فهرس المحتويات

رؤى نقدية معاصرة 5 العتبة العباسية المقدسة المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية عبد الكريم سروش دراسة النظريات ونقدها مجموعة مؤلفين

العتبة العباسية المقدسة 

المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية 

رؤى نقدية معاصرة 5 

عبد الكريم سروش 

دراسة النظريات ونقدها 

مجموعة مؤلفين 

بسم الله الرحمن الرحيم 

(3)

عبد الكريم سروش : دراسة النظريات ونقدها / تأليف مجموعة مؤلفين .-الطبعة الاولى.-النجف، العراق : العتبة العباسية المقدسة ، المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية ، 1442ه.=2021 . 352صفحة ، 21×15سم.- (رؤى نقدية معاصرة ، 5)

يتضمن ارجاعات ببليوجرافية : صفحة 350-351.

ردمك : 9789922625607

1.سروش،عبد الكريم،1945-2.الفلسفة الاسلامية . أ . العنوان .

LCC:B741.S27 A23 2021

مركز الفهرسة ونظم المعلومات التابع لمكتبة ودار مخطوطات العتبة العباسية المقدسة

فهرسة اثناء النشر 

الفهرس

كلمة المركز7

ـ«المنهجية التأسيسية»‌ للمشروع الفكري لعبد الكريم سروش

مهدي رجبي9

ـ  نقد نظريّة التطوّر الشامل في الإبستيمولوجيا الدينيّة

علي كلبايكاني رباني93

ـ  الوحي والتجربة الدينيّة برؤية الدكتور عبد الكريم سروش

محمّد محمّد رضائي133

ـ دراسة اللّاواقعيّة الأخلاقيّة من زاوية التنوير الديني ونقدها (في ضوء اتجاه عبد الكريم سروش)

مسلم محمدي179

ـ نقد النسبيّة في نظريّة القبض والبسط

هاجر بردبار213

ـ مناقشة اتجاه عبد الكريم سروش في فلسفة العلوم الإنسانيّة ونقده

عيسى اسكندري257

«الوحي ليس تجربةً دينيّةً» دراسةٌ تحليليّةٌ لحقيقة الوحي في رحاب ثلاث نظريات

علي رضا قائمي نيا285

(5)
(6)

كلمة المركز

يُعتبر الفكر المعاصر مكوّنًا أساسيًّا في المنظومة الفكريّة الإسلاميّة، والتّراث المعاصر لا يختصّ بطبيعة الحال بالعالم الإسلامي فحسب، وإنّما له ارتباطٌ بجميع الثقافات والكيانات الجماعيّة التي تضرب بجذورها في تاريخ البشريّة.

ويتبلور هذا الفكر على أرض الواقع حينما تشهد الساحة ظهور فكرٍ «آخر» بصفته ثقافةً وسلسلةَ مفاهيم دلاليّة منافسة، فالزمان والمكان إلى جانب المنافسة التي تحدث على ضوء مجموعةٍ من المفاهيم التي يطرحها «الآخرون»، كلّها أمورٌ تحفّز المدارس الفكريّة والثقافات الأصيلة للعمل على التأقلم مع الظروف الجديدة، وفي الحين ذاته تحفّزها على السعي للحفاظ على حيويّتها وخصوصياتها التي تميّزها عن «الآخر».

لو أنّ التاريخ شهد في بعض مراحله إقبال العلماء المسلمين على التراث الفلسفي الإغريقي باعتباره نطاقًا منسجمًا من الناحية الدلاليّة وذا مضامين عميقة لدرجة أنّ بعض الفلاسفة من أمثال الفارابي وابن رشد ولجوا في فضائه الفكري وحاولوا إقامة تعريف لمعانيهم ورؤاهم الدينيّة متلائمًا مع هذا الآخر الدخيل، ففي العصر الراهن باتت الثقافة والحضارة الغربيتان الحديثتان المتقوّمتان على أسسٍ علمانيّةٍ وتوسّعيّةٍ، تمثّلان «الآخر» بالنسبة إلينا ولسائر الثقافات غير الغربية.

النظام الدلالي المنبثق من الفكر الغربي قد أسفر عن إيجاد تحدّياتٍ كبيرةٍ لـ «ذاتنا الإسلامية» بفضل تفوّقه سياسيًّا واقتصاديًّا، ونطاق هذا التحدّي يتّسع أكثر يومًا بعد يومٍ؛ لذلك طرحت العديد من الحلول لمواجهته؛ وقد استسلم بعضهم لواقع الأمور بعد أن شعروا بالخشية من الغرور الغربي، فراحوا يبحثون عن الحلّ في العالم الغربي نفسه، لذا دعوا بانفعالٍ إلى ضرورة ملائمة «ذاتنا» مع

(7)

هذا «الآخر»؛ إلا أنّ آخرين سلكوا نهجًا مغايرًا ودعوا إلى تفعيل تراث «ذاتنا» وأكّدوا على أنّ الحلّ لا يتبلور في ديار منافسنا، وإنّما هو كامنٌ في ديارنا. نعم، تراثنا المعاصر هو ثمرةٌ لكلّ حلٍّ يمكن أن يطرح في هذا المضمار.

وفي هذا السياق بادر المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيّة عبر مجموعة من الباحثين إلى استطلاع المشاريع الفكريّة لأبرز العلماء والمفکّرين في العالم الإسلامي من الذين تنصبّ نشاطاتهم الفكريّة في بوتقة الفكر المعاصر؛ وذلك بهدف بيان واقع مسيرة إنتاجهم الفكري وكيفيّة تبلور آرائهم بصياغتها النهائيّة. وفي هذا النمط من الدّراسات عادةً ما يتمّ تسليط الضوء على مسيرة الإنتاج الفكري الهادف إلى إيجاد خلفيّاتٍ ومبانٍ فكريّةٍ ونظرياتٍ تحت عنوان «المنهجیّة التأسیسیّة» من خلال دراسة وتحليل مدى نجاح الفكر المعاصر أو إخفاقه بشكلٍ صريحٍ وشفّافٍ. يتضمَّن هذا الجزء مجموعة من البحوث التخصّصية خصّصت لدراسة وتحليل ونقد قضايا فكريّة مفصلية ورئيسية، طرحها عبد الكريم سروش علمًا بأنّه من المؤلِّفين المكثرين، حيث صنّف الكثير من المؤلّفات في هذا الحقل العلمي. ومن خلال هذا العمل سنقوم كخطوةٍ أولى بتظهير -من خلال فكرة المنهجيّة التأسیسيّة- مسار تبلور المشروع الفكري لعبدالکریم سروش؛ حيث نقوم بطرح خلفيّاته ومبانيه وآرائه ونظرياته. وفي الخطوة الثانية وعبر مجموعة من المقالات نسعى إلى تبیين القضايا التي طرحها في آرائه ونظرياته؛ حيث قمنا بدراساتٍ تحليليّة ذات طابع نقدي؛ بغية أن تتّضح لنا آفاق هذا المشروع ومدى نجاحه أو فشله في رحاب أسس الثقافة الإسلاميّة.

وفي الختام نتقدّم بالشكر الجزيل إلى جميع الفضلاء الذين أسهموا بشكل وآخر في تحقيق هذا العمل، والحمد لله ربِّ العالمين.

المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيّة

ربیع الأوّل 1442

(8)

 

 

 

«المنهجیّة التأسیسیّة»‌
للمشروع الفكري لعبد الكريم سروش[1]

 

مهدي رجبي[2]

المقدمة

يُعدّ الدكتور عبد الكريم سروش من المفكرين المستنيرين الإيرانيين، وقد أثار في مختلف مراحله الفكريّة من خلال نظريّاته في حقل المسائل الفکريّة الكثير من الأبحاث في المحافل والأروقة التخصّصيّة، وانتقلت هذه الأبحاث في بعض الأحيان لتظهر على الساحة السياسيّة والاجتماعيّة أيضًا. يُضاف إلى ذلك أنّه من أولئك المفكّرين الذين سجّلوا لأنفسهم حضورًا في المحافل العلميّة في خارج إيران، ومن بينها بعض البلدان الإسلامية أيضًا. وإن كانت الدّوافع إلى هذه الاهتمامات في بعض الحالات لا تخلو من مآرب سياسيّة أيضًا. وعلى كلّ حال فإنّه بالنّظر إلى الأهميّة والمكانة التي اكتسبها، يجدر بنا مناقشة مختلف أبعاده وزواياه الفكريّة وتحليلها بشكلٍ عام.

(9)

إنّ هذا المقال يسعى إلى التأمّل في المشروع الفكري لهذا المفكّر في إطار الدّراسات الأخيرة التي يُطلق عليها مصطلح «المنهجيّة التأسيسيّة».‌ توضيح ذلك أنّ الأفكار والنظريات إنّما تتبلور في إطار التعاطي مع مجموعتين من العناصر والخلفيات، وهما: العناصر والخلفيات المعرفيّة، والعناصر والأسباب غير المعرفيّة. إنّ العناصر المعرفيّة تشتمل على المباني الأنطولوجيّة والأبستمولوجيّة وكذلك المباني الأنثروبولوجيّة (نظرة إلی الإنسان)، والتيّارات والشخصيات المؤثّرة على رؤية وفكرة ما. وأمّا العناصر غير المعرفيّة فهي تلك العناصر والخلفيات التي لا تشتمل على ماهيّةٍ معرفيّةٍ، وإنّما تنطوي على خلفيّات وأرضيات سياسيّة واجتماعيّة واقتصاديّة وما إلى ذلك[1]. إنّ دراسة النظريات ضمن هاتين المجموعتين من العناصر والخلفيات هو ما يطلق عليه عنوان: «المنهجيّة التأسيسيّة»‌.

وسوف نبحث في هذا المقال الاتّجاه الفكري للمفكر الإيراني عبد الكريم سروش ضمن إطار هذا المنهج. ولهذه الغاية سوف نعمل في بداية الأمر -بعد المرور على سيرته الذاتية- على بيان الخلفيات المعرفيّة وغير المعرفيّة لتفكيره، ثم ننتقل بعد ذلك إلى تحليل مشروعه الفكري، والنظريات المختلفة المتبلورة في صلب هذا المشروع.

(10)

1 ـ السيرة الذاتيّة لعبد الكريم سروش

ولد حسين حاج فرج الله دبّاغ، المعروف بـ«عبد الكريم سروش»، في العاصمة الإيرانية طهران، في الخامس والعشرين من شهر آذر سنة 1324 للهجرة الشمسية (الموافق للسادس عشر من شهر أيلول عام 1945 م)[1].

بعد أن أكمل الدكتور سروش دراسته الابتدائية، أكمل مرحلته الدراسيّة المتوسطة في إعداديّة العلوي في حقل الرياضيات، ثم حصل على شهادة الدكتوراه من كلية الصيدلة في جامعة طهران. وفي عام 1351 هـ ش (1972 م) انتقل إلى إنجلترا ليدرس في لندن الكيمياء التحليليّة، ودرس في الوقت نفسه فلسفة وتاريخ العلم أيضًا. وبالإضافة إلى دراساته الجامعيّة، كان مطّلعًا على الفلسفة الإسلاميّة أيضًا[2].

وبعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، أصبح الدكتور سروش واحدًا من أعضاء لجنة الثورة الثقافيّة، وبعد افتتاح الجامعات مارس التدريس في هذه الجامعات أيضًا. ولكنّه أخذ بعد ذلك يطرح موضوعاتٍ مثيرةً للجدل في حقل المسائل والأبحاث الدينيّة، الأمر الذي أدّى إلى فصله من التدريس في الجامعات، لينتقل بعدها إلى الولايات المتحدة الأميركية، ليختصّ هناك في تدريس المعارف المولوية[3] والإسلاميّة. كما درّس الدكتور سروش في تلك الأعوام في ألمانيا وهولندا أيضًا[4].

(11)

وإنّ مؤلفات من قبيل: «ما هو العلم؟ ما هي الفلسفة؟»[1]، و«معرفة العلم الفلسفي»[2]، و«فلسفة التاريخ»[3]، و«العلم والأخلاق»[4]، و«العلم والإيمان»[5]، و«دروس في فلسفة علم الاجتماع»[6]، و«الصُّرُط المستقيمة»[7]، و«القبض والبسط النظري للشريعة»[8]، و«بسط التجربة النبوية»[9]، وغيرها من المؤلفات، هي من أهم آثار الدكتور سروش.

2 ـ الخلفيات الفكريّة للدكتور سروش

إنّ أسباب ظهور فكرة أو نظريّة ما في ظرف وعي العالم، إنّما تمثّل في الحقيقة خلفيات لتبلور تلك الفكرة والنظرية. إن الخلفيات كما تقدم تنقسم إلى خلفيات معرفيّة وخلفيات غير معرفيّة، وإنّ الخلفيات المعرفيّة هي عناصر وأسباب دخيلة في التكوين والتبلور التاريخي للنظرية، ولها ارتباط منطقي بتلك النظرية. وأما الخلفيات غير المعرفيّة فليس لها ارتباط منطقي بالنظرية، وهي في الغالب تلعب دورَ الدّافع والحافز لا أكثر[10].وفي هذه الدراسة سوف نعمل في البداية على بيان الخلفيات غير المعرفية لفكر سروش، لننتقل بعد ذلك إلى بيان الخلفيات المعرفيّة لتفكيره.

(12)
2 / 1 ـ الخلفيات غير المعرفيّة

إنّ المراد من الخلفيات غير المعرفيّة هي العناصر والخلفيات التي تترك تأثيرًا محفّزًا لدى المفكر، وهي عبارة عن أسباب وخلفيات من قبيل: العناصر والعوامل النفسية، والتربوية، والظروف الثقافية والسياسية والاجتماعية التي عاش المفكر في كنفها وخاض تجربتها.

2 / 1 / 1 ـ الخلفيات الفردية والتربوية

ولد الدكتور سروش ونشأ في أسرة متديّنة ومحبّة للأدب. فقد كان والده تاجرًا شغوفًا بالشعر إلى حدّ كبير، وكان يحفظ الكثير من الأشعار، وكان ينشد الشعر أيضًا[1].

أمضى الدكتور سروش دراسته الابتدائية في مدرسة القائميّة الواقعة في جنوب طهران، ثم دخل إعداديّة مرتضوي، ولكن بعد ذلك بسنة ارتأى والده أن ينقله إلى إعدادية حديثة التأسيس باسم إعدادية العلوي لإكمال دراسته هناك، حيث واصل دراسته في حقل الرياضيات[2].

وبفعل تواجده في إعداديّة العلوي، وتأثره بمؤسّسها (علي أصغر كرباسجيان)، تعرّف على منظمة الحجتية[3]، ليتخلّى عنها بعد سنة من انتمائه إليها؛ إذ وجد أنّها لا تلبي تطلّعاته ولا تستجيب لهواجسه واستفهاماته[4].

(13)

وعلى الرغم من أنّ إعداديّة العلوي كانت ذات طابع ديني، إلّا أنّها كانت تحوي عناصر من منظمة الحجتية، وكان أعضاء هذه المنظمة يسيؤون الظنّ على نحو خاص بالعلماء والمؤسّسة الدينيّة الثوريّة، وبسبب عتب مؤسّس هذه المنظمة على المؤسّسة الدينيّة، فقد تجذّر سوء الظّنّ هذا تجاه المؤسّسة الدينيّة الثوريّة في هذه المدرسة، وبذلك فقد ترك هذا الأمر تأثيره في التضاعيف الخفيّة من شخصيّة الدكتور سروش[1]. ومن هذه الناحية يذهب البعض إلى الاعتقاد بأنّ

 «القضايا التي احتدمت لاحقًا بين الدكتور سروش وحملة الدين الرسميين، وسوء ظنّه الدائم تجاه هؤلاء قد يكون بتأثير من ذلك العتاب الأوّل الذي كان يُبديه كرباسجيان تجاه المؤسّسة الدينية وعلماء الدين»[2].

أيضًا، تعرّف الدكتور سروش على مؤلّفات العلّامة الشهيد مرتضى المطهري، والمهندس مهدي بازركان، والعلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، بتأثير من مدير مدرسة العلوي رضا روزبه، وفي الحقيقة فإنّ رضا روزبه كان هو السبب الرئيس في اتجاه الدكتور سروش إلى الفلسفة. فقد كان رضا روزبه طالبًا في علم الفيزياء في جامعة طهران، وكان ينزع إلى نوع من الإسلام المتطابق مع العلوم التجريبية الحديثة على شاكلة النّزعة الإسلامية لدى المهندس مهدي بازركان[3].

لقد كان التوفيق بين العلوم التجريبية والمعتقدات الدينيّة من أكبر هواجس

(14)

رضا روزبه، وكان يعمل على نقل هذه الهواجس بدوره إلى تلاميذه. ويبدو أنّ حصص دروسه هي التي عرّفت الدكتور سروش على المحاولات والجهود الأولى في حقل التوفيق بين الدين والعالم الحديث[1].

وحيث كان سروش نجلًا لوالد شاعر وشغوف بالشعر والشعراء، فقد أخذ في المرحلة الإعدادية يخوض في تعلّم الشعر والأدب العرفاني بشكل جاد. وكان للمولوي وسعدي الشيرازي وحافظ مكانة رفيعة ومرموقة لديه. وكان لمولانا جلال الدين الرومي مقامٌ خاصٌّ عنده من بين هؤلاء الشعراء. وقد عمد الدكتور سروش إلى توظيف هذا البُعد من الاتّجاهات الأدبية في طرح نظرياته، وكان يستفيد منه إلى حدّ كبير.

2 / 1 / 2 ـ الخلفيات الاجتماعية / السياسية

إنّ الذي يحظى بالاهتمام في هذا القسم من المقالة وفي إطار تحقيق أهداف هذا التحقيق، هو تحديد المناخ السياسي والاجتماعي والثقافي، الذي  دخل فيه الدكتور سروش دائرة التفكير والتنظير. إنّ أهميّة هذا البحث تكمن في أنّه يعمل على تظهير الخلفيّة السياسيّة / الاجتماعيّة للدكتور سروش، كما أنّه يُشكّل عاملًا مساعدًا في تحليل تفكيره.

(15)
التيّارات الفكريّة المعاصرة في إيران

يمكن التعرّف بشكل عام على ثلاثة تيّارات رئيسةٍ ظهرت بعد المواجهة بين العالم الإسلامي وبين العالم الحديث، وهي تمثّل مواقف عمليّة وسياسيّة في العالم الإسلامي:

    1- التيّار السياسي المغترب والذي يميل إلى السياسات الغربيّة الاستعمارية.

    2- التيّار المقاوم في مواجهة السياسات الاستعماريّة.

    3- التيّار الحيادي واللّا أبالي.

وبالنّظر إلى الماهيّة السياسيّة والعمليّة للمواجهة بين العالم الإسلامي والعالم الحديث في هذه المرحلة، فقد اكتسبت هذه التيّارات في قبال هذه المواجهة ماهيّة عملية وسياسية أيضًا. وفي إيران كانت ذروة المواجهة مع العالم الحديث قد تجلّت في الثورة المشروطة [أو الحراك المطالب بالملكية الدستورية][1]. وفي هذه المرحلة ظهرت جماعات سياسية مختلفة على أساس النسبة التي تقيمها تجاه القوى الغربية الاستعمارية، حيث تبلورت ثلاث قوى وتيارات، وهي: التيار الديني، والتيار التنويري (من اليسار واليمين)، والتيار الاستبدادي. وفي خضمّ هذه الأحداث كانت القوى الدينية حتى عام 1342 هـ ش (1963 م) -وظهور الإمام الخميني قدس‌سره- تعيش حالة من التهميش، وبعد هذه المرحلة تحوّلت القوى الدينية إلى عناصر لها ثقلها وتأثيرها على الساحة الاجتماعية والسياسية. وبعد اتضاح دور الدين في المجالات السياسية والاجتماعية، اشتدّ عود تيار التجديد الديني. وقد عمد تيار اليمين التنويري إلى نقد تيار اليسار التنويري من خلال

(16)

توظيف التقرّب من القوى الدينية. لقد ظهر الدكتور عبد الكريم سروش على الساحة الفكرية في ظل هذا الواقع السياسي. فهو حيث ذهب إلى إنجلترا في سن السابعة والعشرين، تعرّف هناك على الفكر الليبرالي الديمقراطي ولا سيّما من خلال كارل بوبر، والتحق من الناحية العملية بتيار اليمين التنويري. وفي هذه المرحلة عملت الأرضية الدينية المعارضة للماركسية في إيران على توفير الأجواء لظهور واحتضان الليبرالية بشكل أكبر[1]. لا شك في أن الحدث السياسي الأهم في حياة الدكتور سروش، والذي ترك تأثيره على الحياة الفكرية له أيضًا، يتمثل في الثورة الإسلامية الإيرانية. إن انتصار الثورة الإسلامية وتبلور الجهود من أجل قيادة الثورة الثقافية، مهّد الأرضية للتنظير حول النزاعات بين التيارات الموجودة داخل الثورة. لقد سجل الدكتور سروش حضوره في هذه المرحلة من خلال عضويّته في الشورى العليا للثورة الثقافية ومن خلال التواجد في المحافل العلمية والجامعية في حقل النشاط العلمي والفلسفي. ويبدو أنّ التجربة هي التي ضاعفت من ضرورة إدخاله في أبحاث فلسفة العلم وفلسفة العلوم الاجتماعية.

(17)
الدكتور سروش والتحدّيات الماثلة أمام الثورة الإسلاميّة في إيران

إنّ ترسيخ قواعد الثورة الإسلامية، وبداية مسار إصلاح البنى، والبحث عن حلول للمشاكل، والشرائط المتغيّرة في المجتمع، وحضور الدكتور سروش في بعض مراكز القرار، قد تظافرت بأجمعها لتضع أمام عينيه ضرورات واحتياجات دفعت ذهنه بالتدريج إلى التأمّل والتفكير. ويبدو أنّ السؤال الكبير الذي تمثّل أمام المنظرين والمفكرين في هذه المرحلة، يكمن في طريقة التوفيق بين ثبات الدين والشرائط المتغيّرة للمجتمع. وكان هذا يمثل بداية طريقٍ صعبٍ سلكه الدكتور سروش. ويبدو أنّ نظريّة القبض والبسط النّظري للشريعة حصيلة هذه الظروف والشرائط. وقد واصل المسألة في هذه النظريّة على أساس من تعلقاته الليبرالية. وقد مثل فوز السيد محمد خاتمي في الانتخابات السادسة لرئاسة الجمهورية في إيران منعطفًا في تاريخ التيارات الفكرية والسياسية في إيران. وقد تحوّل الدكتور سروش في هذه المرحلة الزمنية إلى زعيم فكري للتيارات الإصلاحية، وأدار صحيفة كيان في إطار تقديم الأهداف النظرية للتيار الليبرالي. وكانت نظرية بسط التجربة النبوية ثمرة هذه المرحلة الفكرية، حيث قدّم فيها نظريته الراديكالية. وكانت هذه النظرية تحتوي على أبحاثٍ مثيرةٍ للجدل. ويرى كاتب السطور أنّ ذروة الازدهار النّظري للدكتور سروش تعود إلى هذه المرحلة. وبعد انتهاء فترة رئاسة السيد محمد خاتمي، لم يعد الدكتور سروش يطيق الشرائط السياسية، الأمر الذي دفعه إلى الهجرة من إيران. وبعد الهجرة أظهر من نفسه نشاطًا نظريًا محدودًا، وخلال هذه المرحلة قدّم نظريتين، وهما: شاعريّة الوحي، واعتبار الوحي مجرّد رؤيا. وقد مثلت هاتان النظريتان مرحلة الضعف والأفول النظري لنجم الدكتور سروش.

(18)
2 / 2 ـ الخلفيات المعرفيّة

إنّ الخلفيات المعرفيّة عبارة عن عناصر وعوامل ذات صلةٍ منطقيّةٍ بالنظريّة، وتعدّ شرطًا لازمًا لتبلور تلك النظريّة وظهورها. وهذه العوامل تشمل المباني الفكريّة، والاتّجاهات والمدارس التي تركت تأثيرها على المفكر[1].

وفي معرض دراسة الخلفيات المعرفيّة، سنعمل أوّلًا على التعريف بالمفكرين الذين تركوا تأثيرهم على المنظومة الفكريّة للدكتور سروش، ثم ننتقل بعد ذلك إلى بيان المباني الفكري له. وبطبيعة الحال سوف يكون التركيز الأكبر في هذا الشأن على الخلفيات غير الوطنيّة من تفكيره؛ لاعتقادنا بأنّ مقالة واحدة لا يُمكنها أن تتّسع إلى الاهتمام التفصيلي والمتزامن بكلتا الناحيتين ـ الوطنية وغير الوطنية ـ من تفكيره.

2 / 2 / 1 ـ المفكّرون المؤثّرون في المنظومة الفكريّة لسروش

في هذا القسم يتمّ بحث تأثير مفكرين من أمثال إيمانوئيل كانط، بالإضافة إلى التيّارات الكانطيّة الحديثة، وبوبر، وإقبال اللاهوري. وفي دراستنا لتأثير كلّ واحد من هؤلاء المفكرين، سوف نسعى إلى تحديد نوع التأثر وتجليه على نظريات الدكتور سروش.

(19)
كانط والكانطيون الجُدد

لقد تبلورت المنظومة الفكريّة لكانط على أساس فكرة الثورة الكوبرنيقيّة، وفصل الذات عن الظاهرة. لقد كان كانط يواجه هذا التحدي، وهو أنّه بحسب النزعة التجريبية لديفيد هيوم يكون أخذُ الضرورة والكلية المطلقة من المعطيات التجريبية أمرًا ممتنعًا، وبذلك يكون الوصول إلى اليقينيات والتصديقات الضرورية والكلية مستحيلًا[1]. وفي مقام حلّ هذا الإشكال قدّم فكرة الثورة الكوبرنيقية، وذهب إلى الاعتقاد بأنّ الأعيان لكي تكون متعلقًا لعلمنا ومعرفتنا، يجب أن تكون متطابقة مع الذهن وليس العكس؛ بمعنى أنّه يجب أن تكون مقيّدةً بسلسلة من الشرائط المسبقة لقوتي الحسّ والفاهمة[2]. إنّ الزمان والمكان يمثلان صورًا شهوديةً بحتةً أو مسبقة لقوّة الحسّ الذي هو شرط لازم وسابق لظهور التصوّرات الحسية أو الصور الانطباعية. وإن قوّة الفهم بدورها مشتملة على المقولات الاثنتي عشرة التي يتم تركيب التصورات الحسيّة على أساسها، ويتم الحكم بالارتباط فيما بينها.

ومن هنا فقد ذهب إيمانوئيل كانط إلى الاعتقاد بأنّ الذهن ليس منفعلًا بشكل محض، بل يبدي من نفسه نشاطًا، ويُضيف صورًا ومقولات من عنده على المدركات؛ وعليه يكون الحصول على معرفة الأشياء متوقفًا على تطبيق الأشياء على الصوَر والمقولات الذهنيّة. ونتيجةً لذلك لا يكون هناك وجود لمحض التجربة؛ وذلك لأنّ التجارب الحسيّة تحدث أوّلًا ضمن مقولتي الزمان والمكان، ثم تحكم الفاهمة على الروابط فيما بينهما على أساس مقولاتها.

(20)

وفي الحقيقة فإنّ كانط قد حكم -من منطلق هذه الرؤية، ومن خلال تأصيل الفاعل المعرفي- بفصل وانفصال الذات (الشيء كما هو) عن الظاهرة (الشيء كما يبدو)، وقال في هذا الشأن: «إنّنا إنّما نعلم بالعالم لا كما هو في نفسه، وإنّما ندركه كما يبدو في ذهننا فقط»[1]. وعلى أساس هذا التفسير للمعرفة يكون عالم الأشياء في نفسه عالمًا بلا تنظيم وبلا شكل، وإن الذهن هو الذي يضفي عليه النظم من خلال إطلاق المقولات الذهنية على التجارب الحسيّة؛ وبذلك فإنّ كانط يعتبر العالم تابعًا للموضوع الإنساني ومقولاته الذهنية. ومن هذه الناحية يكون العالم هو ذلك الشيء الذي يبدو أو يتجلى في الظاهر[2].

والنقطة التي يجب الالتفات إليها هي أنّ كانط على الرغم من اعتباره الذهن فعالًا في مقام المعرفة، ولكنّه يعتبر بنية الذهن ومقولاته ثابتة، ويرى أن هذا القالب مشترك بين جميع آحاد البشر، و«بالنظر إلى ثبات بنية الشعور وذهن الإنسان، فإنّ الأشياء والأعيان تظهر عندنا بطريقة خاصّة ومعيّنة على الدوام. وعلى هذا يغدو بإمكاننا إصدار الأحكام والتصديقات العلمية الكلية والعامّة»[3].بيد أنّ الأمر لم يقف عند هذا الحدّ، وإنّما جاء الكانطيون الجدد لاحقًا ليواصلوا هذا المشوار ويدّعوا بأنّ الذهن ليس غير منفعل محضًا فحسب، وليس هو فاعل ويضيف مقولات إلى المدركات فحسب، بل إنّ هذه المقولات ليست ثابتة، فهي تتغيّر بحسب الظروف النفسيّة والتاريخيّة، وتظهر في مختلف الشرائط التاريخيّة

(21)

والنفسيّة على أشكال وصور مختلفة أيضًا[1]. ثم إنّه وبالتدريج لم يقف النّشاط الذهني في مسار المعرفة عند حدود المعرفة التجريبية فقط، وإنّما تمّ تعميمه إلى كلّ شيءٍ يمكن لتفكير الإنسان أن يطاله، سواء أكان تفكيرًا علميًا أم فلسفيًا أم دينيًا أم فنيًا أيضًا[2].

ويمكن لنا هنا أن ندّعي نوعًا من التماهي لدى الدكتور سروش مع هذه الرؤية في بسط التجربة النبويّة، وذلك حيث يقول:

«إنّ الوحي كان تابعًا له [النبي]، ولم يكن هو تابع للوحي»[3].

 بمعنى أنّ الوحي أو التجربة الدينيّة للنبي إنّما تتبلور في ضوء الديالكتيك والتفاعل مع الشرائط الداخلية والخارجية (الشرائط الاجتماعية)، وأنّ النبي يكون فاعلًا وناشطًا في مسار الوحي، ولا يكون منفعلًا فقط.

وبطبيعة الحال لا ينبغي هنا أن نغفل عن تأثير الأفكار العرفانيّة في العالم الإسلامي -والتي كانت تنظر إلى المسائل المعرفيّة بشكلٍ مختلفٍ عن المفاهيم الكانطيّة- على الدكتور سروش أيضًا، وكما سبق أن ذكرنا فإنّ هذا يستدعي حيّزًا ومقالًا مستقلًا، وربّما كانت جذور تفكيره في حقل الوحي قد تبلورت ضمن التيّارات المستوطنة في العالم الإسلامي قبل أن يتّصل بالعالم الجديد، ولا يمكن إخفاء أن معارف هذه التيارات المستوطنة داخل العالم الإسلامي كانت بدورها قد واجهت الكثير من النقاشات والردود.

(22)
كارل بوبر

لقد أقام كارل بوبر منظومته المعرفيّة على أساس ردّ كلا طرفي التشكيك والنزعة الإثباتية. فهو من جهة يرى أنّ رسالة الفلسفة والعلم تكمن في البحث عن الحقيقة، ومن جهةٍ أخرى يقيم أساس معرفته على المنهج النقدي والإبطال دون الإثبات أو التأييد[1]. ويمكن القول بأنّ نظريّة بوبر تقول على ثلاثة أصول، وهي:

    1- تقدّم النظريّة على المشاهدة.

    2- الاقتراب من الحقيقة.

    3- تطوّر العلوم.

إنّ الواقعيّة من وجهة نظر النّزعة الإبطاليّة لكارل بوبر ليست أمرًا مجرّدًا ولا يمكن مشاهدته[2]. بل

 «إنّ المشاهدة مسبوقة على الدوام بالاهتمام والالتفات والعلاقة الخاصة، من قبيل مسألة ما أو سؤال ما -على سبيل المثال- (وباختصار: إنّها مسبوقة بشيء نظري)... وعليه يمكن الادعاء بأن كل مشاهدة، مسبوقة بمسألة أو فرضية أو شيء نظري يحفّزنا ويحثنا على التعلق بها»[3].

(23)

وعلى هذا الأساس لا وجود للمشاهدة الخالصة والمجرّدة عن النظريّة، بل إنّ النّظريات متقدّمة على المشاهدات، وإنّ القضايا المشهودة مفعمة وزاخرة بالنظريات التي تتغذّى على التوقّعات والثقافات وما إلى ذلك، وتؤثّر على بيان المشاهدات وتفسيرها.

وبناء على هذا الأصل يقوم كلّ علمٍ على علم سابق؛ لأنّ المشاهدة مسبوقةٌ بالفرضيّة، والفرضيّة تصاغ استنادًا إلى العلوم الموجودة. وعليه فإنّ «العلم لا يبدأ من العدم أبدًا، ولا يمكن تعريفه بشكلٍ مجرّدٍ من الفرضيات إطلاقًا»[1].

إنّ بوبر -خلافًا للنزعة الإثباتيّة- ينفي إمكان البرهنة على إثبات الأفكار. إذ لا يوجد لدينا -من وجهة نظره- ملاك لإثبات الصدق وتعيينه. ولكنّه يؤكّد على وجوب عدم التخلي عن السعي من أجل الوصول إلى الحقيقة؛ إذ من الممكن حقًا أن تكون بعض فرضياتنا متطابقة مع الواقع، وأن يكون حدسنا للحقيقة صائبًا[2]. وعلى هذا الأساس فإنّه وإن لم تكن الحقيقة قابلة للإثبات، ولكنّها تقبل أنواع الحدس، وأن تكون في معرض النقد والاختبار. ولكن لا بدّ من الالتفات إلى أنّه لا يمكن من زاوية النزعة الإبطالية اعتبار أيّ نظرية صادقة؛ حتى تلك التي تخرج من الاختبارات الدقيقة بنجاح[3]. وذلك لأنّ «كل نظرية قدّ تتعرّض إلى المشاكل والتحديات في يوم ما، وإن كانت حتى الآن هي المنتصرة والصامدة في وجه الاختبارات»[4]. وبعبارة أخرى:

(24)

إنّ الاختبار والنقد في نظرية البطلان لا يمثلان معيارًا لإثبات النظرية، وإنّما هما معياران للاقتراب من الحقيقة؛ بمعنى أنّنا من خلال الاختبار وإبطال نظرية ما، نستطيع أن نعتبر بأخطائنا، ومن خلال توصلنا إلى خطأ حدسنا، نتعلم بعض الأمور بشأن الحقيقة، ونكون بذلك أقرب إلى الحقيقة[1].

إنّ كارل بوبر من القائلين بتطوّر العلوم. إنّ تطوّر العلوم من وجهة نظر بوبر عبارة عن:

 «القيام باختبارات، وحذف الأخطاء، والقيام باختبارات جديدة»[2].

 توضيح ذلك أنّ طرح الفرضيات القابلة للإبطال بشأن الوجود، والعمل على اختبارها وإبطالها، ضمن حذف أخطائنا بشأن الحقيقة، يجعلنا في مواجهة أوجه أحدث للوجود والحقيقة، ويؤدّي إلى اقتراح نظريات وفرضيات أكثر حداثة بشأنها، ويستمرّ مسار الاختبار والنقد، وإن تطوّر العلم ليس شيئًا غير ذلك. وفي الحقيقة فإنّ النظريات العلميّة بمنزلة الشباك لاصطياد العالم والحدس بشأنه، والعلم إنما يتطوّر عبرهذه الأنواع من الحدس والسعي إلى إبطالها[3].

إنّ النظريات العلميّة في إطار هذه الأصول الثلاثة، من وجهة نظر الرؤية الإبطالية، لا تبدأ بالمشاهدات البحتة، وإنّما بالفرضيات القائمة على الحدس المتقحّم والجريء بشأن العالم الخارجي، وبهدف توصيف وتبيين جانب منه، ثم يتم السعي بعد ذلك إلى نقد الفرضيات التي تمّ حدسها ووضعها في معرض

(25)

الإبطال. إن النظريات ما دامت متفوقة في الاختبار، يتم الحفاظ عليها مؤقتًا، ويتمّ تعريضها لاختبارات أكثر تعقيدًا، وإذا تمّ إبطالها، تمّ طرح نظريات أحدث منها، ويستمر هذا المسار إلى ما لا نهاية[1].

ومن الجدير ذكره في الختام أنّ كارل بوبر وإن كان في دراسته لمسار تحصيل المعرفة يركز على المعرفة التجريبية، ولكنّه لا يراها محدودة بالمعرفة التجريبية، وإنّما يعمّمها إلى سائر المعارف البشرية أيضًا[2].

وقد استفاد الدكتور سروش من هذه الأصول الثلاثة في كل من كتابيه: القبض والبسط النظري للشريعة، وبسط التجربة النبوية. والوجه الأبرز للشبه بين آراء الدكتور سروش وكارل بوبر، يكمن في اعتقادهما بمدخليّة دور المعلومات السابقة في الحصول على المعلومات والمعارف الجديدة[3].

العلّامة إقبال اللاهوري

إنّ من بين الأشخاص الذين تأثّر بهم الدكتور سروش هو محمد إقبال اللّاهوري. إنّ الدكتور سروش سواء في القبض والبسط النظري للشريعة أوبسط التجربة النبويّة قد تأثّر بإقبال اللاهوري بشكل وآخر. إنّ إعادة قراءة النّصوص الدينية من زاوية العلم الجديد نظرية كان إقبال اللاهوري هو أول من صدع بها. يؤكد إقبال اللاهوري على ضرورة عقلنة الدين، ويذهب إلى الاعتقاد بأنّ الحقائق الكلية

(26)

التي يجسّدها الدين يجب ألّا تبقى غير متعيّنة؛ إذ ليس هناك أحد يريد لعمله أن يقوم على أسسٍ مشكوكةٍ. ومن هنا فإنّ الدين بلحاظ المسؤوليّة الملقاة على عاتقه (قيادة وتغيير الحياة الداخلية والخارجية للناس)، يحتاج إلى أن يقيم أصوله الأوّليّة على أسسٍ عقلانيّةٍ[1].

والحاصل أنّه بناء على الصورة التي يُقدّمها حول العلاقة بين العقل والدين أو العلم والدين، من الضروري أن يقوم الدين أبدًا على مكتسبات العلوم البشريّة، والعمل على إصلاحه في ضوء موازين العلم والفلسفة الجديدة[2]. وكما سنرى في الأبحاث القادمة، فإنّ الدكتور سروش قد عمل في كتابه القبض والبسط النظري للشريعة على شرح وبسط هذه الرؤية التي جاء بها اللاهوري، وقدّم عنها تقريرًا جديدًا يتطابق مع تعاليم فلسفة العلم، ولا سيّما منها مفهوم النزعة الإبطالية. إن إقبال اللاهوري رغم اعتباره الدين أمرًا خالدًا يجب أن يتماهى ويتماشى مع متغيّرات ومقتضيات العصر، إلا أنّه لا يقدّم توضيحًا لكيفيّة هذا التماهي والتماشي. بيد أنّ الدكتور سروش قد عمل على توضيح هذه الكيفيّة في نظريّة قبض وبسط الشريعة بما يتطابق والتعاليم الإبطالية، وسعى إلى التعريف بطريق للتوفيق بين الأبدية والتغيير.

يذهب اللاهوري إلى الاعتقاد بأنّ التجربة الدّينيّة حالةٌ من الإحساس الناشئ عن المواجهة مع الحقيقة النهائيّة التي تشتمل على صورةٍ معرفيّةٍ، وتتضمّن عنصرًا إدراكيًا، ولكنّها حيث تكون شخصيّة ولا يمكن لسائر الأشخاص أن يصلوا إليها، لا

(27)

يمكن نقل محتواها إلى الآخرين إلّا من خلال التفسير والتعبير وعلى شكل البيان الحكمي[1]. وعلى هذا الأساس فإنّ إقبال اللاهوري يرى أنّ التجربة الدينيّة أمر معرفيّ، ويذهب إلى الاعتقاد بأنّ هذه التجربة تمثّل نوعًا من المواجهة مع الحقيقة، وإنّ الذي يحصل من خلالها أمر واقعي وحقيقي مثل سائر التجارب البشريّة الأخرى، وإنّ الحقائق الحاصلة منها مثل الحقائق الحاصلة من سائر التجارب، لها قابليّة التفسير والتعبير، وأن نحصل منها على معرفة؛ لأنّ جميع ميادين التجربة البشريّة ذات قيمة واحدة في معرفة الحقيقة والواقعيّة النّهائيّة[2]. ولكن لا بدّ من الالتفات إلى أنّ ما يتمّ نقله إلى الآخرين في إطار بعض القضايا، إنّما هو تفسير للتجربة التي يتموضعها تحت تصرّف الآخرين، وليس مضمون التجربة الدينيّة نفسها؛ وذلك لأنّ ذات التجربة الدينيّة أو الباطنيّة تحصل بشكل مباشر ومن دون واسطة، وغير قابلة للانتقال إلى الآخرين[3].

وفيما يلي سوف نرى أنّ للدكتور سروش تماهياتٍ مع إقبال اللاهوري، وإنّه ضمن أخذه لبعض أفكاره يعمل -في تطبيق التجربة الدينية على الوحي- على التأكيد على الماهيّة التجريبية للوحي، ويسعى بزعمه إلى إظهار فاعليّة النبي في التجربة الدينيّة.

(28)
جلال الدين المولوي

لا شكّ في أنّ لجلال الدين المولوي مكانةً كبيرةً وساميةً من وجهة نظر الدكتور سروش، وقد وضع بعض المؤلفات في أفكاره. وليس هناك بحث للدكتور سروش إلا ويستشهد فيه بأبيات من أشعار المولوي ويستعين بهذه الأبيات لبيان مراده. بيد أنّ المهم في البين هو توضيح جهة هذا التأثير.

إنّه يستفيد من المولوي في بيان آرائه وتقريرها، وإن كان لا يمكن تحديد حجم تأثّره بالغرب وعرفاء من أمثال المولوي في نظرياته بشكلٍ دقيقٍ. لا سيّما وأنّ المولوي قد عرض مفاهيمه في قالب من الشعر، والشعر بمقتضى شعريّته له قابليّة التفسير، وإنّ الدكتور سروش يعمل على توظيف هذه القابلية في سياق تقرير آرائه.

2 / 2 / 2 ـ المباني الفكريّة

إنّ كلّ نظريّة ترتبط بسلسلةٍ من الأصول الوضعيّة أو المباني الفلسفيّة بشكلٍ منطقيٍّ، بحيث لولا تلك المباني لما كتب التبلور لتلك النظريات. ومن هنا فإنّ النّظريّة العلميّة لكي يكون لها حضور في ظرف وعي المفكر، ولكي تدخل من الناحية التاريخيّة في حقل الثقافة، يجب أن تكون مبانيها ومبادئها قد سبق لها أن تبلورت، ودخلت في أفق ذهن المفكر ومساحته الثقافية[1]. وعلى هذا الأساس فإنّ هذه المباني تعدّ بمنزلة الأرضيات للنظرية من زاوية أخرى. وسوف نتعرّض إلى هذه المجموعة من المباني الفكرية للدكتور سروش لاحقًا. وقبل الدخول في هذه المرحلة يجب الالتفات إلى هذه النقطة وهي أنّ الدكتور سروش بلحاظ التطوّر

(29)

الفكري الذي حصل له في كل مرحلة، أجرى بعض التغييرات في بعض مبانيه الفكريّة. كما يجب الالتفات إلى أنّ المباني المعرفيّة والأبستمولوجية كانت هي العنصر الأهم -من بين المباني الفكرية للدكتور سروش- في تأثيرها على تفكيره، وفي الحقيقة فإنّ سائر المباني قد انتظمت وتبلورت ضمن الارتباط والتعاطي مع هذه الطائفة من المباني. وعليه فمن الطبيعي عند الخوض في المباني الفكرية أن نركز على المباني المعرفيّة والأبستمولوجيّة بشكلٍ أكبر.

2 / 2 / 2 / 1 ـ المباني الأبستيمولوجيّة

والمراد منها تلك الطائفة من المباني التي تتعرّض إلى كيفيّة ارتباط الإنسان مع العالم وتحصيل المعرفة. إنّ إمكان أو عدم إمكان المعرفة، وطريقة التعرّف على الوجود، ومصادر المعرفة، ومسائل من هذا القبيل، هي التي تعمل على بلورة المباني المعرفيّة والأبستمولوجيّة لكلّ مفكر.

إنّ سروش في مرحلة الشباب، أي في بداية مرحلته الفكريّة كان من الناحية المعرفيّة يشعر من نفسه ميلًا وتعلّقًا -من الناحية الأبستمولوجية- بأبستمولوجيا الفلسفة الإسلاميّة، ولا سيّما ذلك الجانب الذي تجلّى منها في أصول الفلسفة والمذهب الواقعي، وكان يرى الحسّ والعقل متعاضدين ومتظاهرين. وكان في هذه المرحلة يرى الميتافيزيق في طول العلم (وليس خصيمًا له)، له قيمة معرفية وأبستمولوجية، ويذهب إلى الاعتقاد بأنّه يقدّم معرفةً كليّةً عن العالم[1].

وبعبارة أخرى: إنّ العلم ليس خصيمًا للفلسفة والدين. إنّ الدكتور سروش لا يعتبر العلاقة بين العلم والفلسفة علاقة غير متضادة أو متنافرة فحسب، بل

(30)

ويدعو طلاب العلم إلى تعلم الفلسفة أيضًا، ويقول:

 «إن الذي يريد الحصول على المزيد من الاطلاع على هذه الطبيعة، عليه أن لا يقتصر على مستوى من العلم ويعتبر ذلك المستوى غاية مطمحه، ويحرم نفسه من العلوم الفلسفية التي كانت موجودة حتى في ثقافتنا وتاريخنا أيضًا»[1].

بعد ملاحظة الاتجاهات التي سلكها الدكتور سروش في هذه المرحلة نحو الفلسفة الإسلامية، يمكن القول: إنّه قد كان له في هذه المرحلة اتجاهًا واقعيًّا، ويرى المعرفة أمرًا ممكنًا، ويؤمن باكتساب المعرفة من طريق الحسّ والعقل والوحي بوصفها من المصادر المعرفيّة للإنسان.

ثم وبعد دراسته في إنجلترا وتعرّفه على فيلسوف العلم الإنجليزي كارل ريموند بوبر، أحدث تغييرات في اتجاهه الواقعي. إنّه في هذه المرحلة من خلال اتّجاهه إلى الواقعيّة البوبريّة يحافظ على اعتقاده بوجود حقائق خارج الذهن، ولكنّه يرى أنّه لا يمكن الاقتراب من هذه الحقائق إلا من طريق العلم فقط، ولا يمكن الحصول على اليقين فيما لو أنّنا قد حصلنا على الواقعيّة كما هي أم لا. في إطار الواقعيّة البوبريّة لا يزال العقل حاضرًا إلى جوار الحسّ، ولكن العقل هو الذي يمتلك ناصية الحكم بشأن العثور على مادة النقض في قبال الفرضيّة الكليّة، ويمكنه إعداد الأرضيّة إلى الحكم بإبطال الفرضيّة.

وبعد المزيد من تعرّف سروش على فلسفة الغرب -ولا سيّما بعد تأثره بكانط والكانطيون الجُدُد- أخذ يذهب شيئًا فشيئًا إلى التعريف بالاتجاه الواقعي الحاكم

(31)

على الفلسفة الإسلاميّة بوصفه واقعيّة فجّة. إنّه في هذه المرحلة يعطي الأصالة -في كل نوع من أنواع المعطيات والمعارف البشرية وفي كل نوع من أنواع فهم الإنسان- إلى الفاعل المعرفي، ويرى الأمور موضوعًا إنسانيًا، وإنّ الإنسان هو الذي يمنح العالم قوامه.

إنّ الفاعل المعرفي في فلسفة كانط والاتجاهات ما بعد الكانطية، سواء في قامة فاعلٍ معرفيٍّ أو بوصفه عنصرًا في المنظومة العقدية الاجتماعية، يلعب دورًا أصليًّا وحاسمًا في مسار الفهم والمعرفة؛ فهو فعّال وخلّاق، وهو الذي يعمل على تبويب مسار المعرفة. وعلى أساس هذه الرؤية فإنّ المعرفة قبل أن تكون تحصيلًا وانفعالًا، إنّما هي فعل وخلق، وهذا يعني أنّ الإنسان في مسار المعرفة لا يتلقى المعارف، وإنّما يخلقها، وإنّه في هذا الخلق تابع لشخصيّته الفرديّة والاجتماعية[1].

وبطبيعة الحال فإنّ تأصيل الدكتور سروش للفاعل المعرفي لا يدفعه إلى عدم اعتبار نفسه واقعيًا، بل يبقى كذلك محافظًا على واقعيّته. إنّ اعتباره نفسه واقعيًّا يأتي من أنّه يفصل بين الشيء وبين العلم؛ لاعتقاده بأنّ «الحدّ الأدنى من شروط الأبستمولوجي المعرفي الواقعي هو التمييز بين الشيء والعلم بالشيء»[2]. وفي الوقت نفسه يؤمن بأنّه لا يمكن الوصول إلى الواقع كما هو؛ لأنّ المعرفة إنّما تحصل من «زاوية» واحدة.

إنّ محوريّة الاتّجاه اللّاحق والتاريخي من جملة المباني المعرفيّة والأبستمولوجية الأخرى للدكتور سروش؛ حيث نجده بالتدريج يتّخذ لاحقًا بالتبعيّة لفلاسفة العلم

(32)

اتجاهًا لاحقًا وتاريخيًّا. وقد عمد الدكتور سروش إلى التعريف بهذا الاتجاه في كتابه القبض والبسط النظري للشريعة، قائلًا:

«إنّه ذلك الفرع من الأبستمولوجيا الذي يشكل مبنى لنظرية تكامل المعرفة الدينية، وهو أولًا: لا ينظر إلى الوجود الذهني والموطن النفسي للمعرفة، بل إنّ موضوعه ومتعلقه حقول العلم التي تكون المعرفة الدينية واحدة منها... وثانيًا: إنّه بدلًا من أن يكون سابقًا يكون لاحقًا؛ بمعنى أنّ وجوده مسبوق بوجود مختلف الحقول العلمية، وله نظر تامّ وكامل إلى مسار العلوم في العالم الخارجي»[1].

ومن المناسب الالتفات إلى نقطة أخرى في هذا الشأن أيضًا. إنّ المصادر المعرفيّة في هذه المرحلة من تفكير سروش تكتسب شكلًا جديدًا. فهو يؤمن بالحسّ والعقل والإلهام، ويرى أنّ هناك -بالإضافة إلى الحسّ والعقل- طريقًا آخر لإدراك الحقائق وهو الاستفادة من طريق القلب[2]؛ ويبدو أنّ الدكتور سروش من خلال حفظه وقبوله بهذه المصادر المعرفيّة، يعمل على تغيير نسبتها إلى بعضها. إنّ الحسّ وسيلة لمعرفة العالم، والعقل ينشغل بإدراك المفاهيم النّظريّة، والإلهام تجربة بشريّة داخلية؛ فهو من سنخ تجارب الشعراء أو العرفاء. ومن هذه الناحية تعدّ جميع هذه الطرق الثلاثة من الأدوات المعرفيّة، مع فارق أنّها إنّما تكون في عرض بعضها، ويكون لكلّ واحد منها مهمّة مختلفة عن مهمّة الأخرى[3].  يبدو

(33)

أنّ رؤية الدكتور سروش حول هذه المصادر الثلاثة كان يجب فهمها في إطار الفلسفة الغربيّة الجديدة. وفي هذا الإطار تكون مهمّة الحسّ والتجربة معرفة العالم الخارجي، ومهمّة العقل تحليل المفاهيم ورفع موانع العلم، ومهمّة الإلهام فتح آفاق أمام البشريّة والنّظر إلى الوجود من زاوية أخرى غير زاوية العلم.

وفي مقام التلخيص، يمكن القول: إنّ عدم إمكان الوصول إلى الواقعيّة كما هي، وحاكميّة الرؤية الصانعة للموضوع، والبحث عن علم من طريق الاستعارة، والنظر إلى الأمور من زاوية لاحقة، والفصل العملي بين الحسّ والعقل والإلهام، تمثل الخصائص المعرفيّة والأبستمولوجية للدكتور سروش في هذه المرحلة، وكلّها حاكمة على نظرياته الأربعة اللاحقة.

2 / 2 / 2 / 2 ـ المباني الإنثروبولوجية

كما أنّ الرؤية الإنثروبولوجيّة للدكتور سروش بدورها قد تغيّرت بما يتناسب وتطوّره الفكري أيضًا؛ إلّا أنّ الهام في هذا المجال هو رؤيته الإنثروبولوجية في المرحلة التي أخذ فيها يمارس التنظير. وإنّ جوهر رؤية الدكتور سروش في حقل الإنسان هو أصالة الإنسان التاريخي ومركزيّته. ويمكن تقسيم هذه الرؤية إلى أصلين، وهما: 1 ـ أصالة الإنسان الجوهرية. 2 ـ الهوية التاريخية للإنسان. وإنّ النقطة الملفتة والهامّة في البين أن هذا المبنى يتناسب مع مبانيه المعرفيّة، ويعملان على تقوية بعضهما بشكلٍ متبادلٍ.

1- أصالة الإنسان الجوهريّة: إذا كان الدكتور سروش يذهب في المباني الأبستمولوجية إلى الاعتقاد بأنّ الفاعل المعرفي له دور رئيس وحاسم في مسار المعرفة، فإنّه بالتناسب مع هذا المبنى يذهب في الإنثروبولوجيا

(34)

(نظره إلی الإنسان) إلى الاعتقاد بأنّ الإنسان هو المحور والمقوّم للوجود.

2- الهويّة التاريخيّة والزمانيّة / المكانيّة للإنسان: إنّ الإنسان كائنٌ ذو بعدين؛ فهو من ناحية مسانخٌ ومجاورٌ لديار القرب والكروبيين في عالم القدس والساحة الملكوتية، ومن ناحية أخرى مسانخ لمملكة الحيوان والإنسان ومجاور لها في عالم الطبيعة وله ساحة مِلكية[1]. إنّ الإنسان بواسطة بُعده المِلكي خاضع لقيود الزمان والمكان، وهو مشدود إلى علاقته وارتباطه بالآخرين من بني جلدته. ومن هذه الناحية يكون في حالةٍ ديالكتيكيّةٍ مع المجتمع والشرائط الخارجيّة، ويقيم معه علاقة تخاطب وحوار، ويكتسب بذلك صبغة البيئة[2]. كما أنّ شخصيّة الإنسان في تعاطٍ ديالكتيكيٍّ مع حالاته الداخليّة، وفي تأثير وتأثّر متبادل فيما بينهما[3].

وسوف نرى في الأبحاث القادمة أنّ أصالة الإنسان في نظريّة القبض والبسط النظري للشريعة تتجلى على شكل أصالة المفسّر، ويسعى الدكتور سروش إلى بيان فاعلية المفسر التاريخي، وأن يعمل على توضيح قبض وبسط المعرفة الدينيّة على أساس قبض وبسط علوم العصر التي تؤثّر على فكر المفسّر.

كما يتجلّى هذا الأصل في بسط التجربة النبويّة على شكل الأصالة الفاعلية للنبي في التجربة الدينية. يسعى الدكتور سروش في بسط التجربة النبوية إلى بيان فاعلية النبي ودوره في التجربة الوحيانية، وكذلك تعبيره وتفسيره لها، ويعمل على

(35)

التعريف بها بوصفها مجموعةً من التفاعلات والمواقف التدريجيّة والتاريخيّة للنبي.

2 / 2 / 2 / 3 ـ المباني الأنطولوجية

إنّ للدكتور سروش في بداية الطريق وفي المراحل الأولى من مراحله الفكريّة رؤيةً دينيّةً إلى الوجود. ويمكن العثور على هذه الرؤية في مؤلّفاته الأولى، من قبيل: «التضاد الديالكتيكي»[1]، و«مبدأ العالم المضطرب»[2]، و«من الذي يستطيع النضال؟»[3]، وغيرها من المؤلفات التي صدرت عنه في الأعوام الأولى من انتصار الثورة الإسلامية. ومن ذلك على سبيل المثال- أن «التضاد الديالكتيكي» قد تمّ تأليفه من قبل الدكتور سروش في ذروة المواجهة بين القوى الدينية والقوى الماركسية، ويعدّ هذا الكتاب دفاعًا فلسفيًا عن الدين. أو «مبدأ العالم المضطرب» الذي هو ـ على حدّ تعبير الدكتور سروش نفسه-

«سعي في دائرة بيان وشرح الأركان الأساسية للعقيدة الإسلامية: الله، والخلق، والمعاد، من زاوية فلسفية / علمية، وعلى أسس التراث الإسلامي الغني والأصيل»[4].

(36)

ويُعتبر هذا الكتاب من وجهة نظره بمثابة المقدّمة على التعاليم الإسلاميّة التي تمّ تنظيمها في ضوء أصل الحركة الجوهريّة، وهو يرى أنّ هذا الكتاب سوف يكون موضع اعتزاز لكلّ الذين يعتبرون الإيمان بالغيب من المباني الجوهريّة للفكر الإسلامي، وكل الذين يؤمنون بالأهميّة المصيريّة للمبدأ والمعاد في كلّ نوع من أنواع النّهضة الفكريّة والعلميّة[1]. وأمّا كتاب «من الذي يستطيع النضال؟» فهو على الضدّ من التبرير الماركسي للنضال، حيث يقدم بيانًا عن إمكان المواجهة القائمة على الإيمان بالقيَم الإلهيّة[2].

ولكن في سياق هذه الأنطولوجيا الدينيّة، يخلي موقعه لنوع من الأنطولوجيا المفهوميّة العلمانيّة. وبعبارة أخرى: يمكن القول إنّ الرؤية المعنويّة إلى الوجود تشكّل أساس المنهج الفكري للدكتور سروش في الحقل الأنطولوجي. وقد تمّ الحفاظ على هذه الرؤية في كلّ مرحلة من المراحل الفكريّة له بشكل من الأشكال. فقد تبلورت هذه الرؤية في مرحلة الشباب على أساس من محوريّة الله كما هو في التعاليم الإسلامية؛ حيث نواجه هناك مفهومًا دينيًا. وفي كلّ خطوةٍ يتقدّم فيها الدكتور سروش من خطواته الفكرية، يبتعد عن هذه الحقيقة أكثر؛ حيث تحلّ صورة علمانية عن المفهوميّة محلّ المفهوميّة الدينيّة.

بعد الالتفات إلى أهميّة ومكانة المباني المعرفية والإنثروبولوجية للدكتور سروش في نظرياته والموقع الهامشي، بل والموقع التبعي لمبانيه الأنطولوجية بالنسبة إلى المباني المعرفية والإنثروبولوجية، نكتفي بهذا المقدار ونحجم عن تفصيل هذه المباني.

(37)
2 / 2 / 2 / 4 ـ تأثير الخلفيات على تفكير الدكتور سروش

إنّ الدكتور سروش من خلال تواجده في مراكز القرار، ومواجهة المعضلات الناشئة عن الظروف والشرائط المتغيّرة في المجتمع، يجد نفسه في موقع الساعي إلى إيجاد الحلول. ومن ناحيةٍ أخرى يعمل -بتأثير من إقبال اللاهوري- على تبويب مشكلته في إطار العلاقة بين الدين والمجتمع: «كيف يمكن أن نلتمس حلًا من أمر ثابت، لظروف مجتمع متغيّر؟». إنّ هذا السؤال هو الذي شكّل الأرضيّة نظرية القبض والبسط النظري للشريعة. وبتأثير من كانط عمد إلى التمييز بين الدين والمعرفة الدينيّة، واستنادًا إلى المفهوم البوبري في إبداء الفرضيات الجريئة وجد الحلّ كامنًا في تقديم قراءات جديدة عن النصّ الثابت القائم على علوم كلّ عصر من العصور.

ثم وبتأثيرٍ من إقبال اللاهوري أيضًا، ومن خلال تطبيقه لمفهوم التجربة الدينيّة وإسقاطها على ماهيّة الدين والوحي، وصل إلى بسط التجربة النبويّة. وفي مرحلةٍ لاحقةٍ عمد إلى توظيف الاستعارة الشعريّة والرؤيا، في بسطه لاعتبار الوحي شعرًا أو رؤيا. ومن الواضح أنّ تطبيق الاستعارة في تفسير الظواهر، هو نوع من البيان الذاتاني الذي يتمّ فيه فهم الظواهر على أساس الطرح المسبق الموجود لدى الموضوع، وهذا بدوره يأتي من التأسي بالموضوعيّة الكانطيّة أيضًا.

يمكن مشاهدة المباني الأبستمولوجيّة للدكتور سروش في هذه النظريات بوضوح، وعليه يمكن اعتبار محوريّة الإنسان في جميع أنواع فهمه لما يدور حوله، بوصفه أساسًا للمباني الأبستمولوجيّة والإنثروبولوجيّة للدكتور سروش. وعلى هذا الأساس يقع الاهتمام بفاعليّة المُفسّر في فهم النصّ في نظريّة القبض والبسط النظري للشريعة، وكذلك الاهتمام بفاعليّة النبي في نظريّة بسط التجربة النبويّة، واعتبار الوحي شعرًا

(38)

أو رؤيا، في صُلب ومركز اهتمامات الدكتور سروش، ومن هنا يكون النبي فعّالًا وخلّاقًا في فهم الوحي وتلقيه، أكثر منه منفعلًا ومتلقيًا. ومن ناحية أخرى يمكن مشاهدة تأثير مبانيه الأبستمولوجية أيضًا، وهي أنّ الخوض في غمار المعرفة الدينيّة وكذلك دراسة الوحي لديه، تقوم على نوع من التحليل المتأخر.

2 / 2 / 3 ـ مناقشة المشروع الفكري للدكتور عبد الكريم سروش ونقده

بعد الفراغ من بيان الخلفيات المعرفية وغير المعرفية في المسار الفكري للدكتور سروش، وبعد الإطلالة على مبانيه الفكرية، سوف نعمل في الأبحاث القادمة أوّلًا على بيان النظريات المختلفة التي طرحها في مختلف مراحله الفكرية، ثم نعمل بعد بيان كل نظرية على تحليلها وتقييمها.

وفي البداية لا بدّ من تقديم صورة شاملة عن المشروع الفكري للدكتور سروش. وفي هذه الصورة الشاملة يبدو أنّ بالإمكان القول بأنّ مشروع سروش عبارة عن «العلمنة المتدرّجة»، حيث يصل بعد بضع خطوات طويلة من تقديس الدين والمعرفة الدينية إلى علمنة ذات الدين[1].

لقد تمّت مواصلة هذا المشروع بواسطة أربع نظريات متعاقبة في طول بعضها، وهي:

    1- نظريّة القبض والبسط النظري للشريعة.

    2- نظريّة بسط التجربة النبويّة.

    3- نظريّة اعتبار الوحي شعرًا.

    4- نظريّة اعتبار الوحي رؤيا.

(39)

إنّ الدكتور سروش قبل طرحه هذه النظريات، كان في مرحلة شبابه -بسبب انتمائه إلى الفلسفة الإسلامية- يعتبر ذات الدين والمعارف الدينيّة أمرًا مقدّسًا، ولكنّه عمد بعد ذلك بالتدريج وعبر بضع خطوات إلى اجتياز مسافةٍ طويلةٍ؛ حيث انتقل من الفهم أو المعرفة الدينيّة إلى ذات الدين؛ ليعرّفه بوصفه بشريًّا برمّته.

وفي منتصف العمر، صدع بنظريّة «القبض والبسط النظري للشريعة»؛ وقال بثنويّة الذات والظاهرة الكانطيّة، وبناء على هذه الرؤية قال بحقيقةٍ قدسيّةٍ لذات الدين، وأنّ هذه الحقيقة المقدّسة تتحوّل في دائرة فهم المؤمنين إلى أمر بشري / تاريخي، ولذلك فإنّها تتحوّل إلى أمر عرفي ومعلمن. ومن هنا يتحوّل الدكتور سروش إلى الاعتقاد بأنّ الفهم والمعرفة تتعرّض في دائرة الزمان والمكان وفي سياق مجمل المعرفة البشريّة إلى قبض وبسط تاريخي.

وفي الخطوة اللّاحقة عدل الدكتور سروش عن نظريّة القبض والبسط النظري للشريعة، واتّجه إلى القول بنظريّة «بسط التجربة النبوية»؛ ليُحلّ التجربة الدينية الناسوتية البشرية محلّ الدين المقدّس، ويُحلّ التجربة التاريخية النبويّة محلّ الوحي.

وأما في مرحلة الشيخوخة، فقد خطا الدكتور سروش خطوتين أخريين؛ حيث قام في الخطوة الأولى بتوظيف «الاستعارة الشعرية» في فهم الوحي وتحليله، وعمد في الخطوة الأخرى إلى اعتبار الوحي «رؤيا» على التوالي من خلال نظرية «الاعتبار الشعري»، ونظرية «الرؤى الرسولية»؛ ليخفض الوحي والنص المقدّس إلى مجرّد رؤى ومنامات يراها البشر.

وعلى هذا الأساس فإنّ المشروع المتدرّج للدكتور سروش، عبارة عن مراحل متنوّعة من مسار مفرط في علمنة التفكير الديني والمعنوي. ويبدو أنّه لم يبقَ له

(40)

حتى الوصول إلى محطة الفكر العلماني والعدمي سوى خطوة واحدة، وهي اعتبار الوحي النبوي بمنزلة الأوهام النبوية[1].

وبعد اتّضاح هذه الصورة البانوراميّة عن المشروع الفكري للدكتور سروش، سوف نبحث هذه الخطوات واحدة واحدة، وبعد بيان كلّ مرحلة من هذه المراحل، سوف نعمل على تقييمها. وفي البداية سوف نستعرض نظريّة «القبض والبسط النظري للشريعة»، ثم ننتقل بعد ذلك إلى استعراض نظرية «بسط التجربة النبوية»، وفي نهاية المطاف سوف نختم البحث بتقييم نظريّة «اعتبار الوحي شعرًا»، ونظريّة «اعتبار الوحي رؤيا».

من الواضح أنّ للدكتور سروش آراءً أخرى خارج نطاق هذه النظريات الرئيسة الأربعة -التي تعدّ أساسًا لمشروعه الفكري- في حقل الفلسفة، والأبستمولوجيا، والأخلاق، والسياسة، والمجتمع أيضًا، وهي تحتاج في بحثها إلى مقالاتٍ ودراساتٍ مستقلة. إنّ بعض هذه الآراء يمثّل تابعًا لواحد من نظرياته الأربعة الرئيسة، وبعضها الآخر مستقل عنها. من ذلك -مثلًا- أنّ رأيه في التعدّديّة والعلمانيّة والحكومة الدينية، تابع وفرع عن هذه النظريات. وأمّا الأبحاث الخاصة مثل: ماهيّة العلم والمعرفة، والعلاقة بين «الكينونة» و«الوجوب»، أو النسبة بين «العلم» و«الأخلاق»، والبحث عن الماهية الميتافيزيقية، فهي أبحاث مستقلّة.

2 / 2 / 3 / 1 ـ مناقشة نظرية القبض والبسط النظري للشريعة ونقدها

إنّ نظريّة القبض والبسط النّظري للشريعة أو نظرية تكامل المعرفة الدينية، تمثّل المرحلة الأولى من المراحل الفكرية للدكتور عبد الكريم سروش. وقد تم طرح

(41)

هذه النظرية ابتداءً في واحدة من محاضراته. وبعد عام 1367 هـ ش (1988 م) أخذ ينشر سلسلة مقالات القبض والبسط النظري للشريعة في مجلة كيهان فرهنگي، وفي نهاية المطاف صدرت مجموعة هذه المقالات سنة 1370 هـ ش (1991 م) ضمن كتاب يحمل هذا العنوان.

يدور البحث في هذه النظرية حول السؤال القائل: كيف يتمّ فهم الدين؟ إنّ رؤية الدكتور سروش في الإجابة عن هذا السؤال تقوم على عدد من الأصول الجوهريّة التي يمكن بيانها على النحو الآتي:

الأصل الأوّل: فصل الدين عن فهم الدين، أو فصل الشريعة عن فهم الشريعة. طبقًا لهذا الأصل يعتبر فهم الدين شيئًا مغايرًا لذات الدين أو الشريعة. إنّ الدين أو الشريعة هو تلك الأشياء الواردة في النصوص المعروفة والموجودة بين أيدينا، وهي أمر ثابت وصامت، في حين أنّ فهم الدين هو المعنى الذي يُسقطه ذهن المفكر على القالب اللفظي للنصوص الدينية، وينبثق من تركيب النصوص وذهن المفكر، وهو أمر متغيّر ومتحوّل[1].

والشيء الذي يجب ألّا يغيب عن البال هو الطنين الكانطي لهذا الفصل والتفكيك. فعلى أساس هذا الفصل على الرغم من تصوّر الدين واعتباره أمرًا مقدّسًا، إلّا أنّه خارج عن متناولنا بالمرّة، ويغدو أمرًا معلّقًا، وأمّا الذي هو في

(42)

متناول أيدينا والذي نتعاطى معه، هو هذا الفهم الظاهري من قبلنا للدين، أو المعرفة الدينيّة -على حدّ تعبير الدكتور سروش- والتي لا طريق لها إلى واقع الدين كما هو. رغم أنّه لا يمكن الغفلة هنا عن تأثير التيّار العرفاني أيضًا.

الأصل الثاني: بشرية فهم الدين أو المعرفة الدينيّة على حدّ تعبير الدكتور سروش. ومن هذه الزاوية تكون «المعرفة الدينيّة (أي: فهمنا للكتاب والسنة)، معرفة بشرية»[1]. ومن هنا فإنّها تنطوي على سائر الأحكام الأخرى للمعارف البشرية؛ بمعنى أنّه بالإضافة إلى كون الإنسان عاقلًا، فإنّه سوف يُسقط على هذه المعرفة سائر صفاته وخصائصه البشريّة الأخرى، ومن بينها نزوعه إلى الحق أو الباطل. وعلى هذا الأساس

«فإنّ المعرفة الدينية مثل كل معرفة أخرى، نتاج فكر الإنسان وتأمّله، فهي على الدوام مزيج من الظنون وأنواع اليقين وصنوف الحق والباطل»[2].

الأصل الثالث: تبعية الفهم والمعرفة البشرية للمحفوظات الذهنية: إنّ جميع المعارف البشريّة مرتبطة بالمحفوظات الذهنيّة السابقة للبشر. وفي الأساس فإنّ الإنسان في أيّ معرفة لا يسعى إلى كسب المعارف الجديدة بذهنيّةٍ خاليةٍ ومتحرّرة من الفرضيات، بل يبدأ على الدوام بمسألة ويستند إلى مجموعة من المعارف. إنّ هذا الأصل حاكم على الدّراسات الطبيعيّة والتجريبيّة وحاكم كذلك على الدراسات الدينية أيضًا؛

(43)

«إنّ الإنسان عندما يتّجه إلى قراءة الطبيعة أو فهم الشريعة، يضع جميع ثروته العلمية ومخزونه الإدراكي نصب عينيه، ويعمل على الفهم والنقد والتحليل بكل وجوده وشخصيته»[1].

من البديهي أنّنا في الدراسات التجريبيّة

«لا نواجه العالم بذهن خال أو صفحة بيضاء، بل نجري التجارب بما نمتلكه من الأفكار والقيَم السابقة بغية إيجاد الحلول للأسئلة الماثلة أمامنا»[2].

وكذلك في الدّراسات الدينيّة وفهم الدين، تمثّل المدّخرات الذهنيّة شرطًا مسبقًا لإدراك المعنى والفهم، وإنّ الفهم لا يتبلور من فراغ، بل إنّنا على الدوام نستعين في فهم النصوص الدينيّة وفي تفسير هذه النصوص بما نتوقّعه وما نحمله من الاستفهامات والفرضيات المسبقة، وليس هناك تفسير لا يستند إلى توقّع أو سؤال أو فرضيّة سابقة. هذا هو ما تقتضيه المنظومة الإدراكيّة للإنسان[3].

إنّ النّقطة الجديرة بالملاحظة في هذا الأصل هي أرومته وجذوره البوبريّة. فمن وجهة نظر كارل بوبر تعدّ النظريات شباكًا لصيد العالم، وإنّنا من أجل أن نجعل العالم مفهومًا، ومن أجل أن نعمل على بيانه والتصرّف فيه، نسعى على الدوام إلى نسج عُقد وخيوط هذه الشباك بشكلٍ أدق. إنّ هذه النظريات في

(44)

الواقع إنّما هي أنواع من الحدس بشأن العالم، والعلم ينمو من طريق هذه الأنواع من الحدس والسعي إلى إبطالها[1]. وفي نظريّة القبض والبسط النظري للشريعة يتمّ افتراض هذه الرؤية البوبرية أيضًا؛ حيث يكون الفهم فيها مسبوقًا بالنظريّة، بمعنى أنّها تصطبغ بلون النظرية وتأخذ أبعادها[2].

الأصل الرابع: خارجية المدخرات الذهنيّة وارتباطها بسائر المعارف البشرية: إنّ المدخرات الذهنيّة للبشر التي تشتمل على مجموعةٍ من الفرضيات والتساؤلات والتوقّعات تكمن خارج الدين، وتأتي من خلال التعاطي والارتباط مع المعطيات البشريّة في سائر الحقول المعرفية[3]. إنّ المدخرات المعرفيّة للبشر ليست منفصلة أو مستقلّة عن بعضها، بل «إنّ مختلف أقسام المعرفة البشريّة في تعاطٍ وتبادل متواصل فيما بينها، وهناك ارتباط وثيق قائم فيما بينها»[4].

ومن هنا يجب القول:

«إنّ فهم الشريعة مستند ومسبوق بالمباني الكامنة خارج الشريعة، والفهم الفقهي مستند ومسبوق بالمباني الكامنة خارج الفقه (من الكلام ومعرفة الإنسان وما إلى ذلك)»[5].

الأصل الخامس: إنّ المدخرات الذهنيّة والمعارف البشريّة عرضةٌ للتحوّل

(45)

والقبض والبسط. وإنّ الإنثروبولوجيا، وعلم الطبيعة، ومعرفة الكون العلمية والفلسفية وما إلى ذلك، ليست معارف ثابتة وغير قابلة للتحوّل، بل هي في حالة تغيّر مستمرّ لا يعرف السكون أو التوقف[1].

إنّ الفهم والمعرفة البشريّة عرضةٌ للتحوّل على المستوى الكمي والكيفي؛ فمن الناحية الكميّة تشهد المعارف البشريّة زيادة متواصلة، ويتمّ عرضها ضمن أطر وقضايا جديدة، كما يتمّ -في الوقت نفسه- اكتشاف خطأ المعلومات السابقة. وأمّا من الناحية الكيفيّة، أوّلًا: إنّ المعلومات الحديثة تعمل على تغيير فهمنا لآحاد أجزاء معرفة ما، وذلك أنّه في ضوء ازدهار سائر المعارف يتّضح لنا خطأ بعض أجزاء وقضايا علم ما؛ وفي بعض الأحيان تعمل العلوم الجديدة بدورها على تغيير المعاني والمفاهيم السابقة، بمعنى أنّها تعمل على تغيير معنى المفاهيم والقضايا السابقة. وثانيًا: إنّ تحوّل المعارف وظهور العلوم الحديثة، يعمل على تغيير هندسة المعرفة، ويؤدّي ظهور العناصر الجديدة إلى إحداث نظم جديد في صلب أجزاء علم ما. ومن هنا فإنّ تكامل المعرفة لا يكتفي بتعريفنا على المزيد من الحقائق فقط، بل ويمنحنا فهمًا أفضل بشأن تلك الحقائق[2].

فلو أعدنا قراءة هذا الأصل في ضوء الأصول السابقة، فإنّ المعلومات والنظريات الجديدة ستكون في واقع الأمر -من وجهة نظر الدكتور سروش- عبارة عن شباك تجعل من اصطياد المعارف الجديدة أمرًا ممكنًا، وبالتالي تكون زيادة المعلومات والمعارف تابعًا من توابع النظريات الجديدة.

(46)

الأصل السادس: إنّ المدركات الذهنيّة والمعارف البشريّة متكاملة، بمعنى أنّها تسلك مسارًا تكامليًا. إنّ تكامل المعرفة يعني التحسّن والتطوّر التدريجي للفهم الإنساني. بيد أنّ الفهم الأفضل والأحسن لشيء ما -كما تقدّم في الأصل السابق-  رهن بالتعرّف على المزيد من الأمور بشأن ذلك الشيء، وإنّ التكامل الكيفي في كل حقل من حقول المعرفة معلول للتكامل الكمي في تلك المعرفة[1]. وعلى هذا الأساس فإنّ تكامل الفهم عبارة عن تحوّلٍ كيفيٍّ في سياق تحسّنه وتطوّره وتعميقه، إلا أنّ هذا التحوّل الكيفي رهنٌ بزيادة المعلومات والمعارف حول الموضوع مورد البحث واكتشاف مكامن الخطأ في المعلومات والمعارف السابقة[2].

يبدو أنّ تكامل المعرفة يقوم على الأصل السابق، أي: كون المعرفة أمرًا متغيّرًا؛ بمعنى:

 «حيث إنّ الثروة العلمية والمدخرات الثقافية لمجموع البشر في حالة من التحوّل والتغيّر، فإن هذا التحوّل يتسلل حتمًا إلى جميع الشؤون، وإن جميع المدركات تمور وتموج على إيقاع واحد، وحيث إنّ فهم الإنسان لكلّ شيء في حالة من التغيّر والتحوّل، فإنّه سيعمل على تحديث فهمه الديني أيضًا، ويربطه بسائر الأفهام والمعارف»[3].

ويبدو أنّ الدكتور سروش -طبقًا للأصول الستة المتقدّمة- قد صاغ في ذهنه قياسًا منطقيًّا على النحو الآتي:

(47)

1. الصغرى: إنّ المعرفة الدينيّة معرفةٌ بشريّةٌ ومستندةٌ إلى المدّخرات الذهنيّة، وما يختزنه الفرد في ذهنه من المعلومات.

2. الكبرى: إنّ المعلومات والمعارف الذهنيّة للبشر تتعرّض بحكم الارتباط والتحوّل بين المعارف إلى القبض والبسط، فيطرأ عليها التحوّل والتغيّر أيضًا.

النتيجة: إنّ المعرفة الدينيّة بدورها تتعرّض للقبض والبسط ويعتريها التحوّل والتكامل أيضًا.

توضيح ذلك أنّه بعد تعليق الدين (نصّ الكتاب والسنة) في الأصل الأوّل، لا يبقى أمامنا سوى التعاطي مع المعرفة الدينيّة. وبالالتفات إلى الأصل الثاني تصبح المعرفة الدينيّة معرفةً بشريّةً وذات طابع بشري. كما أنّ المدركات والمعارف البشريّة -طبقًا للأصل الثالث والرابع والخامس- ترتبط فيما بينها بمقتضى بشريّتها، وإنّ أدنى تغيّر في كلّ معرفة من المعارف يُؤدّي إلى حدوث تغييراتٍ وتحوّلاتٍ في سائر المعارف الأخرى، وإنّ هذه التحوّلات والمتغيّرات -طبقًا للتقرير المتقدّم- تتّخذ مسارًا تكامليًّا، حيث يتّجه فهم الإنسان خلال ذلك نحو التحسّن إلى الأفضل. وبعد حفظ هذه المقدمات التي تشكّل في الواقع القضيّة الصغرى والكبرى في القياس، يقوم الادّعاء هنا على أنّ المعرفة الدينية -أي فهمنا للدين- ترتبط هي الأخرى بسائر المعارف الأخرى، وأنّها في كلّ عصر من العصور رهن بفهم النظريات العلمية والفلسفية في ذلك العصر، وبمقتضى هذا الارتباط يتغيّر فهمنا للدين بتغيّر سائر المعارف الأخرى، ويعتريه القبض والبسط أيضًا. وبعبارة أخرى: حيث إنّ الأفهام والاستنباطات تقوم على سلسلةٍ من المدّخرات المعرفيّة لدى العلماء، وبالالتفات إلى أنّ هذه المدخرات في تحوّل وتكامل مستمر، فإنّ تلك الأفهام بدورها ستكون عرضةً للتحوّل والتكامل أيضًا[1].

(48)

وعلى هذا الأساس فإنّ تغيّر النظريات يؤدّي إلى نفخ روحٍ جديدةٍ من المعاني والمفاهيم في الجسد اللفظي من الدين. يذهب الدكتور سروش إلى الاعتقاد بأنّ

 «ثبات الألفاظ والعبارات لا يضمن ثبات المعاني والمفاهيم أبدًا؛ وذلك لأنّ تغيّر النظريات في كل عصر ينفخ في جسد الألفاظ الثابتة روحًا من المعاني المختلفة، وهذا هو معنى القول بأنّ الألفاظ متعطشة إلى المعاني وليست حبلى بها»[1].

وبالتالي، فإنّه حيث يكون مسار التحوّل في سائر المعارف تكامليًّا، فإنّ التكامل في هذه المعارف يؤدّي إلى تكامل فهمنا للدين، وبذلك يكون الفهم في كلّ عصر هو الأكمل والأفضل بالقياس إلى العصور المتقدّمة. وبطبيعة الحال فإنّ هذا التكامل إنّما هو بالنسبة إلى ماضيه، وليس تكاملًا مطلقًا، وإنّ هذا المسار من التحوّل والتكامل لا ينتهي أبدًا، وإنّ كلّ عصر يقتضي فهمًا جديدًا.

وعليه يمكن القول باختصار: إنّ المعرفة الدينيّة من وجهة نظر الدكتور سروش (بمعنى فهمنا للكتاب والسنة)

 «معرفة بشرية، وهي مثل سائر الحقول المعرفيّة عرضة للتحوّل والتغيّر والتكامل والقبض والبسط المتواصل والمستمر. وإنّ هذا القبض والبسط هو نتيجة مباشرة للقبض والبسط الذي يحدث في سائر المعارف البشرية الأخرى، وإنّ فهم الشريعة لا يحدث بشكل مستقل ومنفصل عن فهم الطبيعة (بمعناه الواسع). وعليه كما أنّ الفلسفة والعلوم التجريبية ناقصة، وتتوقع الكمال في كل حين، كذلك هناك أمام علم الفقه والتفسير

(49)

والأخلاق والكلام الديني طريق طويل لبلوغ الكمال، ولم يتمخض لدينا حتى الآن فقه كامل أو تفسير كامل. (وكيف يمكن لنا أن ندعي بشرية معرفة ما، وندعي لها الكمال في الوقت ذاته؟!). وبمواكبة تطوّر وازدهار الفلسفة والعلم، تزداد مقدرة العلماء على استنباط المعاني، ويرتفع حظهم من مضامين الشريعة ومحتوياتها»[1].

وقد عمد الدكتور سروش -من أجل تأييد رؤيته- إلى ذكر شواهدَ مختلفةٍ من كلمات صدر المتألهين الشيرازي، والعلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، والسيد محمود الطالقاني، والشهيد مرتضى المطهري، وسعى بذلك إلى إثبات كيفيّة تبلور فهم هؤلاء العلماء للقرآن الكريم في ضوء مبانيهم ومبادئهم، وكيف طرأ التغيّر على فهم الآيات وتفسيرها بالتوازي مع التحوّل والتغيّر الحاصل في سائر العلوم الأخرى ابتداءً من الفلسفة ووصولًا إلى العلوم الطبيعية[2].

تحليل وتقييم

1. الفصل والتفكيك الكانطي بين النص وفهم النص: يبدو أنّ الأصل الأوّل يقوم قبل كلّ شيءٍ على الرؤية الكانطيّة. وعلى الرغم من إمكانيّة القبول بأصل الفصل والتفكيك بين الدين والمعرفة الدينيّة، بيد أنّ التأمّل في النتيجة النهائيّة التي يتوخّاها الدكتور سروش من هذا التفكيك، وهي القول بامتناع الوصول إلى

(50)

حقيقة الدين، تعبّر عن أنّ فصل الدين عن فهم الدين في المنهج الفكري للدكتور سروش يمتدّ بجذوره إلى الفصل والتفكيك بين الشيء وظاهره الكانطي. وبعبارةٍ أخرى: إنّ ثنائيّة الدين وفهم الدين تمتدّ بجذورها في ثنائيّة الشيء وظاهره، مع فارق أنّ إيمانوئيل كانط يتناول هذه الثنائيّة في عالم الواقع، في حين أنّ الدكتور سروش يعمل على توظيفها في مورد الارتباط بعالم النصّ. وعلى أساس هذا الفصل والتفكيك رغم ثبوت القداسة للدين، إلا أنّه يكون خارجًا عن متناول أيدينا بالمرّة. وإنّ الذي هو في متناولنا هو مجرّد هذا الفهم الظاهري لنا عن الدين، والذي هو بدوره لا يؤدّي بنا إلى معرفة واقع الدين.

2. الذاتيّة التفسيريّة: إنّ الدكتور سروش في تنظيره لنموذجه التفسيري يحيل عن وعي أو عن غير وعي إلى الذاتيّة. إنّه من خلال الفصل والتفكيك بين النصّ والفهم، إنّما يؤكّد في الواقع على الفصل بين الشيء -مورد البحث- أو الفاعل المعرفي وبين الموضوع، الذي هو فيما نحن فيه عبارة عن انفصال المفسّر عن النص، ومن خلال هذا الفصل والتفكيك يتم توفير الأرضيّة إلى إعادة قراءة النصّ مجدّدًا. وعلى هذا الأساس فإنّ المتدينين في كلّ عصر يعملون -من منطلق الموضوعات- على توظيف المفاهيم المتغيّرة والمتحوّلة في عصرهم في عمليّة تفسير النص، ويحصلون بذلك على مفاهيم جديدة تتناسب مع طبيعة عصرهم.

3. الغفلة عن الضروريات والبديهيات العقليّة والدينيّة: إنّ الأصل الثاني من أصول هذه النظريّة، وهو القول ببشريّة الفهم والمعرفة، إذا كان بمعنى تأثّر جميع المعارف والإدراكات -بما في ذلك الأمور البديهيّة- بمختلف التوجهات الإنسانيّة، فهو مرفوض. إذ على الرغم من أنّ الحالات الروحيّة والنفسيّة للإنسان قد تؤدّي إلى التأثير عليه في بعض الموارد، الأمر الذي يتسبّب في خطأ العلم وعدم الوصول

(51)

إلى الواقع، بل وقد يؤدّي ذلك في بعض الحالات إلى انسداد طرق الفهم، أو اعتبار بعض القنوات التي لا تصلح للفهم طرقًا لتحصيل المعرفة، بيد أنّ هذا لا يعني عدم وجود أيّ معرفةٍ يقينيّةٍ، وأنّ هناك احتمال الخطأ في جميع القضايا؛ فإنّ البديهيات العقليّة والوجدانيات ليست من الأمور التي يمكن وضعها في خانة الشك والترديد تحت ذريعة تأثير العوامل النفسيّة والخصائص البشريّة في بعض العلوم[1]. وعلى هذا الأساس فإنّ الأصل الثاني من هذه النظريّة إنّما يصحّ على نحو الموجبة الجزئيّة، ولا يمكن القبول به على كلّيّته وعمومه.

وفي دائرة المعرفة الدينيّة هناك بديهيات ومسلّمات دينيّة لا يمكن الشك فيها. وفي هذه الدائرة على الرغم من وجود الحقائق الاعتقاديّة والأحكام الإلهيّة بوصفها أمرًا ثابتًا ومستقلًا عن المجتهد والعالم، ومن المحتمل أن يقع المجتهد والعالم في الخطأ عند البحث عنها، إلّا أنّ هناك -في الوقت نفسه- في حقل المعارف الاعتقاديّة والفقهية قضايا تعدّ من البديهيات واليقينيات الدينيّة، ولا يمكن الشك فيها أبدًا[2].

كما يُؤكّد الدكتور سروش في الأصل الخامس على ارتباط التحوّل والتكامل في المعارف والعلوم البشريّة، ويدّعي في حكم عام قائلًا:

 «ليس هناك معلوم جديد يترك المعلومات السابقة وشأنها، وإنما يعمل على تغيير معانيها ومفاهيمها. ومن هنا فإنّ العلم والفلسفة والدين أو المعرفة العلمية والفلسفية والدينية تنعكس على بعضها مثل المرايا المتقابلة، حتى إذا ظهرت صورة في واحدة من تلك المعارف ظهرت

(52)

من تلقائها في المعارف الأخرى، وحيثما طرأ تغيّر أو حادث، فإنّ سائر المعارف الأخرى ستعمل على إظهاره أيضًا»[1].

وفي هذا الشأن يجب القول: إنّ أصل الارتباط والتحوّل في العلوم وإن كان مما لا شك فيه؛ إلا أنّ

 «الكلام في كليته وتعميمه، فهل دائرة جميع العلوم البشرية معقودة بهذا الأصل، وهل تترك تحوّلات العلوم بتأثيرها على جميع المعارف والعلوم البشرية الأخرى حقًا؟ لا شكّ في أنّ القبول بهذا الأصل بوصفه أصلًا كليًا، واضح البطلان. إذ لا شك في أنّ هناك علومًا بشرية كانت ولا تزال وسوف تبقى تحتفظ بتماسكها وثباتها»[2].

 وفي الأساس لا مندوحة لنا -في الحفاظ على الواقعيّة والابتعاد عن جميع أنواع التشكيك- من القول بوجود سلسلة من العلوم والمعارف الثابتة والتي لا يمكن الخدش فيها، لكي يتمّ الحفاظ في ضوئها على هويتنا الواقعيّة. وعليه يجب القبول بهذا الأصل على شكل قضيّةٍ مهملةٍ أو جزئيّةٍ، وليس كأصل كلي وعام. وفي مثل هذه الحالة لا يمكن توظيف هذا الأصل بوصفه وثيقةً ودليلًا قطعيًّا في جميع العلوم والمعارف الحقيقية والاعتباريّة، واعتبار تكامل المعارف الدينية متطابقًا مع تحول وتكامل العلوم والمعارف الأخرى[3].

(53)

4. عدم الدّقّة في تحليل الارتباط بين العلوم: كما تقدّم في الأصل الرابع من أصول هذه النظرية، فإنّ الدكتور سروش في تحليله للارتباط بين العلوم الجديدة والعلوم القديمة، عمد إلى التمييز بين ثلاثة أنواع من الارتباط، وهي:

     أ. الارتباط الذري أو الموضوعي.

     ب. الارتباط المفهومي.

     ج. الارتباط الهندسي.

إنّ أصل الارتباط الموضوعي يمكن قبوله على نحو الموجبة الجزئيّة، ونحن نقبل تأثير بعض القضايا على بعض القضايا الأخرى؛ وأمّا الارتباط المفهومي والارتباط الهندسي فهو قابل للنقد من بعض الجهات. إنّ الارتباط المفهومي ليس ارتباطًا مستقلًا، فهو يعود في الحقيقة إلى الارتباط الموضوعي[1].كما أنّ الارتباط الهندسي بدوره فرع على القول بالوحدة والتركيب الحقيقي لقضايا كل علم؛ بمعنى أنّ كلّ علم ـ بغض النظر عن آحاد قضاياه ـ هو شيء مستقلّ، وله آثار بمعزل عن آحاد أجزائه؛ ليمكن القول: إنّ هذه المجموعة من العلم ترتبط بمجموعة أخرى. هذا في حين أنّ مجموعة علم ما لا تمتلك لنفسها هويّة مستقلّة عن هويّة قضاياها ومسائلها، وبالتالي فإنّ الارتباط بين علمين، وتأثير أحدهما على الآخر، إنّما يمكن البحث عنه في قضاياهما[2].

(54)

5. سروش والنظريات الهرمنيوطيقية المتمحورة حول المفسّر: إنّ الدكتور سروش من خلال التصوير الذي يقدّمه عن تغيير مفهوم النص، يميل إلى النظريات الهرمنيوطيقية بمحوريّة المفسّر. طبقًا لهذه الرؤية يكون النصّ صامتًا، وتتبلور المعاني والمفاهيم في صُلب التاريخ تبعًا للنظريات العلميّة في كلّ عصر من العصور. وفيما يتعلّق بصمت النصّ هناك ثلاثة احتمالات، وهي:

       1- أن لا يكون المؤلف أو المتكلم قد أراد أيّ معنىً من كلامه.

     2- أن لا يكون المؤلف أو المتكلم قد أراد معنىً محدّدًا من كلامه، بمعنى أنّ المعنى المراد للمؤلّف أو المتكلم لم يكن متعيّنًا، وإنّما يترك لكلّ عصر ومصر حرية إرادة المعنى منه.

     3- أن يكون المؤلف أو المتكلم قد أراد معنًى محدّدًا من كلامه، ولكن في ظلّ النظريات العلميّة والفلسفيّة الجديدة، يمكن فهم معاني جديدة من النص غير تلك التي أرادها المؤلف أو المتكلم؛ فقد يفهم منه شيء لم يخطر على باله أصلًا. وفي مثل هذه الحالة لا يرى القارئ أو السامع ضرورة إلى التّمسّك بالمعنى أو المفهوم المراد للمؤلف أو المتكلم، ويمكنه -في ضوء المعارف الجديدة- أن يتجاوز المعنى المراد للمؤلف أو المتكلم.

إنّ الاحتمالين الأوّلين بالإضافة إلى انتقاضهما بالوجدان، فإنّهما كذلك لا ينسجمان مع غاية اللّغة واعتبار المتكلم حكيمًا. إنّ الغاية من اللغة من جهة، وحكمة المتكلم من جهة أخرى، توصلنا إلى نتيجة مفادها أنّ المؤلف والمتكلم قد أرادا من كلامهما وكتابتهما معنى محددًا حتمًا، وهو المعنى الأوّل والأخير الذي يراد له أن يُفهم من النصّ لا غير.

(55)

وعلى افتراض غضّ الطرف عن الإشكالات المتقدّمة، فإنّ هذين الاحتمالين ينطويان بالنسبة إلى كلام الله على إشكال آخر، وهو أنّهما يستلزمان القول بالتصويب الأشعري؛ إذ بناء على هذين الاحتمالين لا يكون الله سبحانه وتعالى قد أراد أيّ معنى بعينه، وإنّ إرادته تابعة لآراء الناس وفهمهم في كلّ عصر من العصور، وأنّ الله تعالى يحدّد المعنى من كلامه على طبق أفهام الناس. إنّ نظريّة التصويب تؤدّي إلى النسبيّة في تحديد المراد الإلهي، و«قد أجمع علماء الإماميّة على بطلانه»[1].

أمّا الاحتمال الثالث فهو يفصل بنحو ما بين المعنى والمراد، بمعنى أنّ المتكلم قد أراد معنى بعينه، بيد أنّ المعنى ليس حكرًا على مراد المؤلف أو المتكلم. ولكن يمكن القول أوّلًا: إنّ هذا التفكيك والفصل لا يصحّ بالنسبة إلى كلّ كلام، حتى كلام المؤلف والمتكلّم العادي

«لأنّ معنى الكلام هو الذي يريده المتكلم، وإذا استفدنا بدورنا من الكلام معنى لم يدر في خلد المتكلم، فإنّ هذا المعنى قد يكون كلامًا لنا، ولكنّه لن يكون كلامًا لذلك المتكلم أو المؤلف»[2].

 وبكلام أوضح: إنّ المعاني الجديدة التي تنسب إلى النصّ في ضوء النظريات الجديدة، ليست معاني النص، بل هي دلالات تلك النظريات، ولا تقبل الانتساب إلى النصّ والمؤلف. وثانيًا: بالنسبة إلى الكلام الإلهي، فإنّ المعنى الذي لا يقبل الانتساب إلى الله ولا يكون مرادًا لله، لا يجب امتثاله واتباعه. إنّ الذي يوجب

(56)

التبعيّة لفهم ما هو كشف ذلك الفهم عن الإرادة الإلهية، وإلا فليس هناك دليل يوجب التبعيّة لمعنى لا يكون مرادًا لله سبحانه وتعالى.

6. التعارض مع فلسفة النبوة وضرورة الوحي: لقد ذهب الدكتور سروش في نظريّة القبض والبسط النظري للشريعة إلى اعتبار نصّ الوحي أمرًا صامتًا، وعمل على توجيه مفهوميّة النصوص الدينية في إطار المعطيات البشرية، وعلى أساس ذلك تتغيّر معاني آيات القرآن الكريم ويعتريها التحوّل بتغيّر الأزمنة والحواضن المعرفية. وهذا يعني أنّ الوحي (القرآن) لا يدلّ في حدّ ذاته على أيّ معنى من المعاني، وأنه يحتاج إلى علوم كل عصر من أجل اكتساب معناه ومفهوميّته. وبالتالي فإنّ الذي يحتاج إليه الإنسان هو الخوض في التحقيقات العلميّة، وبعد حصوله على المعطيات الجديدة، يعمل على حمل نصّ الوحي عليها، وفي الحقيقة فإنّ المعارف البشرية هي التي تتولى أمر هداية الناس. وفي هذه الحالة فإنّ الوحي لن يخلو من القيَم المعرفية، ولا يكون حاملًا لأيّ أمارة على هداية البشر فحسب، بل وإنّه هو الذي يحتاج إلى الهداية البشرية من أجل الحصول على المعاني والمفاهيم؛ في حين أنّ الدين -بناء على البراهين العقليّة-

«هو معيار العلم والعقل، وإن من واجب العقل أن يعمل في ضوء هداية الوحي على تطوير قابلياته وقدراته في حدود ما تتيح له مديات تحليقه»[1].

7. البسط نوع من المغالطة التاريخي: يبدو أنّ جوهر نظرية القبض والبسط النظري للشريعة، تمثل نوعًا من المغالطة أو المفارقة التاريخية[2]. إنّ قبض وبسط

(57)

الشريعة من وجهة نظر الدكتور سروش يقوم على هذا الأصل القائل بأنّ المعنى يتبلور ضمن الديالكتيك المحتدم بين المدخرات الذهنية للمخاطب وبين النص. إنّ هذا الأصل يعني أنّ النص (القرآن بالتحديد) في الوقت الذي هو نصّ ثابت وواحد، إلا أنّه يشتمل في كلّ عصر على ظهور ومعنى متناسب مع المعلومات والخلفيات المعرفية لذلك العصر، وإن قبض وبسط الشريعة ليس سوى هذا الظهور أو الزوال المفهومي في إطار المعارف الموجودة في كل عصر.

وعلى هذا الأساس فإنّ الفهم المعتبر في كل عصر هو الفهم الذي يتناسب مع ذلك العصر؛ وإن لم يكن لذلك الفهم أيّ أرضيّة أو خلفيّة في عصر نزول الوحي، في حين أنّ أحد شروط حجيّة الفهم هو أن يشتمل على إمكان فهمه في عصر نزول الوحي، وإلا ففي غير هذه الحالة سوف ينطوي على مغالطة تاريخيّة.

بعبارة أخرى: إنّ من المباني الدلالية لفهم القرآن أن تكون الأرضية لفهم معاني الآيات القرآنية في عصر نزول الآيات متوفرة لعامة العقلاء. وعلى هذا الأساس لو أنّ شخصًا فهم من آية معنى لم يكن له وجود في عصر النزول «أرضية الفهم»[1]، وإنّما ظهر هذا المعنى لاحقًا بفعل التطور الثقافي والعلمي، لن يكون هذا المعنى حجة[2].

طبقًا لفلسفة اللغة وحكمة المتكلم، لا شكّ في أنّ للمتكلم مرادًا محدّدًا من كلامه، وأنّه قد أراد معنى خاصًا. وعليه إذا أراد الله معنى خاصًا من كلامه (آية من آيات القرآن) ولم تكن أرضية فهم ذلك المعنى متوفّرة في عصر نزول القرآن،

(58)

وأن الإنسان لا يتمكّن من فهم ذلك المعنى إلا بعد مرور الأزمنة وتحقق التقدّم العلمي والفلسفي، في مثل هذه الحالة لا يخلو الناس في عصر النزول بالنسبة إلى تلك الآيات من حالتين:

     1- ألّا يفهموا أي معنى من تلك الآية، وفي هذه الحالة يكون نزول تلك الآية عليهم -بوصفهم المخاطبين الأوائل بالقرآن- لغوًا، ولا يخفى أن صدور اللغو من الله الحكيم قبيح ومحال.

     2- أن يفهموا معنى من الآية لم يكن هو المراد الحقيقي والواقعي لله عزّ وجلّ، وكانوا على الدوام يفهمون الآية بشكل خاطئ. وفي مثل هذه الحالة سوف تؤدّي بهم هذه الآية إلى الوقوع في الضلال و«الجهل المركب». وبعبارة أخرى: إنّ هذه الآية سوف تستلزم الإغراء بالجهل وهو أمر قبيح يستحيل صدوره من الله الحكيم[1].

وعلى هذا الأساس من المحال على الله أن يريد من كلامه معنى ولا يوفّر للمخاطبين الأوائل الأرضيّة اللازمة لفهمه. وبالطبع من الممكن لآية من الآيات أن تشتمل على معنى عميق وتكون الأرضية لفهمه بالنسبة إلى الناس في عصر النزول متوفّرة أيضًا، وإنّهم بدورهم يدركون ذلك المعنى اعتمادًا على ظهور الآية، ولكن مع تطور العلوم وازدهار الفلسفة وعلى مرّ التاريخ، يقدّم الناس في سائر الأعصار بيانًا أدق وأعمق عن ذلك المعنى الذي كان مفهومًا للناس في عصر النزول. وفي مثل هذه الحالة لا يتغيّر ظهور الآية المذكورة، ولا يتعرّض مضمونها ومفادها للتحوّل أو التغيّر، وإنّما يتمّ تقديم بيان أدق لذلك المعنى من الآية لا أكثر. وإنّ القول

(59)

بأنّ الناس في كلّ عصر يمكنهم الحصول على فهم وإدراك بما يتناسب وخلفياتهم المعرفيّة، إنّما يصحّ ويمكن القبول به على أساس هذا المعنى الأخير (تقديم بيان أعمق لذلك المعنى الذي كان مفهومًا للناس الأوائل على أساس الظهور والمعنى الأوّل)، وأمّا إذا تبلور لدى الناس في العصور الأخرى معنى جديد لم يكن له وجود في العصر الأوّل أصلًا، ولم يكن يحمل مقوّمات فهمه بالنسبة إلى المخاطبين الأوائل بالقرآن في عصر النزول، فإنّ هذا المعنى الجديد لن يكون معتبرًا، وإنّما المعتبر هو خصوص الظهور في عصر النزول فقط[1].

والحاصل أنّه حتى لو افترضنا غضّ الطرف عن الإشكال السابق، وكذلك لو افترضنا إمكان نسبة هذه المعاني الجديدة إلى النص، واعتبارها دلالات للنص، مع ذلك لن تكون هناك حجيّة لهذه المعاني والدلالات؛ لأنّ الشّرط في حجيّة معنى ما، أن يكون إمكان الفهم متوفرًا للناس في عصر نزول الوحي.

8. التشكيك في المعارف الدينيّة ونسبيّة الفهم والمعاني القرآنية: كما سبق أن ذكرنا فإنّ الدكتور سروش بناء على قوله بتبعيّة الفهم البشري إلى معلومات الإنسان ومدخراته الذهنيّة وتطوّر وتحوّل معرفة الإنسان ومعلوماته، ذهب إلى القول بأنّ فهم الإنسان للنصوص الدينيّة، ومن بينها القرآن الكريم، لن يكون كاملًا أبدًا، وإن الإنسان يمكنه على طول التاريخ ومع تطوّر العلوم أن يعمل على تفسير النص الإلهي الثابت وفهمه، وأن يصل في كل عصر إلى مجرّد إدراك ومعرفة نسبيّة عن مضمون النص بما يتناسب والمعلومات المتوفرة في كل عصر لا أكثر. إنّ هذه المعارف النسبيّة لا شيء منها يدرك مضمون النص كما هو، وإنّ كلّ معرفة وفهم

(60)

هو نتيجة وثمرة للديالكتيك المحتدم بين الذهن والنص، وهو في الحقيقة شيء ثالث غيرهما.وعلى هذا الأساس فإنّ النص كما هو لا يكون في ظرف إدراك الإنسان وفهمه، ولا يمكن لأيّ شخص أن يدّعي الوصول إلى حقيقة النص، وكما سبق أن أشرنا فإنّ حقيقة النص في الأساس بعيدة عن المتناول. إنّ نسبيّة الفهم ومعنى القرآن بهذا المعنى تستلزم التشكيك وإنكار إمكان الوصول إلى حقيقة النص[1].

ويبدو أنّ هذا الرأي بالإضافة إلى النسبيّة في الفهم، يؤدّي كذلك إلى نسبيّة حقيقة النص أيضًا؛ إذ إنّ فهم النص -بناء على هذا الرأي- إنّما هو حصيلة التعاطي بين الذهن والنصّ، ولا يمكن اعتبار فهم ما صائبًا بالمطلق، وتخطئة سائر الأفهام الأخرى قياسًا إلى فهم دون فهم، بل إنّ فهم كل شخص ومعرفته في إطار مدخراته الذهنيّة إنّما هو مجرّد واحد من معاني وفهم النص في قبال الأفهام والمعاني الأخرى. وعلى هذا الأساس لا تكون هناك حقيقة واحدة، وإنّ صمت النص أو تعطشه إلى المعاني، لا ينطوي على غير هذا المعنى، وهو أنّه لا وجود للحقيقة المفهوميّة أبدًا.

وعلى كلّ حال فإنّ التشكيك أو عدم الواقعيّة، واحد من اللوازم المترتّبة على نظريّة القبض والبسط النّظري للشريعة، على ما أكد عليه بعض المفكرين[2].

9. اشتراك سروش في نظريّة القبض والبسط النّظري في الشريعة مع سائر المفكرين المستنيرين: في الختام لا يخلو لفت الأنظار إلى التشابه أو أوجه اشتراك هذه النظرية مع بعض النظريات الأخرى التي صدع بها بعض المستنيرين الآخرين

(61)

من فائدة. إنّ إمكان تفسير النّصوص الدينيّة مسألة أثارها الكثير من المستنيرين تحت عناوين من قبيل تعدّد القراءات أو التعدّديّة في هذا الشأن، وقدموا لذلك بعض النظريات أيضًا. وفي هذا القسم سوف نتعرّض إلى بعض هذه النظريات؛ حيث توصّل أصحاب هذه النظريات رغم اختلاف جنسياتهم إلى نظريّة واحدة، ومن بين هؤلاء: عبد الكريم سروش من إيران، ومحمد شحرور مستنير سوري من العالم العربي، وضياء الدين سردار باكستاني مقيم في إنجلترا.

هناك شبه كبير بين الدكتور سروش في نظريّة «القبض والبسط النظري للشريعة»، وبين محمد شحرور في نظرية «التشابه» أو «ثبات النص وحركية المحتوى»[1]. وبغضّ النظر عن انتماء كلتا النظريتين إلى مرحلة فكريّة واحدة في العالم الإسلامي والتقارن الزمني لهاتين النظريتين[2]، نجد أنّهما تنطويان على مضمون واحد؛ إذ إنّ المحتوى والمضمون الواحد لكلتا هاتين النظريتين قد انعكس حتى في عنوانيهما أيضًا؛ فقد اختار الدكتور سروش لنظريّته اسم «القبض والبسط النظري للشريعة»، واختار محمد شحرور لنظريته اسم «ثبات النص وحركية المحتوى». كما أنّ كلتا النظريتين قد انطلقتا من مبنى واحد، وانتهتا إلى نتيجة متشابهة. إنّ المبنى الأصلي للدكتور سروش هو الفصل والتفكيك بين «الدين» و«المعرفة الدينية»، والتأكيد على دور المعلومات النظرية والمعطيات العلمية في فهم النص، وكذلك التحوّل والتكامل في العلوم، ويستنتج في نهاية المطاف أنّ فهم النص الديني إنّما يتبلور استنادًا إلى العلوم والمعطيات العلميّة، وبذلك يكون فهمًا عصريًّا.

(62)

وأما محمد شحرور فإنّه يقيم استدلالًا يذكرنا بمقدمات الدكتور سروش في نظريته؛ إذ يطرح شحرور هذا الاستدلال على النحو الآتي:

       1- القرآن نص سماوي إلهي يشتمل على محتوى مطلق.

     2- في قراءة كلّ نص يتعرّف القارئ -من طريق قراءة النص- على المؤلف، وبذلك يجد طريقه إلى ذهن المؤلف.

     3- إنّ القارئ لكي يفهم النص يعمل من تلقائه وبشكلٍ لا شعوري على توظيف معلوماته المكتسبة، وإذا لم يستفد القارئ من معلوماته، لن يتمكّن من فهم شيء من النص.

     4- إنّ معلومات القارئ ومعارفه التي هي من لوازم فهم النص، متطوّرة وفي حالة من التغيّر، ونتيجة لذلك تكون المعرفة البشريّة نسبيّة على الدوام.

     5- حيث إنّ المعرفة البشريّة نسبيّة، لا يتوفر الفهم الكامل والمطلق لنص القرآن كما أراده الله، لشخص واحد أو مجموعة من الأشخاص في مرحلة من المراحل التاريخية.

وعلى هذا الأساس فإنّ الإنسان بسبب محدوديّة معارفه ومعلوماته التي تشكّل مقدّمة لفهم النص السماوي، لا يمكنه الوصول إلى جميع المعارف القرآنية، وإنما يتمكّن على طول التاريخ ومع تقدّم العلوم من تأويل النص السماوي الثابت فقط، وأن يصل بما يتناسب مع المعلومات المتوفّرة في كلّ عصر إلى إدراك نسبي لمحتوى النص ومضمونه لا غير[1].

(63)

كما أكّد المفكّر الباكستاني ضياء الدين سردار ـ في البحث عن إمكانية تفسير القرآن الكريم ـ على «الماهية المفتوحة للقرآن»، وبدأ بحثه من الفصل والتفكيك بين النص وفهم النص، وقد اعتبر النص صامتًا، وأنّ المعنى هو نتاج إدراك الإنسان وفهمه للنص في ضوء الشرائط الزمانيّة والمكانيّة الخاصّة، وأنّ هذا المعنى هو جواب محتمل عن مشاكل العصر. يذهب ضياء الدين سردار إلى القول بأنّ «النصوص المقدسة ـ بسبب ماهيتها وطبيعتها ـ نصوص معقدة وذات طبقات متعدّدة، وتمثيليّة واستعاريّة، وهي تجسيد للمعاني المتعالية. إنّ النص الإلهي [بغض النظر عن الإنسان] لا يمكنه أن يقدّم مفهومًا إلهيًّا. وإنّ المعنى المرتبط بها إنما يمكن أن يكون ثمرةً لإدراك الإنسان. إنّ الكتاب الذي يفوق الزمن إنّما يتجلّى معناه في القالب الزمني، ولا يمكنه أن يتحاور معنا إلّا في ظرف عصرنا وشرائطنا الخاصة»[1]. وعلى هذا الأساس فإنّ المجتمع الإيماني إنّما يمكنه أن يكوّن علاقة تفسيريّة مع النصّ المقدّس، وإنّ هذا التفسير لا يمكن أن يحدث مرّة واحدة وإلى الأبد، بل يجب على كل جيل من المؤمنين أن يعمل على تفسير النص بالالتفات إلى تجاربه[2]. ونتيجة لذلك فإنّ فهم القرآن قابل للتغيير من عصر إلى عصر آخر، وإنّ الذي يبقى ثابتًا وغير قابل للتغيير في البين هو نصّ القرآن فقط، حيث ستكون مفاهيمه مستندًا ثابتًا للقراءات المتغيّرة إلى الأبد[3].

ويبدو أنّ هذه الأوجه من الشبه ناشئة عن انتماء هؤلاء المفكرين إلى مرحلة

(64)

فكرية واحدة في العالم الإسلامي؛ حيث عمد خلالها بعض الكتاب المسلمين إلى تطبيق تجارب المفكرين في العالم الغربي تجاه اللاهوت المسيحي، وإسقاط ذات المواقف بعد إصلاحها وتعديلها على الإسلام.

2 / 2 / 3 / 2 ـ مناقشة نظريّة بسط التجربة النبوية ونقدها

إنّ نظريّة بسط التجربة النبويّة هي مثل نظريّة القبض والبسط النظري للشريعة؛ إذ تمثّل سعيًا في إطار جعل الدائرة الدينيّة متماهيةً مع الشرائط المتغيّرة للحياة الإنسانيّة؛ مع فارق أنّ نظرية القبض والبسط النظري للشريعة لم تكن تشتمل على حديث أو كلام عن تغيير الدين، فكان الدين محافظًا على ألوهيّته وثباته، وإنّ المعرفة الدينيّة هي التي ترتبط بالشرائط المتغيّرة من الحياة الإنسانيّة، وأمّا في نظريّة بسط التجربة النبويّة فإنّ التغيير يتسلّل إلى داخل الدائرة الدينيّة. وبذلك فإنّ الدكتور سروش إذا كان في نظريّة القبض والبسط النظري للشريعة يتحدّث عن قبض وبسط المعرفة الدينيّة، فإنّه في نظرية بسط التجربة النبوية يتحدّث عن قبض وبسط الدين في التجربة الداخلية للنبي والوحي، وفي هذه المرّة يعمل على نقل التاريخيّة من المعرفة الدينيّة إلى ذات الدين. وعلى حدّ تعبيره:

«إذا كان الحديث في نظرية القبض والبسط النظري للشريعة عن بشرية وتاريخية وأرضية المعرفة الدينية، فالحديث يتم الآن في بسط التجربة النبوية عن بشرية وتاريخية أصل الدين والتجربة الدينية»[1].

كما تقدّم أن ذكرنا[2] فإنّ الدكتور سروش مثل إقبال اللاهوري يؤكّد على الماهية التجريبية للوحي، ويسعى -بزعمه- إلى بيان فاعلية النبي في التجربة

(65)

الدينية. وكما سبق أن ذكرنا في تقرير نظريّة إقبال اللاهوري، فقد تم التمييز في نظرية التجربة الدينية بين شيئين: التجربة والتعبير عنها أو تفسيرها، بمعنى أنّ أصل التجربة أمر يحدث بلا واسطة وبشكل شخصي، ولا يمكن وضعها في متناول الآخرين إلا من خلال تفسيرها والتعبير عنها. وبناء على هذا التمايز، يعتزم الدكتور سروش في نظرية بسط التجربة النبوية إلى بيان فاعلية شخص النبي ودوره في كلتا المرحلتين، أي في أصل التجربة، وكذلك في تفسيرها والتعبير عنها.

ومن هنا فإنّ الدكتور سروش يذهب إلى التنظير على جبهتين؛ فأوّلًا: يسعى ـ بزعمه- في ظلّ سلطة الاتجاهات التاريخية / الاجتماعية المنبثقة عن المفاهيم النيوكانطية، إلى بيان تأثير العوامل الداخلية والخارجية أو العوامل النفسية والاجتماعية / التاريخية على التجربة الدينية للنبي. وثانيًا: من خلال القول بقابلية تفسير التجربة، يذهب إلى التعريف بالوحي بوصفه بحاجة إلى التفسير والتعبير، وينظر إلى القرآن بوصفه ترجمانًا لتجربة النبي (الوحي) في إطار الظروف والشرائط الاجتماعية / الثقافية / التاريخية للنبي، وبالتالي فإنّه ينظر إليه بوصفه ناشئًا من نفس النبي.

بالالتفات إلى هذين البُعدين أو المحورين الأصليين في نظرية بسط التجربة النبوية، سوف نعمل على مناقشة هذه النظرية في كلا هذين البُعدين. إنّ الكلام الأصلي لهذه النظريّة في المحور الأوّل هو بشرية الدين وكونه متغيّرًا، وتقوم هذه الرؤية على المقدمات الآتية:

1- الدين من معطيات النبوة: يكفي لتوضيح هذه المقدمة أن نقول بأنّ الدين عبارة عن المفاهيم التي يأتي بها النبي إلى الناس من طريق خاص.

(66)

2- الوحي حقيقة النبوة وقوامها: إنّ الجانب الذي يميّز الأنبياء أو الذي يعمل على بلورة حقيقة النبوة هو الوحي. إن الخصائص الظاهرية، من قبيل: القدرة على الإدارة، والإصلاح، وامتلاك مدرسة، ليست بالخصائص التي يختصّ بها الأنبياء، وليست مقوّمة للنبوّة أو تعدّ من لوازمها، بل إنّ الحصول على «الوحي» هو المقوّم للنبوّة، والنبي هو الشخص الذي يستطيع أن يصل إلى مدركات خاصة من طريق خاص يعجز الآخرون عن الوصول إليها[1].

3- الوحي تجربة دينيّة يخوضها النبي: طبقًا لهذا الأصل تكون النبوة -بمعنى الاقتراب من عوالم المعنى وسماع الخطابات الغيبية- عبارة عن تجربة[2]. إنّ التجربة تتجلّى على شكل المواجهة مع الأمر المطلق والمتعالي، وتظهر على أشكال متنوّعة، من قبيل: رؤية منام، أو سماع صوت، أو شعور بالاتصال بالعظمة المطلقة وما إلى ذلك[3]. وعلى كلّ حال فإنّ الدكتور سروش -استنادًا إلى رؤية أبي حامد الغزالي في المنقذ من الضلال، وإقبال اللاهوري في إحياء التفكير الديني في الإسلام- يعتبر الوحي نوعًا من التجارب الدينيّة وهي تشبه التجارب الدينية التي يعيشها الصوفيون والعرفاء، مع فارق أنّ النبي بعد حصوله على التجربة الدينية يشعر من نفسه أنّه مسؤول تجاه الآخرين، وعلى إثر هذه التجربة، يكتسب شخصيّة جديدة، ويستعد إلى القيام بأعمالٍ كبيرةٍ في العالم. ومهما كان فإنّ الدكتور

(67)

سروش يرى أنّ التجربة الدينيّة من أهم خصائص النبوة، ويذهب إلى الاعتقاد أنّها تنطوي على عنصر من التكليف بمهمّة[1].

4- التجربة الدينيّة تجربة بشريّة ومتكاملة: طبقًا لهذا الأصل تكون التجربة الدينيّة للنبي شبيهة بسائر التجارب البشرية الأخرى[2]. وبذلك تكون له صفة بشرية؛ بمعنى أنّها بتأثير من الواقع الداخلي والظروف الخارجية لشخص المجرِّب، تكون قابلة للتكامل والانبساط؛ و«يمكن إثراء هذه التجربة وإغنائها وجعلها أكثر قوّة. بمعنى أنّه كما يمكن لكل مجرِّب أن يزداد خبرة وحنكة وتجربة، كذلك يمكن للنبي أن يغدو بالتدريج أكثر نبوّة»[3]. إذ إنّ «من لوازم أيّ تجربة أنّها تزداد ثراء شيئًا فشيئًا، وكلّما ورد الحديث عن تجربة ما، يرد الحديث في الوقت نفسه عن تكامل هذه التجربة أيضًا»[4]. إنّ تحول النبي إلى أكثر نبوّة يعني زيادة معرفته بمنزلته ورسالته وأهداف مشروعه[5].

يستعرض الدكتور سروش نظرية التكامل وبسط التجربة النبوية من ناحيتين، وهما:

1. جدال وديالكتيك التجربة الدينية مع شخصية النبي. 2 ـ جدال وديالكتيك التجربة الدينية مع الشرائط والظروف الخارجية.

(68)

أ. ديالكتيك التجربة الدينية وشخصية النبي، بمعنى التأثير والتأثّر المتبادل. فإنّ شخصيّة النبي هي من جهة محل وموجد وقابل وفاعل التجارب الدينية والوحي، ومن جهة أخرى فإنّ التجارب الدينية تؤدّي إلى بسط شخصية النبي، وإنّ هذا البسط في الشخصيّة يُؤدّي بدوره إلى بسط تجربة جديدة. ويمكن بيان هذه العلاقة على النحو أدناه:

يرى الدكتور سروش أنّ هذا الديالكتيك يمثّل مسارًا لبسط التجربة النبوية بشكلٍ موضوعيٍّ، وإنّ هذا البسط يؤدّي إلى تكامل النبوّة وصيرورة النبي أكثر نبوةً، إنّ تكامل النبي وصيرورته أكثر نبوّةً ينتهي إلى إثراء الدين وتكامله[1].

ب. الديالكتيك والتجربة الدينية والشرائط والظروف الخارجية: إنّ النبي يعيش مع المجتمع والشرائط الخارجية حالة من الديالكتيك، أو بعبارة أخرى: إنّ علاقة النبي بالمجتمع هي من صنف العلاقة الحوارية ذات الطرفين، وليست من قبيل المونولوج [الذي يكون في الكلام من طرف واحد أو ما يُسمى بحديث النفس][2]. إنّ النبي بمقتضى ارتباطه بالآخرين وفي مواجهة مختلف حالات المجتمع وأوضاعه يحصل على بسط للتجربة الموضوعية والخارجية؛ وإن بسط التجربة الخارجية تؤدي بدورها إلى بسط التجربة الدينية والنبوية، ويؤدي ذلك بالتالي إلى بسط رسالته ودينه. وهذا يعني أنّ دينًا مثل الإسلام

(69)

لم ينزل مرّة واحدة وإلى الأبد، وإنّما هو يتأثّر بالظروف والعوامل الخارجيّة، ويتبلور ويتكامل بالتدريج، وإنّ الدين الذي يكون له تكوّن وتكامل تدريجي وتاريخي، سوف تكون له حركة وحياة تدريجيّة لاحقة أيضًا.

وعلى هذا الأساس يزعم الدكتور سروش أنّ الدين بوصفه أمرًا بشريًّا، عبارة عن مجموعة من الأفعال والمواقف التدريجية والتاريخية للنبي، ومع ذلك فإنّ هذا الأمر التاريخي يكون مثل الوحي أمرًا مقبولًا ومشتملًا على قداسة، ويكون كذلك أمرًا ملزمًا. وبعبارة مختصرة: إنّ الإسلام إنّما هوبسط تاريخي لتجربة نبوية متدرّجة، وإنّ شخصيّة النبي تكون فيها هي المحور، وإن الدين يتبلور حول هذه الشخصية[1].

إنّ من بين لوازم كلام الدكتور سروش -بل ومدعياته الرئيسة- التبلور التاريخي للقرآن. فهو يدّعي أنّ القرآن -مع الحفاظ على روحه وأمهاته ومحكماته- كان تدريجي النزول وتدريجي الحصول، وقد حصل على تكوّن تاريخي؛ بمعنى أن الأحداث التي عاشها النبي، والأسئلة والاستفهامات التي كانت تطرح على النبي، والإفك الذي تعرّض له النبي أو إحدى زوجاته، والحروب التي كانت تضطرم نارها، وما إلى ذلك من الأمور الأخرى، قد انعكست بأجمعها على القرآن وكلمات النبي، ومن هنا لو كتب للنبي عمرًا أطول وقدّر له أن يعيش في هذه الحياة أكثر، لصادف تبعًا لذلك حوادث أكثر، وبذلك كان يمكن للقرآن أن يكون أكبر حجمًا مما هو عليه الآن[2].

5. الدين مفهوم قابل للتكامل: إنّ هذا الأصل ينبثق عن الأصول المتقدّمة؛

(70)

فإنّه طبقًا للأصول أعلاه، يذهب الدكتور سروش إلى الادعاء بأنّ الوحي النبوي بمنزلة التجربة الدينية للنبي، وأنّه قد تكامل وانبسط بتأثير من الوقائع والتجارب الداخلية والخارجية له، الأمر الذي أدّى إلى تكامل الدين. وفي الحقيقة إنّ الدين الإسلامي كان له تبلور وتكوين تاريخي وهوية تكاملية، وكان استجابة للوضع الواقعي للإنسان المعاصر للنبي، وكان في حالة من التكوّن والتكامل والبناء المستمر، إلى حين رحيل النبي الأكرم إلى الرفيق الأعلى[1].

6. بسط الدين وتكامله مستمرّ حتى بعد رحيل النبي أيضًا: إنّ التجارب الداخليّة والخارجية -التي كان الدين عصارة لها- تتكامل وتنبسط حتى بعد رحيل النبي أيضًا. فكما أنّ التجارب الداخليّة والخارجيّة للنبي في حياته قد أدّت إلى تكامل التجربة الدينيّة، وأدّت -نتيجة لذلك- إلى بسط الدين وتكامله، فإنّ هذين العنصرين يضيفان غنى وتكاملًا على الدين حتى بعد رحيله أيضًا. فقد صرّح الدكتور سروش قائلًا:

 «والآن، حتى ونحن نعيش غياب النبي يجب بسط التجارب الداخلية والخارجية للنبوة، والقول بأنها تضفي ثراء ونماء على الدين. فإن العرفاء الذين يجلسون على خوان النبي ويستلذون بذائقة النبي ويعيشون في ظل شجرته الوارفة، يعملون على إثراء تجاربنا الدينية»[2].

وعلى هذا الأساس فإنّ «التجارب الباطنية والعرفانيّة» للمولوي والغزالي ومحمود شبستري والسيد حيدر الآملي وغيرهم من العرفاء، يمكن لكل واحد منهم من موضعه أن يُدلي بدلوه، وأن يضيف شيئًا من معينه على تجارب المتقدّمين.

(71)

وإذا كانت مقولة «حسبنا كتاب الله» خاطئة، كذلك فإنّ مقولة «حسبنا معراج النبي وتجربة النبي» هي الأخرى خاطئة أيضًا[1]. وعلى كل حال فإنّ الدين الذي تمخّض في مهد الحركة والتكامل، يدرج في ذات هذا المهد أيضًا، ومن هنا فإنّ بسط التجربة الدينيّة بعد النبي، تعدّ -من وجهة نظر الدكتور سروش- من لوازم حركة وتكامل الدين الذي ولد في مهد الحركة والتكامل[2].

يذهب الدكتور سروش -في إطار الأصول الستة أعلاه- إلى أنّ الوحي هو التجربة الدينية للنبي التي كانت تتفاعل -عبر الديالكتيك- مع المقتضيات الداخلية والخارجية، واستجابة للمسائل والمشاكل الموجودة في صلب الواقع، وليس هو أمر مؤدلج ومخطط له بشكل مسبق. وعليه، فإنّ الإسلام قد تكوّن وتكامل تاريخيًا في مهد التجربة الداخلية والخارجية للنبي، وكذلك اليوم يجب أن يتحوّل التديّن إلى تجربة لحلّ مشاكل العصر وفتح الآفاق، وأن يتمّ تقديم الدين وعرضه بوصفه تجربةً في حالة من التحوّل والتفاعل والإنتاج (وليس كأيديولوجيا متعيّنة على نحو سابق)[3].

ما تقدّم كان بيانًا للمحور الأوّل من نظرية بسط التجربة النبوية، أما المحور الثاني فهو يقوم على أساس التمييز بين التجربة والترجمة أو تفسيرها. وعلى أساس هذا التمييز فإنّ النبي بعد التجربة ومشاهدة الأمر المطلق، يعمل -بمقتضى شعوره بعد التجربة الدينية بمسؤوليته تجاه حياة الآخرين- على صبّ مدركاته ما فوق التاريخية المجرّدة من كلّ صورة في قوالب لفظيّة ومفاهيم يعرفها المخاطبون، ويقدم لهم بضاعة متطابقة مع ثقافاتهم وأخلاقهم، ويعمل على عرض جوهر

(72)

رسالته في صدف من العرضيات. بمعنى أنّ النبي:

 «قد عمل أولًا: على بيان كلامه في صُلب العقلانية العربية والحجازية العامّة، وثانيًا: قد استفاد من خطابات العرب ذاتها، وأخذ ذات المفاهيم المعروفة والتي كانت سائدة وشائعة في حياتهم، وعمل على توظيفها في نقل أفكاره السامية والحديثة إليهم»[1].

يدّعي الدكتور سروش في هذا الجانب أنّ جوهر الدين وحقيقته (دون المعرفة الدينية) يتعرّض إلى القبض والبسط تبعًا لعوارض وعرضيات العصر[2].بمعنى أنّه بالإضافة إلى قبض وبسط الدين في مقام التجربة الدينية للنبي والذي يحدث في الديالكتيك بين العوامل الداخلية والخارجية، فإنّ حقيقة الخطاب الحاصل من التجربة الدينية للنبي تقترن بدورها في مقام الترجمة بالعوارض، وتتعرّض لقبض وبسط مضاعف.

إنّ المراد من حقيقة الدين هو الخطاب الأصلي والمقاصد التي ينشدها الشارع وليس الماهية الأرسطية؛ إذ الدين في الأساس ليس له ذات وماهية أرسطية[3]. والمراد من عرضيات الدين تلك المجموعة من أبعاد وشؤون الدين، التي هي أوّلًا: لا تنبثق من صلب الذات، وليست من لوازم طبيعة الخطاب الديني وجوهره، بل تحمل عليه. وثانيًا: حيث إنّها ليست من لوازم الذات فإنّها تكون قابلة للتغيير والاستبدال. بمعنى أنّ عرَضًا من الأعراض يمكنه أن يخلي مكانه لعرَض آخر، دون أن تكون ذاته عرضة للتغيير. وثالثًا: إنّها غيرُ مقصودةٍ بالذات، وإنّما تكون

(73)

مطلوبة بتبع المطلوبات الأخرى[1]. إنّ اللغة العربية، وثقافة العرب، والتصورات أو المفاهيم والتصديقات أو النظريات الشائعة في عصر النبي والتي تمّ توظيفها في الكتاب والسنة، وأسئلة المؤمنين والمخالفين والأجوبة المطروحة في هذا الشأن، والأحكاموالشرائع، والظرفية والسعة الاستيعابيّة للمخاطبين، وما إلى ذلك من الأمور الأخرى، تعتبر من عرضيات الدين[2].

إنّ الشارع يعمل على بيان مقاصده بلغةٍ خاصّةٍ، وفي صُلب ثقافة معيّنة، واستعمال مفاهيم ونظريات خاصة، وأساليب محدّدة (الأحكام والأخلاق)، وفي سياق مواجهة أناس بأعيانهم حيث يتميزون بنقاط ضعف وقوة على المستوى البدني والذهني، ويتعرّض لردود أفعال خاصة (الإيمان أو الإنكار)، وأسئلة محدّدة، ويواجه بعض الأحداث والاعتراضات والعداوات، ويخوض أنواعًا من الحرب والسلام، وينعكس كل ذلك في الكتاب والسنة. وعلى هذا الأساس فإنّ ذات الدين كامن في صلب هذه العرَضيات[3].

وباختصار فإنّ الثقافة العربية برمّتها ابتداء من اللغة إلى العادات والطبائع السلوكية / المعاشية إلى نقاط الضعف والقوة العقلية والخيالية والعادات والآداب وما إلى ذلك، قد أحاطت بالفكر الإسلامي، وإنّ النبي الأكرم قد حصل -في ظلّ التجارب البيئية والذهنية واللغوية- على تجربة دينية خاصّة تصطبغ بلون ورائحة تلك الثقافة والبيئة، ولو قيّض للنبي أن يحصل على تجارب بيئيّة وذهنيّة ولغويّة أخرى، لتبلورت لدينا تجربة دينية أخرى، ولكان لتجربته الدينية الأخرى لونًا ورائحة أخرى، ولظهر الإسلام على شكل ومعالم أخرى[4].

(74)

والخلاصة هي أنّ الوحي والدين -في رؤية الدكتور سروش- بمنزلة التجربة الدينية للنبي، قد تبلور وتطوّر بما يتواكب مع الأحداث الزمنية وتجارب حياة النبي، وتأثر بها، وإنّ ضموره وثراءه بمنزلة مجموعة من الذاتيات والعرضيات مرتبط بقصر وطول عمر النبي وقلة وكثرة تجاربه[1]. وبالإضافة إلى أصل التجربة النبوية، فإنّ تفسيره للتجربة الدينيّة بدوره متأثر بالظروف والشرائط اللغوية والثقافية والاجتماعية التي كان يعيش تحت ظلالها أيضًا.

تحليل وتقييم

يمكن تقييم هذه النظرية ومناقشتها من جهتين: 1. تقييم المقدمات النظرية. 2. تقييم النظرية بمجملها. وعلى هذا الأساس سوف نعمل فيما يلي على تقييم نظرية بسط التجربة النبوية في مقامين.

تقييم مقدمات النظرية

1. افتراض القول بالتجربة الدينية في المقدمة الثالثة وتجاهل النظريات الأخرى في باب طبيعة الوحي: هناك نظريات مختلفة في بيان طبيعة الوحي. وفي الغرب هناك ثلاث نظريات عامة في هذا الشأن: 1. النظرية الموضوعية: طبقًا لهذه النظرية يكون الوحي عبارة عن مجموعة من القضايا التي يلقيها الله إلى النبي. 2. نظرية التجربة الدينية: وطبقًا لهذه النّظريّة يكون الوحي نوعًا من التجربة الدينية، وإن قضية «إن الله قد أوحى إلى النبي» تعني أن النبي قد عاش تجربة الله. 3. نظرية الأفعال الكلامية: طبقًا لهذه النظرية يكون الله قد ألقى إلى النبي عبارات مفهومة وذات مضمون خاص بلغة خاصة، وبذلك يكون قد أوجب على النبي القيام ببعض المهام والأعمال.

(75)

إنّ كلّ بحث في حقل الوحي بالإضافة إلى بيان رؤيته، عليه بيان الآراء البديلة الأخرى أيضًا. بيد أنّ الدكتور سروش في نظريّة بسط التجربة النبوية قد أحجم عن بيان الآراء البديلة في هذا الشأن، الأمر الذي أخفى ضعف رؤية التجربة الدينية بالقياس إلى سائر الآراء الأخرى[1]. بعبارة أخرى: إنّ الدكتور سروش قد اعتبر المقدمة الثالثة قضية ثابتة ومفروغًا منها، وهي القول بأنّ «الوحي تجربة دينية»، في حين أنّ هذه القضيّة محض ادّعاء، وأنّها مجرّد رأي في عرض سائر الآراء الأخرى، وهي بذلك تحتاج إلى إثبات نفسها بعد إثبات بطلان الآراء الأخرى.

2. عدم وجود دليل على القول ببشريّة التجربة الدينيّة الوحيانيّة: لو افترضنا القبول بالمقدمة الثالثة، واعتبرنا طبيعة الوحي نوعًا من التجربة الدينية، بيد أنّ القول بأنّ التجربة الدينية للأنبياء هي من قبيل سائر التجارب البشرية العادية، ادعاء من دون دليل، بل «إنّ القول بالتجارب الوحيانية، تصديق لوجود التجارب غير الاعتيادية»[2]. إنّ التجربة الوحيانيّة ليست تجربةً عاديةً وفي متناول الجميع، بل هي تجربةٌ غير عادية، وتفوق تجارب البشر.

وفيما يلي سوف نذكر الإشكالات المطروحة على هذه النظرية:

1. عدم تناسب مفهوم «التجربة الدينية» لتحليل الوحي القرآني: إنّ الدكتور سروش يقدّم للوحي مفهومًا يمتدّ بجذوره في بعض المشاكل المسيحية، ويتناسب مع الفهم المسيحي للدين، وليس له أيّ تناسبٍ مع وحي القرآن، ولا منشأ له في الإسلام ولا في أيّ فرقةٍ من الفرق الإسلامية؛ لأنّ الإسلام دينٌ قائمٌ على الكلمة، وليس دينًا قائمًا

(76)

على المؤسّس. بناء على تقسيم فينومينولوجي للأديان، تنقسم الأديان إلى قسمين، فهناك من الأديان ما يقوم على الباني والمؤسّس، ومنها ما يقوم على الكلمة. وفي الأديان القائمة على المؤسّس والباني، تكون هناك محوريّة للباني والمؤسّس وتجاربه، وأمّا في الأديان القائمة على الكلمة (في إطار الكتاب المقدس) لا تكون هناك أهميّة لتجارب الباني والمؤسّس، وإنّما الأهميّة تكمن في الكلمة واللغة. إنّ المسيحيّة المعاصرة دينٌ قائمٌ على المؤسّس والباني، بيد أنّ اليهودية والإسلام أديان قائمة على الكلمة، ومن هنا نجد اللغة العبرية واللغة العربية لها مكانة وأهميّة في هاتين الديانتين. بالالتفات إلى هذا التقسيم، يكون مفهوم «التجربة الدينية» متناسبًا مع الأديان القائمة على المؤسّس؛ إذ تكون هناك محوريّة لحالات السيد المسيح وتجاربه»[1].

كما أنّ هذا المفهوم لا ينسجم مع الوحي في الإسلام من جهة أخرى أيضًا. إنّ الوحي -طبقًا لنظرية التجربة الدينية- مواجهة للنبي مع أمر قدسي أي الله، وإنّ التقارير التي يقدّمها النبي بعد تلقي الوحي إنّما هي تعابير وتفاسير يقدّمها النبي عن تجربته في مواجهة الأمر القدسي، وليس كلام الله أو مضمون الوحي؛ إذ طبقًا لهذا الرأي يكون الوحي في الأساس من سنخ التجربة، والتجربة تكون بمعزلٍ عن اللّغة، وليست من سنخ القضيّة والكلام. وعلى هذا الأساس فإنّ الذي يذكره النبي -في هذه النظرية- منبثقًا من داخل النبي وهو أمر بشري؛ في حين أنّ الوحي -بمقتضى أدلّة ضرورة الوحي وبعثة الأنبياء في التفكير الإسلامي- «قد نزل من عالم الغيب ومن العالم الأعلى لهداية البشر، بواسطة الأمين على الوحي على قلب النبي، ليعمل النبي على هداية الناس وإرشاداتهم»[2].

(77)

وإنّ تقارير النبي كانت هي عين الوحي، وإنّ مضمون وعبارات تقريراته وحيانيّة ومنقولة من قبل الله سبحانه وتعالى. ومن هنا فإنّ نظريّة التجربة الدينية لا يمكن تطبيقها وإسقاطها على الوحي الذي تلقّاه نبي الإسلام، كما أنّها على خلاف العقائد المتداولة بين المسلمين على مدى التاريخ الإسلامي.

2. خفض الوحي إلى مستوى التجربة الدينيّة: إنّ تحليل ماهيّة الوحي على أساس مفهوم «التجربة الدينية»، اتّجاه تقليلي، ويُؤدّي إلى تحويل وتقليل للوحي إلى مجرّد التجربة البشرية. لقد عمد الدكتور سروش في هذه النظرية إلى رفع خطوته الأساسيّة الثانية في طريقه إلى علمنة الدين، وقام خلالها بتنزيل الوحي وخفضه من كونه أمرًا إلهيًا وكلامًا سماويًا إلى مجرّد تجربة بشرية.

3. الدليل أخصّ من المدّعى: بغضّ النّظر عن الإشكالات التي ترد على بعض هذه المقدمات، إلّا أنّ الدليل الذي تبلور في إطار هذه المقدّمات أخص من مدّعى الدكتور سروش (قابلية الدين للتكامل بعد النبي). بمعنى أنّه على افتراض تماميّة جميع المقدمات السابقة، إلّا أنّ هذه المقدّمات إنّما تثبت في نهاية المطاف قابلية الدين للتكامل ما دام النبي على قيد الحياة، وليست تكاملية الدين حتى بعد رحيل النبي والذي انعكس في الأصل الأخير القائم على بسط الدين وتكامله بعد النبي.

4. الفهم المبنائي للوحي (تقليل الوحي النبوي والقرآن إلى الشرائط والظروف التاريخية لظهوره): إنّ الدكتور سروش بعد طرحه للديالكتيك بيّن الظروف والشرائط الداخلية للنبي وتجربته الدينية، عمد -من خلال التأكيد على تأثير الشرائط الخارجية على الوحي- إلى التعريف بالوحي بوصفه منبثقًا عن هذه الظروف والشرائط، وقال بوجود تبلور تاريخي لها. إنّ الوحي النبوي وتجربة النبي في هذه الرؤية:

(78)

«كان عبارة عن جواب عن الأسئلة، وإيجاد الحلول، وإقناع الأذهان، وتوضيح الطرق، وتنوير الأبصار، وإضاءة القلوب في صلب الواقعية، ولم يكن مجرّد أداء للتكليف، أو تقديم أيديولوجيا مخطط لها على نحو سابق. إنه لم يكن يطبق تجربة منتزعة على الواقعية. لقد مضى عمره في تفاعل بين التجربة والواقعية»[1].

 وعلى هذا الأساس عمل على تعريف القرآن بوصفه مشتملًا على تبلور تاريخي، وقال في هذا الشأن:

«إن القرآن -من خلال الحفاظ على روحه وأمهاته ومحكماته- كان تدريجي النزول وأضحى تدريجي الحصول، وقد حصل على تكوّن تاريخي»[2].

وبهذا المعنى «كان من الممكن أن يكون القرآن أكبر أو أصغر من حجمه الراهن، ويحافظ مع ذلك على قرآنيته»[3]. في هذا الفهم نجد الشرائط التاريخية والاجتماعية تضفي تعيّنًا على الوحي، في حين أنّ هذه الظروف والشرائط إنْ هي إلا شرائط صرفة وظروف وحواضن لنزول الوحي، وليست عاملًا وعنصرًا حاسمًا في توجيه دفّة الوحي، بمعنى أنّ العلاقة بين الإسلام وتجارب النبي وبين الشرائط والظروف والأحداث الخارجيّة ليست رابطة حوارية وديالكتيكيّة حقيقيّة.

5. نقض الخاتميّة: يعمد الدكتور سروش في هذه النظرية في إطار نقضه لمفهوم الخاتميّة إلى إقامة الدليل على بسط النبوّة بعد رحيل النبي؛ وذلك على النحو

(79)

الآتي: من خلال ملاحظة تأثير الشرائط الداخلية والخارجية على الوحي في الطرح الديالكتيكي للدكتور سروش، حيث تتغيّر هذه الشرائط بعد رحيل النبي الأكرم، سوف تتبلور تجارب دينيّة جديدة بما يتناسب مع هذه الشرائط وفي إطار الاستجابة إلى المسائل الناشئة عنها. وبعبارة أوضح: إنّ الدكتور سروش انطلاقًا من فهمه لمبنائيّة الوحي، يراه معلولًا للشرائط التاريخية، وأنّه نتيجة لتغيّر الشرائط التاريخية (تبلور علّة جديدة) يتبلور معلول جديد. يمكن للمفكرين والمبدعين وصنّاع الثقافات والشعراء بأجمعهم أن يعملوا في دائرة الثقافة الإسلامية على خدمة هذه الهوية التي تمّت صياغتها بالتدريج، وأن يضيفوا تكاملًا إلى تكاملها، وبذلك يؤدّون ديونهم إلى هذا الدين المقدّس، وأن يواصلوا طريق النبي حقيقة لا مجازًا.

2 / 2 / 3 / 3 ـ مناقشة نظريتي اعتبار الوحي شعرًا ورؤيا ونقدهما

سبق أن ذكرنا أنّ الدكتور سروش قد ذهب في نظريةّ بسط التجربة النبوية إلى اعتبار الوحي مجرّد تجربة، نافيًا بذلك الارتباط الكلامي لله مع النبي، وقد عرّف الوحي بوصفه تجربةً داخليةً للنبي، وأنّ للوحي -بزعمه- ماهيّة وطبيعة بشرية، وأنّ الوحي يقبل البسط والتكامل بعد رحيله حتى من قبل غير النبي. إنّ الدكتور سروش بعد ذهابه إلى القول ببشريّة الوحي، يسعى إلى فهم حقيقة وماهية هذا الأمر البشري (الوحي). إنّه في هذه المرحلة من مراحله الفكريّة، وفي امتداد نظرية بسط التجربة النبوية قد عمل على توظيف استعارتين؛ وهما: استعارة الشعر، واستعارة الرؤيا. توضيح ذلك أنّ الوحي وإن لم يعُد -في بسط التجربة النبوية- كلامًا إلهيًّا، وإنّما هو مجرّد تجربةٍ بشريّةٍ، إلا أنّ هذه التجربة البشرية كانت لا تزال تحافظ على ماهيتها المعنوية والمتعالية، ويمكن اعتبارها تجربة عرفانيّة. بيد أنّ سروش بعد لجوئه إلى توظيف الاستعارة الشعرية، يكون قد عقد العزم على

(80)

اكتساح حتى الثمالة المتبقية من المعنوية والتعالي في جوف الإناء؛ معتبرًا الوحي النبوي مجرّد تجربة شعرية لا أكثر. وفي هذه المرحلة بعد أن يفقد الوحي قداسته وحقيقته المتعالية، ينخفض إلى مستوى التحفة الفنية التي تنطوي على إبداع فني خيالي، وأنّ فهمه يتمّ عبر «التفسير» و«التأويل».

وفي المرحلة الأخيرة من التدرّج الفكري الهادف إلى الحطّ من شأن الوحي، يتجه الدكتور سروش إلى توظيف استعارة الرؤيا، وبذلك يتحوّل الوحي عنده إلى تجربة منفعلة وخيالية، لا نحتاج في فهمها حتى إلى تفسير أو تأويل، وإنّما نحتاج فيها إلى مجرّد «مُعبّر» أو «مفسّر للأحلام» فقط.

وبذلك يكون الدكتور سروش في المرحلة الأخيرة من مراحلة الفكرية قد قدّم تفسيرين للماهية البشرية للوحي، ويتم التعبير عنهما في هذا المقال بـ «اعتبار الوحي شعرًا»، و«اعتبار الوحي رؤيا».

2 / 2 / 3 / 3 / 1 ـ مناقشة نظرية اعتبار الوحي شعرًا: (الوحي تجربة شعرية للنبي)

لقد طرح الدكتور سروش هذه النظرية في حوار له مع الصحفي الهولندي ميشيل هوبينك[1]. حيث استعمل في بيان هذه النظرية وبيان حقيقة الوحي مصطلح الاستعارة الشعرية؛ قائلًا بأنّ الوحي نوع من الإلهام، ومن سنخ التجارب الشعرية. ويمكن بيان هذه النظرية في إطار الأصول الآتية:

1. الوحي ليس كلامًا إلهيًّا، بل هو مجرّد «إلهام» من سنخ تجارب الشعراء، ولكن على مستوى أعلى[2].

(81)

2. التجربة الشعرية؛ شعور بالحصول على شيء من مصدر خارجي: وقد أطلق الدكتور سروش على هذا الشعور مصطلح «الإلهام». إنّ آلية هذه التجربة يتم تصويرها من قبل الدكتور سروش، بقوله: «إنّ الشاعر يحسّ أن مصدرًا خارجيًّا يُلهمه، وأنه يحصل منه على شيء»[1]. يؤكد الدكتور سروش على أن الشاعر يحسّ بأنّ قوّةً خارجيّةً قد أحاطت به، ولكن الحقيقة هي أنّه هو الخلّاق والمنتج، ويلعب في هذا الشأن دورًا محوريًا[2].

3. بالإضافة إلى الدور الإبداعي والخلاق -على ما تقدّم بيانه في الأصل السابق- يمارس الشاعر خلاقيّته وإبداعه من ناحية أخرى أيضًا؛ فالذي يحصل عليه الشاعر من التجربة الشاعرية إنّما هو مضمون غير مصوّر، ولا يمكن عرضه وتقديمه إلى الآخرين على تلك الصيغة؛ إنما الشاعر هو الذي يمنح ذلك المضمون صورته مستعينًا باللغة التي يعرفها، واستنادًا إلى الصوَر والعلوم والمعارف التي يمتلكها؛ ليتمكن بعد ذلك من إيصاله إلى الآخرين[3].

4. إنّ الشعر أداة معرفية، لها آليتها ووظيفتها المختلفة عن العلم والفلسفة. ويأتي تمييز الشعر من العلم والفلسفة في إطار المباني المعرفية والأبستمولوجية للدكتور سروش، وإنّ وظيفته وآليته تكمن في فتح آفاق جديدة أمام البشرية، والنظر إلى الوجود من منظار مغاير لمنظار العلم[4].

(82)

إنّ الذي يقوله الدكتور سروش -بناء على الأصول المتقدمة- هو أنّ الوحي ليس كلامًا إلهيًّا، وإنّما هو تجربة شاعرية، حيث يشعر فيها النبي أنّ قوّةً خارجيةً قد أحاطت به، وإنّها تلهمه شيئًا، إلّا أنّ الحقيقة هي أنّه هو الذي يلعب الدور المحوري في خلق ما يتصوّره قد جاءه من الخارج. يضاف إلى ذلك أنّ الذي يتلقّاه إنّما هو مضمون بلا صورة، وأنّ النبي هو الذي يقوم -كما يقوم الشاعر- بصياغة هذا الإلهام والمضمون بلغةٍ يعرفها، ويعمل على صبّه في بوتقة من أسلوبه البياني الخاص، وعلى أساس الصوَر والعلوم التي يمتلكها، ثم يقوم بعد ذلك بتقديمها إلى الناس. إنّ الذي يحصل في هذا المسار الإبداعي ليس توظيفًا معرفيًا للكون، ولا هو توظيف مفهومي، بل إنّ وظيفته مجرّد فتح آفاق مفهوميّة جديدة أمام البشرية[1].

ويمكن القول باختصار: إنّ الوحي في إطار هذه النظريّة عبارة عن تجربةٍ شعريّةٍ وإبداعيّة يخوضها النبي.

5. يذهب الدكتور سروش إلى الادعاء بأنّ الوحي بهذا المعنى المذكور في هذه النظريّة قابل للخطأ؛ إنّ الوحي إنّما لا يقبل الخطأ في المسائل الدينية البحتة، من قبيل: صفات الله، والحياة بعد الموت، وقواعد العبادة وما إلى ذلك، وأما في المسائل الخاصّة بهذا العالم والمجتمع الإنساني، فيجوز عليه الخطأ. إنّ ما يقوله القرآن بشأن الأحداث التاريخية وسائر الأديان وسائر الموضوعات العملية الأرضية، لا يمكن أن يكون صحيحًا بالضرورة؛ إذ إنّ الشخص المجرِّب -من وجهة نظر الدكتور سروش- إنّما يصوغ مفاد الوحي ومضمونه على أساس شخصيّته وثقافته، وعلى أساس اللغة والعلم الذي يمتلكه، ثم ينقله إلى الآخرين؛ إذ يزعم سروش في هذا الشأن قائلًا:

(83)

«لا أتصور ان علمه [النبي] كان أكثر من علوم الناس في عصره حول الأرض والكون والجينات الوراثية. إنه لم يكن يمتلك هذا العلم الذي نمتلكه نحن اليوم. وهذا لا يخدش في نبوّته؛ لأنه إنما كان مجرّد نبي، ولم يكن عالمًا أو مؤرّخًا»[1].

يسعى الدكتور سروش إلى البحث عمّن يوافقه الرأي في نظريته هذه في عمق تاريخ الفكر الإسلامي، ويعمد في هذا الإطار إلى التعريف بآرائه بوصفها ناشئةً عن الفكر الذي ساد في الأوساط في القرون الوسيطة من الإسلام، وينسب نظريته في جواز الخطأ على القرآن إلى المعتزلة بالتحديد، ويقول:

 «إن القرآن نتاج بشري، وهو يقبل الخطأ بالقوة، وقد ورد التلويح بذلك في عقائد المعتزلة حيث ذهبوا إلى القول بخلق القرآن»[2].

6. القول ببشرية القرآن وإمكان الخطأ عليه؛ مما يوفّر الأرضيّة للتمييز بين الأبعاد الذاتية والعرَضية من القرآن. ومن هذه الزاوية تكون الأبعاد الدينية المتبلورة بشكل تاريخي وثقافي -وهي المسائل المرتبطة بهذا العالم والمجتمع الإنساني- من قبيل: العقوبات الجسدية المذكورة في القرآن [من القصاص والتعزير] -على سبيل المثال- يعتبر من القسم العرَضي من الدين؛ بمعنى أنّ النبي لو قُدّر له أن يعيش في بيئة ثقافية أخرى، لما كانت هذه العقوبات جزءًا من رسالته. ومن هنا يتعيّن على المسلمين في هذا العصر أن يعملوا على تنقية الدين من عرَضياته، وأن يعملوا على ترجمة الخطاب الجوهري والذاتي للقرآن بما ينسجم مع العلوم المعاصرة. وهذا يشبه ترجمة الأمثال من لغة إلى لغة أخرى[3].

(84)
تحليل وتقييم

تأتي هذه النظريّة في طول نظريّة بسط التجربة النبويّة، وهي تشترك معها في اعتبار ماهية الوحي نوعًا من التجربة البشرية. ومن هنا فإنّ الإشكالات التي تقدم ذكرها على نظرية بسط التجربة النبوية، ترد على هذه النظرية أيضًا. ولكنّها حيث تختلف من حيث بيان التجربة البشرية، وتأطير فهمها في ضوء المفهوم الشاعري، يرد عليها إشكال آخر، نذكره فيما يلي على النحو الآتي:

إنّ عدم تناغم النظرية مع فلسفة بعث الأنبياء وأدلة ضرورة النبوة، وبناء على البراهين الفلسفية فإنّ الإنسان يحتاج في نيل السعادة إلى هداية تفوق الحسّ والعقل؛ ومن هنا فإنّه بمقتضى علم الله وحكمته ورحمته، يجب على الله أن يلبي هذه الحاجة من طريق آخر، وليس هذا الطريق سوى طريق الوحي والنبوة[1]. بناء على هذا الاستدلال يكون الوجه في احتياجنا إلى الوحي هو الحصول على الهداية والوصول إلى الرشد والسعادة. وعليه لو افترضنا -بناء على هذه النظرية-أوّلًا: إنّ الوحي هو أسلوب الشعراء ذاته، ولا ينطوي على رسالة هادية، وثانيًا: لو كان هو -مثل طريق الحسّ والعقل- قابلًا للخطأ ولا يورث الاطمئنان، فإنّه سوف ينطوي على نقض للغرض، ولن يمكن الحصول منه على غاية الهداية والتقدّم والسعادة. لا سيّما وأن الدكتور سروش يفتي في نهاية المطاف بخفض ذلك القسم من الوحي الذي تمسّ فيه الحاجة الأكبر لدى الإنسان في مقام العمل، بمعنى القسم المرتبط بمسائل الإنسان والعالم.

(85)
2 / 2 / 3 / 3 / 2 ـ مناقشة نظرية اعتبار الوحي رؤيا (الوحي رؤيا رسولية):

كما تقدّم أن أشرنا ويبدو من عنوان هذه النظرية، فإنّ الدكتور سروش يعمل في هذه النظريّة على توظيف استعارة الرؤيا، ويعتبر الوحي من قبيل الرؤيا السمعية / البصرية. ويمكن بيان هذه النظرية، في ضوء الأصول أدناه:

1- إنّ الوحي عبارة عن رؤيا سمعية / بصرية، وليس خطابًا من قبل الله إلى النبي. وفي الحقيقة فإنّ النبي شاهدٌ وراوٍ لمشاهد تحدث في أفقٍ أسمى من أفق الحسّ (في الخيال والرؤيا والملكوت)[1]. وعليه «ليس الأمر بأنّ النبي قد خوطب بأصوات، وألقي في سمع باطنه كلام، وصدر له الأمر بإبلاغه إلى الآخرين؛ بل لم يكن محمد سوى راوٍ لتجارب وناظر لمشاهد رآها بنفسه، وفرق كبير بين الناظر والراوي والمخاطب بالخبر»[2].

2- إنّ الرؤيا حالة من اللّاوعي والانفصال عن الذات والاستغراق، وكان النبي في هذه الرؤيا يشاهد أشياء ويسمع أصوات في أفق أسمى من الحسّ، وكان ينقلها إلى أصحابه بعد إفاقته[3]. وعليه كانت مشاهدات النبي تحصل في حالة من الغيبوبة واللاوعي، وليس في حالة الوعي واليقظة.

3- كان الأصحاب بعد سماعهم لمشاهدات النبي يعملون على تدوينها أو يحفظونها، وقاموا بعد عشرين سنة من رحيله بجمعها بين دفتين وأطلقوا

(86)

عليها اسم المصحف[1]. وحيث إنّ المصحف يمثّل الصيغة المكتوبة لرواية النبي عن الرؤى التي كان يراها في عالم اللاوعي، فإنّ لغته -على الرغم من ظاهرها- لغة لا واعية، أي أنّها لغة رمزيّة ومثالية، بل وحتى في أوضح صورها تبقى ملغزة ومضبّبة[2].

 إنّ هذه الرؤى تحتاج إلى تعبير وتفسير من سنخ تفسير الأحلام؛ لأنّ العناصر التي شوهدت فيها عناصر رؤيويّة ومناميّة مرموزة وملغزة، وليست عناصر واقعية وحقيقية تنتمي إلى هذا العالم[3].

وبذلك فإنّ الدكتور سروش يعرّف جميع ما ورد في القرآن الكريم بوصفه رؤيا سمعية / بصرية تشبه الإنتاج السينمائي، ويقول في هذا الشأن:

«إنّ وصف ما يرتبط بما وراء الطبيعة، من الذات والصفات الإلهية، إلى عالم النمل (عالم الذرّ الذي عبّر عنه الله سبحانه وتعالى بقوله: «َلَسْتُ بِرَبِّكُمْ»[4]، وقصة الخلق، وقصّة آدم، وتردّد الملائكة والشياطين والجن بين السماوات والأرض، والشُهُب السماوية، وأحداث ما بعد الموت والقيامة، ومشاهدة الظواهر الغريبة وغير المعهودة، إلى وصف الجنة والجحيم، وحشر الأموات، إلى صفة الأنبياء والأولياء، وفتح سجل أعمال العباد، ونصب موازين العدل، وصعود خمسين ألف رسالة من الملائكة

(87)

إلى العرش الإلهي، واستقرار عرش الله على أكتاف ثمانية من الملائكة، والنفخ في الناقور، وحشر الوحوش، واستعار البحار وتسجيرها، وكسوف الشمس والنجوم، ورؤية الناس وهم يتقلبون في مشيهم مثل السكارى في المحشر، وإسقاط النساء لأجنتهن، واشتواء جلود المذنبين وعودتها إلى حالتها الأولى من جديد، وتبادل أصحاب الجنة لكؤوس الشراب فيما بينهم، والحدائق الزاخرة بالرمان والطلح المنضود وعناقيد العنب، وقيام الغلمان المخلدين على خدمتهم، وما إلى ذلك من المشاهد الأخرى هي بمنزلة الصوَر البصرية والسينمائية، وكأنها تسطع على جدار الخيال من أشعة عالم الرؤيا»[1].

تحليل وتقييم

إنّ هذه النظرية تقوم على دعويين أو أصلين، كلاهما موضع نظر وتأمّل، وهما:

أ. إنّ الوحي ليس من قبيل التواصل الخطابي والكلامي، وإنّ النبي لم يكن مخاطبًا برسالة أو كلام إلهي، وإنّما كان شاهدًا وناظرًا لرؤيا.

ب. إنّ لغة رواية النبي لرؤياه، لغة رمزية ومجازية.

وفيما يلي نواصل البحث في الإشكالات الواردة على هذين الادعائين.

عدم انسجام الادّعاء الأوّل من النظرية مع نص الوحي: إنّ معرفة ماهية الشيء تقتضي دراسة ذات ذلك الشيء؛ ومن هنا فإنّ التحليل المناسب لماهية الوحي، يجب أن يكون منسجمًا بالدرجة الأولى مع ذات النص الوحياني، وألّا يكون متعارضًا معه،

(88)

وإنّ كلّ تحليل للوحي يتجاهل معطيات النصوص الدينية أو لا يتناغم معها، يبدو أقرب إلى نسج الخيال[1].

لقد اكتفى الدكتور سروش لإثبات مدّعاه في هذه النظرية بذكر ثلاثة أمثلة من الآيات. وبغضّ النّظر عن عدم دراسته الجامعة لكلّ الآيات، والإشكالات الواردة على فهمه لها، فإنّ الدراسة الشاملة للقرآن الكريم تؤكد خطابية الوحي، وليس كون النبي مجرد مشاهد وناظر. فقد ورد استعمال لفظ «قل» لأكثر من ثلاثمئة مرّة، وإن الخاطبية واضحة في أكثر هذه الاستعمالات حيث المخاطب فيها هو شخص النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله. ففي الكثير من الآيات نجد أنّ المنادى بخطاب «يا أيها الرسول» و«يا أيها النبي» وما إلى ذلك هو شخص النبي، وفي الكثير من الموارد نجد ضمير «الكاف» و«أنت» والضمائر المستترة في الأفعال، تمثل خطابًا للنبي الأكرم. إنّ هذه الطائفة من الآيات تثبت أنّ النبي الأكرم لم يكن ناظرًا وراويًا، بل كان طرفًا لخطاب الآمر والمنادي والمخاطِب، وإن الرجوع إلى الآيات الأخرى يثبت أن هذا الآمر والمنادي والمخاطِب في القرآن الكريم هو الله سبحانه وتعالى[2]. إنّ مجموع الآيات يثبت أن الوحي -خلافًا لزعم الدكتور سروش- نوع من الارتباط الكلامي والخطابي بين الله والنبي.

ومن ناحية أخرى يذهب البعض إلى الاعتقاد بأنّ «تصوّر الوحي رؤيا» ينطوي من الناحية الدينيّة على تعارض؛ إذ طبقًا لهذه النظريّة لو كانت لغة القرآن لغة رؤيويّة وبحاجة إلى تفسير أو تأويل للأحلام، فإنّ هذا يستلزم أن يكون مبهمًا

(89)

وغامضًا حتى بالنسبة إلى النبي نفسه، ناهيك عن الآخرين؛ لأنّ لغة الرؤيا لغة رمزيّة. في حين أنّ الذي جاء به النبي أطلق عليه عنوان الكتاب المبين أو القرآن المبين، وكانت مهمة النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله هي «الإبلاغ المبين» و«الإنذار المبين»، وذلك بلغة واضحة ومفهومة للجميع: (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِين) [1]. وقد ذكرت مفردة الـ«مبين» ومشتقاتها مثل: «بينات» و«تبيين» أكثر من 250 مرة، وهي في أغلب هذه الموارد تأتي كوصف للقرآن والآيات الإلهية. إنّ الله سبحانه وتعالى قد بيّن آياته لعامة الناس لا بلغة الرؤيا، وإنّما بشكل مبسط وتفصيلي، وأكد في ستة مواضع أن القرآن -باستثناء المتشابه منه- إنّما نزل للتذكير[2].

عدم الانسجام مع شأنية رسالة النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله: إنّ اعتبار الوحي رؤيا يستلزم إفراغ رسالة النبي من مضمونها ومحتواها؛ إذ بناءً على هذه النظريّة يحتاج الوحي إلى مفسّر للأحلام [على شاكلة ابن سيرين][3]، في حين أنّ المفسرين والشارحين على مدى القرون الأربعة عشر المنصرمة قد فهموا وفسّروا هذه «الإشارات الرؤية»  -بزعم الدكتور سروش- على أنّها كلام يقظة بدلًا من أن يفسّروها على أنّها أحلام ومنامات. وعلى هذا الأساس يجب القول إنّه لم يتمكن أيّ مفسر حتى الآن من فكّ ألغاز ورموز هذه النصوص الرؤيوية! وعليه فما هي الفائدة التي ترتجى من المضمون الذي ظلّ مبهمًا على مدى أربعة عشر قرنًا؟![4]

(90)

عدم استناد الادعاء الثاني إلى دليل: إنّ الدليل الوحيد الذي يقيمه الدكتور سروش على رؤيويّة لغة الوحي هو مجرّد ادعائه أنّ حقيقة الوحي رؤيا لا أكثر، وعليه فإنّه من الطبيعي أنّنا إذا رددنا الادّعاء القائل برؤيويّة الوحي، لن يبقى هناك دليل على الادعاء الثاني.

عدم انسجام الادعاء الثاني مع الأصول والقواعد العقلائية: طبقًا لأصول العقلاء وقواعدهم أنّه ما دام المتكلم لم يأتِ بقرينةٍ خاصّةٍ على مجازية كلامه أو كونه رمزيًا أو خياليًا، يجب حمل كلامه على الحقيقة. وعليه إذا لم يكن هناك دليل مناسب على نفي حقيقة أصل الخطاب (كما هو الحال في العبارات الخطابية عند الشعراء) أو المخاطِب (كما هو الحال بالنسبة إلى الخطاب المتخيّل في المنام)، إذن يجب حمل الكلام على الحقيقة[1].

زبدة البحث

لقد عمدنا في هذه الدراسة إلى قراءة المشروع الفكري للدكتور عبد الكريم سروش وهو أحد المستنيرين الإيرانيين. وقد تتبّعنا في هذه الدراسة -في حدود ما سمحت به سعة الكاتب وبضاعته- مسار تبلور المنهج الفكري لدى الدكتور سروش. وقد ذهب الكاتب إلى أنّ المفاهيم الكانطية والنيوكانطية بالإضافة إلى بعض الجذور الداخلية الإسلامية (من قبيل: التأثر بالأفكار العرفانية والكلامية، والتي يحتاج بحثها إلى فرصة أخرى بطبيعة الحال)، تشكل الأسس الأصلية لنظرياته. إنّ نظرية القبض والبسط النظري للشريعة، وبسط التجربة النبوية تمثلان بيانًا

(91)

لفاعلية الموضوع الإنساني (المفسّر والنبي). كما أنّ تصوّر الوحي شعرًا أو رؤيا، وتوظيف الاستعارة الشعرية والرؤيوية في فهم الوحي ينطوي على أرومة كانطية، ويُعدّ نوعًا من التبيين والتفسير الذاتاني للوحي. كما استفاد الدكتور سروش في نظرية القبض والبسط النظري للشريعة من آراء كارل بوبر، واستفاد في نظرية بسط التجربة النبوية من أفكار إقبال اللاهوري إلى حدّ كبير. ويبدو أنّ المباني المعرفيّة والأبستمولوجية للدكتور سروش كان لها المنزلة الأسمى في نظرياته. كما أنّ نسبة تفكير الدكتور سروش إلى الخلفيات الداخلية في العالم الإسلامي وتأثره في تبويب آرائه الكلامية بآراء المولوي وأبي حامد الغزالي من الوضوح بحيث تحتاج إلى بحث مستقل، وقد تناولنا في هذه الدراسة تأثره بالعالم الجديد بشكل أكبر.

يرى كاتب السطور أنّ المشروع الفكري للدكتور سروش يمثل نوعًا من العلمنة المتدرّجة التي تمّ تقديمها عبر أربع مراحل وفي إطار أربع نظريات، وهي: «نظرية القبض والبسط النظري للشريعة»، و«نظرية بسط التجربة النبوية»، و«نظرية اعتبار الوحي شعرًا»، و«نظرية اعتبار الوحي رؤيا»، حيث يقدم مفهومًا تقليليًا للأمر القدسي. ويبدو أنّ هذه النظريات تحتوي على إشكالات من بعض الجهات، وقد سعى كاتب السطور إلى بيان هذه الإشكالات في حدود وسعه.

(92)

 

 

 

نقد نظريّة التطوّر الشامل
في الإبستيمولوجيا الدينيّة[1]

 

علي كلبايكاني رباني[2]

تمهيد

تتضمّن هذه المقالة دراسةً نقديّةً حول نظريّة تحت عنوان «القبض والبسط في الشريعة»، طرحها الفيلسوف الإيراني المعاصر والمختصّ بالدّراسات الإسلاميّة الدكتور عبد الكريم سروش، ضمن مجموعة من المقالات، التي دوّنها باللغة الفارسية تحت العنوان ذاته، ثمّ طبعت من قبل مركز «صراط» الثقافي ضمن كتاب واحد تحت عنوان «قبض وبسط تئوریک شريعت: تكامل معرفت ديني»، حيث طبع الكتاب لأكثر من عشر مرّات، ومقالاته نشرت قبل ذلك في مجلّة كيهان فرهنكي.

المرتكز الأساسي في هذه النظريّة أنّها تعتبر الإبستيمولوجيا الدينيّة منذ لحظة نشأتها وعلى مرّ العصور في مهبّ القبض والبسط النظريين بحيث لم تشهد ثبوتًا على مستوى واحدٍ.

(93)

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ مصطلحي القبض والبسط في هذا المضمار يختلفان عن القبض والبسط المصطلح عليهما في الفكر الصوفي، فالمتصوّفة يقصدون من القبض غلبة الخوف على نفس الإنسان ومن البسط غلبة الرجاء عليها؛ بينما القبض في النظرية المشار إليها يعني النقص، والبسط يعني الزيادة.

مقدّمة

لو ألقينا نظرةً عابرةً على تأريخ الإبستيمولوجيا البشريّة بشكلٍ عامّ والإبستيمولوجيا الدينيّة بشكلٍ خاصٍّ، سيتّضح لنا أنّهما لا ينفكّان عن النّضوج والتطوّر بنحو متواصلٍ ودون انقطاع، وهذه الحالة تبلورت أحيانًا على هيئة تفنيد النظريات السابقة لتحلّ محلّها نظريات جديدة، وأحيانًا بشرح وتوضيح الآراء المطروحة قبل ذلك لبيان مضامينها الحقيقية، وفي أحيان أخرى عبر استكشاف قوانين جديدة؛ بهدف طرح مصاديق جديدة تتناغم مع القوانين السالفة. ويمكن بيان طبيعة هذا التطوّر المتواصل كما يلي: هناك مبادئ وقواعد إبستيمولوجية بديهيّة ثابتة وذات مداليل ومفاهيم واضحة وصريحة لا يمكن أن يطرأ عليها أيّ تغيير على الإطلاق، وحتّى لو أنّ أحدًا تجرّأ في الماضي وأنكرها أو شكّك فيها فهذا الأمر كان يحدث في واقع الحال بشكلٍ صوريٍّ وبطابع ظاهريٍّ، ولم يكن جادًّا وحقيقيًا لدرجة أنّه لم يؤثّر عليها. على سبيل المثال أنكر البعض وجود أيّة حقيقةٍ في هذا العالم وشكّكوا بكلّ شيء، إلا أنّ موقفهم هذا يعدّ بحدّ ذاته حقيقةً لكونهم في واقع الحال يعتبرون الفكر أمرًا حقيقيًّا والمخاطب أيضًا واقعيًا وتطبيقه على إحدى القضايا يعتبر حقيقيًا كذلك؛ إذ لولا هذه الحقائق لما تفوّهوا بكلمة بتاتًا وما احتجّوا أو استدلّوا أبدًا.

(94)

لكن رغم ذلك، طُرحت في الآونة الأخيرة نظريّةٌ فحواها ما يلي: التطوّر عبارة عن قانون شامل لا يُستثنى منه أيّ مبدأ أو قاعدة وبما في ذلك قاعدة امتناع التناقض التي تعتبر واحدةً من القواعد البديهيّة الثابتة في الفكر والمعرفة، فهي على هذا الأساس تندرج ضمن قانون التطوّر الإبستيمولوجي.

وعلى أساس ما ذكر سوف نتطرّق في هذه المقالة إلى بيان تفاصيل نظريّة القبض والبسط ضمن عدد من البحوث المستقلّة، وأهميّة البحث تكمن في أنّها ذات ارتباط وثيق بالمعارف الدينية، وفي هذا السياق يطرح في رحابها رأيان يسّفر الاعتقاد بهما عن حدوث آثار سلبية على صعيد المعتقدات الدينية، وهما كما يلي:

الرأي الأوّل: التطوّر يتحقّق في جميع فروع وجزئيات المعارف الدينيّة دون استثناء.

الرأي الثاني: جميع فروع المعارف الدينيّة وجزئياتها تتأثّر بما يتفرّع على المعارف غير الدينيّة.

فيما يلي نذكر أمثلة ممّا ذكره أصحاب النظريّة المذكورة ثمّ نتناولها بالتحليل والنقد: 

مدلول نظريّة تطوّر الإبستيمولوجيا الدينيّة

نحن نعتقد بأنّ فكرة القبض والبسط في نظرية تطوّر الإبستيمولوجيا الدينية عبارة عن رؤيةٍ تفسيريّةٍ إبستيمولوجيّة، لكنّها ذات ارتباط بعلم الكلام والعرفان وعلم الأصول؛ فهي ترتبط بعلم الكلام على ضوء ارتباطها بعلم الأديان، باعتبارها توضّح لنا مدى تأثير فرضياتنا الإبستيمولوجية السابقة وما نترقّبه من الدين ومعرفتنا بطبيعة الإنسان على إدراكنا لتعاليم الكتاب والسنّة.

(95)

وترتبط بعلم الأصول لكونها توضّح لنا العلوم والفرضيات الواضحة والمضمرة التي يحتاج الفقيه إليها ضمن عمليّة استنباط الأحكام الشرعية، كما توضّح نطاق تأثيرها على طبيعة الفتاوى التي يصدرها وفهمه الفقهي بشكل عامّ، كذلك تتبلور على أساسها الشروط التي يجب توفّرها كي يصبح ظهور النصّ معتبرًا بصفتها أسسًا ارتكازيّةً له، ونستشفّ منها السبب في ضرورة الاجتهاد على صعيد الأصول وإلى أيّ مدى ينتهل علم الفقه معلوماته من علم الكلام.

وهي ترتبط بالعرفان لكونها تفسّر مدلول الشريعة والطريقة والحقيقة بصفتها ثلاثة أنماط من الإدراك الديني، وباعتبار أنّ كلّ واحدةٍ منها تستحقّ البحث والتحليل في رحاب جوانبها العامّة والخاصّة ومن حيث تبعيتها لآراء ووجهات نظر معيّنة.[1]

نظرية القبض والبسط في بوتقة النقد والتحليل

فيما يلي نتطرّق إلى بيان الموضوع في إطارٍ نقديٍّ تحليليٍّ:

أوّلًا: مجرّد ارتباط إحدى النظريات بعلم الأديان أو بالإبستيمولوجيا الدينيّة لا يعتبر كافيًا لادّعاء أنّها من جملة نظريات علم الكلام، وذلك لكون اتّصاف إحدى المسائل بأنّها كلاميّة يتّضح بشكلٍ أساسيٍّ عن طريق موضوعها فيما لو كان يندرج ضمن المعتقدات الدينية طبعًا، أو بواسطة هدفها الذي يتمثّل في إثبات المعتقدات الدينية والدفاع عنها وبيان مدى تأثير الفرضيات السابقة، أو ما يرتقبه الإنسان من الدين والمعرفة حسب طبعه الإنساني وبمستوى إدراكه لواقع الكتاب والسنّة -أي الإبستيمولوجيا الدينية- وهذا الأمر بحدّ ذاته لا يتّسم بأيّ من الميزتين المشار إليهما

(96)

أعلاه. وإذا ما طُرح هذا الموضوع بدوافع وأهداف كلامية، ففي هذه الحالة تندرج الإبستيمولوجيا المشار إليها ضمن الإبستيمولوجيات الأساسية، التي توصف بأنّها من الدرجة الأولى لا من الدرجة الثانية، وسوف نثبت في المبحث اللّاحق أنّ تطوّر الإبستيمولوجيا الدينية يندرج ضمن الإبستيمولوجيات التي هي من الدرجة الثانية.

الجدير بالذكر هنا أنّنا نرى من الأنسب إدراج موضوع تطوّر الإبستيمولوجيا الدينية تحت عنوان «فلسفة الإبستيمولوجيا الدينية» وليس ضمن علم الكلام.

ثانيًا: المحور الارتكازي لمواضيع البحث في علم أصول الفقه هو الدليل الشرعي الذي يعتبر حجّةً، ومن الواضح أنّ نظرية القبض والبسط في الشريعة -تطوّر الإبستيمولوجيا الدينية- لا يرتبطان بشكلٍ مباشرٍ بالدليل الشرعي، وارتباطهما بأصول الفقه يتطلّب أسلوبًا آخر فحواه بيان طبيعة النظرية المذكورة أو المقدّمات الإبستيمولوجية للاجتهاد. وبإمكاننا الاعتماد على مسألة الاجتهاد والتقليد لإثبات ارتباطهما بعلم الفقه أو علم أصول الفقه، وسنوضّح في المباحث اللاحقة ما إن كانت نظرية القبض والبسط توضّح مبادئ الاجتهاد أو مقدّماته الإبستيمولوجية، وهذا البحث بطبيعة الحال موضوع يتطلّب دراسةً تحليليةً.

ثالثًا: موضوع العرفان النظري هو الوجود المطلق والحقيقة اللّا محدودة واللا متعيّنة، وهدفه هو الشهود والمعرفة المباشرة لتلك الحقيقة المحضة اللا متعيّنة دون أيّة واسطةٍ علميّةٍ أو فكريّةٍ؛ ومن الواضح أنّ هذين الموضوعين لا ارتباط لهما بمسألة تطوّر الإبستيمولوجيا الدينيّة، كذلك لا بدّ من إجراء دراسةٍ تحليليّةٍ مسهبةٍ؛ لمعرفة ما إن كانت هذه النظرية تمتلك القابلية على بيان المعالم الأساسية للحقيقة والشريعة والطريقة.

رابعًا: المقصود من التفسير الذي يطرح بشكل مستقلّ عن مسألة تطوّر

(97)

الإبستيمولوجيا الدينيّة، ذلك التفسير الذي يُصاغ بأسلوبٍ تحليليٍّ تأريخيٍّ وليس التفسير بمعناه الاصطلاحي بصفته واحدًا من العلوم الدينية؛ وقد أشرنا إلى تفاصيل هذا الموضوع في مباحث أخرى.[1]

هل نظريّة تطوّر المعرفة الدينيّة تندرج ضمن الإبستيمولوجيا البعديّة؟

الدكتور عبد الكريم سروش يعتبر نظريّة القبض والبسط بأنّها إبستيمولوجيّة تسلّط الضوء على الإبستيمولوجيا الدينية بشكل بعدي، وقد وجّه نقدًا لاذعًا للذين رفضوا نظريّته قائلًا:[2]

«هناك أشخاص درسوا الفلسفة واطّلعوا بشكل إجمالي على رؤى المدرسة الأرسطية والفلاسفة المشّائيين والإشراقيين بشكلٍ عامٍّ دون أن يمتلكوا أدنى معرفة بالبحوث والدراسات الحديثة التي تمّ تدوينها في هذا المضمار؛ وبعد أن طرحت مسألة الإبستيمولوجيا سرعان ما تصوّروا أنّ المقصود منها تلك الدراسات والبحوث التي طرحها القدماء على صعيد الوجود الذهني والتي من جملتها ما يلي: حينما يمتلك الإنسان علمًا بشيءٍ فهل يدرك عندئذٍ ماهيته أو غاية ما يدركه شبحًا - ظلًا - له أو أيّ شيء آخر يُنسب إليه؟ وهل العلم أمرٌ مجرّد أو مادّي؟ وما هي حقيقة المعقولات الأولى والثانية؟ وما هو دور هذه المعقولات في مجال إدراك حقيقة الوجود الخارجي؟ وكيف يتمكّن الإنسان من إدراك واقع المفاهيم الكلّية؟ أي كيف تنكشف له هذه المفاهيم؟ وما هو مناط صدق القضايا وعدم صدقها؟ وما إلى ذلك من أسئلة أخرى».

الجدير بالذكر هنا أنّ هذا النّوع من الإبستيمولوجيا لا يعدّ مطلقًا موضوعًا

(98)

للإبستيمولوجيا الحديثة؛ لأنّ النهج المعرفي المتعارف لدى القدماء هو في الحقيقة فهم ومعرفة إدراكية، لذا فهو يقابل ما يتفرّع على الإبستيمولوجيا التي تعتبر المرتكز الأساسي لطرح مسألة تطوّر الإبستيمولوجيا الدينية؛ وذلك لما يلي:

أوّلًا: الإبستيمولوجيا لا تكترث بمسائل الوجود الذهني والخلجات المعرفيّة الباطنية، ولا تسلّط الضوء عليها من حيث كونها ميزةً روحيّةً، بل غاية ما في الأمر أنّ موضوعها الأساسي هو ما يتفرّع على العلم، وليس على التصوّرات أو المفاهيم المستقلّة الكامنة في الذهن، أي أنّ بحوثها تتقوّم على سلسلةٍ من التصوّرات والتصديقات التي تصوغ بجملتها أحد العلوم مثل الهندسة والطبّ والفلسفة.

ثانيًا: الإبستيمولوجيا بطبيعتها ليست قبلية[1] بل هي بعدية[2] ممّا يعني أنّ وجودها مسبوق بتخصّصات علميّة، ورؤيتها تتمحور بشكلٍ أساسيٍّ حول مسيرة العلوم في عالم الخارج، وتحكي عن كيفية نشأتها وتناميها.

ثالثًا: الإبستيمولوجيا تسلّط الضوء على الجدل المحتدم بين العلماء، وتؤكّد على كون العلم ذا طابع جماعيٍّ ومتعارفٍ، فهي تعتبر هذه الأمور معتبرةً معرفيًا.

تسليط الضوء على المسيرة التأريخيّة للعلوم يعدّ أمرًا ضروريًا بالنسبة إلى الإبستيمولوجيا البعديّة، التي هي في الحقيقة معرفة من الدرجة الثانية، وكلّ تخصّص علمي قد وجد بطبيعة الحال بشكل تدريجي على مرّ التأريخ، لذا لا بدّ وأن يشهد تطوّرًا وتناميًا باستمرار، نظرًا لطبيعته غير الثابتة، بحيث يتغذّى معرفيًا على الإنجازات العلميّة والفكريّة في شتّى نواحي الحياة، ومن ثمّ فهو في حالة قبض وبسط دائمين، أي أنّ شؤونه تتراوح بين النقص والزيادة.[3]

(99)

بحثٌ تحليليٌّ

بإمكاننا بيان طبيعة الإبستيمولوجيا البشرية من زوايا عدّة، سواءً أكانت دينيةً أم غير دينيّةٍ، وذلك كما يلي:

أوّلًا: من زاوية منطقيّة

المقصود هنا الأساليب المعتمدة لكسب المعرفة، أي الأساليب الواجب اتّباعها في هذا المضمار، ومن البديهي أنّ هذا النمط الإبستيمولوجي هو من النوع المنطقي القبلي.

ثانيًا: من حيث الأساليب المعتمدة في كلّ علم على نحو الاختصاص

كلّ علمٍ بطبيعة الحالة له أساليبه المختصّة به، والتي تميّزه عن غيره، مثل الفلسفة والرياضيات والعلوم الطبيعية وغيرها، وهو ما يوصف بمنهجيّة العلوم؛ وهذا النمط الإبستيمولوجي القبلي.

ثالثًا: من زاويةٍ فلسفيةٍ

المراد من تسليط الضوء على الإبستيمولوجيا البشريّة من زاويةٍ فلسفيّةٍ هو البحث والتحليل في مجال طبيعة الإبستيمولوجيا، وبيان مدلولها الحقيقي عبر البحث عمّا إن كانت جوهرًا أو عرضًا. وإذا ثبت لنا أنّها من سنخ الأعراض سوف يتمحور البحث حينئذٍ حول المقولة العرضية التي تندرج تحت مظلّتها، ثمّ ينتقل الباحث إلى معرفة ما إن كان مجرّدًا أو مادّيًا، وهل هو من أقسام المعارف الحضورية -الفطرية أو الحصولية- المكتسبة أو الكلّية أو الجزئية، وإلخ من تفريعات بحثيّة أخرى. وهذا النمط من الإبستيمولوجيا بعدي

(100)

في واقع الحال؛ لكون العلم عادةً ما ينشأ لدى الإنسان عن طريق التحرّي والاستقصاء الفكري، ومثاله المباحث التي كانت تطرح في رحاب الفلسفة القديمة حول العلم.

رابعًا: من حيث وسائل كسب المعرفة والشروط اللازم توفّرها

يجري البحث الإبستيمولوجي في هذا المضمار بهدف معرفة الوسائل التي يجب الاعتماد عليها؛ كي نتمكّن من كسب المعرفة واستكشاف الشروط الخاصّة في هذا المضمار مثل طبيعة الارتباط بين العلم والمعلوم. وما إن كانت المعارف البشرية يقينيةً أو احتماليّةً، وهذا النمط الإبستيمولوجي قبلي وبعدي؛ وذلك لأنّ مسألة البحث والتحليل بخصوص وسائل تحصيل المعرفة والشروط التي يجب السير وفق إلزاماتها هي من جملة المسائل القبلية، بينما مسألة البحث والتحليل بخصوص طبيعة ارتباط المعرفة بالمعلومات الخارجية من حيث كونها يقينيّة أو احتماليّة تعدّ من المسائل البعديّة. بحوثٌ كهذه يُطلق على الواحد منها «بحث معرفي» أو «بحث إبستيمولوجي» ويندرج ضمن مبادئ الفلسفة الحديثة، وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ فلسفة إيمانوئيل كانط النقديّة، التي نعتبرها نمطًا من الإبستيمولوجيا البعدية تدرج ضمن هذا النمط الإبستيمولوجي.

خامسًا: من حيث دراسة مختلف العلوم ضمن أطرٍ تأريخيّةٍ وسوسيولوجيّةٍ

معرفة واقع الإبستيمولوجيا البشريّة من جوانب تأريخيّة وسوسيولوجيّة، عادةً ما يتمّ تحصيلها على ضوء دراسة وتحليل التطوّرات التي تطرأ على العلوم، وطبيعة العلاقات التي تربط بينها، ومدى تأثيرها على بعضها، وشتّى

(101)

العناصر السياسية والاقتصادية والاجتماعية وما شاكلها. فهذه البحوث هي الأخرى من سنخ نظرية القبض والبسط، لكن يجب أن تذكر تحت عنوان علم تأريخ وسوسيولوجيا الإبستيمولوجيا أو أن يسمّى فلسفة العلم.

المفكّر الغربي إيان باربور على سبيل المثال تبنّى هكذا رؤية ضمن كتابه العلم والدين، الذي يغلب عليه طابع فلسفة العلم والدين. كما نلمس الرؤية ذاتها لدى وليام هالسي هال ضمن كتاب دوّنه حول تأريخ العلم وفلسفته؛ حيث اعتبر المواضيع البحثية التأريخية والسوسيولوجية بأنّها نمط من أنماط الإبستيمولوجيا، ثمّ أضيف إليها قيد بعدي بهدف تمييزها عن الإبستيمولوجيا المتعارفة في الأوساط الفكرية، لكنّ هذا الأمر في الحقيقة ليس صحيحًا ولم يكن من المفترض ادّعاؤه.

الجدير بالذكر هنا أنّ التوضيحات التي ذكرت في كتاب القبض والبسط لبيان طبيعة الارتباط بين المعارف البشرية ومدى تأثير بعضها على الآخر، ذات ارتباط بالإدراكات الذهنية والأفكار التي تراود الإنسان، لذا فالتصوّرات والتصديقات هي التي تكون عرضةً للتغيير، ومن ثمّ يتمّ إدراج حاصل هذا التطوّر ضمن أحد العلوم؛ بحيث يخرج من عالم الذهن والباطن ليلج في عالم الخارج، فتتشعّب على أساسه فروع علميّة جديدة؛ وفيما يلي نذكر بعض ما قيل في هذا المضمار:

«التصوّرات الفكرية في مجالي العلم والفلسفة إزاء الإنسان والكون في حالة تغيير متواصل، ومن هذا المنطلق لا بدّ من حدوث تطوّر عليها وتغييرات متواصلة تسفر عن حدوث تحوّل في مجال التصوّرات البشرية إزاء الدين والنبوّة».[1]

(102)

«موضوع البحث يتمحور بشكلٍ أساسي حول الوجهة الفكرية التي يتبنّاها البشر تجاه القضايا الطبيعية والدينية حينما يتمّ تسليط الضوء عليها فكريًا لإدراك مكوناتها، وهنا يسخرّ الباحث كلّ ما لديه من قابليات علمية ومدّخرات فكرية وما إلى ذلك من أمور لها ارتباط بالموضوع؛ وبما أنّ هذه القابليات والمدّخرات التي تجسّد النمط العامّ للثقافة الإنسانية لا تنفكّ عن التغيير والتحوّل، فلا محيص من حدوث تطوّر شامل في جميع شؤون الفكر والحياة بحيث تتناسق جميع الأفكار والرؤى لتتبلور في رحابها قضايا جديدة؛ ونظرًا لكون إدراكنا في حالة حركة دائبة وتغيير مستمرّ، لذا فهو يعمّ التوجّهات الدينية أيضًا وطبيعة إدراكنا للأحكام التي جاءت بها الأديان، ومن ثمّ نسعى إلى تجديدها كي تتلاحم مع سائر مكوّنات منظومتنا الفكرية وتتناسب معها».[1]

«التطوّر الإبستيمولوجي البشري لا يحدث بشكلٍ كمّي، بل هو تحوّل جوهري في واقعه؛ وبتعبير علمي فلسفي فالجزيئات السابقة المكوّنة للمنظومة الفكرية تتبلور بطابع جديد بحيث تكتسب العناصر القديمة حياةً جديدةً وهويةً غير مسبوقةٍ، لذا حينما تظهر أيّة معلومة جديدة فهي لا تبقي المعلومات السابقة على حالها، بل تساهم في تغيير مضامينها»[2]

من البديهي أنّ بعض المصطلحات المطروحة في مجال العلم والمعرفة ترتبط بأسرها بالمعرفة والإدراك، باعتبارهما حالةً ذهنيةً ومفاهيم فكرية، وليست مجرّد

(103)

كلمات مكتوبة في صفحات الكتب وما شاكلها، ومن جملة هذه المصطلحات ما يلي: تصوّر الإنسان، فهم الإنسان، صورة الإنسان، الثروة العلمية، المدّخرات الإدراكية، حركة الفهم وعدم ثباته، الحرکة الجوهرية، معرفة الإنسان، النسبة بين المادّة والصورة في المعلومات السابقة والجديدة.

حينما تطرّق الدكتور عبد الكريم سروش إلى بيان معالم نظريته الإبستيمولوجية وتحديد موضوعها المحوري ضمن كتاب القبض والبسط النظريين في الشريعة (نظرية تطوّر الإبستيمولوجيا الدينية)،[1] ذكر الفرق بين المفاهيم الدلاليّة للإيمان والدين والمعرفة الدينية، مؤكّدًا على أنّ محور بحثه يرتكز على المعرفة الدينيّة التي إحدى خصائصها أنّها ذهنيّة، حيث قال:

«ما يسمّى معرفةً دينيةً هو عبارة عن أمرٍ بشري يتّسم بجميع العلامات الفارقة للفكر البشري، ممّا يعني أنّه يجري في حالة تطوّر متواصل الأمر الذي يجعله موضوعًا للبحث والنقاش بحيث تتّسم بعض جوانبه بطابع ظنّي وفيه جوانب أخرى يقينية... والذهن والضمير هما المرتكز الأساسي له».[2]

الأجزاء المتطوّرة في الإبستيمولوجيا الدينية

التطوّر في الإبستيمولوجيا الدينية على غرار التطوّر الذي يحصل في سائر الإبستيمولوجيات البشرية، وعلى هذا الأساس فهو يحدث بشكلين أحدهما موازي والآخر ممتدّ.

(104)

المقصود من التطوّر الإبستيمولوجي الموازي أنّ الإدراك الجديد لأيّ شيء كان يتعارض مع الإدراك السابق، وأمّا الممتدّ فالمقصود منه عدم وجود تعارض بين هذين الإدراكين، بل غاية ما في الأمر أنّ الإدراك الجديد أفضل من السابق.

وجه الاختلاف بين هذين الشكلين من التطوّر الإبستيمولوجي يكمن في أنّ الأوّل لا يعتبر كلّيًا وشاملًا بحيث لا يعمّ كافّة الأحكام العلمية والدينية، في حين أنّ الثاني كلّي وشامل بحيث يعمّ حتّى الأسس الفكرية الثابتة، دينيةً كانت أو غير دينية.

الجدير بالذكر هنا أنّ حدوث تعارض بين الأفكار يُسفر في نهاية الأمر عن الإقرار بصدق أحد المتعارضين ونبذ الآخر، في حين أنّ التطوّر الفكري -الإبستيمولوجي- الممتدّ ليس كذلك، بحيث يمكن الجمع بين مختلف الأفكار قبلية كانت أو بعدية؛ وحينما نتتبّع التأريخ نلاحظ أنّ كلا التطوّرين حدثا في مجال الفكر البشري، فالثاني حدث على صعيد الإدراك وليس في مجال صدق القضية أو كذبها، ومثال ذلك وجوب صلاة الجمعة وكون الله واحدًا وأنّ النبي محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله هو خاتم جميع الأنبياء والرسل، فهذه القضايا يطرأ عليها تطوّر على صعيد إثراء مضامينها وليس في مجال صدقها أو كذبها. وعلى هذا الأساس بإمكاننا إدراك وحدانية الله عزّ وجلّ من أوجه عدّة وبمستويات مختلفة، وكذا هو الحال بالنسبة إلى صلاة الجمعة وختم النبوّة في الإسلام.

معظم التطوّرات الإبستيمولوجية في شتّى الإبستيمولوجيات الدينية وغير الدينية -البشرية- قد حدثت سابقًا وستبقى تحدث على هيئة تطوّر ممتدّ في المجال الإدراكي. وفي هذا السياق، نلاحظ أنّ المعارف التي يمتلكها البشر بالنسبة إلى الشريعة والطبيعة إمّا أن تشذّب أو تُستكمل في رحاب التطوّر الإبستيمولوجي

(105)

الممتدّ، ففي هذه الحالة قد يكشف العلماء والمفكّرون بعض الأخطاء، فيتمّ تصحيحها أو أن تُضاف إلى مدّخرات منظومة الفكر البشري معلومات جديدة من حيث الكمّية والنوعية، أي أنّها تُستكمل، والمقصود من الزيادة الكمّية هنا امتلاك إدراك أفضل ومعرفة أنسب؛ وهذا هو التطوّر الإبستيمولوجي الممتدّ بذاته.

لم يدّع أحد حتّى الآن أنّ القوانين والحقائق البسيطة الثابتة سوف تتغيّر لاحقًا، بحيث يشهد الفكر البشري ظهور قوانين وحقائق أخرى مناقضة لها؛ إذ ليس هناك من يقول إنّ الماء سوف لا يطفئ النار مستقبلًا، أو أنّ السقوط من ارتفاع عالٍ لا يسفر عن حدوث كسر في العظام، أو أنّ الشمس لا تشرق كلّ يوم من المشرق وتغيب في المغرب، أو أنّ الغد سيكون بشكلٍ آخر غير ما هو معهود لدينا على مرّ العصور. بل هذه قواعد راسخة لا تغيير فيها، لذا فالبحث في هذا المضمار يتمحور حول طبيعة الإدراك البشري لهذه الحقائق، بحيث يدرك العلماء الجدد مضامين أكثر دقّةً ووضوحًا في مختلف مواضيع العلوم، كما لو اكتشفوا شيئًا جديدًا في كيفيّة إطفاء الماء للنار، ومثال ذلك الإدراك الذي اكتنف أذهان الفلاسفة السائرين على نهج صدر المتألّهين حول حقيقة نسبة الوجود إلى الله تبارك شأنه وطبيعة خلقة الكون بقدرته، فهو إدراك يختلف عمّا كان يتبنّاه غيرهم من الفلاسفة؛ ومثل رأي القائلين بكون الوجوب أمرًا اعتباريًا، وعلى هذا الأساس اختلف إدراكهم بالنسبة إلى وجوب صلاة الجمعة عمّن سواهم من فقهاء.

إذًا، المحور الارتكازي في هذا المضمار هو حدوث تطوّر على طبيعة الإدراك البشري، وليس في ذات الحقيقة أو ما يُنسب إليها من مبادئ أصيلةٍ وثابتةٍ، فالذهن البشري يجوب في رحاب تطوّرٍ فكريٍّ وإدراك سيّال، وليس في تطوّر كلّ شيء وسيلانه. وكي تتّضح الصورة بشكل أفضل لنتأمّل في المثال التالي: «نظرتُ اليوم

(106)

إلى الشمس» المقصود من هذه الجملة في عصرنا الراهن أنّي رأيت جسمًا عظيمًا من النيران الملتهبة التي تدور الأرض حولها وانعكست أشعّتها في عيني، وكذا هو المقصود منها في العهود السالفة، أي لو أنّ أحدًا قال قبل سنوات أو مئات أو آلاف السنين هذه الجملة فالمقصود نفسه ولا تغيير فيه، فهذه الرؤية للشمس وانعكاس أشعّتها حدث وما زال يحدث بشكلٍ متواصلٍ.

إذًا، القدماء كان لديهم تراب وماء وهواء ونجوم وأرض وشمس ونبات وزينة وذهب وسلامة ومرض، وكذا هو الحال بالنسبة إلى أبناء هذا العصر، فالهواء على سبيل المثال كان وما زال مكوّنًا من جزيئات النتروجین والأوكسجين وغازات أخرى نادرة، لكن يا ترى هل إنّ أمثال ابن سينا وأبي الريحان البيروني كانوا يعلمون بكون أجسامهم تجتذب في خلاياها هذه الجزيئات حينما يتنفسّون؟! طبعًا لم يكن لديهم علم بهذا النحو، بل كانوا يعلمون بكلّ تأكيد أنّهم بطبيعتهم كبشرٍ يجب أن يستنشقوا الهواء كي يدخل الرئتين وتبقى الحياة مستمرّة ولا يتوقّف القلب عن النبض؛ في حين أنّ العلماء المعاصرين يعلمون أنّ هذه الجزيئات حينما تدخل الرئتين سرعان ما يمتصّها الدم وينقلها إلى سائر أعضاء البدن.[1]

فكرة التطوّر في الإبستيمولوجيا الدينية حسب المفهوم غير الديني، والتي يدّعى على أساسها تغيّر الحقائق وليس إدراكها، تعتبر مغالطة خدعت الكثير من المفكّرين الذين أرادوا تجاوز الأفكار والرؤى الباطلة واتّباع ما هو حقّ، لكنّهم لم يعرفوا حقيقة الأمر وما إن كانت هذه الفكرة صحيحة أو باطلة، لذا نجدهم سرعان ما تتزعزع أفكارهم عند أدنى اختبار فينغمسون في توجّهات باطلة؛ وما

(107)

يدعو للأسف أنّ أمثال هؤلاء ما زالوا حتّى عصرنا الحاضر غافلين عن هذه الهفوة الفكرية، لذلك لا بدّ لنا من الالتفات إلى ما يلي:

أوّلًا: إدراك أنّ الكلام حقّ هو أمر ذو مرا،تب ولا سيّما إذا كان المتكلّم محيطًا بموضوع كلامه وعليمًا وصادقًا، ففي هذه الحالة نعتبره حقًّا؛ إذ الحقّ بذاته هو الثابت وليس إدراك الحقّ.

ثانيًا: كلّ كلام حقّ لا بدّ وأن يتناغم مع سائر الأمور التي هي حقّ، أي يجب وأن يتناسب مع كلّ حقّ آخر؛ لذا إن أدركنا عدم وجود اتّساق وتلاحم بين الأمرين ينبغي لنا عندئذٍ إعادة النظر في إدراكنا لبعض الحقائق أو كلّها شريطة أن لا تستند وجهات نظرنا التجديديّة إلى فكرة عدم وجود انسجام بالكامل، بحيث نجتثّ كلّ شيء ونبتدع ما هو جديد، بل علينا السعي للبحث عن الانسجام المفقود أو المجهول بالنسبة إلينا؛ في حين أنّ القضايا التي يفترض بطلانها لا تتّسم بهذه الميزة ولا تقتضي اتّخاذ تدابير فكريّة كهذه.

كلّ ما ذكر يدور في فلك واحد بحيث لا يخرج عن نطاقه بتاتًا، وذلك أنّ القول الحقّ هو أمر ثابت وجارٍ إلى الأبد دون توقّف -أي أنّه سيّال بتعبير فلسفي- وذلك على ضوء كونه واقعيًا وعلى أساس أنّ العلوم واقعيةً في ظاهرها، ممّا يعني أنّ «كلّ إنسان يدركه بمستوى قابليته الإدراكية»، وهذا هو المقصود من التطوّر في الإبستيمولوجيا الدينية[1].

(108)

بحث تحليلي

أوّلًا: التطوّر الموازي والتطوّر الممتدّ

الإبستيمولوجيا بكلا شقّيها الديني وغير الديني شهدت وتشهد نوعين من التطوّر، هما كالتالي:

الأوّل: تطوّرٌ موازٍ

هذا النّوع من التطوّر يعني حدوث تعارضٍ بين الإدراك والمعارف، وهنا لا بدّ من وجود قضايا صادقة وأخرى كاذبة؛ إذ من المستحيل بمكان صواب إدراكين متعارضين مع بعضهما، بل لا بدّ من أن يتحقّق الصدق في أحدهما والكذب في الطرف الآخر، مثل حركة الأرض وسكونها (أي نظرية الهيئة بشكليها القديم والحديث)، ومثل ثبوت الأنواع وتطوّرها، وأصالة الماهية والوجود، واستحباب صلاة الجمعة ووجوبها، وما إلى ذلك من أمثلة أخرى.

الثاني: تطوّر ممتد

المقصود من هذا التطوّر أنّ الإدراك والمعارف مكمّلان لبعضهما؛ بحيث إنّ كلّ واحد منهما يوضّح لنا درجةً معيّنة أو مستوى محدّدًا من المعلوم، وهنا قد يوجد اختلاف لكن لا يوجد تعارضٌ مطلقًا، ومن ثمّ لا مجال لادّعاء كذبِ أيٍّ من القضايا التي يتمحور حولها البحث، بل كلّها صادقة، ومثال ذلك كما لو عرف أحد الناس بعض خواصّ الماء مثل كونه جسمًا متحرّكًا ومنظّفًا ويروي النبات والحيوان والإنسان وعصبًا للحياة لكلّ كائن حي، لكنّه لا يعرف العناصر المكوّنة له ولا وزنه النوعي؛ لذا حينما نقارن معرفة هذا الإنسان بعد مدّة قصيرة أو طويلة أو حتّى متمادية مع معرفة أحد علماء العصر الحديث بالنسبة إلى خواصّ الماء ومكوّناته،

(109)

نلاحظ أنّ المعرفة الجديدة لا تتعارض بتاتًا مع المعرفة القديمة، بل متمّمة لها لكونها تمنحنا معرفةً إضافيّةً وأكثر تكاملًا حول الموضوع.

ثانيًا: التطوّر الكمّي والتطوّر النوعي (التصحيح والإتمام)

بإمكاننا بيان تفاصيل الموضوع المذكور بنحوٍ آخر، أي أنّ التطوّر في مدلوله العرفي يعني تصحيح المعرفة أو استكمالها، والتصحيح على نوعين، فهو إمّا أن يكون مرتبطًا بنظريّة سابقة أو بالدليل والأساليب الاستدلاليّة؛ إذ قد نُجري تصحيحًا على إحدى النظريات، إلا أنّ الأدلّة السابقة تبقى على حالها من حيث الاعتبار الاستدلالي والدلالي، كذلك من الممكن إجراء تصحيح على الدليل وأسلوب الاستدلال مع بقاء النظرية السابقة على حالها دون تغيير، وهناك احتمال أيضًا بإمكانيّة تصحيحهما كليهما.

الاستكمال أو الإتمام أيضًا على نوعين، أحدهما يراد منه تكميل المعرفة التي نكتسبها بخصوص موضوع البحث -النظرية- والآخر تكميل الدليل الذي ترتكز عليه هذه النظرية.

وأمّا الآراء التي يطرحها العلماء بخصوص النظريات والأدلّة السابقة تتمحور حول صيغ معيّنة هي كالتالي:

1. تكرار النظرية والدليل السابقين دون أيّ تغيير. (هذا الرأي لا ينسجم مع نظرية التطوّر الإبستيمولوجي)

2. تكرار النظرية السابقة يتلازم مع تفنيد الدليل السابق على ضوء إثباتها بدليل جديد. (فحوى هذا الرأي حدوث تطوّر تصحيحي في الدليل وتطوّر تكميلي في النظرية)

(110)

3. تكرار النظرية السابقة يتلازم مع الإقرار بصواب الدليل السابق إلى جانب الاعتماد على دليل جديد. (بمعنى حدوث تطوّر كمّي في الدليل)

4. تفنيد النظرية السابقة بالدليل السابق ذاته أو بدليل آخر. (حدوث تطوّر تصحيحي في النظرية).

5. تصحيح النظرية والدليل السابقين، أي ابتكار نظرية جديدة في مواجهة النظرية السابقة اعتمادًا على دليلٍ جديدٍ متعارضٍ مع الدليل السابق. (بمعنى إجراء تصحيح شامل).

حينما يحدث تطوّرٌ تكميليٌّ وكمّيٌّ في الدليل ويحدث تصحيح في النظرية، فالتطوّر المذكور يكون موازيًا بالنسبة إلى الدليل لا ممتدًا، ومثال ذلك أنّ ابن سينا أثبت امتناع حدوث التسلسل بشكلٍ مبرهنٍ اعتمادًا على برهان «الطرف والوسط»، في حين أنّ الخواجة نصير الدين أثبت ذلك على أساس برهان «الوجوب والإمكان»، والعلامة الطباطبائي أثبته وفق برهان «الرابط والمستقلّ»؛ وهنا ليس لدينا سوى نظريّةٍ واحدةٍ لا غير رغم تعدّد البراهين -الأدلّة- المعتمدة في عملية الاستدلال، واختلاف الأدلّة هنا ليس على نحو التعارض، بل هي مكمّلة لبعضها، وهذا الإكمال كمّي لا نوعيّ. كذلك يمكن القول من جهة إنّ هذا التطوّر موازٍ وليس ممتدًا نظرًا لتعدّد الأدلّة حول موضوع واحد؛ إذ لم يطرح على أساسه أيّ إدراك أو تفسير جديد بخصوص موضوع البحث، لكون الاختلاف الأساسي كامنًا بين الأدلّة وأساليب الاستدلال، وهذا الأمر بطبيعة الحال منوطٌ بتقييم كون المعرفة موازية أو ممتدّة على ضوء نظريّة معيّنة أو رأي محدّد. لكن إذا أخذنا الأدلّة نفسها أو أساليب الاستدلال بعين الاعتبار، ونلاحظ مدى قوّتها ومقدار اختصارها ووضوحها في إثبات المدّعى، فهنا يمكن تصوّر وجود اختلاف وتطوّر ممتدّ ونوعي أيضًا.

(111)

ثالثًا: درجات الإدراك (تطوّر الإدراك)

المقصود من درجات الإدراك -تطوّر الإدراك- هو امتلاك فهم أفضل بخصوص أحد المواضيع، ورغم اتّسامه بطابعٍ نوعيٍّ لكنّه ليس في منأى عن التطوّر الكمّي والإدراكي؛ إذ حينما ينال الإنسان إلمامًا ومعرفةً أكثر بأحد المواضيع يكتسب بطبيعة الحال إدراكًا أفضل بالنسبة إليه، مثلًا من يعتبر صدر المتألّهين فيلسوفًا حاذقًا وعارفًا كاملًا فهو بكلّ تأكيد يمتلك إدراكًا أفضل وأكمل ممّن يعتبر هذا العالم العظيم فيلسوفًا بسيطًا وعارفًا متوسّط الحال، وهذا الإدراك الأفضل يتبلور لدى الإنسان من خلال امتلاكه إدراكًا أكثر لتفاصيل الموضوع وجزئياته، وكذا هو الحال بالنسبة إلى إدراك أيّة ظاهرة طبيعيّة أو حدث اجتماعي أو سلوك بشري.

استنادًا إلى ما ذكر، نستنتج أنّ التطوّر النّوعي للمعرفة والإدراك مرهون بتطوّرهما كمّيًا، وكما هو معلوم فالتطوّر الكمّي يتبلور في صيغ عديدة ومتنوّعة ذات ارتباطٍ بالقضيّة التي هي الموضوع للمعرفة، ومن خصائص هذا الموضوع ما يلي:

1. الموضوع الذي تدور المعرفة في فلكه مكوّنٌ من أجزاءٍ مختلفةٍ وهو ذو جوانب متنوّعة.

2. موضوع المعرفة عبارة عن أمرٍ بسيطٍ لكنّه ذو جهات عديدة ومراتب مختلفة.

3. موضوع المعرفة ذو صفات وآثار مختلفة.

إذا لم تتوفّر أيّة من الخصائص الثلاثة هذه سوف لا يبقى مجالٌ لحدوث أيّ تطوّر كمّي، وإثر ذلك لا يحدث أيضًا أيّ تطوّرٍ نوعيٍّ، وفيما يلي نتطرّق إلى تحليل ثلاثة أمثلة ذكرها مؤلّف كتاب القبض والبسط:

(112)

المثال الأوّل: الله تعالى واحد

لا شكّ في أنّ وجود الله عزّ وجلّ بسيط وليس مركّبًا بأيّ نحو كان، لكن مع ذلك بإمكاننا دراسة صفة الوحدة من جوانب عدّة كما يلي:

1. من حيث الذات المقدّسة (التوحيد الذاتي): ليس هناك أيّ موجود سوى الله تبارك وتعالى يمتاز بكونه واجب الوجود بالذات وغنيًا بالذات.

2. من حيث الصفات المقدّسة (توحيد الصفات): صفات الله تبارك وتعالى هي عين ذاته.

3. من حيث الخلقة (التوحيد في الخالقية): الله تبارك وتعالى وحده الخالق المستقلّ بالذات على نحو الحصر ولا يمتلك هذه القابلية أيّ شيء غيره.

4. من حيث الألوهيّة (التوحيد الربوبي): الله تبارك وتعالى وحده الربّ المستقلّ بالذات ولا إله غيره على الإطلاق.

5. من حيث المعبودية (التوحيد في العبودية): الله تبارك وتعالى وحده أهل لأن يُعبد ولا شيء غيره يستحقّ ذلك مطلقًا.

6. لا شكّ في أنّ معرفة الإنسان حقيقة وحدانية الله عزّ وجلّ في جميع المواضيع المشار إليها في هذه النقاط الخمسة، تدلّ على امتلاكه معرفةً أكثر وأفضل من غيره في هذا المضمار؛ لذا إن كانت معلوماته هنا صائبة وإدراكه قويم بالنسبة إلى كلّ ما ذكر من مراتب التوحيد، ففي هذه الحالة لا تطرح مسألة تطوّر الإدراك البشري في منأى عن تطوّره على صعيد مسائل أخرى أو عدم تطوّره.

(113)

المثال الثاني: النبي محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله هو خاتم الأنبياء والمرسلين

هناك احتمالات عدّة تطرح بخصوص مدلول الخاتميّة بعضها صائب وبعضها الآخر خاطئ، أي أنّها احتمالات موازية لبعضها، وبيان ذلك كما يلي:

1. بعد النبي محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله لا يبعث أيّ نبي على الإطلاق، سواءً كان صاحب شريعة جديدة أو لم يكن كذلك، لذا تبقى الشريعة الإسلامية هي حكم السماء في الأرض حتّى قيام الساعة؛ لكون البشرية بحاجة دائبة لهدي السماء. (هذه نظرية شهيرة بين المسلمين وهي صائبة).

2. بعد النبي محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله لا يبعث أيّ نبي إلا مع شريعة جديدة، أي ستبعث السماء نبيًا صاحب شريعة. (هذه نظرية طرحت من قبل البابوية والبهائية وهي خاطئة).

3. بعد النبي محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله لا يبعث أيّ نبي على الإطلاق، سواءً أكان صاحب شريعة جديدة أم لم يكن كذلك، والسبب في ذلك يعود إلى أنّ البشر أصبحوا في غنى عن هدي السماء، لذلك انقطع حبل الوحي السماوي وتوقّفت النبوّة إلى الأبد. (هذه النظرية نستشفها من أقوال البعض من أمثال إقبال اللاهوري[1] والدكتور عبد الكريم سروش مؤلّف كتاب القبض والبسط أيضًا[2]، وهي نظريّة خاطئة).

إذًا، إذا اخترنا التفسير الأوّل فهذا يعني أنّنا اخترنا نظرّيةً لا بدّ من إثباتها أوّلًا، وفي الدرجة الثانية يجب البحث عن إجاباتٍ مقنعةٍ للأسئلة والإشكالات التي

(114)

تطرح حول مضمونها. ومن ثمّ كلّما تزايد إدراك الإنسان في هذين المجالين سوف يتكامل إدراكه بشكل أفضل بالنسبة إلى مفهوم خاتميّة النبوّة؛ لتتّضح له إثر ذلك جوانب الموضوع كافّة، ولا يبقى مجال لافتراض أيّ نمط من التطوّر النوعي على هذا الصعيد.

المثال الثالث: صلاة الجمعة واجبة

هناك رأيان مطروحان بخصوص وجوب صلاة الجمعة (فيما عدا نظريتي استحبابها وحرمتها)، أحدهما أنّ هذا الوجوب تعيّنيٌّ؛ بحيث لا يجوز للمكلّف أداء صلاة الظهر حين حلول وقت صلاة الجمعة، والآخر تخييريٌّ؛ بحيث يجوز للمكلّف أداء صلاة الظهر بدلًا عنها؛ وفي كلا الحالتين فالمعنى الفقهي للوجوب هو أنّ الله تعالى أراد من العبد الامتثال لهذا الأمر وعدم جواز تركه، والأثر الأخروي الذي يترتّب على ذلك هو استحقاق من امتثل أن يثاب على ما فعل، واستحقاق العاصي العقاب إثر تمرّده على الأمر الإلهي.

وكما هو معلوم فترك الواجب إذا كان تخييريًّا -حسب مضمون المثال المذكور- يتحقّق فيما لو تركت كلا الصلاتين، أي الظهر والجمعة، في حين أنّ الامتثال له يتحقّق فيما لو أدّى المكلّف واحدةً منهما فقط.

إذًا، لا يمكن افتراض حدوث تطوّرٍ ممتدٍّ ونوعيٍّ على صعيد المعنى الفقهي للوجوب، بل ما يمكن افتراضه هو حدوث تطوّرٍ موازٍ وذلك كما يلي: تغيّر الوجوب التخييري إلى وجوب تعيّني أو تغيّر التعيّني إلى تخييري، هو في الحقيقة تغيّر في رأي المجتهد لا في ذات الموضوع؛ وهذا الموضوع طبعًا خارج عن نطاق البحث.

ولو اعترض البعض قائلين: يمكن افتراض حدوث تطوّر في موضوعين هنا،

(115)

أحدهما في أدلّة الحكم الشرعي، والآخر في مجال عدم إدراك آثاره ونتائجه العملية؛ وهذا التطوّر في الحقيقة من سنخ التطوّر الممتد والتكاملي.

نجيب عنهم كما يلي: إذا كان التطوّر في الأدلّة بشكلٍ موازٍ -متعارض- فهو يندرج ضمن فرع التصحيح الذي أشرنا إليه في المباحث الآنفة، وليس ضمن فرع التكميل، وإذا كان متّفقًا عليه فالأمر الذي يطرأ عليه تغيير هو مستوى طمأنينة المجتهد بالحكم الشرعي والفتوى التي يصدرها على أساسه، وليس في معنى الوجوب. وأمّا التطوّر الذي يحدث على صعيد إدراك فوائد الحكم الشرعي وآثاره العملية، فهو الآخر يرفع مستوى إدراك الإنسان بالنسبة إلى علم الشارع المقدّس وحكمته من وراء تشريع الأحكام، وفي هذه الحالة لا يطرأ أيّ تغيير على معنى الوجوب، فغاية ما في الأمر أنّ الفهم اللفظي هو الذي يتغيّر لا الفقهي.

هل الترابط والتطوّر يحدثان في البنية الإبستيمولوجيّة أو في المفاهيم؟

حينما نستطلع مقالات القبض والبسط النظريين في الشريعة للدكتور عبد الكريم سروش، والتي دوّنها بخصوص الترابط والتطوّر الشاملين في الإبستيمولوجيا البشرية، نجدها طرحت بنحوين غير متناسقين مع بعضهما وذلك كالتالي:

النحو الأوّل: التطوّرات التي تحدث إلى جانب بعضها على ضوء الارتباط الشامل بين جميع الإبستيمولوجيات البشريّة، هي في الواقع ذات ارتباط بالإدراكات والمداليل والمفاهيم العلميّة، وميزتها أنّها متباينةٌ وليست على نسق واحد، لدرجة أنّه كلّما حدث تطوّر في أحد جوانب الإدراك البشري على صعيد فهم حقيقة الإنسان وإدراك واقع الكون والطبيعة والشريعة، فهو سيؤثّر بطبيعة الحال على

(116)

سائر الإدراكات والمعارف البشريّة؛ بحيث يتسبّب في طروء تطوّر عليها. لكنّ هذا التطوّر لا وجود له في مجالات أخرى، لذا فسّر التطوّر الشامل بأنّه تطوّرٌ في بنية الإبستيمولوجيا البشريّة.

النحو الثاني: قد يتبلور كلّ واحدٍ من هذين التطوّرين كبديل للآخر.

أضف إلى ذلك أنّه لحدّ الآن لم يذكر أيّ تفسير واضح لتطوّر البنية الهندسيّة الإبستيمولوجيّة، وهذا الموضوع يحكي بشكلٍ عامّ عن شكلين من الضعف النظري بخصوص تطوّر المعرفة الدينيّة أحدهما يتمثّل في الإجمال والغموض والآخر يتمثّل في التعارض وعدم الانسجام.

فيما يلي نذكر أمثلةً بخصوص ما ذكر من أقوال الدكتور عبد الكريم سروش ضمن الكتاب المشار إليه:

«نحن نقول إنّ إدراكنا لكلّ شيء يمرّ في حالة تطوّر دائب على نحو الموجبة الكلّية [حسب التعبير المنطقي]، أي أنّه تطوّر شامل ليس فيه أيّ استثناء، فهو يشمل أيضًا البديهيات ويعمّ أيضًا كلامنا هذا بحدّ ذاته؛ ممّا يعني أنّ إدراكنا لمفهوم هذا التطوّر يطرأ عليه تطوّر أيضًا».[1]

 مضمون هذا الكلام أنّ ما نتبنّاه بخصوص التطوّر الشامل للإبستيمولوجيا البشريّة يدلّ على كون جميع الإدراكات والمفاهيم العلميّة لا تنفكّ عن التطوّر، وبما في ذلك المفاهيم والأحكام البديهيّة، فهذه قاعدة لا يُستثنى منها أيّ شيءٍ على الإطلاق، والأهمّ من كلّ ذلك أنّ المضمون نفسه لعبارة «إدراكنا لكلّ شيء يجري في تطوّر دائب» هو الآخر يطرأ عليه تطوّر.

(117)

«ليست هناك أيّة معلومة جديدة تترك المعلومات القديمة وشأنها، فهي تساهم في تغيير مدلولها ومضمونها؛ وكلّ اكتشاف جديد عبارة عن قرينة جديدة نبادر على أساسها إلى تفسير الموضوع القديم بأسلوب جديد»[1].

هذا الكلام يدلّ على أنّ التطوّر الشامل في الإبستيمولوجيا البشرية يعمّ جميع المفاهيم العلميّة دون استثناء سواءً الظاهرة منها أوالخفيّة، وكذا هو تفسير الكلام التالي:

«مختلف أجزاء الإبستيمولوجيا البشرية في تعامل متواصل مع بعضها، لذا حينما تُبتكر مسألة علميّة جديدة سوف تؤثّر على الإبستيمولوجيا بشكل عامّ وكذلك على الفلسفة، وكما هو معلوم فتطوّر الإدراك الفلسفي يساهم في تغيير رؤية الإنسان إزاء نفسه والكون بأسره، وبطبيعة الحال تغيّر هذه الرؤية يسفر عن حدوث تغيير في الإبستيمولوجيا الدينية التي تكتسب عندئذٍ مدلولًا جديدًا من نوعه؛ وبيان ذلك أنّ اكتشاف إحدى الحقائق في أيّ مكانٍ من العالم -حتّى وإن كانت جزئيّةً وبسيطةً- يجعلها تسري بشكلٍ جريءٍ وهادئ لدرجة أنّها تساعد في نهاية المطاف على تغيير جغرافيا الإبستيمولوجيا البشرية بالكامل».[2]

حينما نمعن النّظر في شتّى مقالات القبض والبسط نجد فيها الكثير من هذه التعابير، ومضمونها الكلّي هو أنّ التطوّر الإبستيمولوجي العامّ والشامل المدّعى من قبل أصحاب نظرية «التطوّر الشامل في الإبستيمولوجيا البشرية والدينية» هو أنّه تطوّر يحدث في جميع الإدراكات والمعارف والمفاهيم العلميّة. فضلًا عن ذلك فمسألة عكس النقيض التي تعتبر دليلًا على الرأي القائل بوجود ارتباط شامل بين

(118)

المعارف البشرية، تدلّ على هذا المفهوم أيضًا لكون مضمونها كما سنذكر لاحقًا يتمحور حول ارتباط جميع القضايا مع بعضها.[1]

لكن رغم ذلك نجد في كلام صاحب كتاب القبض والبسط عبارات توعز ارتباط العلوم مع بعضها وتطوّرها إلى قضايا علميّة، وتحوّلها إلى إبستيمولوجيا ذات بنية هندسية بشرية، بل حتّى إنّه رفض حدوث تطوّر في أيٍّ من المفاهيم، والعبارة التالية شاهد على ذلك:

 «نقصد من الإبستيمولوجيا دينيةً كانت أو غير دينيةٍ والتي ننسب إليها تطوّرًا شبيهًا بالتطوّر الذي يشهده البدن خلال عملية نموّه، مجموعة من العلوم والمعارف وليس كلّ واحد من المفاهيم على حدة، أي أنّنا حينما نتحدّث عن تطوّر أحد العلوم لا نقصد من ذلك أنّ جميع مفاهيمه دون استثناء وكلّ القضايا المرتبطة به تشهد تطوّرًا وتطرأ تغييرات عليها؛ بل نعني هنا مجموعةً من العلوم وليس قضية واحدة أو أحد التصوّرات أو أحد التصديقات».[2]

كذلك قال في موضع آخر:

«المحور الأساسي في كلامنا حول واقع الارتباط بين مختلف الفروع الكبيرة والصغيرة للعلوم والمعارف، لا يتمثّل في إيجاد ارتباط بين قضيةٍ وأخرى».[3]

(119)

وقال أيضًا:

«لو أنّ ضلعًا واحدًا من أضلاع العلوم البشريّة الكثيرة تغيّر أو خرج عن موضعه، سوف تتغيّر البنية الهندسية لهذا العلم بالكامل».[1]

كذلك قال:

«الكلام لا يدور حول المعلومات كلّ واحدة على حدة من حيث صدقها أو كذبها، بل محور الكلام هو الصورة والبنية الكلّية التي نتمكّن من الحصول عليهما بفضل إنتاج المعلومات الصائبة أو الخاطئة، ومن المؤكّد أنّ الصورة التي تنشأ لدينا لعالم بني على خمسة أجزاء أكثر غموضًا وإيهامًا من صورة العالم المبني على خمسين جزءًا؛ ومهما أزيحت الأجزاء الخاطئة إلى خارج هذه البنية وكلّما تزايدت أجزاؤها الصحيحة سوف تصبح بنيتها الهندسية أكثر مطابقةً للواقع وأكثر دلالةً عليه؛ وهكذا هو حال إدراكنا للشريعة».[2]

وفي موضع آخر اعتبر التطوّر البنيوي للإبستيمولوجيا والذي وصفه بالتطوّر الهندسي، مشروطًا بحدوث تغييرات شاملة في كافّة الأجزاء المكوّنة للمنظومة الإبستيمولوجية، حيث قال:

«الكلام يتمحور بشكل أساسي حول الصورة الكلّية والبنية الهندسية الشاملة للإبستيمولوجيا، وليس حول إحدى المسائل أو الأجزاء، وعلى

(120)

هذا الأساس هناك أمران يتواكبان مع بعضهما دائمًا حين تطوّر كلّ فرع إبستيمولوجي، أحدهما تغيير يحدث في واقع إدراكنا لكافّة أجزاء الإبستيمولوجيا كلّ واحدة على حدة بفضل التطوّر الإبستيمولوجي المستمرّ، والآخر تطوّر يحدث في طبيعة البنية الهندسية الإبستيمولوجية وظهور تركيب هندسي جديد بين أجزائها بفضل ظهور عناصر جديدة في باطن هذه المعرفة وتراصفها إلى جانب العناصر القديمة فيها؛ وهذا الأمر يتسبّب بحدوث تحوّل جديد على واقع إدراكنا لكافّة أجزاء المنظومة الإبستيمولوجية».[1]

هذا التفسير للتطوّر العامّ والشامل في الإبستيمولوجيا البشريّة يتضمّن ثلاثة مسائل، هي كالتالي:

1. تطوّر إدراك الإنسان بالنسبة إلى جميع الأجزاء المكوّنة لأحد الفروع الإبستيمولوجية، سببه التنامي الإبستيمولوجي الحاصل في العلوم والمعارف البشريّة الأخرى.

2. المقصود من التطوّر الذي يحصل في مجال البنية الهندسية للإبستيمولوجيا هو تبلور صورة جديدة للأشياء المكوّنة لكلّ فرع إبستيمولوجي، والسبب في حدوث هذا النوع من التطوّر يعود إلى ظهور عناصر إبستيمولوجية جديدة وانخراطها إلى جانب الأجزاء القديمة.

3. ظهور معنى جديد للأجزاء المكوّنة للمنظومة الإبستيمولوجية يتبلور على ضوء التطوّر الحاصل في بنيتها الهندسية.

(121)

الجدير بالذكر هنا أنّ ما نلاحظ من غموض وإجمال في العبارات المذكورة أعلاه، إضافةً إلى دلالته على عدم وجود انسجام بين مضمونها ومضامين المواضيع التي تحدّث مؤلّف كتاب القبض والبسط عنها سابقًا، فهو يدلّ أيضًا على حدوث دورٍ -منطقي- على الصعيد الإبستيمولوجي باعتبار أنّ التطوّر الدلالي للأجزاء المكوّنة للإبستيمولوجيا في المرحلة السابقة متوقّف على التطوّر في الأجزاء اللاحقة، وتطوّر اللاحقة بذاته متوقّفة على تطوّر السابقة، وهذا يعني توقّف الشيء على نفسه وهو ما يوصف بالدور الممتنع؛ وبيان ذلك كما يلي: التطوّر الحاصل في البنية الهندسية الإبستيمولوجية يعدّ شرطًا في حدوث التطوّر الدلالي للإبستيمولوجيا، وفي الحين ذاته يعتبر نتيجةً له، أي أنّه علّة له وفي الوقت ذاته معلول له؛ وإذا افترضنا وجود اختلاف بين هذين التطوّرين في الدلالة، فالمؤلّف لم يوضّحه مطلقًا كي يتمّ تسليط الضوء عليه بالبحث والتحليل. ولا صواب هنا لاحتمال أنّ المقصود من التطوّر الدلالي الأوّل هو التطوّر النوعي، والمقصود من الثاني هو التطوّر الوضعي، وذلك لأنّ التطوّر الوضعي ليس التطوّر الدلالي ذاته ولا يقتضي تحقّقه إلا إذا كان المقصود مثلًا أنّ الدلالة الإبستيمولوجية الحاصلة لدينا من ستّة أجزاء مركّبة مع بعضها تختلف عن الدلالة الإبستيمولوجية الحاصلة من تركيب سبعة أجزاء، وهذا التطوّر الدلالي هو في الحقيقة فرع على التطوّر في البنية الهندسية للإبستيمولوجيا ويختلف عن التطوّر الدلالي الأوّل.

حتّى وإن اعتبرنا هذا الاحتمال واردًا فهو لا يصحّ إلّا عند الإذعان بحدوث تغيير كمّي على المنظومة الإبستيمولوجية، وهذا التغيير في الحقيقة عبارة عن تطوّر كمّي في معاني جميع الأجزاء المكوّنة لكلّ فرع إبستيمولوجي بشري، والأمر هنا طبعًا مجرّد ادّعاء لا غير، لذا رغم أنّ التطوّر في البنية الهندسية الإبستيمولوجية

(122)

عامّ وشامل، لكنّه لا يسفر عن حدوث تطوّر دلالي ونوعي عامّ وشامل، وهذا النوع من التطوّر يعتبر المرتكز الأساسي لتطوّر الإدراك والمعرفة البشرية؛ وإثر ذلك فهو لا يثبت صواب نظرية «تطوّر العلوم»، ولربّما لهذا السبب ذكر مؤلّف الكتاب نوعي التطوّر المشار إليهما واحدًا بدل الآخر حينما قال:

«وجهة نظرنا الارتكازية بالنسبة إلى تغيّر طبيعة الإبستيمولوجيا الدينية هي كالتالي: المعرفة غير الدينية الجديدة التي تتحصّل لدينا سواءً كانت مثبتة لما قبلها أو مبطلةً لها أو لا دور لها من حيث الإثبات والإبطال، لا تترك معارفنا السابقة على حالها، لذا فهي إن لم تفنّدها وتبطلها بالكامل تساهم على أقلّ تقدير في تغيير بنيتها الهندسية بحيث تضفي إليها صورةً جديدةً وتغيّر مستواها السابق وجميع مفاهيمها بحيث تمنحها شكلًا إبستيمولوجيًا جديدًا؛ وهذا يعني أنّ التركيب الحاصل من المعلومات السابقة والجديدة يسفر عن نشأة نمط إبستيمولوجي جديدٍ».[1]

وفي موضع آخر فسّر البنية الهندسية الإبستيمولوجية كما يلي:

 «ظهور إدراكات ومعلومات جديدة يضفي جوانب توضيحية غير مسبوقة إلى المعلومات القديمة ويمنحنا إدراكًا جديدًا، وهذا هو المقصود من البنية الهندسية الإبستيمولوجية، وفحواه أنّ موضوعًا واحدًا يفيد مداليل متنوّعة ضمن مختلف نواحي البنية الهندسية الإبستيمولوجية».[2]

كذلك صرّح في عبارة أخرى قائلًا:

(123)

«هناك أنواع عديدة من نقاط الانسجام والتلاحم الخارجة نطاق المنطق المتعارف في مختلف نواحي الإبستيمولوجيا، وهذا الأمر ملموس في التصوّرات الإبستيمولوجية وفي بنيتها الهندسية، حيث يتبلور في رحاب المبادئ المتّفق عليها والمتعارفة وفي مجال النسب بين القضايا وحتّى في مضمار ثراء شتّى المسائل ونقصها... وأيضًا في المعلومات الإبستيمولوجية الأساسية التي تندرج ضمن المعلومات التي هي من الدرجة الثانية».[1]

قد يُقال من الممكن الجمع بين مضامين العبارات التي ذكرها مؤلّف الكتاب ووضع حلّ للتعارض الموجود فيها، كما يلي: العبارات التي تشير إلى المفاهيم ناظرة في الحقيقة إلى طبيعة ارتباط المسائل الإبستيمولوجية مع بعضها على نحو الإطلاق، والعبارات التي تشير إلى أحد التخصّصات العلمية أو البنية الهندسية الإبستيمولوجية ناظرة إلى مسألة التطوّر الإبستيمولوجي وليس مطلق الارتباط بين شتّى المسائل الإبستيمولوجية.

هذا التبرير بطلانه واضح وصريح؛ لأنّ الموضوع الذي أريد إثباته من نظرية القبض والبسط النظري في الشريعة هو وجود ارتباط مطلق بين جميع المسائل الإبستيمولوجية دون استثناء، وخصوصيته أنّه ارتباط تطوّري تغييري، وهذا ما ذكر بصريح العبارة فيما نقل أعلاه.

(124)

المرتكز الإبستيمولوجي لنظريّة تطوّر الإبستيمولوجيا الدينيّة

نظريّة القبض والبسط النّظري للشريعة أو ما يُسمّى بتطوّر الإبستيمولوجيا الدينيّة، تتقوّم على مرتكزٍ إبستيمولوجيٍّ هو «الارتباط الكلّي بين جميع المسائل الإبستيمولوجية لدى البشر»، وهذا بمعنى وجود ارتباط بين جميع أنماط الإبستيمولوجيا البشرية، فكلّ واحدة منها ترتبط مع الأخرى على نحو العلقة المتبادلة، لذلك تؤثّر وتتأثّر فيما بينها، لذلك قيل:

«مختلف أجزاء الإبستيمولوجيا البشرية في تعامل متواصل مع بعضها، لذا حينما تُبتكر مسألة علمية جديدة فهي تؤثّر على الإبستيمولوجيا بشكل عامّ وكذلك على الفلسفة، وكما هو معلوم فتطوّر الإدراك الفلسفي يساهم في تغيير رؤية الإنسان إزاء نفسه والكون بأسره، وبطبيعة الحال تغيّر هذه الرؤية يسفر عن حدوث تغيير في الإبستيمولوجيا الدينية التي تكتسب عندئذٍ مدلولًا جديدًا من نوعه؛ وبيان ذلك أنّ اكتشاف إحدى الحقائق في أيّ مكانٍ من العالم - حتّى وإن كانت جزئيةً وبسيطةً - يجعلها تسري بشكلٍ جريءٍ وهادئ لدرجة أنّها تساعد في نهاية المطاف على تغيير جغرافيا الإبستيمولوجيا البشرية بالكامل؛ فيا ترى هل يُعقل أن يحضر ضيف جديد في أحد المجالس دون أن يفسح الآخرون له المجال للجلوس بينهم؟! وهل من المعقول أنّه لا يتسبّب في إحداث صورةً جديدةً لمجلسهم؟! إذن، بسط المعرفة ليس كمّيًا فحسب، بل هو ذاتي ومعنوي، لذا كلّ موضوع جديد يطرح في عالم العلم والمعرفة وكأنّه يدعو جميع العلوم والمعارف السابقة لأن تقيّمه وتوضّح نسبتها إليه؛ ومن ثمّ ليس هنا أيّة معلومة جديدة إلا وألقت بظلالها على المعلومات السابقة

(125)

لها بحيث لا تتركها على حالها لدرجة أنّها تساهم في تغيير مداليلها ومفاهيمها، وكلّ اكتشاف علمي جديد يمكن اعتباره قرينةً جديدةً نفسّر على أساسها ما لدينا من معلومات مسبقة، وعلى هذا الأساس لا نبالغ لو قلنا إنّ العلم والفلسفة والدين -أي الإبستيمولوجيا العلمية والفلسفة والدينية- عبارة عن مرايا متقابلة مع بعضها بحيث تنعكس كلّ واحدة منها في الأخرى، لذا في أيّة واحدة منها نظرت ستجد صورةً للأخرى، وبالتالي أينما حدث تطوّر وتغيير سوف ينعكس في المرآة الأخرى».[1]

نستشفّ ممّا ذكر أنّ مقتضى هذه النّظريّة الإبستيمولوجيّة هو كالتالي: كما أنّ الإبستيمولوجيا غير الدينيّة تؤثّر على الإبستيمولوجيا الدينية لدرجة أنّ حدوث أيّ تطوّر أو تغيير فيها يُسفر عن حدوث تطوّر وتغيير في واقع الإبستيمولوجيات الدينية، كذلك العكس صحيح؛ وعلى هذا الأساس فأيّ تطوّر أو تغيير يحدث في صعيد الإبستيمولوجيا الدينية يساهم بكلّ تأكيد في تغيير واقع المعارف غير الدينية، إلا أنّ مؤلّف كتاب القبض والبسط أكّد على وجود ميزة في الإبستيمولوجيا الدينية يمكن اعتبارها فرعًا على الإبستيمولوجيا غير الدينيّة بحيث تجعلها متأثّرة وغير مؤثّرة، لذلك قال: هناك حوار متواصل بين الإبستيمولوجيا الدينيّة وسائر الإبستيمولوجيات العلميّة والفلسفيّة والعرفانيّة، وكلّ واحدةٍ منها تنعكس في الأخرى وتضفي إليها مدلولًا وتوضّح معالمها، لذا من شأن الإبستيمولوجيات البشرية أن تكتسب مضمونًا ومدلولًا جديدًا في رحاب الإبستيمولوجيا الدينية؛ لكن رغم كلّ ذلك نجد أنّ الأولويّة تمنح بشكلٍ عقليٍّ وعمليٍّ للإبستيمولوجيات البشريّة بصفتها معارف من الدرجة الأولى، ويُقال إنّها المؤثّر الأساسي على عالم المعرفة.

(126)

وفحوى هذا الكلام أنّ الإنسان ينبغي له أوّلًا امتلاك صورةٍ للكون والإنسان؛ كي يتمكّن فيما بعد من إدراج النبي والنبوّة فيها، ممّا يعني أنّ الأيديولوجيا البشريّة لا تسمح بفاعليّة الأيديولوجيا الدينيّة بحيث تجرّدها من كلّ تأثير واعتبار.

إذًا، أوّل خطوة يجب اتّخاذها هي صياغة تصوّر للعدل والظلم وطرح تعريف للحسن والقبح؛ لكي نتمكّن من ادّعاء أنّ الدين حسن وعادل - وليس المقصود هنا العدل الديني بل المراد أنّ الدين بحدّ ذاته عادلًا - كما يجب في هذه المرحلة أيضًا تعريف حقيقة الوجود الإنساني بشكلٍ يجعله بحاجةٍ إلى بعثة الأنبياء، كذلك لا بدّ فيها من معرفة طبيعة بنية الإنسان البدنية؛ كي يتسنّى لنا وصف الدين كونه فطريًا ومتناسقًا مع البنية البشرية، أي يجب في بادئ الأمر أن يكون الدين إنسانيًا ثمّ نطلب من الإنسان أن يصبح متديّنًا.

العقل الذي يستقبح تكليف الإنسان فوق طاقته ويتوقّع من الدين ألّا يدعو إلى قتل البشر ومعاداتهم، لا بدّ له من بيان نطاق هذه الطاقة في رحاب الأنثروبولوجيا (وبما في ذلك علم النفس وعلم الاجتماع الفسيولوجي وعلم النفس الفلسفي، وإلخ)، لذا، إنْ أريد له ذلك يجب أوّلًا صياغة إبستيمولوجيا بشرية لها القدرة على بيان معالم الطاقة التي يمتلكها الإنسان في شتّى مجالات الحياة؛ لكي يتّضح لنا ما إنْ كان الدين إنسانيًّا أو لا.

ما لم يُعلم الغرض الأساسي للعدل فليس من الممكن بتاتًا إثبات كون الدين عادلًا، كذلك لا يمكن بيان معنى عدله، والجدير بالذكر هنا أنّ معرفة الغرض لا بدّ وأن تكون على نحو التفصيل، لا على نحو الإجمال والتعابير الكلّية، لذا لا فائدة من تعريفه بأنّه يعني وضع كلّ شيء في محلّه المناسب.

(127)

«وبشكل عامّ ما لم يبادر الإنسان بادئ ذي بدء إلى تنقيح وتدوين شتّى المبادئ الخاصّة بالكوسمولوجيا والأنثروبولوجيا، سوف يعجز عن امتلاك إبستيمولوجيا دينية، إلا أنّ هذه المبادئ في الحقيقة لا تنفكّ عن الحركة الدائبة والتغيّر المستمرّ، لذا نجد أنّ تصوّرات البشر إزاء أنفسهم كبشر وإزاء الكون في مختلف النواحي العلمية والفلسفية تتغيّر بشكل متواصل، وعلى هذا الأساس تشهد تصوّراتهم وإدراكاتهم إزاء الدين والنبوّة تطوّرًا وتغييرًا نظرًا لارتباطها وتعاملها مع المبادئ المشار إليها».[1]

بحث وتحليل

فيما يلي نُشير إلى بعض المباحث التحليليّة المرتبطة بموضوع بحثنا:

أوّلًا: لا شكّ ولا ترديد في أنّ الإبستيمولوجيات البشريّة مرتبطةٌ مع بعضها؛ بحيث تؤثّر كلّ واحدةٍ منها على الأخرى بشكل عامّ، إلا أنّ محور البحث الذي يجري النقاش حوله هنا يكمن في عموميّة -كلّية- الارتباط بين المؤثّر والمتأثّر، وهنا توجد ثلاث قواعد عقليّة بديهيّة تفنّد هذه العموميّة، وهي كما يلي:

1. قاعدة سنخيّة العلّة والمعلول تقتضي أن يحدث التأثير والتأثّر ضمن نطاق معيّن ومحدود، سواءً كان هذا الحدوث على صعيد الحقائق الخارجية أو في مجال المفاهيم والإدراكات الذهنيّة، لذا ليس من الصواب ادّعاء أنّ كلّ معرفة تؤثّر على غيرها أو تتأثّر بها دون أيّ معيار أو ضابطة أو شرط أو قيد.

2. الفكر عبارة عن بحث واستقصاء ذهني بدافع الحصول على معلومات

(128)

صحيحة بالنسبة إلى القضايا المجهولة لدى الإنسان، أو أنّه يعني شرح المعلومات بشكل تفسيري؛ بهدف تشذيبها وإكمالها. لذا، حينما تتمكّن إحدى الإبستيمولوجيات من استكشاف حقيقة أحد المجاهل أو تفسير إبستيمولوجيا أخرى أو تشذيبها أو إكمالها، ففي هذه الحالة لا يبقى أيّ معنى للفكر؛ إذ بإمكاننا عندئذٍ معرفة كلّ شيء وإثراء أذهاننا ممّا نشأ لدينا من النتائج الإبستيمولوجية التي نمتلكها دون الحاجة إلى بحث واستقصاء ودون الحاجة إلى أيّ دافع، في حين أنّنا لو لاحظنا مسيرة العلم والمعرفة والفكر سنجد الواقع غير ذلك.

3. علم المنطق والإبستيمولوجيا يصبحان أمرين ضروريين عندما تحكم الفكرَ البشري أصولٌ وضوابط خاصّة لا يمكن إثبات أيّ شيء أو تفنيده دون اللجوء إليها، كذلك لا يمكننا بدونها شرح أيّ شيء أو تفسير مدلوله أو إكماله؛ لذا عند انعدامها على ضوء القول بكون كلّ معرفة تؤثّر على الأخرى وتتأثّر بها، سوف تلغى القواعد المنطقية وكافّة المبادئ الإبستيمولوجية بشكل مباشر أو غير مباشر، بحيث لا يبقى لها أيّ تأثير يذكر.

ننوّه هنا على أنّ القائلين بنظريّة عموميّة الارتباط بين الإبستيمولوجيات البشرية يدّعون أنّهم ملتزمون بالأطر المنطقيّة والإبستيمولوجيّة، وسوف نسلّط الضوء على هذا المدّعى في موضع آخر.

ثانيًا: لا شكّ ولا ترديد في أنّ علم الأديان والإبستيمولوجيا الدينيّة، كذلك الإيمان والعقيدة بشكل عامّ، كلّها متقوّمة على سلسلة من الإبستيمولوجيات البشرية السابقة، ونذكر المثال التالي لبيان مضمون هذا الموضوع: لا يُمكننا بتاتًا إثبات وجود الله تبارك شأنه ولا النبوّة ولا الشريعة إلا بعد أن نثبت عددًا من

(129)

الأصول الثابتة، مثل: امتناع التناقض، وقانون العلّية، وإمكانية إدراك الحقيقة، ومختلف القواعد المنطقية والشكلية للإبستيمولوجيا؛ إذ ما لم نثبت هذه الأصول لا يتسنّى لنا إثبات الدين والإيمان والإبستيمولوجيا الدينية، فالإنسان يصوغ أيديولوجيته على أساسها. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ الأيديولوجيا البشرية تقسّم بشكلٍ كلّي ضمن نحوين، أحدهما ديني والآخر مادّي، وكلّ واحد منهما تترتّب عليه مسائل ونتائج خاصّة تؤثّر على رؤية الإنسان تجاه الكون وأبناء جنسه.

حياة الإنسان وفق الأيديولوجيا المادّية تقتصر على الدنيا فحسب، في حين أنّ الأيديولوجيا الدينيّة تؤكّد على كون الدنيا مجرّد مرحلة قصيرة نقطعها لندخل في مرحلة أخرى، وفي هذا السياق تعتبر الآخرة هي الحياة الحقيقية؛ لذا فالإنسان وفق التعاليم الدينية ذو بعد مادّي وغريزي حيواني، وإلى جانب ذلك لديه بُعد ما ورائي روحي غير مادّي.

إذًا، لو كان المقصود من نظريّة المادّيين التي أشرنا إليها أعلاه أنّ الأصول والقواعد الكلّية العقلية والمنطقية التي تعدّ الركيزة الأساسية في الفكر والإبستيمولوجيا البشريين، تقتصر على الحياة المادّية فحسب، ففي هذه الحالة ليست لدينا أيّة أيديولوجيا بالمعنى الاصطلاحي، لكون هذه الأصول والقواعد تعدّ في حقيقتها جسورًا رابطةً ومعالم مشتركة بين الأيديولوجيتين المادّية والدينية.

صحيح أنّ النمط الأنثروبولوجي يعدّ مؤثّرًا وفقًا لمتطلّبات الدين والشريعة وما نرتقبه من التعاليم الدينية، لكن لا يُمكن الاعتماد عليه في جميع المجالات والمستويات المعرفيّة نظرًا لضيق نطاق الإبستيمولوجيا البشريّة واحتمال ورود الخطأ فيها، ومن هذا المنطلق نؤكّد على أنّ الدين -وحي السماء- ذو تأثير جذري على الصعيد الأنثروبولوجي، ومن ثمّ لا بدّ من اتّخاذ هذه النقطة منطلقًا لمعرفة

(130)

طبيعة النسبة الرابطة بين الأنثروبولوجيا البشرية والدينية، وحينما نذعن بحقّانية الدين وحجّيته سوف نذعن حينئذ بمبادئه الأنثروبولوجية ومن ثمّ لا نجد بدًّا من تقديمها على المبادئ البشرية.

مغزى هذا الكلام أنّ الأنثروبولوجيا البشرية تارةً تكون على امتداد الأنثروبولوجيا الدينية، وتارةً أخرى تكون في موازاتها، وفي الحالة الأولى إمّا أن تعتبر البشرية مدخلًا ومقدّمةً لإثبات الشريعة أو أنّها مؤيّدة لتعاليمها وموضّحة لها؛ وأمّا في الحالة الثانية فلا بدّ من تقدّم الدينية على البشرية.

(131)
(132)

 

 

 

الوحي والتجربة الدينيّة
برؤية الدكتور عبد الكريم سروش [1]

 

محمّد محمّد رضائي[2]

ملخّص المقالة

يدور البحث في هذه المقالة حول دراسة طبيعة الارتباط بين الوحي والتجربة الدينية وتحليله من وجهة نظر الدكتور عبد الكريم سروش، الذي اعتبر الوحي من سنخ التجربة الدينية، التي يمكن أن تحدث لكلّ إنسان دون استثناء ولا تختصّ بالأنبياء والرسل فحسب، ومن ثمّ يستطيع الناس كافّة أن يتلقّوا الوحي كما يتلقّاه كلّ نبي ورسول.

وفي هذا السياق اعتبر الوحي ذا بعدين هما كما يلي:

1. بُعدٌ لا صورة له

2. بُعدٌ ذو صورةٍ خاصّة

(133)

وأكّد على أنّ واجب الناس -ومن جملتهم الأنبياء- هو إضفاء صورة للبُعد الذي لا صورة له، ولا يُمكن ترجيح أيّ نوعٍ من تصوير كهذا على غيره، أي كافّة التصوّرات التي تنشأ لدى جميع البشر على مستوى واحد من حيث الحجّيّة والاعتبار، ومن هذا المنطلق اعتبر التجربة الدينية مرتكزًا للتديّن، وهذه التجربة برأيه يمكن أن تتعدّد على ضوء اعتقاده بالتعدّدية الدينيّة.

كذلك اعتبر الإنسان دخيلًا في الوحي، الأمر الذي يتمخّض عنه بكلّ تأكيد احتمال وجود نقص في كلّ شيءٍ مستوحى أو طروء خلل عليه، لذلك لا بدّ من تشذيبه بين الفينة والأخرى.

تطرّق الباحث في هذه المقالة إلى بيان معنى التجربة الدينيّة ومختلف الآراء التي ذكرت في هذا المضمار وشتّى العوامل التي ساهمت في ظهور هذه الرؤية، ثمّ تناول رأي الدكتور عبد الكريم سروش في إطار تحليلٍ نقديٍّ مؤكّدًا على كون التجربة الدينيّة ليس من شأنها أن تكون مرتكزًا للتدين؛ لأنّ اتّصاف التجربة بطابع ديني يقتضي الاعتقاد بالبُعد التعليمي للدين، الذي هو موضوع للتجربة، وهذا الأمر بطبيعة الحال لا يتناسق مع القول بنظريّة التجربة الدينيّة المشار إليها.

كذلك أثبت أنّ آراء الدكتور سروش على صعيد التجربة الدينية تتعارض مع البرهان العقلي والتعاليم القرآنيّة.

نودّ التنويه هنا على أنّ الهدف من تدوين هذه المقالة هو تسليط الضوء على طبيعة ارتباط الوحي بالتجربة الدينيّة من وجهة نظر الدكتور عبد الكريم سروش، وعلى هذا الأساس نرى من الأنسب أوّلًا بيان رأيه بالنسبة إلى الوحي وتوضيح المقصود من التجربة الدينية باختصار ثمّ طرح الموضوع في إطار مبحثٍ نقديٍّ.

(134)

نظرية الدكتور سروش بخصوص الوحي

أوّلًا: الوحي من سنخ التجربة الدينيّة التي يمكن أن تحدث لكلّ إنسان، وبالتالي لا يقتصر على الأنبياء فحسب.

الوحي من وجهة نظر الدكتور عبد الكريم سروش عبارة عن تجربةٍ دينيّةٍ فحسب، وهذه التجربة يمكن أن تحدث لكلّ إنسان، ومن ثمّ لا بدّ من اعتبار تجارب الناس الدينيّة مصدرًا لإثراء الدين والرقي بتعاليمه، وبفضل هذه الحالة يتّسع نطاق الدين وتتنامى أصوله على مرّ العصور، لذا يمكن اعتبار التجارب الدينية للعرفاء بأنّها مكمّلة وموسّعة لتجارب النبي محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله، فهذا الأمر هو الذي يجعل الدين أكثر نضوجًا وتكاملًا مع مرور الوقت.

الجدير بالذكر هنا أنّ هذا التوسّع لا يحدث في مجال المعرفة الدينيّة، بل يحدث في ذات الدين والشريعة.[1]

نستشفّ ممّا ذكر أنّ الوحي عبارة عن تجربةٍ دينيّةٍ، وبما أنّ هذه التجربة تحدث لجميع الناس، لذا ليس هناك أيّ إلزام باختصاص الوحي بالأنبياء فقط، بل كلّ صاحب تجربة من هذا النوع يوحى إليه، ونتيجة ذلك هي عدم وجود أيّ اختلاف بين الوحي الذي يتلقّاه الأنبياء والوحي الذي يتلقّاه سائر الناس.

ثانيًا: الوحي ذو بعدين

الدكتور عبد الكريم سروش اعتبر الوحي ذا بُعدين كما يلي:

1. بُعدٌ لا صورة له

2. بُعدٌ ذو صورةٍ خاصّة

(135)

وفي هذا السياق اعتبر نشاطات الأنبياء بأسرها مجرّد إضفاء صورة للبُعد الذي لا صورة له؛ حيث ادّعى أنّ مهمّتهم اقتصرت على هذا الأمر فحسب، أي أنّهم أضفوا صورةً إلى الحقائق التي لم تكن مطروحةً في رحاب صور معيّنة، ومن هذا المنطلق استنتج أنّ التعاليم التي جاء به النبي محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله بطابعها القرآني عبارة عن صورٍ أضافها إلى تلك القضايا التي لم تكن واضحة في إطار صورة معيّنة.

النبي برأيه استثمر الثروة اللغوية الهائلة في اللغة العربية واعتمد على الأعراف والتقاليد التي كانت سائدةً في عهده؛ ليُضفي صورًا إلى تلك القضايا التي لا صورة لها آنذاك، وهي قاطبةً تندرج ضمن علوم ذلك الزمان الناقصة (العلوم البشرية).[1]

ثالثًا: التعدّدية والوحي

من جملة الآراء التي تبنّاها الدكتور عبد الكريم سروش أنّ كافّة الصور التي تُضفى إلى البُعد الأوّل المشار إليه أعلاه -البعد العاري من الصورة- تُعتبر صحيحةً، وممّا ذكره لبيان طبيعة إضفاء الصورة للشيء الذي لا يتّصف بصورة، ما يلي: «صفات الله هي من تلك الأشياء التي لها صورة خاصّة (ذاتية) حيث تضاف إلى الأشياء التي لا صورة لها».

إذًا، شئنا أم أبينا لدينا الكثير من الصور -صور متعدّدة- لكلّ شيء بلا صورة ذاتيّة سواءً تجلّى في إطار ذلك الشيء الذي له بُعد من حيث الصورة أو أنّه تجلّى إثر إضفاء صورة له من قبلنا؛ وهنا يُطرح السؤال التالي: أيّة صورة من هذه الصور المتعدّدة ترجّح على غيرها؟ وأيّة صورة أكثر أهمّيةً من غيرها؟ بل هل من الممكن أساسًا ترجيح صورة على غيرها أو أنّها جميعًا على نسقٍ واحدٍ؟

(136)

«بالنسبة إلـيّ فقد وضعت أُسس رؤيتي في التعدّدية الدينية على فكرة عدم وجود أيّة صورة أفضل من غيرها على نحو الضرورة، لذا نحن نعيش في عالم تعدّدي من كافّة نواحيه، فهو زاخر بالكثير من الصور التي تضفى إلى أشياء لا صور لها».[1]

نستشفّ من صريح هذا الكلام نتيجةً فحواها تساوي جميع الأديان والمذاهب باعتبار أنّها قاطبةً حقّ بشكل متكافئ وليس فيها ما هو باطل.

رابعًا: دين ذو تجربة أساس للتعدّدية الدينيّة

الدكتور عبد الكريم سروش اعتبر الدين مجرّد تجربة بشريّة، وهو ما يصطلح عليه عند بعض الفلاسفة بالتجربة الدينيّة، وهذه التجربة من شأنها أن تكون مرتكزًا أساسيًّا لفكرة التعدّديّة الدينيّة؛ وبما أنّه دافع بشدّة عن نظريته هذه، لذلك بذل قصارى جهده للبحث عن المبادئ والقواعد والمعتقدات والمقرّرات الشرعيّة من بين مختلف التعاليم الدينيّة؛ لأجل تطبيقها بشكلٍ عمليٍّ على نظريّته وإثبات أنّها تتناغم مع فكرة التجربة الدينية بأيّ نحوٍ كان، وهدفه الأساسي هنا طبعًا هو إثبات صواب عقيدة التعدّدية الدينية، وفي هذا السياق قسّم الدين ضمن ثلاثة أنواع كما يلي:

1. تدين المصلحة.

2. تدين الحقيقة.

3. تدين التجربة الدينية.

النوع الأوّل من التديّن -تدين المصلحة- هو المعهود لدى عامّة المتدينين، فهؤلاء يحبون الدين بداعي أنّه يضمن لهم مصلحة الدنيا والآخرة... وهذا النوع

(137)

xيتقوّم على التقليد والربح والمنفعه، لذا لا وجود للتعدّدية فيه لكون كلّ متديّن يتصوّر أنّه يعرف الحقيقة بأكملها.

النوع الثاني -تدين الحقيقة- هو في الواقع تديّنٌ متقوّمٌ على أسسٍ إبستيمولوجيّة ومبادئ عقائديّة، والهاجس الأساسي لمن ينتهجه يتمحور حول مسألتي صواب الحقائق التي يدركها أو بطلانها؛ حيث يتّخذ الدين كأمرٍ حقيقيٍّ بحدّ ذاته دون اعتبارات أخرى.

وأمّا النوع الثالث -تديّن التجربة- فهو موجود في الأديان كافّة وبما فيها المسيحيّة؛ حيث يسمّى تدين التجربة أو روحانية أو نبوّة، والذين ينضوون تحت مظلّته باعتبارهم ذوي توجّهاتٍ روحيّةٍ يشاركون النبي في مشاربهم الروحية وتجاربهم الباطنية، والملفت للنظر أنّهم لا يبتدؤون بفكرهم الديني انطلاقًا من الأحكام الشرعيّة أو الفقه، بل من التجارب الباطنيّة، ثمّ يصوغون لأنفسهم وغيرهم طبقةً باطنيّةً -مبادئ- فقهيّة وأخلاقيّة وفقًا لهذه التجارب؛ في حين أنّ المتدينين الباحثين عن المصلحة يبتدؤون تديّنهم من القشرة الخارجية للدين لا من طبقته الباطنية.

«باعتقادي أنّ النوع الثالث من التدين -تدين التجربة- يعني بدقيق العبارة تعدّدية دينية».[1]

الجدير بالذكر هنا أنّ الدكتور سروش يعتقد بوجود تعدّديّةٍ في شتّى المجالات العقائديّة والأخلاقيّة والفقهيّة، لذلك قال:

 «أعتقد بضرورة الالتفات للفقه إلى جانب تسليطنا الضوء على الأخلاق، فهو

(138)

برأيي يتّسم بالتعدّدية... وهذه التعدّدية لا تقتصر على المسائل العقائديّة، بل تعمّ المسائل الفقهية والأخلاقية أيضًا».[1]

وقد أعرب بصريح العبارة عن رأيه بخصوص سائر المعتدات الدينيّة قائلًا:

«بما أنّـي لست متيقّنًا من الرأي الصائب، لذلك أحترم جميع الآراء ولا أستثني منها شيئًا».[2]

 نستشفّ من هذا الكلام أنّه يعتقد بصواب جميع العقائد والأخلاق والأحكام الفقهية التي تصاغ في منظومة الفكر الإسلامي دون استثناء؛ لكونها متقوّمة على تجربة فكريّة دينيّة إسلاميّة، أضف إلى ذلك فهو لا يعتبر الاختلاف بين الإسلام والمسيحيّة واليهوديّة بأنّه تعارضٌ بين الحقّ والباطل، بل هو برأيه مجرّد اختلاف في الرأي.

خامسًا: بشريّة الوحي

الدكتور سروش أكّد على بشرية الوحي، أي أنّ الإنسان دخيل فيه، وممّا قاله في هذا المضمار ما يلي:

«حينما نتطرّق إلى بيان حقيقة الوحي فلا محيص لنا من اعتبار مفهومي النزول والإنسانية -بمعنى الوجود الإنساني- بأنّهما شيء واحد، وهذا يعني أنّه من أوّله إلى آخره بشري المنشأ، وهذا ما نستلهمه من التعاليم والأوامر القرآنية؛ كذلك لا بدّ لنا من اعتبار القرآن بذاته نصًّا بشريًا».[3]

 من المؤكّد أنّه قصد شيئًا وأراد الوصول إلى نتيجةٍ معيّنةٍ حينما اعتبر الوحي بشريّ المنشأ، وتبعًا لذلك ألحق النصّ القرآني به، وهدفه في الواقع هو إثبات

(139)

 احتمال طروء الخطأ فيه من منطلق أنّ الفكر البشري عرضة للخطأ، وعلى أساس هذه الفكرة حاول إثبات أنّ التعاليم الدينيّة ناقصةٌ وغيرُ تامّة[1]. الأمر الذي يستدعي تعديله وتشذيبه على الدوام، وعلى أساس التقسيم الذي ذكرناه آنفًا، فقد ادّعى أنّ القرآن عبارة عن صورة أضفاها النبي محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى مضمون الوحي الذي لا صورة له ولا تعيّن، لذا فهو مجرّد نصّ تأريخي بشري ذي طابع ديني، ومن ثمّ فهو مشوب بالنقص والخلل، ممّا يعني ضرورة تعديله وتشذيبه في كلّ فترة من الزمن دون توقّف.

إذًا، يمكن تلخيص وجهة نظره بالنسبة إلى الوحي ضمن النقاط التالية:

1. الوحي من سنخ التجربة الدينيّة -عبارة عن تجربة دينية- وبما أنّ كلّ إنسان يمكن أن يحظى بتجربة دينيّة، لذا يمكن أن يجرّب الوحي أيضًا، وثمرة ذلك أنّ جميع الناس دون استثناء يمكن أن يوحى لهم.

2. الوحي ذو بُعدين: أحدهما بُعد لا صورة له، والآخر ذو صورةٍ، والنبي أو أيّ شخص آخر من أصحاب التجربة الدينية هو الذي يضفي صورة إلى ذلك الشيء الذي لا صورة له، اعتمادًا على العلوم والثقافات الموجودة في عهده.

3. جميع الصور التي أضفاها البشر إلى الأشياء التي لا صورة لها، متكافئة من حيث الإتقان ولا يمكن ترجيح أيّة واحدة منها على الأخرى.

4. الصور التي تضفى إلى الأشياء التي لا صورة لها وتتبلور على هيئة نصوص مقدّسة، هي في الحقيقة ذات طابع بشري، ومن ثمّ يشوبها نقص ولا يستبعد طروء أخطاء فيها، ومن هذا المنطلق فهي بحاجة دائمة إلى التعديل والشذيب.

(140)

التجربة الدينية

كما ذكرنا في المبحث السابق الذي تمحور حول مفهوم الوحي من وجهة نظر الدكتور عبد الكريم سروش، فهو يعتقد بارتباطه الوطيد مع التجربة الدينية، بحيث لا ينفكّ عنها باعتباره بشري المنشأ؛ ولأجل أن تتّضح معالم هذا الموضوع بشكل أفضل نرى من الضروري بمكان بيان المعنى المقصود من التجربة الدينية ومنشئها ودورها المحوري على صعيد الدين والتدين.

التجربة الدينية اصطلاحًا

مصطلح التجربة الدينية كما هو واضح من لفظه، مركّب من كلمتين هما (تجربة) و(دينية)، فالأولى ترادف كلمة (experience) الإنجليزية والتي تستخدم للدلالة على المعاني التالية:

1. الرؤية المباشرة للأحداث أو المشاركة فيها بصفتها البنية الأساسية للمعرفة.

2. حالة تدلّ على التأثّر عبر المشاهدة أو المشاركة المباشرة أو كسب المعرفة عن طريق المشاهدة أو المشاركة في الأحداث.

3. ما يكتسبه الإنسان من معرفة عملية أو خبرة أو تخصّص عملي عن طريق المشاهدة المباشرة أو المشاركة في أحداث أو نشاطات خاصّة.

4. الأحداث التوعوية التي تصوغ بنية الحياة الفردية للإنسان (أي القضايا التي لها تأثير على إدراك الإنسان).

(141)

5. حالة معيّنة تنشأ على ضوء مواجهة إنسان أو شيء ما (أي الموقف المتّخذ شعوريًا أو لا شعوريًا إزاء أحد الناس أو الأشياء).[1]

تجدر الإشارة هنا إلى وجود تعاريف عدّة لمصطلح الدين، لكن المعنى الذي يتمحور حوله موضوع بحثنا هو ذلك المعنى الذي يعتبر في واقع الحال إحدى المقدّمات للدين، ألا وهو الاعتقاد بكونه أمرًا ميتافيزيقيًا؛ وفي هذا السياق قال الباحث وليام جيمس إنّ كلّ دين عبارة عن نمط فكري قوامه إدراك مفهوم يعبّر عنه باسم الربّ أو الإله، لذا فهو ردّة فعل إزاء هذا المفهوم.[2]

يمكن تعريف التجربة الدينية وفق ما ذكر في مجمل التعاريف التي طرحت لمصطلحي التجربة والدين، كما يلي: هي عبارة عن مشاهدة أشياء ميتافيزيقية -ما ورائية- أو مواجهتها بأيّ نحوٍ كان أو المشاركة فيها، وكلٌّ من هذه المشاهدة والمواجهة والمشاركة تحكي عن فهم وإدراك له ارتباط بقضايا ميتافيزيقية، أي الله وكلّ ما يرتبط به.

بناءً على هذا التعريف إذا كان موضوع المشاهدة أو المواجهة أو المشاركة  -الأمر الذي أدركه الإنسان- حسّيًا، فهو يسمّى تجربة دينية، لكنّه إذا ارتبط بالله بأيّ شكل كان أو أنّه الله بذاته، فهو يعتبر تجربة دينيّة؛ ويمكن القول إنّ الله في رحاب التجربة الدينية يتجلّى بذاته لصاحب التجربة بنحوٍ ما.

(142)

التجربة الدينية بين النفي والإثبات

ذكر العلماء الغربيون أوصافًا وإيضاحاتٍ متنوّعة، وفي الحين ذاته متباينة لبيان طبيعة التجربة الدينية، وفيما يلي نذكر أهمّها:

أوّلًا: التجربة الدينية ضربٌ من الشعور

اللاهوتي والفيلسوف الألماني الشهير شلاير ماخر اعتبر التجربة الدينية نمطًا من الشعور، وذلك من منطلق اعتقاده بأنّ الإيمان -التديّن- عبارة عن حالةٍ كامنةٍ في عواطف الإنسان ومشاعره الدينيّة التي يصفها بتعابير ومفاهيم عديدة، مثل الشعور بالارتباط الروحي المطلق والشعور بتجربة لأمر لا متناهٍ.[1] فضلًا عن ذلك فقد اعتبر الحياة الدينيّة في كلا نوعيها الاعتقادي والعبادي - أي على صعيد النظرية والتطبيق - منبثقة من هذا الشعور أيضًا، وعلى هذا الأساس استنتج أنّ الدين ليس فكرًا ولا سلوكًا، بل عبارة عن شهود باطني ومشاعر ذاتيّة،[2] ونتيجة ذلك هي أنّ جميع الطقوس والمناسك الدينيّة مجرّد أمور ثانويّة وفرعيّة.

الباحث توني لاين أستاذ الفكر المسيحي في الجامعة اللاهوتية بلندن قال في كتاب ألّفه حول تأريخ الفكر المسيحي ما يلي:

«وجهة النظر التي تبنّاها شلاير ماخر جديدة من نوعها ولا سابق لها مطلقًا، حيث أكّد بضرس قاطع على عقيدة الزهد بصفتها حاجة دينية بإمكاننا تجربتها والشعور بها، وعلى هذا الأساس أثبت أنّ الدين بأسره يتلخّص في

(143)

التجربة والشعور فحسب. كما يعتقد بأنّ... كلّ إنسان يسعى إلى التوجّه نحو المحراب لا بدّ له أوّلا من نبذ التعاليم السائدة في عصره».[1]

إذًا، عقيدة شلاير ماخر تتلخّص بما يلي:

1. التجربة الدينيّة هي المرتكز الأساسي لكلّ دين ومذهب.

2. التعاليم والطقوس والشعائر الدينيّة منبثقة بأسرها من تجارب دينيّة فحسب.

3. بما أنّ التجربة الدينيّة هي الأساس للدين، لذا لا تبقى التعاليم الدينيّة ولا سيّما تعاليم الكتاب المقدّس كمعايير ارتكازيّة ثابتة.

4. نظرًا لكون كلّ إنسان يمارس تجربة دينيّة خاصّة به، فهي بطبيعة الحال لا بدّ وأن تتناسب مع التعاليم والطقوس والشعائر المرتبطة بهذه التجربة، وإثر ذلك تتّسم هذه الأمور قاطبةً بطابع شخصي.

ثانيًا: التجربة الدينيّة أمر إدراكي

الباحث الغربي وليام ألستون اعتبر التجربة الدينية أمرًا إدراكيًا، وعلى هذا الأساس فهي تتشابه هيكليًا مع التجربة الحسّية، لذا كما أنّ التجربة الحسّية مكوّنة من ثلاثة أجزاء، فالتجربة الدينيّة هي الأخرى مكوّنة من هذه الأجزاء الثلاثة التي تلخّص كما يلي:

1. الإنسان الذي يمارس التجربة الدينية.

2. موضوع التجربة الدينية أو الإله الذي يتبلور على ضوئها في فكر صاحب التجربة.

3. تجلّي الإله لصاحب التجربة الدينية.

(144)

نستنتج من هذا الكلام أنّ ألستون يعتقد بكون موضوع التجربة الدينية يختلف عن مسألة تجلّيه لصاحب هذه التجربة؛ إذ من الممكن أن يتجلّى الله في أذهان أشخاص عدّة بأشكال عديدة ومختلفة؛ وفي هذا السياق أكّد على أنّ هذه التجربة تكون معتبرةً على ضوء اعتبار التجربة الحسّية[1].

ثالثًا: التجربة الدينيّة بمثابة إيضاحٍ ميتافيزيقيٍّ

الباحث براود فوت اعتبر التجربة الدينيّة بأنّها مجرّد تجربة يعتبرها صاحبها دينيةً، والمقصود منها أنّ صاحبها لجأ إليها من منطلق اعتقادة بكون الإيضاحات الطبيعيّة للتجربة ناقصة ولا تفي بالغرض ولا تحقّق الهدف المنشود، لذا لا بدّ من بيانها على أساس تعاليم دينيّة.

رغم أنّ المفكّرين ذهبوا إلى مذاهب شتّى على صعيد التجربة الدينية، لكنّ فكرة التجربة الدينية ذو ارتباط وطيد بمعتقدات شلاير ماخر وجميع جوانب منظومته الفكرية، لذا فهو على صعيد دراسة الأديان يحكي عن رأيه بهذا الخصوص[2].

أسباب ظهور الفكر التجريبي الديني

هناك عوامل عدّة ساعدت على ظهور الفكر التجربة الدينيّة أهمّها ما يلي:

1. نظريات شلاير ماخر الذي فكّك بين الدين والتعاليم الدينيّة وسائر المبادئ اللاهوتيّة هادفًا من وراء ذلك انتشال الدين من هجمات المشكّكين والناقدين من أمثال البريطاني ديفيد هيوم والألماني إيمانوئيل كانط.

(145)

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ هيوم وكانط طرحا نقدًا جادًّا على القضايا الميتافيزيقيّة والعقائد الدينيّة من جميع الجهات؛ حيث تعرّضا للبراهين التي تطرح لإثبات وجود الله بالنقد والتحليل. لذلك عندما يكون علم اللاهوت مرتكزًا أساسيًا للدين فهو بكلّ تأكيد يتضرّر من انتقادات كهذه، ومن ثمّ يتزعزع الدين من أساسه ويصبح عرضةً لسهام النقد التي تلحق الضرر به بكلّ تأكيد. هذا هو السبب الذي دعا شلاير ماخر لأن يفكّك بين البنية الأساسية للدين من جهة والتعاليم والمعتقدات الدينية من جهة أخرى؛ بهدف صياغة صورة جديدة للأمر المطلق -اللامتناهي- في رحاب الشعور الباطني، وفي هذا السياق سعى إلى تغيير واقع الدين وبنيته الأساسية بزعم أنّه وضع مرتكزات أكثر استحكامًا له[1].

2. نظريّة شلاير ماخر التي طرحها على صعيد الدين والتجربة الدينيّة انبثقت في الحقيقة على ضوء التعارض الحاصل بين تعاليم الكتاب المقدّس والعلوم التجريبية، كذلك يمكن اعتبارها ردّة فعل على التشكيك بمصداقيّة هذا الكتاب من الأساس، والسبب في هذا التشكيك يرجع إلى تلك الدراسات والبحوث التأريخية التي أثبتت عدم انتسابه إلى المسيح عيسى عليه‌السلام، والتي أثبتت أيضًا أن عباراته لم تذكر على لسانه، ناهيك عن أنّ بعض الناقدين أكّدوا على أنّ الكثير من تعاليمه قد صيغت من قبل الحواريين فحسب؛ لذلك استسلم هذا المفكّر الغربي للأمر الواقع وقال لا يُمكننا الدفاع عن تعاليم الكتاب المقدّس، ومن ثمّ بذل قصارى جهده لاستكشاف بنية ارتكازيّة أخرى للدين، هي الشهود الباطني المتمثّل بالتجربة الدينية[2].

(146)

3. شهدت الساحة الفكريّة في عهد شلاير ماخر نقدًا لاذعًا للتعاليم الدينيّة والمعتقدات الارتكازيّة للمسيحية، لدرجة أنّ بعض المفكّرين والفلاسفة اعتبروا الدين مجرّد سلسلةٍ من الطباع العرفيّة والتقاليد المتوارثة؛ حيث تقوّمت وجهة اعتبارهم لها على هذه الصيغة، أي أنّهم احترموها بداعي أنّها تراثٌ شعبيٌّ لا بدّ من احترامه على كلّ حال؛ وإثر ذلك جرّدوا الدين من أصالته وطبيعته الفريدة من نوعها، وهذا السبب الذي دعاه لأن يروّج بين الناس ومختلف الأوساط الفكرية الدينية وغير الدينية فكرة أنّ الدين كيان أصيل وله هويّته الخاصّة التي تميّزه عن كلّ شيء آخر، باعتباره الأمر الوحيد الذي يدرك الألوهيّة الحقّة وفق توجّهات باطنية.[1]

4. يمكن اعتبار نظريّة شلاير ماخر التي طرحها في مجال الوحي والتجربة الدينيّة كردّة فعل على ما شهده القرن التاسع عشر من تداعيات تبلورت في الأوساط الفكرية والدينية على ضوء النهضة العقلية والحركة التنويرية؛ لأنّ المفكّرين المحدثين الذين اعتمدوا على العقل والتنوير الفكري كأساس لكلّ نمط فكري دينيًا كان أو غير ديني، بذلوا كلّ ما بوسعهم لتفسير التعاليم المسيحيّة في مضمار عقلي بحت، الأمر الذي جعل المسيحية في حرج شديد؛ إذ لا يُمكن بتاتًا بيان تعاليمها ومعتقداتها وفق أسس عقليّة ولا سيّما التثليث وتأليه عيسى عليه‌السلام والخطيئة الأولى والعشاء الرباني، فهذه المعتقدات ذات طابع سرّي وخفي بحيث لا يمكن للعقل الخوض في غمارها.

إثر ذلك حاول شلاير ماخر طرح نظريّة جديدة؛ كي يضع حدًّا لهذه المعضلة التي زعزعت أركان الفكر المسيحي، فقد كان يعتقد أنّ التعاليم الدينية المسيحية

(147)

عبارة عن تفاسير ذكرت من قبل المسيح عيسى عليه‌السلام لتجربته الدينية التي هي ثمرة لارتباطه بالله، لذا فهي معتبرة فقط له ولأهل زمانه ولا تأثير لها على واقع زماننا، ونتيجة ذلك لا ضرورة لأن ندافع عنها استنادًا إلى أسس عقلية.[1]

إذًا، بعد أن أدرك عدم إمكانيّة الدفاع عن تعاليم الكتاب المقدّس، طرح نظريته الشهيرة التي فحواها أنّ الدين من أساسه لا يتقوّم على الاعتقاد بالكتاب المقدّس أو الدفاع عنه، بل هو مجرّد مفهوم يحكي عن ارتباط الإنسان بالله، أي أنّه عبارة عن مواجهة الإنسان للألوهيّة أو الأمر اللامتناهي -فهو مجرّد تجربة دينيّة- وفي هذا السياق اعتبر التعاليم الدينيّة تفسيرًا لهذه التجربة، وبما أنّ كلّ إنسان له تجربته الدينيّة الخاصّة، لذا لا بدّ وأن تتناسب التعاليم الدينيّة وتفاسيرها مع هذه التجربة، وجميع البشر لهم القدرة على ممارستها بصفتها مرتكزًا أساسيًّا للدين والتدين، وهذه التفاسير بدورها غير معتبرة بالنسبة إلى الآخرين، بل هي معتبرة فقط لصاحب التجربة، فهي المعيار الأساسي للتدين.

الدكتور عبد الكريم سروش اقتبس نظريات شلاير ماخر بجملتها دون أن يميّز بين واقع الأوضاع في المجتمعات الغربية والمجتمعات الشرقية، فما تبنّاه هذا اللاهوتي المسيحي يتناسق مع واقع تعاليم الكتاب المقدّس في تلك الآونة وسلوكيات الشعوب المسيحية، لذا لا نجاعة من تطبيقه بحذافيره في رحاب المجتمعات الإسلامية أو مقارنته مع التعاليم القرآنية؛ فهذا الموقف خاطئ من أساسه نظرًا لعدم وجود من يشكّك بكون النبي محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله هو الذي جاء بكتابٍ سماويٍّ اسمه القرآن الكريم، كما لا يُمكن ادّعاء أنّ تعاليمه تتعارض مع العلم والعقل بفضل وضوحها ودقّة بيانها، ناهيك عن كثرة آياته التي دعا الناس فيها

(148)

إلى التعقّل واتّباع العلم وتأكيده على أنّه محفوظ عند الله تبارك وتعالى، بحيث لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

إذًا، هل ما فعله الدكتور سروش صحيح؟ فهل بإمكاننا يا ترى اقتباس نظريات شلاير ماخر وتطبيقها على واقعنا الإسلامي وكتابنا المقدّس؟

دراسة نقديّة

الدكتور عبد الكريم سروش كما ذكرنا آنفًا اعتبر الوحي تجربةً دينيةً، وبما أنّ كلّ إنسان له القابليّة على القيام بهذه التجربة، فليس من المستبعد أن يوحى لكلّ إنسان في رحاب تجربته الدينية؛ ومن هذا المنطلق أكّد على أنّ التجربة الدينيّة هي المعيار الأساسي للتدين، واعتبر الوحي مكوّنًا من بُعدين، أحدهما بُعدٌ لا صورة له والآخر بُعد ذو صورة معيّنة، ووظيفة الأنبياء وغيرهم في هذا المضمار هي إضفاء صورة إلى تلك الأشياء التي لا صورة لها، والمسألة المطروحة هنا أنّ أيّةً من هذه الصور لا يمكن اعتبارها أفضل من غيرها على نحو الضرورة والإلزام؛ وهذا هو المقصود من التعدّدية الدينيّة، لذا نحن نعيش في عالم تعدّدي زاخر بشتّى الصور التي يمكن أن تنطبع في ذلك الشيء الذي لا صورة له.

بإمكاننا في هذا السياق شرح التجربة الدينية وتحليلها من جوانب عدّة في إطار نقدي، وذلك كما يلي:

1. الذين يعتبرون التجربة الدينية معيارًا للتدين والتعاليم الدينيّة من أمثال الدكتور سروش والباحث شبستري، يؤكّدون على كون المعرفة فرعًا على هذه التجربة. وبطبيعة الحال يُطرح عليهم السؤال التالي: ما هو المعيار الذي يمكن على أساسه اعتبار التجربة دينيّةً؟

(149)

لو اتّبعنا النهج ذاته الذي تبنّاه شلاير ماخر واعتبرنا النفس صاحبة تجربة دينية مطلقة على ضوء شعورها بوجود ارتباط تامّ ومطلق بينها وبين قدرة غيبية خارجة عن نطاق هذا العالم المادّي، أو اعتبرنا هذه التجربة ناشئة من التدخّل المباشر لله تعالى في شؤون الكون والإنسان؛ فلا بدّ حينئذ من إدراك كلّ هذه الاستدلالات والاستنتاجات التي تترتّب عليها ضمن المبادئ الإبستيمولوجية وليس الدينية،[1] ممّا يعني أنّ صاحب التجربة قبل أن يخوضها بشكلٍ عمليٍّ لا بدّ له أوّلًا من امتلاك إدراك كامل ومعرفة تامّة بالنسبة إلى مفهوم الارتباط المطلق بالمبدأ الما ورائي الخارج عن نطاق العالم المادّي أو الله أو التدخّل المباشر لله، وفي غير هذه الحالة لا يمكن البتّ بمدى مصداقيّة الاعتقاد بوجود تجارب دينيّة لدى البشر؛ لذا يجب وأن ترتكز التجربة الدينيّة على عناصر إبستيمولوجيّة مستوحاة من الدين نفسه، ومن ثمّ لا يمكن لأحد ادّعاء وجود معايير أخرى للتدين في خارج نطاق التعاليم الدينية أو زعم أنّه ثمرة لمشاعر وأحاسيس باطنية.

2. الدكتور سروش اعتبر الوحي مجرّد تجربة دينيّة مكوّنة من بُعدين: أحدهما ذو صورة والآخر لا صورة له. وهنا يطرح السؤال الأساسي التالي: إذا اعتبرنا الألوهية التي تعني البُعد الذي لا صورة له من الوحي بأنّها المادّة الأولى لهذا الكون، فما هو السبب في إنكارها؟ أو إذا قيل إنّ الألوهية متكافئة بالكامل مع عالم المادّة، فما السبب الذي يدعو إلى إنكار هذه العقيدة؟ فيا ترى هل الألوهية أو البُعد الذي لا صورة له من الوحي مجرّد مفاهيم ذات مداليل معيّنة أو لا مدلول لها من الأساس؟ وإذا كانت بلا مدلول، كيف يمكننا تجربتها؟ ولو أنّها ذات مدلول فهل من الممكن بيان معانيها بشكل دقيق كي لا يحدث خلط خاطئ بينها وبين مفاهيم أخرى؟

(150)

ما لم تذكر إجابات مناسبة لهذه الأسئلة لا يمكن لأيّ إنسان بكلّ تأكيد تجربة الألوهية ومعرفة حقيقة البُعد العاري من الصورة للوحي، ولا يمكن مطلقًا الكلام عنه بأيّ نحوٍ كان. ولا شكّ في أنّ هذه الإجابات تعدّ سببًا في التشكيك بالتجربة الدينية من أساسها، وتثبت عدم كونها مرتكزًا أساسيًا في الحياة.

3. هذه الرؤية -نظرية التجربة الدينية- لا تحظى بتأييد أتباع أيّ دين، ونقصد هنا المتدينين الحقيقيين. لكنّ الدكتور سروش اتّخذ رؤيته إزاء الوحي كمنطلق لطرح نظرياته التعدّدية في هذا المضمار؛ لإثبات أنّ المتدينين يضفون صورة إلى الله الذي اعتبره من جملة القضايا التي لا صورة لها بهدف وصفه للآخرين، وكلّ دين بطبيعة الحال يعتبر تصويره الألوهي صحيحًا، فالمسلمون على سبيل المثال يعتقدون أنّ الله في عالم الخارج واحد رحيم رحمان خالق الكون والإنسان، بينما المسيحيون يعتقدون به في عالم الخارج ضمن ثلاثة أقانيم، لذا إن قيل لهم إنّ الله الموجود على أرض الواقع لا يتّصف بأيٍّ ممّا تدّعون، فهو واحد وليس ثلاثة كما تزعمون أيّها المسيحيون، وليس رحيمًا ولا جبّارًا ولا بصيرًا كما تزعمون أيّها المسلمون، سوف يصبح غامضًا بالنسبة إليهم ولا يذعن أيّ متدين للإيمان به.

4. لو كان الأمر الواقع كما يدّعي الدكتور سروش، بحيث إنّ غاية ما يفعله المتدينون هو إضفاء صورة لكلّ أمر لا صورة له، وإذا صحّ رأيهم أنّه لا يمكن ترجيح أيّة صورة على الأخرى أو ادّعاء أنّ إحدى الصور أفضل من غيرها بنحوٍ ما، فما السبب الذي دعا الأنبياء لأن يعتقدوا بصواب تصويراتهم التي لقّنوها للناس وعلى أساسها راحوا يبلّغون لدينهم؟ على سبيل المثال من جملة الآيات التي أنزلت على النبي محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله على صعيد بيان واقع معتقدات اليهود والنصارى، هي قوله

(151)

تعالى: (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَوا)،[1] أي لو أنّ اليهود والنصارى اعتقدوا بذات معتقداتكم، لكانوا مهتدين بكلّ تأكيد. كذلك هناك آيات أخرى وبّختهم على سوء عقيدتهم، ومنها قوله تعالى: (يا أَهْلَ الكِتابِ لِـمَ تَكْفُرونَ بِآياتِ اللهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدونَ... )،[2] وقوله تعالى أيضًا: (يا أَهْلَ الكِتابِ لِـمَ تَلْبِسونَ الْحَقَّ بِالباطِلِ وَتَكْتُمونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمونَ).[3] وفي آيات أخرى أكّد القرآن الكريم على أنّ الإسلام دين عالمي جاء به النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله للبشرية جمعاء، حيث أرسله الله عزّ وجلّ ليحذّرهم، ومنها قوله تعالى: (تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرقانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمينَ نَذِيرًَا).[4]

استنادًا إلى هذه الرؤية القرآنية وما تلقّاه النبي محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله على أساسها من أوامر سماوية، بعث مكاتيب إلى ملوك بلاد فارس وبلاد الروم وعلماء النصارى يدعوهم فيها إلى اعتناق الإسلام دينًا.

إذًا، لو لم تكن الصورة التي انطبعت في الإسلام للدين الحقيقي أفضل من غيرها، أي لولا اعتقاد النبي بأنّ الإسلام أفضل من كلّ دين آخر، وحسب تعبير الدكتور سروش وأمثاله لولا كونها صورة مرجّحة على غيرها أو أفضل منها؛ فما السبب الذي جعله داعيًا إلى دينه وطالبًا من سائر الشعوب والأمم وأتباع كافّة الأديان أن يعتنقوه؟ وكمثال على هذه الحقيقة، نذكر الرسالتين التاليتين من مكاتيبه:

- رسالة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى أسقف نجران:

«إنّ أسلمتم فإنّي أحمد إليكم الله إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب..

(152)

أمّا بعد فإنّي أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم فقد أذنتكم بحرب».

- رسالة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى المقوقس:

«بسم الله الرحمن الرحيم، من محمّد رسول الله إلى المقوقس عظيم القبط..

سلام على من اتّبع الهدى، أمّا بعد..

فإنّي أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنّما عليك إثم القبط، و (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ  فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)».[1]

فضلًا عن ذلك فقد دعا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله الناس إلى اتّباع أهل بيته عليهم‌السلام مؤكّدًا على أنّ السير في ركبهم هدى ومدعاة لنجاة الإنسان من عذاب الآخرة، لذلك شبّههم بسفينة نوح عليه‌السلام.

بناءً على رأي الدكتور سروش القائل بقدرة جميع البشر على إضفاء صور إلى كلّ شيء لا صورة له، واستنادًا إلى ادّعائه بعدم إمكانيّة ترجيح أيّة صورة على الأخرى؛ نقول له: لماذا اعتبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله الصور التي أضفاها إلى الدين وإلى أهل بيته سببًا لهداية البشر واعتبرها أفضل من سائر الصور الدينية؟! إذًا، يثبت لنا أنّ عقيدة هذا المفكّر لا تتناغم مطلقًا مع مضمون النصّ القرآني وتتعارض بالكامل مع واقع سيرة النبي محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله.

(153)

5. الدكتور عبد الكريم سروش يعتقد بوجود حقيقةٍ مطلقةٍ في عالم الخارج هي عبارة عن شيء لا صورة له؛ بحيث يبادر كلّ إنسان أو كلّ جماعة من البشر إلى تفسيره بنحو مختلف، وهذه الحقيقة وصفت في الإسلام بأنّها الله، أي أنّ المسلمين فسّروها هكذا، والمسيحيون بدورهم فسّروها بالأب ضمن عقيدة التثليث، واليهود فسّروها تحت عنوان «يهوه»، واعتبرها بعض الهندوس «فيشنو».

ومن هذا المنطلق أكّد على أنّ كلّ هذه الاستنتاجات والتصوّرات للحقيقة المطلقة أو ذلك الشيء الذي لا صورة له، تعدّ معتبرةً في مجال الظواهر لكن لا شيء منها صحيح على أرض الواقع، وفي هذا السياق قال الدكتور سروش: الله الذي هو ذلك الشيء الذي لا صورة له، لا يعتبر واحدًا ولا ثلاثةً ولا هوية له وفي الحين ذاته ليس عديم الهوية.

بناءً على هذا الرأي، نطرح عليه السؤال التالي: إذا افترضنا أنّ جميع التعاليم التي جاءت بها الأديان باطلة ولا تنطبق على الواقع، كيف علمنا بوجود ذلك الشيء العاري من الصورة في عالم الخارج، والذي أضفى له كلّ دين صورة خاصّة تختلف عن الصورة التي اتّصف بها في الأديان الأخرى؟ يا ترى أليس «الشيء الذي لا صورة له» و«كون الله حقيقة مطلقة» عبارة عن صورتين تنطبقان مع الأمر الواقع؟ وكيف اكتشفنا وجود شيء عارٍ عن الصورة وتيقّنّا من وجوده؟ إذا علمنا بوجود شيء لا صورة له -وهو موجود حقًّا- فما الداعي لزعم أنّ سائر الأمور التي نعلم بها باطلة؟ ولو بادر كلّ إنسان إلى تفسير هذا الأمر المطلق العاري من الصورة على ضوء ثقافته وتقاليد مجتمعه، لا بدّ لنا أوّلًا من معرفة كيف استطاع إدراك حقيقة كهذه جرّاء مؤثّرات ثقافية واجتماعية؟ إذا قيل إنّ كافّة المفاهيم التي تنطبع في ذهن الإنسان منبثقة بالكامل من الثقافة والتقاليد الاجتماعية، فما

(154)

الداعي للاعتقاد بوجود مفهوم تحت عنوان «حقيقة» أو «وجود» ومن ثمّ اعتباره بأنّه «الله»؟ وما هو التبرير المناسب لاشتراك هذه المفهوم في جميع الثقافات والمجتمعات البشرية بحيث لا نكاد نجد قومًا إلا ويعتقدون به؟ وهل هناك من يدّعي وجود مفهوم آخر مثله مشترك إلى هذا الحدّ من التواتر والشيوع بين هذه المجتمعات؟ فما السبب إذًا في عدم وجود مفهوم مكافئ له في هذا المضمار؟

إذًا، إذا انطبق أحد المفاهيم المشتركة لدى البشر مثل مفهوم «الوجود» على حقيقة مقصودة أو على أمر لا صورة له، فالنتيجة هي أنّ سائر المفاهيم التي هي من هذا النوع تكون صادقةً أيضًا.

إذا انطبقت بعض المفاهيم على إحدى الحقائق المطلقة، ففي هذه الحالة بإمكاننا حينئذٍ من معرفتها على ضوء نقيضها، ومن ثمّ عادةً ما تكون أقرب إلى أحد الأديان من غيره. ونوضّح هذا الاستنتاج بالمثال التالي: إذا جاز لنا وصف مصداق إحدى الحقائق العليا بأنّه موجود وعالم وقادر ورحيم ورؤوف، وما إلى ذلك من أوصاف أخرى، فلا يجوز عندئذٍ وصفه بمفاهيم تتناقض مع هذه المفاهيم التي غالبًا ما تطرح ضمن أحد الأديان، وعلى هذا الأساس فهذا الدين حقّ، وبالتالي يتمخّض التدين المتقوّم على فكرة التجربة الدينية أو تعدّد التجارب الدينية عن توجّهات إنكارية -لا أدريّة- أو أنّه يتمحور حول أحد الأديان فحسب.

6. الدكتور سروش ادّعى أنّ الوحي من سنخ التجربة الدينية، التي يمكن أن تحدث لكلّ إنسان ولا تقتصر على الأنبياء فقط  -أي أنّه مجرّد تجربة دينية بشرية لا غير- وهذا يعني أنّ جميع الناس يوحى لهم ومن ثمّ يمكن لكلّ واحد منهم أن يأتي بدين خاصّ. لكنّ هذه الرؤية تتعارض بالكامل مع التعاليم القرآنيّة التي تؤكّد بضرس قاطع على أنّ الله عزّ وجلّ اصطفى النبي محمّدًا بن عبد الله صلى‌الله‌عليه‌وآله خاتمًا

(155)

لرسالات السماء، وبه خُتمت جميع أشكال الوحي المنزل على الأنبياء والمرسلين، لكن ما يعتبر وحيًا وفق مفهوم غير رسالي، قد يُكرم به أولياء الله تعالى أيضًا، وهذا النوع يشابه ما حدث لأمّ موسى عليها‌السلام؛ حيث قال تعالى: (إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى) [1].

نتيجة البحث

نستنتج من جملة ما ذُكر حول مسألة «التجربة الدينية» في هذه المقالة ما يلي:

1. لا يمكن اعتبار الوحي تجربةً دينيةً على الإطلاق.

2. الوحي المنزل من السماء على الأنبياء والرسل عليهم‌السلام انقطع إلى الأبد بعد خاتمهم محمّد بن عبد الله صلى‌الله‌عليه‌وآله

3. لا يمكن اعتبار الوحي ذا بُعدين -بُعدٌ ذو صورة وبُعد بلا صورة- ولا يمكن اعتبار جميع الصور التي يضفيها المتدينون إلى الشيء الذي لا صورة له بأنّها على غرار واحد، لذا فهي غير متكافئة من حيث الإتقان والحجّيّة.

4. لا يُمكن اعتبار التجربة الدينيّة مرتكزًا للدين والتدين، وذلك لوجود الكثير من نقاط الضعف فيها والعديد من الإشكالات التي تطرح عليها.

5. ذكر أدلّة لإثبات حقيقة التجربة الدينيّة هو أحد الأسباب التي تدلّ على كونها غير صالحةٍ لأن تصبح منطلقًا ارتكازيًا للدين، وغاية ما في الأمر أنّها تطرح كبُعدٍ دلاليّ مقدّم على البُعدين العاطفي والتجريبي.

* * *

(156)

 

 

 

الأنسنة الإسلاميّة: من الصعود إلى الهبوط،
 تحليل موجز لنظريّة سروش «القبض والبسط في الشريعة»[1]

حميد وحيد[2]

«عندما تلعب بالبندقيّة ولا تجرح أبناء الجيران بطلقة طائشة، فلا شك أنّ حمامهم سيطير»[3]

سعى عبد الكريم سروش في العديد من أعماله لطرح نظريّة بعنوان «القبض والبسط في الشريعة» والدفاع عنها، والتي تقوم على أنّه يمكن لدين ما (كالإسلام) أن يكون إلهيًّا وثابتًا، ومع ذلك يبقى فهمنا له (أي الشريعة) عرضةً للتحوّل واعتباره نشاطًا بشريًّا بالأساس. ما يدعو تلك النظريّة لخلق نظرةٍ يدعوها «الأنسنة الإسلاميّة».

(157)

سأبيّن في هذه الورقة أنّ نظريّة الأنسنة الإسلاميّة ستؤول في النهاية لأشكالٍ متنوّعةٍ من اللّاواقعيّة والريبيّة الدينيّة التي يمكن مشاهدتها في أعمال وأفكار بعض كبار اللاهوتيين المسيحيين المعاصرين.

البرهان الأصلي

تقوم الهيكليّة النظريّة لـ«القبض والبسط» على برهان يتبدّى تقريبًا في كافّة أعمال سروش حول هذا الباب[1]. وسنطلق عليه «البرهان الأصلي» لمركزيّته ومحوريّته.

في هذا القسم، نتعرّض أوّلًا للبرهان شرحًا وتوضيحًا ومن ثم نتعرّض له بالنقد.

في القسم التالي، يقع الرّدّ على بعض النقاط التي تمسّك بها سروش دفاعًا عن نظريّته؛ ليتبيّن فيما بعد كيف تؤول نظريّته عمليًّا للريبيّة الدينيّة.

إنّ «البرهان الأصلي» بسيط برمّته، يمكن بيان بنيته كما يلي:

أ. مشاهدة مسبوقة بالنظريّة (ص 245).

مقدمة

ب. معنى (تفسير) مسبوق بالنظرية (ص 247)؛ مستنتج من (أ).

ج. فرضيات مسبقة عصرية، ما يجعلها في حالة تحوّل مستمر (ص 245).

(158)

مقدمة

نظرية القبض والبسط: المعرفة الدينيّة (الشريعة) في حالة تحول دائم؛ مستنتجة من (ب) و(ج).

يبدو استيعاب البرهان شاقًا؛ لأنّه -كما سنرى- عقيم وقائم على مقدّمات كاذبة. ومع ذلك سنغضّ الطرف عن أجزائه في محاولتنا لفهم الدوافع الداخلية.

إذًا، سنبدأ في البحث حول صدقيّة «البرهان الأصلي».

إنّ البرهان يفتقد الصدقيّة بشكلٍ واضحٍ؛ إذ لا سبيل لاستخلاص القضية (ب) من القضية (أ). وحتى لو فرضنا أنّ المشاهدة مسبوقةٌ بالنّظرية، فإنّ من الصعوبة بمكان أن يؤدي ذلك للنتيجة الواردة في باب «المعنى».

تشمل «المشاهدة»، في مفهومها العام، أشكالًا مختلفةً من الاتصال الحسي مع المحيط. أما العمليّة الناتجة، أي الإدراك، فهي أمرٌ يمكّننا من معرفة العالم حولنا.

ولا شكّ في أنّ آليّة حصول الإدراك، بمثابة نوع من أنواع عملية المعرفة، تعتبر من كبرى القضايا الأساسية في الفلسفة؛ إذ يمكن أن نفهم عملية المعرفة -على المستوى المجرد- بمثابة تابع يحوّل المُدخلات الذهنيّة لمخرجاتٍ سلوكيّةٍ ومعرفيّةٍ ذات صلة.

فالمُدخلات المذكورة في الإدراك البصري، على سبيل المثال، عبارة عن إثارات الشبكيّة التي تترافق مع نشاطات مختلفة في قشرة المخ البصرية. أما المخرجات ذات الصلة في هذه الحالة، فهي إدراك الشيء الذي تسبّب بالتحفيز.

إذًا، يمكن اعتبار الإدراك البصري بمثابة عمليّة تبدّل المدخلات الحسيّة لمخرجات إدراكيّة.

(159)

من المتداول اليوم (كما هو الحال في العلوم المعرفية السائدة) تجزئة عمليات المعرفة لتوابع أصغر وأبسط؛ كي يسهل فهمها (مثلًا في نظرية حسابات مار البصرية[1] واستكشاف آلية نشاط تلك التوابع الأبسط.

وهناك سؤال آخر حول الإدراك وهو: هل يمكن تفكيك خاصيّة تجربة ظاهرية مرئيّة عن محتواها؟ وهل للثاني مضمون مفهومي أو غير مفهومي؟

إنّ «المعنى» -على كل حال- (مقارنةً بالمشاهدة) موجودٌ مختلف تمامًا؛ إذ المعنى، بصورة عامة، شيءٌ يبدّل الأصوات والمكتوبات لوسائل تواصل وتفاهم. وقد يطلق المعنى على ما يريده المتكلم من تصريحه بعبارةٍ ما (بمعناه الأعم)، وهو ما يعبّر عنه اصطلاحًا بمعنى المتكلم والذي يمكن أن يتطابق مع المعنى الحرفي للعبارة المصرّح بها (معنى الجملة) أو يختلف معه. وقد شكّلت المواضيع المثارة حول معنى الجملة ومعنى المتكلم وطبيعة العلاقة بينهما قسمًا مهمًّا من الجدالات في فلسفة اللغة خلال القرن العشرين، ولمّا ينته نطاق تلك النزاعات بعد. من زاوية أخرى، فإنّ قضيّة المعنى تنطوي على أسئلةٍ ذات صلة بآلية الإشارة (reference) وسمنطيقية مختلف الألفاظ في اللغة الطبيعية.

وسيكون من العبث ضمن هذه المساحة المحدودة المتاحة حتى التفكير بالسعي لتقديم طرحٍ كليٍّ عن النزاعات الموجودة في فلسفة الإدراك وفلسفة المعنى.

مع ذلك، وإن بدت الإشارات آنفة الذكر بديهيّة، فإنّها كافيةٌ لإظهار أنّه لا سبيل سوى اللجوء للشعوذة؛ كي يتمكّن أحد ما من استخراج القضية (ب)

(160)

«المعنى المسبوق بالنظرية» (بأي معنى كان) من القضية (أ) «المشاهدة المسبوقة بالنظرية».
ثانيًا، حتى لو فرضنا صحّتها، فإنّ «البرهان الأصلي» غير صحيح؛ لأنّ المقولتين الأصليتين كاذبتان، أو في أحسن الأحوال قابلة للنقاش بشدّة. ولنبدأ بالقضيّة (أ)؛ إذ يعتبر سروش (أ) «حقيقة حول تاريخ العلم» (ص 245) ويدّعي «أنّ التمايز البنيوي بين الفلسفه الوضعيّة وما بعد الوضعيّة اعتراف بتلك الحقيقة... وأنّ المشاهدة مسبوقة بالنظرية» (ص 245).
إلا أنّ تلك الادعاءات ليست صحيحة البتّة؛ إذ للبدء ليس واضحًا بأيّ شكل من الأشكال ما إذا كان الوضعيون يتوخّون بالضرورة رفض نظريّة أنّ المشاهدة أمرٌ مسبوقٌ بنظرية؛ لأنّ المسألة رهنٌ بالكامل بالإجابة عن هذا السؤال: كيف يمكن فهم ذلك الادعاء؟
إن كانت تلك النظرية لا تعني سوى أن المشاهدات توجَّه من قِبل النظرية؛ بمعنى أنّ النظريات تحدّد للعلماء ما الذي ينبغي مشاهدته، عندها لن يوجد وضعي عاقل يسعه إنكارها (وأحسب أن سروش يستخرج «أ» بهذه الطريقة؛ إذ يقترب كثيرًا من طريقة بوبر لتفسير النظرية آنفة الذكر).
من جهة أخرى، لعلّ المقصود من تلك النظرية أنّ للفرضيات النظرية تأثيرًا مباشرًا في استكشاف المشاهدات التي ينبغي اعتبارها جادّة. ولكن، بناءً على مثل تلك القراءة، ستصبح تلك النظرية في الواقع مجرد بيان لقضيّة قابليّة تجريبيّة النظريات العلميّة (أو القضيّة الثانية)، أكثر منها مسألة متمحورة حول أنّه هل يمكن أن يكون للمشاهدة وظيفةٌ كأساس ملموس للحكم بين النظريات المنافسة.  

(161)

مع ذلك، هناك فهم آخر للنظرية «أ» قدّمه كوهن (وهنسن)، ويمكن عدّه إحدى حالات العدول عن فلسفات العلم ذات النزعة التجريبية.

يرى كوهن أن «المشاهدات نفسها»، أي تجاربنا الإدراكية لا اللغويّة وحدَها التي تستخدم لتوصيفها، تكون عرضةً للاعتقادات النّظرية. وبعبارة أخرى؛ فإنّ «ما نراه» مباشرةً متأثرٌ من نظرياتنا. وهذه الرواية عن النظرية، كما ذُكِر، مؤشِّرٌ على افتراق جدّيّ عن الوضعية، لكنّها تتخذ أيضًا طريقها الخاصّ بها بالطريقة نفسها مستقلةً عن بعض فلسلفات العلم الواقعيّة كفلسفة العلم لدى بوبر؛ إذ إنّها بدورها عاملٌ لإضعاف الادّعاء الذي يقوم على أنّه يمكن للمشاهدة أن تكون أسلوبًا متجرّدًا للاختيار بين النظريات التي تعيَّنَت بشكل ناقص (undetermined theories). وفي ضوء ذلك الاستنتاج لن تتّضح صحة القضية «أ» أبدًا. ويعلم كلّ من له أدنى اطلاع بالفلسفة أنّ القراءة الكوهنيّة لتلك النظرية (المشاهدة مسبوقة بالنظرية)، قد تمّ دحضها بطريقة مقنعة من قبل جيري فودور الذي ليس بدوره وضعيًا على الإطلاق.

ينشأ تحدي فودور من نظرية الذهن الشبكية المعروفة (thesis modularity)، والتي تقوم على أساس أنّ الذهن ليس منظومة معالجة واحدة ومدمجة، بل متشكّلة من مجموعات معلوماتيّة فرعيّة تعمل بصورةٍ مستقلةٍ نسبيًا عن بعضها، ولكلّ شبكة وظيفة محدّدة. وقد ميّز فودور ثلاثة أنماط مختلفة وظيفيًا من تلك المجموعات المعلوماتيّة الفرعيّة: المبدلات، أنظمة الإدخال والإخراج، والأنظمة المركزية. تقع المبدلات في الحدّ الفاصل بين الذهن والعالم الخارجي وتتشكّل من أنواع المدخلات والمخرجات. تتلقى مبدلات الإدخال (كالشبكية) المدخلات الفيزيائيّة غير المرمزة، لتولِّد المخرجات المرمزة. ثم تحوّل المبدلات الإخراجية تلك المخرجات في المرحلة التالية لمدخلات غير مرمزة من قبيل الإثارات العصبيّة.

(162)

فضلًا عن ذلك كلّه، هناك منظومات إدخال وإخراج تقع بين المبدلات والأنظمة المركزية، وتعمل على إعادة تصوير العالم الخارجي عن طريق عارضات. وبعد ذلك تخضع تلك العارضات للمعالجة من قبل نظام مركزي، ما يولّد الاعتقاد حول العالم الخارجي.

بناءً على ذلك، فإنّ النظام المركزي يمثل نطاق الاعتقادات وباقي الاتجاهات ذات الصلة بالقضيّة، وتكمن وظيفته الأساس في تثبيت الاعتقاد وتوليده. وبما أنّ المنظومات الإدخاليّة والإخراجيّة هي شبكات مستقلة ذاتيًا، تصبح النتيجة أنّ العمليات الإدراكية لن تخضع لتأثير النظريات التي تشكل صلب اعتقاداتنا في النظام المركزي. الأمر الذي يجعل نظريّة الذهن الشبكيّة تؤكّد على التمايز بين المشاهدة والنظرية. ما يعني أنه يمكن للأفراد ذوي خلفياتٍ تقوم على أساس نظرياتٍ متفاوتةٍ، أن يروا العالم الخارجي بشكل واحد طالما لم تخضع تلك النظريات لآلياتهم الإدراكية[1].

الآن سنتناول المقدمة «ب» (المعنى مسبوق بالنظرية). وجدنا أنّه لا يمكن استنتاج «أ» من «ب»، كما أنّ «أ» بدورها قابلة للنقاش على أي حال. فهل يمكن للقضية «ب» أن تصمد لوحدها مستقلةً؟ إنّ المشكلة الأولى تكمن في أنّ إدراك القضية «ب»عويص جدًا، لا سيّما وأنّ سروش يرى أن «ب» صادقة «بالمعنى نفسه والدليل نفسه... [الذي يجعل «أ» صادقة]» (ص 245). (ولكن بأي معنى وأي دليل؟!)، ففي الوقت الذي يُدَّعى بأنّ النظريات في الخلفية مانحة للمعنى، هي نفسها بمثابة عبارات ذات معنى، فكيف يمكن، والحال هذه، أن تصبح القضية

(163)

«ب» بمثابة نظرية في باب طبيعة «المعنى» أو ماهيته؟ بل ما الذي يمكن أن يحمله الادعاء «المعنى مسبوق بالنظرية» من مفهوم؟ وأرى أنّ السبيل الوحيد لتبديل القضية «ب» لادعاء معقول نسبيًا هو التعامل معها كتعبيرٍ غير ناضج وبدائي عن النظرية المعروفة بـ«سيمنطقيا الأدوار المفهومية»[1].

إنّ المسألة التي تسعى «سيمنطقيا الأدوار المفهومية» لتقديم إجابة لها تتمثل في أنّه ما الذي يمكن أن يعنيه القول بأنّ حالة ذهنيّة ما (كالاعتقاد مثلًا) أو علامة ما تمتلك محتوى متضمنًا ذات معنى. وبعبارة أخرى، ينبغي التوضيح أنّه عندما نقول بأنّ عارضًا معيّنًا (كالاعتقاد مثلًا) يمتلك ذلك المعنى أو أنّه حول شيٍء معيّن بدل شيء آخر، فما هو الأمر الذي يضمن صحة ذلك الادعاء. لذا، فإنّ ما هو محلّ نقاش في هذه الحالة ليس مجرد العثور على نظرية ذات معنى تنسب لكلّ جملة ذات معنى في لغة ما (ذهنية أو عامة) معنى ما، بل يكمن الهدف في تقديم تفسير لماهية المعنى وطبيعته[2].

وعندما تؤخذ «سيمنطقيا الأدوار المفهومية» كنظريّة محتوى، فإنّها تصبح عمليًا نوعًا من النزعة الوظيفيّة نفسها التي تستخدم لتبيين مضامين العارضات الذهنيّة، بدل استعمالها لتعريف نوعٍ معيّنٍ من حالة ذهنيّة؛ فمثلًا يستخدم الاعتقاد p في مقابل الاعتقاد q. الأمر الذي سيجعل من الممكن -على هذا الأساس- حصول مضمون ومحتوى معيّن لحالة ذهنيّة ما في ضوء الأدوار العلية/المفهومية. إنّ الإشارة للأدوار العلية/المفهومية هي تفسير -باعتبارٍ ما- لما تدعى نظريّة المعنى «التطبيقية» والتي تقوم على أنّ معنى العبارة يتعيّن بتطبيقه. وعلى أي

(164)

حال، بالرغم من سهولة تلك النظرية في البداية، إلّا أنّ استكشاف تلك الأدوار المذكورة تحوّل إلى قضيّةٍ مستعصيةٍ في تكميل تلك النظرية. هناك في الوقت الحالي مقاربتان أساسيتان للتعامل مع هذا السؤال وهما: النظريات ذات العاملين[1]، والنظريات وحيدة العامل[2]. وبناءً على النظريات ذات العاملين، فإنّ لمعنى كلّ عبارة عنصرين أو جانبين: أحدهما عنصر الدور المفهومي (الذي يقع في «المخ» بشكل كامل وغالبًا ما يتم الرجوع إليه في توضيح مفهوم مضمون محدود[3]. والآخر عنصر خارجي يربط الوجه الداخلي بالعالم الخارجي (عن طريق «نظرية الإشارة العلية» أو نظرية الشروط الصدقية). أمّا الاستنتاجات وحيدة العامل فتقدّم عادةً تعريفًا للأدوار الوظيفيّة في ضوء عوامل «خارج المخ».

إذًا، تتمسك نظرية الأدوار الوظيفية في تبيين مضمون (معنى) معيّن لاعتقاد إدراكي (جملة) p، مثلًا (كتابٌ أحمر أمامي)، بأدوارها العلّيّة التي تتضمن روابطها العلية مع التجربة الحسية (الحُمرة البادية) وعلاقاتها الاستنتاجية مع سائر الحالات الذهنية والسلوكية. تقدم «سيمنطقيا الأدوار المفهومية» تفسيرًا مقنعًا عن مضمون الأداة المنطقيّة في الوقت الذي تشمل الأدوار المفهوميّة ذات الصلة العلاقات الاستنتاجية بشكل كامل. ولو قبلنا (مع كوهن) أنّ الألفاظ النظرية في علم ما (كالمادة والطاقة وغيرها) تأخذ معناها من خلال الارتباط مع بعضها فقط، عندئذ تصبح «سيمنطقيا الأدوار المفهومية» مقبولة ومبرّرة. إلّا أنّ المشكلة الأساسيّة في وضع مثل تلك التكملة على القضية «ب»، أنّها تعقّد كثيرًا الفهم الشهودي وما قبل النظري لأطروحة «القبض والبسط». ناهيك عن أنّه عندما

(165)

نرفق تلك القراءة عن القضية «ب»، كما يتطلبه البرهان الأصلي، بالقضية «ج» (النظريات في تحول دائم)، يتبدل «المعنى» لأمر متحوّل غير مستقرّ بشكل كامل (لأن النظريات، بناءً على الفرض، تتدخل في العلاقات الاستنتاجية). وبالتالي لن يبقى أمامنا من نتيجة هذا الاختيار سوى القبول بنمط فائق التطرف وغير معقول من نظرية الأدوار المفهومية.       

في ضوء ما ذكرنا آنفًا، فإنّ «البرهان الأصلي» ليس صحيحًا ولا معتبرًا. ما يجعل من الصعوبة بمكان القيام بأيّ بحث أكثر جديّةً في باب منزلة نظرية «القبض والبسط». وأظنّ أنّ الطريق الوحيد المتاح أمامنا هو تقليل توقعاتنا من أطروحة سروش وتجنّب أي محاولة لحقن التناغم والدقة الفلسفية فيه[1]. لذا، اسمحوا لي أن نتناول الموضوع من منظور ما قبل نظري وشهودي؛ لنستكشف ما الذي كان يتوخاه الكاتب -من منظوره الشخصي- من معنى القضيّة «ب»، لنرى إلى أين سيقودنا ذلك الاستنتاج في النهاية. ولعلّ استخدام مثال في هذا السياق لا يخلو من فائدة:

افرضوا الجملة «س» التالية: «تنير السماء بضوء النجوم»...

من الناحية الشهودية وبناء على ما تدعيه القضيّة «ب»: إن أردنا فهم القضية «س»، علينا استيعاب معاني الكلمات المشكلة لها كالنجوم والضوء والسماء وغيرها. ولكنّنا سنكون مضطرين لتحقيق الأمر للتمسك بنظرياتنا (فرضياتنا) حول مصاديق تلك الألفاظ. وبما أنّ تلك الفرضيات كانت عرضةً للتغيير الدائم طوال التاريخ، أراد البشر من إطلاق تلك الجملة أشياء مختلفة. فقد قال الناس وفهموا

(166)

أشياءً مختلفةً من خلال نطق تلك الجملة ذاتها بالتحديد. من الآن فصاعدًا، سأركّز اهتمامي بمثل هذه القراءة عن (ب)، دون تقييمها، محاولًا التعرف على نتائجها.

«القبض والبسط في الشريعة»: تقييم بعض النماذج التي تبدو مؤيّدة لها بعد فهم «ب» بالطريقة المذكورة أعلاه، أين يفترض أن تؤدي بنا؟ وفقًا لسروش، عندما ترتبط تلك القضيّة مع (ج)، فإنّها تؤدّي إلى النتائج التالية بالخصوص:

الدين (الوحي) صامت (ص 245).

قد يكون الدين الوحياني نفسه صادقًا ومبرأً من التناقضات، لكن علم الدين ليس كذلك بالضرورة (الصفحة 246).

الدين إلهي، لكن تفسيره إنساني تمامًا ودنيوي (ص 246).

تشكّل تلك النتائج المقوّمات الأساسيّة لأطروحة البسط والقبض في الشريعة. بل يذهب سروش أبعد؛ إذ يدّعي أنّ أمر الدين متّسقٌ بالكامل مع أمر الطبيعة ومتماهٍ معه، فيقول: «إنّ مجال الدين ليس بأفضل من مجال الطبيعة؛ إذ نحن أسرى هناك لإنسانيتنا. فلا علم بشري مقدّس، وعلم الدين ليس استثناءً» (ص 251). (ينبغي ألّا تثير تلك العبارة الاستغراب؛ إذ يبدأ «برهانه الأصلي» بنظريّة حول طبيعة المشاهدة في العلم)[1].

ويقوم احتجاجي على أنّ نظريّة القبض والبسط تؤدّي في نهاية المطاف إلى

(167)

أنماطٍ من اللّاواقعيّة والريبيّة الدينيّة. ولكن قبل الخوض في هذا البحث، أودّ أن أدرس مشاهد ونماذج معيّنة استشهد بها سروش دعمًا لأطروحته.

يتعلّق النموذج الأوّل بحالة «التفسير بالرأي»؛ وهي تفسير القرآن وفقًا لميول الفرد وآرائه الشخصيّة. تُحذّر السنّة الإسلاميّة صراحةً من ارتكاب مثل هذا العمل. إلّا أنّ المعنى الدقيق لهذا المفهوم، كما يُشير سروش، كان ولا يزال مصدر جدلٍ دائمٍ في حقل الدراسات الإسلامية؛ إذ في الوقت الذي يرفض فيه سروش مقاربة ذلك التحذير باعتباره مستلزمًا تفاسير خالية من الآراء الشخصيّة، إلّا أنّه اعتبر عمليًا تلك الجدالات المذكورة شاهدًا ومؤيّدًا لنظريّته. ويقدّم سروش اقتراحه لحلّ مثل تلك الجدالات في ضوء إطاره النظري كما يلي:

 «إذن، كيف لنا أن نفهم التحذير بنبرة التهديد حيال تفسير القرآن المتجرّد والخالي من الرأي؟ أليس الحال أن جميع التفسيرات مسبوقة بالنظرية؟ إذا كان الأمر كذلك، أليس من الأفضل أخذ التحذير على أنه يعني ببساطة عدم إسناد تفسيراتنا إلى نظريات لا أساس لها؟ نعم. لا ريب أن الأمر كذلك».(ص 247).

لملاحظة المفارقة الساخرة الكامنة من وراء ذلك الاقتراح، دعونا نفكر في مثال ملموس. لنفرض أنّنا نودّ فهم آية في القرآن تتناول خلود الروح وبعث الأموات يوم القيامة، إنّنا مضطرّون لفهم محتوى الآية، وفقًا لسروش، لاستدعاء نظرياتنا الفلسفية والعلمية حول طبيعة الذهن مثلًا. ولكن أيٌّ من تلك النظريات الفلسفية ينبغي الأخذ بها كي تؤدّي هذه الوظيفة؟ طبعًا سيقول سروش: تلك النظريات الموثوقة التي تم إثباتها. إلّا أنّ هذه الإجابة مثيرة للحيرة لا سيّما وهي صادرة من شخص يعتقد أن جميع النظريات (الفرضيات المسبقة) شرطية بعصرها وهي

(168)

في حالة تحوّل وتغيير دائبين. من ناحية أخرى، تثبت وقائع الأيام أنّه في إطار التعامل حيال أي سؤال فلسفي أساسي، من قبيل قضية الذهن والجسد، يوجد دائمًا عدد من النظريات الفلسفية المقتدرة المتنافسة تدّعي كلّ منها القدرة على تقديم الإجابة عن المسألة المذكورة. الأمر الذي يجعل السؤال الأوّل قائمًا: أي من تلك النظريات «المُثبَتة» يجب أن تُستخدم للقيام بهذه المهمّة؟ بصرف النّظر عن تهافت الحلّ الذي يقترحه سروش وتناقضه، فإنّه مجرّد نوع من الانتقال بالسؤال إلى مستوى آخر.

أمّا النموذج الآخر الذي يقدّمه سروش فيتمثّل في ما يتعلّق بالتمييز بين المُحْكمات والمُتشابهات في القرآن. وتتضمّن الأولى تلك الآيات التي تحمل معنى صريحًا لا لُبس فيه، بينما تُشير المتشابهات للآيات ذات المعاني غير القطعيّة. مرة أخرى، لا زال النقاش محتدمًا حول المعايير الدقيقة للفصل بين هذين المفهومين. وبالرغم من أنه ليس هدفي الخوض في هذا الجدل، إلا أنّي في حيرةٍ من أمري حيال فهم توضيح سروش وتفسيره لذلك النقاش:

«من المتوقع أن تتضمن كافة النصوص، لا سيما الوحيانية منها، مُحْكمات ومتشابهات معًا؛ إذ يعدّ وجودها السبب الجليّ للقبض والبسط في الشريعة» (ص 249).

بالرغم من أنّ الجزء الأوّل من الجملة المقتبسة تعتبر التمايز بينهما أصيلًا وحقيقيًا، إلا أنّ الجزء الثاني منه يعدّ وجود مثل متضمنةً لأطروحة «القبض والبسط في الشريعة». وهذا أمر غريب؛ لأنّه إذا كان هناك مُحكمات، فهذا يعكس حقيقة أن لأقسام معيّنة من القرآن معنًى ثابتًا و تفسيرًا غير قابل للتغيير والتحوّل. الأمر الذي يتعارض بشكل جليّ مع روح نظرية «القبض والبسط»، ما يدعوني

(169)

للاستنتاج أن الحالات المذكورة أعلاه لا تمثّل بأيّ شكلٍ من الأشكال نماذج وأمثلة عن نظرية «القبض والبسط».

دعونا ننتقل لتناول ادّعاء الريبيّة الدّينيّة.

نظريّة «القبض والبسط» وأنماط اللّاواقعيّة والريبيّة الدّينيّة

دعونا نذكّر بالخطوط العريضة لأطروحة «القبض والبسط قي الشريعة»؛ إذ تدعي تلك النظرية ما يلي: بما أنّ تفسير أيّ نصٍّ (وحيانيّ) (كالقرآن) لا يمكن أن يتيسّر إلا من خلال فرضياتنا (النظريات الخلفية). ولما كانت تلك الفرضيات المسبقة في حال تغيير وتحول دائم، فإنّ فهمنا للدين سيكون كذلك أيضًا:

«لأنه لا يمكن للإنسان أن يسمع صوت الوحي إلا عن طريق تلك القضايا والنظريات فحسب، وبالتالي فإن الشريعة نفسها صامتة» (ص 245).

كما ذُكر سابقًا، يعتقد سروش أنّ أمرَي الدين والطبيعة بالسويّة نفسها تمامًا من هذا الجانب. وما يُدَّعى هنا وجود بون حاد بين واقع ما، أي الدين كما هو في نفسه والدين كما يتمظهر لنا من خلال فرضياتنا المرتبطة بالعصر والمتغيرة باستمرار (علم الدين). بمعنى آخر، هناك الواقع الديني، كذاتٍ متعالٍ، موجود تمامًا في الخارج ولكنه صامت ولا يمكن الوصول إليه إدراكيًا (لنطلق عليه «الواقع الصامت»). وهناك، من ناحية أخرى، المرآة الإنسانيّة الدنيويّة المفهوميّة، إذا جاز القول، والتي تُجَلِّي «الواقع الصامت». ولا سبيل للوصول المباشر إلى «الواقع الصامت»؛ إذ كل ما في الأمر أنّه يُمكننا مجرّد سماع صوته عن طريق تركيباتنا الإنسانية.

(170)

من الصعب تجاهل ظلال «الكانطية» في هذه المقاربة؛ إذ يرى كانط أنّ الواقع يحصل بصورتين؛ في نفسه (نومينال)، وكيفيّة تمظهر ذلك الواقع في حواسنا (عالم الفنومينال). ولا يُمكن الوصول إلى عالم النومينال ومعرفته علميًا فهو أبعد من نطاق قدراتنا المفاهيمية؛ إذ يحدّد «كانط» معرفتنا بعالم الظواهر فحسب. ویُمکن تصوّر التقسیمات الکانطية کما یلي: هناك تمايز بين «الواقع الصامت» وكيفية تمظهره في الأدوات التفسيرية المتغيّرة بشريًا باستمرار. وهو الموقف الذي يتخذه تقريبًا «جون هيك» في باب طبيعة الدين؛ فهو يعتقد أيضًا أنّ هناك واقعًا نوميناليًا يسميه «الواقع»، وهناك واقعٌ يمثل حصيلة كيفيّة التمظهرات المختلفة لهذا الأمر في تجاربنا الدينيّة.

«لقد تطوّرت اللغة حتى الآن ضمن هذا العالم الظواهري (الفنومينال) أو القابل للتجربة فحسب، وهي تستعمل في هذا النطاق أيضًا. وقد ساهمت منظومة المفاهيم المتجلية في اللغة الإنسانية بشكل متبادل في تشكيل العالم البشري المُشاهد، والذي تم بناؤه بنفس القدر الذي يتمتع فيه بالاستقلالية الوجودية. إلا أن لغتنا لا يمكن لها أن تنطبق على الواقع النومينالي والذاتي والذي لم يتبلور من قبل المفاهيم البشرية حتى ولو جزئيًا»[1].

على الرغم من نظريات «هيك[2]»الدقيقة والمفصلة، فإنّ أوجه التّشابه البنيويّة بين موقفه وآراء سروش ملفتة للنظر. أظنّ أنّ سروش استعار كثيرًا من «هيك» في رسم معالم «القبض والبسط في الشريعة»، حتى وإن حاول أن يجعلها تبدو كما لو أنّ الفكرة المذكورة حصيلة مباشرة لشيءٍ شبيه بـ«البرهان الأصلي». ولكن هناك فرق بنيوي بين الاثنين، وهذا الفرق مسؤول فعلًا عن انهيار نظرية سروش

(171)

وانحلالها للريبية الدينية التامة. هذا ينبع من الدور الذي يلعبه «الواقع المتعالي» الذي يلعبه في مواقف كلٍ منهما. يلعب «الواقع» دورًا أساسيًا في منظومة «هيك»؛ إذ يسمح له بتقديم إجابة على مشكلة التنوّع الديني بشكل معقول نسبيًا. ويبدو أنّ فكرته تتمثّل في أنّه يمكن اعتبار السنن الدينيّة المختلفة كأنماط متنوّعة لردود أفعال البشر حيال «الواقع» في تجاربهم الدينية. الأمر الذي يمنع وصف موقف «هيك» كنوع من الريبية الدينية. لكن «الواقع الصامت» في نموذج سروش لا يقوم بأي عمل ذي مغزى؛ فهو مجرّد كينونة مطفأة لا يمكن الوصول إليها، ينتظر إلى الأبد حتى يُسمع ويُعرف من خلال «التركيبات» البشرية. في بقية هذا المقال، سأقدّم سببين أدّيا لاضمحلال «الواقع الصامت» في نهاية الأمر. وسيُصار إلى مقارنة موقف سروش النهائي مع نمط من الريبيّة واللا واقعيّة الدينيّة المطلقة والذي تبناه أحد علماء اللاهوت المسيحيين المعاصرين.

السبب الأوّل واضح جدًا لدي؛ إذ ينبري سروش نفسه للتبرّؤ من الشريعة أو «الواقع الصامت»! ولنتذكر أنّه أقام منظومته على أساس فرضيّة التمايز الدقيق بين الدين نفسه (الإلهي، الكامل وما إلى ذلك) وعلم الدين (إنساني، ناقص وما إلى ذلك) مجادلًا أنّ عدم التشابه ذاك لا يعني التمايز بين الطبيعة وعلم الطبيعة. لكنّه ما لبث أن أنكر صراحةً ذلك التمايز في مواقف أخرى من مقالته:

«لقد قام علم الدين وجدِّد بناؤه، طوال تاريخه الطويل، وبصورة مستمرة على أكتاف المفسرين والمعلقين، الأمر الذي يجعل من الدين مجرد تاريخ لعلم الدين» (ص 248، أُضيف التأكيد)

لا أعتقد أنّ الكلام السابق مجرّد زلّة لسان صدرت من قبل سروش، بل يحتمل أن يكون -كما سيظهر في ضوء مواقفه الأخرى التي سنوردها- متجذرًا في لا وعيه  الفرويدي، وهذا الأمر ليس بعيدًا عن التصور.

(172)

كيف يمكن أن يحظى واقع صامت غير مدرَك، كما صوّره سروش في نظريته التي تبناها، بأهميّة خاصّة لدينا؟ كيف يمكن لأمر ليس لنا أي تماسٍّ معه وطريقنا إليه مسدود، أن يؤثّر في حياتنا وسلوكنا؟

أمّا السبب الثاني لتوجهات نظرية «القبض والبسط» الشكوكية؛ فيمكن استنتاجه بسهولةٍ من سائر ادّعاءات سروش الأخرى والذي يحاول فيها بسط آرائه من خلالها. ففي استعراضه تفسير الدين في ضوء الفرضيات المسبقة الشخصية يضيف تحذيرًا بالقول:

«يجب أن يكون من الواضح الآن أنه لا يكفي أن يقدم المفسِّر تفسيرًا منسجمًا عن النص بالكامل؛ بل يجب أن يكون التفسير متسقًا أيضًا مع علوم العصر وعقليته السائدة». (ص 246، والتأكيد أضيف من عندي).

وتُبرز العبارة أعلاه نية إضافة شرط للتفاسير المقبولة من النصوص الوحيانية:

يجب أن يكون التفسير المجاز متوافقًا مع معرفة العصر (التي تشمل الفلسفة والعلوم، إلخ). وكي نفهم هذه الملاحظة بطريقة  أفضل، لنفترض أنّ المرء يتوصّل إلى فهم آية معيّنة في القرآن (والتي يمكن أن تكون حول مواضيع متنوعة مثل طبيعة العالم والإنسان والأخلاق وما شابه ذلك). كي يكون تفسيره جديرًا بالقبول، يجب أن يتوافق مع النظريات الفلسفية والعلمية السائدة حول الموضوع ذي الصلة. وإذا تبيّن أنّه غير متوافق مع تلك النظريات، فسيتعيّن رفضه. (في الواقع، قد يكون التحذير أعلاه غير ضروري؛ لأنّه، وفقًا لسروش، إذا أمكننا تفسير نصّ في ضوء فرضياتنا المسبقة فحسب، فإنّ الاتّساق المتوخى سيكون متضمَّنًا سلفًا وبصورة آلية. لكنّني لن أواصل إصراري على هذه النقطة أكثر من ذلك).

(173)

إنّ السؤال المهم الذي تثيره المواقف السابقة هو: هل تُبقي مثل تلك المنهجيّة مكانًا للدين كي يعمل كمنبعٍ معرفيٍّ مستقلٍّ إلى جانب سائر المنابع المألوفة الأخرى؟ فإن كانت عقلية كل عصر هو الحكَم النهائي لاختيار التفسير المقبول لنص ديني، فلماذا لا نستند عليها وحدها منذ البداية؟ وإن كان ما يقوله الإسلام، على سبيل المثال، مقبولًا بشرط اتّساقه مع عقلية العصر المواكب له، فلماذا نشقّ على أنفسنا باستكشاف رأي الإسلام في مختلف الموضوعات؟ أليس من الحكمة في هذه الحالة اختيار الطريق المختصر من خلال تجاهل الدين والاعتماد على علوم العصر؟ إن كان من المقرّر أن يدين الدين في مشروعيته لعلوم العصر البشرية، فما المنزلة المستقلة التي يمكن تصورها للدين في هذه الحالة؟ 

إنّ مثل تلك النظرة للدين سيجعل منه بمثابة العجلة الثالثة للدراجة يمكن التخلي عنها بسهولة عند انتفاء الحاجة لها. كما أنّ تلك الرؤية ستؤدّي لانهيار المقارنة بين الدين والطبيعة بشكل آلي رغم ادعاءات سروش؛ إذ إنّ الطبيعة، خلافًا للدين، ليست صامتة، فهي في الحقيقة أعلى محكمة للفصل بين النظريات العلمية المتنافسة، والتي ينبغي أن تُقبل أو تُرفض في عملية الاختبار التجريبي. وهذه هي الفكرة من وراء القول القديم بأنّ الإنسان فــى التـفكير والطبيعة فــى التدبير.

إنّ نتيجة الملاحظات السابقة هي أنّ آراء سروش تجعل الدين زائدًا عن الحاجة. وفي أفضل الأحوال، قد يكون من المتوقّع أن يعمل الدين كعاملٍ تحفيزيٍّ أو أخلاقي في التأثير على حياتنا. وسيكون هذا دينًا خاويًا من الما ورائيّة بمعنى اللا واقعيّة الدينيّة المطلقة. في الحقيقة، يقدّم سروش تلميحات معيّنة في هذا الاتجاه؛ فهو يصف موقفه على أنّه «مثال مُحْكم لتطبيع ما هو خارق للطبيعة، أو إذا شئت، مَظهَرة ما وراء الطبيعة في الطبيعة» (ص 251).

(174)

ويقول:

«إن التقاط النية الحقيقية لـ«لموحي» هو مثل أعلى نسعى إليه جميعًا، ولكن في النهاية قد نكتشف أن القصد الحقيقي لـ«لموحي» لم يكن سوى المسعى الجماعي للبشرية نفسها».

باختصار، يدّعي سروش أنّه يدافع عمّا يُسمّيه «الأنسنة الإسلاميّة»: «أنا أختار أنسنة الدين» (ص 250). من الصعب، مرة أخرى، ألّا نلاحظ أصداء آراء مفكر «مسيحي» آخر في موقف سروش النهائي المتدرّج، أي «دون كوبيت»[1]، الذي يدعو إلى اللّاواقعيّة الدينيّة المطلقة ويصف موقفه «الأنسنة المسيحية». وبالرغم من تمسّك كوبيت بممارسة الطقوس المسيحيّة لأسباب روحيّة وأخلاقيّة، فإنّه ينكر عبادة الإله المجرّدة والواقعيّة الدينيّة، ويتجنّب الأنطولوجيا الواقعيّة التي تتبنّى القول بوجود واقع مقدّم على لغتنا ونظرياتنا ومستقل عنها، ويمكن التحقّق منهما بالرجوع إليه[2] «اللغة الوحيدة التي يمكننا أن نعرفها هي إنسانية بالكامل... لذلك يجب أن نأخذ باللغة الدينية تبعًا لدورها الذي يمكن أن تلعبه في حياتنا، لا كأداة استعارية تحكي عن عالم آخر؛ إذ هناك عالم واحد فقط وهو هذا العالم، عالم الظاهر، عالم اللغة، عالم الحياة اليومية، وعالم السياسة والاقتصاد»[3].

بالرغم من الحجج السابقة والأدلّة النصيّة، ما فتئتُ غير ميّالٍ لوصف سروش مدافعًا عن اللا واقعيّة الدينيّة المطلقة على طريقة «كوبيت»، لكن، عندئذٍ، أجد نفسي في حيرةٍ  من أمري في التعامل مع المنطق الذي يقف وراء قبول سروش بأن

(175)

يدرج في موقعه الإلكتروني تعليقات كوبيت الطافحة بالمدح والثناء لمواقفه. علمًا أنّ تصريحات كوبيت تلك تأتي ردًّا على تلك المجموعة من كلمات سروش التي تشكّل موضوعَ بحثنا:

«المسلمون المثقفون يناقشون حول الإسلام والمعرفة الدينية. يناقش المحافظون من أجل أسلمة المعرفة... ويجادل الليبراليون من أجل علمنة الإسلام... سروش هنا يبحث عن طريق ثالث - أنسنة الدين. مع خلع سلاح النقد، يعترف بأن الله والوحي قد يكونان في حد ذاتهما أبديين ومطلقين وغير متغيّرين. ولكنهما يظلان صامتين حتى يتواجد الدين بين البشر، وعندما يحدث ذلك يتم إخضاع الدين للنسبوية والتشكيك به وإعادة صياغته. لا يوجد نص مع تفسير واحد فقط، ولا يوجد مُؤلّف موسيقي يُعزف بالطريقة نفسها تمامًا من قِبل جميع الموسيقيين. إنه من الشجاعة بمكان أن يطرح سروش مثل هذه الأفكار في بيئة إسلامية. هل يمكن للإسلام أن يصبح دينًا ناميًا و«إنسانيًا» ومنبعًا للأمل والتطلع، بدلًا من دين الدوغمائية العقائدية؟ الإجابة عن هذا السؤال سيكون له أهميّة كبيرة لنا جميعًا. وكذلك يمكن طرح السؤال نفسه على المسيحية أيضًا»[1].

(176)

الخاتمة

قد يفاجأ أولئك الذين لديهم دراية بالتأثير السياسي لسروش في إيران المعاصرة بأن أمورًا متهافتةً من قبيل «البرهان الأصلي» أو ملاحظاته اللاحقة غير المتّسقة يمكن أن يكون لها أي تأثير سياسي. قد يشعرون أنّ هناك أمورًا غفلتُ عنها لدى رسم صورة عن آرائه. ولكن لم يكن القصد من هذا المقال أن يكون تمرينًا في فهم هندسة الديناميات الاجتماعية السياسية الكامنة في الأفكار والآراء. وعلى أي حال، فإنّ التأثير السياسي يكون مؤشّرًا موثوقًا به عن حقيقة الأفكار أو الأفكار ذات الصلة - كما يتّضح بشكل كبير من الاضطرابات السياسية الأخيرة في عصرنا.

التمثيل قد يساعد؛ إذ يمكن للمرء أن يحطّم نافذة من خلال رفع درجة صوته إلى مستوى عالٍ بما فيه الكفاية (قد يكون بافاروتي قادرًا على القيام بذلك). ولكن، حينئذٍ، عند حدوث ذلك، سيحدث ذلك بغض النظر عمّا إذا كان الشخص يتلو من أشعار «الرومي» أو يتحدّث كلامًا عديم النفع[1].

لقد بدأت هذه المقالة باقتباسٍ من «آل أحمد»، و لم يكن القصد من ذلك أن تكون دعوة للرقابة الذاتية أو قمع أفكار الفرد؛ فقد كان، حسب اعتقادي، يطالب بوجوب بذل المرء قصارى جهده، عند إعلان فكرة ما، لعدم المساس بالالتزامات العقلانية والمعرفيّة ذات الصلة، عندها فقط يمكن القول بأنّ الشخص مسؤول معرفيًا. يمكن للتخلي عن المسؤولية عن طريق طرح أفكار تافهة ومربكة ومتهافتة أن يؤدي فقط إلى شعاراتٍ دعائيّةٍ مثيرةٍ، وهو ما أصاب بالفعل الحركات الفكرية

(177)

الأخيرة في العالم الإسلامي. ربّما يفترض أحدهم أن تحذير «آل أحمد»  يفرض نفسه بشكل أكبر عندما يكون الدين هو ما يعبث به أحدهم. ولكن ربما تكون مثل هذه المخاوف في غير محلّها، على الأقل، في حالة الدين؛ لأنّنا نستند إلى ولي عظيم حيث يقول: بسم الله الرحمن الرحيم (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)[1].

(178)

 

 

 

دراسة اللّاواقعيّة الأخلاقيّة من زاوية التنوير الديني
 ونقدها (في ضوء اتجاه عبد الكريم سروش)[1]

 

مسلم محمدي[2]

الخلاصة

إنّ اللّاواقعيّة الأخلاقيّة تعني عدم الارتباط والتناغم بين العلم والقيَم، والتي تمتدّ بجذورها من ناحية في الأفكار الظاهريّة للأشاعرة، وتستند إلى المناشئ التجريبيّة من ناحية أخرى. وقد استمرّ هذا الاتّجاه متأثّرًا ومتأسّيًا بكلا المنشأين الآنفين، ولا سيّما الفيلسوف الإنجليزي ديفيد هيوم، من قبل بعض المستنيريين الدينيين في الداخل بأفق جديد ورؤية حديثة، وتسرية وتعميم ذلك المبنى العام القائم على عدم إمكانيّة استنتاج الوجوب من الموجود والأخلاق من التوصيف إلى آيات القرآن الكريم، بمعنى أنّها غيرُ قابلةٍ للتحصيل في الرؤية الدينيّة والإلهيّة والقيَم الأخلاقيّة والمعنويّة.

سوف يرد في هذا المقال أنّ الالتزام باللّاواقعيّة يترتّب عليه تبعاتٌ سيّئةٌ وغير مطلوبةٍ، ومن بين أبرز تلك التبعات: التعدّديّة وعدم الثبات، وفي نهاية المطاف

(179)

النسبيّة الأخلاقيّة، ويضاف إلى ذلك أنّنا نرى في الفصل بين العلم والأخلاق ادّعاء لا يستند إلى دليل، ونؤمن بأنّ هناك بين الوجود -بوصفه هدفًا- والكمال النهائي المتمثّل بالقرب الإلهي والثبات على الأوامر والنواهي الدينيّة تلازمًا وضرورة بالقياس إلى الغير.

وفي الختام سوف نتعرّض كذلك إلى الإشكالات النقضيّة المختلطة بالكثير من عدم التماهي؛ حيث الكلام من جهة عن اللّاواقعيّة، ومن جهة أخرى السعي إلى الخلاص من التناقض والتحرّر من تهمة النسبيّة الأخلاقيّة، الأمر الذي يعبّر بدوره عن عدم الثبات وتحكيم الأجزاء والعناصر الذاتية لهذا الاتّجاه المُؤسّس حديثًا.

طرح المسألة

إنّ اللّاواقعيّة[1] -على شكل إحدى أكثر الخصائص وأبرز ملاكات التفاوت وتمايز الآراء الأخلاقية المختلفة- كانت على الدوام معتركًا بين آراء فلاسفة الأخلاق ونظرياتهم. ومن هنا فإنّهم فيما يتعلق بتقسيم المدارس الأخلاقية يعملون على تقسيمها إلى قسمين، وهما: الواقعيّة، واللّاواقعيّة.

إنّ اللّاواقعيّة الأخلاقيّة كمصطلح، إنّما هي نظرية ظهرت وتمّ شرحها وبسطها للمرّة الأولى بالتزامن مع ولادة وظهور النّزعة التجريبية والثورة الصناعية في الغرب على يد أحد أشهر المنظرين في تلك المرحلة، ونعني به الفيلسوف والمفكر الإنجليزي ديفيد هيوم.

إنّ ديفيد هيوم -كما سيأتي في الأبحاث القادمة- يُبدي تعجّبه واستغرابه من استنتاج الواجبات والمحظورات من النظريات التوصيفيّة والوجود والعدم،

(180)

ويذهب إلى الاعتقاد بأنّ الخير والشر لا يمكن أن يكون لهما جذورٌ في الواقعيّة والذاتيّة.

إنّ اللّاواقعيّة القيَميّة والأخلاقيّة قد أعدّت لظهور الكثير من التداعيات والتبعات المريرة، ومن بينها ظهور المدارس غير واقعية، من قبيل: النزعة الحسيّة، والنزعة الاجتماعية، والتوصية والنزعة التعاقدية، وما إلى ذلك من المدارس الأخرى.

والأهم في البين هو أنّ الذي أدّى إلى احتدام النقاش في الآراء الأخلاقيّة بين المؤمنين بالأديان الإلهيّة والسماويّة، هي تبعاتٌ وتداعياتٌ جدليّة من اللّاواقعيّة. وهذا هو الشيء الذي لا تستطيع التعاليم الدينيّة أن تستوعبه أو تهضمه؛ حيث ترى للحُسن والقبح والخير والشر قيمةً ذاتيةً وحقيقيةً، وتقف بشدّة في وجه أن يكون محور هذا النوع من المفاهيم إرادة الأشخاص ورؤية التجمّعات البشرية. والنقطة الجديرة بالتأمّل في البين هي أنّ الاتّجاه التنويري ـالذي مهّد الأرضيّة لظهور الأنظار والآراء غير الواقعيّة إلى التعاليم الأخلاقية في العالم الغربي ـ قد جرّ الواقعيات الأخلاقيّة لسائر الأديان الأخرى، ولا سيّما منها الدين الإسلامي الذي يبتعد عن النسبيّة بشدّة، ويعتقد بالحقيقة المطلقة، إلى طاولة البحث والنقاش.

وكان الدكتور عبد الكريم سروش هو أكثر من أدلى بدلوه في هذا الشأن؛ حيث تقدّم على أقرانه في الكتابة والتصريح بآرائه ونظرياته في هذا المجال، وبحث في حقل مفاهيم فلسفة الأخلاق. فقد اهتم الدكتور سروش في أعماله المتعدّدة بالقضايا الأخلاقيّة والقيميّة وتحدّث عنها، وأصرّ فيها جميعًا على عدم إمكان ارتباط واستنتاج الضرورات والواجبات الأخلاقية من الكينونات الواقعية. وفي البحث الختامي من كتاب «دانش و ارزش»[1]، يهتم سروش صراحة بالتعاليم

(181)

والمفاهيم الإسلاميّة من خلال الاستناد والتمثيل بالآيات القرآنية، واستنتج من ذلك استحالة الوصول من خلال خطابات وقصص وتوضيحات القرآن إلى أي أمر أو نهي أخلاقي يمكن أن يشكّل حلًا لمشاكل الحياة البشريّة ومعضلاتها.

وسوف نعمل في هذا المقال أوّلًا على دراسة نظريات الدكتور عبد الكريم سروش، ثم ننتقل بعد ذلك إلى تجزئتها وتحليلها.

عدم استنتاج الوجوب من الكينونة (النزعة اللّاواقعيّة)

إنّ «العلم والأخلاق» وبعبارة أخرى: «الكينونة والوجوب» مقولتان منفصلتان عن بعضهما بالكامل، ولا ربط لأيّ منهما مع الآخر أبدًا. بمعنى أنّ الواجبات لا تنبثق عن الكينونات، وإنّ الواقعيات لا تتمخّض عن القيَم أبدًا، وإنّ العمل على التوحيد بين الطبيعة والفضيلة، واعتبار الأخلاق متواكبة مع العلم، وأخذ التكليف من التوصيف، عملٌ خاطئٌ وغير منطقي ومستحيل[1]. لا يُمكن إثبات حُسن أو قبح شيء بألف دليل ودليل تتشكل مقدماتها من الإدراكات الحقيقية للوجود والعدم... وإنّ الذين يسعون عبثًا إلى إقناع الأشخاص بالدليل والبرهان أن هذا العمل حسن أو قبيح، إنّما يسيرون على غير هدى ويحاولون فعل المستحيل، وإنّهم بذلك كمن يغترف الماء بغربال[2].

ثم انتقل بعد ذلك إلى بحث الطرق والأشكال؛ لإثبات تبلور القيَم من العلم، حيث لا يمكن لأيّ منها أن يشكّل ذريعةً لنظرية المخالفين، كي يثبت هذا الظهور والتبلور؛ لأنّ استنتاج الوجوب من الكينونة لا يكون إلّا بالأسلوب القياسي أو

(182)

بالأسلوب غير القياسي. أما الحالة القياسيّة فهي بأن نقول: «إن الثاليوم قاتل، وكل من يتناوله يموت»، لا يمكن من خلال هاتين المقدمتين أن نستنتج وجوب عدم تناول الثاليوم؛ لأنّ تراكم مئات المقدمات العلمية، لا يمكن أن يستنتج منه حتى نصف نتيجة. وعليه فإنّ هذا العُقم إنّما هو عُقم منطقي. وأما الحالة غير القياسية فهي بدورها أن تفترض -مثلًا- استنتاج قضيّة مركّبة من القضيّة القائلة: «إن الثاليوم قاتل»، وهي: إن الثاليوم قاتل، أو يجب تناول الثاليوم، إن هذه القضية إنما تكون صادقة، إذا كانت إحدى قضاياها البناءة صادقة، ومن هنا فإنّه كما لا يمكن لنا أن نستنتج من صدق هذه القضية، لزوم صحة القضية القائلة «يجب تناول الثاليوم»، لا يمكن أن نضمن صحة القضية القائلة: «يجب عدم تناول الثاليوم» أيضًا؛ بمعنى أنّ القضيّة العلميّة القائلة بأنّ الثاليوم قاتل، نحصل منها على نتيجتين متناقضتين، حيث هناك شكّ في صحّة كلّ واحد منهما. ثم يستنتج الدكتور سروش بعد ذلك أنّه في الأساس ليس هناك في القضايا الأخلاقيّة والتكليفيّة موضع للصدق والكذب، وأنّه لا يُمكن القول -على سبيل المثال- إنّ السرقة أمر قبيح. إنّ الصدق والكذب إنّما ينحصر في تلك القضايا العلمية التي يمكن الكلام عن مطابقتها وعدم مطابقتها مع الخارج، وهذا من بين الأدلّة الهامّة على عدم انبثاق الأخلاق من العلم، وهكذا فإنّ استنتاج وجوب الكفاح والنضال علينا؛ بسبب وجود النزاع والكفاح في عالم الطبيعة، مسألة اعتباطية بالكامل[1].

ومن بين المستندات الأخرى في هذا العُقم، وجود الوجوب في النتيجة وعدمها في المقدمات العلمية[2]، وحيث هناك تفاوت ماهوي بين الكينونة والوجوب، فسوف يكون تمخّضُ كلّ واحد منهما عن الآخر أمرًا غير معقول.

(183)

الأمر الآخر أنّه يمكن بيان النتيجة بعبارتين أجنبيتين عن بعضهما؛ إذ يمكن القول: «يجب عدم تناول الثاليوم»، كما يمكن استبدالها بعبارة مختلفة عنها والقول: «لا يجب تناول الثاليوم»[1]. بل يجب أن ينبثق مئة وجوب من كلّ كينونة. إذا كانت الأخلاق العلمية صائبة، يجب العمل بجميع تلك الواجبات المتناقضة، وهو أمر غير عملي، وإذا كان يجب الاختيار من بين تلك الوجوبات، فمن أين جاء هذا الوجوب الثاني، وعلى أيّ أساس يقوم هذا الاختيار؟ ومن هنا نقول إنّ الأخلاق العلميّة لا هي موجودة، ولا هي في حالة الكينونة تكون كافية أو وافية بالهداية والتوجيه[2]، ويجب الالتزام بعدم الواقعية.

والدليل الآخر على عدم اعتبار القيَم، هو عدم قابليتها للبرهنة والاستدلال، حيث إنّه عند وقوع الاختلاف بينها، فإنّ الذي يصطفّ في مواجهتها في الحقيقة والواقع هي الثقافات والتربية التي ينشأ عليها البشر[3]؛ وليس هو حسنها وقبحها الذاتي. وبعد إثبات أنّ التوصيف لا يمكن أن يهدي إلى ما يجب علينا فعله، وأنّ هذا الباب موصد دوننا أبدًا، إذ بحسب تعبيره: إنّ هذا الاقتباس يعني أنّ الأخلاق تمثّل تقويضًا علميًا؛ وذلك لأنّ الرؤية الواقعيّة ليست بأن نرى ما هو طريق الفطرة والطبيعة أو التاريخ؛ لكي يقع علينا اختياره؛ ولكن يمكن له مثل العلم أن يدلّنا إلى الصنيع الذي لا يُمكننا فعله، إنّ الواقعيّة الأخلاقية هي أن نعلم ما هو الفعل الذي يتعارض مع الفطرة والطبيعة ويكون مستحيلًا، بمعنى أنّه لا يُمكن أن نستلهم دروس الأخلاق من التوافق مع الطبيعة، ولكن يمكن الحصول على فوائد أخلاقية من التصادم مع الطبيعة[4].

(184)

عدم اقتباس الكينونة من الوجوب

وبطبيعة الحال فإنّه يعتقد بهذا التنافر بشكل متقابل أيضًا؛ بمعنى أنّه كما أنّ الأخلاق لا تنبثق من العلم، كذلك فإنّ العلم ليس له طريق إلى القيَم الأخلاقيّة، وعلى حدّ تعبيره: لا يمكن من خلال تراكم مئات القضايا الأخلاقيّة المشتملة على الوجوب وعدم الوجوب والحسن والقبيح، أن نستنتج قضيّة علميّة مجرّدة من الوجوب وعدم الوجوب، وتشتمل على التوصيف البحت[1].

العلاقة بين الكينونة والوجوب في القرآن

لقد عمد مؤلف كتاب «العلم والأخلاق» إلى تخصيص القسم الأخير منه بطرح مسائله تحت عنوان «الأخلاق العلمية للقرآن» في ضوء نظريات الإسلام والاستناد إلى آيات القرآن الكريم، وفيما يتعلق بالقيَم الإسلامية يختار اللاواقعية، ويستنكر بشدّة أن نحصل على الواجبات والقيَم الأخلاقية من حسنها وقبحها الذاتي، ويعتبر ذلك مذمومًا، ويقول صراحة إنّه لم يرد في أيّ موضع من القرآن أن سيروا في طريق الخلق أو الطبيعة أو التاريخ أو السنن الإلهية، ثم أضاف قائلًا: إنّ الله سبحانه وتعالى لا يستنتج من تسبيح الكائنات أن على البشر أيضًا أن تواكب عالم الخلق في التسبيح؛ وإن كنّا لا نقول إنّ الله سبحانه وتعالى لا يدعو النّاس إلى التسبيح، وأنّ البعض كان يُريد أن يستفيد هذا من آية الفطرة[2]، والقول بأنّ الفطرة تطلب شيئًا (خبرًا)، ويجب علينا أن نطلب ذلك الشيء الذي تطلبه الفطرة (الأمر)، وهذا من الأخطاء الخالدة في الأخلاق العلميّة. إنّ الفطرة بوصفها واقعيّةً يمكنها أن تأمر بشيء. ثم يقول في الختام: لا نقول إنّ فطرة الإنسان لا تنشد الله، وإنّما نقول: لا

(185)

يمكن لنا القول: حيث إنّ الله منشود، إذن يجب أن ننشد الله ونسعى في طلبه[1].

كما أنّه قد استعان في دعم نظرياته ببعض آيات القرآن، وذهب إلى الاعتقاد بأنّ بيان بعض الحقائق الإرشاديّة المبشرة أو المنذرة، يفهم منها أنّ أتباع بعض السنن ليست موضع تأكيد القرآن الكريم، إلّا أنّ الالتزام بتلك الحقائق بما هي قيمة أخلاقية، منوط بإثباتها من طرق أخرى. ومن هنا فإنّ القرآن الكريم يُعتبر -من وجهة نظر الدكتور سروش- كتابًا مشتملًا على رؤيةٍ عميقةٍ، ويعمل على بيان طريق الهداية والضلالة، حيث يجب على البشر من خلال التعمّق في آياته أن يتبيّن طرق الخير والشرّ في الحياة، وأن يدرس من خلال هذا الطريق أحوال الأمم السابقة من حيث السعادة والشقاء الدنيوي والأخروي، بيد أنّ هذا الكتاب السماوي غير قابل للاستناد والتوظيف فيما يتعلق بالمهالك والمتاهات والواجبات وعدم الواجبات الأخلاقية.

عدم ثبات الأخلاقيات

إنّ من بين الاتّجاهات الأخرى التي يذهب إليها الدكتور سروش، اعتقاده بعدم ثبات وذاتيّة حُسن وقبح القيَم الأخلاقيّة، والتوجّه إلى المجتمع المحوري؛ لأنّ وجود الاستثناءات ـ من قبيل: الصدق الذي ينطوي على مفسدة، والكذب الذي ينطوي على مصلحة ـ يؤدّي إلى القول بأنّ القواعد الأخلاقيّة إنّما هي قواعد في هذا العالم والمجتمع الراهن بالخصوص، وليست ممكنة في جميع العالم والمجتمعات، وإذا حصل انقلاب في العالم والمجتمع، فلربّما تصبح القواعد استثناءات، والاستثناءات قواعد[2]؛ لأنّ هذه الشرائط ذاتها التي تمنح الأغلبية والأكثرية لبعض الأمور، من قبيل: الصدق والوفاء

(186)

بالعهد، يمكن من خلال انقلابها [بمعنى ظهور عالم ومجتمع آخر] أن تعمل على تغييرها أيضًا، وأن تخرجها من دائرة الأغلبيّة والأكثريّة؛ وعليه فإنّ إمكانيّة الاستثناء دليلٌ على تدخل عناصر أخرى تجعل الأخلاق تابعة لها، ومن هنا يمكن في بعض المجتمعات أن تكون هناك أخلاق تنحاز بسببها الأكثريّة لتقبيح الوفاء بالعهد وتحسين الكذب؛ لأنّ علم الأخلاق لا يقول: إن الكذب قبيح أبدًا، وأنّ الوفاء بالعهد حسن أبدًا؛ وإنّما يقول: إنّ الكذب قبيح في الغالب، وإنّ الوفاء بالعهد حسن في الغالب.

وعليه فإنّ المؤلّف قد توصل هنا إلى نتيجة مُفادها أنّ من الأفضل أن نعمل -بدلًا من السعي إلى إثبات الأخلاقيات الثابتة وغير المتغيّرة، والقول بوجود قيَم واحدة بالنسبة إلى جميع المجتمعات- إلى القول بأنّ المجتمع الأخلاقي ليس هو الذي تكون أخلاقه مثل أخلاقنا، وإنّما هو الذي يمتلك الأخلاق الخاصة به والتي تناسبه[1]؛ لأنّ علم الأخلاق لا يمتلك القدرة على تقديم تعريف وضابطة واضحة ودقيقة لبيان الفضائل والرذائل الأخلاقية، بحيث يعلمنا متى يكون الكذب حسنًا أو قبيحًا، ومتى تكون صلة الرحم حسنة أو قبيحة، وأين هي الحدود والمصاديق في هذه المفاهيم؟ وعليه فإنّ القيَم الأخلاقيّة إما ألّا يكون تعريفها واضحًا، وإما ألّا يكون حسنها وقبحها مطلقًا؛ وكأنّنا هنا أمام أصل عدم التعيّن، وهذه هي مسألة المسائل، وحتى إذا اعتبرنا الحسن والقبح ذاتيين ـ كما يقول المعتزلة ـ واستخراج الواجبات من الكينونات، وأن نرفع جميع الموانع في هذا الطريق، فإنّنا لن نقلّل مقدار خردلة من عدم التعيّنات هذه، وما هو حكم الإنسان الضائع في التعقيدات الأخلاقية والمعضلات بالنسبة إلى الأعمال الحسنة والقبيحة؟[2]

(187)

ما هو منشأ الحسن والقبح؟

يرى مؤلف كتاب «دانش و ارزش» أنه قطع شوطًا طويلًا من الطريق الذي أسّس له إيمانوئيل كانط، واستند في ذلك إلى محوريّة العقل؛ إذ يراه هو الذي يضفي المشروعية على الحَسَن والقبيح، فإنّ الحُسن والقبح من أحكام العقل البشري؛ إذ هما من صنعنا نحن البشر. إذًا، يجب التصرّف فيهما، وعدم القول: إنّ ما نراه من الحُسن والقبح، موجود بعينه في العالم الخارجي، ولا يمكن أن ننسب ما يرتبط بالعلاقات الإنسانية إلى العلاقات الخارجية[1].

إنّ منشأ هذا الكلام يعود إلى اعتقاده بأنّ ما يراه فلاسفة الشّرق والإسلام من اعتبار الذهن مرآة تعكس الحقائق، ليس سوى ظاهرة خطابيّة، ومن هنا فإنّ السعي إلى معرفة العينيّة الخارجية ليس سوى مفهوم غير ناضج ولا يقوم على أساس؛ لأنّ الذهن ليس منفعلًا بالمطلق أبدًا[2]. ولم يكن إيمانوئيل كانط يقول غير ذلك؛ إذ كان يرى بدوره أنّ العقل النّظري عاجزٌ عن إدراك الحقائق الذاتيّة والميتافيزيقيّة، وأنّ الحُسن والقبح الذاتيين للمفاهيم الأخلاقيّة لا يمكن اكتشافه بواسطة العقل النظري، والأهم من ذلك أنّ كانط كان يرى أنّ العقل العملي وحده هو الحاكم المطلق على الحياة الأخلاقية للبشر، كي يستولي بذلك على مملكة الغايات، ويعمل على بناء وتنظيم مدينته الفاضلة. وقال الدكتور سروش في كتابه «دانش و ارزش»:

«هناك في الحدّ الأدنى قيمة أخلاقيّة مطلقة واحدة فقط، يمكن اعتبارها بوصفها معيارًا للحُسن والقبح، وهي أنّ الشخص إذا حسّن شيئًا

(188)

ولم يعمل به كان مستحقًا للملامة، وإن هو قبّح شيئًا ولم يجتنبه كان مستحقًا للتقريع والمؤاخذة أيضًا. وفي الحقيقة فإنّنا جميعًا نؤمن بهذا الأصل في أعماق وجودنا، واليوم يتم الحكم على السابقين استنادًا إلى هذا الأصل؛ من قبيل الاستعباد الذي نراه نحن مذمومًا، ولكن لا يمكن سحب هذه القيمة الراهنة إلى عمق التاريخ، والحكم على جميع أصحاب العبيد والرقيق بأنّهم أشرار وخبثاء، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الذين كانوا يذمّون الطلاق؛ إذ نلومهم إذا هم طلّقوا أزواجهم»[1].

ومن بين المشتركات الأخرى بين الدكتور سروش وإيمانوئيل كانط، اهتمامه بالنوايا؛ إذ إنّ كانط كان يهتم بالنوايا الخيّرة والحُسن الفاعلي كثيرًا، ويعتبره أساسًا للتمييز بين الحُسن والقبح الأخلاقي. وهكذا الدكتور سروش فإنّه يرى أنّ وضع فاعل الفعل الأخلاقي يُعدّ شرطًا في إصدار الأحكام الأخلاقيّة بحقّه؛ من ذلك مثلًا أنّ هناك دخلًا لنيّة وعلم الفاعل في التقييم الأخلاقي[2]، وبطبيعة الحال يُمكن عدّ ذلك من النقاط الإيجابيّة لنظريّته؛ شريطة اعتبار الحُسن الفعلي بوصفه جزءًا متمّمًا للعمل الأخلاقي.

(189)

محوريّة الله أو الواجب الأوّل

عندما لا يتمخّض العلم من جهة عن الأخلاق، ونكون من جهةٍ أخرى مرتبطين أبدًا مع المفاهيم والتعاليم الأخلاقيّة، إذًا نكون بحاجة إلى آمر ومبدأ مشرّع، كي تكتسب الوجوبات وعدم الوجوبات الأخلاقيّة في حياتنا قيمة واعتبارًا حقيقيًا. كان يتعيّن على الدكتور سروش -في هذا السياق- أن يعتبر المبدأ بوصفه اتجاهًا مبنائيًّا، ولكنّه قال في بيان تحليل ضرورة هذه النظرية: إنّ الناس -شاؤوا أم أبوا- قد خضعوا في الحياة إلى حكم الحاجة واتباع البيئة وضغط القوى الداخليّة واستجابوا لأمر بعض الواجبات. ثم يستطرد قائلًا: وعليه يجب الآن أن نختار واجبًا، وإنّما نختاره ليكون مختارًا بالذات، والحال أنّه لا بدّ بحكم الاضطرار من الخضوع لطلب طالب، وأن نبحث عن طالب لا يُمكن لنا أن نسأله: لماذا تطالب؟ فهو طالب كينونته عين الطلب، وطلبه عين كينونته[1]. إنّ الآمر الذي إذا لم يأمر، لم يكن هناك أمر جدير بالاتّباع، وإذا لم يكن هو الآمر، أمكن الجدال والأخذ والردّ مع أيّ آمر آخر[2]. فلو لم يكن هو الآمر، لما كان أمر الفطرة والطبيعة والتاريخ والوجدان مطاعًا أبدًا[3]؛ وذلك لأنّ الأخلاقيّة تستلزم وجود وجوب أوّلي وجوهري، لا يؤخذ من الواقعيّة، ولا يمكن تفسيره على أساس الواقعيّة[4].

والآن بعد توجيه وتعليل الالتزام بهذا الواجب الأولي والمركزي الذي يجب الخضوع والانصياع لأوامره الأخلاقيّة، يجب السؤال والقول: ما هو هذا الواجب الذاتي والأخير؟ يذهب الدكتور سروش إلى الاعتقاد بأنّ هذا الآمر المطلق هو

(190)

الله الذي بيده جميع الكائنات والواجبات، والذي بيده الإيجاد والإرشاد والأمر والخلق كله[1].

إنّ الأعمال التي تعدّ قبيحة، ما لم يرد نهي عنها من قبل الله سبحانه وتعالى، لا يكون هناك دليل على وجوب اجتنابها، وإنّ أمر الله هو الذي يوجب الاجتناب عنها، ومجرّد أن يكون هذا العمل مبغوضًا لا ينتج عنه وجوب الاجتناب قهرًا[2].

وبالتالي فإنّ لمركزيّة ومحوريّة الله معنيين، فهو محور جميع الكائنات، كما هو محور جميع الواجبات؛ بمعنى أنّ جميع الواجبات تحصل على وجودها منه، وأن جميع القيَم تصدر عنه، وأنّ جميع ما يجب ولا يجب يأتمر بأمره مباشرة، وأنّ الكينونات والأعدام إنّما يُكتب لها التحقّق من خلال إيجاده وتكوينه المباشر، وعليه يكون الله موجدًا للأخلاق وموجدًا للوجود أيضًا[3].

وبعد ملاحظة الاستقصاء أعلاه، يمكن تبويب مجموع توجهات الدكتور سروش في حقل المفاهيم والتعاليم الأخلاقية على النحو الآتي:

1. لا يوجد هناك ترابط وتعايش بين العلم والأخلاق؛ وبعبارة أوضح: إنّ الأخلاق والقيَم لا تنبثق أبدًا عن العلم والتوصيف. وعليه فإنّ الواجبات وعدم الواجبات لا تنشأ من الكينونات والأعدام. وفي الحقيقة فإنّه يُعرّف عن نفسه بوصفه معتقدًا وملتزمًا باللّاواقعيّة الأخلاقيّة.

2. وفي المقابل يذهب الدكتور سروش إلى الاعتقاد بأنّه لا يُمكن الوصول من

(191)

الواجبات وعدم الواجبات القيميّة والأخلاقيّة إلى الكينونات والأعدام التوصيفيّة أبدًا، وإنّه من اللّا منطقيّة أن نتوقّع القضايا العلميّة من القضايا الأخلاقيّة.

3. وفي المرحلة اللاحقة يبدي الدكتور سورش اهتمامًا خاصًا بالمفاهيم والتعاليم الإسلاميّة والآيات القرآنية؛ فلم يرد في أيّ موضع من القرآن أمر بسلوك طريق الخلق والطبيعة أو التاريخ، ومن هنا لا يمكن لنا أن نستنبط القيَم الأخلاقية أو نستنتجها من الآيات والروايات الدينية أبدًا.

4. إنّ المسألة الأخرى في عدم ثبات القضايا الأخلاقيّة تأتي من زاوية حسنها وقبحها الأخلاقي؛ إذ بالالتفات إلى الاستثناءات التي تُرى في كل واحدة من القيَم الأخلاقية، نتوصّل إلى أنّ القيَم هي القيَم في العالم والمجتمع المعاصر فقط، ولربما كانت القيَم في الأمم والمجتمعات الأخرى من وجهة نظرنا منافية للقيَم، وقد يكون ما هو حسن عندهم، قبيح وغير أخلاقي عندنا، وفي الحقيقة يمكن تسمية هذه المسألة تدحرجًا باتّجاه النّزعة الاجتماعية.

5. إنّ السلوك في المسار العقلاني يعدّ قيمةً أخلاقيّةً مطلقةً؛ إذ يتمّ في الواقع إحلال العقل من جهة محلّ الحسن والقبح الذاتي، ويتم توظيفه بوصفه معيارًا للحسن والقبح، ومن ناحيةٍ أخرى فإنّ الالتزام بالمعرفة والواقعيّة مفهوم فجّ ولا يقوم على أساس، وقد كان كانط ينظر إلى كلا هذين القسمين، وكان يُسمّي القسم الأوّل بـ «العقل العملي» والمصمّم على الإطلاق، ويُسمّي القسم الثاني بـ «العقل النظري» والعاجز عن معرفة الحقائق.

6. وفي الختام حيث إنّنا من جهة نحتاج إلى الواجبات والقيَم الأخلاقية، ومن ناحيةٍ أخرى؛ حيث لا تكون لهذه الأصول الأخلاقيّة جذورٌ في أيّ واقعيّة وعلم،

(192)

فإنّنا نضطر إلى الالتزام بوجود آمر أوّلي وذاتي، كي يمنح المشروعيّة على أوامرنا ونواهينا الأخلاقية، وليس هذا الآمر سوى الله سبحانه وتعالى والالتزام بأوامره وتشريعاته، وفي هذه الحالة يصبح هناك معنى للقيمة أو عدم القيمة فيما يتعلق بالعمل الأخلاقي، وهو ما يتم التعبير عنه بمحوريّة الله أو الواجب الأوّل.

مناقشة ونقد

إنّ اهتمام الدكتور سروش في أعماله بأبحاث العلم الناشئ «فلسفة الأخلاق»؛ ممّا خلق أرضيّة للتضارب بين الآراء والأفكار في هذا الشأن، لهو أمر يستحق الثناء والتقدير؛ بيد أنّ الذي يفضي إلى الأزمة والنقاش في نظرياته إنّما هو اللّاواقعيّة والتبعات والتداعيات السلبية والسيئة التي تترتّب على هذه النظريّة.

ديفيد هيوم وعلاقة الكينونة والوجوب

كما سبق أن ذكرنا فإنّ ديفيد هيوم هو أوّل من طرح اللّاواقعيّة بوصفها فكرةً أصليةً وجوهريّةً في نفي الحقائق الأخلاقية، وكان يرى ذلك دليلًا على عدم جدوائيّة فكرة الخير والشر[1].

إنّ الكلمة المعروفة لديفيد هيوم في كتابه «رسالة في طبيعة الإنسان» حول العلاقة بين الكينونة والوجوب، هي تلك التي يقول فيها:

(193)

«بعد مراجعة جميع الأنظمة الأخلاقية التي رأيتها حتى الآن، أدركت أنّ المؤلف إنّما يتبع الأساليب المتداولة في الأدلة [الحديث عن الكينونة والعدم]، حتى نجد أنفسنا فجأة وبغرابة تامة أننا -بدلًا من إضافة القضايا التي تتألف من الكينونة (is) والعدم (is not)- أمام قضايا مؤلفة من الوجوب (ought) وعدم الوجوب (ought not)... يجب تقديم دليل على هذه المسألة غير المقبولة بتاتًا؛ ليثبت كيف يمكن لهذه العلقة الجديدة أن تستنتج من أمور مغايرة لها بالكامل ... وأنا أرى أن هذا الإنذار الصغير يحطم جميع الأنظمة الأخلاقية العامية، ويسمح لنا بأن نفهم أن التمايز بين الخير والشر، لا يمكن العثور عليه في العلاقات العينية بين الأشياء، ولا يمكن إثباتها بالدليل»[1].

وهذا في حدّ ذاته يُشكّل نقدًا واضحًا على المستنيرين من المسلمين؛ إذ كيف يأخذون توجهاتهم الفكريّة / الفلسفيّة، ويقتبسون آراءهم من أمثال هؤلاء المنظرين المعروفين في إنكار الإيمان بالله، وينكرون حتى الروابط البديهيّة بين العلّة والمعلول؟[2]

(194)

تداعيات اللّاواقعيّة

يُمكن لنا فهرسة بعض تداعيات اللّاواقعيّة المثيرة للجدل، على النحو الآتي:

1. الحاجة إلى المنشئ: إنّ القائلين بالنّظريات غير التوصيفيّة، صاروا بصدد البحث عن منشئ للعبارات الأخلاقيّة، وقد أدّى ذلك إلى ظهور عدد من النظريات الأخلاقيّة غير التوصيفيّة، حيث ذهب البعض إلى اختيار نظرية الأمر الإلهي، والبعض إلى النّزعة الاجتماعية أو الأمرية أو النزعة التوصوية والحسية؛ لإضفاء المشروعيّة على الإنشائيات. وأمّا إذا كانت الأحكام الأخلاقيّة من نوع القضايا الخبرية والمعبّرة عن الواقعيات الخارجية، فلن يتم طرح هذا البحث من الأساس[1]، لا سيّما وأنّ إيجاد النظريات المتنوّعة وظهورها في إضفاء القيمة على الأوامر والنواهي، يستدعي بدوره عدم ثبات القضايا الأخلاقية والقيَميّة؛ يضاف إلى ذلك أنّ عدم التوصيفيّة، لا تضمن عدم ظهور المذاهب الجديدة في المستقبل، بل وإنّها سوف تمهّد لظهور الاتّجاهات الجديدة في توجيه المفاهيم الأخلاقية.

2. عدم معيارية الأحكام الأخلاقية: إنّ البيان العقلاني للأحكام الأخلاقية إنّما تكون ممكنة إذا كانت هناك علاقة منطقية بين القيَم والحقائق العينية والخارجية، وأمكن إعادة القيم -بشكل من الأشكال- إلى الكينونات؛ لأنّ العقل إنّما يدرك الواقعيات فقط وليس الإنشائيات، لا سيّما وأنّ مسألة معقوليّة الأحكام الأخلاقيّة من أهم الأبحاث المعرفيّة والأبستمولوجيّة للقضايا الأخلاقيّة[2].

ومن هنا فإنّه يُقال إنّ الإدراكات الاعتباريّة إنّما هي مجرّد فرضيات يجترحها الذهن من أجل رفع الاحتياجات الضروريّة الماسّة، ولها صبغة وضعيّة واعتباريّة،

(195)

وليس لها شأن بالواقع؛ ومن هنا لا تجري في موردها البراهين العلميّة والفلسفية. وكذلك فإنّ الإدراكات الاعتبارية -بعكس الإدراكات الحقيقية المطلقة والدائمة والضرورية- نسبية واعتبارية ومؤقتة وغير ضرورية[1].

3. عدم إمكان التمييز بين الآراء والتسامح الأخلاقي: حيث لا يوجد هناك شيء مستقل عن آرائنا الأخلاقيّة يعمل على تحديد صوابيتها أو عدم صوابيتها، لا يمكن النقاش في أيّ رأي أخلاقي، ناهيك عن أن تكون هناك إمكانيّة لردّه، وكذلك في هذا الافتراض؛ حيث لا معنى لثبات موقف أخلاقي تجاه الآخر، لا يبقى هناك موضع للسؤال عن النظام الأخلاقي الصحيح لكي نعمل على اختياره[2]، وهذا بدوره سوف يُؤدّي إلى التسامح والتساهل الأخلاقي. وفي هذه الحالة لن يكون بمقدور أي شخص أن يحول دون اختيار الآخر، ويجب أن يكون كلّ شخص حرًا في القيام بما يراه[3]. ومن هنا نرى باب التنظير الحرّ وغير المختص، وبعبارة أخرى: التفسير بالرأي في حقل المفاهيم الدينية مفتوحًا، وتتمّ تخطئة جميع أنواع الجزم والأحكام المطلقة.

4. تفريغ الأخلاقية من المحتوى: حيث إنّ الأخلاق لا تخبر عن أيّ واقعية، فإنّ الأخلاق سوف يتمّ تفريغها من مضمونها[4]، ولا شكّ في أنّ المتحدّثين والمنظّرين أنفسهم يسعون إلى تجنّب هذه التداعيات.

5. الحاجة إلى وجود قوتين إدراكيتين: إذا كانت الأحكام الأخلاقيّة من سنخ الإنشائيات، فبعد ملاحظة أنّ الإخبار والإنشاء سنخان مختلفان تمامًا، فإنّ لازم هذا

(196)

الكلام هو أنّ النّفس تمتلك قوتين إدراكيتين مختلفتين، تتولّى إحداهما مهمّة إدراك المفاهيم المرتبطة بالكينونات، وتهتمّ الأخرى بإدراك المفاهيم المرتبطة بالواجبات والإلزامات؛ والحال أنّ القضايا الأخلاقيّة إذا كانت من سنخ القضايا الخبرية، لا يصل الدور إلى هذا الأمر؛ يضاف إلى ذلك أنّه ليس لدينا في الأساس نوعين من القوى الإدراكية، بل إنّ اختلاف العقل النظري والعملي يعود إلى نوع مدركاتهما[1].

6. شخصنة الأخلاق: إنّ الأخلاق عبارة عن مساحة من القرارات الشخصيّة؛ إذ يحقّ لكلّ شخص أن يتّخذ قراره بشأن ما يقوم به، وليس هناك متخصّص يكون كلامه واجب الاتّباع وحاسمًا في تحديد الحسن والقبيح[2]، ومن هنا يكون نقد أفعال الآخرين فاقدًا للمعنى من الناحية الأخلاقية؛ إذ لا يوجد ملاك لصحّتها وسقمها. وكذلك من أجل الحصول على الأحكام الأخلاقيّة لن يكون ذلك ممكنًا أيضًا؛ لأنّ ما يُقال هو الإنشائيات غير المرتبطة مع عالم الوجود[3]، وعليه فإنّ الحُسن والقبح الذاتيين للتعاليم الأخلاقيّة، بدوره كلام فاقد للاعتبار.

وعليه حيث تنقطع العلاقة المنطقيّة بين العلم والأخلاق، لا تكون هناك قدرة على القضاء وإصدار الأحكام العلميّة في معرفة صحّة أو سقم اتّجاه ما على الآخر، وتعمل كلّ جماعة من البشر في طلب الاتّجاه الخاص بها إلى الترويج لنظامها الأخلاقي الخاص، دون أن يكون لديها دليل على أحقيّة منهجها أو بطلانه منهج الآخر، وهذا المعنى من باب السالبة بانتفاء الموضوع؛ بمعنى أنّه غير قابل أصلًا للإثبات المنطقي أو الإبطال العقلي[4].

(197)

7. إنكار وجود الحقيقة والصدق الأخلاقي: حيث إنّ مفهوم الصدق والإيمان والواقعيّة [في النزعة الواقعية الأخلاقية] وثيقة الارتباط فيما بينها [فيما إذا كان الإيمان الصادق يؤدّي إلى الواقعية]، فإنّ إنكار الصدق الأخلاقي سوف يؤدّي إلى غير الواقعيّة؛ إذ بناء على اللّاواقعيّة لا يكون هناك في العالم شيء حتى تؤدّي المطابقة أو عدم المطابقة معه إلى صدق أو كذب العقائد الأخلاقية[1].

8. عبثيّة أعمال الأنبياء عليهم‌السلام: إنّ من بين اللوازم الأخرى المترتّبة على النّزعة اللّاواقعيّة، تجاهل تعاليم وأوامر المصلحين، ولا سيّما منهم الأنبياء عليهم‌السلام؛ لأنّ عدم الارتباط بين الأوامر والنواهي الإلهية مع حقائقها، سوف يُؤدّي إلى اعتباطيّة وعبثيّة هذا النّوع من التعاليم والأوامر الأخلاقيّة، وهذا ما لا يمكن لأيّ مؤمن بالأديان الإلهيّة أن يلتزم به، لا سيّما وأنّ الأنبياء عليهم‌السلام قد بُعثوا لاستثارة دفائن العقول وإكمال الملكات والمكارم الأخلاقي[2].

9. عدم ثبات التعاليم الأخلاقيّة: إنّ عدم تمسّك المؤمنين والمعتقدين بالأديان السماوية، وعدم تشبّثهم بالقضايا والتعاليم الأخلاقيّة والالتزام بغير الواقعيّة، سوف يضعف جميع أنواع التعلقات الجازمة، وفي الحقيقة فإنّها ستؤدّي إلى نسبيّة القضايا الأخلاقيّة.

10. التعدّديّة الأخلاقيّة: مساوقة لإظهار التعاليم والمفاهيم المختلفة والمتعارضة أحيانًا مع الأخلاق في العمل والتمسّك بها؛ لأنّ لازم هذه الرؤية هو عدم المبنائيّة وعدم ترجيح أيّ واحد من القيَم والمذاهب الأخلاقية على الأخرى. وفي هذه الحالة سوف تكون المصالح الفرديّة والجماعيّة والمقتضيات الزمانيّة والمكانيّة حاسمة،

(198)

وبالتالي فإنّها سوف تؤدّي إلى التعدّديّة الأخلاقيّة، والتي هي في الواقع أحد أبرز حالات النسبية الأخلاقية.

11.  تحوّل القيم الأخلاقيّة إلى أرضيّة: إنّ اعتبار الحقائق الأخلاقيّة غير واقعيّة، سوف يؤدّي إلى اعتبار هذا النّوع من العقائد ناسوتيّة وأرضيّة. وبعبارة أخرى: إنّ كلمة هذا النّوع من الآراء سوف تُعدّ الأرضية لتنزل المفاهيم الأخلاقيّة إلى حدود القرارات والاعتبارات الوضعيّة والتعاطيات العُرفيّة والاجتماعيّة.

تعريف الواجب وعدم الواجب

إنّ هذا النّوع من المفاهيم (الواجب وعدم الواجب) هي مثل المفاهيم التي تقع في ناحية موضوع العبارات الأخلاقية (مثل: الظلم والعدل)، من قبيل المفاهيم والمعقولات الفلسفيّة الثانويّة، التي وإن لم يكن لها ما بإزاء خارجي، ولكن منشأ انتزاعها موجود في الخارج، وإنّ هذه المفاهيم الإنشائيّة تحكي عن تلك الواقعيات الخارجية، وإنّما تكون هذه المفاهيم معقولة إذا كانت معتبرة على أساس علاقة واقعية وضرورية بين الفعل ونتيجته[1]، بل وفوق ذلك لا يمكن في المنطق الإسلامي ترجمة القضايا الأخلاقية ـ التي هي مصطلح جديد ـ إلى الإنشائيات؛ لأنّ الإنشائيات لا تقبل الصدق والكذب، وحتى الشيخ الآخوند الخراساني قد ذهب في كتاب كفاية الأصول في مورد القضايا الإنشائيّة إلى الاعتقاد بأنّ الأمر والنهي يمكن إظهارهما على صيغة الإخبار، كأن يقول الشارع في مقام الأمر: «إن المسلم لا يكذب»، وهذه جملة خبرية، ولكن لو كان هذا الإخبار صادرًا من طرف المقنّن والمشرّع وفي مقام التشريع، تكون بمعنى أنّ المسلم يجب عليه ألّا يكذب حتمًا. بل إنّ هذا النّوع من الإخبار يدلّ في بعض الأحيان على ضرورة الوجود أكثر من

(199)

الصيغة الإنشائية للأمر والنهي، إن ترجمة وتفسير القضايا الأخلاقية إلى العبارات الإنشائية، بعيد عن الدراية والتحقيق[1].

إنّ جهات مطابقة الأمر والنهي مع الواقع في الأنظمة الأخلاقيّة المختلفة متعدّدة. إنّ القضايا الأخلاقيّة في النظام القيَمي للإسلام، وهو السلوك الذي تكون أخلاقيّته منشودة ومطلوبة بلحاظ مقدّميتها في سياق الوصول إلى الأهداف والغايات، وإنّ الدافع إلى تلك السلوكيات يجب أن يكون في إطار الوصول إلى الكمال الحقيقي للإنسان، وهو المتمثل بالقرب من الله سبحانه وتعالى[2]. ومن هنا فإنّ أنواع الحُسن والقبح تبين علاقة الشيء مع كماله الذاتي[3]؛ ببيان أنّ الحسنات توفّر الأرضيّة للوصول إلى ذلك الكمال النهائي من خلال العبور من الكمالات الوسيطة، وإن السيئات تعمل على إعاقة وتأخير الإنسان عن الوصول إلى ذلك الهدف المنشود. فإذا كان الأمر كذلك ـ وهو كذلك ـ فإنّ الأمر والنهي لن يكون مجرد تشريع ناشئ عن العواطف ولا يقوم على أساس، بل له جذور في الواقعيّة، ومن هنا إذا كان أفلاطون يقول: من أجل إيجاد المدينة الفاضلة يجب على المواطنين فيها أن يحبّ بعضهم بعضًا، فهو أمر حقيقي ويتّجه إلى السعادة المعرّفة عند أفلاطون، أو إذا قيل: إنّ الماء لا يغلي إلّا بعد بلوغ حرارته المئة درجة، فإنّ ذلك يتناسب مع واقعيّته الخاصة. وفي الحقيقة فإنّ الوجه المشترك لهذين الأمرين وسائر الأوامر والنواهي الأخرى، استعمالها من أجل الوصول إلى حقيقة معيّنة، إلّا أنّ الذي تمّت الإشارة إليه في كتاب (دانش وارزش) من أنّ «الواجب» مشترك لفظي، حيث يستعمل تارة في المعنى الاعتباري، وتارة في المعنى الحقيقي،

(200)

وإنما يكون حقيقيًا عندما يحكي عن أمر خارجي وواقعي، من قبيل قولنا: من أجل الحصول على الماء يجب حفر الأرض، حيث يعود هذا في واقع الأمر إلى قانون حقيقي يقول: إنّ حفر الأرض يُؤدّي إلى الحصول على الماء. وأمّا في جملة: يجب العدل، لا يعود الوجوب هنا إلى أيّ أمر، وكلّما ذهبنا إلى الوراء سوف نواجه وجوبًا آخر، ولا معنى للصدق والكذب فيه[1]؛ لأنّ المفهوم القيَمي للحُسن والقبح، لا يساوق الواقعيات الخارجيّة، وإلّا سوف يُؤدّي الأمر إلى تناقضات وطرق مغلقة[2]، ولن تكون قابلة للقبول والالتزام.

والسؤال الأساس هو من أين جاء هذا الوجه في التمايز، بحيث يكون هناك واجب حقيقي وواجب مجازي؟ فهل يُعدّ مجرّد المعقول الأولي والثانوي كافيًا في التفكيك والفصل بينهما من الزاوية الحقيقية والاعتبارية؟ إذا كان المعقول الأولي شرطًا لازمًا وكافيًا، فحيث إنّ جميع ادعاءاته كانت تدور حول الحسن والقبح والواجب وغير الواجب الأخلاقي من نوع المعقولات الفلسفية الثانوية، فلن يكون هذا معتبرًا، وسوف يؤدّي في الواقع إلى نوع من التناقض، بالإضافة إلى أنّ هذه اللّا واقعية لا تنسجم مع نظريته الأخرى ونعني بها الاعتقاد بواجب مطلوب وأزلي باسم الله تعود له جميع الواجبات.

الوجوب والضرورة بالقياس إلى الغير

بالالتفات إلى ما تقدّم بيانه من زاوية الارتباط والتلازم بين الوجوب والضرورة، وأنّ الواجبات ضاربةٌ بجذورها في الكينونات والتوصيفات، يمكن بيانها في إطار واحد من الضرورات الثلاثة المصطلحة فلسفيًا، وقد ذكرنا في هذا الشأن -بطبيعة

(201)

الحال- نظريتين، وهما: الضرورة بالغير[1]، والضرورة بالقياس إلى الغير، والنظرية الثانية تحظى بإتقان واعتبار أكبر؛ لأنّ الوجود إذا كان هدفًا وغاية نهائيّة ومطلوبة، فيجب أن يكون في المتناول، وأن تكون هناك طرق مرصودة للوصول إليه، وهي طرق الحسنات والصالحات، ومن ناحية أخرى تلعب السيّئات دورًا مخالفًا، وعليه فإنّ الوصول إلى الغاية النهائيّة لن يكون ممكنًا إلّا من خلال امتثال الأوامر وترك النواهي، وبالمقابل فإنّ هذه الإلزامات ما إن يتمّ اتباعها حتى تكون السعادة حاصلة.

وبعبارة أخرى: إذا كان مطلوب الإنسان وهدفه هو الوصول إلى القرب الإلهي، ومن أيّ طريق فهمنا أن تحقّق هذا الهدف لا يمكن أن يكون إلا من خلال القيام ببعض الأفعال الاختيارية والإرادية الخاصة، عندها يقال: إنّ بين تلك الأهداف والقيام بهذه الأفعال علاقة الضرورة بالقياس إلى الغير؛ من قبيل الضرورة القائمة بين الصدق والقرب الإلهي. تمامًا بالمعنى نفسه الذي يُقال في تكوين الماء حيث يجب قيام نسبة خاصة بين الأوكسجين والهيدروجين[2]. ومن هنا قيل في الضرورة بالقياس: يجب أوّلًا معرفة المطالب الأساسية للإنسان، وإحراز ما هو مرتبط منها بسعادة الإنسان وكماله، ثم نبحث بعد ذلك عن علاقة أفعال الإنسان بهذه

(202)

الأهداف والغايات الخاصة، كما تتضح صحة وسقم الأحكام الأخلاقية[1]. وفي مثل هذه الحالة لن يعود الارتباط بين العلم والأخلاق لغوًا وغير قائم على أساس، والمعقولات الثانوية بمقدار اعتبار المعقولات الأوّليّة. وفي مثل هذه الحالة يمكن القول بأنّ القيَم الأخلاقيّة وليدة الحقائق الثابتة والقطعية، وإنّ عدم الالتزام بهذا الامتزاج والترابط سوف يُؤدّي إلى النسبية في التعاليم القيَميّة والأخلاقية.

«يمكن استنتاج الضرورة بالقياس والارتباط بين الكينونة والوجوب ضمن قياس منطقي من الشكل الأول، ومن خلال تطبيق قضيتين خارجيتين وأخلاقيتين أيضًا، كي تزول بذلك العويصة العجيبة لديفيد هيوم وأتباعه أيضًا. فالطبيب -على سبيل المثال- يقول لمريضه: أنت تريد السلامة، وكل من كان يريد السلامة، كان هذا الدواء ضروريًا بالنسبة له. (النتيجة) أن الطبيب يقول: يجب عليك تناول هذا الدواء، فمن أين جاء الطبيب بهذا الوجوب، في حين أن المعلومات التي يقدمها المريض إلى الطبيب، كلها توصيفية؟ إن إعطاء الطبيب للنتيجة فقط، دون بيان المقدمتين؛ لأنهما واضحتان له بشكل تكويني. وفي مورد بحثنا تكون جملة «يجب عليك العمل بكل ما هو حسن وصالح» من هذا القبيل أيضًا؛ فكل من يريد السعادة، كان القيام بالعمل الصالح والحَسَن ضروريًا بالنسبة له. وهنا بين السعادة والقيام بالعمل تكون الضرورة بالقياس هي الحاكمة. كما يمكن الحصول على هذه النتيجة من نوع العلة والمعلول عبر قياس استثنائي اتصالي أيضًا، فإن كنت تريد السعادة، كان القيام بالعمل الصالح والحَسن ضروريًا (الشرطية)، ولكنك تريد سعادتك (الحملية)، إذن يكون

(203)

القيام بالعمل الصالح والحسن ضروريًا بالنسبة لك (النتيجة)؛ إذن فالوجوب لكونه بمعنى الضرورة بالقياس، هو مفهوم انتزاعي مستنبط من صلب التكوين، وله تحقق في وعائه المناسب»[1].

إنّ العدل حسنٌ، ويجب العمل بكلّ ما هو حسن؛ إذًا يجب العمل بالعدل، ولكن من أين جاءت المقدمة الثانية، أي: «يجب العمل بكلّ ما هو حسن»؟ يجب القول:

«إنّ هذه المقدمة بدورها هي نتيجة لمقدمتين أخريين كلتاهما تكوينيّة، وهي: أنت تريد السعادة، وكل من يريد السعادة لنفسه، يكون القيام بالعمل الصالح ضروريًا بالنسبة له؛ إذن يكون القيام بالعمل الصالح ضروريًا بالنسبة لك، فالسعادة أمر واقعي وتكويني، وكذلك الضرورة بالقياس حاكمة بين السعادة والقيام بالعمل الصالح؛ إذن فالنتيجة بدورها أمر تكويني، ومن نوع الكينونات»[2].

التذكير ببعض المسائل

بعد الإثبات العلمي لهذه الحقيقة، وهي أنّ الوجوب يمتدّ بجذوره في الكينونة، وأنّ المعقولات الفلسفيّة الثانية تقتبس من المعقولات الأوليّة، نلفت الانتباه إلى بعض النقاط، على النحو الآتي:

1. إنّ هذا الارتباط بين الكينونة والوجوب، لا يشمل جميع أنواع الفهم الحر «للوجوب من الكينونة»؛ ليشكّل بذلك أرضيّة للهرج والمرج والفوضى السلوكيّة

(204)

والأخلاقيّة، بل إنّ إطلاق الحُسن والقبح والوجوب وعدم الوجوب في حقل المفاهيم الأخلاقية إنّما يكون له معنى إذا استند إلى حقيقة ثابتة وغيبية، وبعبارة أقصر وأوضح: إنّ أخلاقيّة العمل منوطة باستنتاجها من الواقعيّة.

2. كما أنّ العلم مولد للقيَم وتوصيف الأخلاق، يمكن في المقابل الوصول كذلك من الوجوب وعدم الوجوب إلى الكينونات والأعدام الأخلاقيّة أيضًا، ببيان أنّه لو قال جميع العقلاء في العالم: إنّ الظلم قبيح ويجب الاجتناب عنه، وإنّ العدل حسن ويجب العمل به، يجب أن يكون هناك في جذوره في الواقع أنّ العدل حسن والظلم قبيح. وهذا هو المصطلح المعروف بين الأصوليين والمتكلمين: «كل ما حكم به العقل، حكم به الشرع». ومن هنا فإنّ ما ورد في كتاب (دانش و ارزش) -من القول: من خلال تحشيد مئات القضايا الأخلاقيّة المشتملة على الوجوب وعدم الوجوب، لا يتمّ الوصول إلى قضيّة علميّة وتوصيفيّة- يفتقر إلى الوجاهة العلميّة.

3. إنّ وجود موارد من قبيل الصدق المفسد، والكذب المصلحي، لا يمكنه أن يشكّل ذريعةً لبيان اللّاواقعيّة الأخلاقيّة؛ إذ لا ينبغي اتّخاذ هذا النّوع من الاستثناءات -التي ترد في مقام الأفعال الخارجيّة المتزاحمة على التعاليم والمفاهيم الأخلاقية العامة- ذريعة إلى القول: إذًا هناك معنى لإطلاق الحُسن والقبح على المفاهيم الأخلاقية على نحو غالب وفي المجتمع الراهن؛ لا في مقام الثبوت وبوصفها حقائق مطلقة، ولكن بالالتفات إلى التلازم المذكور آنفًا فإنّ هذا النّوع من الأفهام الاجتماعية، والنسبية الأخلاقية في نهاية المطاف، لا تعدو أن تكون مغالطة لا أكثر، وهي من نوع مغالطة وضع العرضيات في موضع الذاتيات[1]. (إن الصدق حيث ينطوي في بعض الأحيان على مفسدة، إذن يسقط عن اعتباره الذاتي إلى الأبد).

(205)

المفارقة والتناقض الذاتي

إنّ مؤلّف كتاب (دانش و ارزش) لا يمكنه تجنّب الوقوع في المفارقة والتناقض؛ إذ هو من جهة لا يتحمّل الالتزام بالواقعيّة بأيّ شكل من الأشكال، ويصرّ بشدّة على عدم إمكانها، ومن جهة أخرى عندما يواجه طريقًا مسدودًا في لا واقعيّة التعاليم الأخلاقيّة والسلوكيّة في حياة البشر وتمرّد الإنسان، يسعى إلى البحث عن مبنى، لكي يكون في منأى من الاتّهام بالعبثيّة وعدم الهوية، وإنّ الجميع بين هذين اللّا منسجمين وغير المتماهيين، يؤدّي إلى التناقض الظاهري، وهو واضح البطلان وبديهي الاستحالة.

إنّ الذي يقترحه الدكتور سروش بعنوان المبنى والذاتي في منح الاعتبار للمفاهيم القيَميّة والأخلاقيّة؛ ليبقى بمنجى من معضلة اللّاواقعيّة، على نوعين. وبعبارة أوضح: إنّ المعتقدات الأخلاقيّة لكلّ إنسان تعود جذورها من وجهة نظره إمّا إلى العقل العملي، أو هي مقتبسة من الأوامر الصادرة عن واجب الوجود المطلق، وكلاهما يؤدّي إلى التناقض والمفارقة، وفيما يلي نشير إلى كلا هذين الأمرين:

1. النّزعة العقليّة: يقال إنّ كلّ إنسان يعرض أفعاله وسلوكياته على العقل، فإن قبلها العقل واستحسنها، كانت حسنة، وكان فاعلها يستحق المدح، وأما إذا لم يتمّ الاهتمام بها رغم اعتبار العقل العملي لها قابلة للاتباع والتمسك، فإنّ ذلك سوف يستتبع الذمّ واللوم. ولكن الدكتور سروش -بطبيعة الحال- يهاجم العقل النظري من ناحية أخرى، ويعتبر سعينا إلى المعرفة العينيّة أمرًا ساذجًا وغير قائم على أساس متين.

إنّ الإشكال الواضح والبديهي الأوّل الذي يترتب على هذا النوع من اختلاق

(206)

الحكومة المطلقة للعقل العملي، وإظهار عجز العقل النظري، هو سلوك طريق الإفراط والتفريط البعيد كلّ البُعد عن الاعتدال والأحكام المنصفة والمقبولة من قبل العقول البشرية السليمة.

والنقض الآخر الذي يرد على الإيمان المطلق بالعقل هو الالتفات إلى صورة وظواهر القوانين والأمور؛ وليس إلى بواطنها وحقائقها. وكما يقال في نقد العقلانية الكانطيّة فإنّ مشكلة الإنسان لا تكمن في التقنين فقط؛ كي نسعى من خلال ذلك إلى توجيهه إلى طريق الهداية، بل إنّ المشكلة تكمن في عدم بداهة الخير والشر حيث إنّ تشخيص ذلك من جهة خارج عن قدرة العقل العملي، ومن ناحية أخرى فإنّ العقل النظري -من وجهة نظر كانط وأتباعه- لا يمتلك القدرة على اكتشاف الحقائق والواقعيات، والأهم هو أنّ افتراض كامل الإرادة والاختيار للناس مع الالتفات إلى الميول والبيئة والمصالح الفردية والجماعيّة، سوف يستدعي نوعًا من التواضع، ويؤدّي في نهاية المطاف إلى النسبيّة الأخلاقيّة، وهو ما تحدّثنا عنه في الاتجاه الظاهراتي لكانط بالتفصيل.

2. محوريّة الله: أمّا المفارقة الأخرى فإنّها تطلع برأسها عندما يروم الإنسان من جهة أن يخلق انسجامًا وتماهيًا بين أوامره ونواهيه الأخلاقيّة وبين إرادة ورغبة الطالب والمطلوب النهائي، أي الأوامر الإلهية، ومن ناحية أخرى لا يتحمّل أي خضوع وانصياع إلى الأصول الثابتة وغير المتغيّرة؛ رغم سعيه إلى إظهار هذا الأمر بوصفه أمرًا طبيعيًا وعرفانيًا، ولكن هذا في الواقع تناقض واضح. وفي الحقيقة فإنّ مؤلف كتاب (دانش و ارزش) أراد من خلال تحشيد الكلام الأدبي المنمّق والزاخر بسلسلةٍ من المفاهيم الدينيّة والفلسفيّة والعلميّة، أن يقدّم للأخلاق معيارًا نهائيًا، دون أن يتورّط في استنتاج الوجوب من الكينونة؛ ولكنّه لو تأمّل حتى في كلماته

(207)

لما تفوه بمثل هذا الكلام؛ إذ ما معنى القول بأنّه يجب أن نختار واجبًا مختارًا بالذات؟! إذا كان الانتخاب الذاتي للحق يعني انتخاب أوامره وتعاليمه، ألا يعني هذا في حدّ ذاته استنتاجًا للوجوب من الكينونة؟ إنّ قوله تعالى (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ)[1] -الذي اتخذه مستمسكًا لنظريته- ليس فيه دلالة على مراده؛ لأنّ فعل الله إذا كان عن حكمة، فإنّه لا يخضع للسؤال، ولا ربط له باختيارنا، يضاف إلى ذلك أنّ فعل الله حيث يصدر عن حكمة، فإنّه لا يخضع للسؤال، لا أنّه من الممكن أن يكون مخالفًا للعدل والحكمة، ولا يخضع للسؤال[2].

اللّاواقعيّة والأشاعرة

يبدو في الحقيقة أنّ هذا النّوع من الآراء الصوريّة والظاهريّة إلى حُسن الأفعال وقبحها، مردّه إلى ما كان يصدح به الأشاعرة طوال التاريخ.

إنّ الاشتراك والمواكبة الفكريّة بين الأشاعرة واللّاواقعيّة مورد البحث، تأتي من حيث إنّ كلا الاتّجاهين يذهبان إلى الاعتقاد بعدم اشتمال أيّ سلوك أو مفهوم على خير أو شرّ ذاتي، وإنّ أيّ مشروعيّة للمعتقدات الأخلاقيّة سوف تكون مستندةً إلى تحسينها أو تقبيحها من قبل الله سبحانه وتعالى، وبحسب المصطلح المعروف من قبل أصحاب الظاهر: «الحسن ما حسّنه الشارع، والقبيح ما قبّحه الشارع».

والاشتراك الآخر بين هاتين النظريتين يكمن في أنّ كلّ نوع من أنواع الثبات والحتمية فيما يتعلق بأمر الله ونهيه سوف يواجه الشك والترديد. وفي هذه الحالة سوف تكون النسبيّة الأخلاقيّة من أبرز النتائج التي يتعيّن على الظاهريين والقشريين أن يلتزموا بها.

(208)

وعلى هذا الأساس فإنّ الالتزام باللّاواقعيّة وعدم استنتاج الوجوب من الكينونة، سوف يغلق الباب دون جميع أنواع المباني والمعايير الواقعية في مطابقة الأفعال الأخلاقية مع الحقائق الذاتية.

النظريّة الأخيرة للكاتب

بالإضافة إلى المفارقات الآنف ذكرها، تلاحظ هناك في مجموع آراء مؤلف كتاب (دانش و ارزش) الكثير من التهافتات المتعدّدة الأخرى أيضًا، الأمر الذي يعبّر بنفسه عن تزلزل في تحكيم الأصول الأبستمولوجيّة الثابتة في دائرة المفاهيم الأخلاقيّة.

سوف نخصّص الكلمة الأخيرة هنا بمقارنة هاتين الطائفتين من التهافتات الفكرية، ونعتبر ذلك بمنزلة الاستنتاج من مجموعة نظريات شخص مستنير مسلم يسعى إلى القيام بحُزمة من الإصلاحات في الاتجاه الأخلاقي السائد والقاطع في حقل الدين، ويعمل -من خلال التلفيق بين المفاهيم الإسلاميّة والقضايا الإنسويّة- على فتح طريق جديد[1].

الطائفة الأولى هي النظريات التي تقدّم الحديث عنها بالتفصيل، والتي تسعى إلى إثبات اللّاواقعيّة الأخلاقيّة، ومن بينها ما يلي:

(209)

1. الوجوبات لا تنبثق عن الكينونات.

2. لا يمكن الحصول من خلال تحشيد ومراكمة مئات الوجودات على أيّ كينونة.

3. إنّ القواعد الأخلاقيّة إنّما تكون قواعد في العالم والمجتمع الراهن، وليس في جميع العوالم والمجتمعات الممكنة.

4. إنّ الحُسن والقبح من أحكام ومختلقات العقل البشري الذي يمكن التصرّف فيه، ويعمل كل شخص على طبق ما يراه عقله حسنًا أو قبيحًا.

توصّلنا حتى الآن إلى أنّ الواجبات وعدم الواجبات الأخلاقيّة لا تشتمل على أيّة قيمة واعتبار مبرّر ومعقول، وليس لها موقع في الحقائق الذاتيّة.

وأما الطائفة الثانية من النظريات التي تمثل تلويحًا للعودة إلى الواقعية في سياق الهروب من تهمة النسبية، ومن بينها:

1. إنّ الأيديولوجيات تخضع للأحكام بوصفها من المظاهر الأخلاقيّة البارزة، ويتم انتقاؤها واختيارها، ويمكن المقارنة بينها على أساس واقعيتها، وإنّ واقعيتها ممكنة بالأدلة العلمية والفلسفية، وبذلك يمكن استنتاج عمليتها وجدوائيتها[1].

2. إنّ اعتباريّة القيَم الأخلاقيّة لا تحول دون القيام بإصدار الأحكام بشأنها[2].

3. إنّ اعتباريّة القيَم الأخلاقيّة بمعنى تدخّل رأي العقلاء في تقييمها، وليس بمعنى عدم أهميتها[3].

(210)

4. إنّ النسبيّة بمعنى القيَم المنبثقة من رحم واقعيات الطبيعة والمجتمع، تؤدي إلى إغلاق باب الحكم والتقييم، وفتح باب للهروب والتبرير؛ إذ يمكن لكلّ شخص تبرئة نفسه وصيانتها من اللوم والعقوبة، بالاستناد إلى قيَمه الذاتية[1].

النتيجة

اتّضح من مجموع الأبحاث الآنفة أن تقديم نظريّة اللّاواقعيّة الأخلاقيّة من قبل المستنيرين الدينيين، إنّما هو مقتبس ومأخوذ من رؤية فصل الكينونة عن الوجود للفيلسوف الاسكتلندي ديفيد هيوم؛ لأنّه كان يرى عدم وجود ارتباط واستنتاج وتلازم بين العلم والأخلاق.

إنّ التمسّك باللّاواقعيّة سوف ينطوي على آثار وتداعيات سلبية في دائرة التعاليم الدينية والمفاهيم الإلهية، ومن بينها: التفريغ من المحتوى وعدم المعيارية وعدم إمكان التمييز بين الآراء في حقل المفاهيم الأخلاقية، لا سيّما وأنّ التعاليم الدينية للأنبياء سوف تبدو أمرًا عبثيًّا، والأهم من ذلك عدم الثبات والنسبية الأخلاقية؛ إذ لا يمكن لهذه النظريّة أن تحمي نفسها من الوقوع في محاذير هذه النسبيّة.

كما أنّ هذه الرؤية المستحدثة تواجه الكثير من الانتقادات والنقوض المتعدّدة؛ لما ثبت في حقل المفاهيم الدينيّة من وجود تلازم وارتباط حقيقي بين الكينونة والوجوب، وهو ما يصطلح عليه بالضرورة بالقياس إلى الغير، وكذلك من حيث إنّ غير الواقعيّة تمتزج ببعض المفارقات والتناقضات والتهافتات، يضاف إلى ذلك عدم إمكان تجاهل التأثيرات الملحوظة التي كانت للتجربة والعقل والنزعة الاجتماعية في الغرب على ازدهار وتبلور هذه الرؤية.

(211)
(212)

 

 

 

نقد النسبيّة في نظريّة القبض والبسط[1]

 

هاجر بردبار[2]

 

الخلاصة

هناك الكثير من المباني في البحث الديني للمستنيرين. وهناك من المستنيرين من هو من المنتمين إلى المذهب الواقعي، وهو لذلك ينظر إلى الدين من خلال مبانيه وينظّر بشأنها، ومن بين هؤلاء المستنيرين من هو من المعارضين للمذهب الواقعي، ولكنّه يعرّف بنفسه على أنّه من القائلين بالواقعيّة، ومن بين هؤلاء الدكتور عبد الكريم سروش. فهو يذهب إلى الاعتقاد بأنّ مجرّد الفصل بين شيئين والتمسّك بذلك يكفي لإيصال الفرد إلى غايته. في حين أنّه يفكّك بين الدين وفهمه، ويتمسّك بذلك، ولكنّه لا يقول بطريقٍ للوصول إلى الشيء في نفسه؛ ومن هنا فإنّ رأيه ونظريّته في واقع الأمر على الضدّ من الواقعيّة.

(213)

وكما سبق أن ذكرنا، فإنّ للبحث الديني الكثير من المباني، ومن بينها نسبيّة الدكتور عبد الكريم سروش. نسعى في هذا المقال إلى دراسة هذه النسبيّة والبحث في أركان نظريّته ونقدها. وإنّ أركان نظريته عبارة عن: تمايز الدين من المعرفة الدينيّة، وتمايز أحكام الدين من أحكام المعرفة الدينيّة، واعتبار المعرفة الدينيّة أمرًا بشريًا، والارتباط العام بين المعارف البشرية؛ حيث تمّت دراسة جميع الروابط القائمة بين المعارف البشرية والمعرفة الدينيّة، ونسبيّة المعرفة الدينيّة مع الأركان الأخرى وأدلتها. وبعد عرض أركان النظرية نعمد إلى نقد أدلّته وأركانها بشكل منفصل؛ حيث يتبيّن أن هذا المبنى يُعدّ خطأ في البحث الديني، بل ويؤدّي إلى البدعة في الدين؛ وذلك لأنّ الدكتور سروش يعمل على توظيف ما جرى على التوراة والعهد القديم أو الإنجيل بوصفه شاهدًا على تغيير الضروريات الدينيّة. فهو يرى أنّ الأحداث التاريخيّة والحروب والحرائق وما إلى ذلك، قد أدّت إلى خروج مصادر الشريعة من بين أيدينا. وعلى هذا الأساس فإنّه بعد اندثار أصول ومصادر شريعة ما، فإنّها سوف تزول من الأصل أيضًا، وسوف يطالها النسيان شيئًا فشيئًا، ومن هنا فإنّه طبقًا لرؤيته القائلة بأنّ الأبستمولوجيا تقوم على نسبيّة الفهم، فإنّ ذلك يستلزم إنكار الضرورات الدينيّة، ويؤدّي إلى تحريف النصوص الدينيّة؛ لأنّه يفتح طريقًا إلى التفسير بالرأي، ويمكن لكلّ شخص أن يُدلي بدلوه ويحمّل رأيه على الدين، وبذلك يُظهر الدين بشكل آخر مختلف بالكامل عن الدين الأصلي.

المقدّمة

يمكن تعقّب بحث المعرفة الدينيّة من جهاتٍ متنوّعةٍ؛ ومن بينها الناحية المعرفيّة لها. إنّ البحث بشأن أبستمولوجيا المعرفة الدينيّة ينطوي على صبغةٍ كلاميّةٍ، كما يُعدّ من مسائل فلسفة الدين. إنّ نظريّة نسبيّة المعرفة الدينيّة -التي يتمثّل مُدّعاها

(214)

الأكبر في فصل الدين عن المعرفة الدينيّة، ونسبيّة المعرفة الدينيّة وتبعيّتها للمعارف البشريّة- مجهودٌ يرمي إلى الإجابة عن الأسئلة الأساسيّة حول سرّ التحوّل والتنوّع التفسيري، بدلًا من التوضيح والبيان وإزالة الغموض، حيث عملت في الواقع على إدخال آفاق من المعرفة والبحث الديني في الإبهام والإيهام، بل وأضرّت في بعض الموارد بحيثيّة أصل الدين أيضًا على ما سيأتي شرحه وبيانه في هذه المقالة.

والآن علينا أن نرى كيف توصّل المستنيرون إلى النسبيّة في التعاليم الاعتقاديّة والأخلاقيّة. جدير بالذكر أنّهم قد بدأوا من بحث المعرفة الدينيّة والأبستمولوجيا الدينيّة. وقد عمد الدكتور سروش إلى بيان مدّعاه ضمن ثلاثة أصول، وهي كالآتي:

1. إنّ الفهم (الصحيح والسقيم) للشريعة، زاخر ومفعم بالمعارف البشريّة ومتلائم معها، وإنّ هناك تعاطيًا وتعاملًا أو حوارًا متواصلًا بين المعرفة الدينيّة والمعارف غير الدينيّة (أصل التعاطي والتناغم).

2. إذا تعرّضت المعارف البشرية للقبض والبسط، فإنّ فهمنا للشريعة سوف يتعرّض بدوره للقبض والبسط أيضًا.

3. إنّ المعارف البشريّة (فهم الإنسان للطبيعة وحتى العلم والفلسفة) تتعرّض للتحوّل والقبض والبسط (أصل التحوّل)، وإنّ المعرفة الدينيّة تبعًا لذلك تكون عرضةً للتحوّل والقبض والبسط في سائر المعارف البشريّة[1].

وعلى هذا الأساس يذهب الدكتور سروش إلى استنتاج أنّ المعرفة الدينيّة نسبيّة. ولكي تتّضح تداعيات هذه النّظريّة بشكل أفضل، يجب علينا أن ندرك ماهيّة المعرفة الدينيّة؟

(215)

إنّ المعرفة الدينيّة هي المعرفة التي يحصل عليها الإنسان بواسطة الدين وبشأن الدين؛ بمعنى أنّه من خلال معرفة الدين وإدراكه يمكن التوصّل إلى نوع من المعرفة حول الوجود (الإنسان والطبيعة والخالق)؛ لأنّ الدين مجموعة من التعاليم والأحكام التي نزلت وحيًا من الله سبحانه وتعالى على الأنبياء، وقام الأنبياء بإبلاغها إلى الناس. وحيث إنّ الإنسان هو المخاطب بهذه التعاليم والأحكام ويجب عليه أن يفهمها وأن يعمل بعد ذلك على تطبيقها، فإنّه يصل بطبيعة الحال إلى نوعٍ من المعرفة بشأن الدين، تسمّى بالمعرفة الدينيّة، ويعمل على بناء وتكوين رؤيته وأيديولوجيته من زاوية هذه المعرفة الدينيّة. وعلى هذا الأساس فإنّ الدين يلعب دورين رئيسين في تحقّق المعرفة الدينيّة:

فهو أوّلًا يشكّل بنفسه موضوع معرفة الإنسان، وثانيًا يلهم الإنسان المعرفة بشأن الوجود والإنسان والعالم[1].

وحيث إنّ المعرفة الدينيّة لكلّ شخص هي البناء والأساس لمعتقداته، فإنّ القول بنسبيّتها سوف يؤدّي إلى ضعف عقائده، وصيرورة الأخلاق نسبيّة، وكذلك النسبية في التعاليم الاعتقاديّة والأخلاقيّة، فإنّنا سوف نعمل على نقد الرأي القائل بالنسبيّة ونبحث في التداعيات والتبعات المترتبة عليها.

الأبستمولوجيا ومسألة النسبيّة

من وجهة نظر الأبستمولوجيا القائلة بنسبيّة الفهم، حيث تقع المعارف الدينية في ظرف إدراك البشر وفهمهم، فإنّها ضمن المعارف الأخرى تكون عرضةً للتغيّر أيضًا، وعلى هذا الأساس فإنّه على فرض أنّ الشريعة -بوصفها من معطيات

(216)

الوحي- تحظى بواقعيّة وحقيقة ثابتة، إلّا أنّ فهمها في دائرة التعاطي المتبادل ونسبيّة العلوم يكون متحوّلًا ومتغيّرًا. إنّ هذا المسار من اللوازم الطبيعيّة لتكامل العلوم. بمعنى أنّه لو أراد شخص أن يُصرّ على الثبات والدوام الجزئي من المعرفة الدينيّة، سوف يضطرّ إلى مواجهة جميع العلوم ومنازلتها، كما أنّه إذا قبِل بالحركة في سائر العلوم، فإنّه سوف يرضخ لتغيير المعارف الدينيّة أيضًا. إنّ الحكم والقضاء بشأن صحّة وسقم القضايا والعلوم -التي تنظّر الأبستمولوجيا بشأن كيفية ظهورها وبسطها واتساعها- لا تدخل ضمن نطاق حكم الأبستمولوجيا، وإنّما يتعلّق هذا الأمر بالعلماء المختصين في تلك العلوم، بيد أنّ الأبستمولوجيا القائلة بنسبيّة الفهم، تحكم -استنادًا إلى مبناها الفلسفي- بأنّ جميع القضايا على عمل يُدّعى ضرورة دوامه وثباته -وإن كان وجودها يعدّ أمرًا ضروريًا في مجموع المعرفة البشريّة- محكومة بالزوال والفناء. بمعنى أنّه لن تكون صادقةً، وإنّما تكون كاذبة من هذه الناحية، ومن البديهي أنّه ليست هناك قضية دينيّة -أعم من أن تكون مرتبطة بأصول أو فروع الدين- يمكن أن تستثنى من هذه القاعدة[1].

تشتمل نظريّة المعرفة الدينيّة لسروش على الأركان الآتية:

1. اختلاف الدين عن المعارف الدينيّة

لقد عرّف الدكتور سروش الدين والمعرفة الدينيّة، قائلًا:

عندما نستعمل كلمة الدين، يمكن لها أن تكون في بعض الأديان صادقة أو لا تكون كذلك، ولكنّنا إذا ذكرنا عنوان الدين في أغلب هذه الموارد، فإنّنا نريد به الإسلام بالتحديد. وعليه عندما نذكر الدين، إنّما نعني الإسلام. ثم إنّه على الرغم

(217)

من الاختلاف النظري الموجود حول تعريف الإسلام، نتّفق في الحدّ الأدنى على هذا المقدار وهو أنّ الإسلام عبارة عن مجموع ما جاء في القرآن والسنة، والسنة هي مجموعة من الروايات والأفعال والتقريرات المأثورة عن النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله، وطبقًا لاعتقادنا نحن الشيعة فإنّنا نلحق الأئمة المعصومين بالنبي الأكرم أيضًا[1].

كما أنّه يرى أنّ المعرفة الدينيّة عبارة عن المعرفة التي يتوصّل إليها علماء الدين من الدين. وعلى هذا الأساس فإنّه يقول إنّه على الرغم من الارتباط الوثيق والعميق جدًا بين هذين الأمرين، إلّا أنّهما في الوقت نفسه متمايزان ومنفصلان عن بعضهما.

2. اختلاف أحكام الدين عن أحكام المعرفة الدينيّة

يميّز الدكتور سروش بين أحكام الدين وبين أحكام المعرفة الدينيّة، ويقول: إنّ الدين صامت وثابت ومقدّس وخالص وكامل وعلى حق، إلا أنّ المعرفة الدينيّة ناطقة ومتغيّرة وغير مقدّسة وغير خالصة وناقصة وهي خليط من الحق والباطل. وقال في توضيح ثبات الدين وتغيّر المعرفة الدينية: إنّ الشريعة ساكتة، ولكنّها ليست معقودة اللسان، وإنّها عندما تتحدّث فإنها تعبّر عن كلمتها، ولا تعبر عن كلام الآخرين، كما أنّها لا تتحدّث مع الجميع بوتيرة واحدة، وما لم يكن هناك سؤال فإنّها لا تجيب عن سؤال مقدّر. هناك فرق كبير بين الشخص الصامت دون أن يكون لديه ما يقوله، وبين الشخص الساكت الذي لديه مخزون من الكلمات التي يقولها. إنّ من بين الأدلّة الواضحة على التكامل الديني، هي أنّ العلماء قد عرضوا على الشريعة أسئلة جديدة، وحصلوا منها في المقابل على إجابات جديدة،

(218)

كما أنّ الأسئلة والإجابات هي عين المعرفة الدينية؛ إذ لو قيّض للشريعة أن تقول كلّ ما لديها منذ اليوم الأوّل، لما كان هناك تحوّل في المعرفة الدينية ولا تكامل. ومن ناحية أخرى فإنّ الأسئلة لا تجري على لسان العلماء دون سبب، بل إن علوم العصر وسعة ثقافة العلماء هي التي تعلمهم ما الذي يجب عليهم أن يسألوه، وما الذي يجب عليهم البحث عنه في الشريعة، وكيف يفهمون الأجوبة عن ذلك.

إنّ الادّعاء الثاني لهذا الركن هو أنّ الدين ثابت والمعرفة الدينيّة متغيّرة. وقد تمسّك لإثبات تغيّر المعرفة الدينيّة بأدلّة بحيث يمكن اعتبار الأركان اللاحقة من نظريّته مقدمات لتلك الأدلة، وعليه فإنّ الدكتور سروش يقول:

«إنّ المعرفة الدينيّة هي مثل أيّ معرفة أخرى، حصيلة بحث وتأويل البشر، وهي على الدوام مزيج من الظنون وأنواع اليقين والحق والباطل، وإن تحوّل وتكامل هذه المجموعة التي لا يمكن إنكارها، ولا نقول الوحي الذي ينزل على الأنبياء ويكتمل على يد البشر، وإنّما نقول: فهم البشر لمضمون الوحي هو الذي يخضع للتكامل»[1].

ولكن هناك في هذا الركن الثاني مدّعيات أخرى أيضًا، وهي عبارة عن: التقديس، والكمال، والخلوص، وحقانية الدين، وعدم قداسة وعدم خلوص ونقصان المعرفة الدينية. إنّ الدكتور سروش كان في عباراته المتنوّعة بصدد تمييز الشريعة وفهمها، وقد بيّن الأحكام الخاصة بكلّ واحدة منهما. من ذلك -مثلًا- أنه يقول: لقد ذهب الوهم إلى أنّ الصفات القدسيّة والإلهية للشريعة، هي صفات فهم الشريعة أيضًا، وهذا الوهم المشؤوم هو الذي تسبّب في افتتان الكثير من الأشخاص. إنّ الشريعة

(219)

مقدّسة وكاملة وذات منشأ إلهي، كما أنّها ثابتة وخالدة، ولا طريق فيها للخطأ أو التناقض، إلّا أنّ فهم الشريعة لا يحتوي على أيّ شيء من هذه الصفات، ولم يكن فهم الشريعة في إيّ مرحلة من المراحل التاريخيّة كاملًا أو ثابتًا، ولا منزهًا من الخطأ والخلل، ولا مستغنيًا عن المعارف البشريّة، وليس له منشأ مقدّس وسماوي، كما أنّه غير خالد ولا دائم، وليس محصنًا ضدّ تحريف المحرّفين.

3. بشريّة المعرفة الدينيّة

يذهب الدكتور سروش إلى القول بأنّ الله سبحانه وتعالى قد أنزل الشريعة؛ ليعمل الناس على استضافتها في مسرحهم الذهني وفضائهم الثقافي، لكي يعملوا بذلك على فهمها وإدراكها، ولكن ما أن يعمل الناس على استضافة الدين في ربوع أذهانهم حتى يحصل لهم فهم للدين بما يتناسب وثقافتهم البشرية. إنّ المعرفة العلميّة والفلسفيّة والدينيّة ثلاثة مواجهات بشريّة مع الأمور غير البشريّة: إنّ العلم مجهود إنساني لفهم الطبيعة، وهكذا فإنّ المعرفة الدينيّة مجهود بشريّ لفهم الشريعة. يرى الدكتور سروش أنّ بشريّة المعرفة لها في الحدّ الأدنى معنيان مقبولان، وهما أوّلًا: إنّ المعرفة من صنع البشر، ولا يمكن العثور عليها إلا في أنديتهم. وثانيًا: إنّ الأوصاف البشرية لا تتساقط إلا في المعرفة التي هي من صنع أيديهم، وهذا المعنى الثاني بدوره ينطوي على ناحيتين هامّتين، وهما:

أوّلًا: إنّ شؤون الإنسان وأحواله -سواء الشريفة منها أو المنحطة- تترك بتأثيرها على علمه؛ فمثلًا: إن كوبلر بالنسبة إلى رؤية المعاصرين، يُعتبر شخصًا خرافيًّا، وقد عمد حتى إلى إدخال بعض هذه الخرافات في أعماله العلمية؛ وهكذا في تاريخ الثقافة الدينية حيث عمد البعض إلى اختلاق الأحاديث، وبذلك فإنّهم قد عملوا

(220)

على تشويه المعرفة الدينيّة وتمويهها وقضوا على خلوصها ونقائها؛ ومن هنا فإنّ نقصان وعدم خلوص المعارف -ومن بينها المعرفة الدينية- من ظواهر وتجليات بشريتها.

وثانيًا: عندما تعرض بعض المشاكل الخاصّة لمجموعة من الناس، فإنّ اهتمامهم سوف ينصبّ على تلك المشاكل والبحث عن طرق حلّها، وعندما تعرض لهم في الأثناء مشاكل أخرى، فإنّ اهتمامهم سوف يتّجه إلى ناحية تلك المشاكل الأخرى. وفي الأساس فإنّ مهمّة المعرفة تكمن في حلّ هذه المشاكل؛ وعلى هذا الأساس من الممكن لبعض المعارف -في بعض النواحي والجهات- أن تحظى بنموّ أقل أو أكثر بالمقارنة مع المعارف الأخرى؛ ومن هنا فإنّ نقصان أو تكامل هذه المعارف هو بدوره من الأمور البشرية[1].

وعلى هذا الأساس فإنّ الإنسان -من وجهة نظر الدكتور سروش- يعمل في الواقع بأفعاله وتأثّره بالأحوال -التي تجعل المعرفة بشرية- على توظيف المعرفة في حلّ مشاكله.

4. ارتباط المعارف غير الدينيّة بالمعارف الدينيّة

إنّ الركن الأهم والأكثر محوريّةً من بين أركان نظريّة القبض والبسط، هو ركن الترابط العام بين المعارف البشرية، وحيث يعدّ ركن ارتباط المعارف الدينية بالمعارف غير الدينيّة بوصفه صغرى لذلك الركن، فإنّنا سوف نبحث في كلا هذين الركنين معًا.

(221)

هناك الكثير من أنواع الارتباط والتماهي بين المعارف البشرية غير الدينيّة والمعرفة الدينيّة، إلّا أنّ أكثر بل وجميع التماهيات التي تحدث بين المعارف البشريّة غير الدينيّة والمعرفة الدينيّة، إنّما يحصل من خلال «اغتذاء» المعرفة الدينيّة على تلك المعارف. وبشكل عام فإنّ المعارف البشريّة غير الدينيّة تعمل على تغذية المعرفة الدينيّة من ثلاث طرق، وهي كالآتي:

أ. التغذية في مقام الجمع

تعمل المعارف البشريّة غير الدينيّة في هذا المقام على تنظيم اختيارات علماء الدين من النصوص الدينيّة، وتضع أمامهم مختلف الأسئلة، وبذلك فإنّها تساعد على بلورة صورة الشريعة ورسمها.

ب. التغذية في مقام الحكم

تلعب المعارف البشريّة غير الدينيّة دورًا هامًا في تصفية المعرفة الدينيّة وتنقيتها من الأفهام الخاطئة، والعمل كذلك على تعزيز الأفهام الصحيحة للشريعة ودعمها. وإنّ هذا الدور رهن بفرضيتين هامّتين، وهما أوّلًا: إنّ إله الشريعة هو إله الطبيعة وما وراء الطبيعة أيضًا؛ وعلى هذا الأساس فإنّ الإدراك والفهم الصحيح للشريعة لا يمكن أن يكون غير منسجم مع الإدراك الصحيح للطبيعة وما وراء الطبيعة. وثانيًا: إنّ كلّ ما يُجيز قبول الدين، يكون هو الحكَم والفيصل في الفهم الديني وتنظيم هذا الفهم أيضًا. إنّ الرّدّ والقبول والإثبات والإبطال مرتبط بهذا المقام من الحكم، وهنا تسقط بعض المقبولات، وتحلّ محلّها بعض المقبولات الأخرى، وهذه التحوّلات هي التي تعمل على تنمية المعرفة الدينيّة وتطويرها بشكل أكب

(222)
ج. التغذية من خلال تذليل الفهم الديني وإضفاء الفناء والكمال عليه

إنّ المعارف البشريّة غير الدينيّة، من خلال قيامها بالأدوار الثنائيّة في مقام الجمع والحكم، تقوم من تلقائها في حقل المعرفة الدينيّة بشيء ثالث أيضًا، وهو عبارة عن توفير إطار لفهم الدين وإضفاء الكمال على ذلك الفهم[1].

إنّ مجموع المعارف البشريّة (ومن بينها المعرفة الدينيّة) ترتبط فيما بينها وتعمل على تغذية ورفد بعضها بعضًا من خلال القنوات والمستويات الآتية:

1. الربط المنطقي / الإنتاجي

إنّ المراد من الارتباط «المنطقي / الإنتاجي» بين المعارف، هو أنّ القضايا الموجودة في علم ما، تعمل من الناحية المنطقية على إنتاج بعض القضايا في علم آخر. وبعبارة أخرى: من الممكن للمقدمات التي تحصل في حقل من حقول العلوم، أن تؤدّي إلى نتيجة بحيث تكون هذه النتيجة بدورها موضوعًا جديدًا لعلم آخر.

2. الارتباط الأسلوبي

إنّ من بين طرق الارتباط والتواصل بين المعارف البشرية المختلفة، هو الارتباط الأسلوبي. وطبقًا لهذا النّوع من الارتباط لا يكون قبول أو رفض مسألة في علم ما من دون دليل أو مبنى ومن دون أسلوب أو منهج. وعليه، فإنّ كلّ تصديق أو تكذيب يقوم على الكثير من الأسس والفرضيات المعرفيّة والأسلوبيّة. إنّ هذه الفرضيات لا تختصّ بعلم واحد وخاص، وإذا كان في العلم (أ) يتم تعليم وإثبات المسألة (أ)، فإنّه في العلم (ك) يتم إثبات أو ردّ المسألة (ك) أيضًا. وبذلك تحصل هناك نسبة وارتباط أسلوبي بين المسألة (أ) والمسألة (ك)، وعلى هذا الأساس يكون

(223)

اكتشاف ارتباط ولادة الغزالي في القرن الخامس للهجرة مع القبول بأحقيّة القرآن الكريم (والذي يبدو شديد الغرابة) أمرًا سهلًا. إنّ الربط الأسلوبي هو ربط في مقام الإثبات، وليس ربطًا في مقام الثبوت. فعلى سبيل المثال: إنّ الغزالي ونابليون لا يرتبطان فيما بينهما من الناحية المنطقيّة، وليس هناك ارتباط قياسي أو ضروري بين قضية «الغزالي مؤلف إحياء علوم الدين» وبين قضية «نابليون قد انهزم في معركة واترلو». بيد أنّ إثبات هذه القضايا والقبول بها تابع لأسلوب ومنهج واحد.

3. الارتباط المعرفي (بالمعنى الأخص)

هناك بين العلوم والمعارف المختلفة نوع آخر من الاتّحاد والتّماهي الواسع أيضًا، وهو عبارة عن «الاتحاد المعرفي» (بالمعنى الأخص للكلمة). هناك على نحو الإجمال هذا الارتباط والاتحاد بمعنى أنّ هناك بين المعارف البشريّة المختلفة والمضبوطة نوعًا من التناغم والانسجام على الرغم من التنوّع والتنافر بين موضوعاتها؛ بحيث لا يفتي أيّ منها ضد الآخر، أو أنّ وجود مثل هذا التماهي مطلوب في الحدّ الأدنى، وإنّ العلماء والحكماء يبذلون جهدهم من أجل الوصول إليه. وفي أصل هذه الرغبة تكمن نظريّة معرفيّة واحدة. سواء قلنا إنّ الحقول المعرفيّة الكبرى بسبب تباعد أساليبها وغاياتها وموضوعاتها لا تترابط فيما بينها أبدًا، وإنّ تصادمها أمر مستحيل بالمطلق، أو قلنا باحتمال التلاقي والتنافي بين بعضها أو كلّها، ويجب العمل على إيجاد التّماهي والتناغم فيما بينها، وعلى كلتا الحالتين نكون قد أصدرنا حكمًا أبستمولوجيًا ومعرفيًا، وهذا هو معنى الاندراج والتماهي بين المعارف البشريّة تحت نظريّة أبستمولوجيّة واحدة.

4. الارتباط الإنتاجي الاستهلاكي

يذهب الدكتور عبد الكريم سروش إلى القول بأنّ علم التاريخ من العلوم

(224)

الاستهلاكية. وإنّ هذا التقسيم للعلوم إلى علوم إنتاجيّة وعلوم استهلاكيّة يقوم على أساس الغلبة؛ بمعنى أنّه في العلوم الاستهلاكيّة تكون الغلبة مع الاستهلاك، وفي العلوم الإنتاجية تكون الغلبة مع الإنتاج. وعلى هذا الأساس فإنّ العلوم الإنتاجيّة في الغالب علوم تنظيريّة وباحثة عن القوانين، وإنّ هذه المنتجات تضع نفسها تحت تصرّف بعض المعارف الأخرى (الاستهلاكية)؛ من ذلك مثلًا:

«في علم التاريخ الذي هو من العلوم الاستهلاكية، والذي يستعين في رؤية المسائل والعثور على الحلول بالعلوم الإنتاجية؛ بمعنى أن تلك العلوم تمنحه رؤية وترشده إلى الزاوية التي يجب أن ينظر من خلالها إلى رقعة التاريخ وما الذي يجب أن يسأله منها، وكيف يبحث في الأحداث، وما هي الأحداث التي يجب عليه أن يقيم بينها علاقة العلية والمعلولية، وهكذا هو الأمر في فهم النصوص الدينية أيضًا»[1].

5. العلاقة من طريق إثارة الأسئلة

إنّ العلوم إنّما تزدهر مع المسائل، بل وإنّها إنّما تتنفس من رئة المسائل. فلو لم تظهر مسألة في علم ما، فإنّ ذلك العلم سوف يفقد حياته وتحرّكه. من ذلك مثلًا أنّ نظريّة التكامل لتشارلز دارون التي تعتبر إنجازًا في حقل العلوم، قد خلقت الكثير من المسائل في حقل العلوم التجريبية والفلسفة والكلام والأبستمولوجيا. إنّ هذه النّظريّة قد استثارت واستحثت قبل كلّ شيء المتكلمين وبتبعهم المعرفة الدينية[2].

(225)
6. العلاقة الحواريّة

هناك بين مجموع المعارف حوار متواصل ومستمر؛ بمعنى أنّ المعارف والعلوم المختلفة تثير على بعضها مختلف الأسئلة، وتطلب منها الإجابة عنها. وفي الارتباط من طريق إثارة المسائل، فإنّ تطوّر المعارف وتأثيرها يُؤدّي إلى ظهور سؤال في ذات علم خاص، بيد أنّه في الارتباط الحواري يُجيب العلم عن أسئلةٍ قد تبلورت في المعارف الأخرى، وليس عن أسئلته الذاتيّة والخاصّة به. إنّ هذا الحوار قائم بين المعرفة الدينيّة والمعارف البشريّة الأخرى أيضًا؛ بمعنى أنّ العلوم البشريّة تضع بعض الأسئلة بشكلٍ تنظيميٍّ أمام الشريعة، ويطلب منها الإجابة عنها. إنّ هذه الأسئلة ليست وليدة الإجابات من الناحية المنطقيّة، بل هي محرّكة للبحث والاختيار، وبسبب طابعها التنظيمي تعمل على تنظيم الأسئلة وترتيبها أيضًا[1].

7. تحوّل المعرفة الدينيّة تبعًا للقبض والبسط في سائر المعارف البشريّة

يذهب الدكتور سروش إلى القول بأنّ فهمنا لكلّ شيء (بما في ذلك الشريعة) في حالة من التحرّك وعدم الثبات، وإذا حصل في بقعة من البحر المائج للمعارف البشرية تموّج أو تحوّل، فإنّه لن يترك البقاع الأخرى هادئةً على حالها، وسوف يؤثّر في إدراك البقاع الأخرى أو إثباتها وتأييدها وإبطالها. إنّ بيان الدكتور سروش في هذا الشأن هو أنّ جميع معارفنا مرتبطة ببعضها بخيوط خفيّة وغير مرئيّة، وأن هناك بينها أنحاء من الارتباطات المنطقيّة والأبستمولوجيّة والتصوريّة والتصديقيّة، وهذا من دقائق اكتشافات الأبستمولوجيا الحديثة[2].

(226)
8. نسبيّة المعرفة الدينيّة

إنّ نسبيّة الفهم الديني من قبيل نسبيّة نتيجة في قياس ما. إنّ نتيجة القياس تنسب إلى مقدّماتها. بمعنى أنّها تتغذّى عليها، وأنّ كلّ تغيير يحدث في تلك المقدّمات يُؤدّي إلى حدوث التغيير في النتيجة أيضًا، وإنّ ثبات النتيجة بدوره معلولٌ لثبات المقدّمات؛ وعلى هذا الأساس فإنّ نسبيّة النتيجة لا يتنافى مع ثباتها. والمهمّ هو أن يكون ثبات النتيجة وتحوّلها منسوبًا إلى مقدّماتها. وإذا ظلّت مقدمات القياس في جميع العصور ثابتة، فسوف تبقى النتيجة ثابتة أيضًا، وإذا طرأ عليها التحوّل، فإنّ النتيجة سوف تتحوّل أيضًا، وعلى هذا الأساس فإنّ نتيجة القياس من ناحية الثبات والتغيير والمادة والصورة وكذلك من حيث الصدق والكذب ستكون نسبيةً أيضًا[1].

9. تكامل المعرفة الدينيّة

إنّ مؤلّف القبض والبسط بالإضافة إلى ادّعاء ترابط المعرفة وتحوّلها بشکلها العام، قد تحدّث أيضًا عن تكامل المعرفة الدينيّة. إنّ الدكتور سروش يقول بأنّ تحوّل المعرفة أمرٌ بشريٌّ، ولذلك فإنّ تحوّل الفهم الديني ليس ناتجًا عن مؤامرةٍ يقوم بها الطالحون أو هو من وساوس الشياطين، وإنّما هو من لوازم المتغيّرات القهريّة في العالم، وحيويّة الذهن، وسعة الإدراك، ونشاط الفكر، وجولان الروح المزيلة للجهل بين البشر؛ وذلك لأنّ مجموعة الإنسانيّة قد تكاملت على هذا النحو، وحيث لم يكن هناك من خارج مجموعة البشر جبر من قبل جابر أو قهر من قبل قاهر، فقد كان هذا التكامل من المقتضيات الطبيعيّة للمجتمع

(227)

الإنساني وعين إرادة خالق الناس، وإذا كان هناك من يسوقهم في هذا الطريق، فهو الله سبحانه وتعالى المتّصف باللّطف والرّحمة، حيث فتح باب الأفهام الجديدة والمتزايدة أمام الناس إلى الأبد[1].

10. عصريّة المعرفة الدينيّة

يرى الدكتور سروش أنّ الفهم الديني نتيجة لتركيب الركن الذاتي والداخلي (الكتاب والسنة) والركن الخارجي (المعارف البشرية)، ولذلك يكون نسبيًا وعصريًا، ويتكامل بتكامل المعارف البشريّة. ويصف مخالفيه بذوي القراءة العوجاء، ويقول إنّ هؤلاء ظنّوا أنّنا نقول إنّ لكلّ فهمٍ ركنين، أو إنّ كلّ فهم نسبي أو إنّ الحقيقة تتكامل. في حين أنّنا لم نقصد أيّ شيءٍ من هذه الترّهات. وإنّما كلامنا يقتصر على خصوص الفهم الديني، ونعني بذلك فهمنا للكتاب والسنة، لا سيّما وأنّه لم يكن مرادنا أبدًا أنّ العلم والمعرفة البشريّة تعمل على تسيير المعرفة الدينيّة على وفق هواها، وتجعل كلّ عقيدة ورأي في حقل الدين ممكنًا ومسموحًا به، بيد أنّ المعارف الخارجيّة تشكّل مقدّمة لفهم الكتاب والسنّة، ولا يمكن للإنسان أن يفهم الشريعة بشكلٍ مغايرٍ لمبانيه السابقة ومعلوماته المقبولة، ولذلك فإنّه يضطرّ إلى وضع فهم الشريعة ضمن حدود وجغرافيّة المعارف البشرية[2].

(228)

دراسة أدلّة نظريّة الأبستمولوجيا ومسألة النسبيّة

الدليل الأوّل: استقراء «الفرد بالذات»

يذهب الدكتور سروش إلى القول بأنّ الاستفادة من النّموذج الخالص في الرياضيات والأبستمولوجيا والتفسير والمنطق هي العملة الشائعة، وإنّ تقديم قياس برهانيّ أو عمليّة جمع أو إثبات هندسي أو نموذج للجمع بين المتعارضين، هو على الدوام تقديم لنموذج، ولكنّه يشتمل على حكم عام وكلي، خلافًا للعلوم التجريبيّة التي يكون فيها تقديم النموذج تقديمًا لذلك النّموذج فقط، فلم يشهد أحد جمع جميع السبعات مع جميع الخمسات، ولكن الجميع يعلم أنّ السبعات إذا اجتمعت مع الخمسات، فإنّ النتيجة سوف تكون على الدوام اثنى عشر؛ وذلك لأنّه قد اختبر جمع السبعة مع الخمسة لمرّة واحدة. وهكذا الأمر في الإثباتات الاحتماليّة والبراهين العقليّة، حيث يتم هناك على الدوام إثبات نموذج واحد، ولكن حيث يُعدّ ذلك النموذج نموذجًا خالصًا، ولا يعتبرون العناصر والعوامل الأخرى دخيلة في الإثبات، فإنّهم يذعنون لكليّة حكمه[1].

لقد أوردوا على برهان الدكتور سروش الكثير من الإشكالات. وعلى هذا الأساس فقد ادّعوا لاحقًا أنّنا لا نريد إثبات المطلب بالدليل الاستقرائي، بل حتى إذا كان لدينا موردًا واحدًا على التغيير، يمكن لنا إثبات تلك القاعدة الكليّة من طريق اكتشاف خواص «الفرد بالذات»، وحيث تشتمل تلك الواقعيّة على هذه الخواص، فإنّه حيث توجد، تكون هذه الخواص موجودة أيضًا؛ بمعنى أنّه بالالتفات إلى فرد واحد، يمكن إثبات الحكم بالنسبة إلى جميع الأفراد؛ لأنّ للماهيّة خاصيّة عامّة، كما هو الحال

(229)

بالنسبة إلى النوع. فعندما تكون للنّوع خاصيّة خاصّة، فإنّ جميع الأفراد المندرجة تحت ذلك النّوع العام سوف تكتسب تلك الخاصيّة المنحصرة، وإنّ نوعيّة ذلك النوع هي التي تؤدّي إلى أن تكتسب هذه الخصوصيّة الخاصّة صبغةً عموميّةً.

الدليل الثاني: مفارقة التأييد

الدليل الآخر الذي استدلّوا به هو «مفارقة التأييد»؛ بمعنى أنّ الكثير من القضايا تبدو غير مترابطة في ظاهرها، وأنّ موضوعاتها تختلف عن محمولاتها؛ بيد أنّها ترتبط فيما بينها على أساس هذه المفارقة. من ذلك على سبيل المثال: إنّ كلّ ورقة خضراء، يكون عكس نقيضها، إنّ كلّ ما هو غير أخضر ليس بورقة، وإنّ كلّ قضيّة تلازم عكس نقيضها؛ فمثلًا جاء في القضية المذكورة «كل ورقة خضراء» وعكس نقيضها كل غير أخضر هو غير ورقة. فإذا عثرنا على قضية تؤيد إحدى هاتين القضيتين، فإنّها سوف تكون في الوقت نفسه مؤيّدة للقضيّة الأخرى أيضًا، وعليه فإنّنا لا نريد من مفارقة التأييد تأييدها، وإنّما نريد ربطها. إذا تمّ الحصول من مفارقة التأييد على نتيجة، فهي أنّ القضايا غير المترابطة في ظاهرها، ليست غير مترابطة تمامًا، وأنّها ترتبط مع بعضها في مقام الإثبات. وإنّ هذا الارتباط مهما كان ضعيفًا يصدق عليه عنوان الارتباط، وهذا هو المطلوب[1].

الدليل الثالث: هندسة المعرفة

أمّا الدليل الثالث الذي يستندون إليه فهو هندسة المعرفة؛ بمعنى أنّ الأقسام المختلفة من المعارف البشريّة في حالة من التعاطي والتبادل المستمر، وأنّ فيما بينها علاقة وثيقة، حتى إذا ظهرت في العلم مسألة جديدة تركت تأثيرها على

(230)

علم المعرفة أو الفلسفة، وتحدث تغييرًا في الفهم الفلسفي والفهم البشري حول الإنسان والعالم. وحيث يتغيّر شكل الإنسان والعالم، فإنّ المعرفة الدينيّة بدورها سوف تكتسب معنى جديدًا أيضًا. بمعنى أنّ الحقيقة البسيطة والجديدة التي تولد في زاوية ما، تتقدّم بكلّ تواضع واستبسال ومثابرة شيئًا فشيئًا حتى تغيّر مجمل الجغرافيا والحدود المعرفيّة، وتفتح لنفسها مساحة بحيث تزعزع أركان جميع المعارف الأخرى. أفهل يمكن للوافد الجديد ألّا يُحدث بلبلةً بين الضيوف السابقين في محفل أو ألّا يخلق بينهم حالة أو نسبة جديدة؛ بمعنى أنّ بسط المعرفة ليس مجرّد بسطٍ كميٍّ فقط، وإنّما هو كذلك بسط داخلي ومعنوي. إنّ كلّ مسألةٍ حديثة المنشأ تدعو جميع المعارف الأخرى للحكم بشأنها، وتحديد نسبتها إليها، وبيان موقفها منها[1].

إنّ الكلام كلّه يدور حول التصوير الكلّي للهندسة المعرفيّة الشاملة؛ وعليه ففي تكامل كلّ فرع من فروع المعرفة يتحقّق أمران من خلال التكاتف فيما بينهما:

الأمر الأوّل: تغيير فهمنا لجميع أجزاء تلك المعرفة (بسبب تطوّر المعارف الأخرى).

الأمر الثاني: تحوّل هندسة المعرفة وتبلور نظم وتراتيب جديدة بين أجزائها؛ بسبب ظهور عناصر جديدة ضمن تلك المعرفة ومجاورتها مع العناصر القديمة، وهذا بدوره يعمل مرّة أخرى على تغيير فهمنا للأجزاء الأخرى أيضًا؛ بمعنى أنّ المعارف البشريّة لا تتكامل من الناحية الكميّة فحسب، بل وتحتوي على تكاملٍ كيفيٍّ أيضًا، ولا أنّها تعمل على تعريفنا بالحقائق البشريّة فقط، بل وتمنحنا

(231)

فهمًا أفضل لتلك الحقائق أيضًا. إنّ هذا التكامل الكيفي في كلّ حقل من حقول المعرفة معلول للتكامل الكيفي للمعارف الأخرى، كما هو معلول للتكامل الكمّي والداخلي لتلك المعرفة ذاتها. وحيث تتغيّر هندسة المعرفة، فإنّ أجزاءها سوف تكتسب معاني أخرى أيضًا، ولذلك فإنّ المعرفة الدينيّة التي هي نابع عن العلوم المتغيّره، حيث يحدث تغيير في موضع ما، فإنّه يسري إلى المواضع الأخرى أيضًا؛ إذ يحدث التغيير في الكثير من العلوم، وإنّ هذه المجموعات المتحوّلة تمثّل جزءًا من مجموعة أكبر حيث تشمل المعارف الدينيّة أيضًا.

الدليل الأصلي

إنّ البنية التنظيريّة لنظريّة «القبض والبسط» تقوم على برهان يظهر في جميع أعمال ومؤلّفات الدكتور سروش تقريبًا. وبسبب محوريّة هذا الاستدلال سوف نطلق عليه عنوان «البرهان الأصلي»، الذي يُؤدّي من الناحية العمليّة إلى التشكيك الديني. إنّ شكل هذا البرهان كالآتي:

أ. إنّ المشاهدة مسبوقة بالنّظريّة.

ب. إنّ المعنى (التفسير) مسبوق بالنظريّة. (الناتجة عن أ).

ج. إنّ الفرضيات الأوّليّة (النظريات التمهيديّة) عصريّة، ومن هنا فإنّها في تحوّل مستمر.

إنّ نظريّة القبض والبسط تقول: إنّ المعرفة الدينيّة (علم الدين) في تحوّل مستمر[1].

(232)

وعليه فإنّ الدكتور سروش من القائلين بنسبيّة المعرفة الدينيّة.

من الناحية الأبستمولوجيّة القائلة بنسبيّة الفهم، فإنّ المعارف الدينيّة بدورها ـحيث تقع في ظرف الإدراك والفهم البشري ـ سوف يطرأ عليها التغيّر بمعيّة المعارف الأخرى أيضًا؛ وعليه فحتى لو افترضنا أنّ الشريعة تحظى ـ بوصفها نتاج الوحي ـ بحقيقة وواقعيّة ثابتة، إلّا أنّ فهمها في دائرة التعاطي المتقابل ونسبيّة العلوم، سيكون متحوّلًا ومتغيّرًا. إنّ هذه الحركة هي من اللّوازم الطبيعيّة لتكامل العلوم؛ بمعنى أنّه لو أراد شخص أن يصرّ على ثبات جزء من المعرفة الدينيّة ودوامها، فإنّه سوف يضطرّ إلى المواجهة والصراع مع مجموعة العلوم؛ فإن هو قبل بالحركة في سائر العلوم، سوف يذعن لا محالة بتغيّر المعارف الدينيّة أيضًا. إنّ الحكم بشأن صحّة وسقم القضايا والعلوم التي تنظر الأبستمولوجيا حول كيفيّة ظهورها وبسطها، لا يدخل في حقل الأحكام المعرفيّة، وإنّما هو يرتبط بالعلماء المختصّين في تلك العلوم، بيد أنّ الأبستمولوجيا القائلة بنسبيّة الفهم، بالنّظر إلى مبناها الفلسفي تحكم بأنّ جميع القضايا العلميّة التي يُدّعى ثباتها ودوامها وضرورتها محكومة بالفناء والزوال؛ بمعنى أنّها من هذه الناحية سوف تكون كاذبة وغير صادقة. ومن البديهي أنّه لن تكون هناك قضيّة دينيّة -سواء أكانت من أصول الدين أم فروعه- مستثناة من هذه القاعدة المذكورة آنفًا[1].

ولكن يجب القول في نقد هذه الرؤية:

إنّ حصر علم الناس بالقياس إلى علم الله سبحانه وتعالى، إذا لم يكن بمعنى

(233)

العلوم اليقينيّة المحدودة بالنسبة إلى بعض حقائق الخلق، سيكون أمرًا مقبولًا ومناسبًا. وقد صرّح الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم بمراتب العلم بالنسبة إلى جميع المخلوقات وحتى بين الأنبياء، وفي آيات من قبيل: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) [1]، وقوله تعالى: (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) [2] أشار إلى المراتب المتزايدة للعلم حتى يختتم بالعلم الإلهي المطلق.

بيد أنّ معنى هذه الآيات الناظرة إلى نفي الفهم والعلم المطلق وغير المحدود بين الناس، ومن بينهم الأنبياء والأولياء، ليس هو سلب الفهم الحقيقي الذي يعني العلم اليقيني بالنسبة إلى بعض القضايا وحقائق الخلق[3].

تداعيات الأبستمولوجيا القائمة على نسبيّة الفهم

1. إنكار الضروريات العلميّة

إنّ الأبستمولوجي الذي يعمل على تنظيم الأبستمولوجيا من طريق القبول بنسبيّة المعرفة، حتى إذا لم ينكر ثبات ودوام وتماميّة القضايا العلميّة والدينيّة صراحة، من أجل التنصّل عن بعض اللّوازم الواضحة المترتّبة على كلامه، إلّا أنّه حيث لا يرى ضرورة لدوام أيّ رؤية وثباتها، فقد صرّح بإمكان تحوّل جميع الأفكار، وبذلك فإنه يحكم بجواز تغيّر جميع المعارف، وإنّ جواز تغير جميع المعارف يستلزم نفي القضايا الضرورية للعلوم، كما يستلزم إنكار الضروريات الدينية؛ بمعنى أنّ العالم المعرفي يحصل على سلب ضرورة القضايا العلمية ـ التي

(234)

هي من لوازم القول بإمكان تغيير جميع المعارف ـ بوصفها حكمًا معرفيًا من طريق أصوله الوضعيّة. إنّه قد يدّعي بأنّ الإخبار عن الترابط الشامل للعلوم والتغيير الدائم والمنسجم بينها -الذي يستمر إلى حين الوصول إلى العلم المطلق- لا يستلزم نفي أو إثبات ضرورات العلوم الجزئيّة، بل إنّ وجود المدّعين الذين يدّعون-بوصفهم طرفًا في النزاع- الضرورة بشأن مختلف المسائل العلميّة، يمثّل شرطًا في ظهور علم الأبستمولوجيا، والأرضية لإخبار العالِم المعرفي عن إمكان تغيّر معطياتهم العلمية؛ وعليه فإنّ الأبستمولوجيا لا تنكر الضرورات العلميّة والدينيّة فقط، بل إنّ وجود الذين يدّعون الضرورة في مختلف العلوم والمعارف البشرية، يُعدّ ضروريًا للتحليل والحكم الأبستمولوجي في مورد علل ظهور واتساع وزوال الادعاءات المذكورة[1].

إنّ الأبستمولوجي الذي يرى أنّ جميع أسرار العالم مرتبطة ببعضها، ويرى جميع اللوازم والملزومات بحيث يعتبر أنّ المعرفة الحقيقية لكلّ مسألة رهن بالتعرّف على جميع أنحائها وأبعادها اللّا متناهية، سوف ينكر الضروريات العقلية والأولية التي تمثل مبدأ العلم باللوازم النظرية والتداعيات والتبعات غير البديهية. إنّه بسبب اعتباره جميع اللوازم والملزومات عناصر وأدوات عرضية أو طولية واقعية منسجمة، لا يعتبر كل موضوع ومحمول علمًا مستقلًا، ولا يعتبر أيّ قضية -بما في ذلك مبدأ عدم التناقض- بوصفها قضيّةً صحيحةً تمثّل المبدأ لجميع العلوم والمعارف؛ بل إنّه بسبب الخلط بين التصوّر الضروري والتصديق الضروري، يذهب إلى الاعتقاد -مثلًا- بأنّ زيادة العلم بشرائط الوحدة في التناقض من الثمانية إلى التسعة أو أكثر من ذلك، والعلم باستحالة التناقض في ظرف الوحدة، تعمل على

(235)

تغيير حتى القضيتين المتناقضتين أيضًا، وفي حين أنّ التصديق الضروري لا يتنافى مع التصوّر النظري لأطراف القضيّة، وعلى هذا الأساس فإنّه يتصوّر أنّ العلم الحقيقي إنّما يحصل في موضع حيث يكون هناك علم مطلق، وإن الشخص الذي لا يكون عالمًا بالمطلق، يكون عرضة للشك والجهل البسيط أو المركب. وإن سرّ هذا الخطأ يكمن في أنّه من خلال العلم بجميع اللوازم والملزومات بدون واسطة أو مع واسطة قليلة أو كثيرة، يعتبر الشيء الواحد بمجموعه مسألة وقضيّة واحدة.

1. نظريّة الدكتور سروش تفتح باب البدعة في الدين

لقد عمد الدكتور سروش إلى توظيف ما جرى على التوراة والعهد القديم أو ما حدث للإنجيل بوصفه شاهدًا على تغيير الضروريات الدينيّة؛ إذ إنّه يرى أنّ الأحداث التاريخيّة والحروب والحرائق وما إلى ذلك من الأمور الأخرى، قد أدّت إلى خروج مصادر الشريعة من متناول اليد؛ وعلى هذا الأساس فإنّه مع ضياع وفقدان أصول ومصادر الشريعة، سوف يزول أصل الشريعة أيضًا، وإنّه سوف يتمّ نسيانه بمرور الزمن، ويؤدّي ذلك إلى حدوث التحريف في النصوص الدينيّة؛ إذ إنّ ذلك يفتح الباب للتفسير بالرأي على مصراعيه، حيث يمكن لكلّ شخص أن يدليَ برأيه ويفرض ما يراه على الدين، وأن يحمّل فرضياته المسبقة على تفسيره للدين، وبذلك يقدّم الدين بحلّة أخرى، بمعنى أن يقدّم الدين بشكل مختلف عن الدين الأصلي بالكامل.

2. نظريّة القبض والبسط والتشكيك

إنّ من بين الإشكالات التي تمّ إيرادها على نظريّة التحوّل والتكامل العام للمعارف البشريّة، هو إشكال التشكيك في المعرفة ونسبيّة الحقيقة. بمعنى أنّه

(236)

طبقًا لهذه النظرية حيث يكون الفهم والإدراك الكامل لشيء ما رهن بفهم الأشياء والحقائق الأخرى وإدراكها، فإنّ هذا الأمر يتحقّق بالتدريج؛ ومن هنا فإنّه ما لم يتم الحصول على تلك المعرفة الشاملة، لا يمكن للشخص أن يثق بمعرفته وعلمه بشكلٍ كاملٍ، وإنّما يمكنه طرحه على مستوى الاحتمال فقط. وعلى هذا الأساس فإنّه ما لم نحصل على إدراك شامل لحقائق الوجود، فإنّ البشر سوف يمكثون في حالةٍ من الشّكّ والاحتمال.

الدكتور سروش وادّعاء التحوّل في جميع الأفهام الدينيّة

إنّ من بين المدعيات الرئيسة للدكتور سروش قوله إنّ جميع الأفهام الدينيّة في حالة تحوّل، وإنّ لدائرة التحوّل كليّة وشموليّة، وإنّها تشمل جميع المعارف الدينيّة، وليس مجرّد جانب منها. وفي الحقيقة فإنّ كلامه هذا يواجه أربعة إشكالاتٍ أساسيّةٍ، وهي:

1. إنّ كلمات الدكتور سروش في أصل التحوّل العام للمعارف متناقضة.

2. إنّ هذا الادّعاء لا يستند إلى دليل، وإنّ الدليل الذي أقامه عليه ناقص وضعيف.

3. إنّ الادّعاء المذكور مخالف للواقع؛ لوجود الأفهام الدينيّة الثابتة.

4. إنّ هذا الادّعاء «شمولي» و«متناقض مع نفسه».

فأوّلًا، وبأدنى تأمّل في مقالاته الأولى في القبض والبسط ومقارنتها بكتاباته الأخيرة، يبدو التناقض في كلامه حول موضوع تحوّل المعرفة جليًا. ففي مقالاته الأولى كان الكلام يدور حول التحوّل العام في جميع القضايا وفي جميع أجزاء

(237)

المعارف البشريّة، وإنّ التحوّل والتغيير في كلّ معرفةٍ بشريّةٍ يقع تحت تأثير مغناطيسيّته الذاتيّة، ويتم التأكيد على هذه النقطة وهي أنّ التحوّل في المعرفة الدينيّة إنّما يحدث من كونها معرفة بشريّة، وإنّ التحوّل والتغيير في كلّ معرفة بشريّة إنّما يكون بتأثير ومغناطيسيّة ذاتيّة، كما يتمّ التأكيد على هذه النقطة وهي أنّ المعرفة الدينيّة إنّما تتحوّل؛ لكونها معرفةً بشريّةً. وفيما يلي نشير -على سبيل المثال- إلى بعض كلماته في هذا الشأن:

«إنّ هذا التحوّل يتسلّل حتمًا إلى جميع الشؤون، وإنّ جميع المدركات يخفق نبضها على إيقاع واحد، وإنّ الشخص الذي يكون فهمه لكلّ شيءٍ في حالة من السيلان والجريان، يعمل على تجديد فهمه الديني أيضًا»[1].

وأمّا في المقالات الأخيرة، فإنّ حقل تحوّل المعرفة قد انتقل من قضايا العلوم إلى ذات العلوم، ويدّعي بأنّ حقول العلوم في تحوّل، وليست أجزاء قضايا كل علم:

«إنّ غايتنا من المعرفة ـ سواء أكانت دينية أو غير دينية ـ التي ننسب إليها أوصافًا من قبيل التكامل، سلسلة من العلوم والمعارف وليست أجزاء القضايا جزءًا جزءًا»[2].

إنّ وقوع التحوّل في مختلف فروع العلوم الطبيعيّة واضح، إلّا أنّ الموضوع الذي يثير الاعتراض والشجون هو دعوى تحوّل جميع قضايا المعرفة الدينيّة، وبالمناسبة فإنّ هذا المطلب الأخير هو الذي يناسب نظريّة القبض والبسط، ويتلاءم ويتناغم مع النتائج والتوصيات المنبثقة من هذه النظريّة، وإلّا فإنّ ادّعاء

(238)

التحوّل في المعرفة الدينيّة، وليس في آحاد قضاياها -الذي يقع موردًا لاتّفاق وقبول الجميع- لا يمكن أن يؤدّي إلى النتائج المذكورة في نظريّة القبض والبسط[1].

الأمر الثاني أنّ ادّعاءه هذا لا يستند إلى دليل؛ إذ من الواضح أنّ دعوى إثبات التحوّل المستمر لا يمكن أن تتمّ إلا من طريق الاستقراء التام، وذلك في جميع الأدوار، وهذا ما لم يقم به مؤلّف مقالات القبض والبسط قطعًا؛ لأنّها عمليّة تحتاج إلى سنوات متمادية من الدّراسة الدقيقة والتتبّع التام. من الواضح بالنسبة إلى كل شخص مطّلع في حقل الفنون الدينيّة المختلفة أنّ كيفيّة دراسة تحوّل أو عدم تحوّل مفردات الأحكام والمعارف القرآنيّة والروائيّة، والمفاهيم المستخدمة فيها، لا يمكن أن يضطلع بها شخص واحد، وإنّ الدكتور سروش على الرغم من ادّعائه التحوّل العام، إلّا أنّه في مقام الشاهد والدليل يقتصر على ذكر عدد قليل من الأمثلة، وبأدنى تأمّل في أمثلته يتّضح جليًا من طريقة استدلاله في عباراته أنّه يرى مجرّد وجود تحوّل في الجملة وفي بعض الموارد كافيًا لإثبات مدّعاه؛ في حين أنّه لا يُمكن إثبات كليّة ادّعائه الذي هو التحوّل العام في جميع الأفهام الدينيّة من خلال ذكر شواهد جزئيّة وفي بعض الأفهام. وعلى هذا الأساس فإنّ كيفيّة استدلاله ضعيفة ولا تستند إلى دليل؛ إذ سوف يُمكن من خلال ذكر بعض الموارد الجزئيّة القول بأنّ كلّ فهم كان ولا يزال في حالة تحوّل.

وبالإضافة إلى ما أشرنا إليه من عدم وجود دليل على هذا المدّعى، فإنّ مورد النقض الآخر يكمن في ضروريات الدين التي هي في الواقع جزء من الدين كما هو ثابت للجميع؛ بحيث إنّ فصلها عن الدين من المحال؛ من قبيل: الاعتقاد بالمعاد والحياة في الآخرة، والاعتقاد بأنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله هو خاتم الأنبياء، ووجوب الصلاة

(239)

والصوم، ووجوب الحج لمن استطاع إلى ذلك سبيلًا، فهذه من القضايا الضروريّة في الإسلام؛ وعليه فإنّ من ينكر واحدة من هذه الأمور يخرج عن ربقة الإسلام وحضيرة المتدينين والمؤمنين؛ وبالإضافة إلى هذه المجموعة من الضروريات الدينية، هناك قضايا أخرى ثابتة أيضًا وهي التي تتّسم بأنّها من الضروريات الفقهيّة، وهي على الرغم من أنّ إنكارها لا يكون بمنزلة الخروج من الدين، إلّا أنّ كلّ شخص إذا توجّه إلى أدلّة الأحكام الشرعيّة متسلّحًا بأساليب الاستنباط والاجتهاد الفقهي، سوف يتوصّل حتمًا إلى هذه المعارف والقضايا. ولذلك لم يُشكل عليها أيّ فقيه، ولم يصل من خلالها إلى نتائج مختلفة ومتناقضة مع ما توصّل إليه الآخرون، وإنّ أصل التحوّل العام في المعارف ليس مجرّدًا عن الدليل فحسب، بل ولا يتطابق مع الواقع أيضًا[1].

ومن هنا فإنّ مراجعة يسيرة إلى مختلف المعارف الدينيّة من الفقه والتفسير وغيرهما، تثبت كيف أنّ بعض «الأفهام» كانت منذ صدر الإسلام ولا تزال ثابتة. ولنقض ذلك المدّعى العام يكفي أن نذكر موردًا جزئيًا واحدًا في نقضه. يجب على الدكتور سروش في إثبات ذلك المُدّعى العام والكلي أن يجوب جميع الجزئيات، في حين يكفي لإبطال هذا المدّعى أن نذكر موردًا نقضيًا واحدًا. والحال أنّ موارد النقض كثيرة وهي تشكّل مجموعة كبيرة من المعارف المختلفة، من قبيل أحكام: الإرث والديات والحدود والخمس والزكاة والصلاة والصوم، مما هو منصوص عليه في القرآن الكريم بشكل خاص، ولم يحتدم أي خلاف بشأنها، أو من قبيل أصل المعاد -على سبيل المثال- وهي المعرفة التي لم ينكرها أيّ صاحب علم بالرجوع إلى الكتاب والسنة، وإذا كان هناك من خلاف في هذا الشأن؛ فمردّه إلى جزئيات المعاد، وليس إلى أصل وقوعه.

(240)

وأمّا الإشكال الرابع على نظريّة القبض والبسط فهو أن لازم القول بالشمولية والتعميم في تحوّل وتكامل المعرفة البشرية، أنّه ليس هناك معرفة تستثنى من هذه القاعدة؛ بما في ذلك هذا الأصل القائل: «إن المعرفة البشرية في تحوّل وتكامل دائم»؛ لأنّه من المعارف البشريّة، وبالتالي يجب أن يخضع للتحوّل والتكامل أيضًا. وللفرار من هذا الإشكال النقضي صار الدكتور سروش إلى القول بالفصل بين المعارف من الدرجة الأولى والمعارف من الدرجة الثانية، ببيان أنّ العلماء في مختلف العلوم يعملون على تقديم المعارف من الدرجة الأولى، وأما العالم الأبستمولوجي الذي يشرف على أعمال العلماء وينظر في محتويات عملهم من الخارج، ويعمل على الحكم والقضاء بهذا الشأن؛ فإنّه يقدّم معارف من الدرجة الثانية. وعليه عندما يقول العالم الأبستمولوجي: «إنّ جميع الأفهام في تحوّل دائم»، فإنّ مراده من ذلك الأفهام من الدرجة الأولى، وإنّ هذه القضية التي هي معرفة من الدرجة الثانية لا تشمل نفسها. بيد أنّ هذا الجواب من الدكتور سروش لا يبدو متينًا؛ إذ صحيح أنّ المدلول المطابقي لهذه القضيّة هو المعارف من الدرجة الأولى، بيد أنّ الملاك الذي ذكر لتحوّل المعارف البشريّة وتكاملها يتلخّص في بشريّة المعرفة والارتباط المتبادل بينها وبين سائر المعارف البشريّة؛ بحيث إنّ التغيّر الذي يطرأ على أيّ واحد من المعارف البشريّة، سوف يؤثّر في تحوّل سائر المعارف البشرية الأخرى أيضًا، وإنّ لهذا الملاك عموميّة وشمول ولا يختصّ بالمعارف من الدرجة الأولى؛ وعليه يبقى الإشكال النقضي قائمًا على حاله، ومن هنا فإنّه يعمد إلى بيان مقولة الفهم الأعمق[1].

وفي الإجابة عنه نقول: ليس هناك من شكّ في تصوّر الكمال والنقص في فهم

(241)

الحقائق، بل إنّ هذا واقع ومتحقّق، وإنّ هناك بطبيعة الحال فهم أفضل وأعمق؛ ولكن أليس لهذا المطلب حدّ يقيني، وهل يسري في البديهيات أيضًا؟ ولكن حيث يكون السبب الرئيس في تحوّل الفهم وتكامله ـ طبقًا لنظريّة التكامل العام للمعارف البشريّةـ هو الارتباط القائم بين جميع المعارف البشريّة، وحيث إنّ فهم الإنسان لحقائق العالم يحصل بالتدريج، لن تكون هناك نهاية لهذه السلسلة، وإنّ هذا التحوّل سوف يشمل حتى البديهيات أيضًا. ولكن الأدلّة التي أقيمت على هذا المُدّعى -كما سبق أن ذكرنا- ليست ناهضة، ومن هنا يبقى إشكال تناقض نظرية الدكتور سروش قائمًا على حاله.

وفيما يلي نبحث في الروابط التي يتمّ تعدادها في نظريّة القبض والبسط حول المعرفة الدينيّة والمعارف البشريّة:

أ. الارتباط الواقعي والمنطقي.

ب. الارتباط الأسلوبي

ج. الارتباط الأبستمولوجي (بالمعنى الخاص).

د. الارتباط الإنتاجي.

هـ. الارتباط الحواري.

إنّ الارتباط الحقيقي والمنطقي هو الارتباط الذي يحدث تمامًا في تحقيق أهداف وغايات هذه النظريّة؛ إذ عندما يقوم هناك ارتباط واقعي ومنطقي بين القضية «أ» والقضية «ب»، فإنّ إثبات أو إبطال إحداهما يؤثّر على إثبات أو إبطال القضيّة الأخرى مباشرة. وعليه من الطبيعي أن يؤدّي التحوّل في «أ» إلى حدوث التحوّل في «ب». إنّ صاحب هذه النظرية مدركٌ تمامًا ويُقرّ بهذه الحقيقة

(242)

القائلة بأنّ هذا النّوع من الارتباط موجود بشكل قليل بين قضايا العلوم المختلفة، ولذلك فإنّه يُشكل على المخالفين قائلًا:

 «لماذا لا تبحثون أبدًا عن الارتباط الحقيقي (الثبوتي) بين قضايا العلوم»[1].

إلّا أنّ الارتباط الأسلوبي الذي يؤكّد عليه الدكتور سروش كثيرًا، لا يُثبت المدى الأصلي والمنشود لهذه النظريّة أبدًا، وإنّ الارتباط الأسلوبي يقيم ارتباطًا ضعيفًا بين المعارف، ويعمل على توجيه تحوّل المعارف في إطارٍ جزئيٍّ وخاص للغاية، وهو تحوّل أسلوب الإثبات؛ إذا لم يكن هناك بين القضية «أ» والقضية «ب» من ارتباط سوى في أسلوب الإثبات؛ فإنّ التغيير والتحوّل إذا كان بسبب التغيير في الآراء، فهناك عشرات المنافذ والأرضيات لحدوث التحوّل المضموني في قضيّة ما، حيث يكون تغيير أسلوب الإثبات واحدًا منها. وفي الحقيقة والواقع إنّ التغييرات والتحوّلات المضمونيّة في حقول العلوم الإنسانيّة إنّما تحدث في العادة من خلال الحفاظ على أسلوب إثبات تلك العلوم، وبالمناسبة فإنّ تغيير أسلوب الإثبات في علم ما هو الأندر حدوثًا بين متغيّرات ذلك العلم. فإنّ معرفتنا في التحقيقات التاريخيّة -على سبيل المثال- بشأن ظاهرة تاريخيّة إنّما يعتريها التغيّر عادة بسبب توصّل المحقّق إلى شواهد وقرائن جديدة، بحيث تعمل إمّا على تكميل معلوماته السابقة في هذا الشأن أو تعمل على نقض وإبطال بعض معارفه حول تلك الظاهرة والواقعة التاريخيّة، لا أنّه يتمّ إعادة النّظر في أسلوب المعرفة التاريخيّة؛ حتى إنّه لا يعود هناك موضع للاعتماد على الأخبار المتواترة، أو أنّه لا يكون هناك منذ الآن اهتمام بالشواهد والقرائن التاريخيّة. وعلى هذا الأساس لا يُمكن اعتبار وحدة أسلوب الإثبات هو مكمن السّرّ في تحوّل المعارف الدينيّة.

(243)

أمّا الارتباط الحواري (السؤال والجواب) فهو وإن كان حقًّا، ولكنّه لا يتناغم مع روح مدعيات نظرية القبض والبسط وجوهرها. وقال الدكتور سروش بشأن الارتباط الحواري بين العلوم:

«إنّ الارتباط بين السؤال والجواب هو كالآتي: إنّ الأسئلة لا تتمخّض عن الإجابات من الناحية المنطقيّة، ويمكن تقديم الكثير من الإجابات الإيجابيّة والسلبيّة عن سؤال واحد، ومع ذلك فليس كلّ كلام يمكن أن يكون جوابًا لكلّ سؤال... والقضيّة هي أنّ بعض العلوم كأنّها تجيب عن أسئلة بعض العلوم الأخرى. وبعبارة أخرى: إنّها تلبّي حاجتها، وبالتالي يحدث تناغم كامل بين حدوث التطوّر في أحدهما، وحدوث التطوّر في الآخر»[1].

إنّ أصل وجود الارتباط الحواري والمنتج للأسئلة بين العلوم والمعارف، غير قابل للإنكار؛ بيد أنّ ما جاء على هامش الارتباط الأسلوبي، لا يأتي بنظائره كنتيجة مطلوبة ومنشودة لنظرية القبض والبسط. فإنّ هذه النظرية بصدد إثبات ما يلي:

أ. إنّ كلّ تحوّل في المعارف غير الدينيّة، يؤدّي بدوره إلى تحوّل في المعرفة الدينيّة.

ب. إنّ كلّ تحوّل في المعرفة الدينيّة هو مستند فقط وفقط إلى تحوّل المعرفة غير الدينيّة.

والكلام هو أنّ وجود الارتباط الحواري والتمخّض عن المسائل بين العلوم، عقيم عن التمخّض عن مثل هذه النتيجة.

(244)

فأوّلًا: إنّ الارتباط الحواري قائم بين بعض قضايا العلوم وبين بعض أنحاء المعرفة الدينيّة، وليس بينها جميعًا؛ فليس كلّ تحوّل في كلّ حقل من المعارف الإنسانيّة، يخلق مسألة للمعرفة الدينيّة أو أن تضع بين يديها مجموعة من الأسئلة، أو أن يجيب عن بعض أسئلتها.

وثانيًا: ليس هناك ارتباط مضموني بين أطراف هذا النّوع من الارتباطات، وإنّ الأسئلة لا تتمخض عن إجابات، وإنّما هي مجرّد مثيرات ومحرّكات للعالم ودفعه نحو البحث والتحقيق لا أكثر، وإنّ ما ينتج عن هذا التحقيق هو إجابة قد تم تحصيلها على أساس أسلوب وضابطة حلّ مسائل ذلك العلم، وليس للأسئلة أيّ دور في بلورة مضامين الإجابات، وإنّما هي مجرّد معدّات ومحرّكات فقط[1].

وفيما يتعلّق بالأبستمولوجيا ودورها وتأثيرها في مختلف المعارف الإنسانيّة، وكذلك التحوّل الذي يمكن أن يكون من نصيبها من هذه الناحية، يجب التمييز بين أمرين:

الأمر الأوّل: الارتباط الأبستمولوجي مع مختلف المعارف البشريّة، من قبيل: الفلسفة والكلام وما إلى ذلك.

الأمر الثاني: الارتباط الذي يصل الحقول المعرفيّة الكبرى ببعضها تحت عنوان أبستمولوجي واحد.

إنّ تأكيد الدكتور سروش يأتي في الغالب على الأمر الثاني؛ حيث يتحدّث عنه دائمًا بعنوان التماهي والتناغم بين المعارف على هامش أبستمولوجيا واحدة. ونحن نرى أنّ التماهي الذي يؤكّد عليه لا يحتوي على تلك الأهميّة الكبيرة في

(245)

مسألة التحوّل والارتباط بين المعارف، بل على العكس من ذلك فإنّ التأكيد يجب أن يكون على الارتباط الأبستمولوجي مع المعارف البشرية المختلفة. إنّ التماهي الذي يعبّر عنه الدكتور سروش هو في الواقع عنوان انتزاعي، بل وهو تسامحي في بعض الموارد. لنفترض أنّ شخصًا كان -في نظريّة أبستمولوجيّة- يقول بانفصال حدود الفلسفة والعلم من ناحية القابليّة على الإبطال التجريبي؛ إنّ هذا الرأي وإن كان يقيم نسبة خاصة بين العلم والفلسفة، بيد أنّ هذه النسبة ليست بالشكل الذي ينعكس فيه التحوّل الحاصل في أحدهما تحوّلًا في الآخر أيضًا؛ بل يجب القول: إنّه إمّا في جهة معاكسة لهذا المطلب أو هو ـ في الحدّ الأدنى ـ ساكت عن مثل هذه التسرية، وهذا الأمر من وجهة نظرنا في غاية الأهميّة.

مناقشة أدلّة القبض والبسط

إنّ مؤلّف كتاب (القبض والبسط) بصدد إثبات التأثير المتبادل وكذلك تأثّر المعارف الدينيّة بالمعارف الخارجيّة، حيث عمد من أجل إثبات ذلك إلى الخوض في نقل الشواهد من تاريخ العلوم الدينيّة وغير الدينيّة، وهذا في الحقيقة من قبيل الفرد بالذات، وذلك بأنّه كلّما تمّ الحصول على حكم ماهيّة كليّة من طريق فرد واحد، يكون ذلك الحكم صادقًا في مورد جميع أفراد تلك الماهيّة. وعلى هذا الأساس فإنّه يذكر في كتابه بعض الأمثلة، بحيث تغيّر بعض أفهامنا عن الأمور الدينيّة. ثم يدّعي بشكلٍ عامٍّ أنّ جميع أفهامنا عن جميع الأمور الدينيّة يطالها التغيير أيضًا؛ في حين أنّه حتى لو ذكر مئة مورد آخر من موارد تغيّر فهمنا للأمور الدينيّة بفعل تحوّلات العلوم، لا يمكن لذلك أن يُثبت مثل هذه القضيّة الكليّة التي تُشكّل مدّعى نظريّة القبض والبسط؛ إذ ليست المعرفة الدينيّة أو الشريعة منحصرة بهذه الأمثلة فقط.

(246)

مثال: يقول الدكتور سروش في هذا الشأن: لو رأينا شخصًا مثل العلّامة الطباطبائي يقول: حيث تغيّرت النظريّة العلميّة بشأن الشُّهُب، فيجب تفسير الآية الخاصّة بالشُّهُب بشكل آخر. في مورد هذا المثال من الدكتور سروش، وبناء على قاعدة الفرد بالذات، يمكن لنا تسرية كلام العلّامة الطباطبائي حول الشُّهُب إلى تلك الطائفة من الآيات القرآنيّة المرتبطة بالظواهر الطبيعيّة، والقول بأنّ تحوّل المعارف العلميّة توفّر الأرضيّة للتحوّل في المعرفة التفسيريّة، بيد أنّ هذا الحكم لا يصدق في مورد جميع آيات القرآن، ولا يمكن من طريق حكم الماهيّة الكليّة استنتاج مثل هذا الشمول والتعميم؛ لأنّ الحكم الكلّي إنّما يشمل الموارد المشابهة فقط، وليس الموارد المباينة والمخالفة، ومن ناحية أخرى، فإنّ هذا المثال إنّما يختصّ في بادئ النّظر بمورد واحد فقط، ولكن يمكن بتنقيح المناط تطبيقه على جميع الآيات المرتبطة بالأحداث والظواهر الطبيعية؛ إذ من الواضح أنّ النظريّة العلميّة بشأن حادثة أو ظاهرة طبيعيّة؛ إذًا كلّما طرأ التغيّر على الرأي العلمي بشأن الظواهر الطبيعية، يمكن أن يكون ذلك منشأ لتحوّل الرؤية التفسيريّة في مورد تلك الظواهر[1].

مفارقة التأييد

الدليل الآخر الذي استدلوا به، هو مفارقة التأييد؛ بمعنى أنّ الكثير من القضايا تبدو غير مترابطةٍ في ظاهرها، وهناك اختلاف بين موضوعها ومحمولها؛ ولكنّها تبدأ بالارتباط فيما بينها على أساس هذه المفارقة. إنّ مفارقة التأييد يتمّ استنتاجها من القضايا الثلاثة الآتية:

(247)

1. مشاهدة الأوراق الخضراء تؤيّد قضيّة «كلّ ورقة خضراء».

2. إنّ مشاهد الأقلام الصفراء أجنبيّة عن قضيّة «كل ورقة خضراء».

3. كلّما كانت المشاهدة الخاصّة تُؤيّد قضيّة ما، فإنّها تقوم على تأييد معادلاتها المنطقيّة أيضًا[1].

هذا في حين أنّ الدكتور سروش عمد إلى تقديم مفارقة التأييد بوصفها دليلًا منطقيًّا، وفي الحقيقة فإنّ المفارقات التأييدية حتى إذا كانت صحيحة، إلّا أنّها أجنبيّةٌ بالكامل عن مدعيات القبض والبسط؛ إذ إنّ نظريّة القبض والبسط -كما رأينا من قبل- هي في الأصل، نظريّة لبيان كيفيّة تطوّر المعرفة الدينيّة، وبيان طرق ازدهارها، والنتيجة التي توصّلوا إليها في نهاية المطاف هي أنّ المعرفة الدينيّة في ترابط تامّ مع سائر المعارف البشريّة الأخرى، وأنّها محاطة بالأفكار الفلسفيّة والعلميّة من جميع الجهات؛ وعلى هذا الأساس فإنّ مفارقات التأييد -على فرض صحتها- من الضعف بحيث ليس هناك محقّق يجد من نفسه الاستعداد إلى البحث عن هذا النّوع من المؤيّدات واتّخاذها بوصفها أسلوبًا تحقيقيًّا في إثبات أو تأييد نظريّته، وعلى افتراض صحّة مفارقات التأييد ـ وبالتالي فإنّ ما يتمّ الحصول عليه في مختلف العلوم، يأتي لتأييد المعارف الدينيّة بالنحو المذكور ـ إلّا أنّ هذه التأييدات غير جديرة بالاعتناء؛ ليتمّ الإرشاد إلى التوجّه لمختلف العلوم من أجل إثراء المعرفة الدينيّة، لتكون نتائجها من طريق المفارقات التأييدية مؤيّدة لمعرفة دينيّة خاصّة؛ إذ حتى الاحتمالات القويّة جدًا لن يكون لها تأثير في استنباط الأحكام وفهم المعارف الدينيّة، ولا صحّة لها، ناهيك عن الاحتمالات التي وإن

(248)

كانت تفوق الصفر بحسب الفرض، إلّا أنّها لا تُشكّل سوى كسرٍ متناه الصغر. «اليوم هطل المطر»، و«الطقس بارد» وما إلى ذلك من القضايا الأخرى تدخل بأجمعها كمؤيّدات للمعارف الدينيّة؛ وعليه من البديهي أنّه بالاستناد إلى هذه المفارقة لا يمكن إقامة ارتباط بين كل معرفة ومعرفة أخرى، وتسرية حكم كل واحد منهما على الآخر، ومن ناحية أخرى فإن المفارقات التأييديّة للمحقّق، ترى كلّ أمر مؤيّدًا لقضيّة كليّة وعامّة، من قبيل: «كل ورقة خضراء»؛ في حين ليس هناك أي ارتباط بين هاتين القضيتين. لو كان الارتباط والتأييد يحصل بمثل هذه القيمة المتدنّية، سوف يتعيّن على كلّ مفسّر للقرآن أو فقيه الأحكام أن يتجوّل بكشكوله ويعمل على جدولة جميع الأحداث والأشياء في العالم[1].

هندسة المعرفة

في مقالات القبض والبسط «هندسة المعرفة»، تعني أنّ المعرفة الدينيّة تمثّل تابعًا من العلوم المتغيّرة، وعندما يحدث التغيير في موضع، فإنّه يسري إلى المواضع الأخرى أيضًا. تحصل التغييرات في الكثير من العلوم، وإنّ هذه المجموعة المتحوّلة والمتغيّرة تمثّل جزءًا من مجموعة أكبر تشمل المعارف الدينيّة أيضًا. ولهذا الدليل مقدّمتان أساسيتان:

إحداهما أنّ جميع المعلومات مرتبطة ببعضها، وهي بحكم الشكل الكثير الأضلاع؛ والأخرى أنّه قد طرأ التغيير على بعض هذه المعلومات. وعليه فإنّ هذا التغيير يسري على الجميع. ولكن من أين لكم أن تقولوا إنّ معلومات الإنسان مرتبطة ببعضها، وأنّها تتخذ شكلًا هندسيًّا؟ من الممكن أن تكون بعض هذه

(249)

المجموعات العلميّة مرتبطة ببعضها؛ من ذلك أنّ علم الفيزياء -على سبيل المثال- يرتبط بعلم الكيمياء، وكلا العلمين يرتبط بالبيوكيمياء، إلّا أنّ وجود هندسةٍ خاصّةٍ لجميع العلوم يحتاج إلى دليل، ولا يمكن القبول به ببساطة[1].

فمثلًا إنّ قضية «إنّ صلاة الصبح ركعتان»، وقضيّة «إنّ سعدي الشيرازي ألف كتاب گلستان»، كلتاهما موجودة في أذهاننا، ولكن ليس هناك أي ارتباط بينهما. هناك الكثير من موارد النقص يمكن لكلّ شخص أن يتبيّنها في معلوماته ومكتسباته؛ لا سيّما وأنّه قيل إنّ هذا الارتباط لا يكون من طرفين دائمًا، وإنّ بعض العلوم استهلاكيّة، وإنّ تغييرها على الدوام تابع لمتغيّرات أخرى، وادّعى أنّ المعرفة الدينيّة كذلك؛ بمعنى أنّ كلّ تغيير يحدث في سائر العلوم، يسري إلى المعرفة الدينيّة. وبعبارةٍ أخرى: إنّ الدكتور سروش يرى أنّ المعرفة الدينيّة «معرفة طفيليّة». وعلى هذا الأساس يجب القول: ليس هناك أيّ معرفة ثابتة في الدين. ولكنّه للأسف لم يُقم أيّ دليل على أيّ واحد من هذه الادّعاءات الكبيرة. إذا كان للمعرفة شكلٌ هندسيٌّ وجغرافيٌّ خاصّ، وكان كلّ ما يدخل إلى الذهن يؤثّر في الجميع، فيجب أن يكون هناك تأثير من هذه الناحية أيضًا؛ في حين أنّ التحوّل في المعارف الدينيّة، ليس له أيّ تأثير في العلوم التجريبيّة. هذا وأنّه لم يثبت أصل وجود هذه الهندسة بتلك الكيفية، ومن ناحية أخرى يذكرها بوصفها واحدةً من أدلّته.

إنّ رأينا بشأن تحوّل المعرفة الدينيّة هو أنّ بعض المعارف الدينيّة، أو بعبارة أفضل: إنّ بعض أفهامنا عن الحقائق الدينيّة، قابلة للتغيير، وذلك في الموارد التي لا نمتلك عليها دليلًا يقينيًّا. فإنّ الشّواهد في بعض الأحيان قد تدفعنا إلى الظّنّ بشيء،

(250)

وإنّ تلك الشواهد قد تتغيّر، وبناء على ذلك يتغيّر ظنّنا أيضًا. وإنّ ما يرِدُ عادةً في الفقه من قبيل تغيير الفتوى وما إلى ذلك، بأجمعه من قبيل هذه التغييرات الظنّيّة، حتى إنّ البعض عرّف الفقه بأنّه «معرفة ظنية» بالأحكام الشرعيّة، وإنّ بعض هذه التغييرات قد تكون في موارد نادرة جدًا بفعل التغيّرات الحاصلة في العلوم أيضًا. وعليه ليس جميع المعارف قابلة للتغيير، وإنّما بعضها فقط. ومن بين المعارف الدينيّة لا يتغيّر إلّا ما لا يقوم على دليلٍ يقينيٍّ. الأمر الآخر أنّه حتى في هذه المعارف الدينيّة الظنيّة لا تكون في أغلب الحالات تابعة للتغيير الحاصل في سائر العلوم، بل هناك في الغالب أسباب أخرى على ذلك، من قبيل: التوصّل إلى دليل أكثر اعتبارًا، وعلى هذا الأساس فإنّ بعض المعارف الدينيّة على سبيل المثال يتأثّر بالتغيّرات في الجملة، وهذه الأمور مورد قبول الجميع؛ وأمّا ما قيل:

أوّلًا: من تغيير كلّ العلوم.

ثانيًا: تغيير كلّ المعارف الدينية.

ثالثًا: أن تكون هذه التغييرات تابعة لتغييرات العلوم (ولا سيّما العلوم التجريبية).

إنّ جميع هذه الادّعاءات الثلاثة لا تستند إلى دليل، حيث لا يمكن إثباتها أبدًا[1].

(251)

تهافت نظريّة القبض والبسط وغموضها

في مقالات القبض والبسط النظري للشريعة، نلاحظ بشأن التحوّل والارتباط العام بين المعارف البشريّة، نوعين من التعابير المتهافتة، وهما:

1. إنّ التحوّلات التي تحدث بفعل الارتباط العام بين المعارف البشريّة، تتعلق بالأفهام والمعاني وقضايا العلوم؛ بحيث إنّه كلّما حدث تغيّر وتحوّل في واحد من أفهام الشخص في حقل معرفة الإنسان والعالم والطبيعة والشريعة، فإنّ ذلك سوف يؤثّر في سائر أفهامه ومعارفه، ويعمل على تغييرها أيضًا، ولكن تمّ نفي هذا النّوع من التحوّل في الموارد الأخرى، وتمّ تفسير التحوّل العام بوصفه تحوّلًا في هندسة معرفة البشر، وجاء هذان النوعان في بعض الأحيان على البدل.

2. لم يتم تقديم تفسير واضح عن تحوّل هندسة المعرفة، وهذا في المجموع يعبر عن ضعفين رئيسين في نظرية تكامل المعرفة الدينيّة، وهما؛ أوّلًا: الإجمال والإبهام. وثانيًا: التعارض والتهافت. من ذلك على سبيل المثال أنّ الدكتور سروش يدّعي أنّ التحوّل في جميع الأفهام والقضايا يأتي على شكل الموجبة الكلية، بحيث يشمل جميع العلوم والمسائل دون استثناء، فلا تنجو منه حتى البديهيات وهذا الادّعاء نفسه أيضًا. بمعنى أنّ الأفهام لكلّ شيءٍ ـ بما في ذلك هذا المُدّعى ـ تتغيّر، ولكنّه في عبارات أخرى اعتبر التحوّل والتكامل والترابط بين العلوم مرتبطًا بالحقول العلميّة لهندسة المعرفة، وأنكر حتى تحوّل آحاد القضايا؛ إذ يقول:

«ما أن يتحوّل ضلع من كثير أضلاع المعرفة البشرية، حتى تتغير هندسة جميع ذلك الشكل أيضًا»[1].

(252)

وقال في موضع آخر:

«ليس الكلام حول آحاد المعلومات وصدقها وكذبها؛ [بل] الكلام حول التصوير والهندسة العامة الحاصلة من تأليف المعلومات (الحقة والباطلة). إن التصوير الذي يتم تكوينه بمساعدة خمسة أجزاء، أشدّ ظلمة وقرصنة من التصوير الذي يتمّ تكوينه بمساعدة خمسين جزءًا. وكلما تم إخراج الأجزاء الخاطئة وزيادة عدد الأجزاء الصحيحة، تصبح هندسة البناء أكثر واقعية وإظهارًا للحق، وهكذا هو الحال بالنسبة إلى فهمنا للشريعة أيضًا».

إنّ الإجمال والإبهام في التعابير أعلاه يكمن في أنّه إذا كان التحوّل المفهومي للأجزاء المؤلّفة للمعرفة -في مرحلة ما قبل التحوّل الهندسي ومرحلة ما بعد هذا التحوّل- شيئًا واحدًا، كان ذلك مستلزمًا للدور في المعرفة؛ بمعنى أنّ تحوّل هندسة المعرفة، كما هي بشرط التحوّل المفهومي للمعرفة، كذلك هي نتيجة لها، فهي علّة كما هي معلولة لها، وإذا كان هذان التحوّلان المفهوميان مختلفين، فإنّه لم يقدّم توضيحًا في هذا الشأن، كي نعمل على نقده ومناقشته.

على أعتاب الدين العُرفي

في مسار عرفيّة الدين على أسلوب «القبض والبسط»، تولد كلُّ مرحلةٍ من رحم المرحلة السابقة، وفي كلّ مرحلة جديدة تترك بعض المدعيات السابقة أرضًا، ويتمّ الاحتفاظ بالبعض الآخر للمرحلة الآتية وتعزيزها؛ وعلى هذا الأساس فإنّنا على أعتاب الدين العرفي نواجه سلسلةً ومجموعةً من الذهنيات الراسبة من مسار العرفيّة، الأمر الذي يكشف اللّثام عن صناعة الدكتور سروش لمعرفة جديدة تستوجب القضاء على قداسة الإسلام والمعرفة الدينيّة.

(253)

القضاء على قداسة الإسلام والمعرفة الدينيّة

1. لقد كانت الغاية الأوّليّة من نظريّة القبض والبسط، تقديم طريق لأبستمولوجيا المعرفة الدينيّة، ولكنّنا في المرحلة اللّاحقة لا نشهد أيّ حديث عن المعرفة الدينيّة، وإنّما يدور الحديث عن الدين نفسه الذي أصبح محورًا لأبحاث الدين في حدّه الأدنى وفي حدّه الأقصى. ومع اعتبار الدين في حدّه الأدنى، يظهر مجال لتجاوز المعرفة الدينيّة عن الاستناد إلى الكتاب والسنة، حيث اعتبروا ذلك تضخمًا وتوسّعًا للمعرفة الدينيّة.

2. شيوع وانتشار التفكيكات الثنائيّة، وأخد واحد وطرح آخر، إنّ طريقة الحلّ الثانية للعرفيّة تتمثّل في الفصل والتفكيك بين «الحق» والذاتي والعرضي، والدين والمعرفة الدينيّة، حيث قام الافتراض على ذلك أيضًا؛ حيث لا يوجد أيّ ارتباط بين جميع هذه النظريات، هذا في حين قد اعتبر هذا الافتراض للخلاف في محلّه مناسبًا، وعلى أساس ذلك تمّت إقامة ارتباط وثيق بين العلم والفلسفة وتأثير العوامل المختلفة على المعرفة الدينيّة.

3. إنّ الطريقة الثالثة في القضاء على قداسة الدين، هي القول بتاريخيّة الدين. إنّ الدكتور سروش يشكّل في مقالاته على جميع المشارب والمذاهب، ويأخذ عليها لجوءها إلى آلية التاريخ في نقد الفكر بدلًا من اللجوء إلى آلة المنطق والبرهان، ولماذا ينبذون رأيًا لا بفتوى البرهان بل بسبب جفاء كما يقول؛ في حين أنّه نفسه قد عمد في مقال الذاتي والعرضي في الدين إلى نبذ الكثير من التعاليم الدينيّة بهذا الأسلوب التاريخي للدين وتحت عنوان «العرَضي»، وقد توجّه الدكتور سروش إلى الفقه الإسلامي بهذه الرؤية التاريخيّة، ويقول:

(254)

«إنّ المفاهيم الفقهيّة والحقوقيّة القديمة إنّما تنتمي إلى الإنسان والمجتمع القديم، وكانت تفسح المكان في دائرتها لذلك الإنسان وذلك المجتمع»[1].

النتيجة

إنّ المعرفة الدينيّة -خلافًا لمبنى المفكرين المستنيرين القائلين بأنّ المعرفة الدينيّة نسبيّة ومتغيّرة- ثابتة، ولا تتغيّر بتغيّر وتصرّم الزمان. لقد تمّ في هذا المقال بيان المباني النظرية للدكتور عبد الكريم سروش -كما لاحظتم- ثم عمدنا إلى نقدها واحدًا واحدًا. وعليه ليس هناك أيّ موضع للتردّد، ويمكن القول بكلّ جرأة بأنّ المعرفة الدينيّة مطلقةٌ لا نسبيّة، وإنّ مجرّد تأثّر العلوم وارتباطها ببعضها بمختلف أنحاء الترابط، لا يمكنه تحويل المعرفة الدينيّة إلى معرفة نسبيّة، وتأثير ذلك على المعرفة الدينيّة، وإنّ الأدلّة التي ساقها الدكتور سروش في هذا الشأن قابلة للنّقاش، وإن كانت من وجهة نظره أدلّة؛ إذ إنّه عند التأمّل وإمعان النظر، يتبيّن أنه أکثرها في الواقع لا يمثّل عندنا دليلًا أو برهانًا. وعليه فإنّ هذه النظريّة غير مقبولة، وقد تصدّى الكثير من المُفكّرين إلى نقدها، وأعرب كلّ واحد منهم عن مخالفته لها من زاويته الخاصّة، حيث تمّ توجيه الانتقادات الأساسيّة عليها.

(255)
(256)

 

 

 

مناقشة اتجاه عبد الكريم سروش
في فلسفة العلوم الإنسانيّة ونقده

 

عيسى اسكندري[1]

المقدمة

إنّ فلسفة العلوم الإنسانيّة تبحث في المباني والأصول الموضوعيّة، وبعبارة أخرى: إنّها تناقش وتبحث في شرائط ما قبل تكوين العلوم الإنسانيّة. إنّ كلّ معرفةٍ وجوديّةٍ وأنطولوجيّةٍ تعمل على بلورة علم اجتماع يُناسبها، وإنّ فلسفة العلوم الإنسانيّة تسعى إلى بيان هذه الشرائط المتقدّمة وطريقة تبلور العلوم الإنسانيّة القائمة عليها. في دراسة الشرائط المتقدّمة على تبلور العلوم الإنسانيّة يتمّ الحديث عن موضوعاتٍ ومسائلَ لا يُمكن بحثها من الناحية المنطقيّة في ذات العلوم الإنسانية. وبعبارة أخرى: إنّها تؤخذ في العلوم الإنسانيّة بوصفها فرضيّةً مسبقةً؛ وإنّ موضوع العلوم الإنسانيّة وأساليبها وغاياتها من هذا القبيل. وبطبيعة الحال قد يتمّ التعرّض إلى هذه الأبحاث في بعض العلوم الإنسانيّة على سبيل الاستطراد، بيد أنّه لا ُيمكن -من وجهة نظر فلسفيّة- عدّ هذا النّوع من الأبحاث في عداد مسائل ذلك العلم الإنساني؛ إذ ما لم يتمّ تثبيت موضوع العلوم الإنسانيّة وأسلوبها وغايتها، لا يمكن تأسيس منظومة علميّة على أساسها.

(257)

وقد قيل الكثير في باب ماهيّة العلوم الإنسانيّة وفلسفتها، وقد سعى كلّ واحد من المفكرين إلى تنقيح أسس هذه العلوم على طريقته الخاصّة، ومن بين هؤلاء المفكرين الدكتور عبد الكريم سروش الذي يعدّ واحدًا من أهمّ المستنيرين في إيران على المستوى الديني. وبطبيعة الحال فإنّ اشتهار الدكتور سروش وأهمّيته لم تكن بسبب بيان المسائل العلميّة فقط، وإنّما كان للسياسة نصيبٌ من هذا الاشتهار والاهتمام وتسليط الأضواء أيضًا. ولكنّه على كلّ حال كان رائدًا في بيان بعض الأبحاث الفلسفيّة الدائرة حول العلوم الإنسانيّة، وقد اتّخذ في هذا المسار بشكل رئيس اتجاهًا حداثويًّا، وإنّ الغاية من هذه الدراسة -لتي نضعها بين يدي القارئ الكريم- هي مناقشة آرائه في حقل العلوم الإنسانيّة مع التأكيد على إيضاح وبيان موضوع العلوم الإنسانية وأسلوبها وغايتها، ودراسة نقديّة لقراءته لهذه الأمور. وباختصار فإنّ معنى فلسفة العلم من وجهة نظر الدكتور سروش ليس سوى معرفة العلم؛ حيث يذهب إلى الاعتقاد بأنّ معرفة كلّ علم تتوقّف على الاستعانة بثلاثة مصادر، وإنّ هذه الأضلاع الثلاثة عبارة عن: الفلسفة، والتاريخ، وعلم الاجتماع. فهو يرى أن تبلور العلم الجديد هو ثمرة توظيف هذا النّوع من المصادر، وهو في الغالب يعتمد على التوصيف أكثر من اعتماده على التوصية، وهو تاريخي أكثر منه منطقي / معرفي، وهو نسبي أكثر منه واقعي، وهو لاحق أكثر منه سابق[1].

ومن هنا يذهب كاتب السطور إلى الاعتقاد بأنّ حصيلة جهود الدكتور سروش تنبئ باتّخاذه اتجاهًا فلسفيًّا في بيان مباني العلوم الإنسانيّة، وإنّ الملاك المُتّبع من قبله في تفكيك وفصل موضوع هذه العلوم عن سائر حقول الأنثروبولوجيا -من

(258)

قبيل: علم النفس الفلسفي- هو التمايز المنهجي والأسلوبي؛ حيث يرى أنّ العلوم الإنسانيّة ذات أسلوب تجريبي، وفي الأسلوب التجريبي إنّما يتم بحث جانب واحد من الجوانب الخاصّة للوجود الإنساني، ويتمّ بيانه بشكلٍ علميٍّ.

لا شكّ في أنّ كلّ نظريّة إنّما تتبلور ضمن خلفيات وحواضن خاصّة -ويمكن لهذه الخلفيات والحواضن أن تكون معرفيّةً أو غير معرفيّة- وإنّ دراسة تلك الخلفيات والحواضن من شأنها أن تساعد على إيضاح الزوايا والأبعاد المختلفة من تلك النظريّة، بالإضافة إلى معانيها ولوازمها. إنّ بيان أرضيّة وتكوين نظريّة ما، يمهّد الأرضيّة لنقد تلك النظريّة ومناقشتها. وعلى هذا الأساس فإنّ دراسة خلفيات تبلور نظريات الدكتور عبد الكريم سروش في حقل العلوم الإنسانيّة، بالإضافة إلى توفيرها لأرضيّة فهم آرائه، فإنّها سوف تعمل كذلك على بيان وإيضاح نقاط الضعف والخلل الواردة على نظرياته أيضًا. يذهب كاتب السطور إلى الاعتقاد بأنّ الدكتور سروش في تصنيف عام يشمل التيّارات الثلاثة -وهي: التيّار الوضعي، والتيار التفهيمي، والتيّار الانتقادي- يجب إدراجه ضمن التيّار الوضعي، وكما تقدّمت الإشارة فإنّ هذا الاتجاه يرى ضرورة سلوك المنهج التجريبي حتى في العلوم الإنسانيّة، كي يمكن العثور على التعميمات العلميّة كما هو الحال بالنسبة إلى العلوم الطبيعيّة، والعمل في ضوء ذلك على التكهن والتنبّؤ بالقواعد العلمية الحاكمة على عالم الإنسان، سواء على المستوى الفردي أو الاجتماعي. وإنّ لهذه النظريّة في حدّ ذاتها حواضن ومباني أنطولوجيّة خاصّة، وإنّ دراسة هذه المباني سوف تُسهم في تعميق رؤيتنا بالنسبة إلى فهم آراء الدكتور سروش بشكل دقيق.

وعلى هذا الأساس فإنّ الغاية الأساسية لهذا التحقيق تكمن في الإجابة عن السؤال القائل: ما هي المبادئ الفكرية للدكتور سروش في حقل العلوم الإنسانية؟

(259)

وما هي الأرضية والخلفية الأنطولوجية التي ترعرعت فيها هذه المبادئ، وما هي مزاياها وعيوبها؟ وبعبارة أخرى: إنّ مناقشة مبادئ الدكتور سروش وتحليلها في حقل فلسفة العلوم الإنسانية هي الغاية التي ننشدها من وراء هذه الدراسة. للإجابة عن هذا السؤال ينقسم هذا البحث إلى قسمين رئيسين؛ القسم الأوّل عبارة عن جولة على آراء الدكتور سروش في حقل العلوم الإنسانيّة، وفي تضاعيف هذه الدراسة سوف تكون لنا هناك إشارات إلى مبادئ وخلفيات هذه النظريات أيضًا. وفي القسم الثاني سوف نتناول آراء الدكتور سروش بدراسةٍ نقديّةٍ.

إنّ هذا التحقيق هو من سنخ التحقيقات التي تقوم على أساس معرفة الأساليب الجوهريّة (أو المنهجیّة الأساسیّة)؛ حيث يتمّ السعي في هذا النّوع من التحقيقات إلى بيان طريقة تبلور النظرية على أساس خلفياتها وحواضنها:

 «إنّ كل نظرية تعمل في تبلورها وتكوينها التاريخي على توظيف بعض المباني المعرفية والخلفيات غير المعرفية أيضًا. إنّ المباني المعرفيّة على الرغم من تدخلها في التكوين التاريخي للنظريات، إلّا أنّها تحتوي في الوقت نفسه على ارتباط منطقي وواقعي بالنظريات. وأمّا المبادئ الوجوديّة غير المعرفيّة، فعلى الرّغم من أنّها تعرف بأساليب منطقيّة، ولكن ليس هناك من ارتباط منطقي بينها وبين النظريات العلمية»[1].

 وفي الحقيقة فإنّ أسلوب المعرفة الجوهريّة اتّجاهٌ تتمّ فيه دراسة النظريّة في صلب أصولها وأسسها الجوهريّة:

«إنّ مجموع المباني والأصول الموضوعيّة التي تتبلور النظريّة العلميّة

(260)

على أساسها، توجد إطارًا ومسارًا لتكوين العلم، حيث يمكن التعريف عنه باسم أسلوب المعرفة الجوهريّة»[1].

 ومن هنا نسعى في ضوء افتراض هذه الرؤية الأصليّة القائمة على أسلوب المعرفة الجوهرية، إلى بيان أرضيّة وحاضنة تكوين نظريات الدكتور سروش في حقل فلسفة العلوم الإنسانيّة.

ومع هذا الوصف فإنّ السؤال الرئيس في هذا البحث هو:

 «ما هي مبادئ وخلفيات تكوين رؤية الدكتور سروش في حقل فلسفة العلوم الإنسانية، وما هي الانتقادات الواردة على هذه النظريات؟».

خلفيات اتجاه الدكتور عبد الكريم سروش

إنّ العلوم التجريبيّة الحديثة قد تبلورت وتكوّنت ضمن مسارٍ تاريخيٍّ خاص، ومن هنا لكي نفهم أين تكمن جذور نظريات أمثال الدكتور سروش يجب علينا الاهتمام بالمسار التاريخي لتبلور العلوم الإنسانيّة وتكاملها، ونعمل على بحثها ودراستها. وفي هذا السياق حيث تنبت العلوم الإنسانيّة في تربة التفكير الحديث، سوف يتم السعي -من خلال الإطلالة على أهمّ النظريات الفلسفيّة في المرحلة الحديثة- إلى إيضاح مسار تعيّن العلوم الإنسانيّة، وبيان موقع ومكانة نظريات الدكتور سروش بشكل أوضح.

إنّ الفلسفة الحديثة قد بدأت بأفكار رينيه ديكارت[2]، وهو الذي خطّ الطريق من خلال بيان ثنويّته[3] لمسار الفلاسفة الذين جاؤوا بعده إلى حدّ كبير. لقد بذل

(261)

الفلاسفة الذين لحقوا ديكارت كلّ جهدهم -نوعًا ما- في سياق حلّ هذه الثنويّة. وكأنّهم أخذوا هذه الثنويّة بوصفها شيئًا مفروغًا منه، وهم الآن بصدد العمل على رفعها.

لقد كان ديكارت يسعى إلى الحصول على أفكار واضحة ويقينيّة، ولكن: «حيث  يكون الإنسان في بداية تفكيره منهمكًا بالوضع الطبيعي والبساطة الفطريّة، ومتوغّلًا في الأمور العادية، لا يبقى أمامه سوى الشكّ في أحكامه السابقة. ومن هنا كان الشكّ هو المبدأ لتفكير ديكارت. وبهذا الشكّ بدأت تجربة ديكارت مع الكوجيتو. وقد عمد إلى شرح هذه التجربة بالتفصيل في كتاب له تحت عنوان تأملات»[1].

إنّه يتّجه إلى الشكّ في جميع أفكاره السابقة، ومن خلال إقراره بيقينيّة هذا الشّكّ، يستنتج من ذلك أنّه يجب أن يكون هناك شاكّ؛ ثم يصل من خلال ذلك إلى يقينيّة وجوده، ويثبت وجود نفسه، (ومن ذلك جاءت مقولته الشهيرة: «أنا أشكّ؛ إذًا أنا موجود»[2]. وفي مسار تأمّلاته يعمد إلى الفصل بين نفس الإنسان وجسمه، ويرى أنّ الصفة الأصليّة والمقوّمة للنفس هو التفكير، ويرى أنّ الصفة الأصلية للجسم تتمثّل في البُعد المعرفي:

 «أرى أنّ أفضل طريق لمعرفة طبيعة النفس، يكمن في ذات معرفة أنّ النفس جوهر ممتاز بالكامل من البدن؛ لأنّ التحقيق في أنّنا من نكون ـ حيث نرى أن لا شيء حقيقي سوى تفكير الشاك أو ليس له وجود أصلًا ـ 

(262)

يوصلنا ذلك بوضوح إلى هذه النتيجة وهي أن وجودنا لا يحتاج إلى امتداد وشكل والوقوع في حيّز من المكان أو شيء آخر من صفات البدن أو الجسم، وإن الدليل الوحيد على وجودنا، موجود في تفكيرنا ... إن مرادي من الفكر هو كل ذلك الشيء الذي يجول في ذواتنا، ونحن ندرك وجوده في أنفسنا مباشرة ومن دون واسطة. ومن هنا لا يكون مجرد الفهم والإرادة والخيال فقط، بل وحتى الإحساس كذلك ليس شيئًا سوى التفكير»[1].

إنّ هذا التمايز والثنويّة لم يكن مجرّد نتيجةٍ فلسفيّةٍ بسيطةٍ، بل بداية للذاتانيّة[2] التي ظهرت في الفلسفة الحديثة، وأضحت أساسًا للتفكير والعلم الغربي، وبنحو من الأنحاء أضحى «العالم الجديد عالمًا للشّكّ»، ومن هنا «يسود العالم المعاصر نوع من الظن والشك السليم أكثر منه إلى تلك النزعة اليقينية التي كانت سائدة بين أسلافنا»[3]. ومن خلال هذا الفصل:

 «تكون النفس جوهرًا مفكرًا يقع في قبال العالم، ويتمّ لحاظه بوصفه فاعلًا معرفيًا، وفي المقابل يكون العالم بوصفه متعلقًا للمعرفة. وإلى هذا الموضع يكون رجوع المسألة الأساسية المتمثلة بالموضوعيّة النفسانية[4]، والعينيّة[5]، في التفكير الجديد»[6].

(263)

إنّ النتيجة الأخرى التي يصل إليها ديكارت في مساره الفكري هي هذه المسألة الهامّة، وهي أنّ الكائنات ليس لها وجود حقيقي، بل إنّ لها وجودًا من الحيثيّة التي تكون موجودة بالنسبة لنا[1]. ولذلك من هنا سوف تدور الحقيقة بدورها حول الذهن، وإنّ يقين الإنسان هو ملاك الحقيقة. وبعبارة أوضح: إنّ الحقيقة هي الإنسان.

وحيث يكون الهدف هو وصول الإنسان إلى اليقين، يجب توفير قواعد لتحصيل هذا اليقين؛ يرى ديكارت أنّ الإنسان بحاجة إلى منهج للوصول إلى الحقيقة[2]. ولكن ما هو مراده من المنهج؟

«إنّ مرادي من المنهج هو مجموعة من القواعد اليقينيّة والسهلة، بحيث لو عمل كل شخص على رعايتها بشكل دقيق، فإنّه لن يتصوّر صحّة ما هو خاطئ، ولن يعمل أبدًا على إهدار مساعيه الفكريّة عبثًا، بل إنّه من خلال الإضافة التدريجيّة لعلمه سوف يصل إلى الفهم الحقيقي لجميع تلك الأمور التي لا تكون فوق قدرته وطاقته»[3].

 وعليه حيث تكون الحقيقة دائرة مدار يقين الإنسان، فإنّ المنهج في الواقع طريق يصل الشخص من خلاله إلى اليقين الذهني، وفي الأساس يجب أن يكون تدوين المنهج بحيث يوصل الإنسان إلى اليقين. إذًا يجب على المنهج أن يعدّ العدّة بحيث ينتظم العالم الخارجي على أساس المباني الذهنيّة للإنسان؛ إذ كما استنتج

(264)

من الأبحاث السابقة، فإنّ الإنسان وذهنه لا يمتلكان مرجعيّة فوقهما، وإنّهما يمتلكان أصالةً ذاتيّةً؛ ومن هنا فإنّ المنهج لا يمكنه -في مسار تنظيم وتبويب العالم الخارجي وإنتاج المعرفة كنتيجة لذلك- أن يلجأ أو يستند إلى شيء وراء التركيبات الداخلية لذهن الإنسان.

وعلى هذا الأساس فإنّ الموضوع ليس منفصلًا عن الإنسان، وإنّه يكتسب كينونته من الإنسان، وهو أمر متماهٍ مع المقولات الذهنيّة. والخلاصة هي أنّ المنهج بمعناه الديكارتي أمر ذاتي ومتأصّل ومتمحور حول اليقين، وإنّ كينونة الذات تنشأ من كينونة الإنسان.

وقد تمّ تفصيل هذه المفاهيم في فلسفة كانط بشكل أكبر، لقد تمّ بحث الإنسان وحدود معرفته في فلسفة كانط، وتم بيان شرائط تحقّق العلم على مبنى محوريّة الإنسان من قبله.

ومنذ ذلك الحين بسطت العلوم التجريبية -التي هي وليدة النسبة الخاصة للإنسان مع الطبيعة- هيمنتها على الطبيعة من خلال مخطّطاتها، وحازت على تقدّم كبير. إنّ العلوم التجريبيّة هي في الأساس وبالذات وبحسب الماهية تسعى إلى بسط سيطرة الإنسان -بوصفه موضوعًا- على الطبيعة، وتبعًا لهذا التفكير والذات قامت التكنولوجيا أيضًا، واتّسعت السيطرة على الطبيعة بشكل غير مسبوق، وتمّ صنع الكثير من الأدوات والمُعدّات التي بدت للوهلة الأولى أنّها صنعت من أجل توفير حياة مريحة للإنسان. لقد عمل هذا التقدّم على تشجيع علماء العلوم الإنسانيّة ودفعهم إلى الاستفادة من نموذج وأسلوب العلوم التجريبية في العلوم الإنسانيّة أيضًا، وعلى هذه الشاكلة كان للعلوم الإنسانية في بداية تكوينها منهجٌ وأسلوبٌ تجريبيّ. لقد ظهرت الاستفادة من منهج العلوم التجريبية في العلوم

(265)

الإنسانية للمرّة الأولى في جهود ستيوارت ميل؛ حيث كان يسعى إلى الاستفادة من المنهج التجريبي في الأخلاق.

وعلى هذا الأساس فإنّه مع ظهور التفكير الحديث، ظهر العلم والمنهج التجريبي بوصفه العلم الوحيد في الساحة المعرفيّة، وبلغ الأمر حدًّا ذهب معه بعض الفلاسفة من أمثال أوجست كونت إلى القول بأنّ المعرفة غير التجريبيّة تعود إلى مرحلة طفولة وعدم بلوغ البشر، ونصح بأنّه من الآن فصاعدًا يجب إخضاع كلّ ما قاله الأنبياء والفلاسفة واختباره تحت مجهر التجربة. ومن هنا لا يُمكن للعلوم الإنسانيّة -من خلال الاستناد البحت إلى المبادئ العقليّة والإنثروبولوجيّة الفلسفيّة، ومن خلال إغماض العين على الآثار الخارجيّة والقابلة للتجربة من أفعال البشر- إصدار أحكام علميّة في باب أحوال وأوصاف الحال والمستقبل الاجتماعي، واعتبار نفسها مستغنية على المستوى الفلسفي من معطيات الباحثين والمُحقّقين في الحقل التجريبي[1]. وبعد كانط تبلورت حركات من قبيل حلقة فيينا التي اعتبرت المعارف غير التجريبية -ولا سيّما الفلسفة- حصيلة أخطاء لغوية، وعلى هذا الأساس تم اعتبار المسائل الفلسفيّة أمورًا فاقدةً للمعنى.

ومع ظهور فيتغنشتاين -ولا سيّما في المرحلة المتأخرة من تفكيره- عادت الجولة إلى حدّ ما لمصلحة العقلانيّة العقليّة / الفلسفيّة؛ حيث لم يذهب إلى اعتبار المسائل الفلسفيّة فاقدة للمعنى، وإنّما كان يعتبرها أمورًا مهملة. بيد أنّ المهمل لا يعدّ -من وجهة نظره- مساويًا لعديم المعنى، إنّما المهمل عنده هو الذي تكون معرفته خارج متناولنا. وعلى هذا الأساس فإنّ المفاهيم الميتافيزيقيّة من وجهة

(266)

نظر فيتغنشتاين ذات معنى، ولكنّنا لا نمتلك طريقًا يوصلنا إليها. وبعبارة أخرى: إذا كانت المفاهيم الفلسفية تعتبر فاقدة للمعنى في حلقة فيينا، فإنّها في رؤية فيتغنشتاين لا تعتبر كذلك، وإنما هي ذات معانٍ لا يمكن الوصول إليها:

«حيث يكون مضمون الأخلاق والدين وما إليهما خارج هذا العالم، لا يمكن لنا أن نقول أيّ شيء بشأنها. وإن السعي إلى قول شيء بشأنها ـ بالالتفات إلى أسلوب عمل اللغة ـ إنما هو تخبط في أمر مهمل. إلا أن هذا إنما يكون في مجرّد السعي إلى الكلام بشأنها»[1].

 يرى فيتغنشتاين أنّ الموضوعات الأخلاقيّة والدينيّة تبدي نفسها بنفسها، ولا يمكن العمل على إظهارها وبيانها. يقول فيتغنشتاين في آخر جملة من الرسالة:

«حيث لا يمكن الكلام، يجب السكوت»[2].

وفي مسار جهود حلقة فيينا، وبعد ظهور فيتغنشتاين، ظهر بوبر على الساحة؛ إنّه لا ينكر العقلانيّة الفلسفيّة بالكامل، ويراها منتجة للمعرفة، إلّا أنّ هذا الإنتاج للمعرفة لا يعني أنّ الفلسفة علمٌ، بل إنّ المعرفة من وجهة نظر بوبر بمثابة البازل أو الأحجية التي تحتلّ الفلسفة جزءًا منها. يبدو أنّ ما تمّ إبرازه من قبل كانط وحلقة فيينا، يتناسب مع الفلسفة الحديثة؛ حيث أجلست العلم التجريبي بالتدريج على مسند القدرة وجعلته الفارس الوحيد في حلبة المعرفة، بيد أنّه في

(267)

الفضاء الانتقادي -الذي أثير من قبل الكثير من فلاسفة العلم، من أمثال: توماس كوهين- أخذت العقلانيّة الفلسفيّة تستعيد أنفاسها إلى حدّ ما، أخذ بوبر يقول بإنتاجيّة المعرفة الفلسفيّة للمعرفة، ولكنّه كان لا يزال في المناخ العلمي الحديث يعتبر العلم منحصرًا في العلم التجريبي، و«ربّما كان الشخص الأوّل الذي حمل حكم التاريخ في باب المسائل الفلسفيّة للعلم على محمل الجدّ، واعتبر الرجوع إلى تاريخ العلم بوصفه مصدرًا للفلاسفة، هو شخص كارل ريموند بوبر»[1].

من الواضح أنّ كلّ شخص يروم قول شيء في هذا الفضاء ويعتبره علمًا، يتعيّن عليه اتّباع منهج العلوم التجريبية، أي الأسلوب الاستقرائي، وإنّ العلوم الإنسانيّة بدورها مضطرّة في هذا الفضاء إلى الرضوخ للأساليب الاستقرائيّة أيضًا.

إطلالة على آراء الدكتور عبد الكريم سروش في حقل العلوم الإنسانيّة

إنّ كلّ علم بوصفه نظامًا -وليس بوصفه قضيّةً- يتألّف من بعض المفاهيم التي كان المتقدمون يطلقون عليها مصطلح الرؤوس الثمانية، حيث يعمدون -في مستهل الكتب التي يؤلّفونها في مختلف العلوم- إلى التعريف بهذه الأمور الثمانية لتحديد الإطار والمسار العام لذلك العلم. وبطبيعة الحال هناك ثلاثة أمور من بين هذه الأمور الثمانية هي الأهم من بين سائر الأمور الأخرى، ومن خلال اتّضاح هذه الأمور الثلاثة يمكن القول باتّضاح ماهيّة العلم، وهذه الأمور الثلاثة هي: الموضوع، والغاية، والمنهج[2]. ويمكن الاستفادة من هذا النموذج بشكل عام، لا في

(268)

التعريف بعلم خاص فحسب، بل ويمكن التعريف بنوع وسنخ عام من العلوم بهذه الطريقة أيضًا؛ من ذلك -على سبيل المثال- يمكن أيضًا من خلال الاستعانة بهذه الرؤوس أن نعمل على التعريف بعلم المنطق، وكذلك توضيح ماهيّة العلوم العقليّة أيضًا. إنّ العلوم الإنسانيّة هي الأخرى نوع من العلوم، وعلى هذا الأساس يمكن -من خلال اتضاح موضوع هذه العلوم ومنهجها وغايتها بشكل عام- الوصول إلى معرفة ماهيّة هذه العلوم، والدخول بذلك إلى دائرة فلسفة العلوم الإنسانيّة. وعلى هذا الأساس وبالالتفات إلى مسألة هذه الدراسة سوف نواصل البحث حول الرؤوس الثلاثة في آثار الدكتور سروش. وبطبيعة الحال إذا كان هناك في البين موضوع يساعد على إيضاح مبادئ الدكتور سروش، فسوف نسعى كذلك إلى بيان ذلك الموضوع بالإضافة إلى تلك المسائل والمبادئ.

1. موضوع العلوم الإنسانيّة

من الواضح أنّ موضوع العلوم الإنسانية -كما يلوح من عنوانها- هو الإنسان؛ ولكن حيث توجد تعاريف متعدّدة للإنسان، هل ستكون العلوم الإنسانيّة متعدّدة؟ يجيب الدكتور سروش عن هذا السؤال بالنفي؛ فالعلوم الإنسانيّة -من وجهة نظره- إنّما هي نوع واحد لا أكثر، وإنّ سائر تعاريف الإنسان، من قبيل: التعاريف الفلسفيّة والعرفانيّة، إنّما تعمل على بيان وجوه أخرى من الإنسان بما يتناسب ومناهج تلك العلوم، وتكون تلك الوجوه مغايرة للوجه المبحوث عنه في العلوم الإنسانيّة. توضيح ذلك أنّ الدكتور سروش يذكر أدلّة عديدة على عدم اعتبار العلوم الإنسانيّة عند من ينكر هذه العلوم، ومن بين تلك الأدلّة أنّنا لا نجد أثرًا للتعاريف الفلسفيّة أو العرفانيّة:

(269)

«يتمّ البحث حول معرفة الإنسان فلسفيًا حتى في الفلسفة، ولا سيّما في علم النفس؛ حيث نجد الكثير من الأبحاث حول الإنسان من الزاوية الفلسفية. وحيث لا يوجد أثر لهذه المسائل في العلوم الإنسانيّة الجديدة، وإنّ علماء هذه العلوم (الأعم من أن يكونوا من القائلين بالنفس المجرّدة للإنسان أم لا) لا يُدخلون مثل هذا البُعد من وجود الإنسان في أبحاثهم العلمية، فمن الطبيعة أن يتساءل الشخص -الذي له أدنى إلمام بفلسفة الشرق وكان مطلعًا على الأبحاث الجديدة في العلوم الإنسانية إلى حدّ ما-قائلًا: إذن أين هو ذاك الإنسان الذي قامت الفلسفة بتعريفنا عليه؟»[1].

 وعلى هذا المنوال عمد الدكتور سروش إلى ذكر تعاريف أخرى للإنسان، من قبيل: التعاريف العرفانيّة والدينيّة والثقافيّة أيضًا، والتي لا يوجد لها أثر في العلوم الإنسانيّة[2]، ومن الطبيعي لمن تنفّس في مثل هذا الفضاء الفكري أن ينظر إلى العلوم الإنسانيّة بعين الشّكّ، وأن يُنكر علميّة العلوم الإنسانيّة؛ وذلك لأنّه يجد فيها الكثير من النقص. وعليه هل يمكن القول بأنّ العلوم الإنسانيّة علوم ناقصة، وأنّها تجرّ خلفها كلمة الإنسان من طريق الخطأ؟ إنّ إيضاح موضوع العلوم الإنسانيّة بشكلٍ دقيقٍ يبطل الإجابة عن هذا السؤال. إنّ النّقطة الأولى التي يجب الالتفات إليها -من وجهة نظر الدكتور سروش- هي أن:

 «إنّ العلوم الإنسانيّة على كل حال هي جزء من العلوم التجريبيّة، والعلوم التجريبية ليست هي الأخلاق ولا الفلسفة... صحيح أنّنا نحتاج -في معرفة الإنسان معرفة جامعة وشاملة- إلى أن نتعلم الفلسفة، وأن

(270)

نعرف الأخلاق والعرفان أيضًا، وربما الكثير من الأشياء الأخرى التي لم يتمّ الكشف عنها حتى الآن، ولكن لا يمكن لأيّ واحد منها أن يحلّ محل العلوم الإنسانية التجريبية... إنّ العلوم الإنسانيّة كان لها ما يميّزها، فإن ذلك يكمن في أنّها علوم إنسانيّة تجريبيّة، وليست علومًا إنسانيّة بالمعنى الأعم للكلمة»[1].

إذًا، ما هو موضوع العلوم الإنسانية بشكل دقيق؟ وما هو اختلافه عن موضوع العرفان والفلسفة؟ «إنّ العلوم الإنسانيّة التجريبيّة ليست من الفلسفة والعرفان في شيء، كما أنّها ليست من الإنثروبولوجيا بالمعنى الكامل والجامع للكلمة، بل تدّعي شمولها لذلك المقدار من الشؤون والأطوار والسلوك الإنساني الذي تسمح به التجربة»[2].

ومن هنا فإنّ موضوع العلوم الإنسانيّة إنّما هو البُعد والجانب التجريبي من الوجود الإنساني، وإنّ سائر الأبعاد لا تندرج ضمن الدائرة الموضوعيّة لهذه العلوم. ثم يذكر الدكتور سروش نقطة تمثّل في الحقيقة معيارًا لعلميّة قضايا العلوم الإنسانيّة بوصفها علمًا تجريبيًّا:

«إنّ تلك المجموعة من الشؤون والأطوار الإنسانيّة التي لا تقع في مصيدة التجربة، ولا تندرج ضمن قالب المنظومات القابلة للتجربة، تبقى خارج دائرة هذه العلوم»[3].

تتّضح أهميّة هذه النقطة في تعريف الدكتور سروش للعلوم الإنسانيّة. وبعد

(271)

توضيحه لموضوع العلوم الإنسانيّة الذي يمثل البُعد التجريبي من وجود الإنسان، عمد إلى تعريف العلوم الإنسانيّة قائلًا:

«إنّ العلوم الإنسانيّة هي العلوم التي تصبّ الأفعال الجماعيّة والفرديّة والإراديّة وغير الإراديّة والواعية واللّا واعية للإنسان في بوتقة المنظومات القابلة للتجربة»[1].

يذهب الدكتور سروش إلى الاعتقاد بأنّ خاصيّة «القبول للوضع في بوتقة المنظومات القابلة للتجربة» تضمن علميّة هذه العلوم وموضوعيّتها[2].

ومن هنا لكي يمكن العثور على النماذج المتكرّرة والعامة بين السلوكيات والأبعاد التجريبية من الإنسان، ثم عرضها على قوالب الأنظمة القابلة للتجربة، لا يمكن اعتبار الأفذاذ من الأشخاص والأبطال الأسطوريين موضوعًا للعلوم الإنسانيّة، وإنّما الناس الاعتياديون من عامة المجتمع هم الذين يكونون موضوعًا للعلوم الإنسانيّة. وذلك لتشابه هذا النّوع من الأشخاص في المشاعر والعواطف والأمور الإنسانيّة والأبعاد التجريبيّة من حياتهم:

«ليس أمام العلوم الإنسانيّة سوى دراسة الظواهر المتكرّرة والمتشابهة. وإذا لم تقم بذلك لن تكون علمًا، ولن تكون قادرةً على التقنين والتبويب وكشف القوانين»[3].

وبطبيعة الحال حتى في هذا التعريف للعلوم الإنسانيّة نشاهد الاستناد إلى المنهج بشكل واضح، ويمكن استفادة محوريّة المنهج حتى من وجهة نظر الدكتور

(272)

سروش في هذا التعريف أيضًا؛ وسوف نشير إلى  هذه المحوريّة في معرض الحديث عن قسم المنهج. والكلمة الأخيرة في هذه المسألة هي أنّ المطالب المذكورة هنا إنّما تتعلّق ببعض أعمال وآثار الدكتور سروش التي تنتمي إلى عقد الستينيات من القرن الهجري الشمسي الراهن (1360 هـ ش) [الموافق للعقد الثامن من القرن العشرين للميلاد]، ولكن بالعودة إلى بعض محاضراته وحواراته التي تعود إلى أواخر عقد الثمانينيات [أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين للميلاد] نجد أنّه لا يزال يحتفظ بالرؤية ذاتها تجاه تجريبيّة العلوم الإنسانيّة[1].

2. غاية العلوم الإنسانيّة

حيث يرى الدكتور سروش أنّ غاية العلوم الإنسانيّة مرتبطة بتعريفها، سوف نشير في البداية إلى غاية هذه العلوم من وجهة نظره، ثم نتحدّث بعد ذلك في باب منهج العلوم الإنسانيّة، وهو بحث أهم وأكثر تفصيلًا.

حيث إنّ كلّ علم يسعى وراء التعرّف على موضوعه، وكشف الستار عن زواياه وأبعاده، وعليه فإنّ غاية العلوم الإنسانيّة بدورها هي التعرّف على الإنسان، وإزاحة الستار عن أسرار وجود البشر. فإذا قلنا بأنّ موضوع العلوم الإنسانيّة عبارة عن دراسة الأفعال والسلوكيات الإنسانيّة وصبّها في قوالب قابلة للتجربة؛ إذًا يجب أن تكون غاية العلم بدورها عبارة عن معرفة وإدراك هذا النوع من الأفعال والسلوكيات:

«إنّ غاية هذه العلوم هي إبداء التكهّنات القابلة للتجربة في مورد أفعال الإن»[2].

(273)

إنّ هذه النقطة التي ذكرت بوصفها غاية العلوم الإنسانيّة يمكن لها أن تكون فارقًا بين العلوم الإنسانيّة والبعض الآخر من حقول الإنثروبولوجيا أيضًا:

«إنّ الفلسفة تمنحنا معرفة ومعلومات عن الإنسان، ولكنها لا تجعلنا قادرين على التنبّؤ أو التكهّن علميًّا بشأن الإنسان أو المجتمع أو الاقتصاد أو مراحل التطوّر النفسي أو الأنظمة السياسية، وجعلها قابلة للتجربة. وهكذا الأمر بالنسبة إلى العرفان والعلوم الشبيهة به. وعليه ما الذي تفعله العلوم الإنسانيّة، وماذا تعلمنا كي تجعلنا قادرين على هذه التكهّنات؟ إنها تقوم بما ذكرناه، وهو دراسة الأفعال والسلوكيات الإنسانية، وصبّها في قوالب قابلة للتجربة، وإن الأنظمة القابلة للتجربة (أي القوانين العلمية) هي التي تمنحنا القدرة على التكهّن»[1].

وكما نلاحظ فإنّ غاية العلوم الإنسانيّة -حتى من وجهة نظر الدكتور سروش- يتمّ تعريفها كما يتم تعريف موضوع العلوم الإنسانيّة، بوصفها قائمةً على المنهج التجريبي، وهذا الأمر يثبت أنّ سروش يُؤكّد على التمايز الواضح للعلوم الإنسانيّة الحديثة من سائر العلوم الأخرى.

3. منهج العلوم الإنسانيّة

ما هو منهج وأسلوب العلوم الإنسانية الذي يحظى  بكل هذه الأهميّة من وجهة نظر الدكتور سروش، ويمكن رؤية آثاره سواء في موضوع أو في غاية العلوم الإنسانية؟ منذ بداية طرح موضوع العلوم الإنسانية، كان واضحًا أنّ الذي له المحوريّة في هذا التعريف هو المنهج، وفي الحقيقة فإنّ المنهج هو الذي يُؤدّي

(274)

إلى تمايز العلوم من بعضها. وفي معرض بيان نسبة العلوم الإنسانيّة إلى الفلسفة والعرفان وحتى الإنثروبولوجيا الدينيّة والثقافيّة كذلك قيل إنّ كلّ واحد من هذه الإنثروبولوجيات يبحث في بُعد وجانب من وجود الإنسان، وفي الحقيقة فإنّ هذه العلوم تنتظم جنبًا إلى جنب؛ لإكمال هذه الأحجية المعرفيّة. إلّا أنّ الذي يفصل بينها في الحقيقة -وإن كان يقبل التحويل من خلال الفصل الموضوعي أو الفصل الغائي أيضًا- هو المنهج في نهاية المطاف:

«إنّ أحد المحاور والأركان الأصليّة للتفكير الوضعي هو أنّه يعمل بالاستناد إلى المنهج والأسلوب على تمييز معرفته وعلمه من سائرالمعارف والعلوم الأخرى، لا من طريق الموضوع ... وإنّ ما يتمّ الحديث عنه حاليًا من العلوم التجريبية والعلوم غير التجريبية أو العلوم العقليّة وغير العقليّة، يحكي عن هذا التفكيك والفصل المنهجي، ويقال إنّ هذا العلم حيث يقوم منهجه وأسلوبه على التجربة فإنه يختلف عن العلوم الأخرى، لا أن غايته أو مساحته تختلف عن سائر العلوم الأخرى»[1].

 وعلى هذا الأساس يمكن بيان نسبة الفلسفة والعلوم الإنسانيّة على النحو الآتي، وهو أنّ الفلسفة والعلم في الواقع منهجان مختلفان في التعاطي مع العالم الواقعي؛ فنحن في واحد منهما نسعى إلى تتبع جزئيات عالم الواقع ذهنيًّا، وفي الآخر نسعى إلى تتبع جزئيات عالم الواقع عمليًّا. وعليه فلا يمكن لأحدهما أن يحلّ محلّ الآخر، ولا يمكن لنا أن نعمل على إبطال أيّ منهما بنتائج الآخر. إنّ لكلّ واحد منهما منهجه وأسلوبه الخاص والمنفصل عن الآخر[2].

(275)

ثم يعمل الدكتور سروش بعد ذلك على إثارة نقطة هامّة في حقل الفصل النظري للعلوم الإنسانيّة عن سائر الإنثروبولوجيات الأخرى، ويرى أنّ الالتفات إلى هذه النقطة يغلق الباب بوجه الكثير من المغالطات  في حقل العلوم الإنسانيّة؛ وهذه النقطة هي ذات فصل وتفكيك مقام الجمع عن مقام الحكم؛ حيث يعمد الدكتور سروش في مورد مقام الجمع إلى استعمال مصطلح مقام الصيد:

«إن المقام الأول هو مقام جمع المواد، دون أن نعلم في هذا المقام ما إذا كانت هذه المواد التي نجمعها مفيدة أو غير مفيدة، وما إذا كانت ستحظى بالقبول أو لا تحظى بالقبول ... وهذا إنما يكون في مقام الصيد فقط. وبعد أن ننجز عملية الاصطياد، ننتقل إلى مقام آخر باسم مقام الحكم. وفي هذا المقام نعمل على تقييم ووزن الأشياء التي قمنا باصطيادها بمعايير وموازين خاصة، لنرى ما الذي يمكن لنا القبول به منها، وما الذي لا يمكننا القبول به منها»[1].

وفي الحقيقة فإنّ الدكتور سروش إنّما يقول هذا الكلام في قبال فلاسفة المذهب التفهّمي من أمثال: بيتر فينتش وفيبر، من الذين يذهبون إلى الاعتقاد بأنّ الإنسان يسعى من وراء أفعاله إلى مفهوم، وإنّه لا بدّ في الوصول إلى هذا المعنى والمفهوم من توضيف منهج وأسلوب أكثر انسجامًا من العلوم الطبيعيّة، وتجب المشاركة في النشاط الإنساني بنحو من الأنحاء، والعمل على تحصيل المعنى والمفهوم، لا أن نكون بصدد التعرّف على الإنسان على نحو الناظر الخارجي. وفي الحقيقة فإنّ الذي يقوله هؤلاء المفكرون -من وجهة نظر الدكتور سروش- إنّما ينسجم مع مقام الجمع والاصطياد، ولا يجدي شيئًا في مقام الحكم[2]. وأمّا طبقًا لتصريح

(276)

بيتر فينتش فإنّنا لمعرفة مجتمع ما، لا نستطيع الاستعانة بمعايير من خارج ذلك المجتمع، ونحن سواء في مقام فهم المجتمع أو في مقام تقييم اجتماعيّة نشاط ما، يجب أن نتّبع معايير ذلك المجتمع، لا معايير عالم الاجتماع نفسه[1].

وقال الدكتور سروش في معرض الإجابة عن استدلال المدرسة التفهّميّة: إنّنا على أساس مبنى المذهب التفهّمي لا نعود نمتلك ملاكًا لتمييز العلم من غير العلم، وما لم نلتزم بالتجربة في مقام الحكم، لن يكون لدينا علم عام[2].

إنّ الإشكال الذي يمكن له الخدش في تفكيك الدكتور سروش، هو اعتقاد الاتجاه النقدي بأنّ العلم زاخر على الدوام بالقيَم، وإنّ الفصل بين العلوم والقيَم أمر مستحيل، وإنّ كلّ نوع من أنواع العلوم والمعارف ممزوجة بمجموعة من القيَم. وعلى هذا الأساس لا يمكن العثور أبدًا على منطقة خالصة اسمها منطقة الحكم، والقول بأنّ ملاك العلميّة هو مقام الحكم. ويذهب الدكتور سروش -في معرض الإجابة عن هذه المجموعة- إلى الاعتقاد بأنّه إذا كانت جميع الأحكام تقوم على القيَم، فإنّ حكم المذهب النّقدي في حقل المعرفة سوف يقوم بدوره على القيَم أيضًا، وإذا قيل إنّ كلامنا مجانب للقيَم، إذن لن يكون هناك إمكان للحكم بشكل مستقل عن القيَم أيضًا[3].

(277)

مناقشة نقديّة

والآن، بعد بيان آراء الدكتور سروش في حقل ماهيّة العلوم الإنسانية، وإيضاح مسار التبلور والتعيّن التاريخي للعلوم الإنسانيّة، يتعيّن علينا العمل على مقارنة هذين القسمين ببعضهما، وإثبات موقع نظريات الدكتور سروش وما هي مكانتها في فلسفة العلوم الإنسانيّة. كما سبق أن رأينا، فإنّ نظريات الدكتور سروش لم تأتِ بشيءٍ جديدٍ غير الذي تمّ بيانه في مسار تبلور وتأصّل العلم التجريبي وبيان نظريات فلاسفة وعلماء الغرب، ولم يكن ما قام به الدكتور سروش سوى اجترار  لتلك الآراء والنظريات، ولا سيّما منها نظريات كارل ريموند بوبر. كما أنّ الدكتور سروش على غرار الفضاء السائد والغالب في العالم الحديث يرى العلم هو مجرّد العلم التجريبي فقط، وكما هو الشأن بالنسبة إلى بوبر فإنّ الدكتور سروش وإن كان لا ينكر تمخّض المعرفة عن سائر الحقول المعرفيّة، بيد أنّه يحصر المعرفة العلميّة في العلم التجريبي فقط، وعلى هذا الأساس فإنّ المعرفة من وجهة نظر الدكتور سروش تنقسم من الناحية العمليّة إلى علم وغير علم، وإنّ العلم لا يشمل غير العلم التجريبي، وعلى هذا الأساس فإنّ العلوم الإنسانيّة لكي تكون جديرة بعنوان العلم، يجب عليها اتباع المنهج والأسلوب التجريبي. أمّا الآن فعلينا أن نعمل على تحقيق الغاية الأساسيّة من هذه الدراسة، وهي المناقشة النقديّة لآراء الدكتور سروش في حقل ماهيّة العلوم الإنسانيّة:

1. حيث إنّ الدكتور سروش ليس بصدد إنكار معرفيّة سائر الحقول المعرفيّة غير العلوم الإنسانيّة، فإنّه ينفصل عن حلقة فيينا؛ وذلك لأنّ حلقة فيينا تنكر وجود أيّ معرفة غير تلك التي تتمخّض عن العلم، إلّا أنّ هذه النقطة ذاتها من شأنها أن تُشكّل محملًا لانتقاد هام يرد على رؤية الدكتور سروش. إنّ المؤسّسين

(278)

للعلوم التجريبيّة والوضعيّة ابتداء من إيمانوئيل كانط وصولًا إلى أوجست كونت وأتباعهما من أمثال أعضاء حلقة فيينا، قد أسقطوا سائر الحقول المعرفيّة -مثل الفلسفة- عن العلمية، وحصروا المعرفة بالعلم التجريبي. ومن هذا المنطلق قام إيمانوئيل كانط بتأليف كتاب نقد العقل المحض؛ ليثب أنّ العقل المحض والنظري يجب ألّا يعمل على تسرية نظرياته في أمور من قبيل: الله والأخلاق والدين، مما لا يخضع إلى التجربة، وإنّما عليه الاقتصار على التنظير في حقل العلم التجريبي وذلك بأسلوب خاص فقط؛ وهذا يعني أنّ كلّ ما قيل في الفلسفة حتى الآن لا يعدو أن يكون جميعه من اللاطائلات التي هي حصيلة تطفل العقل على أمور ليست في متناوله. وقد ذهب أوجست كونت إلى القول بأنّ المعرفة غير التجريبيّة تعود إلى مرحلة طفولة وعدم بلوغ البشر، كما ذهبت حلقة فيينا إلى الاعتقاد بأنّ هذه الحقول إنّما هي حصيلة أخطاء لغويّة. ومن هنا فإنّ حلقة فيينا -التي تمثّل امتدادًا لفلسفة كانط وكونت- قد أنكرت من الناحية المنطقيّة سائر الحقول الفلسفية، وتوصلت طبقًا لمبانيها الوضعيّة البديهيّة إلى نتيجة مُفادها أن لا شيء يضع بأيدينا معرفة صحيحة غير العلم القائم على التجربة. وعلى هذا الأساس فإنّ كارل بوبر وأتباعه من أمثال الدكتور سروش إذا أرادوا التمسّك بمبانيهم الفلسفية، تعيّن عليهم عدم القول بمعرفيّة سائر الحقول المعرفيّة مثل الدين والفلسفة. ولكن كما رأينا فإنّ الدكتور سروش يرى من ناحية أن العلم هو مجرّد العلم التجريبي فقط، ومن ناحية أخرى يقول بمعرفيّة أمثال الفلسفة والعرفان والشريعة أيضًا؛ وذلك لأنّ المجتمع البشري بحاجة إلى جميع هذه المعارف، ومن هنا فإنّ جميع قطع هذه الحقول يجب أن تنضمّ إلى بعضها كي تكتمل الأحجية المعرفية.

2. إنّ النقطة الأخرى التي يمكن إثارتها في نقد الدكتور سروش هي عدم التفاته

(279)

إلى تأثير المباني في تفكيك وفصل العلوم عن بعضها. فهو يذهب بشكلٍ ساذجٍ إلى الاعتقاد بأنّ العلم التجريبي يبحث في جانب من الحياة الإنسانيّة، يختلف عن الجوانب التي تقع تحت دائرة بحث الفلسفة والعرفان والشريعة والثقافة، وإنّ اختلاف هذه الحقول إنّما يعود إلى المناهج والأساليب فقط. وإنّ القول بالقدرة على التفكيك بين العلوم على أساس المناهج والأساليب هو في حدّ ذاته من المباني التي ظهرت في المرحلة الحديثة، ولم يكن مطروحًا قبل ذلك. والملفت أنّهم في هذا الفصل والتفكيك لم يعتبروا الفلسفة والعرفان والشريعة والثقافة علمًا؛ لنقول إنّ هذه الأمور تندرج ضمن مختلف الحقول المعرفيّة، وإنّ لكلّ واحد منها بحسب منهجيّته وأسلوبه مهمّته الخاصّة والمختلفة أيضًا. وفي كلّ مجتمع وثقافة وفلسفة يتم اتخاذ بعض المباني للفصل والتفكيك بين العلوم، ومن الأمثلة والنماذج على ذلك في المرحلة الإسلاميّة: إحصاء العلوم للفارابي، كما نشاهد ذلك في الغرب أيضًا في دائرة المعارف لديدرو ودالامبير حيث تنتهج تبويبًا خاصًا في تقسيم العلوم.

وإنّ الذي تجدر الإشارة إليه في البين بشكلٍ هام هو أنّ تبويب العلوم إنّما هو حصيلة رؤية خاصة إلى الوجود والعالم:

«إن تنوّع وتعدّد تبويبات العلوم يحكي عن أنّ هذه التبويبات موجّهة؛ بمعنى أنّ نقطة انطلاق المفكرين في قيامهم بتبويب العلوم ليست على مستوى واحد. وإنما الواضح في البين هو نفوذ وتأثير العوامل الأنطولوجيّة والأبستمولوجيّة وغير الأبستمولوجيّة في مختلف طبقات المعرفة البشريّة. وإنّ لهذا الأمر مصاديقَ لا في ذات المعرفة وحدها فقط، بل وحتى في الطباقات الأبعد في خارجها أيضًا.  ومن بين هذه الطبقات طبقة تبويب العلوم؛ حيث لا تكون بمعزل عن تأثير البيئة والمحيط

(280)

المعرفي وغير المعرفي. إنّ المعتقدات الأنطولوجية للناس تتجلى في رؤيتهم إلى ما يحيط بهم. ومن بين هذا النّوع من الأجواء المحيطة والمؤثرة هو العلم ولا سيما تبويب العلوم ... إنّ الرؤية الفلسفيّة والتبويب أمران متلازمان؛ بمعنى أنه يمكن من خلال التبويب أن نتوصل إلى نوع رؤية واضعه، والعكس صحيح أيضًا، اي أن نوع الرؤية إلى الكون والعالم يظهر كيف يجب عليه أن يكون أمر التبويب»[1].

وفي الأساس فإنّ العلوم في كلّ حياة كونيّة إنّما تتبلور من خلال ظهور الفكر المتأصّل لذلك المجتمع، وإنّ الفصل والتفكيك بين العلوم إنّما يقوم على أساس هذا التفكير والرؤية الأصيلة:

«حينما يتحقّق عالم، يكتب التحقّق لعلوم ذلك العالم أيضًا. كما يجب أن يكون لمفكري ذلك العالم إسهام في بلورة ذلك العالم كي يتم تصنيفهم ضمن مفكري ذلك العالم. وإن تبويب العلوم إنما يكون ممكنًا إذا كانت هناك مساهمة مع علوم ذلك العالم. وعلى هذا فإنّ البحث اللاحق بالنسبة إلى العلوم يجب عدم اعتباره بمعنى أن العلوم كان لها وجود في موضع مستقل، والآن جاء موضوع آخر مستقل ليتمكن من تبويبها. فإنّ التبويب إنّما يتحقّق عندما يقوم شخص المبوّب بالتفكير في زمان وتاريخ مناسب، أي في زمان تبلور العالم وعلومه، وأن يكون هذا المبوّب نفسه جزءًا من هذا العالم، بمعنى أن يكون جزءًا فاعلًا من العلوم ومن عالم العلوم. ومن هنا فإنّ تبويب العلوم لا يُمكن أن يتحقّق من دون

(281)

المشاركة في الروح العامة الحاكمة على العلوم، ومن دون الالتفات إلى هذه المشارك»[1].

إنّ تفكيك العلوم عن بعضها يختلف على أساس صياغة خاصّة في كلّ مجتمع وعلى أساس غايات توجد في تلك الرؤية والمجتمع، ولا يُمكن وضع العلوم الخاصّة بفلسفاتٍ متنوّعةٍ ضمن بازل وأحجية وضمّها إلى بعضها، والقول بأنّ بعضها يعمل على تكميل بعض. إنّ العلوم إنّما تولد وتتمخّض على أساس الرّوح العامّة التي تحكم العالم، وبما يتناسب مع غايات ذلك العالم، وأنّ لها حالة تكميليّة بالقياس إلى بعضها وتندرج ضمن البازل والأحجية العامة لمعرفة ذلك العالم. والعصر الجديد لا يُستثنى من هذه القاعدة. وعلى هذا الأساس فإنّ تفكيك العلوم في هذه المرحلة لن يكون منفصلًا عن الروح العامّة لذلك العالم. إنّ جميع أجزاء علوم العالم الحديث، بما في ذلك: علم الاقتصاد، والسياسة، والثقافة، تتناغم وتتماهى فيما بينها، وإنّ الشيء الوحيد الذي يندرج ضمن هذه الأحجية العامّة لمعرفة هذا العالم هو ذلك الشيء الذي يتبلور على أساس الروح العامة التي تحكم العالم، ومن هنا فإنّ وضع العلوم من مختلف العوالم المتنوّعة إلى جانب العلم التجريبي الحديث، إنّما هو خطأ ناشئ من عدم الالتفات إلى مباني تفكيك العلوم وفصلها عن بعضها.

3. كما تقدّم أن ذكرنا في قسم المبادئ فإنّ محوريّة العلم التجريبي قد مرّت عبر مسارٍ فلسفيٍّ بدأ من رينيه ديكارت إلى إيمانوئيل كانط، وبعد ذلك من أوجست كونت وصولًا إلى حلقة فيينا. إنّ القول بمبنى علميّة المنهج التجربي هو في حدّ ذاته كلام غير تجريبي؛ حيث وصل إلى القائلين بالفلسفة الوضعيّة عبر فلتر الفلسفة، ولم يكن أمرًا ثابتًا بالتجربة:

(282)

«توضح ذلك أنّ الذي يُقسّم العلوم على أساس المنهج إلى قسمين (طبقًا للمسامحة العقلية)؛ هما: العلوم التجريبيّة، والعلوم غير التجريبيّة، لا يخرج من إحدى حالتين؛ إما أن يعتبر العلوم غير التجريبية واقعية أم لا؟ فإن كان يعتبرها غير واقعية على غرار القائلين بالفلسفة الوضعية، عندها سيكون منكرًا لمباني المعرفة، وإنّ صحّة (الواقع) تبطل جميع كلماته هذه أيضًا؛ لأنّ جميع هذه الكلمات هي كلمات غير تجريبيّة، وإذا كان المنهج غير التجريبي لا يُؤدّي إلى إدراك الواقع، ولن يكون لهذا الكلام من محمل سوى التشكيك. وأما إذا تمّ التعريف بها بوصفها معبّرة عن الواقع، عندها يرد السؤال القائل: هل المنهج التجريبي يوصلنا إلى حقيقة وواقع غير الذي أوصلنا إليه المنهج العقلي؟»[1].

وللمزيد من الإيضاح: لو لم يكن الشخص من القائلين بالنسبيّة، ولم يكن من القائلين بتعدّديّة الحقيقة، عندها كيف يكون تكليفه إذا كانت معطيات العلم التجريبي متناقضة مع معطيات العلوم العقليّة؟ هل يتعيّن عليه أن يعتبر كلا المعطيين أمرًا حقيقيًّا، ويقول في الجواب: إنّ المناهج المتعدّدة ترشدنا إلى معطيات متعدّدة، وبذلك يقع في فخّ النّسبيّة؟ لا سيّما إذا التفتنا إلى أنّ جميع المناهج -من وجهة نظر القائلين بالتفكيك المنهجي للعلوم- ناظرة إلى عالم واحد، وإنّ كلّ واحد من المناهج يبحث في جانب من جوانبه. وفي الحقيقة فإنّ التفكيك والفصل بين هذين المنهجين إنّما يصحّ منطقيًّا، إذا لم يقع أيّ واحد منهما في ذيل الآخر. في حين أثبت علماء المنطق بوضوح أنّ المنهج التجريبي يقع في ذيل المنهج العقلي[2].

(283)

تلخيص واستنتاج

لقد كانت الغاية من هذه الدراسة هي القيام بمناقشةٍ نقديّةٍ لآراء الدكتور عبد الكريم سروش في حقل فلسفة العلوم الإنسانيّة. وقد سعينا في البداية إلى دراسة المسار التاريخي لتكوين العلوم التجريبيّة، وإعطاء المحوريّة للمنهج التجريبي في هذه العلوم بوصفه أرضيّةً لتبلور وظهور اتّجاه الدكتور سروش في مورد العلوم الإنسانيّة؛ وقد بحثنا في هذا المسار منذ رينيه ديكارت وإيمانوئيل كانط وصولًا إلى القائلين بالمذهب الوضعي من أمثال أوجست كونت وأعضاء حلقة فيينا، ثم انتقلنا في هذا السياق إلى مناقشة نظريات كارل ريموند بوبر في هذا الشأن. إنّ المحور المشترك لجميع هذه النظريات هو سلطة المنهج التجريبي واعتبار هذا المنهج هو المعيار في علميّة المعرفة. وإنّ العلوم الإنسانيّة بسبب هيمنة العلوم الطبيعية والتجريبية وانطلاقًا من تثبيت نفسها، كانت بدورها مضطرة إلى الاستفادة من هذا المنهج لإثبات مدعياته. وبعد هذه المناقشة عمدنا لهذه الغاية في بداية الأمر إلى مناقشة رؤيته في الحقول الثلاثة: موضوع، وغاية، ومنهج العلوم الإنسانية، وتوصّلنا إلى نتيجة مفادها أنه يذهب إلى الاعتقاد بأنّ العلوم الإنسانيّة حيث هي من سنخ العلوم التجريبية، إذن يتعيّن عليها دراسة موضوعها -الذي هو الإنسان- من الناحية التجريبية، ومن الواضح والبديهي أن يكون منهج هذه الدراسة بدوره تجريبيًّا. وعلى هذا الأساس فقد ذهب إلى القول بتفكيك وفصل العلوم الإنسانية من سائر العلوم على أساس المنهج، وأعطى المحوريّة لتفكيك العلوم على أساس المنهج التجريبي. واستنادًا إلى هذا المسار التاريخي والإشارة إلى أرضيات وخلفيات اتّجاه الدكتور سروش إلى العلوم الإنسانيّة، عمدنا إلى مناقشة آراء الدكتور سروش مناقشةً نقديّةً.

(284)

 

 

 

«الوحي ليس تجربةً دينيّةً»
دراسةٌ تحليليّةٌ لحقيقة الوحي في رحاب ثلاث نظريات[1]

 

علي رضا قائمي نيا [2]

 

مقدّمة البحث

الوحي هو أحدُ المفاهيم الأساسيّة في الثّقافة الإسلاميّة، والأديان بشكلٍ عامٍ منها ما هو دينُ وحيٍ وما ليس كذلك، والمقصود من الأوّل أنّ تعاليمه وحقائق أخرى فيه منزلةٌ للبشر من عند الله سبحانه وتعالى، بينما الثاني لا وجود فيه لهكذا تعاليم وحقائق سماويّة مثل الديانة البوذيّة؛ لأنّ أتباعها لا يؤمنون بالله، وعلى هذا الأساس لا يعتقدون بوجود تعاليم وحقائق سماويّة منزلةً عن طريق الوحي؛ وكذا هو الحال بالنسبة إلى الأديان الشائعة في بلدان شرق آسيا، مثل الهندوسيّة والطاويّة -التاوية- وفي مقابلها الأديان الثلاثة الأكثر انتشارًا في العالم، وهي اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام.

(285)

هذه الأديان الثلاثة أديانُ وحيٍ، وكلّ واحدٍ منها فيه أخبار عن ارتباط الأنبياء بالله سبحانه وتعالى بنحوٍ ما، وتلقّيهم منه تعاليمَ وحقائقَ يجب على أتباعهم تصديقها والعمل بمضامينها.

حينما نُمعن النّظر في معطيات هذا التقسيم، يتّضح سبب أهميّة الوحي في الإسلام لدرجة أنّه بات مفهومًا أساسيًّا ومصيريًّا في الثّقافة الإسلاميّة.

كلّ تقسيمٍ عادةً ما يتمّ وفق مبادئَ عامّةٍ ومشتركاتٍ كلّيّةٍ بين الأقسام المتفرّعة على المقسوم، وذلك عن طريق تحديد مفهومٍ عامٍّ وشاملٍ يتمّ تقسيمه إلى أجزاء على ضوء قيودٍ وأسسٍ محدّدةٍ، مثل مفهوم "إنسان"؛ حيث يعتبر مفهومًا كلّيًّا يمكن بيان أقسامه بقيودٍ عدّةٍ: كما لو وصفنا أحد أقسامه بالأبيض، وقلنا «إنسان أبيض البشرة»، ووصفنا القسم الآخر بالأسود، وقلنا «إنسان أسود البشرة». في هذا التقسيم اخترنا مفهومًا عامًا -كلّيًّا- هو الإنسان، ثمّ قسّمناه إلى قسمين على ضوء قيدين مميّزين له -أبيض وأسود- لكن ليس لدينا مقسومٌ عامٌ وكلّيٌّ بالنّسبة إلى جميع الأديان، كذلك ليس لدينا مقسومٌ عامٌ وكلّيٌّ لأديان الوحي بالتحديد -اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام- إذ لا يُمكننا تحصيل أقسامٍ منها عبر إضافة قيودٍ لأقسامها، كما فعلنا إزاء مفهوم «إنسان».

كذلك ليس من الممكن طرح تعريفٍ واحدٍ للأديان؛ بحيث يعمّها قاطبةً، ويشتمل على قيودها المتباينة والمشتركة، لذلك اعتمد بعض الفلاسفة على ما ذكره الفيلسوف الغربي لوفيج فيتجنشتاين، وقالوا إنّ الأديان من المفاهيم ذات التشابه العائلي (family resemblance)، وعلى هذا الأساس بإمكاننا اعتبار مختلف الأديان على غرار أعضاء عائلةٍ واحدةٍ، لكن لكلّ عضوٍ ميزاته الفارقة التي يختصّ بها، أي أنّهم لا يتشاطرون صفاتٍ مشتركةً وموحّدةً باستثناء بعض أوجه الشّبه،

(286)

وحتّى مع وجود هذا التّشابه المحدود هناك بونٌ شاسعٌ فيما بينهم؛ بحيث لا يمكن تصوّر أيّ تقاربٍ.

رغم أنّ الوحي يعدّ مفهومًا أساسيًّا وارتكازيًّا في الأديان الثلاثة التي تتقوّم عليه - اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام - إلّا أنّه ليس بمعنًى واحدٍ فيها، فالمسيحيون يعتقدون بوجود نوعين من الوحي، هما كالتالي:

1. تجلّي الإله (revelation of God)

2. تلقّي حقائق من جانب الإله (revelation of propositional truths by God)

في النّوع الأوّل يتجلّى الله إلى البشر -يتجسّم- على هيئةٍ خاصّةٍ في شخصيّة النّبي عيسى عليه‌السلام، وفي النّوع الثّاني يلقي الله حقائق على هيئة مفاهيم ذات مداليلَ خاصّةٍ.

الجدير بالذّكر هنا أنّ التّعاليم المسيحيّة تؤكّد على المعنى الأوّل أكثر من تأكيدها على المعنى الثاني[1].

تعاليمنا الإسلاميّة ارتكزت على مفهومٍ خاصٍّ من الوحي، الذي هو البنية الأساسيّة لها، والمتمثّل بالقرآن الكريم؛ لأنّ الله عزّ وجلّ في الإسلام بدل أن يتجلّى على هيئة إنسانٍ -حسب زعم المسيحيين- تجلّى في كلامه، فقد رُوي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام: « فَتَجَلَّى لَهُمْ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا رَأَوْهُ بِمَا أَرَاهُمْ مِنْ قُدْرَتِهِ وَخَوَّفَهُمْ مِنْ سَطْوَتِهِ وَكَيْفَ مَحَقَ مَنْ مَحَقَ بِالْمَثُلَاتِ وَاحْتَصَدَ مَنِ احْتَصَدَ بِالنَّقِمَاتِ»[2].         

(287)

الجدير بالذكر هنا أنّه لا يوجد أيّ دينٍ يشابه الإسلام في استناده إلى الوحي بشكلٍ محوريٍّ، وهذا الأمر يتجلّى بكلّ وضوحٍ في أهميّة القرآن الكريم عند المسلمين، فهو كتابٌ سماويٌّ نزل على قلب خاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، عن طريق الوحي؛ ليُصبح المستند الأساسيّ في دين الله الحنيف؛ حيث وصفه تعالى: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) [1]. على هذا الأساس فإنّ مفهوم الوحي في الإسلام يختلف بالكامل عمّا هو مطروحٌ في الدّيانة المسيحيّة.

الدّراسات والبحوث العلميّة التي تُدوّن في العصر الحاضر حول الدين وما يرتبط به، تُطرح فيها نقاشاتٌ بخصوص ما يسمّى بـ «التجارب الدينيّة»، وكلّ من يلج فيها تطرق ذهنه بعض الأسئلة التي من جملتها ما يلي:

- هل الوحي عبارة عن تجربةٍ دينيّةٍ أو أنّه ليس من سنخ التجارب؟

- هل التّجربة النّبويّة هي الوحي بذاته أو أنّها شيءٌ آخر؟

- إذا اعتبرنا الوحي تجربةً دينيةً، فيا ترى ما وجه اختلافه مع سائر التجارب الدينيّة؟

- هل بإمكان سائر النّاس - غير الأنبياء والرسل - أن يخوضوا تجارب كهذه؟

وهناك أسئلة بهذا الخصوص تطرح في أوساطنا الفكريّة نحن المسلمون، ومن جملتها ما يلي:

- هل يمكن التنزّل بالوحي - حسب المفهوم الإسلامي - إلى مستوى التجربة النّبويّة فحسب؟

(288)

- هل الوحي وفق مفهومه الإسلامي يعدّ ضربًا من التّجارب الدّينيّة؟

الإجابة عن هذه الأسئلة بطبيعة الحال تقتضي دقّةً وإمعان نظرٍ واستقصاء لشتّى الآراء المطروحة بخصوص الوحي وتحليل كلّ واحدٍ منها على حدة، وفي هذا السياق طُرحت ثلاث نظريّاتٍ مختلفة. الملفت للنظر أنّ هذه النّظريات لم تطرح بشكلٍ متزامنٍ، بل خلال حقبٍ زمنيّةٍ متباينةٍ، وبيان ذلك كما يلي:

النّظريّة الأولى: المفاهيم (الوحي المفهومي)

هذه النّظريّة تعتبر الوحي مجموعة من المفاهيم التي يتلقّاها النبي، وقد طرحت في حقبة القرون الوسطى من قبل علماء اللّاهوت المسيحيين، وبعض المفكّرين والباحثين المعاصرين يُؤيّدونها.

النّظريّة الثانية: تجربة الوحي

هذه النّظريّة تبلورت في اللّاهوت الليبرالي؛ حيث اعتبر اللاهوتيون الليبراليون الوحي بأنّه ضربٌ من التّجارب، وعلى هذا الأساس نشأت نظريّة التجربة الدينيّة (religious experience).

النّظريّة الثالثة: الأفعال الكلاميّة

هذه النّظريّة طُرحت في القرن العشرين، وفحواها أنّ الوحي عبارةٌ عن أفعالٍ كلاميّةٍ منسوبةٍ إلى الله عزّ وجلّ.

(289)

النّظرية الأولى: نظريّة المفاهيم

الوحي حسب أقدم الآراء عبارة عن وسيلةٍ لنقل المعلومات من السماء إلى الأرض؛ حيث يُلقي الله عزّ وجلّ حقائق للنبي الذي يُوحي إليه، أي أنّ هذه الحقائق هي البنية الأساسيّة له؛ وقد تبلور هذا الرأي ضمن نظريّة المفاهيم (propositional view).

المعلومات المُشار إليها تُنقل إثر ارتباطٍ بين الإله والنبي على ضوء قابلياته الرّوحيّة التي يمتاز بها، فهذه القابليات الخاصّة التي لا يمتلكها غيره، بحيث تمكّنه من تلقّي المعلومات التي تأتيه من عند الإله، وبعد أن يدركها - يفهمها - فهو ينقلها إلى النّاس.

إذًا، الله تعالى على ضوء ارتباطه بالإنسان - النبي - يحمّله رسالةً تتضمّن مفاهيمَ محدّدة، ممّا يعني أنّها مجموعةٌ من التعاليم التي تتبلور على هيئة مفاهيم، لذا فالبنية الأساسيّة لهذه النّظريّة هي مصطلح «مفهوم»، لكن ما المقصود من المفهوم في هذا السياق؟ وما هو الوحي المنزل من الله وفق هذا المعنى؟

علماء المنطق عرّفوا المفهوم بأنّه ما يحتمل الصّدق والكذب كقولنا «المطر ينزل»، فهذه العبارة يمكن أن تكون صادقةً أو كاذبةً، لكنّ هذا التعريف ليس هو المقصود على صعيد الوحي؛ لأنّ أخباره عندما تتبلور في رحاب جملٍ وكلماتٍ، فهي لا تُطرح ضمن احتمالات الصّدق والكذب. المفاهيم المنطقيّة لها ميزةٌ أخرى؛ إذ جمل عدّة من لغاتٍ مختلفةٍ قد تصدق على مفهومٍ واحدٍ، مثل جملة «الثلج أبيض اللون» التي تدلّ على ذات المضمون لو تُرجمت إلى جميع لغات العالم بشكلٍ صحيحٍ، أي أنّها تحكي عن مفهومٍ واحدٍ لا يختصّ بلغةٍ واحدةٍ بالتحديد،

(290)

وهو بياض الثلج لكونه عامًّا وشاملاً. المفهوم حسب الاصطلاح المنطقي وفقًا لهذا الكلام لا يُشترط فيه أن يتبلور في رحاب لغةٍ بشريّةٍ - طبيعيّة - معيّنةٍ، وهذا يعني أنّ المفاهيم مستقلّةٌ عن اللغات البشريّة.

إذًا، اللّغات الطبيعيّة هي التي ينطق بها البشر، إلا أنّ المفاهيم ليست مشروطةً بأن تتبلور في رحابها؛ إذ من الممكن أن تطرح في نطاقٍ لغويٍّ أو غير لغويٍّ على الرّغم من أنّ تبادل المعلومات بينهم عادةً ما يتمّ عن طريق لغةٍ معيّنةٍ.

نستشفّ من جملة ما ذُكر أنّ الحقائق المنزلة عن طريق الوحي -وفق هذه النّظريّة- عبارة عن مفاهيمَ مستقلّةٍ عن اللّغات البشريّة - الطبيعيّة - باعتبار أنّ الله سبحانه وتعالى أو الملَك يُلقيها في قلب النّبيّ على هيئةٍ لُغويّةٍ خاصّةٍ، فهي معلوماتٌ بحتةٌ يذكرها النّبيّ لقومه بلغتهم التي يتكلّمون بها.

الجدير بالذّكر هنا أنّنا قادرون على نقل حقائق مفهوميّة إلى الآخرين عن طريق رموزٍ أو علاماتٍ دالّةٍ مثل العلامات المروريّة الموجودة في الطرقات، كذلك هناك سبلٌ أخرى لنقلها مثل الأساليب المتّبعة في علم النّفس الموازي (para-psychology) والتّخاطر (توارد الأفكار) telepathy وغير ذلك.

(291)

الوحي المفهومي إنجازٌ للنّبيّ

الوحي حسب نظريّة المفاهيم، يعني إنزال حقائق من قبل الله سبحانه وتعالى على قلب نبيّه، وفي هذا السياق هناك تقسيمٌ للأفعال من قبل الخبير في علم النّفس التحليلي غلبرت رايل (Gilbert Ryle)، فقد قال إذا أمعنّا النّظر في هذه الأفعال بإمكاننا امتلاك فهمٍ أفضل للمقصود من الوحي المفهومي، وهي تصنّف ضمن قسمين كالتالي:

1. أفعال تحكي عن نجاح (تحقيق إنجاز) achievement verbs

2. أفعال تحكي عن فعل (أداء عمل) task verbs

القسم الأوّل يدلّ على أنّ الفاعل تمكّن من تحقيق هدفٍ معيّنٍ، مثلاً عندما نقول «فاز زيد في سباق العدو» فالفعل «فاز» يحكي عن نجاحٍ وتحقيق إنجازٍ، وهذا الأمر حدث بعد أن تمكّن زيدٌ من بلوغ هدفه المنشود من وراء المشاركة في سباق العدو.

القسم الثاني يدلّ على أنّ الفاعل أدّى عملاً معيّنًا، مثلاً لو قلنا في المثال السابق «عدا زيد في مضمار السباق» فالفعل «عدا» يحكي عن أنّ زيدًا قام بالعدو فقط لكنّه لا يدلّ على كونه حقّق إنجازًا وفاز في السباق، بحيث حقّق هدفًا كان يقصده[1].

الوحي عبارة عن مفهومٍ يدلّ على فعلٍ تحقّق فيه نجاحٌ (إنجاز)، فحينما نقول «أوحى الله للنبي ...» نقصد من ذلك أنّ الله سبحانه وتعالى أوحى للنبي المفهوم (أ) على سبيل المثال، وهذا الفعل يُشير إلى وجود ارتباطٍ بينهما - الله والنبي - تمّ

(292)

على أساسه انتقال المفهوم؛ وهذا الارتباط من شأنه أن يتحقّق في رحاب أساليبَ عديدةٍ، لكنّ المقصود يبقى واحدًا.[1]

 أركان الوحي المفهومي

إذا أردنا معرفة الأركان التي يتقوّم عليها الوحي المفهومي، لا بدّ أن نتطرّق أوّلاً إلى تحليل المقصود من الحوار والارتباط الكلامي.

كلّ كلام يدور بين البشر يتقوّم على ستّة أركانٍ أساسيّةٍ، هي كالتالي:

1- المتكلّم

2- المخاطب

3- المعنى الذي يقصده المتكلّم 

4- التقابل (المواجهة)

5- خلفيّة الكلام

6- الرّموز الكلاميّة[2]

المتكلّم عادةً ما يوجّه كلامه إلى مخاطبٍ معيّنٍ، وإثر ذلك يرتبط معه كلاميًّا بهدف نقل معنًى يقصده ممّا يقول، وهذا الانتقال عادةً ما يتمّ على ضوء خلفيّةٍ محدّدةٍ يرتكز عليها الكلام، وفي هذه الحالة لا بدّ من وجود تقابلٍ -مواجهة- فيما بينهما في رحاب رؤيةٍ واستماعٍ ضمن رموزٍ كلاميّةٍ مفهومةٍ لديهما، وهذه الرموز

(293)

بطبيعة الحال تندرج ضمن لغةٍ خاصّةٍ؛ وعلى هذا الأساس تتحقّق ستّة أركانٍ في الكلام الموجّه إلى المخاطب.

وأمّا الوحي المفهومي فهو يرتكز على ثلاثة أركان أساسيّةٍ هي ما يلي:

1- المرسِـل

2- المتلقّي

3- المعنى الذي يقصده المرسِـل (الرسالة)

المرسِـل حسب نظريّة الوحي المفهومي هو الله سبحانه وتعالى أو ملَك الوحي، والنبي هو المتلقّي، حيث يتلقّى من عند الله معنًى مقصودًا - رسالةً - في رحاب مواجهةٍ بينهما، أي بين النبي والله أو ملَك الوحي.

هذه المواجهة عبارة عن تجربةٍ دينيّةٍ، وبما أنّها مصحوبةٌ بتلقّي رسالة، لذلك يطلق عليها اصطلاح «تجربة وحي»؛ حيث يخوضها النبي عند تلقّيه الوحي[1]، وهذا الانتقال يحدث على ضوء خلفيّةٍ معيّنةٍ تسمّى خلفيّة الوحي التي من خصائصها أنّها تتزامن مع نزول الوحي.

الجدير بالذكر هنا أنّ الوحي المفهومي ليس فيه مخاطبٌ شاخصٌ (بالفعل)؛ نظرًا لعدم وجود ارتباطٍ كلاميٍّ فيه، ومن هذا المنطلق فالمخاطب يوجد عندما يصوغ النّبيّ الوحي (ما تلقّاه من ربّه) على هيئة ألفاظٍ وكلامٍ ضمن لغةٍ معيّنةٍ، ممّا يعني أنّ المخاطب موجود على نحو الاستعداد (بالقوة) قبل ذلك.

(294)

النّبيّ في هذا المضمار عبارةٌ عن واسطةٍ لنقل رسالة السّماء (مضمون الوحي) إلى النّاس، ممّا يعني وجود واسطةٍ للرسالة ومتلقّي لها، وعلى أساس نظريّة الوحي المفهومي هناك اختلافٌ أساسيٌّ بين تجربة الوحي والتجربة النبويّة، فالأولى يخوضها النّبيّ عند تلقّيه الوحي من الله سبحانه وتعالى أو الملَك، بينما الثانية يقصد منها مجمل تجاربه الدّينيّة التي يخوضها طوال حياته المباركة باستثناء الأولى.

الوحي المفهوميُّ يختلف عن تجربة الوحي والتجربة الدّينيّة؛ لكون الأولى لا تعنيه بذاته وإنّما تترافق معه، حيث يُلقى على النّبيّ بشكل مفاهيمَ تدلّ على حقائق ضمن مقابلةٍ -مواجهة- تسمّى تجربة وحي، والحقائق بدورها تتبلور على هيئة وحيٍ فتنشأ على ضوئها رسالة الوحي.

الحقائق التي تنتقل إلى النّبيّ عن طريق الوحي من جانب الله سبحانه وتعالى أو الملَك ذات مداليل معيّنةٍ لا قدرة لسائر النّاس على تلقّيها، فهو عندما يتلقّى الوحي يمرّ في حالتي صعود ونزول؛ لأنّ روحه يجب أن تعرج إلى أعلى المراتب في مرحلة تلقّي الحقائق المفهوميّة، ثمّ بعد أن تكتمل هذه المرحلة تنزل مرّةً أخرى إلى حياته الدّنيويّة ليصوغ الحقائق التي تلقّاها في إطار لغةٍ محدّدةٍ يُخاطبُ بها قومه.

الفلاسفة المسلمون من أمثال الفارابي وابن سينا والكثير من علماء الكلام من أمثال الغزالي، تبنّوا هذه الرؤية على صعيد تفسير الوحي، إلا أنّ بعضهم أقرّوا بكلاميّة الوحي في الإسلام ضمن مباحثهم الفلسفيّة. فلاسفتنا بشكلٍ عامٍ غالبًا ما يسوقون نقاشاتهم لأجل طرح مبادئ أنطولوجيّة مقبولة حسب متبنّياتهم الفلسفيّة؛ كي يتسنّى لهم توضيح الحقائق المفهوميّة التي جاء بها النبي محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله عن طريق الوحي. وفي هذا السياق أكّد الشيخ الشهيد مرتضى مطهري رحمه‌الله على أنّ النّظريّة الفلسفيّة الإسلاميّة في تفسير الوحي هي الأفضل على الإطلاق، حيث

(295)

قرّر رأي الفلاسفة المسلمون بهذا الخصوص كما يلي: الإنسان من الناحية الرّوحيّة عبارة عن كائنٍ واحدٍ، لكنّه ذو بعدين، فهو ذو روح وليس عبدًا فحسب، وهذه الرّوح لها بعدان: أحدهما بعد طبيعي، والآخر هو العلوم المتعارفة يحصل عليها عن طريق الحواس التي هي في الواقع مرتكز ارتباطه بعالم الطبيعة.

ما يناله الإنسان من معلوماتٍ عن طريق حواسه يخزّنه في مكنون ذهنه -ذاكرته- ثمّ ينقله إلى مرحلةٍ أعلى ويضفي إليه صيغةً كلّيّةً، ويجعله مجرّدًا وعامًّا، وقال البعض في هذا السياق: روح الإنسان لها بُعدٌ آخر من سنخ عالم ما وراء الطبيعة، وبمقدار ما ترتقي من مراتب في هذا العالم بإمكانها الاحتكاك بأشياءٍ أكثر، والشاعر جلال الدين الرومي - مولانا - شبّهها في أحد أشعاره الفارسيّة بالنّاي الذي في قصبته رأسان صغيران ينفخ فيهما العازف، وشبّه الله عزّ وجلّ بهذا العازف، وفحوى كلامه إنّ الإنسان لا يعلم سوى بوجود رأسٍ واحدٍ، لذا عندما يرى العازف وهو يعزف وينشد يتصوّر أنّ صوت العزف يخرج من الرأس الظاهر لعينيه ولا يعلم بوجود قصبةٍ أخرى مكنونة في فم العازف، فهي لا تُرى لكونها مستورةً في هذا الفم[1].

ومن أقوال الفلاسفة بهذا الخصوص: كائنات ذلك العالم تختلف عن كائنات هذا العالم -عالم الطبيعة- الذي هو عالم مادّيّ ويجري في حركةٍ دائبةٍ، في حين أنّ ذلك العالم ليس بهذا الشّكل. هذان العالمان مرتبطان مع بعضهما، لكنّ عالمنا الدّنيويّ خاضعٌ لذلك العالم، والحقيقة أنّ كلّ ما في عالمنا المادّي عبارة عن ظلٍّ لما هو موجودٌ في ذلك العالم، أي أنّه معلولٌ له حسب التعبير الفلسفي.

(296)

وقالوا أيضًا: روح الإنسان من شأنها أن ترتقي، فعندما تكون في مضمار الوحي ترتقي أوّلاً إلى مرتبةٍ عليا ثمّ تنزل إلى مرتبتها السابقة، ونحن البشر لا ندرك سوى مرحلة نزول الوحي لكونها ترتبط بواقع حياتنا المادّية، لذا لا ندرك مرحلة الارتقاء؛ ومن هذا المنطلق فروح النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في بادئ الأمر ترتقي ليلاقي حقائق في العالم الآخر، لكنّنا لا نستطيع توضيح طبيعة هذا التّلاقي، وغاية ما في الأمر يُمكننا تشبيهه بصورةٍ محسوسةٍ يتلقّاها الإنسان في نطاق عالم الطبيعة، وفي رحابها ترتقي روحه إلى مراتب عُليا لتتّسم بحالةٍ عقلانيّةٍ ذات طابعٍ كلّيٍّ؛ كذلك روح النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله تنال حقائق من ذلك العالم على ضوء حالةٍ عقلانيّةٍ ذاتٍ طابعٍ كلّيٍّ بفضل قابلياتها الخاصّة التي لا تمتاز بها الأرواح الأخرى، وبعد أن تمتزج هذه الحقائق مع مكنون أحاسيسه الباطنيّة وتنزل معه إلى عالم الدنيا، فهي تتبلور ضمن صورةٍ تدركها حواسّ بني آدم، وهذا هو المقصود من نزول الوحي.

إذًا، الحقائق التي تلقّاها النبي محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله في بادئ الأمر على هيئة صورٍ عقليّةٍ تجريديّةٍ تنزّلت فيما بعد إلى مراتب وجوده الدّنيويّ لتتبلور في إطار أشياء محسوسة مسموعة أو مرئيّة بالنسبة إليه[1].

التفسير الذي ذكره الشيخ الشهيد مرتضى مطهري رحمه‌الله لبيان حقيقة الوحي مرتكزٌ بشكلٍ أساسيٍّ على مبادئ نظريّة المفاهيم؛ حيث اعتبر روح النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ترتقي إلى مراتب عُليا كي تتلقّى حقائق من الوحي، ثمّ تتنزّل هذه الحقائق في وجوده لتتبلور على هيئة قضايا تدركها حاسّتا السّمع والبصر، والفلاسفة المسلمون بدورهم ذكروا الأسس الفلسفيّة لهذا العروج الرّوحي، وحينما نُمعن النّظر فيما ذكروه على هذا الصعيد نجده ذا ارتباطٍ وطيدٍ بنظريّة المفاهيم.

(297)

الجدير بالذكر هنا أنّ الفيلسوف الغربي كير كيغارد (Kierkegaard) هو أحد المفكّرين الذين تبنّوا النّظريّة المذكورة ضمن مباحثه في علم اللّاهوت المسيحي الحديث؛ حيث اعتبر الوحي ذا مرتبةٍ أعلى من مرتبة العقل، لذا عندما يلج العقل في نطاق الوحي فهو يتوقّف عن العمل ولا جدوى من قابلياته، بل يقع في تناقضاتٍ؛ والحقائق التي يتلقّاها النّبيّ من الوحي المنزل إليه لا تتعارض مع الأسس العقليّة، بل هي أعلى مرتبةً من العقل، وعلى هذا الأساس لا يتسنّى للإنسان أن يصبح متديّنًا إلّا إذا حدثت له طفرةٌ إيمانيّةٌ (leap of faith) والمقصود من ذلك هو استسلامه التامّ للحياة، والسبب في ذلك يعود إلى أنّ عقله يبلغ مرحلةً يتوقّف فيها، بحيث لا يمكنه تجاوزها. وعلى هذا الأساس فالقواعد العقليّة والمنطقيّة التي لها القابليّة على إثبات قضايا علميّة متنوّعة، لا يُمكن الاعتماد عليها بشكلٍ مستقلٍّ لمعرفة الله وحقائق الوحي[1]. على ضوء هذا الكلام تساءل قائلاً: كيف يمكن تحصيل هذه الحقائق بواسطة إنسانٍ يعيش في نطاق الزمان؟ وفي بادئ إجابته عن هذا السؤال ذكر احتمالين هما كالتالي:

الاحتمال الأوّل: نظريّة سقراط

الاحتمال الثاني: النّظريّة المسيحيّة[2]

الاحتمال المطروح لحلّ هذه القضيّة وفق نظرية سقراط فحواه إمكانيّة الحصول على حقائق الوحي من قبل إنسانٍ يعيش في رحاب الزمان، لكونها مستقرّة في داخله، لذا باستطاعته معرفتها عن طريق رجوعه إلى باطنه، وعلى

(298)

هذا الأساس فهو كالأستاذ الذي وصفه كير كيغارد بـ «الأستاذ السقراطي»؛ حيث يمتلك دورًا فرعيًّا على صعيد معرفة هذه الحقائق؛ وبعبارةٍ أخرى فغاية ما يفعله هذا الأستاذ هو إيقاظها بعد أن كانت مكنونة باطنه، وهذا يعني أنّه لم يمنح حقائق جديدة لم تكن مكنونةً في باطنه سابقًا ولا علم له بها، لذا هو قادر على استكشافها في كلّ حين.

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ نظريّة سقراط هي نظريّة الاستذكار ذاتها[1]، التي طُرحت من قبل أفلاطون ضمن محاورة «مينون»، والتي تتمحور مواضيعها حول إمكانيّة تعلّم الفضيلة؛ حيث أكّد فيها على أنّ الإنسان عاجزٌ عن تحصيل معرفةٍ حقيقيّةٍ في الحياة الدنيا، بل كلّ ما يتعلّمه فيها مجرّد أمورٍ ظاهريّةٍ وليست حقيقيّة، باعتبارها استذكارًا لما حصل عليه في عالم المـُثُل.

حقائق الوحي وفقًا للاحتمال السقراطي يجب أن تكون مكنونةً في نفس النّبيّ مسبقًا، ثمّ تتبلور في رحاب الظروف التأريخيّة -الزمانيّة-[2].

الاحتمال المطروح في النّظريّة المسيحيّة يتعارض مع الاحتمال المطروح في نظريّة سقراط؛ حيث تؤكّد على أنّ النبي قبل تلقّيه الوحي لا يمتلك أيّة حقائق

(299)

وحيانيّةٍ، ومن هذا المنطلق لا يمكن ادّعاء أنّه يبادر فقط إلى استكشاف هذه الحقائق في باطنه، فالموحي الذي وصفه كير كيغارد بالأستاذ المسيحي لا يكتفي في وحيه بمنح النبي أو أيّ شخص آخر حقائق لا يعلم بها الناس، بل إضافةً إلى ذلك يوفّر له كافّة الشّروط اللّازمة التي تيسّر عملية تلقّي هذه الحقائق، وهذا يعني أنّ وجوده يعدّ أمرًا ضروريّا لا محيص منه.

الاختلاف الآخر بين الاحتمالين السقراطي والمسيحي يكمن في ذات الوحي، فالنّظرية المسيحيّة تؤكّد على ضرورة وجود أستاذٍ يعلّم النّبيّ الحقائق عن طريق الوحي، وهذا الأستاذ هو الله طبعًا.

أستاذ الوحي بناءً على ما ذُكر يختلف بالكامل عن سائر الأساتذة، والأهمّ من ذلك أنّه يقوم بأفعالٍ تختلف عن سائر الأفعال[1].

هناك سؤال يُطرح في هذا المضمار فحواه ما يلي: كيف يتلقّى النّبيّ الوحيَ أو يتعلّمه وفق النّظريّة غير السقراطيّة؟ وقد ذكرت إجابتان عن هذا السؤال، وهما كالتالي:

الإجابة الأولى: معلّم الوحي يُلهم الوحي إلى النّبيّ شريطة أن يفعل شيئًا كي يبلور حقائقه على أرض الواقع، ممّا يعني أنّ الله سبحانه وتعالى يمنحه حقائق مكنونةً على نحو الاستعداد والقابليّة -بالقوّة- ولا تنزل إلى أرض الواقع -الفعليّة-  إلّا إذا قام بعملٍ من شأنه أن يبلورها بالفعل.

الإجابة الثانية: معلّم الوحي -الله سبحانه وتعالى- منذ بادئ الأمر يمنح النّبيّ حقائق على نحو الفعليّة لا الاستعداد[2].

(300)

خلاصة الكلام أنّ متعلّم الوحي -النّبيّ- حسب الاحتمال المطروح في نظريّة سقراط لديه معرفةٌ بالحقائق الوحيانيّة قبل نزول الوحي عليه، وعلى هذا الأساس فالظروف التأريخيّة -الزمانيّة- ذات ارتباطٍ عرضيٍّ بالوحي فقط، أي أنّ الزمان مجرّدُ نطاقٍ تتبلور في رحابه الحقائق الكامنة بشكلٍ علنيٍّ؛ بينما الاحتمال المطروح في النّظريّة المسيحيّة تمّ التأكيد فيه على عدم وجود ارتباطٍ على صعيد الترتيب والتوالي الزمني -التأريخي- لأنّ أمرًا جديدًا من نوعه وغير مسبوقٍ في تأريخ البشريّة فجأةً ما يحدث في لحظةٍ معيّنةٍ، وحينها يواجه متعلّم الوحي تحوّلاً نوعيًّا في ذاته، هو في الواقع هبةٌ مقدّمةٌ له من قبل الله سبحانه وتعالى، ومن هذا المنطلق تحظى الظروف التأريخيّة بأهميّة بالغةٍ في هذا المضمار[1].

النّظريّة الثانية: نظريّة التجربة الدّينيّة

نظريّة التجربة الدّينيّة هي إحدى النّظريات الأخرى المطروحة على صعيد تفسير الوحي؛ حيث يؤكّد أصحابها على أنّ النّبيّ يقابل -يواجه- الله سبحانه وتعالى، وهذه المواجهة هي حقيقة الوحي، وبعبارة أخرى فالوحي لا يعني تحميل النّبيّ رسالة من قبل الله سبحانه وتعالى.

إذًا، النبي حسب هذه النّظريّة يُواجه ربّه تبارك شأنه، ثمّ يذكر تفسيرًا لِمَا حدث خلال مواجهته، وما نعرفه تحت عنوان «رسالة الوحي» هو في الواقع تفسير ذكره النّبيّ لتجربته، ويمكن وصفه بالترجمة لهذه التجربة؛ لأنّه لم يتلقَّ الوحي من ربّه على هيئة كلامٍ باعتبار أنّ تجربته ليست من سنح التجارب الكلاميّة، بل الكلام الذي تبلورت فيه حقائق الوحي عبارة عن صورةٍ أضفاها إليها كي يفسّر مغزاها للناس وفق لغتهم.

(301)

لأجل بيان مدلول هذه النّظريّة بشكلٍ أفضل لا نرى بأسًا من بيان معاني أهمّ المصطلحات التي تطرح في رحابها، وهي التجربة والتجربة الدينيّة والتفسير، وذلك كما يلي:

1. التحوّل الدّلالي لمصطلح «تجربة»

مصطلح تجربة (experience) الذي يُستخدم في بعض التعابير، مثل التّجربة الدّينيّة وتجربة الوحي والتجربة الشهوديّة والتّجربة الأخلاقيّة، هو أحد أشهر المصطلحات المطروحة في مواضيع فلسفة الدين في العصر الحديث، ومن جملة المصطلحات التي شهدت تحوّلاتٍ دلاليّةً عديدةً على مرّ التأريخ إلى أن اتّسمت بالمعنى المعهود لها في عصرنا الحاضر.

التّحوّل الدّلالي الجذري الذي شهده هذا المصطلح في العصر الحديث، هو انتقال المعنى الفعلي -المؤثّر- إلى المعنى الانفعالي - المتأثّر - ضمن مواضيع فلسفة الدين، ومنشأ هذا التغيير يكمن في تغيّر الرؤى التي يتبنّاها المفكّرون والباحثون المعاصرون بالنسبة إلى حياة البشر، فالإنسان القديم كان يعتبر الحياة مجرّد سلسلةٍ من الأفعال العظيمة، في حين أنّ الإنسان المعاصر غالبًا ما يُصوّرها في رحاب ذكرياته وتجاربه السّابقة مثل الحزن والفرح والسفر والمصائب والنجاح وما إلى ذلك من أشياء أخرى تطرأ في الحياة؛ وعلى هذا الأساس لا ينظر إلى أقرانه البشر من حيث قيامهم بأفعال معيّنةٍ، بل يعتبرهم مجرّد مستهلكين ومترجمين لتجاربهم[1].

مصطلح «تجربة» برؤية الإنسان القديم كان يعني أيضًا الاختبار كالمعنى

(302)

المتعارف اليوم، لكن ضمن مدلولٍ يحكي عن فعلٍ وتأثيرٍ، بينما الإنسان المعاصر يعتبرها ذات مدلولٍ يحكي عن انفعالٍ وتأثّرٍ، لكن ما السبب في هذا التغيير الدّلالي يا ترى؟ الإجابة عن هذا السّؤال واضحةٌ، فالتّحوّل الدّلالي المذكور نشأ منذ القرن السابع عشر، وتبلور بشكلٍ أفضل في العصر الحديث، إثر اتّساع نطاق الفكر وطرح رؤًى متنوّعة تختلف عمّا كان معهودًا في العصور السابقة على صعيد مواضيع الدين والفلسفة وشتّى العلوم؛ بحيث نالت البشريّة في رحابها مصادر معرفيّة قيّمة، وجرّاء ذلك أصبح الإنسان متأثّرًا فقط مقابلها، بصفتها مصادر معرفيّةً خالصةً ينتهل منها دون عناء البحث والتحليل الشّخصي، ومن هذا المنطلق بات كلّ إنسانٍ قادرًا على معرفة الحقائق الكامنة في باطنه.

إذًا، كلّ إنسان خلال هذه الفترة أصبحت لديه القدرة على معرفة الواقع عن طريق تأمّلاته الباطنيّة، ممّا يعني أنّ النّفس في هذه الحالة عبارة عن جهاز استقبالٍ وجانب منفعل - متأثّر - بحيث يكتنفها سيل معلوماتٍ تأتيها من عالم الخارج فتخزّنها وتحتفظ بها.

2. التجربة الدّينيّة مواجهة مصحوبة بانفعال (تأثّر)

مفهوم التّجربة الدّينية حينما طُرح من قبل علماء اللّاهوت المسيحيين أسفر عن حدوث تحوّلٍ جذريٍّ في المباحث الدّينيّة وعلم اللّاهوت الحديث، حيث استخدموه للدلالة على المواجهة المصحوبة بالتأثّر[1]، ومثال ذلك أنّ شخصًا ربّما لم يشعر سابقًا بلسعة النّار، أي أنّه لم يُواجه في حياته مسألة الاحتراق، لكنّه قد يجرّب ذلك عندما تلسع النّار جلده أو أحد أعضاء بدنه، لذا عند مواجهة هذا

(303)

الأمر ستكتنفه حالة انفعالٍ خاصّةٍ -تأثّر- تتمثّل في الشّعور بالاحتراق؛ ومن ثمّ بإمكانه القول «خضت تجربة الاحتراق».

التجربة على أساس المثال المذكور تمتاز بخمس خصائص هامّة، وهي كالتالي:

1- تلقّي شيء بشكلٍ عمليٍّ ومباشر.

2- الشعور بالشيء ذاته الذي أحسّ به من خاض التجربة ذاتها سابقًا.

3- عدم ارتكاز التجربة على المفاهيم والاستدلالات العقليّة.

4- التّجربة الشّخصيّة لا تنتقل بذاتها إلى الغير.

5- التجربة ذات طابعٍ شخصيٍّ وتختصّ بمن خاضها.

التجربة وفق هذا التوضيح تعني تلقّي الإنسان شيئًا بشكلٍ عمليٍّ ومباشر، ففي المثال المذكور حدثت تجربة الاحتراق بشكلٍ عمليٍّ ومباشرٍ، لذا بإمكان من خاضها أن يشعر بالشيء ذاته الذي شعر به من خاضها قبله من حيث الشدّة والضّعف، لذا لولا هذه التجربة التي خاضها لما شعر بذلك الشّعور الذي جرّبه غيره؛ فضلاً عن ذلك لم تتقوّم تجربته هذه على أسسٍ عقليّةٍ لكونها لم تحدث إثر مواجهةٍ مع مفاهيم واستدلالاتٍ عقليّةٍ، بل هي عبارة عن مواجهةٍ عمليّةٍ ومباشرةٍ لا دخل للمفاهيم العقليّة فيها. ومن خصائصها الأخرى أنّها لا تنتقل بذاتها إلى غير من جرّبها لكونها ذات طابعٍ شخصيٍّ، أي من المستحيل أن تحدث بعينها لغير من خاضها؛ إذ كلّ إنسان حينما يجرّب شيئًا هو في الواقع يخوض تجربته خلال ظروفٍ خاصّةٍ، ومن ثمّ لا يمكن لأيّ شخصٍ آخر وصف تفاصيلها وكيفيّة حدوثها وما حدث فيها لغيره[1].

(304)

التجربة الدّينيّة هي الأخرى عبارة عن مواجهةٍ متواكبةٍ مع انفعالٍ دينيٍّ؛ حيث تكتنف المعتقدين ببعض الأديان حينما يشعرون بالارتباط بأمرٍ مقدّسٍ ومتعالٍ، وهي كمفهومٍ عامٍّ لا تختصّ بأحد الأديان بالتحديد، بل هي أمرٌ مشهودٌ على نطاقٍ واسعٍ في الأديان جميعها؛ ومن أمثلتها ما يواجهه المتديّنون حين دعائهم وعبادتهم وفي مجالس عزائهم.

التجارب الدّينيّة رغم حدوثها في جميع الأديان، لكنّها بطبيعتها تختلف من دينٍ إلى آخر، بحيث تكتسي بحلّة الدّين الذي تتبلور فيه وتصطبغ بلون معتقدات أتباعه وتوجّهاتهم الثّقافيّة؛ لأنّها تمتزج بالكامل مع المفاهيم الدّينيّة والمعتقدات امتزاجًا تامًّا، فتجارب المسيحيين الدّينيّة على سبيل المثال تختلف عن تجارب المسلمين، لذا نجد تجاربهم تدور في دوّامة عقيدة الثالوث، بينما تجارب المسلمين متأثّرة بالكامل بعقيدة التوحيد.

إضافةً إلى ذلك، فالتجارب الدّينيّة ذات مصاديق كثيرةٍ؛ حيث تعمّ تجارب عامّة النّاس، كمشاهداتهم في عالم المنام وما يواجهونه حين يقظتهم، كذلك مثل المكاشفات الرّوحانيّة لأصحاب السير والسلوك، وغيرها؛ ومن هذا المنطلق تعتبر من أكثر الظّواهر رواجًا بين أصحاب المعتقدات الدّينيّة؛ لأنّهم يُجرّبون حالاتٍ دينيّةً متباينةً، وكلّ حالةٍ منها تندرج ضمن نطاق إحدى التجارب الدّينيّة.

3. كيفيّة تفسير التجربة

ذُكرت العديد من التفاسير بهدف بيان حقيقة ما يذكره النّبيّ للنّاس بخصوص تجربته الدّينيّة، لكن ما المقصود من التفسير (interpretation) هنا؟

الفيلسوف الغربي وولتر ستيس (Walter Terence Stace) تحدّث عن هذا

(305)

الموضوع، ووضّح المقصود من التفسير في كتاب «التّصوّف والفلسفة» قائلاً: «التفسير عبارة عن شيءٍ يزيد من القدرة على التفكّر بالتّجربة بغية فهمها على حقيقتها، وهذه الزيادة إمّا تكون في المفاهيم اللفظيّة وإمّا تكون في الاستنتاجات المنطقيّة أو إحدى الفرضيّات التي يُراد منها بيان حقيقة ما»[1]. هذا الكلام ذكره بخصوص تفسير التّجارب الرّوحيّة إلّا أنّ بحثه بشكٍل عامٍّ لا يتمحور حولها بالتحديد.

الجدير بالذكر هنا، أنّ تفسير التّجارب ذو مستوياتٍ عدّة، وهذا الأمر ملحوظٌ بوضوحٍ على صعيد تفسير التجارب الحسّيّة، فعلى سبيل المثال حينما أقول «أرى اللون الأحمر» يكون التفسير ذا مرتبةٍ متدنّيةٍ ومستوًى منخفظٍ لكونه لا يشتمل على شيءٍ سوى تعيين نوع اللون، في حين أنّ تفسير إحدى النظريات الفيزيائيّة المعقّدة مثل نظريّة موجات الضّوء هو في الواقع ذو مرتبةٍ عُليا ومستوًى رفيع.

أركان الوحي التجريبي

السّؤال الأساسي الذي يُطرح على أصحاب نظريّة التجربة الدّينيّة هو كالتالي: يا ترى كيف يمكن تصوّر الوحي وفق مبادئ نظريّة التجربة الدّينيّة؟ الإجابة عن هذا السّؤال هي المحور الأساسي في هذا المبحث الذي نستهلّه بشرح هذه العبارة وتحليل: «أوحى الله إلى النبي».

الوحي كما ذكرنا في مباحثَ نظريّة المفاهيم يحكي عن نجاح وتحقيق إنجاز، إلا أنّه وفق نظريّة التجربة الدّينيّة يحكي عن فعلٍ فحسب، لذا تفسّر العبارة المذكورة أعلاه كما يلي «النبي جرّب الله»، وبعبارة أدقّ «حدثت للنبي مواجهة

(306)

وحيٍ مع الله»، فهذه العبارات تدلّ على الفعل الذي قام به النبي فقط، وهذا هو السبب في وصف الوحي بأنّه تجريبيٌّ تحت عنوان «الوحي التجريبي».

الوحي التجريبي يتقوّم على ثلاثة أركانٍ أساسيّةٍ، هي: الله، والنبي، وتجربة الوحي. فالنبي واجه الله في تجربة وحي، والله بدوره تجلّى خلال هذه التجربة، والوحي هنا هو تجربة الوحي ذاتها التي حدثت.

المفاهيم التي يتلقّاها النبي خلال الوحي ويذكرها للناس يصطلح عليها «رسالة الوحي»، وهي بذاتها ليست وحيًا، وإنّما عبارة عن تفسير يذكره لهم بخصوص تجربته، وهذا يعني أنّ المفاهيم التي يذكرها لهم عبارة عن ترجمة وتفسير لتجربة الوحي التي خاضها مع ربّه، وليست الشيء ذاته الذي تمّ تبادله بشكلٍ مباشرٍ.

تجربة الوحي توصف بكونها تجربةً شخصيّةً على ضوء معنيين، هما كالتالي:

1- النّبيّ وحده له الحقّ في تفسير تجربته ولا يحقّ لغيره ذلك؛ لأنّ جميع التّجارب الدّينيّة ذات طابعٍ شخصيٍّ وليس تجربة الوحي فحسب.

2- النّبيّ وحده قادرٌ على خوض هذه التجربة، ولا يمكن لأحدٍ غيره خوضها؛ إذ ليس من شأن سائر النّاس أن يخوضوا تجربة الوحي، بل هي من مختصّاته على نحو الحصر.

إذًا، تجربة الوحي تتبلور على ضوء ارتباطٍ خاصٍّ يحدث بين الله سبحانه وتعالى وبعض عباده الذين يوصفون بأنّهم أنبياء ورسل، وهذا هو السبب في ندرتها؛ إذ لا يمكن لغير الأنبياء والرسل خوضها.

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ نظريتي المفاهيم والتجربة الدّينيّة كلاهما تؤكّدان

(307)

على كون الوحي أمرًا شخصيًّا، لذا سواءً اعتبرناه مجموعةً من المفاهيم أو قلنا إنّه مجرّد تجربةٍ دينيّةٍ فهو في كلا الحالتين يعدّ تجربةً شخصيّةً لا عامّةً، لكن وجه الاختلاف بين النّظريّتين يكمن في أنّ نظريّة المفاهيم تفسّر الوحي بكونه تلقّيًا رسالة السّماء تزامنًا مع تجربة وحي، في حين أنّ نظريّة التجربة الدّينيّة تفسّره بكونه التجربة ذاتها التي يخوضها النّبيّ، ولا يعني تلقّي رسالة ممن أوحى إليه - الله أو الملَك - وعلى هذا الأساس فهو ليس مجموعةً من المفاهيم، وهذا هو وجه الاختلاف الجذريّ بين تجربة الوحي وسائر التّجارب الدّينيّة، بداعي أنّ التّجارب الشّخصيّة غير الدّينيّة ليست من هذا النّوع.

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ نظريّة المفاهيم تُعتبر أقدم النّظريات التي طُرحت على صعيد تفسير الوحي وأكثرها رواجًا في المجتمعات الدّينيّة التي تؤمن بالأديان السّماويّة، حيث تضرب بجذورها في النّصوص الدّينيّة الأصيلة التي تفسّر الوحي بنوعٍ من الارتباط الذي تنتقل في رحابه حقائق دينيّة من الله إلى النّبيّ، بينما سائر النّصوص الدّينيّة -غير الأصيلة- تؤكّد على مسألة انتقال الحقائق إليه وتنفي تأثير حالاته الروحيّة والشّهوديّة وتجاربه الشّخصيّة في هذا الصعيد، ولكن ليس على نحو الإطلاق، وحتّى حينما تشير إلى تجاربه الشّخصيّة وبعض حالاته الرّوحيّة، فهي لا تقصد أنّ انتقال الحقائق يحدث على ضوء ارتباطٍ وحيانيٍّ وتجربة وحي. مثال ذلك حالة الخوف التي اكتنفت النّبيّ موسى (عليه السلام) عند تلقّيه الوحي من الله تعالى، فقد ذكرت هذه الحالة في بعض النّصوص الدّينيّة ولا يقصد منها تفنيد مفهوميّة الوحي، بل توعزه إلى قضايا أخرى غير المفاهيم.

نظريّة التجربة الدينيّة طُرحت في العصر الحديث مقابل نظريّة المفاهيم، لكنّ هذا لا يعني أفول النّظريّة الثانية وتهميشها بالكامل واقتصار الأمر على النّظريّة

(308)

الأولى فحسب، بل هناك الكثير من الباحثين والمفكّرين ما زالوا يؤيّدونها ويعتقدون بصوابها، فغاية ما في الأمر أنّ نظريّة التجربة الدّينيّة طرحت في حقبةٍ زمنيّةٍ متأخّرةٍ عنها من قبل علماء اللّاهوت المسيحيين إثر عوامل تأريخيّةٍ معيّنةٍ، حيث تبنّاها أتباع المذهب البروتستانتي، وسوف نشير إلى الأسباب التي دعتهم إلى ذلك.

غالبيّة علماء اللّاهوت المسيحيي،ن الذين تبنّوا نظريّة التجربة الدّينيّة في تفسير الوحي، هم من أتباع اللّاهوت الليبرالي[1] (liberal theology)؛ إذ اعتبروه ضربًا من التجارب، والجدير بالذكر هنا أنّ هذا النّوع من اللّاهوت المسيحي يعدّ المرحلة الأولى في تأريخ اللّاهوت البروتستانتي، وخلاصة رأيهم كما يلي: الوحي مرتبطٌ بباطن الإنسان وتجربته الدّينيّة، ومن ثمّ فالكتاب المقدّس ولا سيّما العهد الجديد هو في الواقع مجرّد مصدرٍ لنقل التجارب الدّينيّة التي خاضها المتديّنون.

الرأي الرسمي الذي تبنّته الكنيسة في هذا المضمار هو أنّ الوحي الإلهي عبارة عن حالة انتقال الحقائق السماوية إلى الإنسان، وفي مقابل ذلك أكّد أتباع اللّاهوت الليبرالي على بطلان هذا التفسير مؤكّدين على كونه محض تجربةٍ دينيّةٍ، وفي هذا السّياق اعترض بعضهم على أرباب الكنيسة بادّعاء أنّ الله يتجلّى بذاته للنّبيّ لا كلامه، ومنهم من رفض قول من قال إنّ الديانة المسيحيّة عبارة عن مجموعةٍ من التعاليم الدّينيّة بحيث اعتبرها منهجًا للحياة، وقصده من ذلك نفي مفهوميّة الوحي، أي أنّه ليس مجرّد مفاهيم يتلقّاها النّبيّ من الله تعالى، بل هو تجربة دينيّة له[2].

(309)

أسباب طرح نظريّة تجربة الوحي وخلفياتها

يا ترى ما الذي دعا علماء اللّاهوت الليبرالي إلى تفنيد نظريّة المفاهيم بخصوص الوحي وتبنّي نظريّة التجربة الدّينيّة؟

نظريّة تجربة الوحي نشأت في ظروفٍ خاصّةٍ ولأسبابٍ معيّنةٍ، وقد حاول علماء اللّاهوت المسيحي الليبرالي تبريرها بأدلّةٍ استندوا إليها، وفي هذا السياق سوف نسلّط الضوء أوّلاً على أهمّ ثلاثة عوامل أدّت إلى ظهورها، وهي كما يلي:

العامل الأوّل: هزيمة اللّاهوت العقلي (الطبيعي) (natural theology) في الأوساط المسيحيّة.

العامل الثاني: رواج فكرة التّعارض بين العلم والدين.

العامل الثالث: انتعاش حركة نقد الكتاب المقدّس.

الذين فسّروا الوحي وفق أسس نظريّة المفاهيم اعتبروا الدّين مجموعةً من التعاليم التي يجب على علماء اللّاهوت الدّفاع عنها، والجدير بالذكر هنا أنّ علم اللّاهوت منذ عهد القدّيس توما الأكويني (Thomas Aquinas) تبلور في مضمارين هما: اللّاهوت العقلي (الطبيعي)، ولاهوت الوحي  (revealed theology).

اللّاهوت الطبيعي يُفسّر الدّين وفق أسسٍ عقليّةٍ وفلسفيّةٍ، وعلى هذا الأساس يتمّ إثبات وجود الله عزّ وجلّ وسائر المعتقدات المسيحيّة مثل عقيدة الثالوث، في حين أنّ لاهوت الوحي يطرح تفسيرًا آخر، ومثال ذلك أنّ القدّيس توما الأكويني كان يعتقد بإمكانيّة إثبات وجود الإله اعتمادًا على أدلّةٍ عقليّةٍ، لكن إلى جانب ذلك لا بدّ من وجود لاهوت وحي يُثبت لنا صواب عقيدة الثالوث، ومن هذا

(310)

المنطلق اعتبر اللّاهوت الطبيعي سعيًا من قبل الإنسان لإثبات وجود الإله ولاهوت الوحي سعيًا من الإله للارتباط بالإنسان. 
علماء الفلسفة انتقدوا مبادئ اللّاهوت الطبيعي في صورته الجديدة، ولا سيّما الفيلسوف ديفيد هيوم، الذي انتقده بشدّةٍ عبر تشكيكه بالبراهين التي تُطرح لإثبات وجود الله ومعاجز الأنبياء والكثير من المعتقدات الدّينيّة الأخرى، ثمّ تبعه في ذلك فلاسفة آخرون من أمثال إيمانوئيل كانط، الأمر الذي أسفر عن تأزيم أوضاع اللّاهوت المسيحي وإثارة جدلٍ محتدمٍ حول مصداقيّة مبادئه؛ ومن هذا المنطلق حاول بعض علماء اللّاهوت المسيحيين تفنيد قول من اعتبر الوحي بأنّه مجموعةٌ من المفاهيم والتعاليم، لذلك أكّدوا على كونه مجرّد تجربةٍ دينيّةٍ يخوضها النبيّ؛ وممّا زاد الطين بلّةً رواج فكرة تعارض الدّين مع العلم في الأوساط المسيحيّة، والتي أسفرت عن الاستهانة بالتعاليم الدّينيّة المسيحيّة، وإثر ذلك وقعت الدّيانة المسيحيّة في مأزقٍ خانقٍ، فقد شهد العالم الغربي تحقيق الكثير من الإنجازات العلميّة وتطوّرًا ملحوظًا في العلوم التجريبيّة، ورواجًا لنظرياتٍ علميّةٍ في شتّى المجالات، وكلّ هذه التحوّلات الكبيرة ساهمت في تهميش الدين عن الساحة الاجتماعيّة. 
لا شكّ في أنّ نظريات سيجوندو غاليليه وإسحاق نيوتن وتشارلز داروين وما ناظرها تتعارض في الكثير من جوانبها مع واقع التعاليم المسيحيّة، لذلك تزعزعت أركان علم اللّاهوت المسيحي وأثير جدٌل محتدمٌ حوله، ممّا جعل أتباع النبي عيسى عليه‌السلام في وضع لا يحسدون عليه، والعامل الآخر الذي كان له دورٌ ملحوظٌ 

(311)

في هذا المضمار هو شيوع ظاهرة نقد الكتاب المقدّس من حيث النّصّ والمضمون.

الهدف الأساسي الذي رام علماء اللّاهوت المسيحيون تحقيقه من وراء نقد نصّ الكتاب المقدّس، هو تشذيبه وتنقيح مضامينه والبحث عن أصحّ النّسخ وأكثرها سنديّةً تأريخيًّا ودينيًّا، وتلت هذه المرحلة مرحلة نقد المفاهيم المسيحيّة، فواجهت الكنيسة إثر ذلك مشاكل جادّة[1]؛ لأنّ عمليّة نقد المضمون تتجاوز نطاق نقد النصّ، بحيث تطال تلك الحقائق الارتكازيّة التي يتقوّم عليها الكتاب المقدّس، ومن أمثلة النّقد الذي طرح بهذا الأسلوب هو اعتقاد الناقدين بأنّ الكتب -الأسفار- الخمسة الأولى في الكتاب المقدّس ليست موروثةً من النبي موسى (عليه السلام)، بل هي من إضافة مدوّنيه الذين هم أربعة على أقلّ تقدير، وهذا الرأي يتعارض بالكامل مع الرأي التقليدي. سفر الظهور على سبيل المثال ذكر فيه رأيان مختلفان على صعيد تفسير معنى الخلقة، والتنبّؤات بالأحداث المستقبليّة المذكورة فيه كتبت بعد وقوعها ممّا يعني أنّها ليست تنبّؤاتٍ من الأساس؛ وبهذا أُثير جدلٌ حول مصداقيّة الكتاب المقدّس، وتمّ التشكيك بجميع مواضيعه[2].

هذه الظاهرة السلبيّة التي واجهتها الكنيسة اضطرّت بعض علماء اللّاهوت الليبرالي المسيحي إلى تبنّي نظريّة تجربة الوحي، باعتبارها الحلّ الوحيد لكلّ ما تواجهه ديانتهم من مشاكل جادّةٍ؛ إذ لو اُعتبر الوحي من سنخ التجارب سوف تتنزّه المسيحيّة من كلّ شوائبها، ولا يبقى مجالٌ لطروء أيّ من المعاضل الثلاثة التي أشرنا إليها في بادئ البحث، والتي هي هزيمة اللّاهوت العقلي (الطبيعي) في الأوساط المسيحيّة، ورواج فكرة التّعارض بين العلم والدين، وانتعاش حركة نقد

(312)

الكتاب المقدّس، ومن ثمّ بالإمكان بيان طبيعة اللّاهوت الطبيعي وفق نهٍج عقليٍّ، وتنظيم كافّة الأخبار المرتبطة بالتجارب الدّينيّة على أساس مبادئ هذا اللّاهوت الرّصين. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ هذا البيان والنّظم خارجان عن نطاق الوحي، لذا حتّى إن وردت مؤاخذاتٌ عليهما، فهذا لا يعني تعرّض الوحي لأيّ خللٍ، كما أنّ التّعارض بين العلم والدين لا ارتباط له بذات الوحي، باعتبار أنّ الوحي مصونٌ من التّعارض، والتّعارض الحاصل هنا يكمن في عدم اتّساق بعض أخباره مع الأسس العلميّة المعتبرة، وكما هو معلومٌ فالكتاب المقدّس بحدّ ذاته لا يعتبر وحيًا، وإنّما مجرّد إخبار ونقل لحالاتٍ باطنيّةٍ وتجارب دينيّةٍ للمتدينين.

علماء اللّاهوت المسيحي اتّبعوا سبلًا عدّة في مقابل هذه المشاكل التي واجهتها المسيحيّة، فعلى صعيد مسألة تعارض العلم والدين ذكروا تبريراتٍ واستدلالاتٍ متباينةً مع بعضها بالكامل،[1] كذلك ظهرت مدارس لاهوتيّة جديدة من نوعها في مقابل رواج ظاهرة نقد الكتاب المقدّس. فضلاً عن ذلك ظهرت مدارس عقلية ذات مشارب فكريّة متنوّعة في الأوساط المسيحيّة رغم هزيمة اللاهوت الطبيعي (العقلي)، وفي رحابها طُرحت مبادئٌ لاهوتيّةٌ تختلف عمّا كان معهودًا قبل ذلك، وفي خضمّ هذه الأحداث أدرك غالبيّة المسيحيين عدم نجاعة التجربة الدّينيّة مؤكّدين على كونها ليست أفضل حلّ لمشاكلهم العقائديّة، وذلك للأسباب التالية:

1. القول بالتّجربة الدّينيّة يحرم النّاس من حقائق الوحي ويقطع ارتباطهم بالله؛ لأنّ النتيجة الحتميّة لفصل تجربة الوحي عن الأخبار المنبثقة منها والتفسير الذي يطرح لها إلى جانب تخطئتها واعتبارها متعارضةً مع العلوم الحديثة في مرحلة الإخبار والتفسير، هي ضرورة الاعتقاد بعدم قدرة البشر

(313)

على فهم المضمون الحقيقي للوحي؛ لكون السبيل الوحيد لذلك هو التفسير الذي ذكره الأنبياء أنفسهم بخصوص تجارب الوحي التي خاضوها.

إذًا، تجارب الأنبياء عبارة عن مضمارٍ واجهوا فيه تجربة الله، لذا لو طرأ أيّ خطأٍ عليها لا يمكن للبشر حينها أن يرتبطوا بربّهم بأيّ نحوٍ كان.

2. نظريّة التجربة الدّينيّة تتعارض مع التعاليم والمعتقدات التي جاءت بها الأديان، فكلّ دينٍ يؤكّد على أنّ النّبيّ الذي بعث لنشره بين النّاس مكلّفٌ بنقل حقائقَ سماويّة لهم، لذا إن أمعنّا النّظر ودقّقنا بالنّصوص الدّينيّة سوف نستشفّ منها أنّ الأخبار التي جاء بها الأنبياء هي المحور الارتكازي؛ لأنّها بدل أن تؤكّد على تجاربهم أكّدت على ما جاؤوا به من السماء.

إذًا، هذه النظريّة بدل أن تضع حلاً للمعضلة التي واجهتها المسيحيّة، ساهمت في تأزيم أوضاعها.

3. نظريّة التجربة الدّينيّة تتعارض بالكامل مع الحقائق التأريخيّة الثّابتة للأديان، فالأنبياء عندما كانوا يعلنون نبوّتهم للنّاس عادةً ما كانوا يخبرونهم عن الحقائق التي تلقوها عن طريق الوحي، أي أنّهم كانوا يدعونهم إلى الإيمان برسالة السماء التي جاءتهم بالوحي واتّباع كافّة أوامرها ونواهيها، وليس هناك أيّ خبر أو نقل تأريخي يدلّ على أنّهم كانوا يدعون قومهم إلى خوض تجارب على غرار التجارب التي خاضوها بأنفسهم.

4. حتّى لو افترضنا أنّ الأنبياء أكّدوا على تجاربهم الدّينيّة، لكن إن أراد سائر النّاس خوض مثل هذه التجارب فلا بدّ لهم أوّلاً من معرفة حقيقتها، وهذه المعرفة لا تتحصّل إلا إذا استمعوا إلى أنبيائهم واطّلعوا على الأخبار التي جاؤوهم

(314)

بها؛ لأنّ جميع التجارب وفق هذا المعنى ذات طابعٍ شخصيٍّ، ومن ثمّ لا يمكن بيان ما حدث في رحابها وتعريف الآخرين بمضامينها إلا بواسطة من خاضها.

إذًا، معرفة حقيقة تجربة النّبوّة لا تتسنّى إلا عن طريق الاستماع إلى إخبار الأنبياء أنفسهم، وحسب الافتراض المذكور لا يمكن الاعتماد على هذا الإخبار، والنّاس أنفسهم غير قادرين على خوض تجربة النبوّة، لذا لا صواب لهذا الافتراض.

5. من جملة النّقد المذكور على نظريّة التجربة الدّينيّة هو ارتكازها على إمكانيّة الفصل بين التجربة وتفسيرها، فالنبي في المرحلة الأولى - بغضّ النّظر عن كلّ اعتبار آخر - يخوض تجربةً بحتةً عاريةً من التفسير، والمرحلة الثانية هي التي يطرح فيها التفسير لهذه التجربة في إطار إخبار وبيان للناس.

علماء الإبستيمولوجيا المعاصرون يؤكّدون على عدم إمكانيّة الفصل بين التجربة وتفسيرها؛ نظراً لعدم وجود تجربةٍ محضةٍ لا تفسير لها، لكون اللّغة والمعتقدات والمجرّب عبارة عن عناصر أساسيّة فيها، بحيث تصوغ بنيتها الخاصّة، فكلّ تجربة إنّما تحدث في رحاب هذه العناصر الارتكازيّة.

الوحي منهجٌ للحياة

الباحثون والمفكرون الذين يرفضون نظريّة المفاهيم، ولا يعتقدون بكون الوحي مجموعة من التعاليم التي يتلقّاها النّبيّ من الوحي، يؤكّدون بشكلٍ أساسيٍّ على أنّ الرسالة التي يتلقّاها عن طريق الوحي ذات ارتباطٍ بنمط الحياة ومختلف الشؤون السلوكيّة والأخلاقيّة[1]، فالوحي أحيانًا يحكي عن سلوكٍ معيّنٍ؛ ومنهم من استدلّ ببعض الآيات القرآنيّة لإثبات رأيه كالآيتين التاليتين: 

(315)

قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُون)[1]، هذه الآية تدلّ بوضوحٍ على أنّ الله سبحانه وتعالى أوحى إلى جميع الأنبياء والرّسل، الذين سبقوا النبي محمد (صلى الله عليه وآله) أن يعبدوه، والعبادة هنا هي الرسالة الموجّهة في الوحي وكما هو معلوم فهي ترتبط بسلوك الإنسان، حيث تؤكّد على ضرورة العمل بأوامر الله تعالى واتّباع أصول ومبادئ خاصّة في الحياة على ضوء العيش في رحاب نمط محدّدٍ من الحياة.

وقال في آية أخرى:(ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).[2]

وهناك من أتمّ هذا الكلام قائلاً: إذا كانت رسالة الوحي تتمحور حول نمط الحياة وطبيعة سلوك البشر، فالنبي بطبيعة الحال لديه نهجٌ خاصٌّ في حياته ومن منطلق كونه نبيًّا فهو يدعو النّاس إلى السير على نهجه، وهذا يعني أنّ الوحي هو الذي يصبح نهجًا لحياة البشر، أي أنّ التجربة التي خاضها النبي يجب أن يخوضها الآخرون أيضًا.

نقد هذا الاستدلال يتمحور حول مسألتين أساسيّتين ادّعاهما من استدلّ به، وهما كالتالي:

1. رسالة الوحي مرتبطةٌ بنهج حياة البشر وسلوكياتهم.

2. الوحي هو ذات نهج حياة البشر ومرتكز سلوكياتهم.

لا شكّ في أنّ رسالة الوحي تحكي عن نهجٍ معيّنٍ لحياة بني آدم وأسلوب معيّنٍ

(316)

لسلوكهم، فقد دعا الأنبياء قومهم إلى التحلّي بالفضائل الأخلاقيّة وتبنّي سلوكياتٍ فاضلة في سيرتهم العملية، ومن المؤكّد أنّ الكثير من تعاليم الوحي تتمحور حول هذا الأمر، وحتّى سائر تعاليمه التي فيها أخبار عن الماضي والمستقبل هي في الواقع تهدف إلى تعليم المخاطب اتّباع نهجٍ معيّنٍ في الحياة وتبنّي سلوكيات خاصّة؛ وعلى هذا الأساس يمكن تأييد ما ذكر في رحاب الاعتقاد بكون الوحي نهجًا معيّنًا للحياة وأسلوبًا سلوكيًّا خاصًّا، ممّا يعني أنّ آراء أصحاب نظريّة تجربة المفاهيم صائبة في هذا المضمار.

من المؤكّد أنّ الوحي مرتبطٌ بسلوكيات البشر الأخلاقيّة وحياتهم الدّينيّة؛ إذ يعلّمهم الأسلوب السّلوكي الأمثل والنهج القويم في الحياة، لكنّ رسالته تختلف بالكامل عن كونه تجربةً كما ادّعى البعض؛ إذ كيف يمكن ادّعاء أنّه نهج للحياة ومرتكز للسلوك الأخلاقي في عين اعتباره من سنخ التجارب؟! النّبيّ بنفسه اتّبع هذا النّهج في الحياة، لذا هل هناك مسوّغ يدعونا لاعتبار الوحي تجربةً؟!

فيما يلي نوضّح الموضوع بمثال:

لنفرض أنّ السيد (أ) قال للسيد (ب) "كُـن صادقًا"، ونحن نعلم بأنّ السيد (أ) صادق.

نستنتج من هذا المثال أنّ السيد (أ) أمر السيد (ب) بانتهاج سلوكٍ معيّنٍ وهو الصدق، أي أنّه خاض تجربة الصدق، لذا لدينا رسالة انتقلت من شخص إلى آخر على ضوء تجربة خاضها السيد (أ)؛ وكذا هو الحال في الوحي؛ إذ فيه تجربةٌ مشابهةٌ لهذه ومفهوم شبيهٌ بالدعوة إلى الصدق كما ذكر في المثال، ومن هذا المنطلق لو أراد السيد (ب) أن يكون صادقًا يجب على السيد (أ) أن يوضّح له

(317)

معنى الصّدق وكيفيّة العمل به في رحاب مفهومٍ دالٍّ على مقصوده، أي أنّ السيد (أ) هو الذي يأمره أوّلاً بذلك.

إذًا، لا بدّ من بيان مدلول رسالة الوحي على هيئة مفاهيم كي يعمل الناس بمضمونها؛ إذ يجب اعتباره شبيهًا بتجربة الصّدق التي أشرنا إليها في المثال أعلاه.

إذًا، رأي أصحاب التجربة الدّينيّة في الواقع مغالطةٌ، وفيه مصادرةٌ على المطلوب، فلو أردنا استنتاج أنّ الوحي عبارة عن تجربةٍ يخوضها النّبيّ، لا يمكن الاكتفاء هنا بمقدّمتي الاستدلال اللتين أشرنا إليهما، وهما بتقرير آخر:

المقدّمة الأولى: رسالة الوحي عبارة عن سلوكٍ معيّنٍ ونهجٍ خاصٍّ لحياة البشر.

المقدّمة الثانية: النّبيّ تبنّى سلوكًا ونهجًا وفقًا لما تلقّاه من رسالة الوحي.

بل إضافةً إلى هاتين المقدّمتين يجب افتراض أنّ تجربة هذا النّهج في الحياة تعدّ وحيًا بحدّ ذاتها، وهذه هي النتيجة التي نحصل عليها من هذا الاستدلال.

إلى هنا تحدّثنا عن طبيعة ارتباط النّبيّ بمخاطبيه، وهكذا هي طبيعة ارتباطه بالله سبحانه وتعالى، فعندما نقول "الله يوحي إلى نبيّه" نقصد من ذلك أنّه يطلب منه أن يعيش هو أو يعيش الناس وفق نمط حياةٍ معيّنٍ، لذا إن أراد النّبيّ تجربة هذا النّمط في الحياة لا بدّ له أن يفهم قصد الله سبحانه وتعالى ويتأكّد من أنّه طلب منه ذلك.

إذًا، الوحي على أقلّ تقدير عبارة عن ارتباطٍ مفهوميٍّ بين الله والنّبيّ، ولغة الوحي ذات مضامين عديدة، ففي بعض الأحيان تتمحور حول الإخبار بالغيب الماضي - ما حدث قديمًا ولا علم للناس به - حيث يخبر الله نبيّه بأخبار الشّعوب والأمم السالفة، فقد قال في كتابه الكريم: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ

(318)

وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ) [1]. هذه الآية مجرّد مثال على تنوّع مضامين لغة الوحي، فهي توضّح نمط الحياة الأمثل والسلوكيات المناسبة التي ينبغي لبني آدم انتهاجها.

إذا قيل إنّ لغة الوحي هي المقصودة من رسالة الوحي، يردّ على ذلك أنّ رسالة الوحي لا تتمحور دائمًا حول بيان نمط الحياة والسلوك الأمثل، لكن إذا اعتبرنا رسالة الوحي بأنّها الوحي بذاته، بحيث تشمل مضامين القصص الدّينيّة وأخبار الأمم السالفة والإخبار عن المستقبل وما إلى ذلك من مضامين أخرى، ففي هذه الحالة يكون المقصود منها توجيه المخاطبين إلى نمطٍ معيّنٍ في الحياة ودعوتهم إلى انتهاج السّلوك الأمثل اعتمادًا على مبادئ الأخلاق الحميدة؛ ممّا يعني أنّ كافّة تعاليم الوحي ومختلف الوظائف التي يمكن تصوّرها له، هدفها تشجيع الناس على ذلك.

 رودولف أوتو وتجربة النبوّة

الفيلسوف الألماني رودولف أوتو (Rudolf Otto) هو أحد علماء اللّاهوت الذين كان لهم دورٌ مشهودٌ على صعيد طرح نظريّة التجربة الدّينيّة في علم اللّاهوت المسيحي الحديث، بل كان دوره هو الأهمّ من سائر علماء اللاهوت الغربيين ومن المبتكرين لهذه النظريّة، لكنّه مع ذلك لم يدوّن بحوثًا ودراساتٍ مسهبةً حول تجارب الأنبياء الدّينيّة، بل الأمثلة التي ساقها في هذا المضمار ضمن مختلف مباحثه تحكي عن رؤيته هذه، ناهيك عن أنّه نشأ وترعرع فكريًّا في أوساطٍ علميّةٍ ودينيّةٍ تولي الأهميّة في مباحثها لهذا الموضوع.

(319)

هذا الفيلسوف الغربي أكّد على وجود عنصرين أساسيين في الأديان لا بدّ من التمييز بينهما، هما كالتالي:

- عنصرٌ عقليٌّ

- عنصرٌ غير عقليٍّ

وفي هذا السّياق قال: علماء اللّاهوت على مرّ التأريخ سلّطوا الضّوء على العنصر العقلي، بحيث تمحورت قاطبة مباحثهم اللّاهوتية حوله، الأمر الذي أسفر عن تهميش العنصر غير العقلي وصهره في باطن المباحث العقليّة، إلا أنّ هذا العنصر -غير العقلي- هو الأساس في الدين[1]. وبناءً على هذا الكلام حاول في كتابه "فكرة المقدّس" تسليط الضّوء على هذا العنصر وبيان معالمه على نحو التفصيل.

وأضاف في هذا السّياق أنّ علماء اللّاهوت اعتبروا العنصر العقلي بأنّه ذات الفكر، واعتبروا العنصر غير العقليّ بأنّه الشعور الباطنيّ، وعلى هذا الأساس استنتجوا أنّ كلّ أمرٍ دينيٍّ مرتبطًا بالفكر يعدّ عقلانيًّا، وكلّ أمرٍ دينيٍّ مرتبطًا بالشّعور يعدّ غير عقلانيٍّ.

بعض الباحثين الذين تطرّقوا إلى بيان الوجهة الفكريّة لهذا الفيلسوف أكّدوا على أنّه حينما يتحدّث عن العنصرين العقلي وغير العقلي، فهو غالبًا ما يقصد من ذلك التّداعيات الفكريّة أو الشّعوريّة في الدين، فالعناصر العقليّة ذات ارتباطٍ بالفكر الدّيني والعناصر غير العقليّة ذات ارتباطٍ بالشّعور الدّيني.

المقصود من العنصر العقلي كلّ شيءٍ يتبلور في رحاب الفكر ويندرج ضمن المفاهيم الذّهنيّة، وأمّا العنصر غير العقلي فهو لا يندرج ضمن المفاهيم ومن ثمّ لا

(320)

يتبلور فكريًّا على الإطلاق[1]. طبقًا للتحليل الذي ذكرناه بخصوص نظريّة التجربة الدّينيّة وأسباب ظهورها في الأوساط الفكريّة المسيحيّة، يتّضح لنا السبب الذي دعا رودولف أوتو إلى الاعتقاد بالعنصر غير العقلي على صعيد الدين، فهو يعتبر الدين ذا ارتباطٍ بما وصفه بـ "الأمر القدسي" الذي هو "الله" في الأديان المتقوّمة على تعاليم الوحي، وهذا الأمر القدسي برأيه عبارة عن شيءٍ غير عقليٍّ من جهةٍ لكونه يتبلور في رحاب الفكر، بحيث يمكن الإخبار عنه بواسطة مفاهيم ومعاني ذهنيّة خاصّة كما لو قلنا "الله حكيم" و"أفعاله ذات هدف" و"هو قادر". ومن جهةٍ أخرى، فهو غير عقليٍّ لكونه يتبلور في رحاب الشّعور ولا ارتباط له بالفكر والمفاهيم الذهنيّة[2].

وفي هذا السياق، استخدم مصطلح "نومين" (numen) للإشارة إلى ما اصطلح عليه "الأمر القدسي" - الله - والذي اعتبره غير عقليٍّ، ويمكن أن يعرف من خلال التجربة. الجدير بالذكر هنا أنّ النومين في اللغة اللاتينيّة يعني الكائن الغيبي، ويدلّ على جلال وعظمة الله سبحانه وتعالى، لذلك اصطلح على التجربة التي يتبلور في رحابها النومين عنوان التجربة النومينيّة "تجربة الأمر القدسي" (numinous experience).

هذه التجربة برأيه هي جوهر الدين ومغزاه الحقيقي، بحيث لا يمكن أن تتحوّل إلى نوعٍ آخر من التجارب على الإطلاق، والمتديّن في رحابها يدرك النومين باعتباره أمرًا قدسيًّا مختلفًا تمامًا عن سائر الأشياء التي ينالها بواسطة قواه الإدراكيّة، وهذا النومين ذو ميزتين متناقضتين مع بعضهما؛ لأنّه من جهة جذّابٌ

(321)

يستقطب الأنفس نحوه، ومن جهة أخرى ينفّرها عنه، لذا فأوّل تجربة يخوضها الإنسان معه حينما يتجلّى له تتمخّض عن شعوره برعب غامض أو "سرّ مخيف" (mysterium tremendum) يكتنف نفسه. أوتو ذكر أوجهًا عدّة لهذه الحالة التي وصفها بالرعب الغامض أو "السرّ المخيف"[1].

نستنتج من جملة ما ذكره هذا الفيلسوف الغربي بخصوص تجربة الأمر القدسي «الله»، ومن الأمثلة التي استند إليها لإثبات رأيه، أنّ هذه التجربة هي التي خاضها الأنبياء، فالنبي موسى (عليه السلام) مثلاً عندما تكلّم أوّل مرّة مع يهوه «الله» اكتنفته حالتان هما الانجذاب له والرهبة منه[2].

الملفت للنّظر هنا أنّ أوتو فاق أقرانه على صعيد بيان واقع عناصر التجربة الدينيّة التي وصفها بتجربة الأمر القدسي، حيث سلّط الضوء على التجارب المذكورة في الكتاب المقدّس والمنقولة من العهدين العتيق والجديد وأعارها أهميّةً بالغةً، وهو في هذا المضمار قرّر أدقّ التوضيحات بخصوص تجارب الأنبياء ضمن دراساتٍ وبحوثٍ معاصرة. وعلى الرّغم من دقّة الدّراسات والبحوث التي دوّنها هو وغيره من باحثين وفلاسفة غربيين على هذا الصعيد، لكنّهم لم ينجحوا في إثبات مدّعاهم باعتبار أنّ الوحي ذات التجربة النومينية «تجربة الأمر المقدّس»، بل هناك أشياء أخرى تتزامن معه؛ وهنا يتّضح لنا ضعف جميع النظريات التي اعتبرت الوحي تجربةً دينيّةً، حيث يثبت بطلانها على ضوء تحليل الأخبار التي دلّت على نزول الوحي كلاميًّا على الأنبياء.

(322)

النظريّة الثالثة: نظريّة الأفعال الكلاميّة

نظريّة الأفعال الكلاميّة هي النّظريّة الثالثة التي طُرحت لتفسير معنى الوحي، حيث عرّفته بأنّه مجموعة من الأفعال الكلاميّة الصادرة من الله سبحانه وتعالى، وأتباعها هم من أشهر علماء فلسفة اللغة من أمثال الفيلسوف البريطاني جون أوستين (J. L. Austin) الذي له عصا السّبق في هذا المضمار، وعلى هذا الأساس سوف نسلّط الضوء على موضوع البحث عبر بيان المقصود من الارتباط اللغوي أو الكلامي في رحاب آراء هذا الفيلسوف.

أهمّ ميزة للغة هي أنّها وسيلةُ ارتباطٍ بين البشر، لكن ما المقصود من الارتباط الكلامي (اللغوي)؟ فيا ترى ما الذي يحدث في واقع الحال عندما نرتبط مع أقراننا البشر كلاميًّا؟

القدماء عرّفوا الارتباط الكلامي بأنّه تلاحمٌ يحدث بين البشر عن طريق الجمل اللّغويّة، أي أنّنا نرتبط مع أقراننا لسانيًّا من خلال تبادل جملٍ ذات مداليلَ تامّةٍ، إلّا أنّ جون أوستين رفض هذا التعريف وطرح بدلاً عنه نظريّةً جديدةً عُرفت بنظريّة الأفعال الكلاميّة، حيث اعتبر الفعل الكلامي حلقة ارتباط بين البشر، ويقصد من ذلك أنّ الارتباط الكلامي أو اللساني يتحقّق حينما يبادر المتكلّم إلى فعلٍ كلاميٍّ.

هذه النّظريّة استقطبت أنظار الكثير من فلاسفة القرن العشرين، وأثارت جدلاً واسعًا حول طبيعة اللّغة وواقع الكلام المتبادل بين البشر لدرجة أنّ بعض الباحثين اعتبروها ثورةً في مجال فلسفة اللغة.

الجدير بالذكر هنا أنّ أوستين أكّد في نظريّته هذه على أنّ كلّ متكلّمٍ عندما

(323)

يُبادر إلى إيجاد ارتباطٍ كلاميٍّ مع غيره فهو يقوم بأفعال خاصّةٍ في هذا المضمار تتمثّل في ثلاثة أفعال كلاميّةٍ مختلفةٍ عن بعضها، وهي كالتالي:

الفعل الأوّل: إنشاء جملةٍ لغويّةٍ تُفيد معنًى تامًّا من قبل المتكلّم، وهو ما يُسمّى بـ «فعل الكلام» أو فعل قولي أو فعل لفظي (locutionary act)، ومثال ذلك لو قال المتكلّم لمخاطبه "أغلق الباب" فهو في هذه الحالة أنشأ جملةً ذات معنًى تامٍّ، وهذا الإنشاء اللفظي في الحقيقة فعلٌ كلاميٌّ.

الفعل الثاني: نقل مضمون خاصّ ومقصود من الكلام للمخاطب في الجملة التي يصوغها المتكلّم، كما لو أمره أو طلب منه أو نهره أو نهاه عن فعل شيء، وهو ما يُسمّى بـ "فعل ضمن الكلام" أو فعل إنجازي (illocutionary act) وهذا الفعل الكلامي يختلف من جملةٍ إلى أخرى، فعلى سبيل المثال عندما يقول المتكلّم "أغلق الباب" فهذه الجملة تستبطن أمرًا، وعندما يقول "لا تغلق الباب" فهذه الجملة تستبطن نهيًا، وعندما يقول "هل قرأت درسك؟" فهذه الجملة تستبطن استفهامًا.

الفعل الثالث: حدوث أثرٍ يترتّب على كلام المتكلّم، كما لو أرغم المخاطب على فعل شيءٍ بالتحديد، لذا عندما يقول له "أغلق الباب" فهو يجبره على أن يقوم بإغلاق الباب بشكلٍ عمليٍّ، ولو سأله "هل قرأت درسك؟" فهو قد يقصد تخويفه من ترك درسه، ومن ثمّ إجباره على القراءة، وهذا النّوع من الفعل الكلامي اصطلح عليه أوستين عنوان فعل تأثيري أو فعل التأثير (perlocutionary act) أي أنّه يعكس أثر الفعل الكلامي.

هذه الأفعال الكلاميّة الثلاثة تنشأ عبر صياغة جملةٍ في لغةٍ خاصّةٍ.

(324)

ما ذكرناه هو في الحقيقة تقريرٌ بسيطٌ لنظريّة الأفعال الكلاميّة كمقدّمةٍ للولوج في مباحث الوحي وبيان طبيعته في رحاب هذه النّظريّة، وقبل ذلك ينبغي لنا بيانها من وجهة نظر جون أوستين، والجدير بالذكر هنا أنّ هذه النّظريّة شهدت تغييراتٍ وتعديلاتٍ بعد طرحها، حيث أدخل عليها الفيلسوف جون سيرل (John Searl) تعديلاتٍ لا نرى ضرورةً هنا لبيان تفاصيلها لعدم ارتباطها بموضوع بحثنا.

معرفة الإنسان بلغةٍ خاصّةٍ تعني قدرته على تسخيرها للقيام بأفعال عديدةٍ ومتنوّعةٍ، لذا حينما يقول «أنا أتقن اللغة العربية» فهذا يعني أنّه يستطيع أن يؤدّي الكثير من الأفعال الكلاميّة بواسطتها، وهذا هو مراد جون أوستين من نظريّة الأفعال الكلاميّة، وعلى أساس ذلك صنّف الفعل الكلامي ضمن ثلاثة أنواعٍ أشرنا إليها وسنوضّحها بتفصيل أكثر فيما يلي:

الفعل الأوّل: فعل الكلام (فعل قولي أو فعل لفظي) locutionary act

عندما ينطق الإنسان بألفاظ ضمن جملٍ ذات معانٍ مقصودةٍ فهو في الحقيقة يؤدّي فعلاً كلامياً، حيث يصدر أصواتًا خاصّةً ضمن ألفاظٍ خاصّةٍ للدلالة على معانٍ ومداليل محدّدةٍ مكنونة في قواعد وأصول اللغة التي يتحدّث بها، ممّا يعني أنّه يقوم بثلاثة وظائف خطابيّة خلال فعله الكلامي وهي كالتالي:

الوظيفة الأولى: الأصوات التي تصدر من فمه. جون أوستين أطلق على هذه الوظيفة الخطابيّة عنوان فعل صوتي (phonetic act).

الوظيفة الثانية: الأصوات التي تصدر من فمه ضمن ألفاظٍ معيّنةٍ للدلالة على معانٍ خاصّة تنطبق مع أسس اللغة التي ينطق بها. جون أوستين أطلق على هذه الوظيفة الخطابيّة عنوان فعل تركيبي (Phatic act).

(325)

الوظيفة الثالثة: الأصوات التي تتبلور ضمن ألفاظٍ تدلّ على معانٍ خاصّة، تجتمع مع بعضها للدلالة على معنًى محدّدٍ. جون أوستين أطلق على هذه الوظيفة الخطابيّة عنوان فعل دلالي (rhetic act)[1].

الفعل الثاني: فعل ضمن الكلام (فعل إنجازي) illocutionary act

الفعل الآخر الذي يقوم به المتكلّم هو فعل ضمن الكلام (فعل إنجازي)، إلا أنّ جون أوستين لم يعرّفه بوضوح كما صرّح بنفسه: «لا يمكن تعريف الأفعال الإنجازيّة بوضوح»، لكن نستوحي من مجمل بيانه وجود بعض المعايير الأساسيّة لتشخيصه والتي يمكن تلخيصها بما يلي:

أ - الفعل الإنجازي هو أنّ المتكلّم يفعل شيئًا ضمن كلامه، وهو في مقابل الفعل الكلامي، ومثاله أن يحذّر المخاطب من شيءٍ أو يعده بشيءٍ ضمن كلامه، والإنسان بطبيعة الحال بإمكانه القيام بهكذا أفعال دون الحاجة إلى فعلٍ كلاميٍّ، حيث يستطيع الإشارة إلى هذه الأفعال ضمن أفعال أخرى كما لو لوّح بعصا يحملها بيده تحذيرًا للطرف المقابل من شيءٍ ما.

الجدير بالذكر هنا أنّ الضرورة لا تحتمّ كون كلّ فعل يقوم به الإنسان ضمن كلامه يجب أن يندرج ضمن الأفعال الكلاميّة، كما لو مزح في كلامه أو انتقد الآخرين بكلامٍ لاذعٍ، فهذا النّوع من الأفعال الكلاميّة ليس من سنخ الفعل ضمن الكلام.

إذًا، الفعل ضمن الكلام هو ما ينجز بشكلٍ ضمنيٍّ في قول القائل، لكن ليس كلّ فعل ضمن الكلام يعدّ من جملة الأفعال الضمنيّة في الكلام حسب التقسيم المذكور[2].

(326)

ب - معرفة قصد المتكلّم لا تكفينا في إدراك كون الفعل الإنجازي تمّت تأديته ضمن الكلام، بل إضافةً إلى ذلك لا بدّ من معرفة المضمون الذي أراد أن يُشير إليه، فعلى سبيل المثال يجب أن نعرف أنّه قصد تحذير المخاطب أو أنّه أراد ذكر خبر له فقط، أي ينبغي أن نكون على علمٍ بالمضمون الذي ذكر كلامه لأجله وقصده على نحو الحصر[1].

ج - الشّرط الأساسي للنجاح في القيام بفعلٍ كلاميٍّ هو أن يوفّر المتكلّم للمخاطب الأرضيّة المناسبة كي يفهم معنى كلامه ومضمونه المقصود، فعلى سبيل المثال لا يمكنه أن يقول «حذّرت مخاطبي من شيء إذا لم يصغِ إلى كلامي ويدرك منه ذلك المعنى الذي أضمره في نفسي». بناءً على ذلك فإنّ تأدية فعلٍ ضمن الكلام يستوجب حدوث تأثير في المخاطب بشكلٍ مباشرٍ، ممّا يعني أنّ الفعل ضمن الكلام يستتبع فهمًا يحدث لدى المخاطب[2].

الفعل الثالث: فعل تأثيري أو فعل التأثير (perlocutionary act)

الفعل التأثيري يحدث في رحاب الكلام وهو نتيجةً له؛ حيث إنّ المتكلّم عندما ينطق جملةً فهو بنحوٍ أو بآخر يؤثّر -بشتّى الأشكال- على أفكار ومشاعر وأفعال المخاطب أو المستمع أو الآخرين[3]. ومثال ذلك الإقناع والتخويف وإثارة الدّهشة والتعجّب بعد إتمام الكلام، فهذه من جملة الأفعال التأثيريّة التي تترتّب على الكلام، وكلّ واحدٍ منها إلى جانب الملاحظات التي ذكرها جون أوستين تمّ بيانها بشكلٍ مسهبٍ ضمن مباحث علم فلسفة اللغة.

(327)

الوحي في رحاب نظريّة الأفعال الكلاميّة

أتباع نظريّة الأفعال الكلاميّة لديهم ادّعاءان على أقلّ تقدير في مجال تفسير الوحي، وهما كالتالي:

الادّعاء الأوّل: الوحي ذو طابعٍ كلاميٍّ - لغوي - ممّا يعني أنّه ليس مستقلاً عن الكلام، وعلى هذا الأساس حينما نقول «أوحى الله إلى نبيّه» نقصد من ذلك حدوث ارتباطٍ كلاميٍّ فيما بينهما.

الادّعاء الثاني: الله سبحانه وتعالى ضمن هذا الارتباط الكلامي قام بفعلٍ كلاميٍّ؛ حيث ذكر لنبيّه جملاً ذات معانٍ محدّدةٍ في رحاب لغةٍ معيّنةٍ، وهذه الجمل لها مضامين خاصّة، وبواسطتها تُلقى إلى النّبيّ أوامر ويكلّف بواجباتٍ، وكلّ ذلك ذو تأثيرٍ عليه طبعًا.

إذًا، عندما نقول «أوحى الله إلى نبيّه» - حسب هذين الادّعائين - نقصد أنّ الله سبحانه وتعالى قام بفعلٍ كلاميٍّ، والوحي على هذا الأساس عبارة عن فعلٍ، وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ نظريّة التجربة الدّينيّة هي الأخرى تُعتبر الوحي فعلاً، لكن الاختلاف بين النّظريّتين يكمن في أنّ أتباع النّظريّة الثانية يعتبرون الوحي دالاً على فعل النّبيّ فقط.

نحن أيضًا نقصد أنّ الله قام بفعلٍ كلاميٍّ عندما نذكر عبارة «الوحي الكلامي»، ممّا يعني أنّ الوحي في حقيقته ذو طابعٍ كلاميٍّ.

الجدير بالذّكر هنا أنّ أتباع نظريّتي الوحي المفهومي وتجربة الوحي يؤكّدون على أنّ الله حتّى لو قام بفعل كلاميٍّ فهذا لا يعني أنّ فعله الكلامي وحيٌ؛ لكون نظريّة المفاهيم تدّعي أنّ الله يُلقي على نبيّه معلوماتٍ ذات طابعٍ غير لفظيٍّ،

(328)

والنّبيّ بدوره يصوغها في إطارٍ لفظيٍّ ضمن لغة قومه؛ كي يدركوا مغزاها. وأمّا أتباع نظريّة التجربة فهم يدّعون أنّ غاية ما يفعله النّبيّ هو مواجهة الله، وهذه المواجهة ليست ذات طابعٍ لُغويٍّ، أي أنّها عبارةٌ عن ارتباطٍ غير كلاميٍّ.

بعض الباحثين والمفكّرين لم يدركوا مغزى الموضوع بدقّة، لذلك يدّعون حدوث مواجهة - لقاء - بين الله والنبي الذي يتلقّى خلالها كلامًا، وإثر ذلك تحدث له تجربةٌ دينيّةٌ، وهذه التجربة حسب ما ذكر تعني تكليمه من قبل الله تعالى. ثمرة هذا الكلام هي تأكيد أتباع نظريّة التجربة الدّينيّة على قيام الله بأفعالٍ كلاميّةٍ هي الوحي بذاته.

هذه النتيجة سببها عدم التمييز بدقّةٍ بين الرّأيين، فالوحي في رحاب نظريّة التجربة الدّينيّة عبارة عن مواجهةٍ تحدث بين الله والنّبيّ، وفي رحاب نظريّة الأفعال الكلاميّة عبارة عن فعلٍ كلاميٍّ يصدر من الله عزّ وجلّ؛ إلّا أنّ اعتباره تجربةً كلاميّةً يخوضها النّبيّ مع الله يعني الاعتقاد بكونه مركّبًا من شيئين هما التجربة وكلام الله.

إذًا، أتباع نظريّة التجربة الدّينيّة اعتبروا الوحي تجربةً مرتبطةً بكلام الله، لكن هل يمكن اعتبار هذا الادّعاء بأنّه رأيٌ آخر؟ وهل يمكن على أساسه القول بأنّ الله يقوم بأفعالٍ كلاميّةٍ؟

للإجابة نقول: هذا الكلام في الواقع يعكس الرأي القائل بالتجربة الدّينيّة التي تعتبر مواجهة النّبيّ مع الله وحيًا سواءً حدثت بأسلوبٍ كلاميٍّ على ضوء ارتباطٍ لغويٍّ أو حدثت بأيّ نحوٍ آخر؛ لأنّ مغزى موضوع الوحي هو المواجهة بحدّ ذاتها بغضّ النّظر عن أيّ اعتبارٍ آخر وعن كيفيّة انتقال التعاليم والحقائق، لذا لا فرق

(329)

في ذلك بين صدور فعلٍ كلاميٍّ من جانب الله تعالى أو عدم صدوره، فهذا الأمر لا يؤثّر على واقع الوحي لكون الأفعال الكلاميّة ليست من مكوّناته الذّاتيّة.

هؤلاء يؤكّدون على أنّ الارتباط الحاصل بين الله والنبي لا يقتضي بالضرورة حدوث فعلٍ كلاميٍّ، أي أنّ الوحي ليس ذا مغزًى لغويٍّ، بل هو من سنخ المواجهة والتّقابل باعتباره تجربةً؛ لكن هذا الرأي يتعارض مع ما ذهب إليه أتباع نظريّة الفعل الكلامي الذين اعتبروا الوحي ذا طابعٍ لغويٍّ[1].

أتباع نظريّة الأفعال الكلاميّة يؤكّدون على تلازم المواجهة بين الله والنّبيّ مع أفعالٍ كلاميّةٍ، وفي هذا السياق يعتبرون الأفعال الكلاميّة خارجةً عن ذات الوحي، وهذا الاستثناء ينطبق مع ما ذهب إليه أتباع نظريّة الوحي المفهومي حينما قالوا إنّ تجربة النّبيّ تتواكب مع نزول الوحي، لكنّها ليست من ذاته، ومن هذا المنطلق فإنّ كلا النّظريّتين لا تنفيان حدوث تجربة وحيٍ للنّبي.

إذًا، حتّى لو أقررنا بصواب نظريّتي الأفعال الكلاميّة والوحي المفهومي، فالمشكلة تبقى على حالها من حيث ضرورة القول بحدوث تجربة وحيٍ للنّبيّ، لكن غاية ما في الأمر أنّها غيرُ داخلةٍ في ذات الوحي، بل ملازمة له؛ في حين أنّ نظريّة التجربة الدّينيّة تؤكّد على كون الوحي هو تجربة الوحي ذاتها التي يخوضها النّبيّ، ومن ثمّ فالمفاهيم التي يتلقّاها من الله والأفعال الكلاميّة التي يواجهها عبارة عن قضايا تتزامن مع الوحي - تجربة الوحي - لذا فهي خارجةٌ عن ذاته.

(330)

أركان الوحي الكلامي

ذكرنا آنفًا أركان الوحي في نظريّتي المفاهيم والتجربة الدّينيّة، وفيما يلي نتطرّق إلى بيان أركانه في نظريّة الأفعال الكلاميّة:

الله عزّ وجلّ يؤدّي أفعالًا كلاميّةً حينما يُوحي إلى نبيّه، لذا فالمتكلّم هو أحد أركان الوحي وفق هذه النّظريّة؛ لكونه صاحب الفعل الكلامي، أي أنّ الله هو الركن الأوّل هنا، حيث ينشئ ارتباطًا كلاميًّا مع النّبيّ الذي هو في الحقيقة الركن الثاني في هذا المضمار.

اللّغة المعتمدة في الحوار تعدّ من مكوّنات الوحي وفق هذه النّظريّة، وعلى هذا الأساس يلقي الله تعالى لنبيّه جملاً ذات معانٍ ومداليل لغويّة خاصّة، ممّا يعني أنّها الركن الثالث في الارتباط اللغوي الحاصل في رحاب الوحي الكلامي، وهي الفعل الكلامي ذاته.

الجمل المذكورة ذات مضمونٍ معيّنٍ، وهو ما يصطلح عليه برسالة الوحي، وهذه الرسالة كما أشرنا في البحوث السابقة عبارة عن فعلٍ إنجازيٍّ - فعل ضمن الكلام - وبالتالي فهي الركن الرابع على هذا الصعيد؛ لكن الفعل التأثيري - فعل التأثير - الذي هو نتيجةٌ للفعل الكلامي لا يعتبر من أركان الوحي، والسبب في ذلك وضّحه جون أوستين كما يلي: «الفعل التأثيري يحدث في رحاب الكلام، وهو في الحقيقة يترتّب عليه كنتيجةٍ له».

لا شكّ في أنّ الفعل الذي يتضمّنه الكلام له تأثيرٌ على أفكار المخاطب أو المستمع وسلوكه ومعتقداته، وهذا التأثير يحدث بطبيعة الحال بعد أن يستمع للكلام أو حينما يستمع له، لذا يصطلح عليه فعل تأثيري، كما لو أمره كلاميًّا بفعل

(331)

شيءٍ أو ذكر له جملةً تستبطن مفهوم الطلب لأجل أن يجبره على هذا الفعل؛ فالمتكلّم على ضوء الفعل ضمن الكلام -الفعل الإنجازي- باستطاعته التأثير على المخاطب أو المستمع من جهاتٍ عديدةٍ.

الفعل التأثيري يختلف جذريًّا عن الفعل الكلامي والفعل ضمن الكلام، لكون هذين الأمرين من سنخ الجملة ومرتبطان بها ذاتيًّا، فالفعل الكلامي يتبلور في رحاب جملةٍ ذات مدلولٍ معيّنٍ، والفعل ضمن الكلام هو الآخر يتبلور في باطن الجملة، بينما الفعل التأثيري ليس من سنخ الجملة ولا يرتبط بها ذاتيًّا، بل يترتّب عليها - نتيجة لها - والنتيجة بطبيعة الحال لاحقةٌ للموضوع، وليست من أجزائه، فهي بعكس التأثير الذي انطبع في المخاطب أو المستمع بعد إلقاء الكلام عليه. خلاصة الكلام هي أنّ الفعل التأثيريّ ليس ذا ماهيّةٍ لغويّةٍ، خلافًا للفعل الكلامي والفعل ضمن الكلام، فهما ذوا ماهيّةٍ لغويّةٍ.

نستنتج من جملة ما ذكر أنّ الفعل الكلامي والفعل ضمن الكلام كامنان في ذات الوحي الكلامي، بينما الفعل التأثيري يترتّب عليه وليس من ذاتياته، وهذا يعني أنّ الله سبحانه وتعالى يخبر نبيّه بجملٍ ذات مداليل معيّنةٍ في رحاب لغةٍ خاصّةٍ، وهنا لا بدّ من وجود مضمونٍ محدّدٍ بطبيعة الحال؛ لذا فالوحي الكلامي في الحقيقة عبارة عن مجموعةٍ من هذه الأفعال.

الله سبحانه وتعالى على ضوء الفعل ضمن الكلام، قد يأمر النّبيّ بفعل شيءٍ، وفعل النّبيّ هنا تأثيريٌّ يتحقّق طبعًا بعد إلقاء الكلام لكونه مترتّبًا عليه - أي أنّه فعلٌ مترتّبٌ على الوحي ونتيجةٌ له - وهنا يقال إنّ الوحي أمرَ النّبيّ بفعل شيءٍ، لذا يوصف فعله بأنّه ضمن كلام الوحي وأثرٌ له؛ ممّا يعني أنّ الفعل التأثيري يعدّ مستبطنًا في ذات الوحي من جهة واحدةٍ بصفته مترتّبًا عليه فحسب، وليس

(332)

ذاتيًّا له، وهو ما نستشفّه من قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) [1]. حسب نظريّة الأفعال الكلاميّة، فإنّ الله سبحانه وتعالى أوحى كلامه إلى النّبيّ محمد (صلى الله عليه وآله) باللّغة العربيّة، أي أنّ النّصّ القرآني العربي عبارة عن وحيٍ منزلٍ، لذا لو تمّت ترجمته إلى لغةٍ أخرى كالفارسيّة أو الإنجليزيّة، فهذه الترجمة بحدّ ذاتها لا تعدّ وحيًا. معنى الآية المذكورة هو أنّ الله سبحانه وتعالى أمر النّبيّ محمد (صلى الله عليه وآله) بشيءٍ وفق مضمون كلمة «قُلْ»، وهو بدوره نقل نصّ كلام الله إلى قومه، بحيث لم يجرّده حتّى من هذه الكلمة التي تمّ فيها توجيه الأمر الرّبّاني له، وما قام به من إبلاغٍ هو في الواقع فعلٌ تأثيريٌّ لكونه مترتّبًا على الوحي، أي أنّه ليس ذات الوحي لكونه هو من تلقّى ذات الوحي.

اختلاف نظريّة الأفعال الكلاميّة عن نظريتي المفاهيم والتجربة الدّينيّة

أوجه الاختلاف بين نظريّة الأفعال الكلامية ونظريتي المفاهيم والتجربة الدينية اتّضحت لنا من جملة ما ذكر، وأهم هذه الاختلافات تتلخّص في مسألتين أساسيتين هما كالتالي:

أوّلاً: لُغويّة الوحي 

الوحي على أساس نظريّتي المفاهيم والتجربة الدّينيّة ليس ذا طابعٍ لغويٍّ، بل يعدّ أمرًا مستقلاً عن الكلام والألفاظ اللّغويّة، لكنّه ليس كذلك حسب مضمون نظريّة الأفعال الكلاميّة ومن ثمّ فهو ذو طابعٍ لُغويٍّ.

(333)

الجدير بالذكر هنا أنّ نظريتي المفاهيم والتجربة الدّينيّة بينهما اختلافٌ من جهة اعتبار الوحي ليس ذا طابعٍ لغويٍّ، فالأولى تعتبره من سنخ المعارف لكون النّبيّ في رحابه يتلقّى معلوماتٍ من جانب الله سبحانه وتعالى، في حين أنّ الثانية تعتبره من سنخ الحالات الباطنيّة للنّبيّ وذا ارتباطٍ بمشاعره الشّخصيّة، أي أنّه عبارة عن انفعالٍ باطنيٍّ يحدث له.

ثانيًا: أركان الوحي

الاختلاف الآخر بين نظريّة الأفعال الكلاميّة ونظريّتي المفاهيم والتجربة الدّينيّة على صعيد الوحي يتمثّل في أركانه، فنظريّة الوحي المفهومي تعتبره متقوّمًا على ثلاثة أركانٍ أساسيّةٍ، وهي كالتالي:

الركن الأوّل: الله سبحانه وتعالى

الركن الثاني: النّبيّ

الركن الثالث: الرّسالة التي يتضمّنها

ونظرية التجربة الدينية تعتبره متقوّمًا على الأركان الثلاثة التالية:

الركن الأوّل: الله سبحانه وتعالى

الركن الثاني: النّبيّ

الركن الثالث: تجربة الوحي

ومن ثمّ فالأخبار التي يأتي بها النّبيّ بخصوص تجربته هذه تعدّ تفسيرًا لها.

وأمّا نظريّة الوحي الكلامي فهي تعتبره متقوّمًا على أربعة أركانٍ، وهي كالتالي:

(334)

الركن الأوّل: الله سبحانه وتعالى

الركن الثاني: النّبيّ

الركن الثالث: الفعل الكلامي

الركن الرابع: الفعل ضمن الكلام (الفعل الإنجازي)

هذه النّظريّات الثلاثة كما هو ملحوظٌ، تعتبر الله تبارك شأنه والنّبيّ ركنين أساسيين في الوحي، لكنّها تختلف عن بعضها في الركن الثالث، ونظريّة الفعل الكلامي تتفرّد بركنٍ رابعٍ هو الفعل ضمن الكلام.

نظريّة الأفعال الكلاميّة برؤية وولترستورف

الفيلسوف الأميركي نيكولاي وولترستورف (Nicholas wolterstorff) هو أحد مؤسّسي حركة إصلاح اللّاهوت المسيحي، وقد تبنّى نظريّة الأفعال الكلاميّة؛ لتفسير الوحي في المسيحيّة بخصوص كلام الله المذكور في الكتاب المقدّس، لكنّه أضفى إليها تغييراتٍ طفيفةً، حيث أكّد على أنّه تعالى تكلّم مع إنسان وفق ما ذُكر في الكتاب المقدّس، وكلامه تبلور بأشكالٍ عديدة؛ وفي هذا السياق قال إنّ القرن العشرين فقط شهد نشاطاتٍ تنظيريّةً لتوضيح طبيعة كلام الله، وكلّ هذه النّشاطات تمحورت حول نظريّة الأفعال الكلاميّة.

وقد استهلّ بحثه بخصوص الوحي قائلاً «الوحي ليس كلامًا»، وعلى هذا الأساس حينما نقول «أوحى الله» أو بتعبيرٍ آخر «كشف الله شيئًا»، فهذا لا يعني أنّه تكلّم لُغويًّا.

وأضاف: علماء الفلسفة واللّاهوت حتّى الآونة الأخيرة يفسّرون الوحي بأنّه

(335)

كلام الله، لكنّ الواقع خلاف هذا الرأي لكونه يختلف عن الكلام، واختلافهما يبدو جليًّا في المثال التالي الذي نوضّح فيه حقيقة الوعد: لو أنّ شخصًا قال «أعدكم بأن أفعل كذا» فهل كلامه هذا يعني أنّه كشف عن قراره بفعل ما وعد به؟ أي هل كشف عن قصده في هذا المجال؟ من المؤكّد أنّ الوعد بذاته يختلف عن كشف القصد وإظهاره، فلربّما يعِد الإنسان الطرف المقابل بأن يفعل شيئًا، لكنّ كلامه في الحقيقة لا يكشف عن الزمان المحدّد للقيام بما قصده، باعتبار أنّه يكذب ولا يقصد فعله من الأساس، بل غاية ما قام به هو ذكر وعدٍ كاذبٍ؛ وهذا الأمر معهودٌ على نطاقٍ واسعٍ في شتّى المجتمعات البشريّة؛ إذ كثيرًا ما لا يقصد الناس فعل شيءٍ لكنّهم رغم ذلك يعدون غيرهم به[1].

تصوير الوحي بكونه ذا طابعٍ لغويٍّ معناه أنّ الكلام من حيث كونه مصدرًا لنقل المعارف والمعلومات يختلف بالكامل عن ذات النّقل الذي يترتّب عليه، فلكلّ واحدٍ منهما ماهيّته الخاصّة رغم ارتباطهما من جهةٍ معيّنةٍ، والوحي على هذا الأساس أوسع نطاقًا من الكلام. على سبيل المثال، عندما نعِدُ الآخرين بشيءٍ ما أو نطلب منهم فعل شيءٍ أو نأمرهم بذلك وإلخ من قضايا مشابهة، فنحن في الواقع نقوم بفعلٍ أوسع نطاقًا من مسألة نقل المعلومات؛ لأنّنا حين الوعد نلزم أنفسنا بفعل شيءٍ ما، وحين الطلب نريد من غيرنا فعل شيءٍ ما، وبالتالي لا يقتصر الموضوع هنا على نقل المعلومات من طرفٍ إلى آخر [2].

وولترستورف يقصد من هذا الكلام تفنيد رأي من اعتبر الوحي المفهوميّ بكونه

(336)

من سنخ الكلام والعبارات اللغوية؛ لأنّ الله ينقل مفاهيم ذات مداليل خاصّةٍ إلى النّاس في رحاب إيحائه للنّبيّ، لكنّه خلال التكلّم إضافةً إلى نقل هذه المفاهيم فهو يقوم بفعلٍ آخر. وقد تطرّق إلى إثبات أنّ الوحي ليس من سنخ الكلام في أحد مؤلّفاته بإسهاب وتفصيل ليستنتج أنّ الوحي المفهومي ليس ذا طابعٍ لغويٍّ[1].

إذًا، المقصود من تكلّم الله تعالى هو قيامه بفعلٍ كلاميٍّ، لذا لا بدّ أن نعتقد به حرفيًّا، فحينما نقول «تكلّم الله» لا نعني من ذلك أنّه تكلّم مجازيًّا، بل كلامه حقيقيٌّ وواقعٌ؛ والجدير بالذّكر هنا أنّ البعض من منطلق اعتقادهم بكون كلامه متعاليًا وذا شأنٍ رفيعٍ أكّدوا على ضرورة عدم الاعتقاد به حرفيًّا، باعتبار أنّ المقصود منه شيئًا مجازيًّا لكون الكلام الحقيقي الذي يحمل على معناه الحرفي لا يصدر إلّا من كائنٍ مادّيٍّ لديه فمٌ ولسانٌ وشفتان وحنجرة، بينما الله عزّ وجلّ منزّه من هذه الأعضاء المادّيّة[2].

فضلاً عن ذلك هناك إشكال آخر يمكن إضافته إلى ما ذكر، وهو أنّ تكلّم الله سبحانه وتعالى لم يحدث بصوتٍ مادّيٍّ، أي أنّه لا يكلّم النّبيّ بجملٍ لفظيّةٍ مسموعةٍ؛ إذ لو كان الأمر كذلك لتمكّن سائر الناس من سماع صوته.

نيكولاي وولترستورف اعتبر نظريّة الأفعال الكلاميّة أفضل وسيلة للردّ على إشكالاتٍ كهذه؛ لكونها تتقوّم على الفصل بين الفعل الكلامي والفعل ضمن الكلام (الإنجازي) والفعل التأثيري، لذا إن أردنا فهم كلام الله يكفينا التركيز على الفعلين الأوّل والثاني - الكلامي والإنجازي - بغضّ النّظر عن الفعل الثالث - التأثيري

(337)

- ومثال ذلك لو أمرني المتكلّم قائلاً «أغلق الباب»، فهو حسب هذه النّظريّة قام بفعلين مختلفين عن بعضهما بالكامل، ممّا يعني أنّ القيام بالفعل الأوّل يتمخّض عن حدوث الفعل الثاني بشكلٍ مستقلٍّ عنه، وذلك بأن يلفظ العبارة المذكورة باللّغة العربيّة أوّلاً، وبواسطة هذا اللفظ يطلب تنفيذ محتوى الكلام الذي هو هنا إغلاق الباب. من المؤكّد أنّ النّاطقين باللّغات الأخرى لديهم القدرة أيضًا على صياغة هذه الجملة، كلٌّ بلغته الخاصّة، كذلك يمكن التعبير عنها بأساليب أخرى غير الألفاظ كما لو رسم صاحب الطلب صورةً يطلب فيها من مخاطبه أن يغلق الباب.

بناءً على ذلك عندما نقول «الله يتكلّم» نقصد من ذلك أنّه يقوم بفعلٍ ضمن الكلام - فعل إنجازي - وهذا هو واقع أوامره ووعده ووعيده، حيث يعلّمنا بهذه الأمور دون الحاجة إلى أن يوضّحها بأعضاءٍ بدنيّةٍ[1].

نستنتج مسألتين أساسيتين ممّا ذكر، هما كالتالي:

المسألة الأولى: كلام الله ليس ذات الوحي المفهومي.

المسألة الثانية: يجب فهم كلام الله وفق معناه الحرفي والمداليل الحقيقيّة للألفاظ التي تبلور في رحابه.

وولترستورف أضاف مسألةً ثالثةً حينما قال إنّ الله يتكلّم عن طريق إنجاز نصّ مقدّس[2]، وهذا اصطلاحٌ خاصٌّ ذكره للدّلالة على مقصوده، فعندما يقال إنّ المتكلّم أو الكاتب ينجز نصًّا يراد من ذلك قيامه بفعل شيءٍ كي يُـنسب نصّ الكلام أو الكتابة إليه دون غيره، كما لو وقّع مدير في أسفل ورقةٍ مكتوب فيها قرار

(338)

أصدره بخصوص موضوع مسؤوليّته؛ لأنّه بهذا التوقيع ينجز كلامه بشكلٍ عمليٍّ ويثبت أنّ النصّ عائدٌ له[1].

هذا الرأي الذي تبنّاه وولترستورف يمكن أن يوضّح ضمن تفاسير وتأويلاتٍ عديدةٍ لا يسعنا المجال هنا إلى بيان تفاصيلها، لكنّ خلاصة كلامه هو التأكيد على كون الوحي الكلامي موجودًا اليوم في النّصوص الدّينيّة المقدّسة، لذا عندما يسعى أتباع بعض الديانات إلى استماع كلام الله لمعرفة أفعاله الكلاميّة - حسب الاصطلاح العلمي - ينبغي لهم قراءة هذه النّصوص.

الكتاب المقدّس برأيه يتضمّن نصًّا يعكس كلامًا ثنائيًّا (مزدوجًا) (double discourse)، ويقصد من ذلك أن يتحدّث شخصٌ بكلامٍ غيره، كما لو يكتب سكرتير المدير رسالةً على لسان المدير نفسه، والأخير بدوره يوقّع عليها فقط تأييدًا لمضمونها، فهذه الرسالة في الحقيقة تحكي عن قصد المدير؛ لأنّ ما كتبه السكرتير مجرّد وسيلةٍ لبيان هذا القصد؛ لذا لدينا عنصران هنا أحدهما تكلّم على لسان الآخر.

الكلام الثنائي يمكن أن يتحقّق في صورتين، وهما كالتالي:

الصورة الأولى: أحيانًا يتكلّم الإنسان على لسان شخصٍ آخر أو نيابةً عنه أو باسمه، كما لو تحدّث سفير في أحد البلدان على لسان رئيس بلده. هذه هي الصورة التي تبنّاها بنو إسرائيل إزاء أنبيائهم؛ إذ اعتبروهم ناطقين بلسان الله تعالى، أي أنّهم نائبون عنه في الأرض بحيث لا تقتصر مهمّتهم على النطق باسمه تعالى، بل ينطقون ذات ما نطقه، ومن هذا المنطلق اعتبروا كلامهم وسيلةً لنقل

(339)

كلام الله. هذا هو الكلام المزدوج الذي يصطلح عليه كلام بالنيابة (deputized discourse)[1].

الصورة الثانية: الكلام المزدوج هو أن ينطق شخصٌ كلامًا وأنا بدوري أؤيّده وأقول "هذا هو قصدي بالتحديد" أو «هذا هو كلامي بذاته». أنا في هذه الحالة خصّصت نصّ المتكلم لنفسي، حيث تعيّن كلامي بتعيّن كلامه، وهو ما يُصطلح عليه التكلّم بالتخصيص (appropriated discourse).

الجدير بالذكر هنا أنّ بعض فقرات الكتاب المقدّس - التوراة والإنجيل - لا يمكن اعتبارها من كلام الأنبياء، فالمزامير على سبيل المثال فيها خطابٌ موجّهٌ من البشر إلى الله عزّ وجلّ، وليس منه إليهم، لذا لا يمكن اعتبار هذا النوع من النصوص كلامًا بالنّيابة، وهذا ما أراده وولترستورف واعتبره كلامًا بالتخصيص.

الفيلسوف الفرنسي بول ريكور (Paul Ricoeur) استنتج ممّا ذكر أنّ الوحي ليس كلامًا للأنبياء، وإنّما نوعٌ من الكشف، بينما وولترستورف اعتبر هذا الرأي مغالطةً، وبرّر ذلك قائلاً: ليس من الضرورة أن يكون الوحي كلامًا للأنبياء بالنيابة عن الله، بل كلامهم من نوع التخصيص[2].

عادةً ما يوصف الكتاب المقدّس عند اليهود والمسيحيين بأنّه كتاب الله، إلا أنّ هذا الكلام لا يعني كونه مجموعةً من الكتب الإلهيّة، فهو ليس كلام الله، حيث نجد فيه كلامًا للبشر خصّص لله، كذلك فيه كلام نيابيٌّ ذكره الأنبياء عن الله عزّ وجلّ.

(340)

ملاحظتان حول رأي وولترستورف

نيكولاي وولترستورف وضّح المقصود من الوحي وكلام الله الموجّه إلى البشر في الديانة المسيحيّة على ضوء مبادئ نظريّة الأفعال الكلاميّة، كذلك اعتمد على هذه النّظريّة لبيان المقصود من ادّعاء أنّ الكتاب المقدّس كتاب الله، وفيما يلي نوضّح الموضوع ضمن نقطتين:

1. الفيلسوف البريطاني جون أوستين عرّف الأفعال الكلاميّة بأنّها أفعالٌ تنجز في رحاب لغةٍ وألفاظٍ، وفي هذا السياق نوّه على إمكانيّة القيام بأفعالٍ مشابهةٍ لها بأسلوبٍ غير لغويٍّ، كما لو رسمنا صورةً نطلب على أساسها من المخاطب أن يغلق الباب، ففي هذه الحالة لم يصدر منّا فعلٌ كلاميٌّ لكون كلّ فعل من هذا القبيل مشروطًا بقالبٍ لغويٍّ.

وولترستورف اعتبر كلام الله دالاً على المعنى الحرفي -اللفظي- الذي تبلور فيه لكنّه مع ذلك أكّد على أنّ أفعاله الكلاميّة لا تتقوّم على الألفاظ، وفي هذا السياق حاول إثبات تنزّه الله سبحانه وتعالى من الأوصاف المادّية وعدم صواب تصوّر امتلاكه فمًا ولسانًا وشفتين وحنجرةً ينطق بها، لذا بادر إلى تفكيك نظريّة الأفعال الكلاميّة حسب أقسام الأفعال التي تتبلور خلال الكلام، وليس المعنى الذي يتبلور من الألفاظ؛ ويبدو من هذا التفكيك أنّ الأفعال التي قصدها هذا الفيلسوف ليست لغويّةً.

وممّا أكّد عليه أيضًا أنّ النّطق اللّفظي المتعارف لدى البشر يحدث عن طريق وسائلَ مادّيةً هي الفم واللسان والشفتين والحنجرة، لكنّ هذا لا يعني ضرورة امتلاك الله سبحانه وتعالى هذه الأعضاء كي يصدر منه كلام؛ لأنّه قادرٌ على بلورة

(341)

الكلام بأساليب عديدةٍ دون الاعتماد على عضوٍ مادّيٍّ؛ لأنّ كلامه ينطبع في باطن النّبيّ، لذلك لا يسمعه الآخرون.

إذًا، نظريّة الأفعال الكلاميّة برأيه تتقوّم على مسألة قيام المتكلّم بأفعالٍ في رحاب لغة وألفاظ، وهذا الرأي بكلّ تأكيد يتناغم مع تعاليم الديانة المسيحيّة لكون نصّ الكتاب المقدّس ليس منطوقًا بلسان الله تعالى.

2. الكتاب المقدّس هو كتاب الله حسب رأي وولترستورف، وهذا يعني ما يلي:

أ. الله قام بأفعالٍ كلاميّةٍ.

ب. بعض فقرات الكتاب المقدّس عبارة عن كلام ذكره الأنبياء نيابةً عن الله، وبعضها تخصيص -بالمعنى الذي أشرنا إليه- لكنّ هذا لا يعني أنّ ألفاظه هي ذات الألفاظ التي نطقها الله سبحانه وتعالى.

الجدير بالذكر هنا أنّنا أثبتنا في مبحث أسباب ظهور التجربة الدّينيّة أنّ الكتاب المقدّس بذاته يدلّ على كونه ليس كلام الله حرفيًّا، وفي هذا السياق لا نرى بأسًا من الإشارة إلى ما ذكره الفيلسوف دون كوبيت (Don Cupitt) حينما تطرّق إلى بيان الخلاف الموجود بين الرؤيتين الدّينيّتين التقليديّة والعلميّة على صعيد نقد الكتاب المقدّس، حيث قال: «التقليديون يعتبرون التوراة والإنجيل كتابين مقدّسين منزّلين من السّماء ومؤلّفهما الله بذاته، أي أنّهما كلام الله الموجّه إلى بني آدم؛ وعلى هذا الأساس فالأسلوب الأصحّ في تلاوته ومعرفة أسراره هو تلاوته بحضور قلب والاعتقاد بتعاليمه وفق أسس الإيمان التقليدي.

لا شكّ في أنّ نقد هذه النّزعة التقليديّة ليس لائقًا لكونه يمسّ بمصداقيّة الكتاب المقدّس، ويُثير شكوكًا حوله، بحيث يجعل النّاس يعتبرونه من صياغة البشر وليس كلامًا صادرًا من الله.

(342)

الردّ الذي ذكره منتقدو التوراة والإنجيل على التقليديين فحواه وجود اختلافٍ شاسعٍ بين الدّين والكتاب المقدّس، وفي هذا السياق أكّدوا على ضرورة عدم الجزم بصواب أحدهما وبطلان الآخر، بل لا بدّ من النّظر إلى جميع النصوص المقدّسة برؤيةٍ تحليليّةٍ دقيقةٍ وبيان طبيعة تعاليمها وقيمها الدّينيّة والأخلاقيّة وما فيها من معلوماتٍ تأريخيّةٍ بأسلوبٍ صائبٍ. فضلاً عن ذلك فالإنجيل الموجود عند المسيح اليوم مصدره بشريٌّ، وقد طوى مراحل تأريخيّة متدرّجة خلال فترة تدوينه، لذا فهو ذو ارتباطٍ بحقبٍ زمنيّةٍ وبقاعٍ جغرافيّةٍ محدّدةٍ؛ لذا إن اعتبرناه مصدرًا معلوماتيًّا نعتمد عليه لا بدّ لنا في هذه الحالة من تقييمه بأسلوبٍ علميٍّ دقيقٍ، ونستقصي حقيقة مصادره مثلما نتعامل مع سائر الكتب التأريخيّة عندما نريد أن نجلعها مصادر مرجعيّة معتبرة.

الجدير بالذكر هنا أنّ الإنجيل على خلاف بعض الكتب المقدّسة من حيث امتزاج نصّه بالكثير من الأساليب الأدبيّة، فهو لم يكن ذا طابعٍ مقدّسٍ في باكورة ظهوره، بل نصوصه عبارة عن مدوّناتٍ حفظت من التلف وحظيت باحترام النّاس على مرّ الزّمان، ثمّ أضفت الكنيسة إليها طابعًا قدسيًّا.

إذًا، الإنجيل لم يكن كتابًا مقدّسًا منذ بادئ الأمر، بل التغييرات التأريخيّة هي التي أضفت إليه قدسيّةً، فالرسالة التي يقال إنّ بولس كتبها إلى أهل روميّة لا تدلّ في مضمونها على أنّها خطابٌ إلهيٌّ سرمديٌّ موجّهٌ إلى البشر؛ لذلك يقول ناقد الإنجيل إنّ قرائتي لنصّه هي الصحيحة وليست القراءة التقليديّة»[1]. تعليقًا على هذا الكلام نقول إنّ الحقّ مع أصحاب النّهج النّقدي بكون الرسالة التي يقال إنّ بولس كتبها إلى أهل روميّة، لا تدلّ في مضمونها على أنّها خطابٌ إلهيٌّ سرمديٌّ

(343)

موجّهٌ إلى البشر، ممّا يعني أنّ الكتاب المقدّس الموجود لدى المسيحيين اليوم لا يتضمّن خطابًا إلهيًّا سرمديًّا، ومن هذا المنطلق فالمسيحيّة تواجه تحديًا جادًّا إذا ما تمّ تفسير الوحي بأنّه من أفعال الله الكلاميّة.

خلاصة البحث

يمكن تلخيص ما ذكرنا ضمن النقاط التالية:

1. الوحي عبارة عن مفهومٍ أساسيٍّ في الأديان السماوية، لكنّه لم يطرح فيها على نسق واحد، فالمسيحيون المعاصرون يعتبرونه تجليًا لله في شخصيّة النّبيّ عيسى (عليه السلام) وتنزيلاً لحقائق من عنده تعالى، بينما الإسلام طرحه بشكلٍ آخر بمحوريّة القرآن الكريم.

2. الأديان متشابهةٌ فيما بينها من حيث الفكرة الأساسيّة، لكن مع ذلك لا يمكن ذكر تعريفٍ شاملٍ وجامعٍ لها، بل يمكن اعتبارها كأعضاء عائلةٍ واحدةٍ لا يشتركون فيما بينهم بميزات موحّدةٍ.

3. علماء اللّاهوت الحديث تبنّوا ثلاث نظريات على صعيد تفسير الوحي، هي كالتالي:

- نظريّة المفاهيم

- نظريّة التجربة الدّينيّة

- نظريّة الأفعال الكلاميّة

الوحي حسب نظريّة المفاهيم عبارة عن حقائق يتلقّاها النبي من الله عزّ وجلّ أو من ملَك مبعوث لهذا الغرض، لذا فهو ليس من سنخ الألفاظ اللغويّة،

(344)

وتجربة الوحي متزامنة معه وليست ذاته وتتقوّم على ثلاثة أركان أساسيّة هي:

- الله

- النّبيّ

- الرسالة.

4. الوحي المفهومي هو الفعل الدالّ على النجاح والإنجاز، حيث يتقوّم على ثلاثة أركانٍ أساسيّةٍ هي:

- المرسِـل

- المتلقّي (المرسَـل)

- الرسالة

المقصود من مفاهيم الوحي حسب نظريّة المفاهيم تلك الحقائق التي يُلقيها الله عزّ وجلّ للنّبيّ، وهي في الواقع ليست ذات طابعٍ لغويٍّ (كلامي).

5. الوحي على أساس نظريّة التّجربة الدّينيّة عبارة عن مواجهةٍ تحدث بين الله والنّبيّ، ورسالته تتمثّل في الأخبار التي يذكرها النّبيّ بخصوص هذه المواجهة وعلى ضوء تفسيره لما حدث فيها، وهو هنا يتقوّم على ثلاثة أركانٍ أساسيّةٍ، وهي:

- الله

- النّبيّ

- تجربة الوحي

(345)

هذه النّظريّة طُرحت من قبل علماء اللّاهوت الليبرالي بهدف الإجابة عن بعض الإشكالات التي تطرح على المسيحيّة.

6. نظريّة الأفعال الكلاميّة كما هو واضح من عنوانها فسّرت الوحي بمجموعةٍ من الأفعال الكلاميّة، وهي مقتبسةٌ من نظريّة الفيلسوف جون أوستين.

الوحي حسب هذه النّظريّة يفسّر كما يلي:

- الله يلقي على النبي جملاً ذات مداليل معيّنةٍ بلغةٍ خاصّةٍ.

- هذه الجمل ذات مضامين لغويّة محدّدة مثل الأمر أو النهي أو الإخبار.

- الله على ضوء هذه الجمل يأمر النّبيّ أو سائر الناس بأداء أفعالٍ معيّنةٍ.

7. نظريّة الأفعال الكلاميّة تطرح رأيين على الأقل في مجال الوحي، وهما كالتالي:

الرأي الأوّل: الوحي ذو طابع لغويّ (كلامي) وعبارة عن ارتباطٍ دالٍّ يحدث بين الله والنّبيّ في رحاب لغةٍ خاصّةٍ.

الرأي الثاني: الله يقوم بأفعال كلاميّةٍ ضمن هذا الارتباط اللّغوي.

الوحي على أساس هذه النّظريّة يختلف جذريًّا عمّا هو مطروح في نظريّتي المفاهيم والتجربة الدّينيّة.

8. المقصود من الوحي الكلامي ما كان ذا طابعٍ لغويٍّ وعلى أساسه يقوم الله بأفعال كلاميّةٍ، وهو يتقوّم على أربعة أركانٍ أساسيّة، وهي:

- الله

- النّبيّ

(346)

- الفعل الكلامي

- الفعل ضمن الكلام (الفعل الإنجازي)

وأمّا الفعل التأثيري الذي يترتّب على الفعل الإنجازي، فهو لا يعتبر ركنًا من أركان الوحي؛ لأنّه خارجٌ عن ماهيّته.

9. مصطلح «التجربة الدّينيّة» وفق المصطلح الحديث يمتاز بخمس خصائص أساسيّة هي:

أ. تلقّي شيءٍ بشكلٍ عمليٍّ ومباشرٍ.

ب. الشّعور بالشّيء ذاته الذي أحسّ به من خاض التجربة ذاتها سابقًا.

ج. عدم ارتكاز التجربة على المفاهيم والاستدلالات العقليّة.

د. التجربة الشّخصيّة لا تنتقل بذاتها إلى الغير.

هـ. التجربة ذات طابعٍ شخصيٍّ وتختصّ بمن خاضها.

1. المقصود من الوحي وفق ما هو مطروح في نظريّة التجربة الدّينيّة هو أنّه مجرّد تجربةٍ دينيّةٍ تتقوّم على ثلاثة أركانٍ أساسيّةٍ هي:

- الله

- النّبيّ

- تجربة الوحي

النّبيّ على هذا الأساس يخوض تجربة وحي ضمن مواجهةٍ مع الله.

11. نظريّة التجربة الدّينيّة بصيغتها المعاصرة تبلورت في رحاب علم اللّاهوت

(347)

الليبرالي، وهناك ثلاثة عوامل أساسيّة ساهمت في ظهورها هي:

العامل الأوّل: هزيمة اللّاهوت العقلي (الطبيعي) (natural theology) في الأوساط المسيحيّة.

العامل الثاني: رواج فكرة التّعارض بين العلم والدين.

العامل الثالث: انتعاش حركة نقد الكتاب المقدّس.

12. علماء اللّاهوت المسيحيون حاولوا وضع حلول لمشاكلهم العقائديّة على ضوء طرح نظريّة التجربة الدّينيّة، إلا أنّهم أخفقوا في مساعيهم هذه بسبب السلبيات التالية التي تردِ على نظريتهم هذه:

أ. تحول دون اطّلاع الناس على حقائق الوحي.

ب. تتعارض مع ما تدعو إليه الأديان السماوية.

ج. لا تتناغم مع تأريخ الأديان السماوية.

د. لا يمكن فهمها إلا إذا فسّرت من قبل النّبيّ نفسه.

هـ . تتقوّم على الفصل بين التفسير والتجربة.

13. الفيلسوف المعاصر رودولف أوتو تطرّق إلى تدوين بحوثٍ حول تجارب الأنبياء، ومن جملة النتائج التي توصّل إليها أنّ الدين ذو ارتباطٍ بما وصفه بالأمر القدسي "نومين" (numen)، وهو برأيه ذو عناصر عقليّةٍ وغير عقليّةٍ، والتجربة النومينيّة على هذا الأساس هي جوهر الدين ومغزاه الحقيقي، لذا فالأنبياء خاضوا تجارب من هذا النّوع.

14. نظريّة الأفعال الكلاميّة تبلورت في الأوساط اللّاهوتّية المسيحيّة على ضوء

(348)

آراء الفيلسوف جون أوستين اللّغويّة، حيث يعتقد بأنّ المتكلّم يقوم بثلاثة أفعال حينما ينطق كلامه، وهي:

- الفعل الكلامي

- الفعل ضمن الكلام (الفعل الإنجازي)

- الفعل التأثيري.

 

 

(349)

مصادر البحث

1- القرآن الكريم

2- الشريف الرضي، نهج البلاغة، الخطبة رقم 147.

3- دون كوبيت، درياي ايمان (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية حسن كامشاد، الجمهورية الإسلامية الإيرانية، طهران، منشورات كامشاد، 1997م.

4- إيان بربور، علم و دين (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية بهاء الدين خرمشاهي، الجمهورية الإسلامية الإيرانية، طهران، منشورات مركز النشر الجامعي، 1983م.

5- علي رضا قائمي نيا، تجربه ديني و گوهر دين (باللغة الفارسية)، الجمهورية الإسلامية الإيرانية، قم، منشورات مركز الإعلام الإسلامي، 2002م.

6- مرتضى مطهري، نبوت (باللغة الفارسية)، الجمهورية الإسلامية الإيرانية، سلسلة البحوث النقدية التي أقيمت في نقابة الأطباء الإسلامية.

7- وليام هوردون، راهنماي الهيات پروتستان (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية طاطه وس ميكائيليان، الجمهورية الإسلامية الإيرانية، طهران، منشورات دار العلم والثقافة، 1989م.

8- وليام هوردرن، دليل اللاهوت البروتستانتي.

9- https://ar.wikipedia.org/wiki/نظرية_الاستذكار_الأفلاطونية

10- Emmanuel Steven M. , Kierkegaard & the concept of revelation.

11- Don Cupitt, Mysticism after modernity.

12- Louis Breakoff, Systematic theology.

13 Davis Charles, Religion and the making of society. 

(350)

14- Rudolf Otto, The idea of the Holy, translated by John W. Harvey.

15-  Philip C. Almond, Rudolf Otto: An introduction to his philosophical theology.

16- John Austin, How to do things with words. 

17- Nicholas wolterstorff, “The importance of Hermeneutics for a Christian world view” in Disciplining Hermeneutics, ed. By Roger Lundin.

18- Nicholas wolterstorff, Divine discourse: Philosophical reflections on the claim that God speech.

19- Idem, The importance of Hermeneutics for a Christian worldview.

20- Gilbert Ryle, The concept of mind.

21- Richard Swinburne, Revelation.

(351)
عبد الكريم سروش دراسة النظريات ونقدها هذا الكتاب عبارة عن مجموعة من البحوث التخصصية خصصت لدراسة وتحليل ونقد قضايا فكرية مفصلية ورئيسية ، طرحها عبد الكريم سروش حيث صنف الكثير من المؤلفات والبحوث في هذا الحقل العلمي . ومن خلال هذا العمل سنقوم كخطوة اولى بتظهير مسار تبلور المشروع الفكري لعبد الكريم سروش ، حيث نقوم بطرح خلفياته ومبانيه وآرائه ونظرياته . وفي الخطوة الثانية نسعى الى تبيين القضايا التي طرحها في آرائه ونظرياته ، حيث قمنا بدراسات تحليلية ذات طابع نقدي ، بغية أن تتضح لنا آفاق هذا المشروع ومدى نجاحه او فشله في رحاب أسس الثقافة الإسلامية المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية http://www.iicss.iq [email protected] [email protected]
 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلا