بحوث وقراءات نقدية في كتاب تاريخ القرآن تيودور نولدكه

بحوث وقراءات نقدية في كتاب تاريخ القرآن تيودور نولدكه

تأليف : 

مجموعة مؤلفين 

 

مقدمة المركز 

الجزء الاول 

 

بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على سيّدنا محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى آل بيته الطاهرين(عليهم السلام) ...

يتّضح للمتتبّع في تاريخ ونتاجات الاستشراق الألمانيّ واهتماماته في التّراث العربيّ والإسلاميّ بشكلٍ عامٍ، وما يرتبط بالقرآن الكريم بشكلٍ خاص، أنّ أعمال المستشرقين الألمان في المجال القرآنيّ لم تقتصر على الأعمال والدّراسات الفرديّة، بل تعدّتها إلى المشاريع البحثيّة الجماعيّة، وتأسيس مؤسّساتٍ رسميّةٍ وعامّة متخصّصة بدراسة القرآن الكريم؛ نصّاً، تاريخاً، وجمعاً، وتفسيراً، وعلوماً...

وقد اختلفت نظرة علماء المسلمين ومفكّريهم بين مادحٍ للخدمات العلميّة التي قدّمها المستشرقون الألمان للتراث العربي والإسلامي، فوَصفوها بالعلميّة والموضوعيّة، وأنّهم لم ينطلقوا في أعمالهم -كبقيّة المدارس الاستشراقيّة- من أهداف ذات صلةٍ بالاستعمار والتّبشير والهيمنة العلميّة والمعرفيّة والحضاريّة، وبين ناظرٍ نظرة تفحّصيّة تجزيئيّة إلى أعمال المستشرقين الألمان كأفراد ومؤسسات، حيث ميّز هؤلاء بينهم من خلال نتاجاتهم وآرائهم المنصفة للإسلام والقرآن أو غير العلميّة والموضوعيّة التي انغرقت في الشبهات والإشكاليات.

وليس المورد هنا للنقاش في ترجيح أحد هذين الرأيين تأييداً أو رفضاً. لكن لنا أن ننظر إلى المباني والمناهج التي انتهجوها، والنتائج التي توصّل إليها المستشرقون الألمان -ولم ترفضها المدرسة الألمانيّة، بل تحوّلت إلى مرجعيّةٍ عند المستشرقين الألمان وغيرهم- ونبني رأينا وفقها، وذلك من خلال أبرز آراء المستشرقين الألمان حول القرآن الكريم، والتي يتّضح فيها عدم الموضوعيّة والإنصاف، وخلوّها من الشّفافيّة البحثيّة والعلميّة، ومن هذه المباني والنتائج التي تبنّاها المستشرقون الألمان:

-    بشريّة القرآن وأنّه من صنع محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم).

-    تأثير الديانتين اليهوديّة والنصرانيّة على القرآن والإسلام.

-    التّشكيك في فصاحة القرآن ولغته التي نزل بها.

-    أنّ الحروف المقطّعة في أوائل السّور هي اختصار لأسماء القرّاء من الصّحابة الذين جمعوا القرآن وحفظوه.

-    وجود كلماتٍ أجنبيّة في القرآن.

-    القرآن نزل بلغةٍ شعبيّةٍ (غير فصيحة) أو بلغة أهل جنوب الجزيرة.

-    وجود الشعر والسجع في القرآن.

-    تأثّر أسلوب القرآن بأساليب الكهانة والكهان في جزيرة العرب.

-    تقسيم السور حسب مراحل النّزول إلى أقسام متعدّدة.

-    تناول بعض القضايا العلميّة الكبرى بشيءٍ من السّطحيّة والاعتماد على مصادر محدودة. من قبل بعض المستشرقين الألمان، وفي هذا قال الدكتور شتيفات فيلد: "وحيثما كان من الأفضل محاولة الوصول إلى فهم أكثر عمقًا كانوا كثيرًا ما ينتقدون على نحوٍ سطحي". وقال نولدكه (Noldekae) عن المستشرق الألماني فايل: "... إنّه لم يعرف المصادر العربيّة إلّا في إطار محدود جدًّا".

ويكفينا في هذا المجال ما كتبه المستشرق الألماني نولدكه (Noldekae) في رسالته للدكتوراه بعنوان: (أصل وتركيب سور القرآن)؛ ثمّ أعاد كتابتها بعنوان (تاريخ القرآن) أو (تاريخ النص القرآني). ومَنْ طالع هذا الكتاب لاحظ اضطراب مؤلّفه وتناقضه في أحكامه على القرآن الكريم. وممّا أثاره في هذا الكتاب:

-    أنّه يفتح الباب أمام القول بتحريف القرآن ونقصانه كما في فصل (الوحي الذي نزل على محمّد ولم يحفظ في القرآن). ومما نُقل عنه: (إنّه ممّا لا شكّ فيه أنّ هناك فقرات من القرآن قد ضاعت). أو يقول: (القرآن غير كامل الأجزاء).

-    أنه يصف أسلوب القرآن الكريم باعتباره أسلوبًا قصصيًّا ينقصه التسلسل في طريقة الأخبار والسير ويرى في قصصه انقطاعًا، وانتقد في القرآن الكريم تكرير بعض الألفاظ أو العبارات تكريرًا لا مسوغ له. وقد صرّح بأكثر من هذا في مقاله: (عيوب الأسلوب القرآني). وأنّه استعار من الكهان ومن غيرهم استعمال الجمل القصيرة المسجوعة في الخطاب.

