ضد الفكر العنصري لزمانهم. وهنا بالضبط نلمس هذا التناقض المروع في طريقة تفكير أرينت حول العنصرية: من جهة تؤكّد أنّه لم تكن هناك دراسات ضدّ العنصرية تستحقّ الاهتمام، بل اعتبرت مثلا التنظيرات العنصرية لغوبينو Gobineau (في كتابه «اللامساواة العرقية وانهيار البشرية (1853)»، غير ذات أهمية لانحصار تأثيرها الضيق.

إذا سلمنا بصحّة ادّعاءات أرينت، وافترضنا بأنّ الجمهور العريض في الغرب لم يكن يهتمّ بالعنصرية والاسترقاق، فقد نتصوّر بأنّ هذا كان إلى حدّ ما جغرافيا في أوروبا ذاتها، لكن الأوروبيين الذين رحلوا خارج بلدانهم الأصلية واحتلوا أراض لم تكن لهم لم يُمارسوا العنصرية والاسترقاق دون تصوّر كامل لممارستهم، بل دون علم مسبق بأنّ الجماهير الشعبية الغربية كانت على علم تامّ بهذه الممارسة، وبسكوتها عنه كانت تشجّعه؛ لأنّ الرأي العام

(210)

الذي كان منتشرًا آنذاك يتمثّل في فكرة «تفوّق الإنسان الأبيض على ما عداه من الأجناس». ما يلمسه المرء وهو ينقّب في فكر أرينت حول العنصريّة والعبوديّة قبل القرن 19 وبعده، هو أنّها تحاول أن تُركّب للقارء نظّارات خياليّة سورياليّة تعميه عن لمس كُنْهَ فكرتها العنصريّة ومشاهدتها. تحاول أن تغطّي على العنصريّة الغربيّة الملازمة للاستعمار بتسريب فكرة كون الساسة الغربيين في ذلك الوقت لم يشجّعوا على العنصريّة في أقطارهم، لكنّهم غضّوا الطّرف عن ممارستها في مستعمراتهم. وهذا النّوع من التفكير خطير على أكثر من مستوى؛ لأنّه يُظهر بما فيه الكفاية الحركة الفكريّة العامّة للمفكرين العنصريين: تحليل ما «يُحرّمونه» في بلدانهم الأصليّة، وهذه بالضبط، في اعتقادنا، النواة المؤسّسة للفكر العنصري الأبارتهايدي ولسياسة الكيل بمكيالين: لا يهم إن مارس الأوروبي العنصريّة وكلّ الرذائل خارج قارّته وبلده، لكنّه ملزم قانونيًّا بالتخلّي عنها وهو في قارته، هذا هو جوهر المنطق الذي تؤمن أرينت.

أمر آخر من الواجب التنبيه له في تنظير أرينت للعنصرية، وللتكرار هو تنظير مؤيّد لها أكثر من رافض أو محلّل لها، ويتمثّل هذا التنبيه في كون أرينت بتركيزها على الفكر العنصري في مقابل العنصرية، أهملت -لربما عنوة- مفهوم العنصرية أو الجنس الذي أسّس الحياة السياسية الأميركية، في الوقت نفسه الذي كانت ممارسة العنصرية الأوروبية في المستعمرات عادية بالنسبة لهذا الغرب. ومن الأوهام التي حاولت تسويقها بهذا الصدد هو أنّها، منهجيًّا، لم تهتم بالنظريات العنصريّة إلا في علاقتها بالأفكار السياسية وتطوّر

(211)

المجال العام الأوروبي، يعني بوضوح بالإهمال الصريح للاشتغال الاقتصادي والاجتماعي للمستعمرات الأوروبية. وبهذا التكتيك إذن، يعني «بتحديد مجال عملها» وربطه ربطًا بالسياسة فقط، كان بإمكانها عدم التطرّق للعنصرية الأميركية، التي كانت مؤسّسة في المقام الأوّل على العامل الاقتصادي مباشرة.

لا تُسائل طريقة اشتغال المجتمع الكولونيالي الأميركي، ولا تبحث على ميكانيزمات إخضاع الرقيق، ولا محاولات ثورتهم ضدّ العبودية، ولا للوضع الخاص لمن كان «حرًّا» من الزنوج. وقد تطرّق الكثير من الباحثين إلى موضوع تجنّب أرينت للحديث عن هذا الأمر، واعتبروه غموضًا واضحًا في تفكيرها. وتضع كاترين جينس في كتابها «هانا أرينت وإشكاليّة الزنجي»[1] الإصبع على هذا الغموض، وهو في العمق تعتيم: فإذا كانت أرينت تُؤكّد بأنّ اعتبار العبوديّة أمرًا بيولوجيًّا هو جريمة أساسيّة لتجارة الرقيق؛ لأنّ هذا الاعتبار يجعل من حرّيتهم أمرًا مستحيلًا، لكّنها في الوقت نفسه تؤكّد على أنّ الطبيعة العنصريّة للعبودية لا تجعل من أميركا التي مارست العبوديّة بلدًا عُنصريًّا. وفي محاولتها التغطية على الأميركيين البيض، فإنّها تقدّمهم بالكاد أيضًا وكأنّهم لم يكونوا واعون بأنّ آلاف السّود الذين وُلدوا عبيدًا، قد حُرموا من الحقوق الأساسية التي شرّعتها أميركا على أسس عُنصريّة بحتة. بل يُمكن القول بأنّ أميركا، وحتى الأوروبيين، كانوا يُمارسون نوعين من

(212)

القوانين: واحدة خاصّة بالبيض، والأخرى بالعبيد، وهناك الكثير من الأمثلة في الميادين كلّها تقريبًا يمكن تقديمها في هذا الإطار.

لكن عنصريّة أرينت تدوي مزلزلة بنيانها الفكري كلّه في نصوص متأخّرة لها، وبالخصوص تناولها للثورة الأميركية وما عُرف في أميركا ومجموع العالم بقضية «الليتل روك Little Rock». في العمق لم تتجاوز أرينت في كتابتها عن الثورة الفرنسية تحاليل دو توكوفيل[1] Tocqueville de، بل إنّها تردّد هذه التحاليل، مؤكّدة على أنّ شرط المشاركة السياسيّة هي المساوات الاجتماعية، التي «تُقرّها» للديمقراطية الأميركية، كَابِتَة بقوّتها كلّها عدم المساوات الاجتماعية، اللّهم إذا كانت تعتبر السود لا ينتمون طبيعيًّا للمجتمع الأميركي. مرّة أخرى، يتجلّى السكوت عن العنصريّة الأميركية في تأكيد أرينت التمييز بين الحياة الاجتماعية والحياة السياسية، ومن الأخطاء التي تسجّلها على الثورات هو خلطهما لهذين الميدانين، بل الاعتقاد في حلّ المشاكل الاجتماعية بأدوات سياسية، والعكس صحيح. وهذا ما قامت به الثورة الأميركية في نظرها، بالمقارنة مع الثورة الفرنسية مثلًا. وتصوّر المجتمع بهذه الطريقة، أي التمييز بين ميادينه، يقدّم فكرة مجتمع تكون فيه هذه الميادين متوازية، لا علاقة بينها، في حين أنّ الواقع الفعلي لأيّ مجتمع حقيقيّ هو واقع تتفاعل فيه الميادين كلّها وتتشابك وتتبادل التأثير فيما بينها. وحتى الحريات العامّة الأميركية التي تتغنّى بها أرينت لا تشمل مواطنيها

(213)

كلّهم، بل فقط البيض منهم، وهذا هو واقع أميركا آنذاك، التي شرّعت قوانين «للجميع» نظريًّا، لكنّها استثنت فئة مجتمعيّة مهمّة منها (ما يُقارب 20 في المئة)، لمدّة طويلة، ولم تعترف لها بهذه الحقوق إلا بعد ثورات زنجيّة عديدة وحركات حقوقيّة لمنظّمات السّود في أميركا: «يبدو أنّ أرنت سعت إلى الحفاظ على كرامة الآباء المؤسّسين، الذين كانوا على علم بجريمة العبودية ولكنّهم فشلوا في إلغائها وتركوا هذه المهمّة لخلفائهم»[1].

في كتابها «عناصر وأصول الهيمنة الشمولية»[2] تقول: «إنّ «الزنوج» هم أنفسهم سبب العنصريّة اتّجاههم؛ لأنّ «أعراق» إفريقيا وأستراليا تشهد على «رتابة كارثيّة لوجودهم» وهم «حتى يومنا هذا الأشخاص الوحيدون دون تاريخ وخاملين، لم يبنوا أي عالم يُذكر ولم يُطوّعوا الطبيعة بأيّ شكل من الأشكال لخدمتهم». «لقد خضعت أسطورة الكتاب المقدّس حول أصل الجنس البشري لاختبار جديّ للغاية، عندما التقى الأوروبيون لأوّل مرّة بأشخاص في إفريقيا وأستراليا، ومن الواضح أنّه لم يكن لديهم ما نسمّيه العقل البشري ولا ما نسمّيه الأحاسيس البشريّة، والذين لم يُنتجوا أيّ ثقافة، ولو كانت ثقافة بدائيّة، نعم، بالكاد يعيشون في إطار عادات شعبيّة ثابتة، ولا يتجاوز تنظيمهم السياسي بالكاد الأشكال التي نعرفها أيضًا من حياة المجتمع الحيواني [...] هنا، وتحت قيود/

(214)

ضغط العيش مع القبائل السوداء، فَقَدَت فكرة الإنسانية والأصل المشترك للجنس البشري، كما علمها التقليد المسيحي اليهودي للغرب، لأوّل مرّة قوّة إقناعها، وأصبحت الرغبة في الإبادة المنهجيّة لجميع الأجناس أقوى».

(215)
(216)

 

 

 

 

 

 

الفصل السادس

الإرث الأبارتهايدي

في الثقافة الشعبيّة الغربيّة

(217)

المقصود هنا بالثقافة الشعبيّة هي الآداب الشعبيّة والمرويّات الشفهيّة والأفلام والأغاني والمسرح والفن التشكيلي والشعر والمتاحف إلخ، أي ما يكون في متناول الجماهير الشعبية العريضة ولا يتطلّب أي عناء فكريّ أو مادي للاستفادة والاستمتاع به.

والثقافة الشعبيّة هي أيضًا وسيلة تواصل فاعلة لجذب الانتباه إلى موضوع أو قضية ما، يريد المرء الترويج لها. بمعنى أنّها مساهمة في إبراز الهويّة وتعزيز مشاعر الانتماء؛ لما ترسّخه من وعي بالذات وبالوجدان الجمعي وتمكين الارتباط بالأرض والثقافة والحضارة.

بما أنّ ميدان الثقافة الشعبيّة الغربية حيث نلمس بصمات العنصريّة والإقصاء شاسعٌ جدًا، فإنّنا اقتصرنا على عيّنة تمثيليّة له، نقدّمها فيما يأتي.

المعارض الكولونياليّة ومساهمتها في الثقافة الأبارتهايدية

عندما احتفلت فرنسا عام 1889 بمرور قرن على ثورتها، أي بثلاثيتها المعروفة: الحريّة، المساوات، الأخوّة، لم تجد أيّ حرج في تنظيم أكبر معرض لعرض الزنوج وأجناس أخرى فيما سُمي آنذاك «معارض الحدائق الحيوانية»، تحت مسمّى «المعارض العالميّة». وتذكّرنا «القرية الزنجيّة»، التي نُظّمت بباريس وزارها في ذلك الوقت أكثر من 28 مليون شخص[1]، بفاجعة تفوق بكثير العنصريّة والاسترقاق والميز العنصري، بما أنّها مسّت بالكرامة الإنسانيّة، في دولة كانت تتغنّى بأنّها راعية هذه الكرامة، أينما كانت.

(218)

لم تُنظّم مثل هذه المعارض في فرنسا فقط، بل في غالبيّة الدول الاستعمارية في هابرورغ الألمانية ولندن وبروكسل وشيكاغو وجنيف وبرشلونة وأوساكا وغيرها. ولم يشعر الإنسان الغربي بصفة عامّة والأوروبي بالخصوص بأيّ حرج ولا وخزة ضمير؛ لأنّه كان يعتبر البشر المَعروضِين ليتفرّج عليها بشرًا آخرين ووحوشًا، سواءً أَاُحظروا من السينغال أم من مصر أم كانوا نوبيين أو هنودًا حمرا أو كوريين إلخ. أي كلّ ما كان المستعمرون يعتبرونه غريبًا (exotique)، وطبقًا للصّور الموجودة إلى حدّ الآن عن هذه المعارض، فإنّ عرض هؤلاء النّاس، كان في الغالب يتمّ بجانب حيوانات وحشيّة، للتركيز على وحشيّتهم أيضًا. وهناك صورة من معرض بروكسيل لعام 1897، لإعلان يقول: «لا تُطعموا الكونغوليين، إنّهم أطعموا»[1]. وتقول الأرقام بأنّ هناك أكثر من مليار غربي زار هذه المعارض بين 1870 و1940. ويُظهر هذا بوضوح، بأنّ قوانين إلغاء العنصريّة والعبث بالجنس البشري، لم تُساعد للحدّ من إكراه سكان المستعمرات على القيام بأشياء لا تُقلِّل فقط من إنسانيتهم، بل تسحبها عنهم نهائيًّا، ليصبحوا أدوات ترفيهيّة، يتسلّى بها الغربي.

يذكرنا جيل بوتش (Gilles Boëtsch) في الكاتالوج (catalogue) الذي اشتغل عليه في إطار معرض «المعارض. اختراع الهمجي»[2]، بأنّ هذه المعارض تنتمي إلى تقليد غربي محض، بدأ بالقصّة

(219)

المشهورة لـ «الفينوس هوتنتوت (Vénus Hottentote)»، المرأة الجنوب الإفريقية التي استقدمتها بريطانيا لعرضها في معرض لندن، وأعارتها للعرض بفرنسا عام 1810: «لكن المدهش هو المدى الذي اتّخذته الظاهرة في نهاية القرن (يقصد القرن 19 إضافة المترجم): أصبح الأمر يتعلّق بفرجةٍ جماهيريّة»[1]. كما يقول فيما يخصّ نجاح مثل هذه المعارض والإقبال الكبير عليها: «كان سكان الريف الذين نزحوا بكثافة من البوادي إلى المدن في حاجة إلى ترفيه وتعليم. وقد كانوا مفتونين بهذه الغرابة التي لم تكن معروفة».

لم يفت إيريك ديرو[2] (ةric Deroo) التركيز كذلك على البعد العنصري الإمبريالي لهذه المعارض، وهي عند فهم قصده نوع من تغيير تركيز الأوروبيين على العنصرية فيما بينهم، وتوجيهها إلى العنصرية ضدّ كلّ ما هو غير أوروبي. وهنا بالضبط نلمس كذلك آثار المركزية الأوروبية بسماتها المعروفة كلّها. أضف إلى ذلك بأنّ الأوروبيين كانوا يهدفون إلى تبرير الاستعمار وضرورة «الرسالة الحضارية» التي يحملونها لإيصال الشعوب المُستعمرة إلى سكّة قطار التقدّم.

ويقول المؤرّخ باسكال بلانشار (Pascal Blanchard) في هذا الإطار: «إذا كانت الدول تختار دمج هذه المعارض في معارضها الكبيرة، وتمويل سفر آلاف الرجال والنساء وإصدار تصاريح

(220)

التنقّل، فإنّ ذلك لم يكن صدفة. لقد كان ذلك في خدمة السياسية التي كانت تهدف إلى إضفاء الشرعيّة على الاستعمار الذي انفجر انتشاره بين 1860 و1880».

لم تجذب هذه المعارض الجمهور العريض من الأوروبيين وحسب، بل اهتمّ بها الكثير من «العلماء» مثل الأنثروبولوجيين بهدف القيام بقياسات مختلفة على البشر المعروضين في هذه المعارض، خاصّة وأنّ «بيولوجيا الأجناس» -أي «العلم العنصري»- كان قد نجح في جذب الإنتباه له أكثر وأكثر. وقد وفّرت هذه المعارض الوقت على «العلماء»، لكي لا يسافرون لسنوات طوال إلى المستعمرات قصد القيام بقياساتهم وعرض أطروحاتهم ونطرياتهم عن اختلاف الأجناس، خدمة للفكرة الرئيسية: أفضليّة الجنس الأبيض على ما سواه. بمعنى أنّ هذه المعارض زاوجت بين الترفيه الجماهري ودراسات «العلماء».

إذًا، ليس هناك أي أدنى شكّ بأنّ هذه المعارض كانت بمثابة معامل قائمة بذاتها لإنتاج العنصرية والأحكام المسبقة على نطاق واسع في الأوساط الواسعة، أي الجماهيرية، في عموم أوروبا: «كانت فرجة المعارض البشرية الناقل الأساس للانتقال من العنصرية العلميّة إلى العنصرية الاستعمارية الشعبية. كانت رؤية أناس وراء القضبان، الحقيقية أو الرمزية، كاف بالنسبة للزوار لشرح الهرمية: يفهم المرء على الفور أن يُفترض أن توجد السلطة والمعرفة»[1]. بتعبير آخر، كانت هذه المعارض بمثابة وسيلة بيداغوجية جماهيرية

(221)

لتعميم أفكار البيولوجيا العنصرية؛ لأنّ أغلبية الأوروبيين في ذلك الوقت لم يكونوا يحسنون القراءة والكتابة، بل حتى الكتب لم تكن منتشرة بالكثافة والعدد الذي نعرفه الآن، بحيث إنّها كانت محصورة على نخبة مثقّفة محدودة. وكان لظهور الصورة الفوتوغرافية في ذلك الوقت واستعمالها الواسع كأداة بيداغوجية للترويج للعنصرية، أثرٌ كبير في أوروبا.

لا يعني ما تقدّم بأنّنا نمرّر، عن وعي أو دون وعي، فكرة كون البيولوجيا العنصرية متقدّمة عن العنصريّة الشعبيّة، بل نعتقد بأنّها كانت تحاول «عقلنة» هذه الأخيرة بأدوات «علميّة»، وهذا أمر لاحظه كلود بلانكيرت[1] (Claude Blanckaert). ولربّما نعزّز هذا الأمر بالتأكيد على أنّ مقرّرات تاريخ العلوم الطبيعية في فرنسا كان يبدأ في نهاية القرن التاسع عشر بجزء عن الأجناس، يضع الأوروبيين في أعلى التسلسل الهرمي البشري[2].

تضاف المعارض الاستعمارية إذن إلى مجموع ما يُكَوِّن الأسس الثقافية والفكرية للاستعمار، حيث مورست العبودية والعنصرية ونُشرت أيديولوجية تفوق الإنسان الأوروبي على باقي الأعراق،

(222)

وفي الميادين كلّها. وقرّبت هذه المعارض الجماهير الأوروبية من روايات وقصص ولوحات وصور «المغامرين» الأوربيين، الذين كانوا يجولون ويصولون في المستعمرات، خدمة في تعميق مشروعيّة الاستعمار وضروريته. للإشارة فقد كانت هناك بعض الفرق الأوروبية التي كانت تعارض تنظيم مثل هذه المعارض، وهي فرق كانت ضدّ الاستعمار مبدئيًّا.

«تان تان» وكلبه «سنووي»

قد يكون من المفيد ونحن في غمار الحديث عن الأسس الثقافية للأبارتهايد الإشارة إلى فن أدبي/ثقافي آخر، يتمثّل في الرسوم المتحرّكة. وهناك وجه من الوجوه لهذا الفن، ظهر بداية القرن العشرين ورافق الاستعمار بصور كاريكاتورية قدّم أناس المستعمرات بطريقة مسلية مُضحكة لجمهور أوروبي عريض. وانتبه الباحث الجزائري عبد الله بن عمارة في نصّه: « «تان تان». وجه العنصريّة القبيح»[1] إلى هذا الوجه، وأشبعه تحليلًا. ونظرًا لأهميّة المعلومات التي جاء بها بن عمارة، نقدّم ملخّصًا موجزًا له.

تحكي الرسوم مغامرات الشاب البلجيكي «تان تان» (1929) وكلبه «سنووي» في مستعمرات عديدة، أي خارج القارّة الأوروبية بين بشر ينتمون لـ «أعراق» مختلفة. وخطورة هذه الرسوم هي ترسيخها للهيمنة الأوروبية بقالب ساخر ومستهزئٍ إلى حدود

(223)

بعيدة. للإشارة فإنّ أب «تان تان»، أي «مخترعه» هو جورج ريمي[1] (Georges Remi) المدعو إيرجي (Hergé)، الذي مرّر موروثه الديني في مغامرات «تان تان» مخلوط بأساطير ألف ليلة وليلة، كما يقول بن عمارة.

جَالَ تان تان في بلاد العرب، مُنتجًا خمسة مجلدات من حكايات «تان تان». خصّص ثلاثة منها للمشرق: «سجائر الفرعون» (1934)، «تان تان في أرض الذهب الأسود» (1950)، «تان تان والفحم المُخزّن» (1958)، بينما خصّص المجلد الرابع بأكمله للمغرب: «السلطعون ذو الكلاّبات الذهبية». أما «تان تان وفن الأبجدية» (1983، عمل غير مكتمل)، فإنّ له دلالاتٍ قويّةً على «حقده» على لغة الضاد.

لا يلعب لا المكان ولا الزمان دورًا في بناء الصورة النمطية والاعتناء بهل وتغذيتها، التي لم يتعب «تان تان» في تمريرها للجماهير. تكثر مشاهد الفقر والتخلّف والابتعاد عن استعمال العقل في البلاد العربية. إضافة إلى هذا فالصورة التي يعطيها صاحب «تان تان» عن العربي، توغل في إيغاله في صورة «ينتظرها» منه الأوروبي، فهو» «إما تاجر عبيد أو طائش غير منضبط، أو عديم الذوق، أو لص، وفي أحسن الحالات ساذج أبله يبتلع الصابون ظنًّا منه أنّه غذاء، كما نرى في مغامرة «سجائر الفرعون»[2].

(224)

لا يحط «تان تان» في المغرب الاستعمار محلّ تساؤل، ولا يتّخذ أيّ موقف نقديّ اتّجاهه، بل يعتبره طبيعيًّا، كما نلمس ذلك في «السلطعون ذو الكلاّبات الذهبية». فوجود فرنسا في المغرب، كان يبدو له عاديًّا. وتظهر العنصرية الخبيثة لـ «تان تان» في «تان تان في الكونغو»، التي كانت مستعمرة بلجيكيّة، ذلك أنّه لم يخاطب الطفل الكونغولي باسمه، بل فقط بعبارة «الزنجي الصغير». ولا داعي للقول بأنّ رمز هذا الزنجي الصغير عند «تان تان» هو الإفريقي المُستعبد من طرف الأوروبيين. وقُدِّم الإنسان الكونغولي من طرف «تان تان في الكونغو» بصورة نمطيّة روّجتها الأيديولوجية الاستعمارية كإنسان كسول، خامل، ساذج، متوحّش، عنيف، عالمه مليء بالغرائب.

في مغامرات «سجائر الفرعون» و«تان تان والفحم المُخزّن» يحاول «تان تان» الدفاع على التفوّق الثقافي الأوروبي والرسالة «المقدّسة» للأوربي، المتمثّلة في «إيصال المستعمرات للتحضّر والتقدّم». ولا يخفى في هذين المجلّدين من «تان تان» تشجيع الأوروبيين للاستيطان في المستعمرات، وجنانها و«جناتها».

أثّر «تان تان»، أكثر من أي كاتب آخر، في نفسيّة الأوروبيين الذين وُلدوا بين عامي 1920 و1990م. ولم ينحصر هذا التأثير على العالم الفرنكفوني، بحيث تُرجمَ إلى نحو مئة لغة، وتخطّت مبيعاته 220 مليون نسخة. يبسط مؤلف «تان تان» نظرته الاستشراقية على بلدان لم يزرها قط. والصورة التي يرسمها للعرب والأفارقة مستمدّة من نظرته إلى العالم، وهي نظرة مطبوعة بالحقبة الاستعمارية. بوجه

(225)

مستدير ووجنتين دائمتي الاحمرار، وبشعر أشقر حليق تعلوه ناصية ترتفع خصلاتها نحو السماء، يوحي «تان تان» بأنّه أوروبي في خدمة ثقافته وحضارته، وهو «ينقض» على إفريقيا والعالم العربي، لتقديمه بطريقة تتماشى وتطلعات الاستعمار الأوروبي. وبهذا يمكن اعتباره، شاء المرء هذا أم أبى، من المساهمين في ثقافة الاستعمار وفكره، الذي كان خطوة أولى ضروريّة لقيام الأبارتهايد كنظام سياسيّ قائم بذاته في جنوب إفريقيا.

تماثيل قادة عسكريين وإداريين وأزقة وشوارع باسمهم كإرث ثقافي استعماري

لا يفوت زائر المدن الأوروبية وأميركا الشمالية الكبرى ملاحظة تماثيل عديدة لقادة عسكريين وإداريين استعماريين منصوبة في أماكن متعدّدة من هذه المدن ومصحوبة بنصوص تثني عليهم وعلى ما قاموا به في المستعمرات خدمة لبلدانهم. والمهمّة الرئيسيّة لهذه التماثيل هي الإبقاء «دوما» على فترة الاستعمار حيّة في الوعي واللاوعي الغربي، بل غرس فكرة وتثبيتها مُفادها تفوّق هذا الغرب على جميع الأمم الأخرى وأحقيّته في ريادة العالم بالسوط والنار والحديد. وإذا كانت الولايات المتحدة الأميركية بدأت في إزاحة مثل هذه التماثيل، التي تُعتبر منذ قرنين على الأقل إرثا ثقافيًّا غربيًّا، فإنّ الدول الأوروبيّة لا تناقش الموضوع حتى. ولكي نقرّب القارئ أكثر من الرموز التي تتضمّنها هذه التماثيل، سنقدّم أمثلة من فرنسا، يمكن تعميم دلالاتها على باقي التماثيل في ربوع الغرب.

(226)

لنأخذ مثال تمثال الجنيرال لوكلير[1] (Leclerc)، الذي عايناه بمدينة بونتواز (Pontoise) الفرنسية. ببدلته العسكريّة والسيف في غمده. يتهيّأ للمتفرّج بأنّه يسود دون منازع على شارع من الشوارع المهمّة في هذه المدينة، غير بعيد عن محطّة القطار وكاتدرائية القديس ماكلو (Saint-Maclou). كان لوكلير (1772 – 1802) صهر نابليون الأوّل وخدم تحت الإمبراطوريّة الأولى. أرسله نابليون الأوّل بجيش من 35 ألف محارب إلى سان دومينيغ (Saint Domingue) عام 1801 للقضاء على الثورة ضدّ الاستعمار الفرنسي بهايتي (Haïti)، التي كان يقودها الزنجي توسان لوفيرتور (Toussaint Louverture). وفي يوم 7 أكتوبر 1802، كتب رسالة لبونبارت يقول فيها من بين ما يقوله: «ها هي وجهة نظري عن هذا البلد. لا بدّ من هدم زنوج الجبال كلّهم، رجالًا ونساء، ولا نحتفظ إلا بالأطفال أقل من اثنى عشر سنة، وهدم نصف من يسكن السهول وعدم ترك أيّ رجل في المستعمرة حمل السلاح، ودون هذا فإنّ المستعمرة لن تكون هادئة»[2].

ألا تكفي هذه الرسالة لتوثيق، ليس فقط العقلية الأبارتهايدية والعنصرية للقادة العسكريين وعساكرهم الفرنسيين في المستعمرات، بل روح الإبادة الجماعية التي كانت تُعشّش في أرواحهم؟ بل كيف يمكن لمدينة تزخر ثقافيًّا الاحتفال بسفاح مثل هذا في أيّامنا هذه؟

(227)

توجد في العاصمة الفرنسية باريس تماثيل كبيرة وكثيرة لفرنسيين استعماريين، لم يغتصبوا فقط الشعوب الأخرى، بل كانت بالنسبة لهم مجرّد وسيلة للوصول مشيًا على أكتافهم وكرامتهم إلى التَّمَوْقُع كقوّة إمبرياليّة من بين قوّات استعماريّة أخرى. فدوغوميي (Dugommier) ليست فقط محطة قطار الأنفاق في الدائرة الثانية عشر في باريس، بل أيضًا اسم جنرال استعماري، دافع على قوانين العبوديّة إلى موته عام 1794.

مثل هذه التماثيل تزخر بها مدن ساحلية كثيرة في فرنسا كـ نانت (Nantes)، التي كان ميناؤها أوّل ميناء رقيق في فرنسا. وما هو مقرف في هذه المدينة هو وجود كاريكاتيرات على حيطان المنازل لزنوج ولملاك وتجّار عبيد. ولا يشير المرء ولو بنصف كلمة لا إلى هذه التجارة، ولا لمن كان «يقترفها». بل إنّ المدينة، تحتفل بتجّار عبيدها بعبارات مثل: «مؤسّس دار الأيتام»[1] أو «المحسن للفقراء»[2]. غير بعيد عن نانت، اتّجاه الجنوب، نجد مدينة لاروشيل (La Rochelle)، التي لم تبخل على تجّار رقيقها بتذكارات تاريخيّة، ومن بينهم بالخصوص جاك راستو (Jacques Rasteau) في شارع سُمّي على اسمه، وفي الغرفة التجاريّة لهذه المدينة وفي شارع الفنادق الخاصّة وفي ساحة بناء السفن. ومن المعروف أن ما يناهز 30 في المئة من آلاف الرقيق الذين كان ينقلهم ماتوا أثناء السفر؛ لأنّ طريقة عبورهم كانت لا إنسانيّة للغاية.

(228)

في الجنوب الغربي لفرنسا، وبالضبط في مدينة بوردو (برديل او بُرذال) (Bordeaux)، يتفاجأ المرء للعدد الهائل للتماثيل التي تُذكر بالعسكريين والتجّار الذين كانت لهم علاقة بتجارة الرقيق. هناك الكثير من أزقة وشوارع بوردو حيث «تتربع» هذه التماثيل[1]. ومن بينها تمثال بيير بول نايراك (Pierre-Paul Neirac) (1732 – 1812)، أكبر تاجر للعبيد (تاجر في أكثر من 8000 رق) في تاريخ هذه المدينة.

باختصار، نعثر على تماثيل تجّار العبيد الفرنسيين في مدن أخرى، وبالخصوص على الساحل الأطلسي[2] كمدينة لو هافر (Le Havre) وسان مالو (Saint Malo) ولوريون (Lorient). وما يثير الانتباه هو أنّ أغلبيّة سكان هذه المدن، بل أغلبية الفرنسيين في القرن الواحد والعشرين، ينظرون إلى هذه التماثيل بإعجاب ويعتبرونها إرثًا ثقافيًّا لهم، معتقدين أنّه من واجب سلطات هذه المدن الاعتناء بها وترميمها إن كان الأمر يتطلّب ذلك. ويقول المؤرّخ إيريك سوغارا في هذا الإطار: «ليس من التفاهة التأكيد بأنّ تجارة الرقيق في بوردو كانت تهمّ بالأساس من كان يتعاطى لها. ولم تسجل أيّة دراسة عنهم منذ موتهم، وهذا ما يُترجم الفراغ في تاريخ المدينة»[3]. بمعنى أنّ لهذا الفراغ التاريخي المعتمد عن تجّار الرقيق

(229)

الفرنسيين، على الرغم من حضورهم اليومي في مُختلف المدن، دلالات قد نلخصها في كون فرنسا لم تتخلّص بعد من تاريخ العبودية الذي مارسته، ولا تريد أن تتخلّص من ذلك؛ لأنّه يخدم أسطورة تفوّقها التاريخي والحضاري والثقافي. وأكّد المؤرّخ جون بريتو (Jean Breteau): «تريد النخبة المحليّة إخفاء هذا التاريخ». كما أنّ الباحث المتخصّص في تجارة العبيد في القرن التاسع عشر سيرج داغي (Serge Daget) لم يستطع الاشتغال في مدينة نانت، وكان مضطرًّا لقبول تعيينه بجامعة شارل دوغول بمدينة لِيلْ (Lille) شمال فرنسا، قصد البحث في الموضوع.

لا تريد المدن الساحلية الفرنسية التي كانت موانئها تُستخدم في تجارة العبيد الخضوع إلى المنطق والاعتراف بهذا التاريخ -ولربّما تعتذر للكثير من السود الذين يسكنونها لحدّ الآن-، بل كلّ واحدة تشير بالأصابع إلى الأخرى وتقدّمها على أنّها كانت الأسوأ؛ كما يحدث بين مدينة بوردو ومدينة نانت. وهذا ما يُؤكّده أيضًا السوسيولوجي يوان لوبيز (Yoann Lopez). ويذهب في هذا الاتّجاه الباحث هوبير بونين (Hubert Bonin) في كتابه «طابوهات بوردو Les Tabous de Bordeaux»[1]، قائلًا بأنّ تجارة الرقيق هي من الطابوهات الأولى للمدينة. وما يُضمر علانية هو أنّ ساسة المدن المعنيّة بالأمر، ونظرًا للثقل الاقتصادي لهذه العائلات إلى اليوم في مدنهم، ولكي لا يُحرمون من عائدات الضرائب التي يجنونها منهم، يحاولون إلى الآن -على اختلاف مشاربهم وأحزابهم السياسية-

(230)

كبت الحديث عن الماضي الاستعبادي لمدنهم. ولربّما كان ألان جوبي (Alain Juppé) من الساسة الفرنسيين القلائل الذين تطرّقوا للموضوع، ذلك أنّه أكّد في كلمته بمناسبة تدشين قاعة مخصّصة للعبودية بمتحف أكيتان (Aquitaine) عام 2009: «لماذا إخفاء هذا الأمر: لم يكن بديهيًّا الحديث عن العبودية في بوردو قبل 15 سنة». ويرى السوسيولوجي يوان لوبيز السالف الذكر بأنّه: «بالنسبة للعديد من السياسيين، فإنّ الاهتمام بجرائم فرنسا السابقة وذاكرتهم، يستدعي بالضرورة عملية توبة/اعتذار، إلّا أنّ فعل الذاكرة لا يعني بالضرورة فعل الاعتذار [ ... ] بل أداموا «نسيانًا مُريحًا». ودون أن يكون ذلك نهائيًّا، فإنّ المدينة غطّت هذه الذاكرة بحجاب. وفضّلت كلّ الوقت التركيز على الثروة المبنيّة على النبيذ والتجارة عوض الاسترقاق». من طبيعة الحال، يكون من السهل لثقافة تحاول قدر الإمكان كبت جرائمها، تأسيس هويّتها على أكاذيب وأوهام، عوض تحمل مسؤوليّة تاريخها الأسود، وبالخصوص استعباد البشر. وحتى عندما «احتفلت» فرنسا بمرور 150 سنة على إلغاء العبودية عام 1998، فإنّ موضوع العبيد لم يَطْفُ على السطح، كما كان يجب أن يكون، إلا بطريقة محتشمة للغاية. ولربّما يرجع هذا إلى كون الذاكرة الاسترقاقية الفرنسية مندمجة أيّما اندماج في خطاب الجمهورية الفرنسية وقيمها، على الرغم من تعارض هذا مع قناعات العديد من الفرنسيين، الذين يناضلون ضدّ هذا «النسيان» أو «الكبت المعتمد» للسياسة الرسميّة بفرنسا. ومن بين الشعارات التي رُفعت على لافتة من لافتات هؤلاء المعارضين هناك لافتة، تثير

(231)

الانتباه تقول: «بوردو، ميناء العبيد، تحمل مسؤوليتك». ويعني هذا من بين ما يعنيه، بأنّ المواطنين في فرنسا هم أكثر وعيًا بماضي بلدهم الاستبدادي من ساستهم. وكان على فرنسا انتظار الوزيرة كريستيان توبيرا[1] (Christiane Taubira)، لتصنيف تجارة الرقيق كجريمة ضدّ الإنسانية عام 2001. سنة بعد ذلك، قرّر المرء في فرنسا إحداث اليوم الوطني لإحياء إلغاء العبودية (10 ماي)، قامت مدينة بوردو على إثرها صفيحة صغيرة جدًا مكتوب عليها العبارة التالية: «تُكرم مدينة بوردو ذكرى العبيد الأفارقة الذين تم ترحيلهم للأميركيتين في تحدّ للبشرية جمعاء». والغريب في الأمر أنّ الصفيحة وُضعت في الأرض في حديقة عموميّة، كان المارّة يمشون عليها، إلى أن تدخّل بعض المناضلين ضدّ نسيان التاريخ الاسترقاقي لفرنسا، وثبّتها المرء على حائط. وأكّد نائب عمدة بوردو ماريك فتوح (Marik Fetouh) في هذا الإطار: «إنّ الاشتغال على الذاكرة هو أمر أساسي. ذلك أنّ النظريات العنصرية الموجودة إلى يومنا هذا تتغذّى من العبودية وتجارة الرقيق. فلكي يُسلب الرقيق من إنسانيّتهم واستغلالهم، خلق المرء التمييز»[2].

على الرغم من الاعترافات المحتَشمة لبعض الساسة بهذا التاريخ الأسود لفرنسا، فإنّهم غير مستعدين لا لإزالة تماثيل من تعاطى لتجارة العبيد أو ساهم فيها من القادة السياسيين والعسكريين الفرنسيين، ولا تغيير اسم الأزقّة والشوارع والميادين الشعبية التي

(232)

تحمل اسماءهم. وتجدر الإشارة إلى أنّ هناك عددًا لا يُستهان به من المواطنين الفرنسيين ممن يطالب بهذا التغيير وإزاحة تلك التماثيل، في الوقت الذي تكتفي فيه نخبهم السياسيّة بتعليل هذا الإبقاء بأسباب واهية: «اختيارنا هو النظر إلى الماضي وشرحه ووضعه في إطاره [ ... ]. فمسح هذه الأسماء يحمل فكرة أنّنا لا نتحمّل مسؤولية الماضي»[1]. والواقع أنّ مثل هذه التصريحات تؤكّد على عدم نيّة الساسة الفرنسيين الاعتراف بما سبّبته تجارة العبيد على إفريقيا والأفارقة من ويلات، بل التصريح جهرًا بالعجرفة الفرنسيّة لحدّ الآن اتّجاه مستعمراتها. وللتنبيه، فإنّ المتاحف أو غرف إضافيّة في متاحف فرنسيّة خاصّة بالرقيق، لا تأخذ تجارة العبيد كموضوع لها، بل تحتفل بإلغاء قوانين العبودية، بمعنى أنّ فرنسا، ومعها الدول الاستعمارية كلّها للأمس القريب لم تتخلّص بعد من تراثها الثقافي والفكري والسياسي والاقتصادي والعسكري، الذي ينفخ في أنائها ويضخّمه إلى حدّ جنون العظمة اتّجاه شعوب الأرض الأخرى.

إذا عدنا لباريس، فلا يُستقبل الزائر لقصر بوربون (Palais-Bourbon) بتمثال روبيسبيير[2] (Robespierre) لكن بتمثال كولبير[3] (Colbert). وهناك عدد كبير للشوارع والأزقة والمدارس

(233)

والأجنحة الإداريّة والساحات العموميّة تحمل اسم كولبير في فرنسا. كان أحد أهمّ الشخصيّات على عهد نابليون الرابع عشر. وهو من أصدر النسخة الأولى لما سُمي «قانون السود Le Code Noir»، الذي أطّر قانونيًّا وشرعن الاستعباد في المستعمرات الفرنسية، وبالخصوص في جزر الأنتيل (les Antilles). يُعتبر هذا القانون أخلاقيًّا وفلسفيًّا، وفي حقبة تغنّت فيها فرنسا بـ «أنوارها» وفكرها «النقدي» والنداء، بل الدعاية، لحقوق الأفراد وحريتهم إلخ.

بتسمية الشوارع والأزقة وإقامة التماثيل في الساحات العامّة، تسعى النخبة الحاكمة إلى تكريس ثقافة معيّنة، لربّما تكون على العموم هي الثقافة السائدة في صفوف أغلبيّة الشعب. كما أنّ رمزيّتها لا تخلو من رغبة السلطات في تثبيت سلطتهم وسلطانهم واستمراره في الساحات العموميّة. ويحدث هذا في الدول الغربية كلّها على مرأى ومسمع من ملايين المهاجرين من المستعمرات الأوروبية ومن أبناء وعائلات الزنوج الأفارقة والهنود الحمر. وللكلمة الفرنسية (commémorer) دلالة قويّة؛ لأنّها تعني «إحياء ذكرى» حدث أو شخصية ما، يعني إعادة استحضارها جماعيًّا. ولا يعني هذا شيئًا آخر من غير إيقاظ الوعي بما حدث، أو ما قام به الشخص المُحتفى به، وهنا بالضبط يكمن مشكل تماثيل شخصيات كانت في الأساس تدافع عمَّا لا يُقبل إنسانيًّا وأخلاقيًّا وحضاريًّا كالاسترقاق مثلا. وتعتبر تماثيل الشخصيات في الفضاء العام جزءًا مهمًّا من الثقافة الغربية، عرف انطلاقة صارخة منتصف القرن الثامن عشر واستمر بوتيرة سريعة إلى ما بعد الحرب العالمية

(234)

الثانية. دورها الثقافي هو تأثيث الوعي الجمعي للمجتمعات الغربية برموز تاريخية، تعزّز الانتماء القومي والثقافي لهذا البلد أو ذاك، ب «السحر» كلّه المُتضمّن في هذه التماثيل، وهو «سحر» يساعد على إطفاء فتيل النقد البنّاء للثقافة الوطنيّة والقوميّة، ويعزّز الانخراط في مركزيّة غربيّة لا ترى إلا نفسها.

خاتمة

في العمق يكفي مصطلح الأبارتهايد؛ للبرهنة على أنّ العقليّة الغربيّة بصفة عامّة، ومنذ الحركات الاستعمارية الأولى لها، والتي سمّتها اكتشافات جغرافيّة كبرى -وبالخصوص اكتشافات كولومبو- لم تكتفِ باستغلال قوّتها لإخضاع غير الغربيين لسلطانها. وحتى بعد حركات الاستقلال العسكري ابتداءً من منتصف القرن العشرين، فإنّ القوى الكولونياليّة الغربيّة لم تكف إلى حد الآن على مدّ سيطرتها على العالم المغلوب على أمره بصفة عامّة والعالم الإسلامي بصفة خاصّة. وعلى الرغم من الغنى المادي لبعض الدول المسلمة، وبالخصوص البتروليّة منها، وبالأخص دول الخليج العربية، فإنّ الغرب لا يعتبرها أكثر من خادمة له، وهذا بالكاد ما تقوم به أنظمة هذه الدول، التي تعيش في «راحة» تحت «مظلّة الحماية الغربية» والأميركية بالخصوص؛ التي «تحميها» من شعوبها في المقام الأوّل. ويواجه الغرب الدول المسلمة التي أبانت عن فهم مغاير للحضارة ولمجرى التاريخ مواجهة عنيفة جدًا، كما حدث ويحدث مع إيران، التي تُعتبر بحقّ مدرسة قائمة بذاتها في مجموع العالم المسلم في استماتتها لمقاومة الغزو الغربي في مستوياته كلّها.

(235)

إنّ الأبارتهايد إذن هو نتاج قائم بذاته للغرب، وحتى وإن استنفذه في جنوب إفريقيا، فإنّه زرعه بكثافة في أرض فلسطين، فإسرائيل ما هي إلا أبشع وجه للأبارتهايد في العالم، ينمو يوميًّا كالطفيليّات في فلسطين، مُغذًى من بين ما هو مُغذًى به من سماد سياسة بعض الدول المسلمة كالعربية السعودية حاليًّا وتركيا الأردوغانية. بل قد يُعتبر النّظام السعودي والتركي الحاليين مُمارسين لأبارتهايد متقدّم جدًّا في بلدانهما، تحت أعين الغرب. لا داعي للتذكير بأنّ الأبارتهايد كمنظومةٍ فكريّة-سياسيّة موغل بجذوره في أوروبا الغربية والولايات المتّحدة الأميركية، حيث نجد إلى اليوم ملاحقة غير الغربيين في الشوارع الأوروبية من طرف اليمين المتطرّف ومن طرف بيض أميركا، حيث تضاعفت جرائم قتل السود لسبب أو دون سبب. لا داعي للتذكير بأنّ قرار الإدارة الأميركية الحالية، بزعامة ترامب، لم تتخلّص أيضًا من معاداتها للأجانب، وبالخصوص المسلمين، وما قرار هذه الإدارة منع مواطني دول مسلمة عديدة دخول أميركا إلا شاهد إثبات على الأبارتهايد الأميركي ضدّ الشعوب الأخرى. أمّا قرار أميركا على عهد ترامب الاعتراف بالقدس كعاصمة «أبديّة لإسرائيل» وضغطه الدائم من أجل نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، فهو شاهد إثبات على أنّ أميركا وحلفاءها الغربيين لا يعيرون أيّ قيمة تُذكر لحقوق الإنسان التي «اخترعوها»، بل يدهسونها يوميًّا وفي بقاع المعمور كلّها. فإذا كان هضم حقوق الفلسطيني يُمثّل حاليًّا قمّة الاستكبار الغربي والأميركي بالخصوص، وبما أنّ جلّ أنظمة الحكم في الدول الإسلامية حاليًّا -بما في ذلك ما يسمّى عبثًا السلطة الفلسطينية الحاليّة-، تدور في فلك الإمبريالية الغربية، بل تُعتبر «كلابها» الحارسة لأيديولوجيّاتها،

(236)

تقودها بسلاسل في عنقها؛ فعلى الشعب الفلسطيني الاعتماد على نفسه فقط وعلى «محور المقاومة» للتخلّص من الإمبريالية الصهيونيّة. لا بدّ من الاستمرار في الأشكال المتنوّعة للمقاومة وعدم التخلّي عن مبدأ العودة والاحتفاء بالثقافة والأرض والحريّة بالطرق المتاحة كلّها، سواء إبداعيًّا (قصيدة، نثر، تشكيل، سينما إلخ) أو سياسيًّا أو اقتصاديًّا إلخ.

 

(237)

المراجع

1- عبد الفتاح حسن أبو علية وإسماعيل ياغي: تاريخ أوربا الحديث والمعاصر، دار المريخ للنشر الرياض- ديوان المطبوعات الجامعية الجزائر.

2- علي أكبر أحمدي: الحداثة عند كانط، في رحاب آراء الشيخ مرتضى مطهري / رؤية نقدية معاصرة، ترجمة أسعد مندي الكعبي، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية، العتبة العباسية المقدّسة، الطبعة الأولى، 2017م - 1438هـ.

3- الشيخ مولاي التهامي غيتاوي: كتاب لفت الأنظار إلى ما وقع من النهب والتخريب والدمار بولاية أدرار إبان احتلال الاستعمار، دار الكتاب العلمية، بيروت، لبنان، 1971.

4- محمد عابد الجابري: «العقل السياسي العربي- محدداته وتجلياته»، مركز دراسات الوحدة العربي، ط 10، بيروت، 2017.

5- كرين آرمرسترونع، «حقول الدم- الدين وتاريخ العنف»، ترجمة أسامة غاوجي، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط1، بيروت، 2016.

6- ماتيو أندرسون: تاريخ القرن الثامن عشر في أوروبا، تعريب: نور الدين حاطوم، دار الفكر، دمشق.

7- حسام النايف: تاريخ أميركا الحديث والمعاصر (1492م-1945م)، منشورات جامعة دمشق، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، دمشق، 2015.

8- زيغموند باومان. «الحداثة السائلة»، ترجمة حجاج أبو جبر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط1، بيروت 2016.

9- مجدي حماد: «السلام الإسرائيلي» استراتيجية الغطرسة، الجزء الثالث، باحث للدراسات، بيروت، 2012.

10- محمود حيدر: نحن وأزمنة الاستعمار نقد المباني المعرفية للكولونيالية وما بعد الكولونيالية، الجزء الأوّل، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية، العتبة العباسية المقدسة، الطبعة الأولى 2018م - 1439هـ.

11-العلامة محمد تقي جعفري: تحليل نقدي لنظريات ديفيد هيوم على ضوء أربع مسائل فلسفية، ترجمة: أسعد مندي الكعبي، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية، العتبة العباسية المقدسة، الطبعة الأولى، 2018م - 1439هـ.

12- محمد سبيلا: الحداثة وما بعد الحداثة، 2000م.

13- جهاد سعد: برنارد لويس صهينة الغرب وتتريك العالم الإسلامي، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية، العتبة العباسية المقدسة، الطبعة الأولى، 2018م - 1439هـ.

14- حسان عبد الله حسان: المسلمون والغرب (التأثّر والتحرّر)، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية، العتبة العباسية المقدسة، الطبعة الأولى، 2019م - 1441هـ.

15- مجموعة مؤلفين: هيغل مقاربات نقدية لنظامه الفلسفي، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية، العتبة العباسية المقدسة، الطبعة الأولى، 2020م - 1441هـ.

16- جاك مورال: روزنامة جرائم فرنسا في عالم ما وراء البحار، ترجمة: عماد أيوب،

(238)

مراجعة: جمال عمار، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية، العتبة العباسية المقدسة، الطبعة الأولى، 2017م - 1438هـ.

17- موريسه كروزيه (إشراف): تاريخ الحضارات العام، المجلد 5: عهد الأنوار، نقله للعربية: يوسف أسعد داغر وفريد م. داغر، الطبعة 3، منشورات عويدات، بيروت- باريس، 1985.

18- هيغل، «العقل في التاريخ»، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، دار التنوير، بيروت 2007، ط3

19- هربرت جورج ويلز: «معالم تاريخ الإنسانية- في المسيحية والإسلام والعصور الوسطى وعصر النهضة»، ترجمة عبد العزيز توفيق جاويد، الهيئة المصرية للكتاب، المجلد 3، ط4، القاهرة، 1994.

20- تشارلز وورث: «الإمبراطورية الرومانية»، ترجمة رمزي عبده جرجس، ط1، القاهرة، 1999.

21- ويل ديورنت: «قصة الحضارة»، ترجمة فؤاد أندراوس، ج38، دار الجيل، بيروت.

1- Aicaedi de Saint Paul M. Ségrégations et apartheid: le contexte historique et idéologique, Albatros, Paris, 1979.

2- Adotevi, S. 1972 Négritude et négrologues, Paris, UGE/10/18.

3- Nicolas Bancel. Le maelstrِm colonial : Politique de la mémoire coloniale et rôle de l’histoire universitaire. Revue Canadienne des ةtudes Africaines. Vol. 45, No. 1, 2011.

4- Bertrand Jordan. L’humanité au pluriel. La génétique et la question des races Seuil, 2008.

5- Sophie Bessis, L’Occident et les autres. Histoire d’une suprématie, Paris, La Découverte, 2002.

6- Boidin Capucine et Hurtado Lَpez Fلtima, «La philosophie de la libération et le courant décolonial», Cahiers des Amériques latines, n° 62, 2009/3, p. 17- 23.

7- Pierre Branda et Thierry Lentz, Napoléon, l’esclavage et les colonies, Paris, Fayard, 2006

8- Josef Bordat: Gerechtigkeit und Wohlwollen. Das Vِlkerrechtskonzept des Bartolomé de Las Casas. Shaker, Aachen 2006

9- Buisine, A. 1986 Laideurs de Sartre, Lille, Presses universitaires de Lille.

10- Chevrier, J. Littérature nègre, Paris, Armand Colin. 1983.

11- Bernard Cottret, La Révolution américaine: La quête du bonheur 1763- 1787, Paris, Perrin, 2003

12- Paul Coquerel, L’Afrique du Sud des Afrikaners, 1992, éditions complexe.

13- Catherine Coquery-Vidrovitch. Colonisation, racisme et roman national en France. Revue Canadienne des ةtudes Africaines. Vol. 45, No. 2011.

14- David Cumin, Unité et division de l’Afrique du Sud : l’interdépendance par la constitution, Editions L’ Harmattan, 2003.

(239)

15- Barbara Glowczewski, Du rêve à la loi chez les Aborigènes: mythes, rites et organisation sociale en Australie, Paris, PUF, 1991

16- Gordon, L. R. «Sartre et l’existentialisme noir», Sartre à l’épreuve, Cités. Philosophie, Politique, Histoire, 2005.

17- Fátima Hurtado Lَpez, «Claude Bourguignon-Rougier, Philippe Colin et Ramَn Grosfoguel (dir.), Penser l’envers obscur de la modernité: une anthologie de la pensée décoloniale latino-américaine», Cahiers des Amériques latines, 78|2015, 181- 184.

18- Anne Garrait-Bourrier, L’esclavage aux ةtats-Unis, Paris, éditions Ellipses, 2001

19- Anne Garrait-Bourrier, L’esclavage aux ةtats-Unis— Du déracinement à l’identité, Ellipses, 2001

20- John Keegan, La guerre de Sécession, Perrin, 2009

21- Olivier Le Cour Grandmaison, Coloniser. Exterminer. Sur la Guerre et l’ ةtat colonial, Fayard: Paris 2005.

22- Lugan (B.), La guerre des Boers 1899-1902,  Librairie Académique Perrin, 1998.

23- Les Nations Unies et l’apartheid 1948-1990, série Livres bleus des Nations Unies, volume I, 1995, New York.

24- Marianne Mahn-Lot: La conquête de l’Amérique espagnole, Que sais-je?, P.U.F, Paris, 1974

25- Marianne Mahn-Lot: Bartolomé de Las Casas et le droit des Indiens. Payot, Paris 1982

26- Maximin, D. «Sartre et le Tiers(-Monde)», ms. Bibliothèque nationale, Exposition temporaire. 2005.

27- Henri Médard, Marie-Laure Derat, Thomas Vernet et Marie-Pierre Ballarin. Traites et esclavages en Afrique orientale et dans l’océan Indien, ةditions Karthala, 2013:

28- Carole Reynaud-Paligot. Puf, 2007. Races, racisme et antiracisme dans les années 1930.

29- Carole Reynaud-Paligot. Puf, 2006. La République raciale (1860- 1930).

30- Victor Schœlcher: Esclavage et Colonisation, Avant-propos de Charles-Andre Julien, Introduction d’Aimé Césaire. Textes annotés par بmile Tersen. Presses Universitaires de France, Paris 1948.

31- Victor Schœlcher et l’abolition de l’esclavage. ةditions Le Capucin, Lectoure 2004.

32- Tutu. D. Amnistier l’Apartheid : travaux de la Commission Vérité et Réconciliation.

33- Coquery- Vidrovitch C., L’Afrique occidentale au temps des Français. Colonisateurs et colonisés (1860- 1960), Paris, La Découverte, 1992.

34- Bernard Vincent, La Révolution américaine 1775- 1783, Nancy, Presses Universitaires de Nancy, 1985, tome 2.

(240)
المؤلف في السطور د. حميد لشهب باحث واكاديمي مغربي ، مقيم في النمسا منذ أكثر من 25 سنة . حصل على درجة دكتوراه قسم الفلسفة ، علوم اللغة والتواصل وعلوم التربية ، تخصص علوم التربية ، جامعة ستراسبورغ الفرنسبة ، سنة 1993 . للمؤلف : 1- إبستمولوجية علوم التربية وعلوم التربية العربية الواقع والآفاق ، منشورات اختلاف ، 1996. 2- الطفل والله : الأسس النفسية لظهور وتطور فكرة الله عند الطفل ، البوكيلي للطباعه ، دسمبر 1998 . رحابة فكر ، دار أبي رقراق للطباعة و النشر ، الرباط ، 2010 . 3. في رحاب الفكر ، جاهز للطبع 4. النخبة المغربية المهاجرة ، الرأسمال البشري الضائع ؟ في طريق الإعداد . 5- مشارف ، حوارات في الفكر والحوار الثقافي والهجرة . جاهز للطبع . كتب بالألمانية : 1- لعب الظل : مع مجموعة من الأدباء النمساويين ، 1995 . 2- الكتابة ، مع مجموعة من الأدباء النمساويين ، 1987 . 3- أبي مغربي . دورنبيرن ، النمسا ، 2005 . بالعربية : 4- ثمانية عشر سنة دراسية مهربة عن طريق البحر ، مطبعة فضالة ، شتنبر 1999 . 5- موسم العودة إلى الجنوب ، الهلال العربية للنشر والتوزيع ، أكتوبر 1998 . 6- حفريات مهاجر . مطبعة فضالة ، المحمدية ، 2003 . 7- (في طريق الإنجاز) . 8- الأبارتهايد (هذا الكتاب) ، المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية ، 2020 . 9- دائرة فيينا ، المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية ، 2019 . بالفرنسية : 8- sindibad le serfer imprimerie fedala mohadia2003 وله عشرات الكتب والدراسات المترجمة من الألمانية إلى العربية .
هذا الكتاب الأبارتهايد سعت هذه الدراسة إلى فهم مصطلح الأبارتهايد كمفهوم وكتجربة سوسيو - تاريخية في سياق علافة الكولونيالية الأوروبية والأمريكية مع البدان ولا سيما المستعمرة في أفريقيا . كما تبين الخلفية الإيديولوجية للعنصرية الغربية وطريقة اشتغالها وارتباطها الوثيق بالحركات الاستعمارية لتصبح أطروحة الأبارتهايد أداة سياسية لإدارة المستعمرات حيث أفصحت عن نفسها بصورة صارخة في أفريقيا الجنوبية عام 1948م وفي المنطقة العربية عبر الاستيطان الصهيوني في فلسطين . المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية http://www.iicss.iq [email protected]