-    لا يقيِّم نولدکه وأتباعه من العلماء القرآن ککتاب منزَل، بل کنصٍّ، وضعه النبيّ محمّد نتيجة إلهام، متفاعلًا مع الأحداث والتطوّرات الدينيّة والاجتماعيّة والسياسيّة التي واجهها خلال سنين.

-    يتبنّى نولدكه التّقسيم المعهود للقرآن إلى مكّيّ ومدنيّ، لكنّه يوزّع السور المكّيّة على فترات ثلاث، معتمدًا على صفاتٍ أسلوبيّةٍ ومضمونيّةٍ، تجمع بين سور المجموعة الواحدة.

-    رأيه المضطرب في الحروف المقطّعة وأسرارها؛ إذ رأى أنّها رموزٌ وإشاراتٌ حرفيّةٌ إلى أصحاب نسخ القرآن، ثمّ رجع عن قوله وقبِل أنّ لها معانٍ خاصّة هي أبعد من أن تكون معانٍ صوفيّة أو باطنيّة، وأنّها تعدّ جزءًا من الوحي.

-    كان يزعم أنّ سبب الوحي النّازل على محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) والدعوة التي قام بها ما كان ينتابه من داء الصرع.

-    أنّ القصص القرآنيّ حافلٌ بالمؤثّرات اليهوديّة والمسيحيّة التي انتقلت إلى العرب عن طريق اليهود المقيمين في المدن الكبرى وكذلك عن طريق العرب المتنصرين.

-    وممّا يجدر أن يسجّل هنا أنّ نولدكه كان متردّدًا في نشر الكتاب وترجمته لعدم قناعته بكلّ ما فيه؛ ففي خطابه إلى النّاشر بعد تصحيح الكتاب: "وكثير من المسائل التي كنت أعتقد قليلًا أو كثيرًا بصحّتها تبيّنت لي فيما بعد أنّها غير مؤكّدة".

بناءً على ما تقدّم، وضمن مشروعه العلميّ الكبير في مواجهة ونقد ما أثاره الفكر الغربيّ حول القرآن الكريم من إشكالياتٍ ومغالطاتٍ وشبهاتٍ، يقدّم المركز الإسلاميّ للدّراسات الاستراتيجيّة هذا الكتاب، وهو مشروع كتاب جماعيّ في: نقد أفكار وأطروحة المستشرق الألماني تيودور نولدكه في كتابه (تاريخ القرآن).

لقد اعتمدنا في اختيار عناوين الموضوعات البحثيّة في هذا المشروع، على ضوء منهجيّة نولدكه نفسه في كتاب (تاريخ القرآن)؛ وذلك بهدف إنجاز دراساتٍ بحثيّةٍ نقديّةٍ تغطّي الموضوعات والأفكار المفصليّة التي جاءت في هذا الكتاب.

هذا بالإضافة إلى أن كتاب "تاريخ القرآن" لنولدكه من أوسع ما صدر من كتب حول القرآن في القرن العشرين باللّغة الألمانيّة، وقد تعامل نولدکه وطلاّبه مع القرآن کنصٍّ وضعه النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) نتيجة إلهام، متفاعلًا مع الأحداث والتطوّرات الدينيّة والاجتماعيّة والسياسيّة التي واجهها خلال سنين. حيث يتبنّى نولدكه في الجزء الأوّل التّقسيم المعهود للقرآن إلى مكّيّ ومدنيّ، لكنّه يوزّع السور المكّيّة على فترات ثلاث، بعد أن قدّم  فهمه وتفسيره للوحي ولمصدر علم النبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم). وعالج في الجزء الثاني من الكتاب مسألة جمع القرآن الكريم، معتمِدًا على الروايات المتوارثة، مقارنًا بعضها بالبعض الآخر، ومستخلصًا منها النتائج...، بينما يعالج في الجزء الأخير تاريخ نصّ القرآن، مناقشًا أهم خصائص الرسم في مصحف عثمان، ومقارنًا إيّاه بصيغ وقراءات غير عثمانيّة.

يتضمّن الجزء (الأول) من كتاب بحوث وقراءات نقديّة في كتاب (تاريخ القرآن) لتيودور نولدكه ثلاثة فصول؛ تناول الفصل الأوّل إطلالةً على الاستشراق الألمانيّ ودور المدرسة الاستشراقيّة الألمانيّة في الدّراسات القرآنيّة، مع تعريف بكتاب تاريخ القرآن. وتناول الفصل الثاني قراءةً نقديّةً لأطروحة نولدكه حول الوحي، بينما تعرّضنا في الفصل الثالث لمصادر تعليم النبي محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) بحسب استعمال نولدكه في كتابه.

علماً بأنّ مناقشة بقيّة الموارد ونقدها ستكون في الجزء الثاني من هذا الكتاب.

ختاماً لا بد من تقديم الشكر والثناء والتقدير لكل من ساهم في إنجاز هذا العمل، سائلين الله تعالى أن يجعله ذخراً لآخرتنا ويوفق الباحثين الأعزاء للاستفادة منه.

والحمد لله رب العالمين

المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيّة