الحجة الأنطولوجية / جايسن ميغيل | 17
الحجة الأنطولوجية: ترقيعُ حجة بلانتينغا الأنطولوجية عبر خُطوة مورداك / إليزابث بِرنز | 45
الحجة الكونية / و. دايفيد بك | 69
الحجة الكونيّة الكلاميّة / ويليام لين كريغ | 131
الحجج الغائيّة / ستيفن إيفانز | 165
حجة الضَّبط الدقيق / مايكل روتا | 179
حجة أخلاقية على وجود الله طِبقًا للاستدلال الاستخلاصي / دايفيد باغيت | 209
الحجّة المبنيّة على التجربة الدينية / كاي-مان كوان | 241
حجّة الرِّهان / جوشوا غولدينغ | 279
الإيمانُ الدينيّ من دون دليل / ويليام جاي وُود | 297
طبيعةُ الإيمان وعقلانيّته / ليز جاكسون | 317
هل فرضية الله مُستبعدَة؟ ردٌ على دوكينز / لوغان بول غايج | 345
صانعُ الساعات الأعمى: التطوُّر وإلغاء الله؟ / أليستر ماكغراث | 377
هل نحن أفضل بدون الدّين؟ أضرار (وفوائد) الاعتقاد الدّينيّ / كريستيان ب. ميلر | 437
الإيمان بالله تعالى
في اللاهوت الغربي المعاصر
(1)بسم الله الرحمن الرحيم
(2)العتبة العباسية المقدسة
المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية
سلسلة نقد الإلحاد 5
الإيمان بالله تعالى
في اللاهوت الغربي المعاصر
تأليف :
مجموعة مؤلفين
إعداد وتحرير :
د. حامد فياضي
(3)العتبة العباسية المقدسة
المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية
الايمان بالله تعالى في اللاهوت الغربي المعاصر / تأليف مجموعة مؤلفين : إعداد وتحرير د. حامد فياضي - الطبعة الأولى - النجف العراق : العتبة العباسية المقدسة المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية. 2025
464 صفحة : 24 سم. (سلسلة نقد الإلحاد ، 5)
يتضمن إرجاعات ببليوجرافية.
النص باللغة العربية مترجم من اللغة الانجليزية.
ISBN: 9789922680729
1. الالهيات - فلسفة. 2. الله (اسلام) 3 اللاهوت المسيحي. 4. الاسلام والديانات الاخرى، أ. فياضي.
حامد 1982 معد. ب العنوان.
LCC: BP166.2.E43 2025
مركز الفهرسة ونظم المعلومات التابع لمكتبة ودار مخطوطات العتبة العباسية المقدسة
الفهرسة أثناء النشر
رقم الايداع في دار الكتب والوثائق ببغداد (۳۸۷۷) لسنة ٢٠٢٥ م
الإيمان بالله تعالى في اللاهوت الغربي المعاصر (سلسلة نقد الإلحاد - 5)
تأليف : مجموعة مؤلفين
إعداد وتحرير : د. حامد فياضي
تعريب : هبة ناصر
إشراف : السيد محسن الموسوي
الناشر : العتبة العباسية المقدسة / المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية
الطبعة : الاولى / 2025 م
www.iicss.iq
islamic.css@gmail.com
(4)
كلمة المركز7
المقدمة 13
الحجة الأنطولوجية 17
جايسن ميغيل
الحجة الأنطولوجية: ترقيعُ حجة بلانتينغا الأنطولوجية
عبر خُطوة مورداك 45
إليزابث بِرنز
الحجة الكونية 69
و. دايفيد بك
الحجة الكونيّة الكلاميّة 131
ويليام لين كريغ
الحجج الغائيّة 165
ستيفن إيفانز
حجة الضَّبط الدقيق 179
مايكل روتا
حجة أخلاقية على وجود الله طِبقًا للاستدلال الاستخلاصي209
دايفيد باغيت
الحجّة المبنيّة على التجربة الدينية 241
كاي-مان كوان
حجّة الرِّهان 279
جوشوا غولدينغ
الإيمانُ الدينيّ من دون دليل 297
ويليام جاي وُود
طبيعةُ الإيمان وعقلانيّته 317
ليز جاكسون
هل فرضية الله مُستبعدَة؟ ردٌ على دوكينز 345
لوغان بول غايج
صانعُ الساعات الأعمى: التطوُّر وإلغاء الله؟ 377
أليستر ماكغراث
هل نحن أفضل بدون الدّين؟
أضرار (وفوائد) الاعتقاد الدّينيّ 437
كريستيان ب. ميلر
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ
أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾
(فصلت: ٥٣)
لا شكّ في أنّ مسألة وجود الله تعالى تُعَدّ من أقدم وأعمق المسائل في تاريخ الفكر البشري، إذ حظيت باهتمام دائم ومتواصل في سياقات حضارية ودينية وفلسفية متعدّدة، وتنوّعت أنماط تناولها وتشكيلها عبر العصور. ففي الديانات التوحيدية يُعَدّ الإيمان بوجود الإله المتعالي نقطة البداية ومركز المنظومات اللاهوتية والأخلاقية. ولا يُنظَر في هذه الديانات إلى الله بوصفه مبدأً نظريًا فحسب، بل بوصفه مصدر الوجود، ومُشرِّع الأحكام، والغاية النهائية للوجود والإنسان. غير أنّ هذا التوجّه الإيماني لم يكن يومًا بمنأى عن نزوع عقلي لتفسير وتبرير الإيمان بوجود الله، وهو ما تجلّى في محاولات عقلانية لصياغة براهين فلسفية تثبت وجوده.
في تاريخ الفلسفة الغربية، تُعدّ براهين وجود الله من أبرز تجلّيات الجهد العقلي لتأسيس الإيمان الديني على أساس من التحليل والاستدلال الفلسفي. وقد احتلّت هذه البراهين موقعًا مركزيًا في النقاشات الميتافيزيقية والكلامية والإبستمولوجية منذ نشأتها في البيئة اليونانية، ومرورًا بتحوّلاتها في الفلسفة التحليلية المعاصرة.
بدأت مسيرة هذه البراهين في الفلسفة الغربية مع أفلاطون وأرسطو، ثم تطوّرت على أيدي فلاسفة القرون الوسطى المسيحيين من أمثال أوغسطين وتوما
الأكويني، ثم أعيدت صياغتها ضمن أطر جديدة على أيدي الفلاسفة العقلانيين المحدثين كديكارت ولايبنتس وسبينوزا. وفي العصر الحديث، أعيدت قراءتها ونقدها في سياق الردّ على إشكالات ديفيد هيوم وكانط والفلاسفة التحليليين.
ومع مطلع القرن العشرين، ومع صعود الفلسفة التحليلية، عاد الاهتمام بالبراهين على وجود الله. وقد سعى فلاسفة كالفين بلانتينغا، وريتشارد سوينبرن، وويليام لين كريغ إلى تقديم صيغ جديدة للبراهين التقليدية، مستفيدين من المنطق الرمزي، ونظرية الاحتمالات، ومنجزات العلوم المعاصرة. فمثلًا، قدّم بلانتينغا نسخة من البرهان الأنطولوجي (الوجودي) تعتمد على منطق الإمكانات، يطرح فيها «الوجود الضروري» لله كمسلّمة معقولة. أمّا كريغ فقد أعاد بناء البرهان الكوني الكلامي – المستمد من التراث الإسلامي وعلم الكلام – وسعى إلى توظيفه في مناظراته العامة ضد الإلحاد.
إنّ الحاضر المعاصر، بما فيه من تحدّيات كالإلحاد العلمي، والنسبية المعرفية، والعلمانية المتزايدة، وأزمة المعنى، يشهد مواجهة أو تفاعلاً جديدًا بين العقل والإيمان والتجربة الدينية. وفي هذا السياق، لا يمكن الدفاع عن الإيمان الديني دفاعًا معقولًا ومبدعًا إلّا من خلال مقاربة دقيقة وفلسفية وحوارية لبراهين وجود الله ونظرياته المعاصرة.
أمّا في العالم الإسلامي، فمع أنّ الإيمان بوجود الله كان مسلّمةً مشتركة بين جميع المدارس الكلامية والفلسفية، إلا أنّ تبرير هذا الإيمان عقليًا شغل حيّزًا مهمًا في تلك المدارس، من علم الكلام المعتزلي والأشعري إلى الفلسفة المشائية والإشراقية والحكمة المتعالية. وتدلّ براهين مثل برهان الحدوث، وبرهان
(8)الإمكان والوجوب، ولا سيّما برهان الصدّيقين، على الجهود الجادة التي بذلها مفكرو المسلمين في هذا المضمار. غير أنّ العلاقة بين هذه البراهين ونظائرها أو بدائلها في التراث الغربي لم تحظَ بكثير من الاهتمام، وهو ما أدّى أحيانًا إلى إغفال الطاقات الغنية للحوار الفلسفي التبادلي.
ومن جهة أخرى، فقد شهدت العقود الأخيرة في الفلسفة الغربية، ضمن حقل فلسفة الدين الذي يُعدّ مجالًا حديث النشأة وديناميكيًا، موجةً جديدة من إعادة قراءة وبناء براهين وجود الله. وقد ظهرت هذه التحوّلات في صور متعدّدة: كإعادة تقديم البرهان الأنطولوجي بصيغ منطقية وإمكانية (مثل نماذج بلانتينغا)، أو في صيغ حديثة للبرهان الكوني (كطرح كريغ المستند إلى الكلام الإسلامي)، أو حتى في استخدام معطيات الكوسمولوجيا والفيزياء الحديثة في صياغة برهان الضبط الدقيق. وهذه الآفاق الجديدة تفرض على المفكرين المسلمين أن ينخرطوا فيها برؤية تحليلية ومعمّقة.
مع أنّ براهين إثبات وجود الله في التقليدين الفلسفيين الكبيرين، الغربي والإسلامي، تختلف في كثير من المفاهيم والمسلّمات، فإنّها تُعدّ في كلا السياقين محاولات عقلانية لتأسيس الإيمان الديني وتفسير العلاقة بين العقل والإيمان. وإلى جانب الفروقات الصورية بين هذه البراهين، فإنّ ما ينبغي الانتباه إليه في المقارنة، هو الاختلاف في الأُسس الأنطولوجية والإبستمولوجية. ففي التقليد الإسلامي، ولا سيما في الحكمة المتعالية، لا يُعدّ الوجود أمرًا ذهنيًا مجرّدًا، بل هو أصدق مراتب الواقع. فالوجود أصيل ومشترك على نحوٍ تشكيكي، ومراتب الوجود تُعادل مراتب القرب والبعد من المبدأ المتعالي.
في المقابل، أصبح الوجود في كثير من صِيغ الفلسفة الغربية، لا سيما بعد
(9)كانط، مقولة منطقية أو مفهومية، وغالبًا ما يُغفل التمييز بين «الوجود الذهني» و«الوجود الخارجي» على نحو ما هو مألوف في الحكمة الإسلامية. كما أنّ منزلة الوحي، والشهود، والعقل الحضوري في المعرفة الإسلامية تختلف جذريًا عن البنية المعرفية التجريبية-التحليلية في الغرب. ولهذا، فإنّ كثيرًا من الانتقادات التي وجّهها الفلاسفة الغربيون إلى البراهين الإلهية – كاعتراض كانط على البرهان الوجودي، أو نقد هيوم لنظرية النظم – تُعدّ غير كافية في سياق التقليد الإسلامي.
إنّ مقارنة براهين إثبات وجود الله في هذين التقليدين ليست مجرّد تمرين نظري، بل ضرورة معرفية وحضارية. ففي عالمٍ يشهد تنامي الإلحاد الجديد، والشكّ العلمي، والنسبية الأخلاقية، تُعدّ إعادة التفكير في أسس الإيمان العقلاني أمرًا مصيريًا. والتقليد الإسلامي، بما يمتلكه من إرث ميتافيزيقي، وعرفاني، وكلامي غني، يملك القدرة على أن يقدّم مساهمة أصيلة وفاعلة في هذا الحوار.
إنّ المقالات التي يتضمّنها هذا الكتاب قد اختيرت من بين أبرز وأحدث النصوص والدراسات الأكاديمية، ويعكس كلٌّ منها – على نحوٍ خاص – اتّجاهات وقضايا ومقاربات بارزة في اللاهوت الطبيعي وفلسفة الدين الحديثة في الفكر الغربي. فبعضها يُعيد قراءة البراهين الكلاسيكية – كبرهاني الكوسمولوجيا والوجود – قراءة نقدية ويُعيد بنائها باستخدام أدوات المنطق الصوري وتحليل اللغة الفلسفية. بينما تركّز أخرى على الأسس الإبستمولوجية والأنطولوجية لهذه البراهين، وتتناول تقييمها من زوايا متعدّدة، كالمعرفية الفضيلتية أو فلسفة العلم. ويجمع هذه المقالات جميعًا انشغالها – بشكلٍ أو بآخر – بالسؤال الجوهري حول العلاقة بين العقل والإيمان، وكيفية تقديم تفسير عقلاني للمعتقد الديني.
إنّ ترجمة هذه النصوص إلى اللغة العربية تتيح، في المقام الأول، فرصة ثمينة للباحثين والمفكرين للتعرّف على الصيغ الدقيقة، وغالبًا الجديدة، للبراهين الإلهية في التقليد الفلسفي الغربي؛ وهي صيغ تختلف أحيانًا اختلافات دقيقة لكن حاسمة عن النماذج الأقدم، وقد نشأت في آفاق جديدة كالفلسفة التحليلية، ومنطق الإمكانات، والتحليلات المعرفية المعاصرة. إنّ التعرّف على هذه النصوص لا يساهم فقط في فهمٍ أدقّ لمنطلقات ومنهجيات الفكر الفلسفي الغربي، بل يُمكّننا من إعادة صياغة مواقفنا ومصادرنا. فضلًا عن ذلك، يمكن أن تُشكّل هذه الترجمات أساسًا لحوار بين الثقافات والأديان. فرغم أنّ العالمين الإسلامي والمسيحي يشتركان في الإيمان بإله واحد متعالي، إلا أنّ طريقة فهم هذا الإيمان وإثباته سارت في مسارين متمايزين إلى حدّ كبير.
مع ذلك، تبقى ترجمة النصوص الفلسفية – ولا سيّما في مجالٍ يتّسم بالدقّة والعمق كمجال فلسفة الدين – محفوفة بتحدّيات عدّة. من أبرزها إيجاد المعادل الدقيق للمفاهيم الفلسفية الخاصة، واستعادة النبرة التحليلية-الاستدلالية للنصوص الأصلية، والحفاظ على اتّساقها المفهومي. ذلك أنّ لغة فلسفة الدين، لا سيّما في العصر الحديث، تمتاز بالإيجاز المنطقي، والدقّة الاصطلاحية، والحساسية العالية تجاه المفاهيم؛ ومن ثمّ، فإنّ نقلها إلى اللغة العربية يتطلّب إلمامًا عميقًا بالمنطق الفلسفي، وبالتراث اللغوي-الفكري الإسلامي. ونأمل أن يكون هذا العمل قد وفّق – بقدر الإمكان – في الحفاظ على هذا التوازن.
وفي الختام، نتوجّه بخالص الشكر لجميع الزملاء الذين ساهموا في إعداد هذا الكتاب ونشره، لا سيّما فضيلة حجّة الإسلام والمسلمين الدكتور السيّد هاشم الميلاني، رئيس المركز المحترم، والمترجمة القديرة الأستاذة هبة ناصر، وفضيلة حجّة
(11)الإسلام والمسلمين الدكتور حامد فيّاضي الذي تولّى اختيار المقالات وتقييمها والإشراف العلمي على ترجمتها، والأستاذ السيّد محمد رضا الطباطبائي، مسؤول قسم النشر، وسائر الزملاء الكرام.
ونأمل، بتوفيق الله تعالى، أن يُسهم هذا العمل في الارتقاء المعرفي والروحي للمجتمع في سبيل الحياة الطيّبة الإلهية، والاستنارة بنور التوحيد، ونيل سعادة العبودية، بمنّه وكرمه، إنّه وليّ التوفيق، والحمد لله ربّ العالمين.
السيّد محسن الموسوي
المركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية - فرع قم
(12)في هذا العصر الذي تتعدّد فيه التيّارات الفكرية والفلسفية، وتتشابك أحيانًا بتناقضاتها، ومع الانتشار المتسارع للنزعات الإلحادية والعلمانية، تزداد الحاجة إلى الدفاع العقلي والمنهجي عن الإيمان بالله، بوصفه من المهام الأساسية المناطة بالعلماء والمفكّرين المؤمنين.
يأتي هذا الكتاب، الموجّه بالدرجة الأولى إلى المثقّفين العرب، استجابةً لهذه الحاجة، إذ يضمّ نخبة مختارة من المقالات الفلسفية المنشورة في الإطار الأكاديمي الغربي المتخصّص في فلسفة الدين، والتي تتناول بالدراسة والتحليل قضيّة إثبات وجود الله، في مواجهة التحدّيات الإلحادية المعاصرة. ولا يقتصر هدف الكتاب على عرض نماذج من الفكر الفلسفي الغربي، بل يسعى أيضًا إلى تمكين القارئ من أدوات عقلية واستدلالية تعينه على فهم الأسئلة الإلحادية والردّ على شبهاتها. ورغم أنّ هذه المقالات نابعة من سياقات ثقافية وتاريخية مغايرة للسياق الإسلامي، فإنّها تظل تقدّم محتوىً غنيًّا، قابلًا للتفاعل والتوظيف في الخطاب الفكري الإسلامي، بما يعزّز من قدرة هذا الخطاب على مواكبة التحوّلات المعاصرة.
وقد اختيرت هذه المقالات بعناية من أحدث ما نُشر عن دور النشر الأكاديمية الغربية، وهي تمثّل طيفًا غنيًّا من المناهج والمدارس الفلسفية، وتتناول موضوع إثبات وجود الله من زوايا متعدّدة. تتناول المقالتان الأولى والثانية ما يُعرف
(13)بـ«الحجّة الأنطولوجية»، وهي حجّة عقلية خالصة تنطلق من تحليل مفهوم الله لإثبات وجوده دون الاعتماد على معطيات تجريبية. يعرض المقال الأول تطوّر هذه الحجة منذ أنسلم وصولًا إلى صيغها الحديثة التي تستفيد من منطق الجهة، بينما يقدّم المقال الثاني قراءة نقدية لصيغة بلانتينغا، مع اقتراح تعديلٍ مستلهمٍ من أفكار آيريس مورداك لتعزيز قوّة البرهان. أما «الحجّة الكونية» القائمة على الملاحظة التجريبية للكون، فتتناولها المقالتان الثالثة والرابعة؛ تتتبّع الأولى تطوّرها من أرسطو وتوما الأكويني إلى صيغها المعاصرة، فيما تركّز الثانية على «الحجّة الكونية الكلامية» باعتبارها صيغة معاصرة تستلهم جذورًا إسلامية. وتعالج المقالةُ الخامسة «الحججَ الغائية» المستندة إلى النظام والغاية في الكون، وتوضح كيف استخدمها فلاسفة كتوما الأكويني وويليام بيلي، ومفكّرون معاصرون مثل ريتشارد سوينبورن، للاستدلال على وجود مصمّم ذكي. في حين تتناول المقالةُ السادسة «حجةَ الضبط الدقيق» التي ترتكز على التناسق الدقيق في الثوابت الفيزيائية لبيان استبعاد المصادفة، واعتبار وجود خالق عاقل تفسيرًا مرجّحًا. أما المقالة السابعة، فتركّز على «الحجّة الأخلاقية»، من خلال تحليل الواقع العيني واللزوم الموضوعي للقيم الأخلاقية، وتعرض صورتين من البرهان: إحداهما قياسية، والأخرى تفسيرية ترى في وجود الله أفضل تفسير لواقع الإلزام الأخلاقي، وترجّح المقالة الصيغة التفسيرية بوصفها حجة قويّة تواجه الإلحاد المعاصر. وتتناول المقالةُ الثامنة «التجربةَ الدينية» بوصفها أساسًا معقولًا للإيمان بالله. ومن خلال تحليل الخبرة الشخصية للشعور بحضور إلهي، تُبيّن المقالة كيف يمكن للتجربة الدينية أن تشكّل أساسًا لحجّة معرفية معتبرة على وجود الله.
(14)أما المقالة التاسعة، فتعيد قراءة «رهان باسكال»، مبيّنةً أنّ الإيمان بالله - حتى مع غياب اليقين البرهاني - يُعدّ خيارًا عقلانيًا راجحًا من منظور الموازنة بين الأرباح والخسائر. وتعرض المقالة العاشرة إمكان عقلانية الإيمان بوجود الله حتى في غياب دليل مباشر، مستندة إلى نظريات معاصرة في الإبستمولوجيا، تُظهر أنّ كثيرًا من معتقداتنا تنشأ بطرق غير استدلالية، لكنّها تبقى مبرَّرة ومعقولة، وأنّ الإيمان بوجود الله قد يندرج في هذا النمط من الاعتقاد. وفي آخر أربع مقالات، يركّز المؤلّفون على نقد الإلحاد المعاصر، من خلال تحليل منطقي وفلسفي يكشف تناقضاته الداخلية وهشاشة بعض فرضيّاته.
وإلى جانب تقديمه لأحدث النتاجات الفلسفية الغربية في الدفاع عن وجود الله، يكشف هذا الكتاب خطأ التصوّر الذي يروّجه بعض الملاحدة بأنّ الإلحاد يُعدّ من لوازم التقدّم العلمي والتقني، كما هو شائع في تصوّرهم عن الغرب، ويُظهر في المقابل الحضور الفاعل والقوي للمؤمنين في الساحة الفكرية الغربية.
وفي الختام، أتقدّم بخالص الشكر وعميق الامتنان إلى جميع من أسهم في إنجاز هذا العمل، وفي مقدّمتهم فضيلة حجة الإسلام والمسلمين الدكتور السيد هاشم الميلاني، رئيس المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية، على دعمه الكريم وتوجيهاته السديدة، كما أتوجّه بالشكر إلى سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد محسن الموسوي على رعايته الكريمة ومتابعته الدقيقة لهذا المشروع حتى اكتماله. ولا يفوتني أن أعرب عن بالغ تقديري للأستاذ السيد محمد رضا الطباطبائي، مسؤول وحدة النشر، ولزميله الدكتور أحمد قطبي، لما بذلاه من جهود مشكورة في مراحل إعداد هذا العمل ونشره. كما أتقدّم بخالص الشكر للدكتور علي محمد بورإبراهيم على ما قدّمه من تنسيق ومتابعة فعّالة كان
(15)لها دور ملموس في إنجاز هذا المشروع. وأشكر الأستاذ محمدرضا الخاقاني على ملاحظاته القيّمة التي زادت النص وضوحًا وبيانًا.
ونسأل الله تعالى أن يكون هذا الجهد مساهمة صادقة في ترسيخ الوعي الإيماني والمعرفي، وخطوة مباركة على طريق السلوك إلى الله، ابتغاءً لوجهه الكريم. نرجو أن يكون فيه ما يُعين على إنارة البصيرة، والتقرّب إلى الله، بفضله ومنّه. إنّه سميع الدعاء، وهو وليّ التوفيق، والحمد لله ربّ العالمين.
حامد فياضي
(16)جايسن ميغيل
ألهمت الحجج الأنطولوجية على وجود الله كمًّا كبيرًا من المؤلّفات التي صدرتْ خلال الألفيّة المنصرِمة، وما زال الجدالُ حول هذه الحجج مُستمرًا. شكّلت السنوات الخمسون الماضية على وجه الخصوص عصرًا ذهبيًا شهدته هذه الحجج حيث صدرتْ مؤلفاتٌ مثيرة للاهتمام تتمحورُ حولَ نماذج أقدم منها، فضلًا عن صياغة نماذج موجّهاتية أحدث منها.
في العام 1078، أنشأ القدّيس أنسيلم الحجة الأنطولوجية الأولى التي أثارت مقدارًا هائلًا من النقاش على مدى القرون العشرة التالية، وهو نقاشٌ ما زال حيًا إلى يومنا الحالي. تُقدِّمُ هذه المقالة نظرةً عامة حول هذا النقاش. سوف أتناولُ في القسم الأوّل الحجة الأصليّة وبعضَ الاعتراضات القديمة الموجّهة ضدّها من قِبل غاونيلو. في القسم الثاني، سوف أُناقشُ الجهودَ الفكرية حول الحجة التي برزت في الحقبة الحديثة المبكّرة، مُركِّزًا على صيغتَيْ كلٍّ من ديكارت
(17)ولايبنتس للدليل فضلًا عن الاعتراضات الجديرة بالملاحظة التي طرحها هيوم وكانط -من بين آخرين- ضدّ الحجة. أمّا في القسم الثالث، فإنّني سوف أُناقشُ المحاولات الرامية إلى إعادة تأهيل الحجة في القرن العشرين باستخدام منطق الجهة، مع تركيزٍ خاص على صيغة ألفين بلانتينغا للحجة الأنطولوجية. وفي القسم الرابع، سوفَ أختِمُ بمناقشة المؤلّفات المعاصِرة حول الحجة.
يعودُ أصلُ الحجة الأنطولوجية إلى كتاب القدّيس أنسيلم تحت عنوان «بروسولجيون». ثمّة خلافاتٌ تأسيسية متنوّعة تُحيطُ بالحجة. أشارَ أُوبي إلى أنّ البعض قد أنكرَ أنّ أنسيلم كان في طور إثبات وجود الله أصلًا. رغم ذلك، تتّفقُ الأغلبية أنّ أنسيلم كان يُحاولُ إثباتَ وجود الله، ولكن يختلفُ آخرون حول مكان وجود الدليل في النص. ثمّة اختلافٌ أيضًا حول عدد الحجج الأنطولوجية المتمايِزة التي قدّمها أنسيلم، بينما يُجادِلُ آخرون حول ماهية الدليل.
(18)بالفعل، ناقشَ أُوبي خمسَ محاولاتٍ مُتمايزة بُغية أن يذكرَ بوضوحٍ حجة أنسيلم.
رُغم ذلك، ثمّة «شرح معياري» لحجة أنسيلم، وهي من النوع الذي قد يصلُ إلى أسماع الفرد في دورةٍ تعليمية عنوانها «مقدّمة إلى الفلسفة» مثلًا، وسوف أُركِّزُ على هذه «الرواية المعيارية». يُعتَقَدُ بشكلٍ واسعٍ أنّ المقطع التالي هو مقطعٌ مهمٌ من صيغة أنسيلم للحجة:
«وعليه، حتّى الأحمق يقتنعُ بأنّ الشيء الذي لا يُمكنُ تصوُّر شيءٍ أعظم منه هو موجودٌ في الفهم، لأنّه حينما يسمعُ ذلك يفهمه، وكلُّ ما يتمُّ فهمه هو موجودٌ في الفهم. ومن القطعي أنّ الشيء الذي لا يُمكن تصوُّر شيء أعظم منه لا يُمكن أن يكون موجودًا في الفهم فقط، لأنّه إذا كان موجودًا في الفهم وحده، يُمكن تصوُّر وجوده في الواقع أيضًا وهذا أعظم. وعليه، إذا كان الشيء الذي لا يُمكنُ تصوُّر شيءٍ أعظم منه موجودًا في الفهم وحده، فإنّ الشيء الذي لا يُمكن تصوُّر شيءٍ أعظم منه هو نفسه ما يُمكنُ تصوّر شيء أعظم منه، وهذا قطعًا مُحال. وعليه، من دون ريب، الشيء الذي لا يُمكنُ تصوُّر أعظم منه هو موجود، في الفَهم وفي الواقع.»
يؤخَذُ الدليل بشكلٍ عام كالتالي:
1. الله، وفقًا للتعريف، هو «أعظم موجود قابل للتصوُّر». لا يُمكنُ أن نتصوّر موجودًا أعظم من الله.
(19)2. المؤمنون والملحدون (أو «الحمقى») على السواء يُمكنهم أن يتّفقوا بأنّنا نملكُ -على الأقل- فكرة الإله، ولكنّهم يختلفون حول إذا ما كانت تتطابقُ هذه الفكرة مع شيءٍ ما في الواقع. مع ذلك، لدينا فكرة عن هذا الموجود الأعظم القابل للتصوُّر.
3. فلنفترض، وفقًا لقياس الخُلف، أنّنا نملكُ فكرة الموجود الأعظم القابل للتصوُّر ولكنّ هذا الكيان غير موجود بالفعل. كما أنّنا نتصوّر وجود حصان وحيد القرن ولكن لا وجود فعلي له، فإنّنا نملكُ تصورًا عن الله ولكن لا وجود له.
4. ولكنّ هذا تناقض، فمن المؤكّد أنّ الوجود الواقعي هو أعظمُ من الوجود فقط في أذهاننا كتصور. الكائن الموجود كتصوّرٍ فقط ليس عظيمًا كالكائن الموجود كتصوّر والموجود أيضًا بشكلٍ فعليٍ في الواقع. في النهاية، هل تُفضِّلُ أن تملك مئة دولار في المصرف، أو تُفضِّلُ مُجرّد فكرة وجود مئة دولار في المصرف؟ لا يُمكنُ أن يكون الموجود الأعظم القابل للتصوُّر موجودًا فقط كتصوُّرٍ في أذهاننا، وعليه يتحتّمُ أن يكون هذا الموجود -الذي هو، استنادًا إلى التعريف، الموجود الأعظم القابل للتصوُّر- موجودًا في الواقع أيضًا.
5. وعليه فإنّ الافتراض الثالث هو خطأ، فلا يُمكنُ لهذا الموجود الأعظم القابل للتصوُّر أن يوجد فقط كتصوُّرٍ في أذهاننا وأن يفشل في أن يُوجد في الواقع. وعليه، فالله موجود.
حاولَ أنسيلم أن يُثبتَ وجود الله من الدعوى البسيطة المتمثّلة في أنّنا نملكُ تصوُّر الإله. نظرًا إلى الشرح المعياري للحجة الأنطولوجية، ثمّة اختلاف بين هذه الحجة وبين المحاولات العديدة الأخرى لإثبات وجود الله، وهو أنّ الحجة
قَبلية، أي إنّه لا يلجأ إلى الدعاوى التي يُمكن اكتسابها معرفيًا فقط من خلال التجربة. تعتمدُ كثيرٌ من الأدلة على وجود الله على مقدمة واحدةٍ على الأقلّ يُمكنُ إدراكها عبر التجربة فقط. على سبيل المثال، بُرهان التصميم الذكيّ يعتمدُ على الدعوى التجريبية التي تُفيدُ أنّ المخلوقات الحيّة تُظهِرُ البُنية والنظام، وهذا يدلُّ على أنّ مُصمِّمًا ذكيًا قد أنشأها. ولكن لا تلجأ الحجة الأنطولوجية إلى أيّ ادّعاءاتٍ تستلزمً مُراقبةَ طبيعة العالم. إضافة إلى ذلك، كثيرًا ما يُقالُ بأنّ الحجة هي «تحليلية»، وهذا يعني على وجه التقريب أنّ المرء يحتاجُ فقط للجوء إلى معاني الكلمات المتضَّمَنة للتوصّل إلى النتيجة؛ وقد حاول أنسيلم أن يُثبت وجود الله من معنى عبارة «أعظم موجود يُمكن تصوُّره». على سبيل المثال، يُمكن أن نسنتنج بأنّ رجلًا ما هو غير مُتزوّج إذا كان «أعزبًا»، وكذلك يُمكنُ أن نسنتنج (كما يُزعَم) أنّ شيئًا ما هو موجود إذا كان هو الموجود الأعظم القابل للتصوُّر.
تتمثّلُ إحدى الإستراتيجيات لإبطال الدليل في إنكار المقدمة (2)، وبالفعل لقد أنكر البعض أنّنا نملكُ فكرة الإله. قد يتّخذُ هذا الإنكار أشكالًا متنوّعة. لعلّ مفهوم الإله مُتلاحِم أو متّسق تمامًا، ولكنّ العقول البشرية -ربما بسبب المحدوديات المتنوّعة أو ببساطةٍ بسبب عدم إمكانية فهم الله- تفتقدُ للقدرة على إدراك هذا المفهوم. لعلّ المفاجئ هو أنّ أكويناس، الذي عُرف عنه محاولته لإثبات وجود الله، قد رفضَ الدليلَ الأنطولوجي، ويعودُ السبب وراء ذلك -على الأقلّ جزئيًا- إلى هذه المخاوف. وفقًا لأكويناس:
«بينما يُمكنُ أن نسردَ عبارة «الموجود الذي لا يُمكن تخيُّل أعظم منه» في
(21)أذهاننا، إلا أنّنا لا نملكُ فكرةً عن المعنى الحقيقي لهذه السلسلة من الكلمات. وفقًا لهذا الرأي، يختلفُ الله عن أيّ حقيقةٍ أخرى نعرفها. بينما يُمكن أن نفهم ببساطةٍ مفاهيم الأشياء المحدودة إلا أنّ مفهوم الكائن العظيم لانهائيًا يُحجِّمُ الفهمَ البشري المحدود. يُمكننا بالطبع أن نُحاول ربطَ عبارة «الموجود الذي لا يُمكن تخيُّل أعظم منه» مع مفاهيم محدودة هي أكثر إلفة، ولكنّ هذه المفاهيم المحدودة هي بعيدة جدًا عن أن تكون وصفًا ملائمًا لله، وعليه من المنصِف أن نقول بأنّها لا تُساعدنا في حيازة تصوُّر تفصيلي حول الله. »
ثمّة اعتراض شهير وقديم جدًا صاغه غاونيلو في وجه الدليل الأنطولوجي. أنتجَ غاونيلو «مُحاكاةً تهكُّمية» لحجة أنسيلم، أي إنّه قد صاغ نسخة معدّلة يسيرًا عن حجة أنسيلم لإثبات وجود شيءٍ مُنافٍ للعقل، وهذا يُلقي بظلال التشكيك على دليل أنسيلم. خُذ مثلًا «أفضل جزيرة يُمكن تصوُّرها»، وهي أكمل جزيرة يُمكن تخيُّلها حيث تتمتّع شواطئها بالعدد المثالي من حبوب الرمال وتتميّزُ حبّاتُ جوز الهند فيها من كلّ النواحي وما إلى ذلك. افترِض أنّنا استحضرنا فكرة هذه الجزيرة التي هي أفضل جزيرة يُمكنُ تصوّرها. وفقًا لاستدلال أنسيلم، من الأفضل أن توجد هذه الجزيرة في الواقع بدلًا من تحقّقها كفكرةٍ فحسب (لأنّ الوجود الفعلي يجعلها أعظم)، وبالتالي فالجزيرة موجودة. ولكنّ هذا مُنافٍ للعقل، ومن الواضح أن لا وجود لهذه الجزيرة. إذا كان بالإمكان توظيف الشكل الأساسي لدليل أنسيلم لإثبات هذه الأمثلة المنافية للعقل، فثمّة شيء
(22)خطأ في دليل أنسيلم. ما زال يُثيرُ اعتراضُ غاونيلو النقاشَ إلى يومنا الحالي. للاطّلاع على مُحاولتين حديثتَين لتقويض هذا الاعتراض، راجع ما كتبه دانييليان ووارد .
شكّلَ اعتراضُ غاونيلو مخطّطًا تبعه الخصومُ اللاحقون للأدلة الأنطولوجية. حتّى في يومنا الحالي، ثمّة إستراتيجية شائعة لإبطال الأدلة الأنطولوجية تتمثّلُ في مُحاكاتها تهكُّميًا. كما كتبَ أُوبي:
«الأدلة الأنطولوجية الإيجابية، أي الأدلة لصالح وجود الإله (الآلهة)، تقبل دائمًا أنواعًا مُختلفة من المحاكاة التهكُّمية، أي الأدلة الموازية التي تبدو على الأقلّ مقبولةً بالتساوي لغير المؤمنين ولكنّها تؤسِّسُ لاستنتاجاتٍ مُنافية للعقل أو مُتناقِضة. في كثيرٍ من الأدلة الأنطولوجية الإيجابية، ثمّة عدد من حالات المحاكاة التهكمية التي تزعمُ إثبات عدم وجود الإله (الآلهة)، وفي كثيرٍ من الأدلة الأنطولوجية الإيجابية ثمّة أعدادٌ كبيرة (غالبًا لانهائية هائلة!) من الأدلة المماثلة التي تزعمُ إثباتَ وجود أعداد كبيرة (غالبًا لانهائية هائلة) من الكائنات المتمايزة الشبية بالآلهة. »
استخدمَ أُوبي كلمة «دائمًا» التي تُشيرُ إلى أنّه يُمكن تطبيق المحاكاة التهكمية، بطريقةٍ أو بأخرى، بحقّ كلّ موجود وحتّى بحقّ كل دليلٍ أنطولوجي مُمكن. هذا قابلٌ للخصام (وقد خاصمه البعض فعلًا)، ولكنّ النقطة الأساسية في مقطع أُوبي تبقى صامدة: قابلية التعرُّض للمحاكاة التهكُّمية هي مسألةٌ جدية تتّصلُ
(23)بكثيرٍ من الصيغ الموجودة للدليل الأنطولوجي، وحينما يُواجِهُ الخبراء دليلًا أنطولوجيًا جديدًا يشرعُ كثيرٌ منهم فورًا بالبحث عن مُحاكاةٍ تهكُّمية.
ثمّة مشاكل إضافية مُتّصلة بدليل أنسيلم، وسوف نُناقِشُ بعضها أثناء مُناقشة أدلةٍ أنطولوجية أخرى أحدث.
شكّلت الحقبة الحديثة المبكِّرة حقبةً محوريةً في تاريخ الأدلة الأنطولوجية، وقد شهدتْ تطوُّرَ بعضٍ من أفضل الصيغ المعروفة للدليل الأنطولوجي والاعتراضات عليها. صاغَ ديكارت في كتاب «التأمُّلات» دليلًا أنطولوجيًا يؤخَذُ عمومًا كالتالي:
1. يملكُ الله جميعَ صفات الكمال، أي إذا وُجدتْ خاصية يمكن أن يتّصف بها شيءٌ ما وهذه الخاصية هي كمالية، فالله يملكها.
2. الوجود كمال.
3. بالتالي، الله موجود.
يتّسمُ هذا الدليل بفضيلة البساطة، ولكنّه يُواجِهُ اعتراضات. إحدى الاعتبارات المباشرة هي أنّه من غير الواضح إذا كان الوجودُ كمالًا. على فرض وجود مجموعةٍ فرعيةٍ من جميع الصفات يُمكنُ تسميتها «كمالات»، وعلى فرض إمكانية أن نعرف أيًا من هذه الصفات هو موجودٌ في هذه المجموعة وأي منها هو غير موجود، فليس واضحًا أن يندرج الوجود في هذه المجموعة. قد يبدو غريبًا أن ندّعي بأنّ الوجود كمال؛ أليست بعضُ الأشياء موجودة ولكن كان من الأفضل أن لا توجَد؟ على سبيل المثال، كيف يكون سرطان البنكرياس
(24)الذي يملكُ خاصية الوجود أكثر كمالًا؟ أليس من الأفضل أن ينعدم سرطان البنكرياس؟ أثار دليلُ ديكارت الأنطولوجي كمًّا كبيرًا من المؤلفات؛ يُمكنكم أن تُراجِعوا ما كتبه نولان للاطّلاع على مقدّمةٍ تفصيلية حول دليل ديكارت الأنطولوجي، وأن تُراجعوا على سبيل المثال ما كتبه ألستون وأبروزيسي وفورجي للاطّلاع على مزيدٍ من النقاش.
أنجز لايبنتس أيضًا مجهودًا مهمًا حول الحجة الأنطولوجية. فلنستحضِر الآن إحدى النقاط المتعلّقة بهذه الحجة التي ناقشناها آنفًا: إذا كان مفهوم الله غير مُتناغم بنحوٍ ما، فلا نملكُ في الواقع تصوُّرًا حول الله وبالتالي لا يُمكن أن نُظهر بجهدٍ بسيطٍ أنّ وجودَ الله ينبثقُ مباشرةً من ذاك التصوُّر. كان لايبنتس مُدركًا بشدّة لهذا القلق، وكان هذا هو الدافع وراء أغلب مؤلّفاته حول الحجة. ذكرَ لايبنتس أنّ الحجة الأنطولوجية ينجحُ فقط إذا:
«صدقَ أنّ الكائن الأكمل أو الكائن الواجب الوجود هو مُمكنٌ ولا يستلزمُ تناقضًا، أو -ما يُساوي الأمر نفسه- أنّ الجوهر الذي ينشأ منه الوجود مُمكنٌ. ولكن ما دامَ لم يتمّ إثبات هذا الاحتمال، لا يُمكنُ بأيّ نحوٍ من الأنحاء أن نعتقد بأنّ وجود الله يُثبَتُ بشكلٍ كاملٍ عبر هذا الدليل».
(25)كثيرًا ما يذكرُ لايبنتس «أنّ الدليلَ الأنطولوجي نفسه يُثبِتُ فقط أنّه إذا كان وجودُ الله مُمكنًا، فالله موجود». بالفعل، لا يُمكنُ اعتبارُ الدليل تامًا حتى يتمّ إظهار أنّ الله أو واجب الوجود أو الكائن الذي ينبثقُ وجوده عن الجوهر هو مُمكن. سعى لايبنتس إلى أن يُظهر إمكانية وجود الله إذ:
«يُعرّف «الكمال» على أنّه «خاصية بسيطة إيجابية ومُطلقة، أو الخاصية التي تُعبِّرُ من دون أيّ قيود عمّا تُعبّر عنه». ومع هذا التعريف في اليد، لايبنتس إذًا قادرٌ على أن يدّعي عدم إمكانية وقوع التعارض بين الكمالات، لأنّ الكمال، بما هو بسيط ووضعي، غير قابل للتحليل ولا يُمكنُ حصره بحدود.»
تتمثّلُ إحدى وسائل تفسير دليل لايبنتس كما يلي: خُذ بعين الاعتبار الكمالَين (أ) و(ب). لا يُمكن أن يتجزّآ فهما «بسيطان»، وإذا أُخذ كلّ واحدٍ منهما بشكلٍ فرديٍ فلا يُمكنُ أن ينقسما إلى مكوّناتٍ إضافية قد تُناقِضُ بعضها بعضًا. حينما يؤخَذ (أ) معزولًا فلا يُمكن أن يُنتِجَ تناقضًا، والأمر نفسه ينطبق على (ب) وكذلك على أي كمالٍ آخر. إضافة إلى ذلك، نظرًا إلى أنّ (أ) و(ب) هما بسيطان، لا يُمكن استمدادُ تناقضٍ بينهما من خلال تجزأة (أ) و(ب) إلى قطعٍ، والعثور على قطعةٍ من إحداهما تُناقِضُ قطعةً من أخرى. إضافة إلى ذلك، لا يُمكن لكمالٍ آخر أن «يحدّ» أو «يتدخّل» أو يُناقِض (أ) و(ب) أو أيَّ كمالٍ غيرهما، وذلك لأنّ الكمالات من حيث التعريف لا يُمكنُ أن تكون محدودة. وعليه، يُمكن جمع أيّ
(26)كمالٍ مع أيّ كمالٍ آخر، من دون الخوف من الوقوع في التناقض. بذلك، يُمكن جمع كلّ الكمالات بشكلٍ متناغمٍ في الكائن نفسه، وبالتالي يكونُ الكائن الذي يحوي الكمالات كلّها مُمكنًا منطقيًا.
مع ذلك، لم يعتبر لايبنتس أنّ الحجة الأنطولوجية هي كاملة. كان يحملُ لايبنتس همًّا إضافيًا (ناقشناه آنفًا): لماذا نعتبرُ أنّ «الوجود هو كمال»؟ يذكرُ لوك ما يلي:
«يتحتّمُ على لايبنتس أيضا أن يُظهر بأنّ الوجود بحدّ ذاته هو كمال، وعليه يُمكنُ أن يُقال إنّ الكائن الذي يملكُ جميعَ الكمالات، الكائن الأكمل، هو موجود. بشكلٍ أدق، ينبغي أن يُظهر لايبنتس أنّ الوجود الواجب ينتمي إلى جوهر الله، وهذا ما يفعله في مقطعٍ قصيرٍ آخر يعودُ إلى هذه الحقبة حيث كتب: «مُجددًا، واجب الوجد هو عينه الكائن الذي ينبثقُ عن جوهره الوجود، لأنّ واجب الوجود هو ذاك الذي يوجد بالضرورة بحيث إنّ عدم وجوده يستلزمُ تناقضًا وبالتالي يتعارضُ مع مفهوم هذا الكائن أو جوهره». بتعبيرٍ آخر، لو كان الحال هو أنّ واجب الوجود هو عينه الكائن الذي ينبثقُ وجوده عن جوهره، ينبغي إذًا أن يكون الوجود بالفعل أحد خصائصه الأساسية».
بعبارةٍ وجيزة، وفقًا للتعريف، فإنّ واجب الوجود هو ذاك الذي يتحتّمُ وجوده، ومن التناقض أن لا يوجَد واجبُ الوجود. وعليه، فإنّ وجود واجب الوجود مُترتِّبٌ منطقيًا على مفهوم الوجود الواجب.
بينما كان ديكارت ولايبنتس أنصارًا للدليل الأنطولوجي، لم يكن جميعُ الفلاسفة في الحقبة الحديثة المبكِّرة كذلك. ساورَ القلق كُلًا من هوبز وهيوم -كما
(27)أكويناس قبلهما- من افتقادنا للإدراك اللازم لمفهوم الله ممّا يحولُ دون نجاح الأدلة الأنطولوجية. [إضافة إلى ذلك] لم يعتقد هيوم أنّ بإمكاننا إثبات وجود الله بحجة قَبلية:
«ثمّة شيءٍ مُنافٍ للعقل بوضوح في التظاهر بالبرهنة على أمر واقع أو إثباته بالحجج بطريقة سابقة على التجربة. ليس ثمّة شيء قابل للإثبات إلا إذا كان المنافي تناقضًا. لا شيء يُمكن تصوّره بشكلٍ مباشر يقتضي تناقضًا. كلُّ ما نتصوّرُ أنّه موجود، يُمكنُ أن نتصوّر أيضًا أنّه غير موجود. وعليه، ليس ثمّة كائن يقتضي عدمُ وجوده تناقضًا. بالتالي، لا يوجد كائن يُمكن إثبات نقيضه. »
يُمكن أن نتخيّل وجودَ وحيد القرن، ولكن يُمكنُ بسهولةٍ مُماثلة أن نتخيّل عدم وجوده. كذلك، يُمكن أن نتصوّر وجودَ واجب الوجود ويُمكنُ بسهولةٍ مُماثلة أن نتصوّر عدم وجوده. ولماذا نظنُّ أنّه يُمكن أن نُبرهن على وجود شيءٍ ما بطريقة قَبلية، فقد يُحتجّ أنّه لا يُمكنُ معرفةُ القيمة الحقيقية للادّعاءات على الوجود إلا من خلال مُراقبة العالم. لا يُمكنني على سبيل المثال أن أستدلّ على الادّعاء القاضي بوجود 24 كرسيًا في الغرفة، فعليّ أن أنظر إلى العالم كي أتحقّق من ذلك.
إحدى الاعتراضات الموجّهة ضد الحجج الأنطولوجية، الجديرة بالملاحظة والمنسوبة إلى الحقبة الحديثة المبكّرة، هي الادّعاء بأنّ «الوجود ليس محمولًا»، وما زال يُطرَح هذا الاعتراض بشكلٍ شائعٍ اليوم. يبدو أنّ صيغة ديكارت للدليل (وقد يُحتجّ أنّ ذلك يظهرُ أيضًا في صيغة أنسيلم وبعض الصيغ الأخرى على الأقل)، تفترضُ سلفًا أنّ الوجودَ هو خاصيةٌ يُمكنُ أن تملكها الأشياء،
(28)كالاتّصاف باللون الأزرق أو الحجم الكبير أو التمتُّع بالقوّة المطلقة، ولكن هل إنّ الوجود كذلك؟ هل الوجود خاصية أصلًا؟ كان هذا الاعتراض مُتوقَّع البروز بعد صدور كتاب ديكارت «التأمُّلات»، ويُرجَّحُ أنّ أول من أثاره كان غاسيندي. كتبَ نولان ما يلي:
«واجه العالِمُ التجريبي بيار غاسيندي الذي عاشَ في القرن السابع عشر ديكارت بهذا النقد في المجموعة الخامسة من الاعتراضات (ويستحقّ التقدير لأنّه كان أول من أفصح عنه): «الوجود ليس كمالًا، لا في الله ولا في أيّ شيءٍ آخر؛ بل إنّه ذلك الشيء الذي من دونه لا يُمكن أن تتحقّق أي كمالات». كما هو الحال مع أغلب الردود التي قدّمها ضدّ غاسيندي (والذي اعتبره ماديًا ومُراوغًا مقيتًا)، أجاب ديكارت ببعض الاقتضاب».
ساورَ هيوم قلقٌ مماثل، ولكنّ هذا الاعتراض يُنسَبُ عمومًا إلى كانط. حينما يعترضُ أحدُهم على الأدلة الأنطولوجية من خلال إنكار أنّ الوجودَ هو محمول، فيُحتملُ أنّه يقصدُ صيغة كانط لهذا الاعتراض. خُذ على سبيل المثال فكرةَ ورقةٍ مالية من فئة 100 دولار. تملكُ هذه الفكرة عدّة خصائص كاللون الأخضر والشكل المستطيل وما إلى ذلك. الآن، خُذ بعين الاعتبار إضافة خاصية الوجود المزعومة إلى هذه الفكرة. إنّ إضافة تلك «الخاصية» إلى الفكرة لا يُغيِّرُ طبيعةَ الفكرة بأيّ نحوٍ من الأنحاء؛ بمعنىً ما، إنّ فكرة ورقة المئة دولار هي نفسها سواء كانت هذه الورقة موجودة أم لا. يدلّ هذا في نظر كانط على أنّ الوجودَ
(29)ليس خاصيةً كاللون الأخضر أو الشكل المستطيل، بل إنّ الوجود ليس خاصيةً مُطلقًا. نظرًا إلى أنّ حجة ديكارت تفترضُ مُسبقًا أنّ الوجود يُشكِّلُ خاصية، ونظرًا إلى أنّ الوجود ليس خاصية، لا يُمكنُ أن ينجحَ حجة ديكارت. إحدى الأسئلة المثيرة للانتباه هي فيما إذا كانت تقعُ الصيغ الأحدث للدليل الأنطولوجي -التي سوف نناقشها قريبًا- فريسةً لاعتراض كانط. في الختام، تجدرُ ملاحظة أنّ البعض يُنكرُ أنّ هذا الاعتراض ينطبق حتى على جميع الصيغ الأقدم من الدليل. مثلًا، أنكرَ لوكهيد خضوعَ نموذج أنسيلم من الدليل لهذا الاعتراض.
طوّر علماءُ المنطق في القرن العشرين أنظمةً للمنطق الرسميّ قادرةً على التعامل مع مفاهيم الإمكان، أي ما يُمكنُ أن يحصل، ومع الوجوب، أي ما ينبغي أن يحصل. تُسمّى الأنظمة المنطقية القادرة على التعامل مع الإمكان والوجوب «منطق الجهة». يتمُّ التوصُّل إلى أنظمة منطق الجهة عمومًا من خلال إضافة مُسلَّمةٍ واحدة أو أكثر تتعلّقُ بالإمكان أو الوجوب إلى المنطق المعياري من الدرجة الأولى. يُعتقدُ عمومًا أنّ هذه المسلّمات هي غير إشكالية؛ مثلًا، لا أحدَ يُجادِلُ في ما يُسمّى المسلَّمة T (إذا كان P بالضرورة، فـP إذًا) ولكن عارضَ البعضُ أحيانًا الأنظمة الأقوى من منطق الجهة مثل S5 (التي سوف نشرحها في المقطع التالي).
إحدى المفاهيم المهمّة في منطق الجهة المعاصِر هو «العالم الممكن». يُشكِّلُ العالمُ الممكن إحدى الطرق التي يمكن أن يكون عليها الكون. العالمُ الفعليّ
هو عالمٌ ممكن؛ الكون الذي نعيشُ فيه هو بشكلٍ واضحٍ طريقةً واحدة لتحقُّق الكون. ولكن يبدو أنّ الأمور كانت لتكون مُختلفة عمّا هي عليه الآن من عدّة طرق. مثلًا، كان من الممكن أن يخسرَ ترامب الانتخابات الرئاسية في العام 2016. وعليه، يُفتَرضُ وجودُ عالمٍ ممكن حيث لا يكونُ ترامب رئيسًا. إذا كان شيءٌ ما صحيحًا في عالمٍ مُمكن واحدٍ على الأقل، فهو مُحتملُ الصحّة ويُمكن أن يكون صحيحًا. إذا كان الشيء صحيحًا في جميع العوالم الممكنة، فهو واجب الصحّة، ويجبُ أن يكون صحيحًا. وإذا كان الشيء غير ممكن، فهو لیس صحيحًا في أی عالمٍ ممكن. في ما يُحتملُ أنّه أهمّ تطورٍ في الدليل الأنطولوجي منذُ الحقبة المبكّرة المعاصِرة، قام بعضُ الفلاسفة بتوظيف منطق الجهة لتطوير نماذج جديدة ومتقدّمة إلى حدٍّ بعيد للدليل تُسمّى بـ«الحجج الأنطولوجية الموجّهاتية».
تمّت صياغة عدّة حجج أنطولوجية موجهاتية هامّة في القرن العشرين، ومن الأمثلة عليها نموذجَا غودل ومالكوم. سوفَ أُركِّزُ فيما يلي على النموذج الذي قدّمه بلانتينغا في العام1974. الصيغةُ الأولية التي طرحها بلانتينغا لحجّته هي
(31)مُعقَّدة، فقد طوّر وانتقد أدلةً مُتنوّعةً في جُهده الرامي للعثور على نموذجٍ صالح للتطبيق. تستندُ حجّة بلانتينغا النهائية على تعريفَين. يذكرُ بلانتينغا أنّ الموجود يكونُ «مُتميزًا بالحدّ الأعلى» إذا امتلكَ جميعَ الخصائص التي يُعتقَدُ أنّ الله يملكها في التراث اللاهوتيّ الغربيّ -أي القدرة المطلقة والعلم المطلقة وما إلى ذلك- في عالمٍ مُمكن. يكونُ الموجود «عظيمًا بالحدّ الأعلى» إذا كان مُتميزًا بالحدّ الأعلى بالضرورة، أي إنّ الموجود مُتميزٌ بالحدّ الأعلى في جميع العوالم الممكنة، وهذا يقتضي أيضًا الوجود في جميع العوالم الممكنة. وعليه، على سبيل المثال، فلنفترِض وجودَ عالَمٍ مُمكنٍ نُشيرُ إليه بـ(ع) يحوي الله، والله يملكُ جميعَ الخصائص التقليدية لصناعة العظمة، ولكن في عالمٍ آخر يفتقدُ هذا الموجود لإحدى الصفات الإلهية (مثلًا ربما لا يملك القدرة المطلقة). هذا الموجودُ مُتميِّزٌ بالحدّ الأعلى في (ع) ولكنّه ليس عظيمًا بالحدّ الأعلى (لأنّه يفتقدُ لبعض العظمة في عالمٍ واحدٍ على الأقل). ولكن إذا كان هذا الموجودُ مُتميزًا بالحدّ الأعلى في جميع العوالم الممكنة، فهو عظيم بالحدّ الأعلى. فلنفترِض الآن إمكانيةَ أن يتواجد كائنٌ عظيمٌ بالحدّ الأعلى، أي أن يوجد عالَمٌ ممكنٌ يحوي كائنًا عظيمًا بالحدّ الأعلى. ولكن بما أنّ هذا الكائن هو عظيمٌ بالحد الأعلى، وبما أنّ العظمة القصوى تستلزمُ التميُّز الأقصى والوجود في جميع العوالم الممكنة، يُمكننا أن نستدلّ بأنّ هذا الكائن هو «واجب بالإمكان». هذا الكائن مُمكن لأنّه موجودٌ في عالمٍ واحدٍ على الأقل، ولكّنه واجبٌ لأنّه وفقًا للتعريف يتواجدُ في جميع العوالم الممكنة، فهو واجبٌ بالإمكان.
تُشكِّلُ S5 إحدى المسلَّمات في منطق الجهات، وتنصُّ على أنّه إذا كان شيءٌ ما واجبًا بالإمكان، فهو واجب. وعليه، وفقًا لـS5، إذا وُجِد واجب الوجود في
(32)عالَمٍ واحدٍ مُمكن فإنّه يوجد في جميع العوالم الممكنة. (قد تبدو مُسلَّمة S5 غريبةً، ولكن يمكن القول أنّها ناجمة عن المعنَيَين البحتَين لـ«الإمكان» و«الوجوب» في منطق الجهة). وعليه، نظرًا لـS5، ونظرًا للادّعاء بأنّ الكائن العظيم بالحدّ الأعلى هو واجبٌ الإمكان، ينتجُ عن ذلك أنّ الكائن العظيم بالحدّ الأعلى هو واجب وبالتالي يوجدُ في جميع العوالم الممكنة، ومن ضمنها عالمنا. اللهُ موجود.
فيما يلي، نُقدّمُ الدليلَ بشكلٍ أكثر منهجية:
1. استنادًا إلى التعريف، يكونُ الموجود «عظيمًا بالحدّ الأعلى» إذا كان «مُتميِّزًا بالحدّ الأعلى» وموجودًا في جميع العوالم الممكنة.
2. من الممكن أن يوجد كائنٌ عظيم بالحدّ الأعلى؛ عالَم ممكن يحوي موجودًا عظيمًا بالحدّ الأعلى. بما أنّه عظيمٌ بالحدّ الأعلى، فإنّ هذا الكائن يوجد على نحوٍ واجب (وفقًا للتعريف). وعليه، الكائن العظيم بالحدّ الأعلى هو واجبٌ بالإمكان.
3. إذا كان الموجود العظيم بالحدّ الأعلى واجبًا بالإمكان، فإنّ الموجود العظيم بالحدّ الأعلى هو واجب الوجود. هذا مثال عن المسلّمة الموجهاتية S5.
4. وعليه، الموجود العظيم بالحدّ الأعلى هو واجبُ الوجود. هذا ينتجُ عن (2) و(3) وفقًا لقانون الاستلزام. هذا يعني أنّ الله موجودٌ في جميع العوالم، ومن ضمنها عالمنا.
يتّخذُ بلانتينغا موقفًا متواضعًا حيال دليله، فهو لا يدّعي أنّ الدليل يُشكِّلُ بُرهانًا غير قابل للدحض على وجود الله، ولكنّه يدّعي أنّ الدليل يجعلُ على الأقل الإيمان عقلانيًّا. يذكرُ بلانتينغا ما يلي:
«ينبغي أن يكون حُكمُنا على هذه النماذج التي أُعيدت صياغتها حول دليل
(33)القدّيس أنسيلم كما يلي: ربما لا يُمكنُ أن يقال بأنّها تُبرهن أو تُثبت نتيجتها، ولكن بما أنّه من العقلاني القبول بمقدمتها المركزية (أي أنّ هكذا كائن هو ممكن على الأقل)، فإنّها تُظهِرُ أنّه من المنطقيّ القبول بذلك الاستنتاج. »
مع ذلك، يُنكرُ البعض أنّ بلانتينغا قد نجحَ في إثبات هدفه المتواضع، وقد أثارت حجّته جدلًا حيويًا. يشكُّ أُوبي بأن يُقنع الدليل غير المؤمنين أو حتّى بضرورة أن يُقنعهم، وقد كتبَ ما يلي:
«أي شخصٍ يملكُ القسط الأدنى من العقلانية، ويفهمُ مقدمة الحجة ونتيجتها، وتُساوره الشكوك حيال الادّعاء بأنّه مقبولٌ عقليًا الاعتقاد بوجود كائنٍ يملكُ العظمة القصوى، سوفَ تُساوره الشكوك نفسها حيال الادّعاء بأنّه مقبولٌ عقليًا الاعتقاد بوجود عالمٍ ممكن يوجد فيه كائنٌ يملكُ العظمة القصوى. »
قد يُظنُّ أنّ الادّعاء بأنّ الله ممكن هو ادّعاءٌ معقولٌ وضعيفٌ نوعا ما؛ في النهاية، ربما يتّفق المؤمنون وغير المؤمنين على إمكانية وجود الله (رغم أنّ الملحد يُنكر وجوده). وعليه، ننتقلُ مع منطق الجهة إلى الادّعاء بوجود الله، وهذه هي الطريقة التي يُفترَضُ أن يسير عليها دليلُ بلانتينغا، ولكن يرفض أُوبي هذا الأمر. أيضًا قد يتساءل المرء حول إمكانية أن يُواجه دليلُ بلانتينغا مُناسباتٍ من المحاكاة التهكُّمية من الطراز الذي قدّمه غاوينيلو. يبدو أنّه يُمكنُ أن نُوظِّف دليل بلانتينغا لإثبات وجود كائناتٍ متنوّعة مُنافية للمنطق. كتبَ تولي ما يلي:
«فلتدلّ P على خاصيةٍ ما، وليتمّ تعريفُ خاصية الاتّصاف بأقصى قدرٍ من P على أنّها تلك الخاصيّة التي يملكها الشيءُ إذا -وفقط إذا- كان موجودًا ويتّصفُ بـ Pفي كلّ عالَمٍ ممكن. فإذا تمّ التسليم بأن خاصية الاتّصاف بأقصى قدرٍ من P
(34)هي مُثبَتة بالإمكان، فينتجُ عن ذلك أنها مُثبَتة. سوف يؤدّي هذا إلى عالمٍ مُزدحم بالسكّان، وسوف يؤدّي أيضًا إلى تناقضات».
خُذ على سبيل المثال خاصية «الإذابة». افترِض أنّه من الممكن لشيءٍ ما أن يكونَ مُذيبًا لغيره بالحدّ الأقصى، وبما أنّه يتمتّعُ بأقصى حدٍ من القدرة على الإذابة فهو موجودٌ في جميع العوالم الممكنة. ولكن لماذا لا نتصوّر حيازة شيءٍ آخر بشكلٍ ممكن لخاصية مُقاومة العوامل المذيبة بالحدّ الأقصى؟ بالتالي، يوجدُ هو أيضًا. وعليه، يُمكنُ أن نسنتج وجودَ كيانَين مُنافيَيْن للمنطق، وإضافة إلى ذلك فإنّ وجود كيانٍ منهما يُناقِضُ الآخر (لأنّ أحدهما يُذيبُ كلَّ شيء بينما الآخر غير قابل للإذابة).
الأعمالُ الفكرية الأحدث
شهدتْ العقودُ القليلة الماضية اهتمامًا متواصلًا بالأدلّة الأنطولوجية التقليدية والأدلّة الأنطولوجية الموجهاتية، فقد ظهرَ عددٌ من المقالات الحديثة في مجال مراجعة الأدلّة الأنطولوجية. كما يذكرُ أُوبي، وردت كثيرٌ من الأبحاث الحديثة حول الأدلة الأنطولوجية في الخلاصات والكتب التفصيلية والموسوعات وما إلى ذلك. على سبيل المثال، ثمّة نقاشاتٌ في مجال مراجعة الأدلّة الأنطولوجية فيما
(35)ألّفه:ليفتو، ماثيوز، لُو،أُوبي، ومايدول.
بالفعل، كُرِّستْ كتبٌ كاملة للأدلّة الأنطولوجية، وإحدى الأمثلة هي ما ألّفه شاتكوفسكي. سوف أختتمُ هذه المقالة بتقديم نظرةٍ عامة واسعة حول بعض المؤلّفات الحديثة.
تتمثّلُ إحدى التطوّرات المهمة في صياغة عددٍ من الأدلة الأنطولوجية الموجّهاتية الجديدة. إحدى الأمثلة الحديثة المثيرة للاهتمام هي «حجة الكمال الموجهاتي» من تأليف مايدول حيث سعى إلى إثبات وجود «الكائن الأعلى»، أي أعظم كائن ممكن بالضرورة. كما العديد من الحجج الأجدد، فإنّ حجة مايدول تقنيةٌ إلى حدٍ بعيد وتمّت صياغتها ضمن منظومة 2QS5 من منطق الجهة. ولكن رُغم تقنيتها، يُمكن أن نشرحَ مقدمات حجّته بعباراتٍ عادية. تستندُ الحجة إلى ثلاث مقدمات.
أولًا نفيُ أي «كمال» هو ليس كمالًا بذاته. مثلًا، على فَرض أنّ القدرة المطلقة هي كمال، فإنّ عدم هذه القدرة الكلية لا يُعدُّ كمالًا.
ثانيًا، الكمالاتُ تستلزمُ فقط كمالاتٍ أخرى. فمثلًا، إذا كان الخير اللامحدود كمالًا، وهذه الصفة تقتضي خصائص أخرى (كاللطف أو ما إلى ذلك)، فإنّ هذه المقتضيات هي كمالاتٌ أيضًا.
(36)ثالثًا، الاتّصاف بـ«العلوّ» أو أن يكون الموجود أعظم كائن ممكن بالضرورة، يُعدُّ كمالًا.
ثمّة أشياء كثيرة مُثيرة للإعجاب في حجة مايدول؛ على سبيل المثال، يُعرِّفُ مايدول بشكلٍ صريحٍ مُصطلح «الكمال» (إذا كان من الأفضل الاتّصاف بخاصيةٍ مُحدّدة عوضًا عن عدم الاتّصاف بها، فإنّ هذه الخاصية هي «كمال»). الحجة صحيحة بوضوح؛ وإذا كانت المقدمات صحيحة (وإذا قبلنا بمنظومة 2QS5)، يُمكنُ أن نستمدّ منطقيًا الدعوى بوجود كائنٍ أعلى. وظّفَ مايدول مقدماته كي يُظهِر أنّ الموجود الأعلى الفريد ممكن، وقد استننتجَ من مقدماته على سبيل المثال إمكانية وجود كائن على نحوٍ يستحيلُ لكائنٍ آخر أن يكون أعظم منه وبعد أن أثبت مايدول أنّ هذا الكائن ممكن، استطاعَ أن يستنتج ضمن منظومة 2QS5 أنّ هذا الكائن واجب، وبالتالي هو موجودٌ في جميع العوالم الممكنة.
ولكن كما جميع الأدلة الأنطولوجية، واجه الدليلُ اعتراضات. إحدى نقاط القلق هي أنّ مايدول وظّفَ صيغة باركان في بُرهانه؛ ويرى مايدول أنّ الاعتماد على هذه الصيغة هو أكبرُ ضعف في دليله. تقتضي صيغة باركان بعض الادّعاءات الموجهاتية التي يجدُ البعضُ أنّها غير معقولة. على سبيل المثال، وفقًا لصيغة باركان، فإنّ أي شيء ممكن الوجود في العالم الفعلي، فإنّه يوجَدُ فيه. ولكن أليس من المؤكّد أنّ بعض الأشياء هي مُمكنة الوجود في عالمنا ولكنّها ليستْ مُتحققة فيه (ولن تتحقّق قط)؟ قد يُظنُّ أنّ هذه النقطة واضحة أنّ التنِّين مثلًا رغم أنّه ممكن الوجود ولكن لن يوجَد قطّ أيُّ تنّين في عالمنا. ولكن وفقًا لصيغة باركان، إذا كان التنّين مُمكن الوجود فعليه أن يخرج إلى عالم الوجود في مرحلةٍ
(37)ما من الزمن. أقرّ أُوبي أنّ صيغة باركان هي مُثيرة للجدل وربما ينبغي رفضُها، إلا أنّه شنّ هجومًا مُختلفًا فقد رفضَ الفرضية الثانية للدليل التي تنصُّ على أنّ الكمالات تستلزمُ الكمالات فقط. ذكر أُوبي ما يلي:
«خُذ بعين الاعتبار صفة العلوّ أو السّفك الجماعي للدماء. وجودُ هذه الصفة مضمونٌ من قِبل مبدأ التجريد غير المقيَّد الذي ينتمي إلى 2QS5. فضلًا على ذلك، من الواضح إلى حدٍ كبير أنّ أيَّ شيءٍ يملكُ صفةَ العلوّ فإنّه يملكُ هذه الصفة الإضافية. ولكن من غير البديهي تمامًا أن نفترض أنّ الاتّصاف بإمّا العلوّ أو سفك الدماء يُعدُّ كمالًا. هذا واضحٌ على نحو الخصوص حينما نأخذُ بعين الاعتبار التفسير البديهي الذي منحه مايدول للكمالات: من الواضح أنّ الأمر ليس على نحوٍ بحيث إنّ الاتّصاف بإمّا السموّ أو سفك الدماء يُعدّ صفةً يُفضَّلُ الاتّصاف بها من عدمه. كان من الأفضل بكثير أن لا يتّصف ستالين أو هيتلر بهذه الصفة. هذه النقطة لا تقبل النقاش. »
ردّ مايدول على أُوبي، وردّ أُوبي عليه بدوره. راجع ما كتبه ميتكالف للاطّلاع على مزيدٍ من النقد على حجة مايدول. صاغ آخرون حديثًا نماذجَ جديدة من الحجة الأنطولوجية الموجهاتية. سعى بيرنستين مثلًا إلى أن يستنتجَ
(38)وجودَ الله من ادّعائين فقط: الله موجودٌ بالإمكان، والوجود الواجب هو كمال. دافعَ بيرنستين أيضًا على حجته في وجه بعض الاعتراضات التقليدية.
لا تُعدُّ كلُّ المؤلّفات الحديثة حول الحجج الأنطولوجية مُحاولاتٍ للعثور على نماذج جديدة عن الحجة، سواء كانت مُوجّهاتية أم غير ذلك. يتمُّ حاليًا مناقشةُ عددٍ من القضايا في المؤلفات الحديثة. على سبيل المثال، ابتكر البعضُ دفاعاتٍ جديدة عن دليل/أدلة أنسيلم. احتجّ ماثيوز وبايكر أنّ بعضَ الأشياء تملكُ قوىً سببية مباشرة، بينما تملكُ أشياء أخرى مثل بيغاسوس قوىً سببية غير مباشرة، أي يُمكنها أن تُسبِّب الأمور «عبر الأفكار والتصويرات والمؤلّفات التي يردُ فيها (بيغاسوس) ». مُسلّحًا بهذا التمييز، قاموا بصياغة نموذجٍ من دليل أنسيلم يُزعَم أنّه لا يعتمدُ على كون الوجود محمولًا. عارضَ مان دليلهم مُدعيًا مثلًا أنّهم قد فشلوا في إظهار أنّ الكائن الأعظم الذي يُمكنُ تصوّره هو ممكنٌ منطقيًا (كما شاهدنا، هذا اعتراضٌ ثابت على الأدلّة الأنطولوجية). بينما يبحثُ البعضُ عن طرقٍ جديدة للدفاع عن بُرهان أنسيلم، كشف آخرون مشاكل جديدة لم تُلحَظ من قبل في دليل أنسيلم. إحدى الأمثلة الجديرة بالملاحظة هي ما
(39)طرحه ميليكان الذي احتجّ أنّ دليل أنسيلم يُعاني من خطأٍ منطقيٍ بسيط، وهو غموضٌ في النطاق يُقوِّضُ الحجّة بشكلٍ كاملٍ ويُمكنُ تعميمه على نماذج أخرى من الدليل. كذلك، ما زال آخرون يُحاولون أن يُدافعوا عن الأدلة الأنطولوجية السابقة غير دليل أنسيلم أو أن يُفنّدوها. على سبيل المثال، حاول براس أن يُحسِّن الدليل الأنطولوجي الذي قدّمه غودل من خلال تأسيس إمكانية وجود الله عبر مبادئ أكثر معقوليةً من تلك التي وظّفها غودل.
برزت أيضًا بعضُ الجدالات الحديثة حول طبيعة الصفات الإلهية واتّساقها، وهذا الجدالُ مُتّصلٌ بشكلٍ مباشر بالدليل الأنطولوجي واللاهوت الأنسيلمي عمومًا. على سبيل المثال، استندَ ويتكوم إلى جدالاتٍ حديثة حول مفهوم «التأسيس» مُحتجًا بأنّ العلم المطلق مُحال، وبالتالي لا يُمكن أن يوجد إلهٌ كامل على الطراز الأنسيلمي. أمّا بيلز، فقد قدّم ردًا مُثيرًا للاهتمام على رأي ويتكوم، مُحتجًّا من بين أمورٍ أخرى أنّه لو كان ويتكوم مُحقًا فلا شيء حقيقي إذًا وأغلبُ
(40)الناس يؤمنون فقط بأشياء باطلة، وهذا يبدو غير معقول.
ربما، في مرحلةٍ ما، سوف يتلاشى الاهتمامُ المكثَّف بالأدلة الأنطولوجية، ولكن نظرًا إلى أنّ عُمر هذا الدليل هو ألف عام وما زال يُنتِجُ نقاشًا مُستعرًا إلى يومنا الحالي، فمن المستبعد أن يُهمَل هذا الدليل كليًا.
(41)المصادر
إليزابث بِرنز
يذكرُ ويليام رو أنّه «لا يُوجد عَرضٌ للدليل الأنطولوجي تم تطويره بعناية وقوة ووضوح مثل صياغة بلانتينغا ونقاشه للدليل في الصفحات 198-202 من [كتاب] «طبيعة الوجوب»، ودفاعه عن نموذجٍ موجّهاتي من ذلك الدليل في الصفحات 213-221».
(45)يرى رو، مع ذلك، أنّ دليلَ أنسيلم، كما أعادَ بلانتينغا صياغته، هو مُصادرة على المطلوب، وذلك لأنّه من أجل معرفة صِدق المقدمة الرئيسية –«يُمكن أن يوجد الله في الواقع»- يجب أن نعرف، بشكلٍ مُستقلٍ عن الدليل، أنّ الله موجودٌ فعلًا في الواقع. أحتجُّ في هذه المقالة أنّ رو يُركِّزُ على إعادة صياغة بلانتينغا لدليل أنسيلم على حساب النسخة المؤثرة لبلانتينغا نفسه من الدليل، وأنّه في الواقع، استبقَ بلانتينغا اعتراضَ رو وتناوله. رغم أنّني أعترفُ بأنّ ردَّ بلانتينغا ليسَ مُرضيًا تمامًا، إلا أنّني أقترحُ أنّه قد يكونُ من الممكن البناء على مجهود بلانتينغا وذلك من خلال زيادة خطوةٍ إضافية إلى الدليل المستخرَج من مؤلّفات آيريس مورداك تُظهِرُ أنّ وجودَ الله ليس مُمكنًا فحسب بل ضروري، وبالتالي فإنّ وجوده فعليّ.
يسعى بلانتينغا في كتاب «الله، الحرية، والشر» أن يُقدِّم نموذجًا عن دليله يُمكنُ أن يفهمه «المبتدئ [في] الفلسفة و... القارئ العام المفترض». تلخيصُ الدليل هو كالتالي:
1. ثمّة عالم ممكن حيث يكون للعظمة القصوى مصداق.
2. بالضرورة، يكونُ الكائن عظيمًا بالحدّ الأقصى فقط إذا كان يملكُ التميُّز
(46)الأقصى في كلّ عالم.
3. بالضرورة، يملكُ الكائن التميُّز الأقصى في كلِّ عالَمٍ فقط إذا كان يملكُ العلم المطلق والقدرة المطلقة والكمال الأخلاقيّ في كلّ عالَم.
4. إذا كان (1) صحيحًا، فثمّة عالَم ممكن «ع» حيث –لو كان حقيقيًا- لوُجِد كائن عليمٌ وقديرٌ وكامل أخلاقيًا قد ملكَ هذه الخصائص في كلّ عالَمٍ ممكن.
5. إذا كان عدمُ وجود كائن عليمٍ وقدير وكاملٍ أخلاقيًا مُستحيلًا في عالَمٍ ممكنٍ واحدٍ على الأقلّ، فهو مُحال في كلّ عالَمٍ ممكن لأنّ ما هو ممكن لا يختلفُ من عالَمٍ إلى آخر.
6. وعليه، فإنّ عدم وجود كائنٍ عليمٍ وقديرٍ وكاملٍ أخلاقيًا هو مُستحيل في عالمنا الفعليّ وفي كلّ عالَمٍ ممكن.
بعبارةٍ وجيزة، يُعادِلُ الدليل ما يلي:
أ. من الممكن وجود كائنٍ يملكُ العظمة القصوى، أي كائن يملكُ التميُّز الأقصى في كلّ عالَمٍ ممكن.
ب. بما أنّ عالمنا هو عالَمٌ ممكن، فيجب أن يتضمّن كائنًا يملكُ العظمة القصوى.
بتعبيرٍ آخر:
لا يوجد عالَم قابل للتصوُّر لا يوجد فيه كائن عظيمٌ يالحدّ الأقصى قابلٌ للتصوُّر.
(47)يضمُّ كتاب «طبيعة الوجوب» الذي نُشِر في نفس العام الذي صدر فيه كتاب «الله، الحرية، والشر» كمًا كبيرًا من مُحتوى الكتاب الثاني ولكن «بشكل أكثر دقة وكمالًا»، ويقدّم حجّة تستبدلُ «العظمة القصوى» بـ»العظمة التي لا يُعلى عليها». يحتجُّ بلانتينغا أنّه في حين أن هناك بعض الخصائص (مثل «كونه شخصًا بشريًا») التي تتحقق فقط في بعض العوالم، فإن هناك خصائص أخرى (مثل «كونه شخصًا في كل عالم») لا يمكن أن تتحقق في بعض العوالم فقط؛ هذه الخاصيّة هي «خاصية شاملة»، أي لها مصاديق إمّا في كلّ عالَم أو ليس في أيّ عالَم. يدّعي بلانتينغا أنّ «العظمة التي لا يُعلى عليها» هي خاصيةٌ على هذا النحو لأنّ عبارة «يملكُ العظمة التي لا يُعلى عليها» تُوازي الخاصيّة الشاملة المتمثِّلة بـ»امتلاك التميُّز الأقصى في كلِّ عالَم»، وبالتالي تلك العظمة التي لا يُعلى عليها لها مصداق في هذا العالم.
رُغم عنوان مقالته -«ألفين بلانتينغا والدليل الأنطولوجي»- يتمحورُ تركيزُ رو في الواقع على إعادة صياغة بلانتينغا لنموذج أنسيلم عن الدليل. هذا له أهمية لأنّه، كما يذكرُ بلانتينغا نفسه: «وجود النماذج المختلفة بشكلٍ هام يجعلُ أغلب «التفنيدات» التي يجدها الفرد في الكتب الدراسية تبدو سخيفةً للغاية».
فيما يلي نموذج عن إعادة صياغة بلانتينغا لدليل أنسيلم على نحوٍ يضمُّ تعديلاتٍ لاحِقة:
1. الله موجودٌ في الفَهم وليس في الواقع.
(48)2. الوجود في الواقع هو أعظم من الوجود في الفَهم وحده.
3. من الممكن أنّ الله موجودٌ في الواقع.
4. إذا كان الله موجودًا في الواقع، فإنّ الله سيكون أعظم ممّا هو عليه الله (من 1 و2).
5. من الممكن أن يوجد كائن أعظم ممّا هو عليه الله (من 3 و4).
6. من الممكن أن يوجد كائن أعظم من الكائن الذي ليس من الممكن وجود شيء أعظم منه (من 5، من خلال تعريف «الله».)
ولكن:
7. ليس من الممكن وجود كائنٍ أعظم من الكائن الذي ليس من الممكن وجود أعظم منه.
بالتالي، بما أنّ (6) و(7) مُتناقضان:
8. من الباطل أن يوجد الله في الفَهم ولكن ليس في الواقع.
رفضَ رو المقدمة الثالثة من هذا الدليل على الأسُس التالية: «إنّه مُصادرة على المطلوب إبستمولوجيًا لأنّه من أجل معرفة أنّ المقدمة الحاسِمة «من الممكن أنّ الله موجود في الواقع» هي صادقة، يجب أن نعرف أنّ الله موجودٌ بالفعل في الواقع». إذا كان وجودُ الله ممكنًا فقط بمعنى أنّ الله قد يوجد في الواقع وقد لا يوجد، فإنّ الله ليس أعظم كائن ممكن وذلك لأنّه سوف تحلّ مكانَ عظمة هذا الإله عظمةُ الكائن الذي لا يُمكن الشك في وجوده الفعليّ. ربما يُمكن تفادي
(49)انتقال رو إلى الإبستمولوجيا هنا من خلال الادّعاء بأنّ الدليل يعتمدُ على صدق المقدمة الحاسِمة التي ستتطلب حجةً إضافية لإثباتها. وعليه، يقترحُ رو أنّ علينا أن نقبل «فكرة أنسيلم بأنّ الله كائن قدير وعليم وخيِّر بشكلٍ كامل موجودٌ ليس بالإمكان بل بالوجوب»، ولكنّه يحتجُّ أنّ السؤال عن وجود هذا الكائن يبقى من دون جواب.
استبقَ بلانتينغا اعتراضَ رو في كتابيه «الله، الحرية، والشر» و»طبيعة الوجوب» حيث تناول تطبيق هذا الاعتراض على دليله. في المقطع ما قبل الأخير من كتاب «الله، الحرية، والشر»، لاحظَ بلانتينغا أنّه ما دام أنّ استنتاج نموذجه من الدليل يترتّبُ على مقدمته المركزية («أنّه من المحتمل أنّ العظمة القصوى لها مصداق»)فإنّ الدليل صحيح، ولكنّه يعترفُ أنّه رغم أنّه هو نفسه قد قبلَ بصدق هذه المقدمة وبالتالي يعتقدُ أنّ الدليل سليم، لن يفعل الجميع ذلك. مع ذلك، وفقًا لبلانتينغا، من الواضح أنّه «لا يوجد شيءٌ مُناف للعقل أو غير منطقي في القبول بهذه المقدمة». وعليه، يدّعي بلانتينغا أنّ الدليل «يُقيمُ ليسَ صدق الإيمان بالإله، بل مقبوليته العقلانية» وبالتالي يُنجز «واحدًا على الأقلّ من أهداف تُراث اللاهوت الطبيعي».
في كتاب «طبيعة الضرورة»، يتعمّق بلانتينغا في ادعائه بأن دليله –المشار إليه هنا بـ«الدليل أ»- ليسَ صحيحًا فحسب بل سليمًا أيضًا. استبقَ بلانتينغا اعتراضَ رو على صياغته لنسخة أنسلم من الدليل، مُلاحظًا اعتراض بعض الفلاسفة أنّه
(50)رغم أنّ دليله «أ» هو صحيح إلا أنّه «دائري أو مُصادرة على المطلوب بوضوح». في بعض الأحيان يلاحظ بلانتينغا أنّ «هذا التحفظ لا يحمل أكثر من الاعتراف بأنّ... مقدمة الحجة لا يمكن أن تكون صحيحة ما لم تكن نتيجتها كذلك». يُشير بلانتينغا إلى أن هذا «ليس اعتراضًا ذا أهمية كبيرة»—ومع ذلك، بالتأكيد، هذا هو الاعتراض نفسه الذي صاغه رو بعد خمسة وثلاثين عامًا. يدّعي بلانتينغا أنّ دليله ليس دائريًا على أساس أنّ نتيجته –العظمة التي لا يُعلى عليها لها مصداق في كلّ عالَم- لا يُشكِّلُ حجّةً على المقدمة الرئيسية للدليل: «العظمة التي لا يُعلى عليها هي مُتمثّلة احتمالًا». يرفضُ بلانتينغا أيضًا الادّعاءَ بأنّ دليله هو مصادرة على المطلوب، وذلك على أساس أنّه رُغم أنّه من الممكن بوضوح إنشاءُ دليلٍ يكون مصادرة على المطلوب، إلا أنّه فيما يتعلّقُ بالدليل «أ» «من غير الواضح بأيّ نحوٍ أنّ أي شخصٍ يقبلُ مقدّمته المنطقية يفعلُ ذلك فقط لأنّه يستخلصها من النتيجة». مع ذلك، يعترفُ بلانتينغا أنّ «الدليل ’أ‘ ليس جزءًا ناجحًا من اللاهوت الطبيعي» لأنّ مقدمات الأخير تُستمدُّ عادة من القضايا التي يقبلها تقريبًا كلُّ شخصٍ عاقل أو رشيد. استشهدَ بلانتينغا بالطرق الخمسة
(51)التابعة لأكويناس، والتي يبدأ كلٌّ منها بمقدمةٍ لا يُقدِم على مُنازعتها إلا القليل من قبيل أنّ بعض الأشياء تتحرّك، أنّ الأشياء تتغيّر، أو أنّه توجد كائنات ممكنة. يعترفُ بلانتينغا أنّ المقدمة المركزية في الدليل «أ» –أي أنّ «العظمة القصوى مُتمثّلة احتمالًا»- هي ليستْ من هذا النوع لأنّ الشخصَ العاقل والرشيد قد يرفضها، أو يبقى لاأدريًا، أو يقبل بدلًا من ذلك احتمال عدم الحالة القصوى –أي احتمال أنّ العظمة القصوى لا توجد في أيّ عالَمٍ ممكن. ولكن يمضي بلانتينغا إلى أن يقترح أنّه إذا كان من المسموح–كما احتجّ هيلاري بوتنام -التخلّي عن قوانين منطقية مُحدّدة كمبدأ التوزيع (الذي يقتضي أن يكون كلّ قضية إمّا صحيحًا أو باطلًا) لصالح تبسيط النظرية الفيزيائية، فمن المعقول القبول بمقدمة أنّ «العظمة القصوى مُمثّلة احتمالًا» من أجل تحقيق نفس الهدف في علم اللاهوت. بالفعل، قد يبدو أنّ اقتراح بوتنام لم يُقبَل بشكلٍ واسع، ولكنّ بلانتينغا يُقدّمُ لنا حالتين مُوازيتَين للتأمُّل فيهما:
1. «تُوجد، أو يُمكن أن تُوجد، أشياء ممكنة ولكن ليست فعلية.»
2. فيما يتعلّقُ بشيئين هما x وy والخاصية P، إذا كان y=x، فإنّ x يملكُ P إذا -وفقط إذا- كان y يملكُ P» (قانون لايبنتس).
يُشيرُ بلانتينغا أنّه في الحالتين، بالرغم من عدم وجود حججٍ مُقنعة إمّا لصالح القضية أو نقيضه، إلا أنّه ليس من غير المناسب فلسفيًا في أيٍّ من الحالتين القبول
(52)به أو توظيفه كمقدمة. يدّعي بلانتينغا أنّ هذا ينطبقُ على أغلب الادّعاءات الفلسفية وأنّه لو «اعتقدنا فقط بما هو غير مُتنازع عليه أو لصالح الأمر الذي يحظى بحججٍ غير قابلة للنزاع مُستمدّة من مقدمات غير مُتنازَع عليها، سوف نجدُ أنفسَنا مع فلسفةٍ هزيلة جدًا ومملّة جدًا». بالفعل، يحتجُّ بلانتينغا أنّنا نملك في هذا الوضع شيئًا هو أكثر بقليل فقط من القياس الاستثنائي مع وضع المقدَّم. بالتالي، يستنتجُ بلانتينغا أنّه ينبغي قول الشيء نفسه عن مقدمة «العظمة القصوى مُتمثّلة احتمالًا». وعليه، بينما لا يُمكن أن يُقال إنّ إعادات صياغة بلانتينغا لدليل أنسيلم تُثبتُ أو تؤسس نتيجتها إلا أنّه «بما أن قبول المقدمة الأساسية يُعد عقلانيًا، فإنها تُظهر أنه من العقلاني قبول تلك النتيجة». إضافة إلى ذك، يقترحُ بلانتينغا أنّه «ربما ذلك هو كلّ ما يُمكن توقّعه من أيّ حجّةٍ على هذا النحو».
ولكنّني أقترحُ أنّ بلانتينغا يُسلّم بأكثر مما يجب. يحتجُّ بلانتينغا أنّ الحالة الموازية الأولى التي قدّمها -»تُوجد، أو يُمكن أن تُوجد، أشياء ممكنة ولكن ليست فعلية»- تُشبه عبارة «العظمة القصوى مُتمثّلة احتمالًا» ما دامَ أنّه «إذا كان مُمكنًا، فهو صحيح وبالفعل صحيح بالضرورة». يعترض رو على نسخة بلانتينغا من حجة أنسلم قائلًا إنه إذا كان وجود الله ممكنًا فقط بمعنى أن الله قد يوجد في الواقع وقد لا يوجد، فإن الله ليس أعظم كائن ممكن، لأنّ عظمة هذا الإله ستتجاوزها عظمة كائن لا يمكنه ألا يكون موجودًا. وعليه، فإنّ أعظم
(53)كائن مُمكن هو ليسَ الكائن الذي قد يُوجد في الواقع وقد لا يُوجد، ولكن الكائن الذي لا يُمكن أن يفشل في الوجود – أي كائن موجود بالضرورة- وهذه هي النقطة التي حاولَ بلانتينغا أن يُبرزها في نموذجه الخاص عن الدليل. ولكن لا يُرينا بلانتينغا كيفَ يُمكن أن نبني دليلًا للاعتقاد بإلهٍ موجود بالضرورة، وأنا أقترحُ أنّه في هذا الموضع قد تُساعدنا خطوةٌ إضافية عن الدليل تُقدّمها مورداك.
ينتقلُ بُرهان مورداك الأنطولوجي من ادّعاء نورمان مالكوم أنّ كانط كان مُخطئًا في الاعتقاد بأنّ القضية «الله هو موجودٌ واجب» تعادل القضية الشرطية «إذا وُجِد الله، فهو موجود وجوبًا»، ومن ادعاء تشارلز هارتسثورن أنّه «ينبغي أن نقول بدلًا من ذلك «إذا كانت عبارة «الوجود الواجب» ذات معنى، فإنّ ما تعنيه موجودٌ بالضرورة، وإذا وُجِد بالضرورة فهو موجود من باب أولى». وفقًا للباحثَين، فإنّ وجود الله ليس كما هو في مُثّلث كانط حيث يُمكن أن نُنكر وجوده الممكن من دون الوقوع في التناقض. خاصية الوجود الضروري تخص الله وحده، مما يعني أنه من غير المناسب الإشارة إلى أنه «في موارد أخرى (مثلثات
(54)أو جزر) لا تُعدّ الوجود صفة».
وعليه، تحتجُّ مورداك أنّ دليل أنسيلم المبنيّ على الوجود الضروري هو ليس على هيئة «إن كان الله موجودًا فهو موجودٌ بنحو ضروري»، بل يحتجُّ أنسيلم أنّه «إذا كان مفهومُ الله ذا معنى (ليس مُناقضًا لذاته) يجب أن يوجد الله بنحوٍ واجب». هذا يثير التساؤل حول ما يُعدّ ذا معنى. رغم أنّ كلمة «الله» تملكُ المعنى بنحوٍ واضحٍ في الجُمل التي تحوي هذه الكلمة، وتاريخًا مُتاحًا لكلٍ من المؤمنين وغير المؤمنين، رفضت مورداك الرأي –الذي زُعِم أنّ مالكوم يعتقدُ به- بأنّ المفهوم يملكُ المعنى فقط ضمن اللعبة اللغوية للاعتقاد الدينيّ. تعتقدُ مورداك أنّ هذا التفسير هو «تحوّل خاطئ»؛ قد يُنقذ الدليل الأنطولوجي من انتقادات كانط، ولكنّ الدليل الذي يتمّ إنقاذه هو «[دليل] فارغٌ مع ميزاتٍ نحوية فحسب».
وعليه، تبحثُ مورداك عن توضيحٍ في حجة أنسيلم التكميلية، وهي «حجة درجات الخير»[6]، من الفصل الثامن من ردّه على غاونيلو:
«كلُّ شيءٍ أقلّ خيرًا، إلى الحدِّ الذي يكونُ خيرًا، هو كالخير الأعظم. وعليه من الواضح لأيّ عقلٍ رشيد أنّه من خلال الارتفاع من الخير الأدنى إلى الأعظم
(55)يُمكن أن نُشكِّل فكرةً وافرة عن موجودٍ لا يُمكن تصوُّر أعظم منه».
بعبارةٍ وجيزة، يُمكن أن نستنبطَ من تجربتنا المتعلّقة بمستوياتٍ مُختلفة من الخير وجودَ خيرٍ لا يُمكن تصوُّر أعظم منه.
نسخة مورداك عن هذه الحجة هي حجةٌ مبنية على التجربة الأخلاقية وتُعرف باسم «حجة انتشار الخير» لأنّها تلجأ إلى «إحساسنا بالله (الخير) على أنّه مُستَكشَف في كلِّ مكانٍ في العالَم». وفقًا لهذه الحجة، فإنّه، في تجارب الحياة اليومية:
«يُبيَّنُ لنا باستمرارٍ حقيقة ما هو أفضل والطبيعة الوهمية لما هو أسوء. نتعلّمُ عن الكمال والنقص من خلال قدرتنا على فهم ما نراه كصورةٍ أو كظلٍ لشيءٍ أفضل لا يُمكننا أن نراه لغاية الآن».
(56)تقترحُ مورداك أنّ وعينا بالفشل يُمكنُ أن يخدم أيضًا كمصدرٍ للمعرفة:
«نحن باستمرارٍ في عملية التعرُّف على بطلان «خيراتنا»، وعدم أهمية ما نعتبره مهمًا... نحنُ نكتشفُ في أدقّ تفاصيل حياتنا أنّ ما هو خير هو حقيقي». . وعليه، قد يُمكّننا الدليل الأنطولوجي من الادعاء «بمكانة ضرورية فريدة للقيمة الأخلاقية كشيء من المستحيل (بشكل فريد) أن يتم استبعاده من التجربة الإنسانية، وكشيء معروف بكونه حقيقيًا، إذا تمّ تصوره».
وعليه، احتجَّ كلٌّ من بلانتينغا ومورداك أنّ طبيعة الله/الخير تقتضي عدم إمكانية أن يفشلَ الله/الخير في أن يُوجد –أي أنّ الله/الخير موجود بالضرورة. ولكن بقيتْ في مواجهة بلانتينغا معضلةُ تتمثل في أنّه يمكن ببساطة رفض مفهوم إله لا يمكن أن يفشل في أن يوجَد. رُغم أنّ بلانتينغا يصفُ طريقَ أكويناس الرابع -وهو دليل غير مُختلف عن «دليل انتشار الخير» التابع لمورداك– على أنّه «أقلّ
(57)إثارة للإعجاب بكثير» من طريقه الثالث، إلا أنّني أقترح أن حجة مردوخ تمثل محاولة جريئة لمعالجة هذه المشكلة. تحتجُّ مورداك أنّ قُدرتنا على تحديد الأمثلة الكثيرة للخير التي هي ميزة مُشتركة لتجربتنا المتعلِّقة بالعالَم لا يُمكن أن تُفسَّر فقط بالوجود الضروري لمعيارٍ مثاليٍ للخير، وأنّ هذا، أو الحقيقة النومينية التي تكمنُ خلفه، هو ما يرمز إليه إله الإيمان الكلاسيكي.
وعليه، يُمكن تقديم دليلٍ مُتجدِّد مؤلّف من جزئين، يستفيدُ من أقوى عناصر مؤلّفات أنسيلم و بلانتينغا ومورداك كما يلي:
1. تملكُ العظمة التي لا يُعلى عليها التميُّز الأقصى (جميع الخصائص الجيّدة التي يُمكن أن يملكها منطقيًا إلى الحدّ الأقصى) في كلّ عالَم ممكن.
2. من الممكن أن توجد العظمة التي لا يُعلى عليها.
أ) بالضرورة، يوجد التميُّز الأقصى في أيّ عالَمٍ يحتوي مُستوياتٍ من الخير.
ب) الخير بمستوياته المتفاوتة مُنتشر في عالمنا.
ج) بالضرورة، يوجد التميُّز الأقصى في عالمنا.
ولكن من الواضح أنّه حتّى لو كان هذا الدليل المؤلَّف من جُزئين صحيحًا
(58)وسليمًا، ففي أفضل الأحوال لا يأخذنا أبعد من إمكان وجود العظمة التي لا يُعلى عليها، والتي يُدعَم الاعتقاد بواقعيتها إلى حدٍّ محدود من خلال دليل مورداك على الوجود الضروري للعظمة القصوى في عالمنا. وعليه، كما أنّ البعض (مثل براين دايفيس) قد احتجّ أنّ أدلّة أنسيلم في بروسلوجيون 2 و3 لا تُمثِّلُ –خلافًا لما اقترح آخرون (مثل هارتسثورن ومالكوم)- نوعين مُختلفين من الدليل الأنطولوجي، بل جزئين من الدليل نفسه، نحنُ بحاجةٍ إلى إعادة بناء إضافية لدليل أنسيلم/بلانتينغا/مورداك على نحوٍ يُشكِّلُ دليلًا واحدًا.
قد يُفيدُ هذا الدليل ما يلي:
أ) من الممكن وجود عظمةٍ لا يُعلى عليها –أي التميُّز الأقصى في كلِّ عالَمٍ مُمكن.
ب) بالضرورة، توجد العظمة القصوى في أيّ عالَمٍ يحتوي مُستوياتٍ من الخير.
ج) الخير بمستوياته المتفاوِتة مُنتشرٌ في عالمنا.
د) إن صحّ (ج)، بالضرورة، التميُّز الأقصى موجودٌ في عالمنا.
ه) إن صحّ (ج)، فمن المعقول أن نفترض أنّ كلّ عالَمٍ ممكن يحتوي مُستوياتٍ من الخير.
و) إن صحّ (ه)، بالضرورة، التميّز الأقصى موجودٌ في كلّ عالم ممكن.
ح) إن صحّ (و)، فإنّ العظمة التي لا يُعلى عليها موجودة فعلًا.
سوف أتناولُ في هذا القسم ثلاث اعتراضاتٍ مُمكنة على الدليل المعاد بناؤه.
1. الدليل ليس سليمًا لأنّه يُمكن رفض المقدمتين الأوليين («أ» و«ب»).
للوهلة الأولى، قد يبدو هذا الاعتراض مُوازيًا لاعتراض رو على تفسير
بلانتينغا لدليل أنسيلم –أي أنّ مقدمة «من الممكن أن يوجد الله في الواقع» هي مُصادرة على المطلوب. ولكنّ المقدمتين الأوليين من الدليل المعاد بناؤه ليستا مدعومتَين باللجوء إلى المعرفة المسبَقة المخفيّة بل بالاستدلال الاستخلاصي من الظواهر (المقدمة «ج») إلى فرضيةٍ تبدو معقولة في غياب البدائل المنطقية. طوّرَ جين فِندت دليلًا كان أفلاطون هو أول من طرحه، وادّعى أن العدالة بحد ذاتها هي التي تمكّننا من تصنيف مدى عدالة خمسة رجال. إضافة إلى ذلك، يقترحُ فِندت أنّ وجودَ العدالة يختلفُ من حيث النوع عن العدالة التي يُظهرها الرجال الخمسة العادلون، وإذا أنكرنا جوهر ما يوجد من خلاله أيُّ مقياسٍ للعظمة فلا يُمكننا أن نُصدر أيّ أحكامٍ مُطلقًا. وهكذا، فإن العدالة والخير هما الشرطان لتمكننا من وضع تنوعات العدالة والخير على مقياس. لا تُبطِل الاختلافات الدليل، لأنّنا إذا اختلفنا حول مكان وضع أمثلة العدالة أو الخير على المقاييس المناسبة، قد يُعتبَر أنّ هذا يُشيرُ إمّا إلى أنّ خصمنا قد أساءَ فهم طبيعة المعيار المثالي موضع السؤال أو أنّنا قد اختلفنا فيما يتعلّقُ بمدى تمثُّل المعيار المثالي مصداقيًا.
2. حتّى لو كان وجودُ التميُّز الأقصى ضروريًا في عالمنا، لا يترتّب على ذلك أن يحتوي كلُّ عالم مُستوياتٍ من الخير وبالتالي أن يحتوي كلُّ عالَم التميُّز الأقصى.
على سبيل المثال، قد يتساءلُ الفرد إذا كان يُعدّ عمومًا من الخير على كوكبٍ في كونٍ آخر توفير كائنٍ عاقل آخر بوسائل المعيشة ولكن من الأكثر خيرًا إلى حدٍّ كبيرٍ التضحية بالحياة الشخصية للحفاظ على حياة فردٍ آخر. جوهر الحجة، مع ذلك، هو أنه لا توجد مجموعة من الظروف يمكن تصورها لا يُعتبر فيها بعض الأشياء أفضل من غيرها، حتى لو اختلفت طبيعة الخيرات في التسلسل الهرمي بين عالم وآخر نتيجة للاختلافات في طبيعة تلك العوالم.
(60)3. الدليل ليسَ دليلًا أنطولوجيًا.
في الختام، قد يتمّ الاعتراض بشكلٍ منطقيٍ أنّ هذا ليسَ نوعًا أصيلًا من الحجة الأنطولوجية لأنّ الاستدلال الذي يُوظّفه ليسَ سابقًا على التجربة تمامًا؛ بما أنّه يعتمدُ بشكلٍ كبيرٍ على التجربة البشرية المتعلّقة بانتشار مُستويات الخير، فإنّ استدلاله هو بالدرجة الأولى بعد التجربة وبالتالي ينبغي إلغاءُ عضويته في مجموعة الحجج الأنطولوجية. ولكنّ «عنصر مُستويات الخير» مُستمدٌّ من «دليل مُستويات الخير» العائد إلى أنسيلم، ويُمكن العثور على نموذجٍ منه أيضًا في مؤلّفات الفارابي يعودُ إلى قرنين سابِقَين [على زمن أنسيلم]. وعليه، فإنّه حتّى أنسيلم، الذي يُعدّ بشكلٍ عام مُبدع الدليل الأنطولوجي، قد لاحظَ الحاجة لإنتاج دليلٍ داعمٍ على سبيل الردّ على اعتراض غاونيلو بأنّه غير قادر على التفكير بـ«ذاك الذي لا يُمكن التفكير بأعظم منه». احتجَّ أنسيلم أنّه إذا كان مفهومُ «ذاك الذي لا يُمكن التفكير بأعظم منه» ذو معنى، فالله موجود بنحوٍ واجب، ويُظهِرُ الدليل الداعِم أنّ مفهوم «ذاك الذي لا يُمكن التفكير بأعظم منه» هو بالفعل ذو معنى. فقط من خلال دعم الدليل بوسائل اللجوء إلى التجربة الأخلاقية يُمكن أن ندّعي بشكلٍ منطقيٍ أنّ مفهوم الله له مصداق؛ إنّها التجربة البشرية التي تُقوّي القسم السابق على التجربة من الدليل. كما يقترحُ فِندت، فَهِمَ أنسيلم أنّ معنى «الذي ليس أعظم منه» يُمكن أن يُدرَك فقط «من خلال استنتاج ذاك الذي لا يُمكن التفكير بأعظم منه على قاعدة تلك الأشياء التي يُمكن التفكير بما
(61)هو أعظم منها». بما أنّ البشر لا يُمكن أن يفهموا الطبيعة الحقيقية للبُعد الإلهيّ بشكلٍ كامل أو أن يُدركوه بشكلٍ مباشر، فإنّ أفضل طريقة يُمكن أن نأملها هي أن يُمكِّننا عنصرٌ ما من ذاك الذي نستطيعُ فهمه أو إدراكه من التقاط لمحاتٍ بينَ حينٍ وآخر للشيء المخفيّ عنّا بسبب محدوديات إنسانيتنا. كما تقترحُ مورداك، يُمكن أن تُوفِّر التجربة الأخلاقية البشرية بشكلٍ معقول هذا التبصُّر المفيد.
وعليه، فإنّ هذا الدليل هو بشكلٍ أساسيٍ دليل أنطولوجي لأنّه يستفيدُ من فكرة الكائن المثالي من كتاب أنسيلم «بروسولوجيون 2» (المقدمة «أ») وفكرة الوجود الواجب من «بروسولوجيون 3» (المقدمة «د»، من «ج»)، ولكن يحتوي أيضًا عناصر من كُلٍّ من الدليل المبنيّ على التجربة الدينية (المقدمة «ج») والدليل الأخلاقي (المقدمة «د»). يمكن القول إنّه ما دامَ يعتمدُ على «التأمُّل بالكَون الممكن أو... جزء منه»–وذاك الجزء هو، بالطبع، مصاديق الخير– فهو إذًا يحوي أيضًا عناصر من الدليل الكوزمولوجي؛ الله هو مصدر سلسلة الأشياء الجيّدة. بالفعل، قد يقولُ الفرد إنّ الدليل الأنطولوجي يتطلّبُ دعمَ دليلٍ كوزمولوجي -على خلاف ادّعاء كانط بأنّ الدليل الكوزمولوجي يتطلّبُ دعمَ الدليل الأنطولوجي على أساس أنّ الأخير فقط يُمكن أن يُوفِّر مفهومًا مُحدَّدًا تمامًا عن واجب الوجود. ولكن لعلّه يكون أكثر دقّة أن نقول إنّ هذه
(62)الأدلّة يعتمدُ بعضها على البعض. وفقًا لكانط، فإنّ الدليل المعيوب التالي للتجربة يعتمدُ على دليلٍ معيوب سابق على التجربة، ولكنّ الدليل الأنطولوجي المعاد بناؤه يدّعي أنّه يُمكنُ إصلاح نموذج الدليل السابق على التجربة المعيوب عبر دليلٍ داعمٍ مُستمد من تجربتنا الأخلاقية.
يلجأ الدليل الكوزمولوجي أيضًا إلى التجربة ليدّعيَ أنّ الإله هو التفسير النهائي لوجود كلّ شيءٍ نختبره في الكَون. يمكن فهم هذا على أنه شخصي بمعنى مجازي، وبالتالي قد ننجذب إلى ما هو أبعد من مفهوم الخير غير الشخصي الذي دافعت عنه مورداك، مقتربين من التوحيد الذي يجادل بلانتينغا لصالحه. هذا التفسير الأعلى هو الذي يُحدِّد ما هو خيرٌ للكَون، بما فيه كائناته الواعية التي يُشكّلُ البشر مجموعةً فرعيةً منها– أي طبيعة إنسانيتنا المخلوقة هي التي تُحدِّد ما هو صالح أو غير صالح للبشر، سواء كأفرادٍ أو كنوع بشري. وبالتالي، وهكذا، يمكن اعتبار الإله بمثابة العملية الخلاقة والخير الذي تحدّده، ويدعم الدليل الكوزمولوجي الاعتقادَ بوجود الحقيقة التي يُشيرُ إليها الدليل الأنطولوجي.
لقد احتججتُ أنّه رُغم عنوان مقالته -«ألفين بلانتينغا حول الحجة الأنطولوجية»- ما يعترضُ عليه رو في الواقع هو تفسير بلانتينغا لحجة أنسيلم الأنطولوجية. ولكن مع ذلك، يُمكن الاحتجاج بأنّ اعتراضَ رو ينطبقُ أيضًا على نموذج بلانتينغا نفسه عن الدليل الأنطولوجي، وبالتالي يفشل دليل بلانتينغا لأنّ المقدمة «من الممكن وجودُ كائنٍ عظيمٍ بالحدّ الأقصى في الواقع» تصح فقط
(63)إذا سبقَ وأن قبِل الفرد بنتيجة الدليل. استبقَ بلانتينغا نفسه هذا الاعتراض وردَّ عليه، ولكنّه أقرَّ أنّ الإنسان العاقل والرشيد يُمكن أن يرفض بشكلٍ مشروع المقدمة المركزية في دليله –أي أنّ «العظمة القصوى مُتمثَّلة احتمالًا»- لأنّه لا توجد أدلّة مُقنعة إمّا لصالحها أو ضدّها.
لقد أشرتُ إلى أنّ بلانتينغا يتنازل كثيرًا. لاحظّ بلانتينغا أنّه قد يقول أحدهم عن مقدمته المركزية إنّه «إذا كانت مُمكنة، فهي صحيحة وبالفعل صحيحة بالضرورة». ولكن إذا كانت مُمكنة فقط بمعنى أنّ الله قد يوجد في الواقع أو قد لا يُوجد، فإنّ عظمة كائن كهذا تتضاءل أمام عظمة كائن لا يمكن أن يفشل في الوجود. لقد احتججتُ أنّ مورداك هي التي استخرجتْ من مؤلّفات أنسيلم خطوةً إضافية في الدليل –أي خطوة تدعمُ الاعتقادَ بالوجود الواجب للحقيقة النومنية التي يكونُ كلٌّ من «الله» و«الخير» رمزين لها- مما يقرّبنا من نسخة متكاملة تمامًا من الدليل الأنطولوجي.
لقد قدّمتُ نموذجًا مُتجدِّدًا من الدليل مُستخدمًا عناصر من مؤلّفات أنسيلم وبلانتينغا ومورداك. لقد احتجّيتُ أولًا أنّ العظمة التي لا يُعلى عليها تملكُ جميع الخصائص الخيِّرة التي يُمكن أن تمتلكها منطقيًا في كلِّ عالَمٍ مُمكن، وأنّه ثانيًا، وجودُ هذه العظمة التي لا يُعلى عليها هو ضروري لتفسير تجربتنا البشرية المتعلِّقة بمستويات الخير.
ختامًا، وبالرغم من ادّعائي بأنّ بلانتينغا يتنازل كثيرًا، يجب أن أختم بتنازلي الخاص، وهو أن الحجة التي أعدت صياغتها ربما لا تُعتبر حجة أنطولوجية في شكلها النقي، لأنها تتضمن عنصرًا استدلاليًا تاليًا للتجربة يشترك في بعض
(64)الجوانب مع الحجج الأخلاقية والكوزمولوجية لوجود الله. ولكنّ العناصر الأنطولوجية والأخلاقية والكوزمولوجية مُتشابِكة بإحكام؛ وعليه، فهذه ليست حالة تراكمية، أو مجموعة من الحجج المستقلة التي يدعم كلّ منها الإيمان بإله يمتلك بعض الصفات الإلهية، بل هي حجّة مندمجة أو متكاملة لوجود الله — أي حجّة تحتوي على خصائص عدّة حجج في حجّة واحدة. يقترحُ ماجد فخري أنّ الفارابي قد تأرجح بين الدليلَين الأنطولوجي والكوزمولوجي من دون إدراك التضارُب في هذين المسارين من الاستدلال، ولكنّني أقترحُ أنّه من المحتمل أنّ الفارابي قبل وقتٍ طويلٍ من أنسيلم ومورداك أدركَ أنّه فقط من خلال دمج عناصر من أدلّة أخرى على وجود الله يستطيعُ الدليل الأنطولوجي –أو المتكامل- أن يُثبت وجودَ الله. وهكذا، فإنّ الصعوبة التي يواجهها نسخة بلانتينغا من الدليل الأنطولوجي –مع العديد من النماذج السابقة والتالية- هي أنّ الوجود الممكن لا يستلزمُ الوجودَ الواقعي. بمساعدة نسخة مورداك من الدليل، حاولتُ إعادة صياغة نسخة مندمجة أو متكاملة من الحجة الأنطولوجية تسعى إلى إظهار أنه، في حالة العظمة التي لا يُعلى عليها، فإن الوجود الممكن يستلزم الوجود الضروري، وبالتالي الوجود الفعلي.
أنا مُمتنّة لمؤسّسة بايلر لدراسات الدِّين لتمويلها حضوري في المؤتمر حيث قدّمتُ مُسوّدة أولى عن هذا الفصل، وإلى ترِنت دوكرتي لملاحظاته التفصيلية حول المسوّدات اللاحقة.
(65)و. دايفيد بك
سوف نتطرّقُ إلى قصّة الحجة الكونية (الكوزمولوجية) في الماضي القريب. بقيَت الحجة في أغلب الدوائر الفلسفية، باستثناء الدوائر الكاثوليكية في مطلع القرن العشرين، خاملةً إلى حدٍّ كبيرٍ على مدى أكثر من قرنٍ ونصف. كان النقاش المحدود يميلُ إلى أن يكون تفسيرًا للأدلّة التي قدّمها ثوماس، وكانَ هذا إلى حدٍّ بعيدٍ نتيجةً للنقد الفتّاك ظاهريًا الذي طرحه إيمانويل كانط في كتابه «نقد العقل المحض» الصادر في العام 1781. احتجَّ كانط في الكتاب أنّ الدليل الأنطولوجي باطل، وبما أنّ الدليل الكوزمولوجي يعتمدُ على الدليل الأنطولوجي فهو باطلٌ أيضًا. في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حازَ الدليل الغائي على كثيرٍ من الاهتمام مع تطوُّر ثقافة العلم الطبيعي، خصوصًا بعد أن بدا وكأنّ داروين قد وضعَ عقبةً في طريقه. أمّا أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، فقد شهِدا عودة شخصيةٍ أخرى في روايتنا: الدليل الأخلاقيّ.
(69)خلال عقود مُنتصف القرن العشرين، بدا في أغلب البيئات الأكاديمية أنّ نظرية التطوُّر قد أزاحَتْ أخيرًا أيّ نقاشٍ منطقيٍ عن الله. أهملت الكتب الدراسية والأنثولوجيات التي تتناولُ فلسفة الدِّين النقاشَ حول الأدلة على وجود الله أو إنّها قد أدرجت بعضَ المختارات القليلة فقط من باب الفضول التاريخي. ثمّة استثناء يُثبِتُ هذه النقطة، وهو المناظرة التي وقعتْ في 28 كانون الثاني 1948 وبثّتها قناة الـBBC وجمعتْ بين مؤرّخ الفلسفة الكاثوليكي العظيم فريدريك كوبلستون والفيلسوف البريطاني الإلحادي برتراند راسل.
كان للمناظرة تأثيرٌ ضئيلٌ آنذاك. في الواقع، كان راسل مُقتنعًا للغاية بأنّه قد عبّر عن رأيه بفاعليةٍ إلى حدّ أنّه أدرجَ نُسخةً مكتوبة عن المناظرة في الطبعات اللاحقة من كتابه «لماذا أنا لستُ مسيحيًا». الأمر المثير للاهتمام هو أنّ كوبلستون قد وظّفَ هنا شكلًا مُختلفًا من الدليل، وهو شكلٌ يعتمدُ على مبدأ
(70)«السبب الكافي» الذي يعودُ إلى لايبنتس. سوف نتناولُ هذا الشكل في مقطعٍ مُنفصل يأتي لاحقًا، وهو يلعبُ دورًا مهمًا في روايتنا لأنّه على ضوء دليل السبب الكافي بدأ الدليل الكوزمولوجي يسترجعُ مكانته خلال أعوام الستينيات.
أودُّ أولًا أن أتناول مثالًا يُوضِّحُ كلَّ شيءٍ حصلَ في المئة وخمسين عام قبله ويُمهّدُ لما سوف يبدأ بعد عدّة سنوات. نشرَ بول إدواردز في العام 1959 مقالته التي تُعدُّ كلاسيكيةً الآن والتي ينتقدُ فيها الدليل الكوزمولوجي الذي قدّمه ثوماس.
بول إدواردز: حرَّر بول إدواردز (1923-2004) «موسوعة الفلسفة» وألّفَ العديدَ من الكتب والمقالات. ممّا لا شكّ فيه أنّه كان أحد الفلاسفة الأمريكيّين البارزين في القرن العشرين. كان إدواردز أُستاذًا في جامعة نيويورك، وكلّية بروكلين، والمدرسة الجديدة للبحوث الاجتماعية وصولًا إلى التسعينيات. سُرعان ما عُدَّتْ مقالته «نقد الدليل الكوزمولوجي» مقالةً معيارية حول الموضوع وأُعيدتْ طباعتها في العديد من الأنثولوجيات. سوف نُورد فيما يلي المقتطفات النقدية حيث يُركِّزُ إدواردز بالتدرُّج على المشكلات الجوهرية في دليل ثوماس.
يبدأ إدواردز من خلال الملاحظة أنّه، في أيّ حال، لا يُقدِّمُ لنا ثوماس شيئًا جديرًا بلقب «الله» لأنّه يفتقد لبعض الخصائص الرئيسية. مع ذلك، يعتقدُ إدواردز أنّ أنصارَ الدليل سوف يعترفون طوعًا بهذه النقطة ويحتجّون على أنّ الاستنتاج مع ذلك يتمتّعُ بعمقٍ كاف. هل إنّ ثوماس، خصوصًا في الطريقة الثانية، ينجحُ في التخلُّص من السلسلة اللانهائية من الأسباب؟ إنّه يدعمُ هذا الافتراض عبر التأكيد بأنّ الاعتقاد المضاد يتضمّنُ استحالةً واضحة. أن نفترض
(71)وجود سلسلةٍ لانهائية من الأسباب يستلزمُ منطقيًا عدم وجود شيءٍ الآن، ولكنّنا نعلمُ أنّ الكثير من الأشياء هي موجودة الآن، وبالتالي فإنّ أيّ نظرية تُشيرُ إلى عدم وجود شيءٍ الآن يجب أن تكون خاطئة. يُواصلُ إدواردز ويقول:
«يفشلُ هذا الدليل في أن يُنصف مُناصر السلسلة اللانهائية من الأسباب. لقد فشل أكويناس في التمييز بين العبارتَين:
1. (أ) لم يوجد؛ و:
2. (أ) ليس غير مُسبَّب.
أن يُقال بأنّ السلسة لانهائية يُفيدُ (2) ولكنّه لا يُفيدُ (1). المعتقِد بالسلسلة اللانهائية لا يقومُ بإزالة (أ) ». إنّه يُزيلُ المكانة الامتيازية لـ(أ)، إنّه يُزيلُ «تسبّبها الأول». إنّه لا يُنكر وجودَ (أ) أو أيّ عنصر مُحدَّد من السلسة. إنّه يُنكرُ أنّ (أ) أو أيّ شيءٍ آخر هو العنصر الأول في السلسلة. بما أنّه لا يُزيلُ (أ)، فإنّه لا يُزيلُ (ب) وبالتالي لا يُزيلُ أيضًا (ه)، (و)، أو (ي) بعيدًا... إنّه مُلتزمٌ فقط بإنكار أنّ هذا الكائن، إن كان موجودًا، هو غير مُسبَّب. إنّه ملتزمٌ في الاعتقاد بأنّه مهما تكن الصفات الأخرى المثيرة للإعجاب التي قد يملكها كائنٌ خارقٌ للطبيعة، فإنّ صفة كونه السبب الأول ليست من بينها.
حتّى لو كان على خلاف ذلك صحيحًا، فإنّ الدليل لا يُثبت سببًا أولًا وحيدًا، إذ لا يبدو أنّ هناك أيّ أساسٍ جيد للافتراض بأنّ السلسلات السببية المتنوّعة في الكون تمتزجُ في النهاية. وعليه، حتّى لو افتُرض أنّه لا يُمكنُ لأيّ سلسلةٍ من الأسباب أن تكون لانهائية، فإنّ إمكانية وجود تعدُّدية في الأسباب الأولى لم يُستبعَد. وكذلك لا يُرسي الدليل الوجودَ الحالي للسبب الأول.
(72)قد يُجادلُ كثيرٌ من المدافعين عن الدليل السببيّ أنّ بعض هذه الانتقادات على الأقل تستندُ إلى سوء فهم... قد يُميّزون في هذا الصدد بين نوعين من الأسباب -ما يُسمّونه «أسباب كينونة الشيء»وما يُسمّونه «الأسباب المحافِظة على كينونة الشيء». سبب كينونة الشيء هو العامل الذي حقّق أو ساعد في تحقيق وجود أثرٍ ما. أمّا السبب المحافِظ على كينونة الشيء فهو العامل الذي «يُحافظ» أو يُساعدُ في المحافظة على الأثر «في الوجود».
من خلال توظيف هذا التمييز، يستدلُّ المدافع عن الدليل الآن بالطريقة التالية. أن يُقال بوجود سلسلةٍ لامتناهية من «أسباب كينونة الشيء» لا يؤدّي إلى أيّ استنتاجاتٍ مُنافية للعقل. ولكنّ أكويناس مُهتمٌ فقط بـ«الأسباب المحافِظة على كينونة الشيء»، والسلسلة اللامتناهية من هذه الأسباب هي مُستحيلة.
ولكن إذا تركنا هذا وجميع الاعتراضات المماثِلة، فإنّ إعادة صياغة الدليل على ضوء الأسباب المحافِظة على كينونة الشيء لا تتفادى إطلاقًا الصعوبة الأساسية المذكورة آنفًا. سوفَ يؤكّدُ المعتقِد بالسلسلة اللامتناهية أنّه قد أُسيء تمثيل موقفه الآن كما سابقًا. إنّه لا ينزعُ عنصرًا من السلسلة يُفترض أنّه السبب الأول المحافِظ على كينونة الشيء كما أنّه لا ينزعُ العنصر الذي أُعلِن أنّه السبب الأول لكينونة الشيء. إنّه، مرة أخرى، فقط يُنكرُ أن تكون له مكانة مُتميِّزة... إنّه، مرة أخرى، فقط يُزيلُ «تسبّبه الأول».
لن يستسلم أيُّ مُدافعٍ عنيد عن الدليل الكوزمولوجي في هذه المرحلة. حتّى لو وُجدت سلسلةٌ لامتناهية من أسباب كينونة الشيء أو الأسباب المحافِظة على كينونة الشيء، فإنّه يؤكِّد أنّه حتّى هذا لا يُزيلُ الحاجة للأقصى، لسببٍ أول...
(73)مطلب العثور على سبب السلسلة ككل يستندُ إلى الافتراض الخاطئ أنّ السلسلة هي شيءٌ أعلى وفوق العناصر التي تتألّفُ منها... على افتراض أنني شاهدتُ مجموعةً من خمسة [أشخاص من شعب الإنويت] يقفون على زاوية الجادة السادسة والشارع 50، وأردتُ أن أشرح سبب قدوم المجموعة إلى نيويورك. يكشفُ التحقيق القصص التالية:
[الإنيوت] (1) لم يَرُق لها البرد الشديد في المنطقة القطبية وقرّرت الانتقال إلى مناخٍ أدفأ.
[الإنيوت] (2) هو زوج (1)، وهو يُحبّها كثيرًا ولم يشأ أن يعيش من دونها.
[الإنيوت] (3) هو ابن (1) و(2)، وهو صغيرٌ وضعيف للغاية لكي يُعارض والديه.
[الإنيوت] (4) رأى إعلانًا في مجلة نيويورك تايمز يدعو إلى ظهور أحدٍ من [شعب الإنويت] على التلفاز.
[الإنيوت] (5) هو مُحقِّق خاص وظّفته وكالةُ بينكرتون لكي يُراقب [الإنويت] (4).
فلنفترض أنّنا قد شرحنا سبب وجود كلّ واحدٍ من هؤلاء الخمسة في نيويورك. ثمّ يسألُ أحدهم: «حسنًا، ولكن ماذا عن المجموعة ككل، لماذا هي موجودة في نيويورك؟» من الواضح أنّ هذا سؤالٌ سخيف... إنّه من السخيف كذلك السؤال عن سبب السلسلة ككل، على خلاف السؤال عن أسباب وجود أفراد.
من المثير للاهتمام أنّ إدواردز يفتتحُ المقطع الثاني عبر الملاحظة، مُجددًا، أنّه من غير المرجّح أن يستسلم المدافع عن دليل ثوماس لغاية الآن. إنّه مُحقٌ بالتأكيد.
(74)لم يدّعِ إدواردز إلى الآن أمرًا لم يُقدِّم له ثوماس نفسه جوابًا أو أمرًا ينطبقُ فعلًا على صيغته من الدليل. كما رأينا، فإنّ أرسطو سبقَ وأن قدّمَ دفاعًا ضدّ التسلسل اللانهائي من الأسباب المحافِظة على كينونة الشيء. ما يفوتُ إدواردز هو أنّ الاحتمالات الرياضية لا تحلّ أسئلة الإمكان الميتافيزيقي. بالطبع يُمكنني رياضيًا أن أُفكّر دائمًا بوجود عددٍ أصليٍ إضافيٍ في أيّ سلسلة. لكلّ n، ثمّة n+. ولكن لا ينتجُ أن ينطبق ذلك على سلسلةٍ من الممكنات التابِعة سببيًا. إضافة إلى ذلك، سبقَ وأن برهن أرسطو على ضرورة وجود سببٍ أول وإلا لما وُجدَ أثر، ولا يُمكن أن يحصل ذلك مع الأسباب المتوسِّطة اللانهائية. وعليه، يجب أن يملك السبب الأول في سلسلةٍ من الأسباب الممكنة صفة التسبُّبية الأولى.
إضافة إلى ذلك، فإنّ قصّة إدواردز حول الأفراد الخمسة من شعب الإنويت هي مُريبة. أولًا، إنّها لا تبدو صادقة ببساطة. حتّى لو وُجِدَ فعلًا خمسةٌ من شعب الإنويت فعلًا، بلباسهم التقليدي، على زاوية شارعٍ في نيويورك، إلا أنّ تفسيرات إدواردز الخمسة لسبب وجودهم هناك -رغم أنّها ربما قد تكونُ صحيحةً ظاهريًا- إلا أنّها تقتضي بوضوحٍ تفسيرًا أعمق يُغطّيها جميعًا. هذه صدفةٌ كبيرةٌ جدًا. الأمر نفسه ينطبقُ على الكون. ثمّة صِلات عميقة واضحة في هذا المحيط البيئي تتطلّبُ تفسيراتٍ مُوحِّدة. قصّة أفراد الإنويت هي مثالٌ سيء. إدواردز مُخطئ أيضًا في أن يعتقد أنّ هذا هو خطأ في المقولة. المطالبة بتفسيرٍ لكامل سلسلة الممكنات لا يعني أنّني أفكّر بالسلسلة نفسها كشيءٍ فوق أفرادها وبعيدًا عنهم. المشكلة هي أنّ أيّ ممكن لا يُفسِّرُ ذاته بذاته. الطريقة الوحيدة لتفسير كلّ واحدٍ منها فرديًا كأسباب هو من خلال إحالتها إلى سببٍ أول وغير ممكن. خُذ القطار على سبيل المثال!
هذا يوصلنا إلى الاعتراض الأخير الذي يُقصَد منه حسم التفنيد، ولكنّه يحتاجُ
(75)إلى إنذار مُسبَق سريع. ينتقلُ إدواردز هنا فجأة إلى صيغةٍ مُختلفة من الدليل، أي الصيغة التي طرحا صموئيل كلارك كما قدّمها كوبلستون في مُناظرته الشهيرة مع راسل. ولكن بما أنّه يعتقدُ أنّ هذه هي صيغة الدليل التي وظّفها ثوماس بالطريقة الثالثة، يُمكنُ أن نتناولها هنا. كما سبق وأن قلت، يبدأ إدواردز القسم الخامس عبر ملاحظته أنّه «من غير المرجّح للغاية أن يستسلم المدافِع المصمِّم عن مسار الاستدلال الكوزمولوجي حتّى ولو هنا». يذكرُ إدواردز أنّ هذا الدليل يتعارضُ مع نقد كانط القائل بأنّ الوجود ليسَ محمولًا. في أيّ حال، يفترضُ إدواردز أنّه يُمكنُ تجاوز هذا الأمر أيضًا هنا. في النهاية، الاعتراض الذي يعتقدُ أنّه يحمل «وزنًا عظيمًا» هو الاعتراض الذي ذكره راسل والذي سبق أن ناقشناه -أي إنّ فكرة أنّ التفسير ينبغي أن يكون «كليًّا» لكي يفي بالغرض هو سوء فهم لماهية التفسير. يستنتجُ إدواردز أنّه أن «نفترض من دون تأخير أن الظواهر تملكُ تفسيراتٍ أو تفسيرًا بهذا المعنى هو بمثابة المصادرة على المطلوب فيما يتعلق بالنقطة موضع النظر... ولكن هذه مغالطة منطقية».
سوف نتناولُ هذا الاعتراض حينما نناقشُ مناظرة راسل-كوبلستون لاحقًا. يكفي الآن أن نقول إنّ اعتراض إدواردز هو نقطة مناسبة تمامًا بالإشارة إلى الحياة العملية بالإضافة إلى البحث العلمي العادي. إذا كنتَ تبحث عن جورب ضائعٍ أو عن علاجٍ للسرطان، فأنت بحاجةٍ فقط إلى أن تلتفت إلى بعض الروابط
(76)السببية المباشرة لكي تنجح. ولكن إذا كنتُ أبحث عن تفسيرٍ كاملٍ لأيِّ شيء، أو إذا كنتُ أتناول الفلسفة، وخصوصًا إذا كان ما أريده فعلًا هو أن أقول شيئًا عن المعنى الأعم لحياتي، فإنّني أحتاجُ إلى أن أتعقّب كل رابط: السلسلة الكاملة وصولًا إلى السبب الأول. وعليه، يُخفق اعتراض إدواردز وراسل.
نظرًا إلى اعترافه بأنّ الاعتراضات الأخرى تفشلُ في النهاية، يجب أن أستنتجَ أنّ إدواردز لم يكن ناجحًا ببساطة في تقديم أيّ اعتراضاتٍ فعّالة على دليل ثوماس.
سوف نتناولُ في الأقسام التالية النقاشَ الجديد حول صيغة الدليل المتمحوِرة حول الإمكان كما وردتْ بشكلٍ رئيسيٍ في الثمانينيات وما بعدها. كانت كليّات الفلسفة في أغلب الجامعات الغربية في تلك المرحلة ما تزالُ بشكلٍ كبيرٍ غير مُرحِّبة بالإيمان بالإله وأدلّته. ولكن هبّتْ بعضُ رياح التغيير: افتُتحتْ «جمعية الفلاسفة المسيحيين» في العام 1978 كجزءٍ من «الرابطة الفلسفية الأمريكية». أمّا السنة التي قبلها فقد شهدتْ ولادةَ «الجمعية الفلسفية الإنجيلية». أحد مؤسّسي هذه الجمعية كان نورمان غايسلر. دافعَ كتابُه «فلسفة الدِّين» الصادر في العام 1974، والذي أصبحَ كتابًا دراسيًا شهيرًا، عن نموذج دليل ثوماس وبدأ يجعله مُتاحًا في الدوائر المسيحية مُجددًا، خصوصًا للتلاميذ في الكليات والجامعات الإنجيلية البروتستانتية وليس فقط الكاثوليكية.
استغرق الأمر عدّة عقود لكي تستجمع هذه الحركة قواها فعلًا، ولكن يملكُ الاثنان في يومنا الحالي صوتًا قويًا بشكلٍ مُتنامٍ، في الجامعات الأمريكية قطعًا ولكن
(77)أيضًا في أوروبا وأستراليا. كنتيجةٍ لذلك، اكتشفَ العديدُ من الفلاسفة ثوماس ودليله، وقدّموه إلى الجيل الجديد.
مورتيمر آدلر: وردَ بيانٌ عن الدليل بحجم كتاب في العام 1980 من قِبل مورتيمر آدلر (1902-2001). وُلد آدلر في عائلةٍ يهودية، ولكنّه وجدَ في مرحلةٍ مبكّرة أفكارَ ثوماس أكويناس جذّابةً فكريًا. صدرَ كتابه بعنوان «كيف نُفكّر بالله: دليلٌ إرشادي لوثنيِّ القرن العشرين» بعد بحثٍ طويلٍ عن حقيقة الله. كلمة «وثني» تُشيرُ هنا إلى المؤلِّف نفسه آنذاك، ولكنّه بعد أربع سنوات عُمِّدَ كعنصرٍ في الكنسية الأسقفية. كان آدلر أحد مؤسّسي «مؤسّسة الكتب العظيمة» وكان عضوًا في هيئة التحرير في موسوعة بريتانيكا. نورد فيما يلي احتجاجه الملخّص الذي وردَ في الفصل الرابع عشر، قريبًا من نهاية الكتاب:
1. وجود المسبَّب يتطلّبُ الوجود والفعل المتزامنَين لمسبِّبٍ فعّال، وهذا يقتضي وجود ذلك المسبِّب وفعله. حينما يتمّ التعبير عن مبدأ السببية بهذه الطريقة، فهو صحيح بنحوٍ بديهي...
2. الكون ككل موجود. لدينا هنا التأكيد الوجودي الذي لا يُستغنى عنه كمسلَّمةٍ في أيّ استدلالٍ وجودي. رغم أنّه لا يملكُ القطعية نفسها التي يملكها تأكيدي لوجودي الشخصي أو تأكيدك لوجودك، إلا أنّه يُمكن بالتأكيد الجزم به من دون أدنى شك معقول.
3. وجود الكون ككل هو ممكن بشكلٍ جذري، وهذا يعني أنّه رغم أنّه ليس بحاجةٍ إلى سببٍ فعّال في حدوثه لأنّه أبدي إلا أنّه بحاجةٍ إلى سببٍ فعّال لبقائه
(78)لكي يحفظ وجوده ويمنع العدم من الحلول مكانه. على ضوء كلّ ما مرّ، لا ينبغي أن يكون هناك أيّ صعوبة في فهم ما تقوله هذه القضية. السؤال الوحيد هو هل إنّه صحيح...
4. إذا احتاج الكون إلى سببٍ فعّال لبقائه ليمنع فنائه، إذًا يجب أن يكون ذلك السبب كائنًا خارقًا للطبيعة، خارقًا للطبيعة في فعله، ووجوده غير مُسبَّب، أي بتعبيرٍ آخر: الكائن الأسمى أو الله. لقد فهمنا أنّه لا يُمكنُ لأيِّ سببٍ طبيعيٍ أن يكون سببًا يَخلقُ من العدم، وأنه لا يُمكن لأيِّ سبب طبيعي أن يكون غير مُسبَّب في وجوده أو فعله. على ضوء هذا الفهم، نحنُ في موقعٍ لكي نؤكّد صِدق القضية الافتراضية، هذه المقدمة المتكونة من إذا-فإذًا. بما أنّ «الطبيعي» و«الخارق للطبيعة» يُمثِّلان مجموعةً شاملة من البدائل، فإنّ السبب الذي نسعى ورائه يجب أن يكون خارقًا للطبيعة إذا لم يكن بالإمكان أن يكون طبيعيًا.
كما ذكرَ آدلر، فإنّ السؤال المتبقّي يتعلّقُ بصدق المقدمة الثالثة، وقد كرّسَ لهذا كامل الفصل التالي. الحجّة لصالحها هي جوهريًا كما يلي. أولًا، يجب أن تتفادى التأكيدات عن الكون كلّه مُغالطة التركيب. لا يُمكن أن نستمدّ الاستنتاجات حول خاصية الكل بناءً على خاصية أجزائه. المشكلة الآن هي أنّه ثمّة أوقات حينما تكون هذه الاستدلالات مشروعة، ولكن لكي يكون ذلك هو الحال ينبغي استيفاء شرطين. أولًا، يجب أن تكون الخاصية موجودة في جميع الأجزاء، وهذا صحيح بوضوح هنا. ثانيًا، يجب أن تكون الخاصية مُماثِلة في الأجزاء وفي الكل، ويحتجّ آدلر أنّ هذا ليسَ هو الحال هنا. نوع الإمكان «الظاهري» الموجود في
(79)الأشياء الفردية هو مختلفٌ تمامًا عن الإمكان «الجذري» في الكون، وهو جذريٌ ليس بمعنى أنّه كان يُمكن أن يكون مُختلفًا ولكن بمعنى أنّ البديل الآخر الوحيد هو العدم. وعليه، فإنّ هذا الخيار لإثبات إمكان الكلّ يفشل.
ولكن هذا يأخذُ آدلر إلى الخيار الثاني. الإمكان الجذري للكون على وجه التحديد هو الذي يُشيرُ إلى أنّه «ما كان ليتحقّق مُطلقًا لو لم يكن وجوده مُسبَّبًا». وعليه، يستطيع آدلر أن يستنتج التالي:
«الكون الممكن فقط لا يُمكن أن يكون كَونًا غير مُسبَّب. الكونُ الذي يكونُ مُمكنًا جذريًا في وجوده ويحتاجُ إلى سببٍ لذلك الوجود، فإنّه بحاجةٍ إلى سببٍ خارقٍ للطبيعة -سبب موجود ويعمل لإخراج الكون الممكن فقط من العدم، وبالتالي يمنعُ تحقيق ما هو دائمًا ممكن لكونٍ ممكن فقط، أي عدمه المطلق أو استحالته إلى العدم».
تتحلّى هذه الحجّة بالفرادة بما أنّها تُحاولُ أن تقول شيئًا عن الكون كلّه. إضافة إلى ذلك، فإنّها تفعلُ ذلك من دون اتّخاذ خطوة حجةٍ تركيبية مُبرَّرة. مع أنّ هذا كلّه يبدو غير ضروري -لم يُتعب أرسطو ولا ثوماس أنفسهما به- إلا أنّه يكونُ مفيدًا في إنتاج استنتاجٍ أتمّ، أي تعريفٍ أكمل عن الله. مع ذلك، فإنّه يستجلبُ النقد الذي يُفيدُ أنّه لا نعرف ببساطة ما يكفي عن الكون كلّه لكي نُقدّم هكذا ادّعاء عن الإمكان الجذري. مع ذلك، يتّفقُ علماء الفيزياء المعاصرين قطعًا على
(80)التالي: إذا نشأ الكون الواحد أو الأكوان المتعدِّدة من العدم من جرّاء الانفجار الكبير، فإنّه حَدَثٌ ممكن جذريًا ويمكننا أن نتحدّث بشكلٍ مشروع عن الكون كلّه.
روبرت كونز: لقد ظهرتْ العديد من حالات إعادة الصياغة أو النماذج المعدَّلة والمستحدَثَة عن دليل الإمكان في السنوات الأخيرة. سوف أنتقي دليلًا من أحد أفضل الفلاسفة لكي أشرع في النقاش. روبرت كونز (المولود في العام 1957) هو أستاذٌ في جامعة تكساس. نشرَ في العام 1997 مقالته بعنوان «نظرة جديدة إلى الدليل الكوزمولوجي» في إحدى المجلات الريادية وهي «الفصلية الفلسفية الأمريكية». نذكرُ الحجّة نفسها فيما يلي:
1. جميع أجزاء الحقيقة الواجبة هي بذاتها واجبة.
2. كلّ حقيقةٍ مُمكنة تملكُ جزءًا ممكنًا بتمامه.
3. إذا وُجِدت أيُّ حقيقة ممكنة، فإنّ الكون هو حقيقة ممكنة بتمامه.
4. إذا وُجِدت أيُّ حقيقة مُمكنة، فإنّ الكون له سبب.
5. كلُّ حقيقة ممكنة تتداخلُ مع الكون.
6. وعليه، إذا وُجِدت أي حقيقة ممكنة، فإنّ الكون له سببٌ وهو حقيقةٌ واجبة.
يتجاوزُ هذا الدليل عدّة اعتراضات تقليدية، وهو يتعاملُ مع الكون كحقيقةٍ
(81)ممكنة من بين حقائق ممكنة أخرى وبالتالي فهو ليس عرضة لقضايا التركيب. لا يُقدِّمُ الدليل نفسه أيّ أسباب لتحديد الله في النتيجة، ولكنّ كونز يتناولُ هذا في نقاشٍ إضافي كما فعلَ ثوماس. وعليه، يُظهِرُ كونز أنّه لا يُمكن أن يتواجد الله في المكان والزمان، أو أن يكون ماديًا، أو أن يتشكّل من أجزاء مادية، ويجب أن يمتلك الصفات غير القابلة للقياس فقط. يوظّف الدليل أيضًا المنطق الجهاتي -ويطرح كونز مُقدّمة إليه- خصوصًا في الفرضيتين (1) و(2). في الختام، وكما ذُكر، فإنّ الدليل ليس بحاجةٍ إلى عامل هازم للتسلسل اللانهائي.
بالطبع ثمّة اعتراضات ممكنة، ولكنّ كونز يقضي أغلب المقالة في تقويضها. ثمّة اعتراض واضح يُوجَّه إلى استخدام كونز لمبدأ السببية الشاملة في الفرضية (4). يذكرُ كونز أنّ هذا مُبرَّر من الحقيقة التي تقول إنّ كلّ «نجاحٍ للتفكير السليم والعلم الطبيعي في إعادة إنشاء السوابق السببية لأحداث مُحدّدة وأصناف الأحداث يُوفِّرُ الإثبات». إضافة إلى ذلك، فإنّ أيّ مُحاولة لإنكاره تتطلّبُ التشكيك الراديكالي. في أيّ حال، فإنّ الدليل على النهج الأرسطيّ-الثوماسيّ لا يحتاجُ إلى هذا فعلًا، إلا كوسيلةٍ لجعل الدليل يتناولُ الكونَ كلَّه.
مايكل مارتن: حاز مايكل مارتن (1932-2015) شهادة الدكتوراه من جامعة هارفارد ودرّس لسنواتٍ مديدة في جامعة بوستون. يأتي نقاشه حول الدليل الكوزمولوجي في ثلاثة أقسام. يتضمّنُ القسم الأول اعتراضاتٍ عامَة
(82)على الدليل الأرسطيّ-الثوماسيّ البسيط. بعدها، يُناقشُ مارتن بعضَ القضايا المحدّدة التي تتعلّقُ فقط بالطريقَين الثاني والثالث اللَّذَين قدّمهما ثوماس، ويختتمُ بمشكلاتٍ مُحدّدة أخرى موجودة في بعض النماذج الحالية.
يدّعي مارتن أنّ اعتراضاته الموجّهة إلى الصيغة البسيطة تهزمُ كلّ نماذج الدليل تقريبًا. وعليه، يكفيني أن أتناولها فحسب إذ يبدو أنّ مارتن يسمح (مرّتين في هذا المقطع الوجيز التالي!)، بمعزلٍ عن هذه الاعتراضات، أن يكون الدليلُ ناجحًا.
«لعلّ المشكلة الكبيرة مع هذا النموذج من الدليل هي أنّه حتّى لو كان ناجحًا في إثبات سببٍ أول، فإنّ هذا السبب الأول ليس الله بالضرورة. لا يحتاج السبب الأول أن يمتلك الخصائص المنسوبة عادة إلى الله. على سبيل المثال، لا يحتاج السبب الأول أن يمتلك علمًا أو خيرًا عظيمًا، فضلًا عن كونه لانهائيًا. يُمكن أن يكون السبب الأول كائنًا شريرًا أو الكون نفسه. تجعلُ هذه المشكلة بنفسها الدليلَ عديمَ الفائدة تمامًا في دعم الرأي الذي يُفيدُ وجودَ الله. رغم ذلك، لديه مشكلة واحدة أخرى على الأقل هي بالقدر نفسه من الخطورة.
يفترضُ الدليل عدمَ إمكانية وجود سلسلةٍ لانهائيةٍ من الأسباب، ولكن من غير الواضح لماذ يجب أن يكون هذا هو الحال. لا تكشفُ الخبرة عن تسلسلاتٍ سببية تملكُ سببًا أولًا، سببًا غير مُسبَّب. وعليه، فإنّ فكرة عدم إمكانية وجود تسلسلاتٍ لانهائية وضرورة وجود سببٍ أول، سبب من دون سبب، لا تجدُ دعمًا في التجربة.
إضافة إلى ذلك، لا نملكُ تجربةً بالتسلسلات السببية اللانهائية، ولكنّنا نعلم بوجود سلاسل لانهائية كالأرقام الطبيعية. قد يتساءلُ الفرد لماذا، إذا كان من الممكن أن توجد تسلسلاتٍ لانهائية في الرياضيات، عدم إمكانية وجود واحدةٍ في السببية. لا شكّ بوجود اختلافاتٍ حاسمة بين السلاسل السببية والرياضية؛
(83)ولكن مع عدم وجود حججٍ إضافية تُظهِرُ بالضبط ماهيتها فليس هناك سبب لكي نعتقد بعدم إمكانية وجود تسلسل لانهائي من الأسباب. قدّمَ بعض المدافعين قريبي العهد عن الدليل الكوزمولوجي هكذا أدلّة بالذات، وسوف أفحصُ هذه الأدلة لاحقًا. ولكن حتّى لو كانت ناجِحة، إلا أنّها لا تُظهرُ بنفسها أن السبب الأول هو الله».
لقد لاحظنا هذان الاعتراضان من قبل. شهدَ الاعتراض الأول الذي يدّعي أنّ السبب الأول ليس الله ردودًا منذ عصر أرسطو، وبشكلٍ مسهب من قبل ثوماس. أما الاعتراض الثاني الذي يدّعي أنّ التسلسلات اللانهائية ليست ممكنة الوقوع فحسب بل هي تحصل فعلًا، فقد ردّ عليها أرسطو أيضًا. في الواقع، هذا بالفعل هو النقطة الرئيسية في الدليل الكوزمولوجي نفسه. بالطبع ثمّة تسلسلات لانهائية، ولكنّ السلسلة اللانهائية من الممكنات السببية الفعلية لا يُمكن أن تُوفّر أثرًا. كما يحتجّ أرسطو، لتحقّقتْ فقط الأسباب المتوسِّطة -حتّى لو كان عددًا لانهائيًا منها- ولكان لما تحقّق السبب الأولي والمنشئ لكي يُنتج أي أثرٍ نهائي.
ويليام لين كريغ: بالتأكيد، لم يكن أحدٌ أكثر تأثيرًا من ويليام لين كريغ (المولود في العام 1949) في إعادة إحياء الدليل الكلامي مؤخّرًا. كان هذا الدليل همّه
(84)المتكرِّر في عددٍ من المنشورات منذ تقديم أطروحته في جامعة بيرمينغهام في العام 1977 تحت إشراف جون هيك، والتي نُشرتْ تحت عنوان «الدليل الكلاميّ الكوزمولوجي» في العام1979. أُثير اهتمامه بالدليل من خلال استخدام ستيوارت هاكيت المؤثّر لمصطلح الكلام في كتابه الصادر في العام 1957 تحت عنوان «انبعاثة الإيمان». تعبيرُ كريغ الموجز عن الدليل هو كما يلي ببساطة:
1. كلُّ حادث له سبب.
2. الكون حادث.
3. بالتالي، الكون له سبب.
يستغرقُ الدليل لصالح الفرضية الأولى بضعَ صفحاتٍ فقط، وهو يتطلّبُ مقدارًا قليلًا من الدفاع لأنّ كريغ يعتقدُ أنّه من البديهي حدسيًا أن لا يوجد شيء من العدم، وهو ما يبدو أنّه البديل الآخر الوحيد. لا شيء يأتي من لا شيء!
مع ذلك، دافعَ كريغ بإيجاز عن الفرضية بطريقَين: الطريق الأول هو الحجّة المبنيّة على الحقائق التجريبية: «[هو] مُثبتٌ دائمًا وغير مُبطَل مُطلقًا، يُمكن أن تؤخَذ القضية السببيّة كتعميمٍ تجريبيٍ تتحلّى بأقوى دعمٍ تُقدّمه التجربة». ثانيًا، صاغَ كريغ حجّةً مبنيةّ على الطبيعة السابقة على التجربة لمقولة السببية -أي إنّنا
(85)نملكُ معرفةً تأملية بالمقولات؛ وبالتالي لا يُمكنُ حصرها بميدان التجربة الحسية. لا يُمكن أن يتحقّق تفكيرنا الإراديّ والواعي بالعالَم من دونها.
أمّا الفرضية الثانية فهي مسألةٌ مُختلفة، ويستغرق الدفاع عنها أكثر من ثلث الكتاب. تتألّفُ الفرضية من دليلَين فلسفيَّيْن سبقَ وأن لاحظناهما من قبل: الدليل على استحالة وجود لانهائيةٍ فعلية [من الأشياء]، والدليل على استحالة تشكيل لانهائيةٍ فعلية عبر الإضافة المتتالية. يعتمدُ كلٌّ من هذين الدليلَين على التمييز الحاسِم بين اللانهائيات الرياضية أو المحتمَلة (خصوصًا كما عرّفها عالِم الرياضيات الألماني الكبير جورج كانتور التي تملكُ وجودًا مفهوميًا، ولانهائيات العالم الواقعي أو الفعلية التي (إن وُجِدتْ) توجدُ حقًا في هذا العالم الفعلي.
يستندُ الدليل الفلسفيّ الأول على منافاة اللانهائي الفعليّ للمنطق: «ما أحتجّ عليه هو أنّه رغم أنّ اللانهائي الفعلي قد يكون مفهومًا مُثمرًا ومتّسقًا في المجال الرياضي، إلا أنّه لا يُمكن أن يُترجَم من العالَم الرياضي إلى العالَم الواقعي لأنّ هذا يتضمّن لامعقولياتٍ مُنافية للحدس». وظّفَ كريغ عددًا من الأمثلة التقليدية هنا، ولكنّ أكثر الأمثلة تكرارًا في منشوراته كان مثال «فندق هيلبرت» الذي طرحه لأول مرة ديفيد هيلبرت، عالِم الرياضيات الألماني الكبير في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. يقولُ كريغ: تخيّل فندقًا يحوي عددًا
(86)لانهائيًا من الغرف، وجميعها مشغولة. وصلَ ضيفٌ جديد، ورحّب به مُدير الفندق بسرور وأنزله في الغرفة رقم واحد التي أصبحت فارغة بما أنّه قد نقلَ نزيل الغرفة رقم واحد إلى الغرفة رقم اثنين، ومن ثمّ نزيل الغرفة الأولى إلى الغرفة الثالثة وما إلى ذلك حتّى تمّ نقلُ جميع العدد اللانهائي من الضيوف. بعدها، افترِض أنّ عددًا لانهائيًا من الضيوف الجدد وصل. قام مُدير الفندق الآن بنقل الضيف في الغرفة الأولى إلى الغرفة الثانية، والضيف في الغرفة الثانية إلى الغرفة الرابعة، والضيف في الغرفة الثالثة إلى الغرفة السادسة، وما إلى ذلك، حتّى شغل الآن العددُ اللانهائي من الضيوف الحاليّين العددَ اللانهائي من الغرف ذات الأرقام الزوجية. تمكّنَ المدير الآن من نقل العدد اللانهائي من الواصلين الجدد إلى العدد اللانهائي من الغرف الفارغة ذات الأرقام الفردية، وكلّ شيءٍ هو على ما يُرام.
يبدو أنّ المشكلة الحقيقية الآن هي أنّ هذا الوضع ينتهكُ قاعدةً رئيسية في علم الحساب، أي إنّ الحساب نفسه المنفَّذ بالأرقام نفسها يجب أن يُنتِج دائمًا نتيجة مماثلة. ولكن لا يعملُ الأمر هنا بشكلٍ صحيح. في السيناريو الأول، اللانهائية ناقص اللانهائية تُساوي 1. ولكن في السيناريو الثاني، اللانهائية ناقص اللانهائية تُساوي اللانهائية. هذا الأمر يُنافي الحدس بشكلٍ مُحيِّر. إذا كانت جميعُ الغرف مشغولةً في العالم الواقعي، فإنّ أيَّ نقلٍ للضيوف لن يُتيح غرفةً فارغة. أمّا رياضيًا، فإنّ جميع الانتقالات الواردة في المثال هي معقولة تمامًا نظرًا إلى خصائص اللانهائية. استنتجَ كريغ -كما فعلَ هيلبرت- من هذا المثال وغيره من
(87)الكبيرة الناتجة من بداية العام 1965، وأمّا الثاني فهو قوانين الديناميكا الحرارية. يحتجُّ كريغ أنّ الاثنان هما برهانَين علميَّين على وجود بدايةٍ مُطلقة للكَون -أي إنّ الكون كان له مدة محدودة في الوقت.
جاءت الردود على دليل كريغ، من دون استثناء تقريبًا، على هيئة تأكيداتٍ تتعلّقُ بالإمكانات و/أو المستحيلات الرياضية. وبشكلٍ دائمٍ تقريبًا جاء الردُّ نفسه: الحجج الرياضية أو المفهومية أو الاحتمالية هي خالية من المعنى هنا بالنسبة إلى ميتافيزيقيا العالَم الواقعي الفعلي. سوف نطّلع على مثالٍ وردَ مؤخّرًا.
جيمز إيست: بالطبع، توجد العديد من الاعتراضات الحالية التي تُقدَّم ضدّ هذا الدليل من جميع الجهات. أغلب الاعتراضات تتعلّق بالدليل ضدّ اللانهائي الفعلي، الذي تعودُ جذوره إلى الوراء إلى زمن فيلوبونوس وسیمبلیکیوس. احتجَّ جيمز إيست (المولود في العام 1980)، وهو عالِمُ رياضيات موجودٌ حاليًا في جامعة ويسترن سيدني أنّ استدلال كريغ ينطبقُ على الأعداد المحدودة ولكن لا ينطبق على الأعداد فوق المنتهية واللانهائية. فيما يلي دليله، بدءًا بالاستنتاج:
إذا وُجِدتْ مجموعاتٌ لانهائية فعلية، فإنّها بشكلٍ طبيعيٍ سوف تمتلكُ خصائص لم تُشاركها [به] المجموعات المحدودة. كمثالٍ واضح، إذا حاول
(89)الفرد أن يعدّ مجموعةً لانهائية فعلية بمعدّل ثابت، فإنّه لن ينتهي قط (وهذا هو الحال أيضًا مع المجموعات اللانهائية المحتملة كأبدية مستقبلية متكوّنة من أيام منفصلة). تُبرز قصّة فندق هيلبرت ببساطةٍ خاصية أخرى تُميّز المجموعات اللانهائية الفعلية من المحدودة: مجرّد معرفة أنّ مجموعةً فرعية لانهائية قد أُزيلتْ من المجموعة اللانهائية من الأشياء لا يسمحُ للفرد أن يُحدِّد عدد الأشياء المتبقّية. ولكنّ هذه الخاصية نفسها لا تستلزمُ استحالة المجموعات اللانهائية الفعلية.
النقطة التي يُقدّمها إيست هي أنّه في المجموعات المحدودة، تُطاعُ القواعد العادية أو مبرهنات الإضافة والطَّرح. ولكن في مثال فندق هيلبرت الذي قدّمه كريغ، تُفضي عمليّتَيْ طَرح مُماثلتين إلى نتيجتين مُختلفتَين. يستنتجُ كريغ من هذه المفارقة أنّ اللانهائيات الفعلية هي مُنافية للعقل. ولكن يحتجّ إيست: ما كان ينبغي أن يستنتجه كريغ هو ببساطة أنّ النظريات تنطبقُ فقط على الأعداد المحدودة ولا تنطبق على الأعداد فوق المنتهية. وعليه، فإنّ كريغ ليس من حقّه أن يصل إلى أيّ نتيجةٍ مُطلقًا عن اللانهائيات الفعلية بناءً على أمثلةٍ كمثال فندق هيلبرت.
آندرو لوك: من بين المدافعين الحاليين عن الدليل الكلامي هو آندرو تير إيرن لوك (المولود في العام 1975) الموجود حاليًا في الجامعة المعمدانية في هونغ كونغ. احتجَّ لوك في كتابه تحت عنوان «الله والأصول العليا» لصالح دليلٍ كوزمولوجيٍ جديد -لكن ما زالَ على النهج الكلامي- وقدّم ردودًا على عدّة نُقّاد، من بينهم جيمز إيست. طرحَ لوك دليلًا يتمتّعُ بجميع إيجابيات كُلٍّ من الدليل الثوماسي والدليل الكلامي ولكنّه يتفادى المزالق المحتملة للاثنين. أولًا، نذكرُ دليله «الجديد»:
(90)1. توجد كيانات هي: أ) عناصر في سلسلةٍ سببية زمنية؛ وب) حادثة.
2. كلّ حادث له سبب.
3. إذا وُجِد كائن هو: أ) عنصر في سلسلةٍ سببية زمنية؛ وب) حادث، فثمّة إذًا كائن غير مُسبَّب X.
4. يوجد X، وهو غير مُسبَّب وغير حادث (من 1، 2، و3).
5. إذا كان X غير مُسبَّب وغير حادث، لا يوجد شيءٌ قبله وبالتالي هو سببٌ أوّل.
6. X هو سببٌ أوّل (من 4 و5).
يُقصَد من هذا الدليل أن يكون دليلًا كلاميًا بمعنى أنّه يتناولُ تعقُّب الأحداث إلى الوراء زمنيًا بهدف استنتاج سببٍ للـشيء الأول في الوقت. الدليل هو ثوماسيٌ بمعنى أنّ خاتمته تعتمدُ على إنكار التسلسل اللانهائي، ولو الزمني منه، بدلًا من اللانهائي الفعليّ. نعم، يتّفقُ لوك مع الإنكار ذي الشعبتين الذي وجّهه كريغ للانهائيات الفعلية، وقد دافعَ بالفعل عن هذه المقاربة في مقابل الاعتراضات الأخيرة. في هذه العملية، تناولَ لوك حجّة إيست وقدّم ردًا عليها. هذا هو همُّنا الأساسي هنا.
لكي نبدأ، نمط الردّ الذي يُقدّمه إيست لا يُثبت بأيِّ نحوٍ إمكانية اللانهائيات الملموسة الفعلية. ينبغي أن نذكر أنّ ما هو ممكنٌ رياضيًا ليس دائمًا ممكنًا ميتافيزيقيًا. على سبيل المثال، يُمكن للمعادلة التربيعية x2-4 = 0 أن تملك نتيجتين ثابتتَين رياضيًا لـ«x»: 2 أو -2، ولكن إذا كان السؤال «كم شخصًا حمل الحاسوب إلى المنزل» لا يُمكن أن يكون الجواب «-2»، لأنّه من المستحيل ميتافيزيقيًا في العالَم الملموس أن يحمل «-2 شخصًا» الحاسوب إل المنزل. وعليه،
(91)فإنّ استنتاج «شخصين 2» عوضًا عن «-2 شخصًا» ليس مُستمدًّا من المعادلات الرياضية وحدها بل أيضًا من الاعتبارات الميتافيزيقية: «-2 شخصًا» يفتقدون للقوى السببية لحمل الحاسوب إلى المنزل. هذا يُظهِر أنّ الاعتبارات الميتافيزيقية هي أكثر أساسيةً من الاعتبارات الرياضية.
لا شكّ أنّ هذا النقاش سوف يستمر. على وجه التحديد، فيما يتعلّق بدليل لوك، هل يُمكن الدفاع عن الفرضية (3) المذكورة آنفًا بشكلٍ إضافي؟ بغضِّ النظر عن ذلك، ثمّة أمران يبدوان واضحَين: أولًا، ينبغي أن تخضع الإمكانات الرياضية أو المفهومية إلى الإمكانات الميتافيزيقية حينما يتعلّق الأمر بقضايا العالَم الواقعي. هذا لا يعني أن نقول بعدم وجود رابطةٍ بين المنطق والواقع، بل يُشيرُ فقط إلى قُدرة العقل البشري على تكوين المفاهيم حول الإمكانات -ومن بينها الإمكانات الرياضية- التي لا يُمكن أن توجد فعلًا في العالَم الواقعي، أي إنّها لا تملكُ فاعليةً سببية.
ثانيًا، لا شيء في هذا الحوار يُظهِرُ إمكانية وجود لانهائيات فعلية، وقد وضّح ذلك كلٌّ من إيست ولوك. ردّ إيست كالتالي:
«إنّني أُوافق بشكلٍ عام مع كلّ ما يقوله لوك هنا؛ على وجه التحديد، لم تَسْعَ مقالتي إلى الاحتجاج بأنّ اللانهائيات الملموسة الفعلية هي مُمكنة بل [إلى أن تُظهِر] أنّ حجّةً واحدةً مُحدّدة (تابعة لكريغ) ضدّ إمكانيتها كانت معيوبة. ربما كنتُ لأقول إنّ [عبارة] «-2 شخصًا» لا معنى لها بدلًا من [قولي] إنّ « -2 شخصًا« يفتقدون للقوى السببية لحمل الحاسوب إلى المنزل». كنتُ لأضيفَ أيضًا أنّه بينما يُمكن للاعتبارات الميتافيزيقية أحيانًا أن تُساعد في استبعاد بعض
(92)الإمكانات الرياضية المحدّدة، فإنّ هذا ليسَ هو الحال دائمًا؛ على سبيل المثال، إذا كان عدد الأشخاص الذين حملوا الحاسوب إلى المنزل يُلبّي [معادلة] x2-3x+2=0، فإنّ الإمكانَين الرياضيَّين (x=1 وx=2) هما ممكنان ميتافيزيقيًا. ولكن لا شيء يقوله لوك هنا يدحضُ موقفي من أنّ دليل كريغ معيوب، وأنا لستُ حتّى متأكِّدًا إذا كان يدّعي لوك أنّه يدحضُ موقفي. كما أشرحُ في مقالتي، يستندُ دليلُ كريغ إلى افتراضٍ غير صحيح: أنّه إذا كانت المجموعات اللانهائية مُمكنة، فإنّ عبارة «كثرة لانهائية من الأشياء قد أُزيلَت من مجموعةٍ لانهائية» ينبغي أن تكون معلومة كافية لحساب عدد الأشياء المتبقِّية».
ردّ لوك من خلال إعادة التأكيد على نقطته الأساسية.
«في الرد، فإنّ سبب كون x=1 وx=2 مُمكنان هو لأنّ هذين الجوابين ليسا مُمكنَين رياضيًا فحسب بل أيضًا مُمكِنَين ميتافيزيقيًا، أي إنّها لا تنتهكُ أيَّ حقائق ضرورية ميتافيزيقيًا على خلاف «-2 شخصًا يحملون الحاسوب إل المنزل». فكرتي هي أنّه إذا كانت الإجابات مُستحيلة ميتافيزيقيًا، فهذا يهزمُ الإمكان الرياضي، وتُظهِرُ الاعتبارات الميتافيزيقية التي قدّمتها على الصفحات 55-61 أنّ اللانهائيات الملموسة تنتهكُ الحقيقة الضرورية ميتافيزيقيًا وبالتالي تكونُ مُستحيلة ميتافيزيقيًا.»
أستنتجُ أنّه ما زالتْ توجد أُسُسٌ كافية لكي نؤكّد على عدم إمكانية وجود لانهائيٍ فعلي، وبالتالي فإنّ الدليل الكلامي الذي يرجعُ إلى زمن فيلوبونوس يبدو أنّه يقفُ كدليلٍ فلسفيٍ يقتضي أن يكون الكون قد بدأ مع الوقت وبالتالي ضرورة أن يكون له خالق.
(93)بول درايبر: ثمّة اعتراضٌ مهم آخر، وهو الاعتراض الذي وجّهه بول درايبر (المولود في العام 1957)، الأستاذ في جامعة بيردو، إلى دليل كريغ. ينصُّ اعتراضُ درايبر أنّ دليل كريغ يُطبِّقُ المواربة في حق عبارة «أن يحدث». قد يعني هذا، فيما يُسمّيه درايبر المعنى الضيِّق، أن شيئًا قد حدثَ في الزمن بحيث لم يكن موجودًا في نقطةٍ زمنية سابقة. ولكن قد يملك أيضًا المعنى الأعم المتمثِّل بالحدوث من دون افتراض زمنٍ سابق، وقد يُشيرُ إلى بداية الزمن.
احتجّ درايبر بعدها أنّ مقدّمة كريغ الأولى «كلّ حادث له سبب» تُوظِّفُ المعنى الأول بينما مقدّمته الثانية «الكون حادث» تُوظِّف المعنى الثاني الأعم. وعليه، يُعاني الدليل من المواربة. الأمر الأسوء هو أنّه من غير الواضح كيف يُمكن أن ندعم الفرضية الأولى. يقولُ درايبر إنّ كريغ يعتبرها تعميمًا تجريبيًا.
«التجربة تدعمُ فقط الادّعاءَ بأنّ أيّ شيءٍ حادث داخل الزمن له سببٌ لوجوده إذ لا نملكُ تجربةً على الإطلاق عن الأشياء الحادِثة مع الزمن. هذه الأشياء تحتاجُ إلى أسبابٍ غير زمنية. وحتّى لو كان مُمكنًا من الناحية المفهومية لحدثٍ زمنيٍ أن يملك سببًا غير زمني، فإنّنا لا نملكُ قطعًا أيّ تجربة بذلك. بالطبع، يدّعي كريغ أيضًا أنّ المقدّمة (1) هي واضحة بداهةً وأنّها ليست بحاجةٍ إلى أيّ دفاعٍ مُطلقًا. ولكنّه من البعيد عن الوضوح أن يكون الكون الذي خرج إلى الوجود مع الزمن بحاجةٍ إلى سببٍ لوجوده. كما أنّ الكون القديم لانهائيًا
(94)الذي خرج إلى الوجود مع الزمن قد وُجِد دائمًا -لأيّ زمنٍ «ز»، وُجِدَ الكون عند «ز». ومجدّدًا، من البعيد عن الوضوح أن يتطلّب الشيء الذي وُجِد دائمًا سببًا لوجوده. حتّى إنّه من غير الواضح أن يملك هذا الشيء سببًا لوجوده».
وعليه، يستنتجُ درايبر أنّ كريغ لم يُظهر ضرورة صرف النظر عن الدليل. ربما يستطيعُ أحدُهم أن يُظهِر أنّ الكَون الذي يبدأ مع الزمن يحتاجُ إلى سبب. «الأمر فقط أنّه لم يتمّ الدفاع عنه لغاية الآن بشكل كاف. ما زلتُ أتساءل إن كان الدليل دليلًا جيدًا».
ردّ كريغ على هذا الاعتراض في كتابه الجدلي مع كوينتين سميث تحت عنوان: «الإيمان بالإله، الإلحاد، وكوزمولوجيا الانفجار الكبير». الفكرة التي يطرحها كريغ هي أنّ ما يخرجُ إلى الوجود مع بداية الزمن هو «ز1» الممكن للكون، وهو تمامًا مثل «ز2» الممكن وكل حَدَث آخر مُمكن في الكَون. بالتالي، فإنّ البديل الوحيد هو مجيء شيء من العدم، ولكن عدم إمكانية مجيء ذلك الشيء من العدم هو بالتأكيد بداهة ميتافيزيقية متينة يدعمها كلُّ شيءٍ نعرفه في العلم الطبيعي. يُضيفُ كريغ أنّ بُغض الإيمان فقط هو «الذي يقودُ العالِم التجريبي إلى أن يظنّ أنّ إنكار المبدأ هو أكثر معقوليةً من المبدأ نفسه».
أجابَ درايبر أنّ دفاع كريغ غير مُقنِع. من الواضح أنّ «الحدس الميتافيزيقي
(95)بخصوص الأمور الممكنة معروف بعدم الموثوقية -ولهذا السبب فإنّ العديد من الفلاسفة المعاصرين هم، بنحوٍ مُبرَّر تمامًا، «علماء تجريبيون عنيدون».
هذا بالطبع هو دليلٌ استقرائي إلى حدٍ كبير، ولكنّه ببساطة غير معقول ميتافيزيقيًا ولم نشهد قطّ حدوث شيءٍ من دون سبب، سواء كان من العدم أو من شيءٍ آخر. لا شكَّ أنّ هذا ليس بُرهانًا رياضيًا، ولكنّه بغياب هكذا أدلّة يكون أفضل دليلٍ يُمكن أن نتوقّع الحصول عليه.
صموئيل كلارك وغوتفريد فيلهلم لايبنتس: ألقى صموئيل كلارك (1675-1729) في العام 1704 «مُحاضرات بويل» السنوية في كاتدرائية القدّيس بولس. نُشرت هذه المحاضرات في العام 1714 تحت عنوان «كينونة الله وصفاته» مُرفقةً مع مُحاضرات العام 1705. كان الهدف من هذه المحاضرات الدفاع عن إسحاق نيوتن ومُواجهة ثوماس هوبز وباروخ سبينوزا. في العام نفسه، نشرَ غوتفريد فيلهلم لايبنتس (1646-1716) كتابه «مونادولوجيا»، وهو نموذجٌ مُلخّص - وذلك في مقاطع وجيزة مُرقَّمة - عن الميتافزيقيا العامة التي تبنّاها. أمّا الدليل على وجود الله الموسَّع كثيرًا، فقد ظهرَ لأوّل مرةٍ في كتابه «ثيوديسيا» الصادر في العام 1710. بعد صدوره، راسلَ كلارك ولايبنتس بعضهما خلال العام 1715 ولغاية وفاة لايبنتس في العام 1716.
(96)حاولَ الاثنان صياغة ميتافيزيقيا منهجية تُوفِّر إطارًا للعلم الطبيعي وفَهمًا كاملًا للكَون. أراد الاثنان من هذه العملية أن يُثبِتا أنّ وجود الله هو الأساس الضمنيّ لكلّ العلم الطبيعي. دارَ الكثير من الجدال حول من جاءت أفكاره أولًا، ولكن من المرجّح جدًا أنّ أفكارهما معًا قد خرجتْ من النقاش الأعم حول أُسُس العلم الطبيعي التي انخرط فيها العديد من -وربما أكثر- علماء العلم الطبيعي وعلماء الرياضيات والفلاسفة وعلماء اللاهوت البارزون في أوروبا في ذلك العصر.
يسهلُ قطعًا تمييزُ الدليل الذي قدّمه الاثنان على أنّه دليلٌ كوزمولوجي مُعدَّل بعدّة طرق. أولًا، بما أنّها تُشكِّل قاعدة ميتافيزقيا ناضجة تمامًا التي تُشكّل بدورها أساسَ فيزياء كاملة، فإنّها ينبغي أن تكون أدلة على كلّ شيء. وعليه، على خلاف النموذج الأرسطي/الثوماسي، فإنّها لا تبدأ بملاحظاتٍ مُحدَّدة حول أشياء مُعيَّنة في الكَون، بل بقضايا عامة عن الكلّ.
ثانيًا، تُشكِّلُ الأدلة منظومةً قياسية وبالتالي تحتاج أن تمضي قُدمًا عن طريق مبدأٍ عام يسمحُ للدليل أن ينتقل من هذه المقدمة الأولى إلى السبب الشامل الذي هو الله. هذا هو مبدأ السبب الكافي، وهو ما يُفسِّر إطلاق صفة السبب الكافي على الأدلة.
ثالثًا، تُتيحُ هذه الشمولية في المقدمات نتيجةً أكثر اتّساعًا. لم نعد بحاجةٍ إلى الحجج الفرعية البارمنیدية لكي نستنتجَ وجود خالقٍ وحيد، قوي وعليم ولانهائي. يبدو أنّ مبدأ السبب الكافي يقتضيه بشكلٍ مباشر.
يَظهرُ أنّ هذه هي ميزة كبيرة. ننتقلُ من مبدأ بسيط مُعترَف به عمومًا إلى
(97)إلهٍ مُعرَّف إلى حدٍ ما، ولكن بطريقةٍ جيدة. ينتقل دليل ثوماس، من دون مبدأ سببيٍ عام كمبدأ السبب الكافي، من سلسلةٍ من الملاحظات البسيطة إلى مُجرّد «سببٍ أول غير مُسبَّب» مُعرَّف بضعف، وذلك من خلال إنكار التسلسل اللانهائي. وعليه، بينما يمضي الاثنان من المسبَّب إلى السبب -أي إنّهما دليلان كوزمولوجيان- إلا أنّهما مُختلفان للغاية. نذكرُ أولًا نموذج كلارك من محاضرات بويل للعام 1704: إثباتٌ لكينونة الله وصفاته:
لا شي يُوجد، من دون سببٍ كافٍ لماذا هو موجود بدلًا من العدم؛ ولماذا هو هكذا، بدلًا من العكس.
افتراضُ وجود تتابعٍ لانهائي من الكائنات المتغيِّرة والاعتمادية يتم إنتاجها واحدة من أخرى في تسلسلٍ لانهائي من دون سبب أصليٍ مُطلقًا، يُعدُّ فقط دفعًا إلى الوراء من خطوةٍ إلى أخرى، و(إن جازَ التعبير) إبعاد السؤال عن أساس وجود الأشياء أو سببها عن الأنظار. إنّه في الواقع، في نقطة الاحتجاج، الافتراض عينه، كما يكونُ افتراض كائن مُستمر لا بداية ولا نهاية لمدّته، وليس ذاتيّ الوجود وليس واجبًا في ذاته، ولا يبتني وجوده على أيّ سببٍ موجود ذاتيًا؛ وهذا مُنافٍ للمنطق بشكلٍ مباشر ومُتناقض.
هذا الدليل هو بحدّ ذاته بسيطٌ للغاية والاستنتاج ضعيف إلى حدٍ كبير. مع ذلك، يتبعه نقاشٌ طويلٌ حول الخصائص الضرورية لهذا الكائن الموجود ذاتيًا. تضمُّ الصفات: الوجوب، عدم قابلية الإحاطة به معرفيًا، اللانهائية، الوجود
(98)الكليّ، الأحدية، الذكاء، الحرية، القدرة الكلية، واللانهائية في الحكمة والخير والعدل والصدق.
نذكرُ فيما يلي احتجاجَ لايبنتس من كتابه «مونادولوجيا» الصادر في العام 1714:
مع ذلك، ينبغي أن يوجد أيضًا سببٌ كافٍ للحقائق الممكنة أو حقائق الواقع، أي لسلسة الأشياء المفهومة في عالَم المخلوقات. يُمكن هنا إكمالُ التقسيم [للوصول] إلى أسبابٍ خاصة من دون حدود، إذ إنّ التنوُّع في الأشياء الطبيعية هائل، والأجسام منقسمة بشكلٍ لانهائي. ثمّة لانهائية في الأشكال والحركات، الماضي والحاضر، التي تُساهم في السبب الفعّال لكتابتي الآن لهذه [الكلمات]. وثمّة لانهائية في الميول الدقيقة لروحي ونزعاتها، التي تُساهِم في السبب النهائي لكتابتي.
الآن، كلّ هذه التفاصيل تُشيرُ مُجددًا إلى مُمكنات سابقة أو أكثر تحديدًا، وكلّ واحدٍ منها يقفُ مُجددًا في حاجةٍ إلى تحليلٍ مماثل لكي يتمّ تفسيره، وعليه لا يُكتسَب شيءٌ من هكذا تحليل. لذلك، ينبغي أن يوجد السبب الكافي أو النهائي خارج التتابع أو سلسلة الجزئيات الممكنة، حتّى لو كانت هذه السلسلة لانهائية.
بالتالي، السبب النهائي لجميع الأشياء ينبغي أن يستمرّ في جوهرٍ لانهائي حيث يُمكن أن تتحقّق جميع التغيُّرات المحدَّدة افتراضيًا فقط كما في مصدره: هذا الجوهر هو ما نُسمّيه الله.
الآن، هذا الجوهر هو السبب الكافي لكلِّ هذا الوجود المحدَّد الذي هو، فضلًا على ذلك، مُترابط من أدناه إلى أقصاه. وعليه، يوجد إلهٌ واحد فقط، وهذا الإله كاف.
(99)لا شكّ أنّ هذين المفكّرَين كانا يملكان قاعدةً مُختلفةً نوعًا ما لمبدأ السبب الكافي. كلارك هو أقرب إلى التجريبي البريطاني، بينما لايبنتس هو أقرب إلى العقلاني الألماني. سوفَ يكونُ لذلك بعض التأثير على نقد مبدأ السبب الكافي، ولكن في النهاية أراد الاثنان منه أن يكون مبدأ شاملًا حاكمًا على كلِّ الفيزياء. هذه الشمولية بالذات لمبدأ السبب الكافي هي التي سوف تلعبُ دورًا مهمًا في الاعتراضات المعاصِرة على الدليل.
برتراند راسل وفريدريك كوبلستون: لعلّ أشهر مُناظرة فلسفية في التاريخ الحديث حصلت في 28 كانون الثاني 1948 في بثٍّ مُباشر على قناة الـBBC .كان برتراند راسل (1872-1970) -إيرل راسل الثالث، الأرستقراطي (كان جدّه رئيسًا للوزراء في عهد الملكة فيكتوريا)، الليبرالي والناشط الاجتماعي، الحائز مُستقبلًا على جائزة نوبل (1950)، خرّيج وأستاذ جامعة كامبريدج - تقدُّميًا ومُلحدًا مشهورًا. لم يرد في كتابه الدراسيّ التمهيدي في الفلسفة تحت عنوان «مشكلات الفلسفة»، المعتمَد بشكلٍ واسع، ذكرٌ لله. أمّا فريدريك كوبلستون (1907-1994)، فكان قسًّا يسوعيًا، وخرّيجًا من جامعة أكسفورد، وأُستاذًا في كلية هيِيْثروب. رغم أنّ كوبلستون كان شابًّا، إلا أنّه كان قد وصل إلى مكانةٍ راسخة في حياته المهنية الفلسفية، وقد نال أكبرَ تقديرٍ لاحقًا لكتابه الهام تحت
(100)عنوان «تاريخ الفلسفة» الممتدّ على تسعة أجزاء (1946-1974).
بالكاد كانت بريطانيا خلال هذه المرحلة الزمنية في طَور استرداد عافيتها بعد الحرب العالمية الثانية. كان اقتصادها مُحطَّمًا ولا تزالُ تخضعُ جميع السلع الأساسية للتقنين. ولكنّ الشعب البريطاني كان يبتهجُ بالفوز ومُتفائلًا إذ كان يبزغُ فجرُ عصرٍ جديد. للمستمع العادي، لا بدّ أنّ راسل، المرح والمحبّ للحياة (تزوّج أربع مرات)، بدا مُعاصرًا ومُطّلعًا. أمّا القسّ كوبلستون، فقد بدا وكأنّ أدلّته ولغته هما من الطراز القديم بشكلٍ يائس، رُغم أنّه كان أصغر بكثيرٍ من راسل ورغم أنّ أغلب المستمعين في ذلك الوقت كانوا يتّفقون مع استنتاجاته. كان راسل واثقًا للغاية من أنّه قد فاز، إلى درجة أنّه قد ضمّ لاحقًا نُسخةً مكتوبة من المناظرة في كتابه «لماذا أنا لستُ مسيحيًا»، وذلك بعد العام 1957 (صدر الكتاب لأول مرةٍ في العام 1927).
بدأ كوبلستون بتمهيدٍ مألوف حول دليل لايبنتس ومن ثمّ دافع عنه باقتدار كبير. بما أنّني مهتمٌ بشكلٍ رئيسيٍ باعتراضات راسل، سوف أذكر كلامه فيما يلي وأحذف ملاحظات كوبلستون التي تخلّلته:
أفضلُ نقطةٍ أبدأ منها هي مسألة واجب الوجود. أؤكّدُ أنّ كلمة «واجب» يُمكن أن تنطبق فقط بشكلٍ ذي معنى على القضايا. وفي الواقع، [يُمكن أن تنطبق] فقط على القضايا التحليلية، أي القضايا التي يكونُ من المناقض ذاتيًا إنكارها. يُمكن أن أعترف [بوجود] واجب الوجود فقط إذا وُجِد كائنٌ يكونُ من المناقِض ذاتيًا إنكارُ وجوده... أنا لا أعترفُ بفكرة واجب الوجود ولا
(101)أعترفُ بوجود أيّ معنى خاص في تسمية الأشياء الأخرى «ممكنة». لا تملكُ هذه العبارات معنىً بالنسبة لي، إلا ضمن منطقٍ أرفضه.
قدّم كوبلستون حينئذ تعريفًا مألوفًا للموجود الممكن بأنّه الشيء «الذي لا يملكُ بذاته السبب الكامل لوجوده». أجابَ راسل: ««هل إنّ سبب العالَم موجود؟» هذا سؤالٌ له معنى. ولكن إذا قُلتَ: «نعم، الله هو سببُ العالم» فإنّك تستخدم الله كاسم عَلَم؛ إذًا «الله موجود» لن تكون عبارة ذات معنى، هذا هو الموقف الذي أؤكِّد عليه». من هنا، انتقلت المناظرة إلى مسألة كيفية تعريف «السبب الكافي».
وعليه، ينصبُّ كلّ شيء على مسألة السبب الكافي، وعليّ أن أقول إنّك لم تُعرِّف «السبب الكافي» بطريقةٍ يُمكن أن أفهمها -ما هو الذي تعنيه من السبب الكافي؟ لا تعني السبب؟
ولكن متى يكونُ التفسير كافيًا؟ افترض أنّني على وشك أن أُشعل نارًا من عود ثقاب. يُمكن أن تقول إنّ التفسير الكافي لذلك هو أنّني أجعله يحتكّ مع العلبة.
إذًا، يُمكن فقط أن أقول إنّك تبحث عن شيءٍ لا يُمكن أن يُنال، شيء لا ينبغي للفرد أن يتوقّع الحصول عليه.
لأنّني لا أرى سببًا للاعتقاد بوجوده. مفهوم السببية بتمامه هو مفهومٌ نستمدّه من مُلاحظتنا لأشياء مُحدّدة؛ إنّني لا أرى سببًا على الإطلاق لكي أفترض أنّ المجموع له أيّ سبب على الإطلاق.
يُمكن أن أوضِّح ما يبدو لي أنّه مُغالطتك. كلُّ رجلٍ موجود لديه أم، ويبدو لي أنّ حجّتك تُفيدُ أنّه بالتالي ينبغي أن يكون للبشرية أم، ولكن من الواضح أنّ البشرية ليس لديها أمًّا -ذلك نطاقٌ منطقي مختلف.
(102)أعتقد -يبدو لي وجود امتداد محدَّد غير مُبرَّر هنا؛ عالِم الفيزياء يبحثُ عن الأسباب؛ وهذا لا يقتضي بالضرورة وجود الأسباب في كلّ مكان. قد يبحث الرجل عن الذهب من دون أن يفترض وجود الذهب في كلّ مكان؛ إذا وَجَدَ الذهب، حسنًا وجيد، وإذا لم يجده فقد واجهَ حظًا عاثرًا. ينطبقُ الأمر نفسه حينما يبحثُ علماء الفيزياء عن الأسباب. أمّا بالنسبة لسارتر، فلا أزعمُ أنني أعلمُ ما يقصده، ولا أحب أن يُعتقَد بأنني أفسّره، ولكن من جهتي أعتقدُ أنّ مفهوم امتلاك العالَم لتفسير هو خطأ. لا أرى لماذا يتوقّع الفرد أن يكون للعالَم تفسير.
من ثمّ، ختمَ كوبلستون الموضوع عبر السؤال عمّا إذا كان راسل يدّعي أنّه لا ينبغي للفرد حتّى أن يطرح السؤال عن سبب العالَم، فأجابَ راسل: «نعم، هذا موقفي».
طرحَ راسل ثلاثة اعتراضات في هذا القسم من الجدال. أولًا، ثمّة مسألة أنّ مصطلح «الوجوب» يمكن تطبيقه فقط على القضايا. بالتالي، استخدامه في السياق الميتافيزيقي بحقّ كائنٍ ما يخلو من المعنى. ثانيًا، لم يتفهّم راسل فكرة «السبب الكافي»، على الأقلّ بعيدًا عن المفهوم البسيط للسبب. وثالثًا، اعتقدَ راسل أنّ التحدُّث عن الكَون ككيانٍ واحدٍ يُعدُّ مُغالطةً صريحة. وعليه، لا يُمكنُ للفرد أن يسأل عن سبب الكَون نفسه، بل يسأل عن الخصوصيات فقط.
سبقَ وأن تمّت الإجابة عن جميع هذه الاعتراضات، وكان أرسطو وثوماس من بين من قدّموا الإجابات، ولكن أقدمَ جون هيك وآخرون مُجدّدًا على تقديم إجاباتٍ عليها.
جون هيك: كما رأينا، يتعلّقُ اعتراضُ راسل الرئيسي على لايبنتس وثوماس وكوبلستون بمفهوم «واجب الوجود». كان هذا اعتراضًا مُتكرِّرًا وناجمًا عن النظرة الوضعية المنطقية إلى اللغة في القسم الأول من القرن العشرين. أكّد الاعتراض أنّه ثمّة نوعين فقط من البيانات: التحليلية، أي البيانات عن منطق اللغة، وتقارير المعطيات الحسيّة، أي البيانات عن الحقائق المتعلّقة بتجربتي أو مُلاحظتي. بما أنّه، من خلال التعريف على ما يبدو، لا يُمكن للبيانات التي تتحدّثُ عن الله أو التي تُشيرُ إليه أن تكون تقارير عن المعطيات الحسيّة، فيجب أن تكون ادّعاءات منطقية، خالية عن أيّ إشارة إلى العالَم الحقيقي. وعليه، يجب أن تُشير الادّعاءات على الوجود الواجب لله إلى نوعٍ من الوجوب المنطقيّ. وعليه، ادّعى راسل أنّه ببساطةٍ لا يرى أيَّ ادّعاءٍ ذي معنى هنا.
احتجَّ جون هيك (1922-2021)، وهو صاحب درجة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة أكسفورد، أنّه يوجد طريقٌ واضحٌ يُقصَد فيه من الوجود الواجب أن يكون فعليًا. في مقالةٍ رائدة -أو قُل رائدة من جديد- في «مجلة الفلسفة» تحت عنوان «الله كواجبٍ للوجود» ، بدأ هيك بهذا التمييز:
«يُمكن أن يتمّ التعبير -وقد تمّ التعبير- عن مفهومَين مُختلفَين بنحوٍ مهم من خلال عبارة «واجب الوجود». يمتلكُ «الواجب» عادةً قوة «الواجب المنطقي»، ويُنشىءُ في اللاهوت مفهومَ الموجود الذي يكونُ من المستحيل منطقيًا
(104)عدم وجوده. ولكن، وبشكلٍ أقلّ شيوعًا، يُفيدُ «الواجب» ما يُمكنُ أن نُميّزه كـ«واجب فعليًا»- والوجوب «التجريبي» و«المادي» و«السببي» هي أنواع من الوجوب الفعليّ».
واصلَ هيك بتطوير مفهوم الوجوب المنطقيّ كما يُلاحَظ من قبل عددٍ من الفلاسفة في الخمسينيات. يُظهِرُ هيك كيف اعتُبِرَ هذا معنى «الوجود الواجب» في الطريق الثالث الذي قدّمه ثوماس. لقد رأينا للتوّ أنّ هذا هو أيضًا فهمُ راسل لمبدأ دليل السبب الكافي التابع للايبنتس، وبالتالي إقدامه على دحض نموذج كوبلستون عن حجّة لايبنتس. ولكن احتجَّ هيك أنّ هذا يُعدُّ سوء فهم لكيفية استخدامهم للـ«الواجب» فيما يتعلّقُ بوجود الله. من الواضح أنّ جميعهم كانوا يقصدون أن يقولوا ما يلي: لا أنّ عدم وجود الله هو مُتناقض أو أنّه يُصبِح كذلك، بل أنّه ينبغي تمييزُ وجوده عن الموجود الممكن. إنّه وجودٌ لا يحصل صدفة ولا يُمكن أن ينتهي عن الوجود.
الأبدية هي إحدى مُكوِّنات مفهوم الشيء اللائق بعبادة الإنسان، ولكنّها ليست كافية بذاتها لأنّه من الممكن تصوُّر وجود شيءٍ أبديًا، ليس لأنّه على نحوٍ حيث لا توجد قوةٌ قادرة على إزالته ولا يُمكن أن توجد، بل فقط لأنّه، رغم وجود قوىً قادرة على إزالته، فإنّها تُحجم دائمًا عن ذلك. سيكون مثل هذا الكائن أبديًا بفضل حقيقة أنه لا يتم تدميره أبدًا، ولكن ليس من خلال الفضيلة الإيجابية أو قوة كونه غير قابل للتدمير. من المؤكّد أنّه جزءٌ لا يتجزأ في المفهوم التوحيدي لله أنّ الله، بما أنّه الربّ الأعلى للجميع، ليس قابلًا للإفناء.
يجب أن نضيف عند هذه النقطة أن الله، باعتباره الرب المطلق للجميع،
(105)غير قابل للفساد أيضًا، بمعنى أنّه غير قابل للإنتهاء إمّا في الوجود أو في امتلاك صفاته الإلهية بسبب تلفٍ أو تفكُّك ليس عائدًا إلى عوامل خارجية. وعليه، لا يُمكنُ إفناء الله من الخارج ولا أن يعتريه تحلُّلٌ من الداخل.
ولكن، حتّى لو أُخذت عدم قابلية الإفناء وعدم قابلية الإفساد معًا، فلا يُمكن أن يحلّا مكان فكرة الموجود الأبدي بل يجب أن يُكمِّلاها لأنّه من الممكن تصوُّر وجود شيءٍ غير قابل للإفناء وغير قابل للإفساد معًا ولكن أن لا يكون أبديًا، بمعنى أن يكون من دون بداية أو نهاية. قد يتحقّق هكذا موجود فقط إذا كان مخلوقًا، وعندما يُخلق يكون غير قابلٍ للانحلال وغير قابلٍ للإفناء.
إذًا لقد وصلنا لغاية الآن إلى تحديدٍ للوجود الواجب للذات الإلهية التي تملكُ الوجود غير القابل للإفساد وغير القابل للإفناء، من دون بداية أو نهاية. ولكن يُمكن النظر إلى هذه الخصائص على أنّها أبعادٌ مُختلفة للصفة الأكثر جوهريةً التي أطلقَ عليها أتباعُ الفلسفة المدرسية ذاتية الوجود الذاتي أو الوجود بذاته... ما يُمكن أن يُقصَد منه بشكلٍ مناسب إذًا من عبارة أنّ الله هو -أو يملك- وجودًا واجبًا، تمييزًا [له] من الوجود الممكن، هو أنّ الله ليس له بداية أو نهاية، وليس له أصل أو سبب أو أساس من أيّ نوعٍ على الإطلاق. إنّه موجود، كموجود أعلى، غير مشروط، مطلق، وغير محدود.
هذا توضيحٌ مهمٌ يتجاوزُ اعتراض راسل. كان راسل مُحقًا تمامًا في أنّ مفهوم الموجود الواجب منطقيًا يُثيرُ صعوباتٍ في الدليل الذي يتّصلُ بالعالَم الواقعي. ومن الصحيح أنّ علماء القرون الوسطى كثيرًا ما استخدموا مصطلح «واجب الوجود»،
(106)ولكن كان ما يقصدون منه هو أنّ الله غير ممكن -أي يجب وصفُ وجوده الحقيقيّ بمنطقٍ يختلفُ عن منطقنا- ولكنّ هذا منطق ميتافيزيقي حقيقي وليس منطقًا مفهوميًا. وهذا بالضبط هو ما يُوضِّحه هيك هنا من خلال استخدام عبارة «فعليّ».
يعودُ هذا التمييز في الواقع إلى كتاب كانط «نقد العقل المحض». أشارَ كانط في كتابه إلى الوجوب الفعليّ كوجوبٍ ماديٍ أو سببي. من المهم أيضًا أن نذكرَ هذا التمييز في سياقاتٍ أخرى في النقاش عن الله. كثيرًا ما تُطرَح فكرة عدم كون الوجوب المنطقي مُلائمًا كاعتراضٍ على جميع أشكال الدليل الكوزمولوجي. ولكن مع ذلك، مجهود هيك الإصلاحي هو صائب.
بروس رايشنباخ: لقد غدتْ حجّة السبب الكافي الصيغة المألوفة للدليل الكوزمولوجي في الفلسفة الحديثة. اختفت كلٌ من حُجّتي الإمكان والكلام عن الأنظار، على الأقلّ في النقاش العام حول الفلسفة الغربية. ولكن حتّى دليل السبب الكافي نفسه، فقد نالَ اهتمامًا قليلًا مع حلول مطلع القرن العشرين. سادتْ الفلسفة الإلحادية والطبيعية في الدوائر الأكاديمية، ولم يعُد ببساطة مكانٌ لهذه الأدلّة الميتافيزيقية. حتّى الكتب الدراسية المتمحورة حول فلسفة الدِّين، فقد تناولتْ الأدلّة التقليدية -هذا إن تطرّقتْ إليها أصلًا- فقط كغرابةٍ تاريخية اختفتْ بعد صدور كتاب كانط «نقد العقل المحض» في العام 1781.
ولكن في الستينيات، بدأتْ بعضُ الأصوات الشجاعة في استئناف النقاش.
(107)لعلّ بروس رايشنباخ (وُلِد في العام 1943) من كليّة أوغسبرغ كان في طليعتهم حيث نشرَ في العام 1972 كتابه «الدليل الكوزمولوجي: إعادة تقييم». ما هو مُهمٌ بالنسبة لإعادة البيان الحالي للدليل هو فهمُ رايشنباخ لمبدأ السبب الكافي نفسه:
أولًا، يُمكن تمييزُ صنفين من مبدأ السبب الكافي. الصيغة الأولى، وهي الصيغة القويّة للمبدأ... أي وجود سببٍ كافٍ لجميع الموجودات والأحداث. ولكن يُمكن أيضًا أن نُلاحظ صيغةً أضعف من المبدأ نفسه، أيْ صيغة تنصُّ على وجود سببٍ كافٍ لجميع الكائنات الممكنة. هذه الصيغة الأضعف تتركُ السؤال مفتوحًا عمّا إذا كان يوجد سببٌ كافٍ للموجودات غير الممكنة أيضًا أم لا؛ إنّها تنصُّ ببساطة على ضرورة وجود سببٍ كافٍ لجميع الكائنات الممكنة.
لم يعد مبدأ السبب الكافي ضروريًا بمعنى أن يكون مبدأً شاملًا وسابقًا على التجربة. وعليه، فهو ليس ضروريًا كنتيجةٍ لمبادئ المنطق، بل هو ضروريٌ فقط بفضل الحالة الفعلية للأشياء في العالَم . يُمكنُ التوصُّل إلى هذا استقرائيًا من تجربتنا حول كيف هو العالَم بالضبط بالنسبة إلينا. وعليه، إذا تمسّك لايبنتس بالصيغة القويّة لمبدأ السبب الكافي، فإنّ رايشنباخ قد تمسّك بالصيغة الضعيفة. احتجّ رايشنباخ أنّ هذه الصيغة فقط من مبدأ السبب الكافي هي المطلوبة للدليل الكوزمولوجي. من جهة، قليلًا ما تغيّرت الحجّة نفسها ولكن من جهةٍ أخرى فإنّ هذا الفهم الجديد لمبدأ السبب الكافي يؤدّي إلى حجّةٍ مُختلفة إلى حدٍّ ما.
يُمكن أن نُلخِّص الحجّة التفصيلية كالتالي:
المقدمة 1) ثمّة موجودٌ ممكن.
أ) هذا الموجود الممكن هو مُسبَّب إما: 1) من ذاته؛ أو 2) من غيره.
(108)ب) لو كان مُسبَّبًا من ذاته، فيجب أن يسبق نفسَه في الوجود، وهذا مُحال.
المقدمة 2) بالتالي، هذا الممكن (2) هو مُسبَّب من غيره، أي هو يعتمدُ على شيءٍ آخر لوجوده.
المقدمة 3) الشيء الذي يُسبِّب (يُوفِّر السبب الكافي لـ) وجود أيّ كائنٍ مُمكن ينبغي أن يكون إما (3) كائن ممكن آخر أو (4) كائن غير ممكن (واجب).
ج) إذا كان (3)، فإنّ هذا السبب الممكن ينبغي أن يكون بذاته مُسبَّبًا من غيره، وهكذا إلى اللانهائية.
المقدمة 4) بالتالي، الشيء الذي يُسبِّب (يُوفِّر السبب الكافي لـ) وجود أيّ كائنٍ ممكن ينبغي أن يكون إمّا (5) سلسلة لانهائية من الموجودات الممكنة أو (4) واجب الوجود.
المقدمة 5) السلسلة اللانهائية من الموجودات الممكنة (5) هي غير قادرة على إنتاج سببٍ كافٍ لوجود أيّ كائن.
المقدمة 6) بالتالي، واجب الوجود (4) موجود.
نملكُ هنا ما يبدو أنّه، على الأقلّ أوليًا، دليلًا كوزمولوجيًا صادقًا وصالحًا. لقد قُمنا بالاحتجاج انطلاقًا ممّا يبدو أنّها فرضياتٍ صادِقة للتوصُّل إلى نتيجةٍ صالحة.
استفاضَ رايشنباخ في الردّ على الاعتراضات. سوف أذكرُ هنا ردَّين على وجه التحديد ينطبقان على جميع صِيَغ الدليل الكوزمولوجي. يتمثّلُ الاعتراض الأول في أنّ هذا هو مجرّد حديث عن المبادئ الميتافيزيقية ولا يقول شيئًا عن الأسباب الحقيقية للعالَم الواقعيّ. ذكرَ رايشنباخ في الإجابة على هذا الاعتراض
(109)أنّ «الدليل الكوزمولوجي يحتجُّ على [وجود] كائنٍ حقيقيٍ وليس [على] مبدأٍ تنظيمي. والمبدأ السببي الذي يُريدُ الدليلُ الكوزمولوجي أن يصونه هو مبدأ غنيّ بالمعلومات في أنّه يُخبرنا عن العالَم الحقيقي وليسَ فقط عن تجربتنا به».
ثمّة اعتراضٌ آخر على نماذج الدليل -ومن ضمنها أغلب أدلّة السبب الكافي- التي تُشيرُ إلى الكَون كلّه، وهو أنّها ترتكبُ مُغالطة التركيب. تسنتجُ هذه الأدلة إمكانَ الكلّ من إمكان الأجزاء. يذكرُ رايشنباخ أنّ المشكلة مع هذه المغالطة هي وجود حالاتٍ يكون فيها هذا الاستنتاج مُبرَّرًا، وحالات أخرى يكونُ الاستنتاج فيها غير مُبرَّر بوضوح. لقد واجهنا هذه النقطة من قبل: إذا كان لديّ بازل حيث جميع القطع هي مُثلثّات، هل يُمكن أن أستنتجَ أنّ صورة البازل المكتمِل سوف تكون على هيئة مُثلّث؟ كلا! ولكن ماذا لو كانت كلُّ قطعةٍ هي حمراء اللون؟ من الواضح الآن أنّ لون البازل نفسه سوف يكون أحمر. الأمر المثير للاستغراب هو أنّ عُلماء المنطق لم يجدوا قطّ عملية قرار صالحة للتطبيق على حجج التركيب.
وعليه، السؤال هنا هو هل إنّ إمكانَ الكون كلّه ينجمُ عن إمكان كُلٍّ من أجزائه. يحتجُّ رايشنباخ بما يلي:
مجموعية الكائنات الممكنة هي لا شيء أكثر من مجموع الكائنات الممكنة الفردية؛ إنّها ليست شيئًا فوق هذه الكائنات وأعلى منها. وعليه، كلُّ كائنٍ، حتّى لو وُجِد، فيمكن تصوُّريًا أن لا يوجد. ولكن ماذا يحصلُ إذا انعدمَ وجودُ كلُّ هذه الكائنات في اللحظة التالية، وهو احتمالٌ قائم لأنّ كلّ واحدٍ منها هو ممكن. من الواضح أنّه إن كان هذا هو الحال، فإنّ المجموعية بذاتها سوف تنعدم عن الوجود. ذلك لأنّ المجموعية هي مجموع كلّ أجزائها، وإن لم توجد الأجزاء إذًا
(110)سوف يكون من المستحيل للمجموعية أن توجد. ولكن إن كان هذا هو الحال، فمن القابل للتصوُّر تمامًا عدم إمكانية وجود المجموعية. وإذا كان من الممكن تصوُّريًا للمجموعية أن لا توجد، فيجب أن تكون هي أيضًا ممكنة. وعليه، إذا كانت كلُّ أجزاء الشيء مُمكنة، يجب كذلك أن تكون المجموعية مُمكنة؛ يُمكن تصوُّريًا أن لا توجد.
وعليه، تبقى مُغالطة التركيب مُغالطةً في الكتب الدراسية المتمحورة حول المنطق. ولكن من الواضح أنّ «الإمكان» هو خاصيّة تسمحُ، على الأقلّ في ظروفٍ مُحدّدة، بمرور حجّةٍ صالحة.
هذا هو جوهريًا الشكل الذي اتّخذه دليلُ مبدأ السبب الكافي في السنوات الأخيرة. ركّزتْ العوامل الهازِمة الموجَّهة إلى هذا الدليل على المبدأ نفسه. كان ويليام رو أبرز صوتٍ مُعارض خلال السنوات، وسوف ننتقلُ إلى فكره فيما يلي.
ويليام رو: قضى ويليام رو (1931-2015)، الذي اعتبرَ نفسَه «مُلحدًا وُدّيًا» كلّ حياته المهنية تقريبًا في جامعة بوردو. تركَ رو المسيحية الإنجيلية على مدى سنوات، بِدءًا من السنوات الأخيرة من برنامج الدكتوراة الخاص به. مع أنّه قبِلَ بكثيرٍ من طروحات الدليل الكوزمولوجي، إلا أنّه قد عارضَ مبدأ السبب
(111)الكافي. ظهرتْ المعالجة التامّة في كتابه تحت عنوان «الدليل الكوزمولوجي» الصادِر في العام 1975، بعد ثلاث سنواتٍ من صدور كتاب رايشنباخ. بقي رو في مركز النزاع حول هذا الموضوع على مدى الأربعين سنة التالية، لغاية وفاته.
يُركِّزُ نقاشُ رو على الصيغة التي قدّمها سامويل كلارك عن مبدأ السبب الكافي والتي اعتبرها «ربما أكمل وأقوى وأكثر تقديمٍ مُقنعٍ حول الدليل الكوزمولوجي الذي نملكه» . بدأ رو بتمييزٍ بين صيغةٍ قوية وصيغةٍ ضعيفة من مبدأ السبب الكافي، ويجب أن نذكر بحذرٍ أنّ هذا التمييز بين القوي والضعيف يختلفُ بعضَ الشيء عن التمييز الذي قدّمه رايشنباخ.
تنصُّ الصيغة القويّة، التي ادّعى رو أنّ كُلًا من كلارك ولايبنتس يعتمدان عليها، أنّ «كلّ ما هو موجود يجب أن يمتلك تفسيرًا لوجوده -إما في وجوب طبيعته الخاصّة أو في الفاعلية السببية لكائنٍ آخر» . يقتضي النموذج الضعيف هذا فقط من أيّ شيءٍ يخرجُ إلى الوجود. أمّا النموذج القويّ من مبدأ السبب الكافي، فلديه عيبٌ فتّاك يُمكنُ التعبيرُ عنه في الحجّة التالية:
يُشيرُ مبدأ السبب الكافي إلى أنّ كلّ حالةٍ لها سبب، إمّا من داخل نفسها أو في حالةٍ أخرى.
ثمّة حالات ممكنة
إذا وُجِدتْ حالاتٌ مُمكنة، فثمّة إذًا حالة ليس لها سبب.
بالتالي:
مبدأ السبب الكافي هو باطل.
(112)من الواضح الآن أنّ المقدمة (3) هي التي تحتاجُ إلى دفاع. المشكلة هنا هي أنّ مبدأ السبب الكافي لا يُمكن أن يكون صحيحًا بنفسه. يحتجُّ رو كالتالي.
خُذ بعين الاعتبار الحالة (ح) التي تمّ التعبير عنها عبر مقدمة «ثمّة حالات ممكنة». من الواضح أنّ وجود الحالات هو أمرٌ ممكن. وعليه، فإنّ (ح) بذاتها هي حالة ممكنة. يجب إذًا وفقًا لمبدأ السبب الكافي أن توجد حالةٌ ما تكونُ سببًا لـ(ح)، وهذا يُفسِّرُ حقيقةَ وجود حالاتٍ ممكنة بدلًا من عدم وجودها. افترِض أنّ أحدهم قال إنّ الحالة المتشكِّلة من وجود الله هي ما تُفسِّرُ (ح)، وأعطى كسببٍ [لهذا الاعتقاد] أنّ الله تسبّب بوجود حالاتٍ مُمكنة. ثمّ نسأل إذا كان وجودُ الله هو حالة مُمكنة أو واجبة. إذا كان وجودُ الله حالةً مُمكنة، فلا يُمكن أن يُفسِّر (ح)؛ لا يُمكن أن يُفسِّر لماذا ثمّة حالات مُمكنة بدلًا من العكس -تمامًا كما أنّ ذِكر وجود آدم وفعله المتمثِّل بإنجاب الأولاد لا يُمكن أن يُفسِّر لماذا يوجد ناسٌ بدلًا من عدم وجود أحد. وعليه، يجب أن يقول المدافع عن مبدأ السبب الكافي إنّ الحالة التي يُشكّلها وجودُ الله هي حالةٌ واجبة. من ثمّ نسأل إذا كانت الحالة المذكورة عبر مقدمة «الله سبّب وجود حالاتٍ ممكنة» هي حالة ممكنة أو واجبة. إذا كان تسبُّب الله بإيجاد حالاتٍ ممكنة هو بحدّ ذاته حالة ممكنة، فلا يُمكن أن يُفسِّر (ح)؛ لا يُمكن أن يشرحَ لماذا توجد حالاتٌ ممكنة بدلًا من العكس. أي إذا كان السؤال الذي ينبغي تقديم الإجابة عليه هو «لماذا توجد حالاتٌ ممكنة بدلًا من لا شيء [منها]؟ »، فلا يُمكن أن نُجيب عليه من خلال اللجوء إلى حالةٍ ممكنة ما. بالتالي، يجب أن يقول المدافِع عن مبدأ السبب الكافي إنّ تسبُّب الله بإيجاد حالاتٍ ممكنة هو بحدِّ ذاته حالة واجبة. ولكن إذا كان وجودُ الله واجبًا وكان تسبُّب الله بإيجاد حالاتٍ ممكنة هو أيضًا واجب، يتبع [عن ذلك] أن يكون وجود حالاتٍ ممكنة واجبًا. ولكن كما لاحظنا في البداية،
وجود الحالات الممكنة هو ممكن وليس واجبًا. وعليه، لا يُمكن أن يوجد تفسيرٌ لـ(ح)؛ لا يُمكن أن يوجد تفسيرٌ لحقيقة وجود حالاتٍ مُمكنة. بالتالي، بما أنّ مبدأ السبب الكافي يُشيرُ إلى وجود سببٍ لـ(ح)، ويُشيرُ إلى وجود تفسيرٍ لحقيقة وجود حالاتٍ ممكنة، فإنّ مبدأ السبب الكافي باطل.
لماذا إذًا يعتقدُ كثيرٌ من الناس أنّ مبدأ السبب الكافي صحيح؟
حاولَ أغلب عُلماء اللاهوت والفلاسفة الذين يقبلون بمبدأ السبب الكافي أن يُدافعوا عنه بأحد طريقَين. أكّد البعض أنّ مبدأ السبب الكافي يُعرَف (أو يُمكن أن يُعرَف) حدسيًا لكي يكون صادقًا. إنّهم يقصدون من هذا أنّنا لو فهمنا بشكلٍ كاملٍ وتدبّرنا بما يقوله مبدأ السبب الكافي، يُمكن أن نرى أنّه يجب أن يكون صادقًا... ولكنّ الصعوبة التي تعتري الادّعاء بأنّ صِدق مبدأ السبب الكافي يُعرَف حدسيًا هي أنّ عددًا من الفلاسفة البارعين للغاية يفشلون عند التدبُّر الدقيق في استيعاب صدقه، وقد طوَّر البعضُ احتجاجاتٍ جدّية لصالح الاستنتاج بأنّ المبدأ هو باطلٌ بالفعل. وعليه، من الواضح أنّه لم يقتنع الجميع ممّن تدبّر بمبدأ السبب الكافي بأنّه صادق، وقد اقتنعَ البعضُ بوجود أسباب جيّدة للاعتقاد بأنّه باطل...
الطريقة الثانية التي حاول من خلالها الفلاسفة وعلماء اللاهوت الذين يقبلون بمبدأ السبب الكافي الدفاع عنه هي من خلال الادّعاء بأنّه رُغم أنّه قد لا يُعرَف بأنّه صادق إلا أنّه افتراض مُسبَق عقلي، فرضية أساسية يصنعها العقلاء، سواء تدبّروا بشكلٍ كافٍ لكي يَعوا الفرضية أم لا. ربما يكونُ صحيحًا أنّ هناك فرضيات نصنعها جميعًا عن عالمنا، فرضيات هي أساسية للغاية إلى درجة أنّ أغلبنا هو غير مُلتفتٍ لها. وأفترضُ أنّه قد يكونُ صحيحًا أنّ مبدأ السبب الكافي
(114)هو فرضية على هذا النحو. ما هي الصلة التي تحملها هذه النظرة حول مبدأ السبب الكافي بالدليل الكوزمولوجي؟ لعلّ النقطة الأساسية لنذكرها هي أنّه حتّى لو كان مبدأ السبب الكافي افتراضًا مُسبَقًا نتشاركُ به جميعًا، فإنّ مباني الدليل الكوزمولوجي قد تكونُ باطلة مع ذلك. وذلك لأنّ مبدأ السبب الكافي نفسه قد يكون باطلًا مع ذلك. الحقيقة -إن كانت حقيقةً- أنّ جميعنا يفترضُ مُسبَقًا أنّ كلّ موجود وكلّ حقيقة إيجابية لها تفسير، لا تقتضي عدم وجود أي كائن، وعدم وجود أي حقيقة إيجابية، من دون تفسير.
ينبغي أيضًا ذكر خاصيتَين أخريين هنا تتعلّقان بمبدأ السبب الكافي التابع للايبنتس وكلارك لأنّهما مُهمَّين بالنسبة لاعتراضات رو وبالنسبة لكثيرٍ من الجدال التابع. أولًا، ينبغي فهمُ هذه الصيغة من مبدأ السبب الكافي كمبدأٍ ضروري. ليس من الواضح تمامًا كيف نتعاملُ مع هذا الأمر، ولكن ينبغي أن يعني على الأقلّ أنّها تملكُ نوعًا من المكانة المنطقية، أنّها صحيحة بداهةً. وعليه فإنّها ليست حقيقةً يُمكن التوصُّل إليها استقرائيًا وتكون قابلة للملاحظة العلمية حول الكَون. ينبغي فقط أن تكونَ صحيحة حول وفي أيّ كَونٍ ممكن.
ثانيًا، تقتضي ضرورتها أنها صادقة في كلّ حالةٍ ممكنة. وعليه، ينبغي أن تكون صادقة في مجموعة الحالات كما يحتجُّ رو. امتدادًا لذلك، ينبغي أن تكون صادقة في مجموعة جميع مجموعات المجموعات وما إلى ذلك. هذه النقطة هي التي تُتيحُ المفارقات الظاهرة المشيرة لذاتها في أيّ مبدأ كامل وضروري للسبب الكافي.
يستمرُّ الجدال حول الصيغة القويّة من مبدأ السبب الكافي. أميلُ إلى
(115)الاستنتاج بأنّ رو مُحق، أنّه نظرًا إلى هذه الصيغة القوية من مبدأ السبب الكافي، تنتجُ أوضاعٌ مُستحيلة. وعليه، هل يُمكن أن توجد صيغةٌ أخرى من مبدأ السبب الكافي يُرجَّح بشكلٍ أكبر أن تكونَ قابلة للتطبيق؟ في الواقع، سبقَ وأن وظّفَ نموذج رايشنباخ صيغةً ضعيفةً من مبدأ السبب الكافي (بالمعنى الذي طرحه رو)، وقد اقتفى آخرون أثره كما سوف نرى.
ريتشارد غايل وألكساندر براس: حازَ ريتشارد م.غايل (1932-2015) شهادةَ الدكتوراه من جامعة نيويورك ودرّس في جامعة بيتسبرغ خلال أغلب حياته المهنية. كان المقصد من كتابه الصادر في العام 1991 تحت عنوان «عن طبيعة الله ووجوده» ردًّا دقيقًا، وهو قطعًا هكذا، على الإحياء المعاصِر للإيمان الفلسفيّ، خصوصًا من قِبل ألفين بلانتينغا وويليام ألستون وريتشارد سوينبورن، وقد تضمّنَ مُعالجةً مُستفيضة للدليل الكوزمولوجي. اهتمامنا الوحيد هنا هو دليله الملخّص الختاميّ على رفضه. إنّه كالتالي ببساطة: تستنتجُ الحجّة كائنًا هو واجب الوجود ويتّسمُ بالخير الأخلاقيّ. ولكن ينبغي أن يتناقضَ هذا الاستنتاج مع مقدمة وجود الشرور التي تحصلُ في هذا العالَم. على وجه الخصوص، احتجّ غايل أنّ استنتاجَ أيّ دليلٍ كوزمولوجي سوف يتمثّلُ بالتالي: «في العالَم الفعليّ، «و» [واجب الوجود] هو مميّزٌ بالحدّ الأعلى وموجودًا بالضرورة» وبالتالي فهو «كائن عظيم لا يُعلى عليه». من هنا، يجب أن ينتج أنّ «و» «موجودٌ ويملكُ الخير المطلق والعلم المطلق والحاكمية في كلِّ عالَمٍ مُمكن».
ولكن ينبغي أن يعتقدَ أنصارُ الإيمان بالإله أيضًا، كجزءٍ من نظرية العدالة
(116)الإلهية التي يتبنّونها، أنّ الأشخاص أحرار وعليه يُمكن أن يرتكبوا ما هو خطأ أخلاقيًا. بالتالي، ثمّة «عالَمٌ مُمكن حيث كلُّ إنسانٍ حُر يرتكبُ دائمًا بحريةٍ ما هو خطأ أخلاقيًا».
يؤكِّدُ غايل أنّ هاتين القضيتين المتناقِضَتين «تُشكِّلان دليلان أنطولوجيان على إبطال وجود النوع بالذات من الكائن الذي يتمّ التأكيد على وجوده في استنتاج كلّ نموذجٍ من الدليل الكوزمولوجي، ويظهر بالتالي أنّ هذه الأدلّة هي معيوبة بشكلٍ جذري».
ومن ثمّ في العام 1999، نشرَ ريتشارد غايل وتلميذه ألكساندر براس (المولود في العام 1973) -الذي أتمّ مرحلة الدكتوراه في العام 2001 في جامعة بيتسبرغ ويُدرِّسُ حاليًا في جامعة بايلر- شيئًا مُفاجئًا بعضَ الشيء: نموذج جديد وصالح عن الدليل. تبيّنَ أنّ هذا دليلٌ مُعقّدٌ للغاية يتألّفُ من سبع عشر خُطوة ويَستنتجُ في الخطوة (18) أنّه: «من الصحيح إمكانًا وجودُ كائنٍ واجبٍ خارقٍ للطبيعة هو قويٌ للغاية وذكي وخيِّر ويخلقُ بحريةٍ الكَونَ في العالَم الفعلي».
هذا النموذج الجديد لا يحلُّ فقط عددًا من الصعوبات الأخرى التي لاحظها غايل في أنواعٍ مُختلفة من الدليل، ولكنّ الأهم هو أنّه يُعالج «المشكلة الأشدّ» المهيمِنة المتعلِّقة بالتورُّط الظاهري لله في حصول الشر.
(117)تتعلّقُ المشكلة الأشدّ بالصفات الأخلاقية لـ«واجب الوجود الخارق للطبيعة القويّ للغاية والذكيّ الذي يُسبِّبُ بحريةٍ وجودَ الكَون في العالم الفعلي». إذا لم نستطع أن نُظهِر أنّ هذا الموجود هو على الأقلّ موجودًا خيِّرًا للغاية، فقد تكونُ قد أنتجتْ حُجّتنا [وحشَ] فرانكشتاين، وهذا الكائن لن يكونَ شيئًا جديرًا بالعبادة وبالتالي لن يُلبّي حاجات المؤمن العامِل.
لكي نبدأ، لم يتمّ إظهار أنّ خالقنا الله هو على نحوٍ يملكُ الخاصيّة الجوهرية المتمثِّلة بضرورة فعل ما هو أفضل على الدوام، وبالتالي يُمكن لإلهنا منطقيًا أن يرتكب الخطأ في العالَم الفعليّ... فضلًا على ذلك، حتّى أنّه لم يتمّ إظهار أنّ إلهنا هو مُحسنٌ بشكلٍ مثاليٍ في كلِّ عالَمٍ ممكن، ولهذا السبب فإنّ الله [الموجود] في استنتاج حُجّتنا لن يُلبّي بشكلٍ تام آمالَ جميع المؤمنين وحاجاتهم. ولكن أكثر ما يهمُّ بالنسبة للمؤمن العامِل هو ليس إذا كان من الممكن منطقيًا (وهو مفهومٌ لا يملكه [المؤمن]) أن يفعل الله ما هو خطأ أخلاقيًا بل إن كان الله قادرًا على فعل ذلك في العالَم الفعليّ، حيث تُفهَم القدرة على ضوء ما يملكُ الكائن القابلية والعلم والفرصة لفعله. قد يُقال بأنّ الله غير قادر على ارتكاب الخطأ في العالَم الفعليّ بمعنى أنّه لا يُمكن أن يدفع نفسه لفعله، وأنّه فوق الإغواء، وأنّه بإمكاننا أن نضعَ ثقةً مُطلقةً به. هذا لا يقتضي أن يكون من المحال منطقيًا أن يرتكب الله الخطأ.
المشكلة الأشدّ في حجّتنا ليستْ إذا كان الله فيها مُحسنًا جوهريًا بل إن كان مُحسنًا فعليًا. وهذا موضع اهتمام رئيسيٍ بالنسبة للمؤمن العامِل. وهنا تغدو حجّتنا ضعيفةً للغاية. لكي نُواجِه هذه المشكلة، يجب أن نُعبّئ جميعَ نظريات العدالة الإلهية الموجودة [لتفسير] سماح الله بوقوع جميع الشرور المعروفة في العالَم، ممّا يُظهِرُ مرةً
(118)أخرى الحاجة لتقديم دفاعٍ عالميٍ عن الإيمان بالإله. هذا العدد الكبير من نظريات العدالة الإلهية سوف يتركُ مع ذلك عددًا لا يُحصى من الشرور غير المبرَّرة ظاهريًا، وعند هذه النقطة يجب أن يدخل الإيمان [ويقول] إنّ الله يملكُ أسبابًا مُبرِّئة أخلاقيًا للسماح بهذه الشرور، حتّى لو عجزنا عن التوصُّل إلى هذه الأسباب.
النقطة الفعلية هنا هي أنّه لا يُمكن إدخال مُشكلة الشرّ خلسةً بعد نهاية اللعبة كعاملٍ هازمٍ لدليلٍ سبقَ وأن تمّ إظهارُ صحّته. ثمّة دفاعات قوية بشكلٍ كافٍ متاحة لإلحاق الهزيمة بهذا الاعتراض؛ ولكن حتّى لو لم تكن كذلك، فيبقى الأمر غير متّصل بمنطق الدليل نفسه. يجب أن نذكر أنّ هذا ينطبقُ على جميع أشكال الدليل الكوزمولوجي وليس فقط على أصناف مبدأ السبب الكافي.
النموذج الاستقرائي التابع لريتشارد سوينبورن: أحدُ أقوى الأصوات المتحدِّثة عن وجود الله هو صوتُ الأستاذ في جامعة أوكسفورد، ريتشارد سوينبورن. لغاية الآن، شهِد كتابُه تحت عنوان «وجود الله» ثلاثة إصدارات، صدرَ أوّلها في العام 1979 . إضافةً إلى ذلك، ثمّة نموذج أقصر وأسهل تحت عنوان «هل الله موجود؟»، ونموذج أقصر من ذلك وأكثر سهولة تحت عنوان «الدليل على الله».
رغم أنّ مُقاربة سوينبورن تعتمدُ في النهاية على لايبنيز، إلا أنّها استقرائية من ناحية اشتقاق مبدأ السبب الكافي وفي الصيغة الإجمالية لكامل دليله
(119)الكوزمولوجي. هذا يؤدّي إلى حُجة يختلفُ مظهرها إلى حدٍّ بعيد، وليستْ عُرضة لأيٍ من شكاوى رو حول مبدأ السبب الكافي. يملكُ الدليل نموذجًا ضعيفًا من مبدأ السبب الكافي يقيسُ ببساطةٍ الاحتمالية وهو ليسَ ضروريًا. مع ذلك، ما زالَ يُقصَد منه أن ينطبقَ على الكون كلّه، وهو يبقى كوزمولوجيًا حيث إنّه يبحثُ عن تفسيرٍ لوجود الأشياء الممكنة.
فيما يلي، إذًا، الخاتمة الاستنتاجية للدليل التي أدرجها سوينبورن بعد ستّة فصولٍ طويلة تُفسِّر «التفسير»:
كما رأينا على نحوٍ مُطوَّل نوعًا ما... افتراضُ وجود الإله هو افتراضٌ بسيط للغاية؛ فرضية [وجود] إلهٍ يملكُ القوة والعلم والحرية اللانهائية هي فرضيةٌ [يحملها] أبسط شخص يُمكن أن يوجد... وجودُ الكَون هو أقلّ بساطة، وبالتالي يقلّ توقّعه بداهةً عن [توقّع] وجود الله. وعليه، إذا لم يكن الله موجودًا فإنّ وجود كون مادّي معقَّد ليس مُتوقَّعًا كثيرًا؛ إنّه ليسَ عالي الاحتمال بداهةً مُطلقًا...
ولكن إذا كان الإله موجودًا، فمن الواضح أنّه قادرٌ على خَلق الكون؛ وسوفَ يفعلُ ذلك إلى الحدّ الذي يجعل خيرُه الكامل مُحتملًا أن يفعل [ذلك]. لقد احتججتُ... أنّ الله يملكُ سببًا وجيهًا لكي يخلق فاعلين بشريّين أحرار... لقد احتججتُ أنّ خلقَ هكذا مخلوقات أو عدم خلقهم سوف يكون أفضل فعلٍ بالتساوي، وعليه يجب أن نفترضَ أنّ الاحتمال المنطقيّ بأن يخلق الله هذه المخلوقات هو ½. لقد احتججتُ أنّ هذه المخلوقات سوف تحتاجُ إلى أجساد، وبالتالي تنشأ الحاجة لوجود عالَم ماديّ. وعليه، لهذا السبب وحده، فإنّ احتمال خلق الإله لعالَمٍ ماديٍ لن يكون أقلّ من ½... ولكن طبعًا، أحكامنا حول ما قد
(120)يفعله الإله الخيِّر بشكلٍ كاملٍ قد تكون خاطئة لأنّ آرائنا حول الخير الأخلاقي هي محدودة؛ وكما أؤكِّد في أنحاء هذا الكتاب، كثيرًا ما لا يُمكن أن نمنح أكثر من القيم التقريبية للاحتمالات التي أُناقشها. بالرغم من ذلك، إذا كانت الحدسيات الأخلاقية حول ما يفعله الإله الخيِّر بشكلٍ كاملٍ التي أُشيد بها [أمام] قُرّائي هي بأيّ نحوٍ قريبة من الصدق، يجب أن نستنتجَ بأنّ الاحتمال المنطقيّ بأنّه لو كان الإله موجودًا سوف يُوجد كَونٌ ماديٌ هو عالٍ إلى حدٍّ بعيد.
إذًا، ما يتبَعُ وفقًا لسوينبورن هو مُقارنة احتمالية بسيطة. احتمال نشوء كَونٍ كالذي نعرفه (أي: الإمكان) مع روابطه السببية القابلة للملاحظة (أي مبدأ السبب الكافي) بنفسه ببساطةٍ هو احتمال مُتدنٍ للغاية بينما «من الأكثر ترجيحًا أن يوجد الله من دون سبب» . على ذلك الأساس، وبقوّة ذلك الاستنتاج، يكونُ هذا الدليل دليلًا استقرائيًا صلبًا. رغم أنّه بنفسه لا يتركنا مغمورين بقوّة الإقناع القياسي، إلا أنّه يُشكِّلُ قطعًا على الأقل بوّابةً إلى احتجاجٍ أكبر.
الاعتراض الحقيقي الوحيد على هذا الدليل هو إنكار أنّ «الله + الكون» هو تفسيرٌ أبسط للأشياء من «الكون» فقط -أي بنفسه. ثمّة عدد كبيرٌ من الإصدارات حول هذا الموضوع، ولكن أعتقد أنّ ردّ سوينبورن الأصليّ على هذا الاعتراض يبقى من دون جواب. يُمثِّلُ الإله اللانهائي ذكاءً بسيطًا بشكلٍ كامل، وبالتالي دائمًا يكونُ حلًّا أبسط من تعقيدات الكَون المتطّور الذي يكونُ مُسبَّبًا بطريقةٍ ما ومحكومًا بالرياضيات وميكانيكا الكمّ فيعملَ بشكلٍ مُستقلٍ وتلقائي.
(121)تيم باين: حازَ تيم باين (المولود في العام 1972) درجة الدكتوراه من جامعة أريزونا ودرّسَ في جامعة أكسفورد، ويتواجدَ الآن في جامعة موناش في مدينة ملبورن الأسترالية. قدّمَ باين مؤخّرًا تقييمًا موجَزًا عن الوضع الحالي للدليل الكوزمولوجي في كتابه «مُقدّمة قصيرة جدًا في فلسفة الدِّين» . بدأ باين بدليل الكلام، بشكلٍ رئيسيٍ ذلك الذي قدّمه الغزالي، ولكن بشكلٍ عامٍ النموذج الزمني. يُقدّمُ باين الدليل التالي:
1. الكَون حادث.
2. كلُّ حادث له سببٌ لوجوده.
3. الكَون له سببٌ لوجوده. (من 1 و2)
4. إذا كان للكَون سبب، فيجب أن يكون ذلك السبب شخصيًا -أي يجب أن يكون الله.
5. بالتالي، الله موجود.
يعتقدُ باين أنّ هذا الأمر يُعاني من ثلاث مشاكل. أولًا، توجد مسألة اللانهائيات الفعلية. يعتبرُ عُلماء الرياضيات الحاليون أنّ جميعَ المجموعات اللانهائية تملكُ العددَ نفسَه من العناصر. وعليه، فإنّ مجموعة الأعداد الصحيحة الموجبة تملكُ المقدارَ نفسَه كمجموعة الأعداد الصحيحة الزوجية. بالتالي، لدينا أسبابٌ وجيهة للاعتقاد بأنّ حدسيّاتنا غرائب المجموعات اللانهائية حينما نُطبِّقها على العوالم الفعلية ينبغي أن يُصرَف النظر عنها، وبالتالي تكونُ اللانهائيات الفعليّة مُمكنة.
(122)ولكن هذا ببساطة يتجاهلُ الفرق بين الاحتمال الرياضي والواقع الفعليّ. كما رأينا في مرّاتٍ عديدة، لا يُمكن ببساطةٍ أن نستمدّ استنتاجاتٍ من واحدٍ إلى الآخر. المفارقات التي تحصلُ مع اللانهائيات الفعلية ما زالتْ سارية، ويجب أن تأخذ المعايير الميتافيزيقية الأولوية فوقَ المعايير الرياضية.
ثانيًا، يذكرُ باين أنّه من غير الواضح إذا «كان الوجود نفسه للكَون هو شيءٌ يملكُ تفسيرًا سببيًا». لقد تمّ تناوُل هذه القضية عدّة مرّاتٍ أيضًا. تتمثّلُ المشكلة الرئيسية في أنّه في دليل الكلام، ليسَ وجود الكَون بحدّ ذاته هو ما ينبغي تفسيره بل سبب البداية أو الحالة الأولية للكَون. نعودُ الآن إلى النقطة الأساسية للدليل -أي إذا كان يُمكن، وتحت أيّ ظروف، أن تبدأ سلسلةٌ سببية من لا شيء.
ثالثًا، ثمّة مشكلة تتمثّلُ في الاستنتاج العام جدًا للدليل: إنّه يؤكِّدُ ببساطةٍ وجودَ سببٍ لبداية الكَون وليسَ فاعلًا شخصيًا. هذه قضيةٌ كان الجميع منذ عصر أرسطو مُلتفتين جيّدًا لها، وكثيرًا ما ذكرتُ كيف تمّ توسيعُ الدليل لاستنتاج خصائص مُتنوِّعة لـ«السبب الأول غير المسبَّب» التي تُخوِّلنا الاستنتاجَ بأنّ هذا السبب الأول غير المسبَّب هو الله. وعليه مُجددًا، ليس ثمّة شي جديد أو جاذب هنا.
من ثمّ، ينتقلُ باين إلى الدليل غير الزمنيّ الذي قدّمه ثوماس أكويناس، ويقولُ إنّه أيضًا تابعٌ للايبنتس. يُمكن أنّ يتمّ التعبير عن هذا الدليل كالتالي:
1. الكَون ممكن.
2. ثمّة تفسيرٌ لوجود جميع الكيانات الممكنة.
3. يُمكن أن يُفسَّر وجودُ الكيانات الممكنة فقط من خلال اللجوء إلى وجودٍ واجب.
(123)4. ثمّة وجودٌ واجب واحد على الأقلّ (من 1 و2 و3.)
5. ذاك الوجود الواجب هو الله.
أقام هذا الدليل أيضًا ثلاثة اعتراضات كاشفة. الاعتراض الأول هو أنّ الحاجة المفترضة لوجود تفسيرٍ للكَون توجد فقط إذا سلّمنا بمبدأ السبب الكافي. لقد تناولتُ هذا الموضوع في القسم السابق ولا حاجة لتكراره هنا. في أيّ حال، هذا النقاش يتّصلُ فقط بدليل كلارك ولايبنتس، وليس له علاقة بدليل ثوماس. ثوماس غير مهتم بالكَون كلّه، ولا يُطبِّق أو يطلبُ نموذجًا من مبدأ السبب الكافي.
يتمثّلُ الاعتراضُ الثاني في أنّ الدليل يتوصّل بالاستنتاج إلى وجود كائنٍ واجب، و«نحنُ لا نملكُ إدراكًا جيدًا حول كيف يُمكن أن تُفسِّر أفعالُ كائنٍ واجب مثل الله وجودَ الكيانات الممكنة» . هذا اعتراضٌ غريبٌ فعلًا، لأنّ الدليل لا يدّعي قطّ أنّه يُفسِّر كيف يقوم الله بالتسبيب بل يستنتجُ ببساطةٍ ضرورةَ وجود سببٍ للكيانات الممكنة موضع السؤال. في الواقع، يُشيرُ دليلُ ثوماس فقط إلى كائنٍ موجودٍ بنحو واجب بالمعنى الميتافيزيقي، ويستنتجُ ضرورةَ وجود كائنٍ «غير مُسبَّب» -أي كيان غير مُمكن . وعليه، يبدو أنّ الاعتراض لا يملكُ
(124)أيّ استحقاق على الدليل الأرسطيّ-الثوماسي مُطلقًا. في الواقع، مع أنّه من دون شكٍ يُشكِّلُ لُغزًا مُثيرًا للاهتمام للإيمان بالإله عمومًا، إلا أنّه لا يملكُ صلةً بمبدأ السبب الكافي كذلك. إنّه أيضًا ليسَ بحاجةٍ إلى تفسير كيف يتصرّفُ واجب الوجود بل يحتاجُ فقط إلى أن يُظهِر بشكلٍ صالح أنّه يتصرّف.
الاعتراض الثالث هو اعتراض رأيناه أيضًا من قبل. يسألُ باين لماذا وجود الله بحدّ ذاته هو ليسَ بحاجةٍ إلى تفسير. يُصرّ باين أنّ المؤمنين يدّعون ببساطةٍ أنّ وجودَه ليس بحاجةٍ إلى تفسير. ولكن بالطبع، إنّهم لا يقومون فقط بادّعاء ذلك. إنّه استنتاجُ الدليل بالضبط. السؤال عمّا يُسبِّب السبب غير المسبَّب يعني فوتَ مغزى الدليل الكوزمولوجي بالكامل.
ثمّة مُشكلة حقيقية مع نقاش باين حول الدليل غير الزمنيّ وهي تتمثّلُ في خلط دليلَيْ لايبنتس وثوماس. بعض ما يؤكّد باين عليه له مقدارٌ من الصلة بدليل مبدأ السبب الكافي، ولكنّ دليل ثوماس يختلف إلى حدٍّ بعيدٍ عما يقدّمه لنا باين ولن يُصرَف النظر عنه هكذا بهذه السهولة. إنّه لا يتمحورُ حول الكَون كلّه بل فقط على مُلاحظاتٍ مُحدّدة. إنّه لا يلجأ إلى صيغةٍ شاملة لمبدأ السبب الكافي بل يُلاحظُ ببساطة أنّ بعضَ الكيانات التي نراها هي مُسبَّبة أو مُمكنة، وأنّه لا يُمكن وجود تسلسل لانهائي لهذه الكيانات إذا كانت مُتصّلة سببيًا من حيث التتابع.
كذلك، إنّه لا يستلزمُ مفهومًا مُسبَقًا عن الوجود الواجب كتفسير؛ إنّه يُجري الاستنتاج ببساطةٍ وصولًا إلى موجود أول غير مُسبَّب. هذا أمرٌ حاسمٌ
(125)لصيغة الحجة القائمة على الإمكان. رغم أنّه صحيح أنّ ثوماس، كما أرسطو، قد تمسّكَ بمبدأ السببية المبتني على الملاحظة، إلا أنّه لا يلعبُ دورًا في هذا الدليل. يحملُ الدليل الفرعي ضدّ التسلسُل اللانهائي عبءَ الدليل. هذا هو ما يؤدّي إلى الاستنتاج بأنّه لا يُمكن إلا أن يُوجد تسلسلٌ محدود من الأسباب الممكنة للوجود، وعليه يثبت وجود سبب أوّل وبالتالي غير مُسبَّب لوجود جميع الأشياء الموجودة بالإمكان في أيّ سلسلة.
كذلك أيضًا فإنّ مفهوم واجب الوجود هو ليس فرضية الدليل ولا نتيجته. كما رأينا، الاستنتاج هو ببساطةٍ إنكار السبب الممكن: غير المسبَّب. تسليمًا، المكوّنات الأخرى للوجوب الواجب تنتجُ عن الحجج الفرعية البارمينيدية، ولكنّ أرضيتها راسخة.
أستنتجُ أنّ الدليل الكوزمولوجي، في كلّ واحدٍ من صيغه الثلاث الرئيسية -الإمكان والكلام ومبدأ السبب الكافي (الضعيف)- ما زالَ له موطئ قدم. رغم أنّ كتاب باين يُشكِّلُ قطعًا مُعالجةً موجزة فقط، إلا أنّه يجب أن يكون من المتوقَّع أن يطرحَ على الأقلّ أقوى الاعتراضات الصادرة مؤخّرًا وفي الوقت الحاضر. إذا كان الأمر كذلك، يصمدُ الدليل وما زال المؤمنون الذين يُدافعون عن هذا الدليل واقفين بشكلٍ واضحٍ على أرضيةٍ عقلية سليمة.
(126)ويليام لين كريغ
لا نجدُ ذِكرًا للحجة الكونية الكلامية، الذي طواهُ النسيان إلى حدٍ كبيرٍ منذ عصر كانط، في مقالة بلانتينغا تحت عنوان «أربع وعشرون دليلًا لاهوتيًا (أو ما يُقاربُه) ». بالفعل، أفضلُ وصفٍ للمعالجة التي قدّمها بلانتينغا لهذا الدليل في أنحاء مؤلَّفاته هو: «الإهمال غير الخبيث». لم يُدعَم الدليل أو يُنقَض، ولكنه ببساطةٍ بقي بشكلٍ كليٍ تقريبًا من دون مُلاحظة. وعليه، لا يُمكنُ تبريرُ ذكر الدليل في هذا الكتاب إلا إذا اعتبرناه أحد الأدلة التي لم تُذكَر في الفئة الشمولية المشار إليها بعبارة «أو ما يُقاربه».
لم تكن مُحاولتي لإعادة إحياء للحجة الكلامية الكونية في العام 1979 بادئ
(131)الأمر أكثر نجاحًا من مُحاولة ستورات هاكيت المماثلة قبل عقدَين من الزمن. أمّا اليوم، فقد دخل الدليل مُجددًا تحت الأضواء. في تقييمٍ فلسفيٍ حديث، يرى المؤلِّفُ أنّ مؤيِّدي هذا الدليل قد حاربوا نقّاده فوصلَ الأمر إلى حالةٍ جامدة، وهذه نتيجةٌ تُسعدني تمامًا باعتباري عالم لاهوت طبيعي. أنوي في هذا الفصل الوجيز تناول بعض التطوّرات الحالية المتعلّقة بهذا الدليل.
قدَّم الغزالي، وهو عالمُ لاهوت مسلم عاش في القرون الوسطى، العبارة البسيطة التالية التي تُمثِّلُ الدليل: «كلُّ حادثٍ فلحدوثه سبب، والعالم حادث فيلزم منه أنّ له سببًا».
لا ينبغي أن تُربكنا الصيغة القياسية التي قدّمها الغزالي للحجة، إذ لا يلزم من الأدلة أن يجعل مقدمات الحجة القياسية قطعية لكي تكون الحجة مُقنعة. ولكن إذا فضّلنا ذلك، يُمكن صياغة الحجة استقرائيًا كاستدلال بالتفسير الأفضل. أنا شخصيًا أُفضِّلُ طرحَ الدليل قياسيَّا نظرًا لوضوح هذه الصيغة وبساطتها.
تُثيرُ مقدمة الغزالي الأولى «كلُّ حادثٍ فلحدوثه سبب» عددًا من الأسئلة التي تحولُ دون مُناقشتها القيودُ في سعة البحث. يكفي أن أذكر أنّني أُفضِّلُ الآن إعادة صياغة المقدمة السببيّة: «إذا كان الكونُ حادثًا، فلحدوثه سبب».
(132)جاء الاعتراضُ الأهم على المقدمة السببية من آدولف غرونبام الذي أشار إلى أنّها تفترضُ أنّه من خلال حدوثه، دخل الكون إلى عالم الوجود. المسألة التي يطرحها غرونبام هنا هي: هل إنّ الوقت أمر حقيقي أو وهمي؟ إذا كان الوقت أمر حقيقي، أو ما يُسمّى بالنظرية (A) للوقت، فإنّ الصيرورة الزمنيّة تُمثِّلُ خاصيةً موضوعية للواقعية. أمّا إذا لم يكن الوقت أمرًا ذا حقيقة، وهو ما تُفيده النظرية (B) للوقت، فإنّ جميعَ الأحداث هي حقيقيةٌ بالتساوي والصيرورة الزمنية هي وهم. وفقًا للنظرية (B)، فإنّ الكون في بدئه بالوجود لم يدخل إلى عالم الوجود، بل التشعُّب الزمكاني الرباعي الأبعاد الخالي من زمان واقعي يملكُ ببساطة حافّةً أمامية إن صحّ التعبير. يتحتّمُ عليّ أن أقول إنّ نظرية الزمان الحقيقي هي شرطٌ كافٍ -ولو غير ضروري- لصدق المقدمة، لاستحالة أن ينشأ شيءٌ من لا شيء. وعليه، سعيتُ لتحقيق وظيفتي الفلسفية من خلال تأليف دفاعٍ في مُجلّدَين لصالح نظريةٍ الوقت الحقيقي في مقابل نظرية الوقت الوهمي.
لنُسرع الآن إلى المقدمة الثانية الهامة للدليل: «الكون حادث». لقد دافعتُ عن دليلَين فلسفيَّين وتأكيدَين علميَّين لهذه المقدمة، ولكن سوف نُركِّزُ هنا على الأدلة الفلسفية.
(133)أحتجُّ هكذا:
1. عدم إمكانية وجود لانهائيٍ فعلي.
2. التسلسل الزمني التراجعي اللانهائي للأحداث هو لانهائيٌ فعلي.
3. وعليه، لا يُمكن وجود تسلسلٍ زمنيٍ تراجعيٍ لانهائي للأحداث.
اعتُرض على المقدمة (1) بأنّ الأدلة نفسها ضدّ وجود عددٍ لانهائي فعليٍ من الأشياء الملموسة تنطبقُ -مع إجراء تعديلات ضرورية- أيضًا على الأشياء المجرّدة، وهذا يُدمِّرُ الرياضيات الكلاسيكية. قد يُردُّ على هذا الاعتراض من خلال إجراء نوعٍ من التمييز المبدأي الذي يستثني المجرّدات من الدليل. عل سبيل المثال، يعتقدُ ألكساندر براس وروبرت كونز بأنّ الأدلة ضدّ اللانهائي الفعلي تنطبقُ فقط على الأشياء المرتبطة سببيًا، وعليه تُستثنى المجرّدات من قيودها. هذا استنتاجٌ مُرحبٌ به بالفعل لأنّ الأدلة ضدّ التراجع اللانهائي الفعلي للأشياء الملموسة لا تستلزمُ القول بتناهي الأشياء المجرّدة. ولكن إذا افترضنا الأسوء، فهل إنّ القول بتناهي المجرّدات تُدمِّرُ الرياضيات الكلاسيكية؟
هذا الادّعاء عجولٌ للغاية. إنّه مصادرة على المطلوب ضدّ الآراء المناهضة للواقعية تجاه الأشياء الرياضية. حقيقةُ الرياضيات الكلاسيكية وأنطولوجيا الأشياء الرياضية هما مسألتان مختلفتان، ولكن كثيرًا ما يقومُ النقّاد الحديثون
(134)للدليل بدمجهما. أغلب المناهضين للواقعية لا يذهبون إلى الحدّ التطرفي في الاتجاه الحدسي الذي ينكر الشرعية الرياضية للانهائي الفعلي، بل يُصرّون ببساطةٍ على أنّ القبول بالشرعية الرياضية لبعض الأفكار لا يقتضي إلتزامًا أنطولوجيًا بواقع الأشياء المتنوّعة. كثرة وجود البدائل الإسمانية (أو المضادّة للواقعية) للأفلاطونية (كالحيادية، الخيالية، البنيوية، الصورية، البنيوية المودالية، نظرية التظاهر وما إلى ذلك) تجعلُ قضية المكانة الأنطولوجية للكيانات الرياضية مسألةً جدلية. وعليه، إذا أراد الواقعي أن يؤكّد على أنّ الكائنات الرياضية تُقدِّمُ مثالًا مضادًا حاسمًا لإنكار وجود اللانهاية الفعلية، فيتحتّمُ عليه أن يُقدّم حجة قوية تدعم واقعية الكائنات الرياضية بالإضافة إلى تقديم عناصر ناقضة لجميع البدائل المضادّة للواقعية المتناغِمة مع الرياضيات الكلاسيكية -وهي وظيفةٌ تملكُ فرصًا خافتة للنجاح فعلًا.
(135)يُجزَم أحيانًا أنّ العلم الطبيعي ينصُّ على وجود عددٍ لانهائيٍ فعليٍ من الأشياء، ولكن هذا غير صحيح. مفهوم اللانهائي المحتمل هو كافٍ تمامًا للتنظير العلميّ. علّقَ سولومون فيفيرمان، عالمُ الرياضيات في جامعة ستانفورد، بأنّ «اللانهائي الفعلي غير مطلوب في رياضيات العالم المادي» شارحًا التالي:
المفاهيم اللانهائية غير ضرورية لتحويل العلم الى الرياضيات، على الرغم من كل المظاهر التي توحي بالعكس. وهذا...يُثير التساؤل حول الرأي القائل بأنّ الرياضيات العليا تتجسّدُ بطريقةٍ ما في العالم، بدلًا من كونها الصرح المفهومي الذي رفعه البشر لفهم العالم.
الطريقة الفضلى لدعم الافتراض (1) هي من خلال الاختبارات الفكرية التي تُظهرُ اللامعقوليات المتنوّعة التي تنشأ فيما لو تحقّق اللانهائي الفعلي مصداقيًا في العالم الواقعي، على سبيل المثال: مُفارقة «فندق هيلبرت» الشهيرة حيث يُمكن للفندق أن يستضيفَ المزيدَ من النزلاء بشكلٍ لانهائي رُغم أنّه مشغولٌ كليًا. عبّر خوسيه بينارديت، الذي يتمتّعُ بقدرةٍ إبداعية وفعّالة في صياغة هذا النوع من الاختبارات الفكرية، بشكلٍ جيدٍ عن المسألة قائلًا: «عند النظر بصورةٍ مُجرَّدة، لا يوجد تناقضٌ منطقيٌ في أيٍّ من هذه الفداحات، ولكن علينا فقط أن نُواجهها بصورةٍ محسوسة كي تضربنا سخافتها الصارخة في وجوهنا».
يقصدُ بينارديت على وجه الخصوص ما يُسمّيه مفارقات الاستمرارية المسننة، كالتالي:
(136)ثمّة كتاب على الطاولة. افتحه. انظر إلى الصفحة الأولى. قِس سُمْكها. إنّها سميكةٌ للغاية فعلًا كورقةٍ واحدة- سمكها نصف بوصة. الآن انتقِل إلى الصفحة الثانية من الكتاب. ما هو سُمْك هذه الورقة الثانية؟ ربع بوصة. والصفحة الثالثة من الكتاب، ما سُمكها؟ ثُمُن بوصة، وهكذا إلى ما لا نهاية. علينا أن نفترض ليس فقط أنّ كلّ صفحة من الكتاب يليها تابعٌ مباشر يبلغ سُمكه نصف سُمك الصفحة السابقة، بل أيضًا (وهذا مهم) أنّ عددًا محدودًا من الصفحات يفصل بين كلّ صفحة والصفحة الأولى. هذان الشرطان مُنسجمان منطقيًا: لا يوجد تناقض يُمكن المصادقة عليه في تأكيدهما المشتَرَك. ولكنّهما يقتضيان معًا عدم وجود صفحةٍ أخيرة من الكتاب. أغلِق الكتاب. اقلبه كي يكون الغلاف الأمامي للكتاب على وجهه على الطاولة. والآن، ببطء، ارفع الغلاف الخلفيّ للكتاب بهدف النظر إلى حزمة الأوراق الموجودة أسفله. لا يوجد شيءٌ لنراه. وذلك لأنّه لا توجد صفحةٌ أخيرة في الكتاب لتستقبل نظرنا.
ما يجعلُ التناقضات من هذا القبيل قويةً بصورةٍ خاصّة هو عدم وجود عمليةٍ أو وظيفة كبيرةٍ هنا؛ كلّ صفحةٍ هي كيانٌ فعلي له سُمكٌ محدود (لا يُشكِّلُ أيٌ منها مجالًا مُتحوّلًا) ويُمكنُ فصلها عن الصفحات الأخرى ونثر جميع الصفحات في كلّ الجهات فيتحصّل وجود لانهائيةٍ فعلية من الصفحات في الفضاء. إذا لم يكن وجود هكذا كتاب مُمكنًا، فلا يُمكن أن يُوجد لانهائي فعلي.
عند هذه النقطة، لا يملكُ مؤيّدُ اللانهائية خيارًا إلا أن يقوم ببساطة «باحتضان الاستنتاج الذي توصّلت إليه حُجّة الخصم المبنية على بُرهان الخلف» وفقًا لتعبير أُوبي. يشرحُ أُوبي أنّ «هذه الأحوال التي يُزعَم أنّها مُنافية للمنطق هي
(137)تمامًا ما يتحتّمُ على المرء أن يتوقّعه فيما لو وُجدت...اللانهائيات المادية».
مع ذلك، فإنّ ردّ أُوبي هو عديم الجدوى، إذ لا يفعلُ شيئًا في سبيل إثبات أنّ الأحوال المتصوَّرة هي غير مُنافية للمنطق، بل ما يؤدّيه فقط هو أن يُكرِّر، في واقع الأمر، أنّه إذ كان وجود اللانهائي الفعلي مُمكنًا في الواقع إذًا لكان من الممكن وجود كتابُ بينارديت أو فندق هيلبرت، وهذا ليس محلّ نزاع. في النهاية، أمثلة المشكلة ما كانت لتكون موضعَ إشكالٍ إذا لم تنشأ النتائج المزعومة! السؤال هو: هل هذه النتائج مُنافية للمنطق فعلًا؟
لقد دارَ فيما يتعلّقُ بالمقدمة (2) نقاشٌ كبيرٌ خلال السنوات الأخيرة حول ما إذا كان نجاحُ الحجة يستلزمُ تناهي المستقبل بالإضافة إلى تناهي الماضي. النقطة
(138)التي يطرحها هذا الهاجس ليست واضحة تمامًا. بما أنّ المناصرين التقليديّين للدليل الكوني الكلاميّ اعتقدوا بالحياة الأبدية، فإنّ هذا النوع من التفكير قد يمنح ناقدَ الدليل ميزةً جدليةً حينما يتمّ توجيهه بنحو شخصي، ولكنّه لا يُضعف أو يفنّد أيًا من افتراضات الدليل الموجّهة ضدّ لانهائية الماضي. الإسخاتولوجيا الفيزيائية مُتناغمة تمامًا مع انتهاء التسلسل الزمني للأحداث في تفرُّدٍ كوني نهائي. الأدلّة الفلسفية لصالح انتهاء التسلسل الزمني للأحداث تُنشئ صعوباتٍ لاهوتية جدّية للمسيحيين التقليديين واليهود والمسلمين، ولكنّها لا تُشكِّلُ هزيمةً للدليل على تناهي الماضي.
يُحلِّلُ كوهين أنّ نقّاد الدليل يعتقدون بما يلي: بما أنّ الكون اللانهائي يبدو مُمكنًا قطعًا، ينبغي أن نرتاب حيال الأدلة على بداية الكون. قد يتخلّص مؤيِّد الدليل الكلاميّ من هذا الادّعاء من خلال الردّ بأنّ الناقد لم يُظهر وجودَ أيّ لامعقوليةٍ في أن يمتلك تسلسل الأحداث نهايةً فضلًا عن بداية. وعليه، لا أساس للتشكيك.
ولكن هل يُسوَّغ للناقد أن يعتبر أنّ الأحداث الماضية والمستقبلية هي مُوازية بشكلٍ كامل؟ قد يُحاول المدافعون عن الدليل الكلامي إبطالَ الاعتراض من خلال لفت الانتباه إلى نقصٍ مهم في القياس بين الماضي والمستقبل يُفسدُ سعيَ النقّاد لإظهار التوازي. وفقًا للنظرية (B) للوقت، فإنّ المستقبل مُشابهٌ تمامًا للماضي لأنّ جميعَ الأحداث حقيقيةٌ بالتساوي والتحوُّل الزمني هو وهم. وفقًا للنظرية (B) للوقت، فإنّه من الواضح لماذا تكونُ الحجج ضدّ سلسلةٍ لا بداية لها من الأحداث السابقة صالحة أيضًا ضدّ سلسلةٍ لا نهاية لها من الأحداث اللاحقة.
(139)ولكن يفترضُ الدليلُ الكوني الكلامي من البداية حتّى النهاية نظرية (A) للوقت والتي تنصُّ على أنّ التحوُّل الزمني هو ميزةٌ موضوعية للحقيقة. تنتهي سلسلةُ الأحداث عند الحدث الحالي، ويتغيّر المنتهى باستمرارٍ مع وقوع أحداثٍ جديدة وانضمامها إلى السلسلة. لا توجد أحداث بعد الحدث الحالي، وبالتالي لا توجد أحداثٌ مُستقبلية. وعليه، تقتضي النظرية (A) للوقت عدم وجود عددٍ لامتناهٍ فعليًا من الأحداث المستقبلية؛ بالفعل، عدد الأحداث المستقبلية هو 0. سلسلة الأحداث التي تتأخّر عن أي حدثٍ زمني هي متناهية دائمًا، ودائمًا تتزايدُ نحو اللانهائية كحدّ. بتعبيرٍ آخر، هذه السلسلة هي لانهائيةٌ بالقوة. توضِّحُ هذه الميزة التي تتمتّعُ بها السلسلة لماذا يبدو من الواضح حدسيًا إمكان استمرار السلسلة الزمنية للأحداث إلى الأبد: إنّها تقتربُ بشكلٍ دائمٍ من اللانهائية كحد. في المقابل، لا يُمكنُ لسلسلة الأحداث التي تسبقُ أيّ حدثٍ في الزمن أن تكون لانهائية بالقوة، وذلك لأنّه كي يصحّ ذلك يتحتّمُ أن تكون محدودةً ومع ذلك آخذة بالازدياد في الاتّجاه السابق، وهذا يتناقضُ مع طبيعة التحوُّل الزمني. وعليه، فإنّ سلسلة الأحداث التي لا بداية لها ينبغي أن يتكون لانهائية فعليًا.
يُصرُّ كوهين أنّه من أجل تفنيد الاعتراض، لا يكفي التأكيد على أنّ سلسلة الأحداث الماضية فحسب -في مقابل سلسلة الأحداث المستقبلية- هي لانهائيةٌ فعليًا. يتحتّمُ طرحُ نقطتين هنا: الأولى هي أنّه لا داعي لأن يقوم مُؤيِّدو الدليل الكلامي بتفنيد الاعتراض من أجل إلحاق الهزيمة به، إذ يُمكن إبطاله من خلال إقدامهم ببساطةٍ على إضعاف مُسوِّغ الاعتراض. المعترِض هنا هو من يحملُ
(140)عبء إثبات ثقيل نسبيًا إذ يحتاجُ إلى أن يُثبت بأنّ الأدلة لصالح تناهي الماضي تُترجم من دون إشكال إلى أدلّة لصالح تناهي المستقبل. النقطة الثانية هي أنّه إذا كان يستندُ الدليل ضدّ لانهائية الماضي على الطبيعة المتناقِضة للانهائي الفعليّ، فإنّ التأكيد على أنّ سلسلة الأحداث الماضية التي لا بداية لها -في مقابل السلسلة اللامتناهية من الأحداث المستقبلية- هي وحدها لانهائية فعليًا، فهذا يُمثّل في الواقع هزيمةً للاعتراض. وعليه، يقعُ على المعترِض العبء بأن يُظهِر أنّه لا يُمكنُ الدفاعُ عن هذا التأكيد.
لقد قيل إنّه وفقًا لمذهب الحاضرية، لا تتمتّع الأحداث الماضية بالوجود أكثر من الأحداث المستقبلية، وعليه فإنّ عدد الأحداث الماضية هو أيضًا 0، حتّى لو كانت سلسلة الأحداث الماضية لا بداية لها. ولكن كما سبق وأن وضّحت، فإنّ الهدف من دليلي الموجّه ضدّ وجود لانهائيٍ فعليٍ هو إظهار عدم إمكانية
(141)التحقُّق المصداقيّ لعددٍ لانهائيٍ فعلًا من الأشياء في الواقع. مع النظرية (A) للوقت، إذا كانت سلسلة الأحداث المتساوية في المدّة تفتقدُ للبداية، فهذا يعني أنّ عددًا لانهائيًا فعلًا من الأحداث الماضية قد تحقّق في الواقع. في المقابل، إذا كانت سلسلة الأحداث المتساوية في المدّة لانهائية، فهذا يعني أنّه لم ولن يتحقّق مِصداقيًا على الإطلاق عددٌ لانهائي فعليًا من الأحداث المستقبلية في الواقع. مع احترامنا لكوهين، بينما أنّ التسلسل الزمني التراجعي اللانهائي من الأحداث يقتضي أنّ عددًا لانهائيًا فعليًا من الأحداث (الماضية) قد وقع، فإنّ التسلسل الزمني التقدّمي اللانهائي من الأحداث لا يقتضي أنّ عددًا لانهائيًا فعليًا من الأحداث (المستقبلية) سوف يقع. لن يقع قط عددٌ لانهائي فعليًا من الأحداث لأنّه يستحيلُ العدُّ إلى ما لانهاية. المعنى الوحيد لتحقّق عددٍ لانهائي من الأحداث هو في حال تزايد سلسلة الأحداث نحو اللانهائية كحدّ. وعليه، ليس الأمر كما يدّعي هيدريك حول إمكانية وضع الأحداث في المستقبل اللانهائي في رابطة 1-1 مع أحداث الماضي اللانهائي، وذلك لأنّ عدد الأحداث المستقبلية هو 0 بينما عدد الأحداث الماضية هو وفق الفرضية ℵ0.
عبّر هِدريك أيضًا عن تحفّظه بأنّ «الادّعاء حول إمكانية إنتاج اللامعقولية
(142)ذاتها [مثل فندق هيلبرت] بعددٍ لامتناهٍ فعليًا من الأشياء غير الموجودة كالأحداث الماضية، يجعلُ الأمر يبدو كأنّ تذمُّر كريغ يرتبطُ بالشرعية الرياضية للانهائية، ليس فقط فكرة تحقُّق اللانهائي الفعلي مِصداقيًا في الواقع». أنا أنفي التُّهمة. بصفتي شخصٌ مُعارض للواقعية فيما يتعلّقُ بالأشياء الرياضية، فأنا أتّخذُ مُقاربةً نظريةً تظاهرية تجاه نظرية المجموعات. نحنُ مدعوّون للتخيُّل بأن مبادئها، خصوصًا مبدأ اللانهائية، هي صادقة ومن ثمّ نحن أحرار في استكشاف النتائج. يُمكننا في تلك المملكة الخيالية أن نتحدّث باستمرارٍ عن اللانهائيات الفعلية من دون أيّ هواجس ضميرية ميتافيزيقية. في المقابل، الأحداث الماضية ليست مجرّد خيال بل قد حصلت فعلًا، وعليه فهي جزءٌ من العالم الفعلي.
يُقدِّمُ هيدريك إعادة صياغة ملائمة لدليلي بناءً على استحالة وجود لانهائيٍ فعلي كما يلي:
1. لا يُمكن أن يوجد عالم قد تحقّقَ فيه عددٌ لانهائي فعليًا من الأشياء.
2. إذا كان العالم الواقعي يضمُّ كونًا لانهائيًا من جهة الماضي، إذًا ثمّة عالم قد تحقّق فيه عددٌ لانهائي فعليًا من الأشياء.
3. وعليه، لا يُمكن أن يكون الكون في العالم الواقعي لانهائيًا من جهة الماضي.
رُغم أنّ هيدريك يُشكِّكُ في مدى ارتباط مفارقات مثل فندق هيلبرت بـ(D1)، يبدو لي أنّ إعادة الصياغة تنزعُ أيَّ اعتراضٍ حول الاستخدام التوضيحي لمثال فندق هيلبرت بناءً على عدم تزامن الكيانات التي يتمّ تعدادها،
(143)ما دامت تلك الكيانات -مثل الأحداث الماضية وخلافًا للأحداث المستقبلية- قد تحقّقت.
بالفعل، وكما يُظهرُ آندرو لوك، إذا أنكرَ أحدهم الافتراض (1) على أساس إمكانية التسلسل الزمني التراجعي اللانهائي للأحداث، فلن يكون موضع إشكالٍ أن نُظهر إمكانية تحقّق عدد لامتناهٍ فعليًا من الأشياء الموجودة بشكلٍ مُتزامن. يتخيّلُ لوك أنّ التسلسل التراجعي اللانهائي للأحداث يضمُّ أحداثًا تتعلّقُ ببناء غُرف الفنادق وإنتاج الزبائن منذ أزليةٍ ماضية. في الوقت الحالي، نكونُ أمام فندق يضمّ عددًا لامتناهيًا فعليًا من الغُرف وعددًا لامُتناهيًا فعلًا من القاطنين. في المقابل، إذا بدأ بناء هذا الفندق في الوقت الحالي، فإنّه لن يحوي قط عددًا لانهائيًا فعليًا من الغرف، رُغم أنّ عملية البناء سوف تستمرُ من دون نهاية نحو اللانهائية كحد. وعليه، فإنّ المستقبل الذي لا نهاية له لا يُنتِج اللامعقوليات نفسها كما يفعلُ الماضي اللانهائي.
بينما أقرّ كوهين بقوّة الحجّة التي قدّمها لوك، إلا أنّه أصرَّ على إمكانية إنشاء حجةٍ مُوازية تُظهرُ أنّه إذا كانت السلسلة اللامتناهية من الأحداث مُمكنة، فإنّ مثال فندق هيلبرت هو مُمكنٌ ميتافيزيقيًا. يدّعي كوهين أنّ عالم اللاهوت الذي يؤكِّدُ على قُدرة الله يلتزِمُ بالتالي:
ب) أيّ شيء «ش» يخرجُ إلى عالم الوجود عند نقطةٍ زمنية ماضية أو مستقبلية، فالله قادرٌ على إيجاد «ش» في الزمن الحالي.
تخيّل إذًا أن يتمّ البدء بعملية بناءٍ في فندق هيلبرت عند نقطةٍ مُسقبلية ما حيث
(144)يتمّ إنشاء غرفة مشغولة في كلّ دقيقة من دون توقُّف. يؤكِّدُ كوهين أنّه:
«من الصحيح قطعًا أنّه لن يتمّ إنشاءُ عددٍ لانهائي فعليًا من غُرف الفندق في أيِّ نقطةٍ زمنية. ولكن نظرًا إلى (ب)، إذا كان الله موجودًا... يُمكن أن يُعلن الله ببساطة «لتُجعل كلّ غرفة فندق مشغولة سوف يتمّ بنائها تخرج إلى [عالم] الوجود الآن على مدى عامٍ واحد»، وبالتالي يخلقُ فورًا عددًا لانهائيًا فعليًا من غرف الفندق المشغولة (لعام واحد)».
يعتقدُ كوهين أنّ المؤمن بالإله الذي يؤكِّدُ أنّه إذا كانت سلسلة الأحداث التي لا بداية لها مُمكنة فإنّ فندق هيلبرت هو مُمكن ميتافيزيقيًا، فعليه أن يؤكِّد أيضًا أنّه إذا كانت سلسلة الأحداث التي لا نهاية لها مُمكنة فإنّ مثال فندق هيلبرت هو مُمكن ميتافيزيقيًا.
مرةً ثانية، هذا الاعتراض غريب بما أنه يعتمد على مغالطة الشخصنة. يُقالُ إنّ المؤمنين بالإله فقط هم مُضطرّون على القبول بنتيجة الاعتراض. إذا غضّينا النظر عن مسأله الله، فإنّ الاختبار الفكري الذي يطرحه كوهين يتطلّبُ سببيةً تراجعية للغرف، وهذا ما يعتبره المنظِّر المؤيِّد للنظرية (A) مُستحيلًا ميتافيزيقيًا. في المقابل، يعتمدُ اختبارُ لوك الفكري على افتراضاتٍ غير إيمانية مُطلقًا حول بقاء الأشياء إلى الوقت الحاضر، وليس على إعادة الخلق الإعجازي في الوقت الحاضر. يتطلّبُ ردّ كوهين السريع افتراضاتٍ إيمانيةكي ينهض عن الأرض، وهي افتراضات تجعلُ الدليلَ الكونيّ الكلامي فائضًا عن الحاجة كجزءٍ من اللاهوت الطبيعي.
ولكن لا تهتمّوا. الفشل الأشدّ في اعتراض كوهين هو أنّه يتضمّن انتقالًا غير
(145)مشروع في العامل المودالي. السبب هو أنّه لا يترتّب على (ب) أنّ الله قادرٌ على أن يجعل جميع الأشياء المستقبلية «ش» تتحقّق في الوقت الحاضر. إذا كان المستقبل لانهائيًا بالقوة، لا يترتّب على قدرة الله على إحداث الوجود الحالي لأيِّ غرفةٍ مُستقبلية مُحدّدة أن يكون الله قادرًا على إحداث الوجود الحالي لحميع الغرف المستقبلية. عددُ الغرف المشغولة التي يستطيعُ الله أن يخلقها في الوقت الحالي هو لانهائيٌ بالقوة، ولكنّ أيَّ عددٍ من الغرف التي يخلقها الله فعليًا سوف يكونُ متناهيًا، وهذا ما يُمكنُ مُلاحظته من خلال أخذ عدد الغرف المخلوقة حاليًا كدالّةٍ رياضية على عدد الغرف التي سوفَ تُوجد:
lim f (x)=∞
x→∞.
وعليه، لوك مُبرَّر تمامًا في أن يُنكِر أنّ إمكانية وجود مستقبل لانهائي تقتضي إمكانية وجود عددٍ لانهائي فعليًا من الأشياء، كما تقتضيها إمكانيةُ وجود ماضٍ لا بداية له.
(146)دليلي الفلسفيّ الثاني على بداية الكَون هو كالتالي:
1. لا يُمكن لمجموعةٍ قد تشكّلت من الإضافة الرياضية المتتابِعة أن تكون لانهائيًا فعليًا.
2. السلسلة الزمنية للأحداث هي مجموعة قد تشكّلت من الإضافة الرياضية المتتابِعة.
3. بالتالي، لا يُمكن للسلسلة الزمنية من الأحداث أن تكون لانهائيًا فعليًا.
مع الوقت، أصبح هذا النموذج من الدليل الكلامي محفوظًا في نظرية «التناقض الأول» حول الزمن التابعة لكانط، وذلك في كتابه «نقد العقل المحض».
لقد دُهِشتُ حينما وجدتُ أنّ بلانتينغا قد تناولَ بشكلٍ موجز دليلَ كانط في كتاب «الإيمان المسيحي المسوَّغ». من المؤسف أنّ حكمه على دليل كانط هو غير مؤات، لكي نُعبِّر بلطف. يقولُ بلانتينغا إنّه «يصعبُ أخذُ [دليلَ كانط] بجدية». يشرحُ بلانتينغا ما يلي: «ليسَ الأمر وكأنّه دليل تملكُ مقدماته مقدارًا مُعيَّنًا محدودًا من المعقولية الحدسية؛ بل الأمر هو أنّ هذا الانتقال إلى الاستنتاج هو مُصادرة كاملة على المطلوب من خلال افتراض ما كان قد تقرّر إثباته». «وعليه، فإنّ الدليل بالفعل لا يتمتّعُ بأيِّ قوةٍ مُطلقًا».
حسنًا! هل يستحقّ دليل كانط فعلًا هذا الاستنكار؟ التفِت بشكلٍ دقيقٍ إلى صياغة كانط للدليل:
(147)«إذا افترضنا أنّ العالَم ليس له بداية في الزمن، إذًا لغاية كلّ لحظة مُحدّدة تكونُ أبديةٌ قد مضتْ، وقد انقضتْ في العالَم سلسلةٌ لانهائية من الحالات المتتابعة للأشياء. واللانهائية في السلسلة تكمن في حقيقة أنّه لا يُمكن قطّ أن تكتمل عبر التركيب المتتالي. وعليه، يترتّبُ على ذلك استحالة أن تكون قد انقضتْ سلسلةٌ عالمية لانهائية، وبداية العالم هي بالتالي شرط ضروري لوجود العالم ».
أعادَ بلانتينغا صياغة الجملة الثانية من حجّة كانط كما يلي: «وفقًا للمقدمة الثانية... من خصائص السلسلة اللانهائية عدم إمكانية إكتمالها من خلال الشروع من البداية... وإضافة الأشياء (الأحداث مثلًا) واحدًا بعد آخر».
أثار بلانتينغا أولًا اعتراضًا طفيفًا على هذا الادّعاء من خلال اللجوء إلى إمكانية ما يُسمّى بالوظائف الكبرى. كتبَ بلانتينغا ما يلي: «ولكن وفقًا للمعرفة الحالية حول اللانهائي، لا يوجد سقف... لإكمال السلسلة اللانهائية في وقتٍ مُحدود إذا كان الوقت المستغرق لكلّ حَدَث ينقصُ بشكلٍ مُناسب».
لا أرى الآن سببًا على الإطلاق لتصديق «المعرفة الحالية حول اللانهائي». تبدو لي استحالة تكوين لانهائيٍ فعليٍ عبر الإضافة المتتالية واضحةً في حالة البدء عند نقطةٍ مُعيَّنة ومُحاولة الوصول إلى اللانهائية، وذلك لأنّه بالضرورة لكلّ عدد متناهٍ n، فإنّ n+1 يُساوي عددًا متناهيًا. وعليه، لا يملكُ ℵ0 سَلَفًا مباشرًا؛ إنّه ليس نهاية سلسلة العدد الطبيعي بل يقف -إن جازَ التعبير- خارجها وهو عدد جميع الأعضاء في السلسلة. هذا يستبعدُ إمكانية الوظائف الكبرى. العيب القاتل في جميع هذه السيناريوهات هو أنّ الحالة عند ω+1 هي غير مرتبطة سببيًا بالحالات المتتالية في سلسلة الحالات ω. بما أنّه لا يُوجد حَدٌ أخير في سلسلة ω،
(148)تظهرُ حالةُ الواقع عند ω+1 بشكلٍ غامضٍ فجأة. منافاة هذه الوظائف الكبرى للمنطق تؤكِّدُ فقط الاستحالة الميتافيزيقية الكامنة في مُحاولة تحويل أمر بالقوة إلى لانهائيٍ واقعيٍ من خلال الزيادة المتتالية.
إضافةً إلى ذلك، وكما يعترفُ بلانتينغا، فإنّ هذا الاعتراض هو عديم الصلة بالفعل وذلك لأنّ سلسلة الأحداث الماضية لم تتشكّل على غرار الوظيفة الكبرى. السلسلة الزمنية للأحداث الماضية التي يتحدّث عنها مؤيِّدو الدليل الكلاميّ هي الأحداث التي تملكُ مدةً تعسُّفية ولكن ثابتة وغير صفرية ومحدودة. وعليه، فإنّ الوظائف الكبرى لا تدخلُ حتّى في المشهد.
في الواقع، مشكلة بلانتينغا الحقيقية مع حجّة كانط هي أنّها مُصادرة على المطلوب. يكتبُ بلانتينغا ما يلي:
«يُشيرُ كانط إلى أنّ السلسلة اللانهائية لا يُمكن أن تكتمل من خلال الشروع من نقطةٍ مُعيّنة بعيدة بشكلٍ متناهٍ عن البداية وزيادة أعضاء بشكلٍ متناهٍ، كثيرٍ [منها] في الوقت نفسه، وبمعدّلٍ ثابت... تُخبرنا المقدمة أنّه إذا بدأتَ من نقطةٍ مُعيّنة متناهية في السلسلة -أي نقطة مُعيّنة بعيدة بشكلٍ متناهٍ عن بداية السلسلة- وتُضيف عددًا متناهيًا لكلِّ وحدةٍ زمنية، فإنّك لن تُكمل السلسلة قطّ. هذا معقول، ولكن إذا وُجِد العالَم لفترةٍ لانهائية من الزمن، فلم يكن هناك لحظة أولى، ولا حدث أول، ولا بداية إما لسلسلة اللحظات أو لسلسلة الأحداث؛ بوجهٍ أعم، عند أيّ لحظةٍ سابقة يكونُ زمنٌ لانهائيٌ قد سبقَ وأن انقضى».
يدّعي بلانتينغا أنّ حجّة كانط هي «مصادرة على المطلوب بشكلٍ كامل» لأنّها تفترضُ ما تقرّر إثباته، أي أنّ «السلسلة موضع السؤال لها بداية».
بعد أن قرأتُ التفنيدات المعهودة لحجّة كانط، استهواني على مدى سنواتٍ
(149)كثيرة تأليف مقالةٍ تحت عنوان: «هل كان كانط أحمقًا؟». هل يُتوقَّع منّا بشكلٍ جديٍ أنّ نعتقدَ أنّ عِملاق كونيغسبرغ كان غبيًا جدًا بحيث إنّه احتجَّ على بداية الكون من خلال افتراض أنّ الكون يملكُ بداية؟ لا شيءَ في حجّة كانط يُصرِّح أو يُشير إلى أنّه في السلسلة اللانهائية من الأحداث الماضية كان هناك نقطة بداية بعيدة لانهائيًا، فضلًا عن الافتراض غير المتماسِك حول وجود نقطةٍ بعيدةٍ بشكلٍ محدود عن نقطة البداية البعيدة بشكلٍ لانهائي، كما يدّعي بلانتينغا. السلسلة اللانهائية من السنوات الماضية قبل 1 كانون الثاني 2018 على سبيل المثال هي سلسلةٌ من دون بداية تُكتمَل في ذلك التاريخ. هذه السلسلة هي من النوع الترتيبي *ω، النوع الترتيبي للأعداد السلبية. يُمكن أن نُجادل حول ما إذا كان كانط مُحقًا بأنّه لا يُمكن أن تكتمل هذه السلسلة عبر التركيب المتتالي، أو إذا كان مُحقًا حول نظرية الزمن الحقيقي التي تكمنُ تحت هذه الحجّة؛ ولكن لنُحجِم عن تفسير فكره بطريقةٍ غير مُنصِفة بهدف نسب أخطاء واضحة إليه.
رغم أنّ المشاكل ستكونُ مختلفة، إلا أنّ تشكُّل مجموعةٍ لانهائية فعليًا من خلال عدم البدء مُطلقًا والانتهاء عند نقطةٍ مُعيّنة يبدو بالكاد أقلّ صعوبةً من تشكُّل هكذا مجموعة من خلال البدء عند نقطةٍ مُعيَّنة وعدم الانتهاء مُطلقًا. إذا لم يستطع الفرد أن يعدّ إلى اللانهائية، كيف يستطيع إذًا أن يعدّ من اللانهائية نزولًا؟ إذا لم يتمكّن الفرد من اجتياز اللانهائية عبر التحرُّك في اتّجاهٍ واحد، كيف يُمكن له أن يجتازها عبر التحرُّك في الاتّجاه المعاكِس؟
ثمّة مثال مضاد مألوف يُوجَّه ضدّ (1)، وهو اللانهائية الفعلية المزعومة للفترات الفرعية التي يتمّ اجتيازها عند عبور أيّ فترة متناهية من الزمان أو
(150)المكان. برأيي، تُقدِّمُ الدفاعات الحديثة عن مُفارقة حاصد الأرواح التي قدّمها براس وكونز سببًا مُقنعًا للاعتقاد بأنّ الفترات الزمكانية ليست في الواقع مؤلَّفة من لانهائيةٍ كثيفة من النقاط أو اللحظات. يدعونا براس وكونز إلى تخيُّل وجود عددٍ كبيرٍ لانهائيٍ من حُصّاد الأرواح (الذين يُمكن أن نُحدّد أنّهم آلهة لكي نتفادى أيِّ اعتراضاتٍ كينماتيكية). أنتَ على قيد الحياة عند مُنتصف الليل. حاصد الأرواح #1 سوف يُميتك عند الواحدة صباحًا إذا كنتَ لا تزال حيًا حينذاك. حاصد الأرواح #2 سوف يُميتك عند الساعة 12:30 بعد مُنتصف الليل إذا كنتَ لا تزال حيًا حينذاك، وأمّا حاصد الأرواح #3 فإنّه سوف يُميتك عند الساعة 12:15 بعد مُنتصف الليل، وما إلى ذلك. يبدو هذا الوضع قابلًا للتصوُّر بشكلٍ واضح -نظرًا إلى إمكانية وجود عددٍ لانهائي فعليًا من الفترات الفرعية في الساعة الواقعة بين مُنتصف الليل والواحدة صباحًا- ولكنّه يقودُ إلى مُستحيل: لا يُمكنك أن تبقى حيًا بعد مُنتصف الليل، ولكن لا يُمكن أن يقتلك أيّ حاصد أرواح في أيّ وقت.
عند اجتياز أيّ مسافةٍ محدودة، لا يوجد أيُّ اكتمالٍ للانهائيٍ فعليٍ من خلال الإضافة المتتالية. الآن، الدلالة التي تحملها مُفارقة حاصد الأرواح هي أنّ المكان والزمان ليسا استمراريةٍ تتألّف من النقاط أو اللحظات. السؤال إذًا هو: ما هي الطريقة الفضلى لفهم بُنية الزمان والمكان؟
(151)يُمكن أن نتصوّر الزمان والمكان مُتقطّعين، أي كتركيبةٍ من الذرّات أو من الكرونون التي تملكُ امتدادًا مُعيّنًا متناهيًا وليس صِفريًا. منذ بروز نظرية الكم، أظهرَ الفلاسفة وعلماء الفيزياء أيضًا انفتاحًا أكبر بكثير نحو اعتبار الزمان والمكان مُتقطّعين وليسا كثيفَين. في الواقع، يعتقدُ كثيرون أنّ استمرارية الزمكان في النسبية العامة هي الأمر الذي ينبغي أن يذهب إذا أردنا أن نُكوّن نظريةً فيزيائية مُوحّدة عن العالم.
أنا شخصيًا أُفضِّل الرؤية الأرسطية التي تُفيدُ أنّ الوقت كالمدّة المحضة هو سابقٌ منطقيًا على نمذجتنا الرياضية عنه كخطٍّ هندسيٍ مؤلّف من نقاطٍ أو فترات. وفقًا لهذا الرأي، الوقت يكونُ قابلًا للانقسام بشكلٍ لانهائيٍ بالقوة بحيث يُمكن أن نُحدِّد فتراتٍ وفتراتٍ ثانوية من الوقت مع اللانهائية كحد (∞)، ولكنّ الوقت ليس تركيبًا من عددٍ لانهائيٍ فعليًا (ℵn) من اللحظات أو الفترات.
لقد احتجَ ستفن بوريير مؤخّرًا أنّ الرؤية الأرسطية ليست مفتوحةً أمام مؤيِّدي الدليل الكوني الكلامي. من الجدير بالملاحظة أنّ بوريير يحتجُّ على أنّ الرؤية الأرسطية حول الوقت التي تراه قابلًا للانقسام لانهائيًا بالقوة تُشيرُ إلى التالي: 1) عدد الأحداث الماضية في الكون الذي لا بداية له يُمكن أن يكون محدودًا على أكثر تقدير، وليس لانهائيًا فعليًا؛ 2) عدد الأحداث الماضية في الكون الذي لا بداية له هو على أكثر تقديرٍ لانهائي احتمالًا وليس فعليًا؛ و3)
(152)تتشكّل سلسلة الأحداث الماضية عبر التقسيم وليس الإضافة المتتالية. هذه الاستنتاجات هي لامعقولة بشكلٍ جليّ للغاية بحيث يُمكن تفسير حجّة بوريير بشكلٍ مُبرَّر كبرهان خُلفٍ ضدّ الرؤية الأرسطية للزمن.
أظنّ أنّ عددًا ضئيلًا فقط من الفلاسفة يُوافقون على أنّ الأرسطيّين مُلتزمون بهذه الاستنتاجات الغريبة. رغم إمكانية توجيه التحدّي إلى حجّة بوريير عند عدّة نقاط، يبدو لي أنّ فشلها المركزي يكمن في سوء فهمٍ قد ورثَه بوريير من ويسلي مورستون. أدخلَ مورستون الجواب التالي في فمي: «أيّ مجال كهذا هو، بالطبع، قابل للانقسام لانهائيًا - ولكنّ «الأجزاء» التي يُمكن أن ينقسمَ إليها ليست «هناك» إلى أن يقوم أحدهم (على الأقلّ في ميدان الفكر) بتعيينها. وبما أنّه لم يتمكّن أحدٌ من إتمام جميع الانقسامات الممكنة، فإنّها «هناك» بالقوة فقط». تلتقطُ الجملة الأولى مذهبي الأرسطي بشكلٍ دقيق، ولكنّ الجملة الثاني تَنسبُ إليَّ بشكلٍ خاطئ نوعًا من البنّائية التي تكون بموجبها اللانهائيات الفعلية مُستحيلة لأنّها غير قابلة للبناء بشريًا. مثل هذا البنائية كانت الأساس للإنكارات
(153)الحدسية للانهائي الفعليّ، ولكنّني كنتُ صريحًا في أنّ رؤيتي الأرسطية ليست حدسية. أجدُ نفسي في الواقع مُتعاطفًا مع رأي مورستون بأنّ «ما يترتّب على انعدام الحدود الطبيعية داخل مجالٍ مكاني ما هو ليس أنّ المناطق الثانوية الكثيرة لانهائيًا هي غير موجودة «هناك» فعليًا، بل فقط أنّها غير موجودة «هناك» بمعزل عن طريقةٍ مُحدّدة لتقسيم الأشياء». إذًا، بينما المكان ليس بحدّ ذاته تركيبًا من الأميال مثلًا، ولكن حينما نُقرِّر أن نُنمذج المكان هكذا رياضيًا يبدو لي أنّه سيكونُ من الصحيح أو الخطأ موضوعيًا أن يُوجد عددٌ لانهائي فعليًا من الأميال في اتّجاهٍ مكانيٍ مُحدَّد، بغضِّ النظر عن حقيقة أنّه لا يُمكن لأيِّ إنسانٍ أن يُنفِّذ فعلًا هذا التقسيم المكاني.
يعتقدُ بوريير أنّه يتحتّم على مؤيّد المذهب الأرسطي أن يُقيمَ الافتراض البنّائي، لئلا يتمكّن أحدهم بشكلٍ مُشابِه من تقسيم الفترة المتناهية إلى سلسلةٍ لانهائية فعليًا:
«قد يُفترض أنّه يُمكن تقسيم الماضي إلى أحداثٍ ثانوية بالجملة، ببساطةٍ من خلال تحديد طريقةٍ لتقسيمه إلى أحداث ذي مُدّةٍ مُعيّنة: على سبيل المثال، يُمكن أن ننصّ على أنّ الماضي ينقسمُ إلى أحداثٍ مُتعاقِبة يدوم كلٌّ منها لثانيةٍ واحدة... بغضّ النظر عن المدّة التي نختارها، يَتبع أنّه إذا لم يكن للكون بداية فإنّ الماضي سوف يتألّف من سلسلةٍ لانهائيةٍ فعليًا من هذه الأحداث. ولكن هذا لن يُجدي نفعًا... لا يُمكن لجواب التناهي الذي يُدافع عنه كريغ أن ينجحَ إلا إذا اقتضى أن تكون الانقسامات مُحدَّدة فرديًا، لأنّه بخلاف ذلك سيكون من الممكن تحديد
(154)لانهائيةٍ فعلية من الانقسامات داخل مجالٍ محدود من المكان أو الزمان، بالطريقة التي يقترحها مورستون».
كان قد اقترحَ مورستون أنّه بإمكاننا أن نُحدِّد جميعَ المناطق الفرعية لمنطقة معينة «م» وفقًا للوصفة التالية: بِدءًا بـ«م»، قُم بتقسيم نتائج القِسمة السابقة إلى نصفين، إلى ما لا نهاية. يعتقدُ مورستون أنّنا لا نحتاج إلى إكمال سلسلة الانقسامات لكي نعلم أنّه، نِسبةً إلى هذه القاعدة، ثمّة لانهائية فعلية -وليس مجرد احتمالية- من المجالات الثانوية.
ما يفشلُ مورستون وبوريير في تقديره هو أنّ التحديدات من النوع الذي يُقدِّمه مورستون هي مرفوضة، ليس بناءً على افتراض البنائية بل بسبب مفارقات من قبيل مفارقة «حاصد الأرواح» التي تُظهِر أنّ السلسلة كتلك التي يتصوّرها مورستون هي مُستحيلة ميتافيزيقيًا. على النقيض من ذلك، إذا قسّمنا الزمن إلى فتراتٍ مؤلّفة من ثانيةٍ واحدة، فإنّ عدد الثواني الماضية في سلسلةٍ من الثواني السابقة على هذا اليوم التي لا تملكُ عضوًا أول سوف يكون لانهائيًا فعليًا وليس فقط بالقوة. نظرًا إلى الرؤية الحقيقية للوقت، فإنّ تلك السلسلة من الثواني -حينما تُحدَّد- قد حدثت ثانية بعد أخرى، بحيث إنّ كلّ السلسلة قد تشكّلت بالفعل عبر الإضافة المتتالية.
ينطلق براس وكونز لكي يُظهِرا كيفية إعادة صياغة مفارقة حاصد الأرواح بحيث يُنشَر حُصّاد الأرواح على امتداد زمنٍ لانهائي بدلًا من ساعةٍ واحدةٍ مثلًا، وذلك من خلال دفع كُلّ حاصد أرواح إلى الضرب بمِنجله في الأول من كانون الثاني من كلّ سنةٍ ماضية إذا تمكّنتَ أن تعيش كلّ تلك المدّة. وعليه، فإنّ هذا
(155)النموذج من المفارقة هو نوعٌ من الدليل الكوني الكلامي على محدودية الماضي بناءً على استحالة تشكيل لانهائيٍ فعليٍ عبر الإضافة المتتالية.
حاولَ كوهين أن يهزمَ حجّة براس وكونز على محدودية الماضي من خلال إنشاء حجّةٍ موازية تهدفُ إلى إظهار استحالة محدودية المستقبل. تخيّل أنّ كلّ زمنٍ مُستقبلي «ز» هو مُقترنٌ مع حاصدِ أرواحٍ تتمثّلُ وظيفته بالضرب بمنجله عند «ز» إذا -وفقط إذا- لم يقم أيّ حاصد أرواح بالضرب بمنجله عند «ز*»>«ز». سوف يقتلك حاصد الأرواح #1 لأنّه لن يفعل أيّ حاصد أرواحٍ لاحقٍ ذلك. ولكن إن قتلك حاصد الأرواح #1، لن يقوم أيُّ حاصد أرواحٍ لاحق بالضرب بمنجله وبالتالي فإنّ الشروط تتحقّق أيضًا لحاصد الأرواح #2 وهلمّ جرًا، وهذا مستحيل.
يبدو أنّ كوهين قد سقط في الفخّ نفسه الذي سقطتُ فيه حينما قمتُ لأول مرةٍ بصياغة مُفارقة تريسترام شاندي: الوضع الذي يصفه هو مُحال لأنّ الوظيفة التي وضعها هي مُتناقضة أصلًا. كما يُشيرُ كونز، يتحتّم على كلّ حاصد أرواح أن يقدر أن يعلم إذا كانت ضحيته المقصودة «ستكون على قيد الحياة عند نهاية مدّتها المعيّنة، وأن يقتلها إذا كانت ستبقى حية، وهذا ليس له أيّ معنى». يصرّ كوهين أنّ عبارته حول المفارقة: «ما يفعله الحاصد يتأثّر بما يفعله الحصّاد الآخرون، ولا يتأثّر بما إذا كان [شخصٌ ما] حيًا في وقتٍ ما أم لا». هذ فارق لا يُحدث فرقًا. «ضربُ» حاصد الأرواح «بمنجله» هو تعبيرٌ مجازي عن قتل ضحيته، وعليه فإنّ
(156)التأثُّر بإقدام حاصد أرواحٍ لاحقٍ على الضرب بمنجله هو بالضبط التأثُّر بمقتل الضحية عند وقتٍ لاحق وبالتالي كونها على قيد الحياة عند نهاية المدّة السابقة. ما يحصلُ هنا هو أنّ حصّاد الأرواح يؤمَرون بتنفيذ مجموعةٍ من التعليمات غير المفهومة.
لو أسعفني المجال، كنتُ لأودّ أن أناقش مكانة الدليل العلميّ الحالي الذي يدعمُ بداية الكون. في كتابه «أين يقعُ النزاع حقًا»، يُهمل بلانتينغا مُناقشة هذا البُعد من الرؤية الكونية العلمية المعاصِرة، حتّى كنطاقٍ من مجرّد التوافق بين العلم واللاهوت.
سوف أختِمُ مع كلمةٍ عن الكوزمولوجيا الكمية وبداية الكون. تُثبت مبرهنة بورد-غوث-فيلنكن أنّه لا يُمكن تمديد الزمكان الكلاسيكي، تحت شرطٍ واحدٍ عامٍ للغاية، إلى اللانهاية في الماضي بل ينبغي أن يصل إلى حدٍ عند نقطةٍ مُعيّنة في الماضي المحدود. الآن، إما أنّه وُجِدَ شيءٌ على الجانب الآخر من ذلك الحدّ أو لا. إن لم يوجد شيء، فإنّ ذلك الحدّ هو بداية الكون. وإن وُجِد شيء على الجانب الآخر، فإنّه سيكون إذًا مجال غير كلاسيكي تصفه نظرية الجاذبية الكمّية التي لم تُكتشف بعد. في تلك الحالة، يقولُ فيلينكين، هو سيكون بداية الكون.
(157)اقترحَ كُلٍّ من فيلينكين، وبشكلٍ أكثر شهرة جيمز هارتل وستيفن هوكينغ، نماذج للكون التي بموجبها ينبثق الزمكان الكلاسيكي من نظام جاذبيةٍ كمّية يُزيلُ التفرُّد الأولي من خلال تحويل الجيومترية المخروطة للزمكان الكلاسيكي إلى جيومتريةٍ ملساء مُقوّسة لا حافّة لها. من خلال افتراض زمنٍ متناهٍ، ولو مُتخيَّل، على سطحٍ مُغلَق سابقٍ على زمن بلانك ، بدلًا من زمنٍ لانهائي على سطحٍ مفتوح، فإنّ هذه النماذج تدعمُ بالفعل -بدلًا من أن تُضعِف- حقيقة أنّ الكون كان له بداية. إذا كانت هذه النظريات ناجحة، فإنّها سوف تُمكِّننا من نمذجة بداية الكون من دون تفرُّدٍ أولي يتضمّن كثافةً وحرارةً وضغطًا لانهائيًا وهلمّ جرًا.
إن وُجِد مثل هذا المجال غير الكلاسيكي، فإنّه ليس أزليّ الماضي بالمعنى الكلاسيكي. يصفه هوكينغز بأنّه «تام بذاته كليًا وغير متأثِّر بشيٍ خارج ذاته. لا يُخلَق ولا يُدمَّر. إنّه فقط يكون». ولكن لا يُمكن أن يوجد هذا النظام حرفيًا بنحوٍ لازمني كالطريقة التي يعتبرُ الفلاسفة من خلالها أنّ الأشياء المجرّدة كالأرقام هي لازمنية أو كما يعتبرُ علماء اللاهوت أنّ الله لازمني. السبب هو أنّ هذه المنطقة هي في حالةٍ من التدفُّق المستمرّ، ووفقًا لمبدأ عدم التمييز بين
(158)المتطابقات هذا كافٍ للوقت. فضلًا على ذلك، كان من المفترض أن تُوجد قبل العصر الكلاسيكي، ومن المفترض أن العصر الكلاسيكي قد انبثق منها، ويبدو أنّ هذا يفترض علاقةً زمنيةً بين عصر الجاذبية الكمّية والعصر الكلاسيكي.
(بالمناسبة، هذه الخاصية الأخيرة المذكورة لنشأة الكون الكمومية تمثّل مشكلة كبيرة للغاية. يُمكن فهم النشوء إما بشكلٍ تعاقبي أو تزامني. ولكنّ النشوء التعاقبي للزمن هو غير متّسق بشكل جلي. كيف يُمكن إذًا أن نفهم النشوء التزامني للزمن كحقيقةٍ طارئة في سياق نشأة الكون؟ يجدُ علماء الكوزمولوجيا الكمومي أنفسَهم في موقفٍ مُحيِّر هنا نوعًا ما. أفضل معنى يُمكن أن أفهمه عنه هو أن أقول إنّ وصف الزمن المتخيَّل هو وصف على مُستوىً أسفل للزمكان الكلاسيكي قبل زمن بلانك . (نستذكرُ عبارةَ هوكينغ: «فقط إذا استطعنا تصوّر الكون على ضوء الزمن المتخيَّل، لن يكون هناك أيّ تفرُّدات... ولكن حينما يرجع الفرد إلى الوقت الحقيقي الذي نعيشُ فيه، سوف يظلّ يظهر أنّ هناك تفرُّدات». وعليه، يتمُّ وصفُ الحقيقة ذاتها على مُستويَين. هذا يُشيرُ إلى أنّه إذا كان يملكُ الزمكان الكلاسيكي بدايةً، فنظام الجاذبية الكمّية يملك بداية أيضًا. السبب هو أنّها أوصاف للحقيقة ذاتها. في الأول، التفرُّد هو جزءٌ
(159)من الوصف؛ في الثاني، هو ليس كذلك. إذًا، ما يسبقُ زمن بلانك هو ليس عصر الجاذبية الكمّية بحدّ ذاته، بل ما يسبقه هو العهد الكلاسيكي حيث يكون الوصف الكمّي التجاذبيّ هو الوصف الأكثر جوهرية. إذا كان هذا صحيحًا، إذًا نظرًا لبداية الكون الموصوف بشكلٍ كلاسيكيٍ، من المستحيل أن يكون الكون حينما يُوصَف بأنّه كمّي من الناحية التجاذبية خاليًا من البداية. السبب هو أنّهما الكون نفسه في مُستويات وصفٍ مُختلفة.
مع ذلك، يبدو أنّه حتّى لو كان الزمن كما يُوصَف في الفيزياء الكلاسيكية غير موجود في عصر الجاذبية الكمية هذا، إلا أنّ نوعًا من الزمن سوف يوجد. ولكن إذا كان عصر الجاذبية الكمّية هو بمعنىً ما زمني، فلا يُمكن توسعته لانهائيًا في الزمن لأنّ مثل هذه الحالة الكمية غير ثابتة وبالتالي إمّا أنّها سوف تُنتِج الكون من الأزلية الماضية أو لا تُنتجه مُطلقًا. كما يحتجّ أنطوني أغير وجون كِهاياس:
«من الصعب للغاية ابتكارُ منظومة -لا سيما منظومة كمّية- لا تفعلُ شيئًا «إلى الأبد» ومن ثمّ تتطوّر. الحالة الكمّية الساكنة أو الدورية حقًا التي تستمرّ للأبد، لا تتطوّر أبدًا، في حين أن الحالة التي تتسم بأي درجة من عدم الاستقرار لن تدوم لأيّ وقتٍ غير مُحدَّد».
وعليه، يتحتّم أن يكون لعصر الجاذبية الكمية نفسه بداية لكي يتمّ تفسير سبب انتقاله منذ نحو 14 مليار عام فقط إلى الزمان والمكان الكلاسيكي. وعليه، سواء كان ذلك عند الحدّ أو عند نظام الجاذبية الكمّية، يُحتمل أنّ الكون قد خرج إلى عالم الوجود.
(160)كان بإمكان والاس ماتسن في العام 1966 أن ينبذ الدليل الكوني الكلامي بسرعةٍ على أنّه «الدليل الكوني الخام». أمّا اليوم، فإنّ نبذ هذه الحجّة بسهولةٍ جدًا لم يعد أمرًا ممكنًا أو مرغوبًا به، وذلك لأنّ الدليل الكوني الكلامي لا يُثيرُ فقط مجموعةً من الأسئلة المذهلة ذات الأهمية الفلسفية كمفهوم اللانهائي، وأنطولوجيا الرياضيات، وطبيعة الزمان والمكان، وبداية الكون وأصله، وهلمّ جرًا، بل إنّ مقدمتية أيضًا يملكان دعوى جيّدة بأنّهما صحيحان فعلًا.
(161)
of the Metaphysical Possibility of an Infinite Set of Real Entities”, Philo, 5, [2002]: 196- 215).
ستيفن إيفانز
الحجة الغائيّة هي، بمعنىً عام، حجة كونية أيضًا، فهي تنطلقُ من وجود الكون ولكنّه لا تنطلقُ فقط من وجوده بل من صفته كَونًا مُنظّمًا. غالبًا ما يُسمّى هذا الدليل بـدليل التصميم. كما الدليل الكونيّ، ترجِعُ جذورُ الدليل الغائيّ إلى اليونان القديمة، وقد وُجِد هذا الدليل بشكلٍ جليٍّ خلال القرون الوسطى حيث أورده أكويناس كخامس طريقٍ من «الطرق الخمسة» لإثبات وجود الله. بلغَ الدليل ذروة شُهرته في القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر. طوّرَ ويليام بيلي، وهو عالِمُ لاهوت إنكليزي، نموذجًا شهيرًا على وجه الخصوص من هذه الحجة. أمّا في النقاش المعاصِر، فقد دافع عنها ريتشارد تايلر، فريدريك روبرت تينانت، وريتشارد سوينبورن. طوّر تينانت وسوينبورن تحديدًا الحجةَ ليس كحجة قياسية صارم بل كمحاولةٍ لإظهار أرجحيّة الإيمان بالله.
(165)تنطلقُ الحجة الغائيّة من حقيقة أنّ العالَم الطبيعي يُظهرُ، على ما يبدو، النظامَ أو التصميم الهادفَين، وتستنتجُ أن مُسبِّب العالَم ينبغي بالتالي أن يكون مُصمِّمًا ذكيًّا. يُعدُّ النموذج الذي قدّمه أكويناس عن الحجة مثالًا جيدًا:
«يُؤخَذُ الطريق الخامس من إدارة العالم. إننا نُلاحظ أنّ الأشياء التي تفتقدُ للمعرفة، كالأجسام الطبيعية، تعملُ لغاية، وهذا واضحٌ من عملها دائمًا » أو على الدوام تقريبًا- بالطريقة نفسها لإحراز أفضل نتيجة. وعليه، من الواضح أنها تُحقِّق غايتها ليس مُصادفةً بل عن تصميم، ولكن لا يُمكنُ لشيءٍ يفتقدُ المعرفة أن يتحرّك نحو الغاية إلا إذا كان مُوجَّهًا من كائنٍ يتحلّى بالمعرفة والذكاء، كما السهم الذي يصوِّب وجهتَه رامي السهام. وعليه، يوجدُ كائنٌ ذكيٌ، ومن خلاله يتمُّ توجيهُ جميع الأشياء الطبيعية نحو غايتها، ونُسمّي هذا الكائن الله.»
يدّعي أكويناس هنا أنّ موجوداتٍ كثيرة في الطبيعة تتحرّكُ لغاية. رُغم أنّه لم يُقدِّمُ أمثلة إلا أنّه ليس من الصعب فعلُ ذلك. على سبيل المثال، يبدو أنّ غالبية الحيوانات هي بمثابة آلاتٍ ذاتية التحكُّم صُمِّمتْ للحفاظ على وجودها والتكاثر. تُساهم كثيرٌ من أعضاء الحيوانات في تحقيق هذا الهدف الإجمالي من خلال تحقيق غايةٍ أو هدفٍ خاص، فالرئتين تستبدلُ ثاني أكسيد الكربون بالأوكسجين والقلب يضخُّ الدم في أنحاء الجسد.
يذكرُ أكويناس ميزتين في الطبيعة تُشيران معًا إلى التصميم: الأولى هي النظام، فالأشياء في الطبيعة «تتصرّفُ دائمًا، أو على الدوام تقريبًا، بالطريقة نفسها»، والثانية هي القيمة فالنظام في الطبيعة يُسفِرُ عن نتائجَ جيّدة. سوفَ نُطلِقُ على هذا النوع من النظام اسمَ «النظام النافع». من الواضح أنّ أكويناس
(166)يعتقدُ أنّ العملية الدورية والمنتَظَمة التي تُحقّقُ نتيجةً نافعة هي دليلٌ على أنّ الإنسان يتعاملُ مع التصميم الذكيّ. يقولُ أكويناس إن النظام النافع لا يحصلُ عن طريق الصدفة.
ولكن كيف يعرفُ أكويناس ذلك؟ لماذا لا يُمكنُ أن تكونَ العملياتُ المنتظمة التي تُسفِرُ عن نتائج نافعة وليدة الصدفة؟ اعترفَ مدافعون معاصرون عن الدليل، من أمثال تايلر وسوينبورن، أنه ليس من المستحيل منطقيًا أن تتحقّق هذه العمليات بالصدفة. وعليه، وفقًا لنظرتهما، يفشلُ الدليل في أن يكون بُرهانًا قياسيًا صارمًا. ولكن رُغم أنّه ربّما من الممكن أن تتحقّق هذه النتائج عن طريق الصدفة، إلا أنهما ادّعيا أن ذلك غير قابل للتصديق أو غير مُحتمل. وعليه، يُظهِرُ الدليل أرجحية أو معقولية الإيمان بالله: أي إنّ الإيمان بالله يوفِّرُ التفسير الأرجح للأدلة التي نُلاحظها. كثيرًا ما يُسمّى هذا النوع من الاستدلال بـ»الاستنتاج بالتفسير الأفضل».
إحدى الطرق (ولكن ربّما ليسَ الطريق الوحيد) للدفاع عن الادّعاء الحاسِم بأنّه من غير المحتمَل أن يكونَ النظامُ النافع نتيجةً للصدفة هو من خلال اللجوء إلى تجربتنا مع الكيانات المماثِلة. تُظهِرُ الآلاتُ المعقَّدة كالساعات والكاميرات التوعَ نفسَه من النظام المعقّد والنافع الذي تُظهِره الأشياء الطبيعية. نحنُ نعلمُ أنّ هذه الآلات هي نتيجة للتصميم الذكيّ، ومن المنطقيّ أن نسنتنجَ أنّه من الأرجح أن تُفسَّر الأشياء الموجودة في الطبيعة والمماثِلة لهذه الآلات بطريقةٍ مُشابِهة. تمضي حجّة بيلي الشهيرة في هذا المسار بينما يُقدِّمُ كتابُ ديفيد هيوم تحتَ عنوان «مُحاوراتٌ في الدِّين الطبيعي» بيانًا معروفًا جيّدًا عن الحجة على هيئة
(167)تشبيه. عرضَ هيوم أيضًا الكثيرَ من الانتقادات على الحجة، وسوف نتناولُ بعضًا منها عمّا قريب.
من الجدير أن نذكرَ أنّه يُمكنُ تقسيمُ الأدلّة الغائية، كما الأدلّة الكونية، إلى أدلّةٍ تنطلقُ من الطبيعة ككل وأدلّةٍ تنطلقُ من أجزاء الطبيعة. تُحاوِلُ الأدلّة الأولى أن تُظهِرَ أنّ الطبيعة ككل ينبغي أن تُفهَم كمنظومةٍ غائيّة واحدة. أمّا الأدلّة الثانية، فإنّها تأخذُ وجودَ منظوماتٍ غائية مُحدّدة في الطبيعة كنقطة انطلاقها. تتمثّلُ ميزةُ الدليل «الكليّ» في أنّ الاستنتاج سوف يقودُ بوضوحٍ إلى وجود مُسبِّبٍ أحدثَ الطبيعة ككل. أمّا سيئةُ هذا الدليل فتتمثّلُ في أنّه سوف يكونُ من الصعب أن نُظهِر أنّ الكونَ ككلٍ يرومُ غايةً أو هدفًا ما. نعم قد يكونُ هذا هو الحال، ولكن لا يبدو وضحًا أنّه كذلك. بالتالي، من الأسهل الدفاع عن الدليل «الجزئي»، ولكن إذا لم يكن الفرد حذرًا قد يكونُ الدليل عُرضةً للاتّهام بارتكاب مُغالطة التركيب حيث إنّه يصل إلى استنتاجٍ عن السبب وراء الطبيعة ككل من مُلاحظاتٍ حول صفة جزء/أجزاء من الطبيعة. يُمكنُ تفادي المغالطة عبر حججٍ تستدلُّ بالتفسير الأفضل، ولكن كما سوفَ نرى يُمكنُ إثارةُ مخاوف حيال احتمالية النتيجة.
فلنقم الآن بصياغة بعض نماذج الدليل الغائيّ ونفحص مزاياها وعيوبَها. النموذج التالي هو نموذجٌ بسيط:
توجدُ في الطبيعة العديدُ من الأمثلة على النظام النافع.
يُفسَّر النظام النافع بأفضل نحوٍ على أنّه نتيجة لوجود مُصمِّم ذكيّ.
وعليه، من الأرجح أنّ الطبيعة هي نتاج مُصمِّم ذكيّ.
(168)بأفضل حال، يُمكن أن تكونَ النتيجةُ مرجحة لسببين: 1) يتمُّ التوصُّل إلى استنتاجٍ عن الطبيعة ككل من خلال مُلاحظة أجزاء من الطبيعة؛ 2) من غير المؤكَّد أن يأتي النظام النافع فقط من الذكاء. تُركِّزُ أغلبُ انتقادات الدليل على المقدمة (2). هل ينبغي أن نُفسِّرَ وجودَ النظام النافع في الطبيعة كفعلِ مُصمِّم؟ تُحوِّلُ الصياغات البديلة من الدليل الانتقادَ إلى مكانٍ آخر. على سبيل المثال، يمكن أن يُطرَح الدليل كالتالي:
1. تحوي الطبيعةُ العديدَ من حالات النظام.
2. الكيانات المصمَّمة هي نتيجة لوجود مُصمِّم.
3. وعليه، من الأرجح أنّ الطبيعة هي فِعلُ مُصمِّم.
هذه الصيغة تجعلُ المقدمة الثانية بمثابة حشوٍ في الكلام عمليًا، ولكنّ الناقد سوف يقومُ الآن بطرح التساؤل حول صدق المقدمة الأولى. هل إنّ ظهور التصميم في الطبيعة يُمثِّلُ تصميمًا حقيقيًا أم أنّه مُجرد تصميم ظاهري؟ إذا قرأنا المقدمة الأولى كما يلي: «تحوي الطبيعةُ العديدَ من حالات النظام الظاهري»، فإنّ صدقها يبدو غير قابلٍ للإنكار، ولكنْ عندها لن تكون الحجّة صالِحة. المقدمات لا تجعلُ الاستنتاج بأنّ الطبيعة هي فِعلُ مُصمِّم حتّى أمرًا مرجّحًا. تبقى المشكلة الأساسية في الكيفية التي يعرفُ الإنسان أنّ النظام النافع الذي نجده في الطبيعة ليس -على حدّ تعبير أكويناس- «تصادفيًا» ببساطة.
كما ذكرنا، تُحاولُ النماذج التشبيهية عن الدليل أن تُواجِه هذه المشكلة رأسًا. على سبيل المثال، قد نحتجُّ كالتالي:
1. الأشياء في الطبيعة هي شبيهةٌ بالآلات المصنوعة من قِبل الإنسان حيث إنّ أجزائها تعملُ معًا لتحقيق غايةٍ أو هدفٍ ما.
(169)2. الآلات المصنوعة من قِبل الإنسان هي نتيجة للتصميم الذكيّ.
3. الآثار المشابِهة تميلُ إلى أن تمتلكَ أسبابًا مُشابِهة.
4. وعليه، يُحتمَلُ أنّ الأشياء في الطبيعة هي نتيجة لشيءٍ شبيهٍ بالتصميم الذكيّ.
كما نُلاحِظُ من هذا، اللجوء إلى التشبيه قد يُنشئُ حجّة قائمة في ذاتها. كبديل، يُمكنُ توظيفُ الاعتبارات التي يُلجَأ إليها هنا لمؤازرة المقدمة الثانية القابِلة للنقاش في حُجّتنا الأصلية. عمومًا، يُمكنُ تقسيمُ الانتقادات الموجَّهة إلى الأدلّة الغائية إلى مجموعتين: تتضمّنُ المجموعةُ الأولى الانتقادات التي تُهاجِمُ نقاط قوّة الدليل من خلال الادّعاء بأنّ التصميم الذكيّ غير ضروري لتفسير النظام في الكَون. أمّا المجموعة الثانية من الانتقادات فهي تُركِّزُ على القيمة الدينية للدليل، وتتساءلُ إن كان المصمِّم الذكيّ الذي يستنتجه الدليل مُطابقٌ لله في الإيمان الديني. مُنِح النوعان من الانتقادات تعبيرًا تقليديًا في كتاب هيوم «مُحاورات في الدِّين الطبيعي».
فلنتطرّق أولًا إلى نموذج الهجوم الأول. يتناولُ هيوم الدليل بشكلٍ رئيسيٍ بهيئته التشبيهية، وعليه فإنّ العديد من انتقاداته تتمحورُ حول قوّة التشبيه بين النظام الطبيعي والآلات المصنوعة بشريًا. اعترضَ هيوم، من بين الأمثلة الاعتراضية، أنّ الكون يُمثِّلُ ظاهرةً فريدة للغاية بحيث لا يمكن وضع فرضيات حول سببها. بما أنّنا لا نملكُ تجربةً تتعلّقُ بصناعة الكون، فليسَ لدينا إذًا أيّ وسيلة لاختبار الفرضيات البديلة عن سببه. ولكن إذا كان هيوم مُحقًا هنا، فلن تكون لأي حجة مبنية على التشبيه أيّ قيمة، لأنّ هيوم يدّعي في واقع الأمر أنّه لا يُمكننا الوثوق بتشبيه ما إلا إذا امتلكنا تجارب مباشرة ومُتكرِّرة حول موضوع
التشبيه: وهو في هذه الحال الأكوان. ولكن إذا كانت لدينا مثل هذه التجارب المباشرة، فلن تكون هناك حاجة للتفكير الاستدلالي التشبيهي من الأساس.
ثمّة اعتراض أشدّ، وهو ادّعاءُ هيوم بأنّ التفسيرات البديلة حول النظام في الكون هي مُمكنة. لعلّ النظام في الكون مُتأصِلٌ بطريقةٍ ما في المادّة؛ لعلّ النظام في الكون هو في الواقع نتيجة لعملياتٍ عمياء وميكانيكية. رُغم أنّ هيوم قد سبقَ داروين زمنيًا، إلا أنّه يُمكنُ إدراك القوة الكاملة لاعتراض هيوم حينما نتناوله على ضوء نظرية التطوُّر التابعة لداروين. حينما يتمُّ تفسيرُه طبيعيًا، يمنحُ التطوُّر الداروينيّ تفسيرًا عن النظام في الكون يُنافِسُ التفسيرات الإيمانية. وفقًا لبيان داروين، فإنّ الحقائق المتعلِّقة بالنظام في الكون «على سبيل المثال، من قبيل أنّ المخلوقات مُتكيِّفة بشكلٍ جيدٍ للغاية مع البيئات التي تعيشُ فيها، أو أنّ أعضاء المخلوقات تتمتّعُ بالتنسيق المتبادل- تُفسَّر عبر وقوع تغيُّرات عشوائية ومبدأ -بقاء الأصلح». من دون الدخول في التفاصيل، تتمثّلُ الفكرة الأساسية فيما يلي: يحصلُ عددٌ مُحددٌ من التغيُّرات العشوائية في الطبيعة. (وفقًا للتعابير المعاصِرة، ثمّة طريق شائع لحصول هذا التغيُّر وهو من خلال التهجين الوراثيّ الذي يحصلُ حينما تنقلُ الكائنات التي تتكاثرُ جنسيًا موادها الوراثية إلى ذريتّها.) حينما يحصلُ تغيُّرٌ يمنحُ مخلوقًا ميزةً ما على مُنافسيه، سوف يكونُ من الأكثر احتمالًا أن يبقى حيًا إلى عُمر التكاثر وبالتالي يتمكّن من نقل التغيُّر الإيجابي (المشفَّر في تكوينه الوراثي) إلى ذريّته. حينما يُمنحُ وقتٌ كافٍ، فإنّ ما يَظهرُ أنّه تصميمٌ يُمكنُ أن يُفسَّر ميكانيكيًا. من الواضح أنّ شُهرة نظرية التطوُّر-أكثر من أيّ شيءٍ آخر- هي التي قد أتلفتْ تدريجيًا مصداقية الدليل الغائي التقليدي.
يُمكنُ تقديمُ ثلاثَ اتّجاهاتٍ للردّ على هذا التحدّي التطوُّري. أولًا، قام
(171)البعضُ بمهاجمة نظرية التطوُّر نفسها بشكلٍ مباشر، مُحتجّين أنّ نمط الخَلق الإلهي «من الصِّفر» يُوفِّرُ تفسيرًا علميًّا أسمى. هذا هو الموقف الذي اتّخذه البعض ممّن ناصَرَ تعليم «علم الخَلق» كبديلٍ للتطوُّر. يتمثّلُ اتّجاهُ الرد الثاني في الاعتراف بأنّ عمليةً تطوُّرية قد حصلت، ولكن مع الاحتجاج بأنّه لا يُمكن فهم هذه العملية أو تفسيرها بشكلٍ ميكانيكيٍ محض. التغيُّر التصادفي والانتقاء الطبيعي هما غير كافيَّيْن لتفسير النظام الذي تطوّر. بدلًا من ذلك، يبدو من الأكثر معقولية أن ننظرَ إلى العملية على أنّها عملية مُوجَّهَة، على الأقلّ عند نقاطٍ مُحدّدة، مِن التصميم الذكيّ.
أمّا الردّ الثالث فهو يعترفُ بصحّة النظريات الداروينية أو الداروينية الجديدة كتفسيراتٍ علميةٍ للنظام الموجود في الكَون، ولكنّه يتساءل عمّا إذا كان لا يزال هناك حاجة إلى تفسير نهائي. التفسيرات الميكانيكية والتفسيرات الغائية/المبنيّة على النظام ليستْ دائمًا غير مُتناغِمة. إذا قامَ الشخص الذي يرغبُ بتحقيق نتيجةٍ ما -فلنقل صناعة الأحذية- بتصميم آلةٍ تُحقِّقُ تلك النتيجة، فثمّة نوعَين مُمكنَين من التفسير. يمكنُ أن يقومَ أحدُهم بتفسير ظهور الأحذية ميكانيكيًا، من جهة عمل الآلة، ولكن بالطبع تعملُ الآلة بالنحو الذي تعملُ فيه لأنّها وسيلة لتحقيق النتيجة؛ فقد صُمِّمتْ لتحقيقها. وعليه، فإنّ تفسيرًا أكمل للنتيجة على ضوء هدف صانع الآلة هو مشروعٌ أيضًا. ليس من قبيل الصدفة أن تُحقّق الآلة نتائجها المفيدة.
بطريقةٍ مُماثِلة، قد يدّعي المدافِع عن الدليل الغائيّ أن عملية التطوُّر -حتّى ولو كانت عمليةً ميكانيكية- هي ببساطة الوسيلة التي يُحقِّقُ من خلالها الله، أي المصمِّم الذكيّ، أهدافه. إذا كانت عمليةُ التطوُّر تحصلُ فعلًا، فإنّها تحصلُ
(172)فقط لأنّ قوانينَ الطبيعة تعملُ بالطريقة التي تعملُ بها. هذه القوانين هي بحدِّ ذاتها مثالٌ واضحٌ عن النظام الذي تكونُ حصيلته القصوى نظامًا مُفيدًا. وعليه، يُمكنُ أن يدّعي المدافِع عن الدليل الغائي أنّ التطوُّر لا يُقلِّلُ بأيّ نحوٍ من الأنحاء من وجود النظام المفيد في الكون أو الحاجة لتفسير ذلك النظام. وعليه، تُساهِمُ عملية التطوُّر ببساطةٍ في زيادة فهمنا للوسائل المعقَّدة والإبداعية التي يُحقِّقُ الإله المصمِّم أهدافَه من خلالها.
أثناء تقييم هذا النوع الثالث من الردود، السؤالُ الذي ينبغي أن نسأله هو: هل إنّ النظام الأساسيّ للكون -القوانين الطبيعية التي عملتْ لتحقيق التصميم الظاهريّ في الطبيعة (لو كان التطوُّر صحيحًا)- هو حقيقة محضة [غير محتاجة إلى التفسير]؟ يبدو واضحًا أنّ قوانين الطبيعة والثوابت المادية (مثلًا: كُتلة الإلكترون، سُرعة الضوء، ثابت بلانك ، وما إلى ذلك) هي ممكنة، فيمكن أن تكون مُختلفة. لماذا إذًا نملكُ القوانين التي نملكها؟ يبدو أنّ نقّاد الدليل هم مُجبَرون على أن يدّعوا عدم إمكانية تقديم أيّ تفسير، ولكن في نظر المدافِعين عن الدليل فإنّه يبدو تعسفيًا وغيرَ معقولٍ أن يُقال بأنّ هذه القوانين هي ببساطةٍ حقائق محضة.
يبدو أنّ التطوّرات الأخيرة في الفيزياء النظرية تُعزِّزُ رفضَ المدافعين. علماءُ الفيزياء في يومنا الحالي هم قادرون على أن يُجروا حساباتٍ تتعلّقُ بالكيفية التي كان ليبدو عليها واقعُ الكون، من جهاتٍ مُحدَّدة، لو كان واحدًا أو أكثر من هذه القوانين أو الثوابت الفيزيائية مُختلفًا. ما يُخبرنا إيّاه هؤلاء العلماء هو أنّه لو كانت بعضُ القيم الحسابية المحدَّدة مُختلفة ولو بشكل طفيف، فإنّ ظهورَ الحياة -من خلال الوسائل التطوُّرية أو غيرها من الوسائل الطبيعية القابلة للتصوُّر- كان
(173)ليكونَ مُستحيلًا. في الواقع، إنّ احتمالات حدوث كَونٍ واحدٍ يُصادِفُ أنّه يمتلكُ مزيجًا من هذه القِيم الحسابية التي تجعلُ بروزَ الحياة أمرًا مُمكنًا هي ضئيلة للغاية. لهذا السبب، يبدو في نظر كثيرين أنّ الكون قد «ضُبِطَ بدقّة»: أي إنّه قد صُمِّمَ عن قصدٍ للظهور للكائنات الحيّة كأنفسنا (في النهاية). جدّدتْ حجج الضبط الدقيق نشاطَ النقاشِ حول الحجّة المبنيّة على التصميم التي اعتبَرَ كثيرون يومًا ما أنه تمَّ القضاء عليها بنحوٍ حاسِمٍ من قِبل نظرية التطوُّر الداروينية.
لم يبقَ نُقّاد حجّة التصميم «الجديدة» من دون تقديم رد. أشارَ بعضُهم أنّه رُغم أنّ احتمال امتلاك كَونٍ واحدٍ للقيم الحسابية «الصحيحة» التي تُتيحُ نشوءَ الحياة هو بالفعل ضئيلٌ للغاية، ولكنْ لو وُجِدتْ أعدادٌ كبيرةٌ للغاية من الأكوان الفعلية «ربما أعدادٌ كبيرة لانهائية- وكلّ واحدٍ منها يملكُ قوانين طبيعية وثوابت فيزيائية مُختلفة، فإنّه سوف سيكون حتميًا تقريبًا أن يملكَ كَونٌ واحدٌ على الأقلّ التركيبة «الصحيحة» التي تسمحُ للحياة بالبروز فيه. (ذلك الكَون بالطبع هو كَوننا) ثمّة طُرُق مُتعدّدة لكي يفوز هذا الاحتمال: لعلّ تاريخ الكَون يتمثّلُ في دائرةٍ دائمية من انفجارٍ كبيرٍ تبعه (مع الوقت) انكماشٌ كبيرٌ تبعه بدوره انفجارٌ كبيرٌ وهلمّ جرًّا إلى ما لا نهاية، وكلّ انفجارٍ كبيرٍ يُنشيءُ بشكلٍ عشوائيٍ مجموعةً مُختلفة من القوانين والثوابت الفيزيائية للكَون اللاحق. أو لعلّ الكَون الذي نعيشُ فيه هو فقط واحدٌ من عددٍ لانهائيٍ من الأكوان المنعزِلة سببيًا ومكانيًا-زمانيًا، وكلّ واحدٍ منها يملكُ مجموعته الخاصّة والفريدة من القوانين والثوابت الفيزيائية. وما دام لا يُمكنُ استبعادُ هذه الاحتمالات، تبقى حجّة التصميم غير قطعية.
(174)ولكن أن يُقال بأنّ الحجّة غير قطعية لا يعني أن يُقال بأنّها تفتقدُ للقوّة الإقناعية عقليًا. مرةً أخرى، تُظهِرُ الحجّة المبنيّة على التصميم -كأيِّ حُجّةٍ إيمانية جيِّدة- أنّ هناك ثمنًا ينبغي دفعُه في حال رُفِضت نتيجتها. الثمن الذي يبدو أنّ الملحِد مُجبَرٌ على دفعه، في هذه الحالة، هو التالي: يجب أن يدّعي أنّه يوجدُ في الواقع، بشكلٍ أو بآخر، عددٌ لانهائيٌ من الأكوان الفعليّة، وكلّ واحدٍ منها يملكُ قوانين فيزيائية وثوابت مُختلفة. إضافة إلى أنّ هذا الادّعاء يبدو جريئًا للغاية، تتمثّلُ المشكلة مع هذا الرأي في أنّه -في الوقت الحالي على الأقلّ- تخمينيٌ بشكل كبير وغير مُدعَم بالأدلّة التجريبية. هذه مُشكلةٌ خطيرة يُواجهها أنصارُ مذهب الطبيعة الذين يفتخرون عادةً بأنّهم يتمسّكون بنظرةٍ كونيةٍ علمية تمامًا. يجدُ أنصارُ مذهب الطبيعة أنفسَهم هنا مُضطّرين لتقديم ادّعاءٍ حول العالَم الماديّ لا يحظى بأيِّ دعمٍ تجريبيٍ بل تُحفِّزه أسبابٌ أيديولوجية (على وجه الخصوص، الرغبة بالحفاظ على المذهب الطبيعي الذي يتبنّونه). بهذه الطريقة، يدفعُ الدليلُ الغائيّ أنصارَ مذهب الطبيعة إلى أن يُجروا «إعلانًا إيمانيًا» يُكذِّبُ إلتزامهم الظاهريّ بالعلم الطبيعيّ. يبدو أنّ هذا هو ثمنٌ غالٍ فعلًا.
فضلًا على ذلك، من الأرجح أنّ حجّة الضبط الدقيق سوفَ تُحافِظُ على أغلب قوّتها حتّى ولو وُجِدَ دليلٌ تجريبيٌ مهم يدعمُ نظرية تعدُّد الأكوان. الأمر هو كذلك لأنّه بناءً على النماذج الأكثر معقولية من النظرية، يُوجد (أو قد وُجِدت) عمليةٌ ما تُنتِجُ أكوانًا مُتعدِّدة. ولكن بناءً على هذا الرأي، يجب أن تكون الظروف صحيحة بنحوٍ دقيقٍ لكي يقدرَ «مُنتِجُ الأكوان المتعدِّدة» على «العمل». ولكن ينبغي أن نسألَ لماذا وُجدِت هذه الظروف المؤاتِية نظرًا إلى إمكانية وجود ظروفٍ أخرى غير مُؤاتية بدلًا من ذلك (وفي هذه الحالة لا تطرأ الأكوان المتعدِّدة)؟ فيما
(175)يبدو، تبقى الحاجة التفسيرية للجوء إلى التصميم حتّى بناءً على نماذج مُحدَّدة من فرضية الأكوان المتعدِّدة. وعليه، نستنتجُ أنّه رُغم أنّ الدليل الغائيّ ليسَ حاسِمًا -بمعنى أن يكون مُقنِعًا من الناحية العقلية للجميع- إلا أنّه يملكُ قوّةً كبيرةً إن فُهِم كمحاولةٍ لإظهار معقولية فرضية وجود المصمِّم.
ولكن ماذا عن المجموعة الثانية من الاعتراضات التي قدّمها هيوم؟ كما ذكرنا سابقًا، اعترضَ هيوم أيضًا على الدليل بناءً على أُسُسٍ دينية. يقولُ هيوم إنّ الدليل لا يُظهِرُ فعلًا أنّ إله الإيمان موجود. قد يفشل مُصمِّم العالَم بطرقٍ عديدةٍ في أن يُشبِه الله الموجود في المسيحية واليهودية والإسلام. قد لا يكونُ المصمِّم مُطلقًا واقِعًا من حيث القوّة والعلم والخير، وقد يكونُ محدودًا بطرقٍ مُتنوِّعة. بالفعل، يقولُ هيوم، قد لا يكونُ المصمِّم كائنًا واحدًا بل لجنة.
ردَّ ريتشارد سوينبورن على هذه الاعتراضات عبر الادّعاء بأنّ فرضية الإيمان بالتوحيد هي أكثر ترجيحًا من فكرة «الإله أو الآلهة المحدودة» التي يطرحها هيوم وذلك لأنّ التوحيد هو تفسيرٌ أبسط. حقيقة أنّ قوانينَ الطبيعة التي تُحدِثُ النظامَ في الكَون تبدو عامّة تُشيرُ إلى وجودِ سببٍ واحدٍ وليسَ أسبابًا مُتعدِّدة. يقولُ سوينبورون إنّه من الأسهل افتراضُ وجود إلهٍ يملكُ القوّة والعلم اللانهائيَّين بدلًا من إلهٍ يملكُ قوىً عظيمةً ولكن محدودة. تُثيرُ فرضية الإله المحدود حتمًا السؤال حول سبب امتلاك هذا الكائن لمقدار القوة والعلم اللَّذَين يملكهما، وهو سؤالٌ غير قابل للإجابة.
ولكن حتّى لو كان سوينبورن مُحقًا، فإنّ اعتراضات هيوم مع هذا تُقلِّلُ من قطعية نتيجة الدليل الذي كانَ مرجَّحًا فقط في البداية. ولكن هذا يُظهِرُ ببساطةٍ أنّ الدليلَ الغائيّ، كما الدليل الكونيّ، هو محدودٌ من حيث المعلومات التي يُقدِّمها عن
(176)الله. بالكاد يكونُ الإنسانُ العاقل الذي قبِلَ بالدليل راضيًا بمعرفة الله التي يحصل عليها من خلاله، وسوف يكونُ مُتلهِّفًا لاكتساب معرفةٍ إضافية بالله. حتّى لو كان اللاهوت الطبيعيّ ناجحًا، فليسَ من المفترَض أن يمنحَ نوعَ المعرفة التفصيلية بالله التي يتمُّ تحصيلها من حالات الوحي الخاصّة الممكنة والتجارب الدينية.
ولكن إلى حدٍّ ما، تُلغي نقائصُ الدليلَين الكوني والغائيّ بعضهما بعضًا. يستنتجُ الدليلُ الكونيّ أنّ واجب الوجود الذي هو سبب حدوث الكَون ينبغي أن يكون موجودًا، ولكنّ الدليل لا يُبيِّنُ ظاهريًا أنّ هذا المسبِّب ينبغي أن يكون إلهًا شخصيًا. أمّا الدليلُ الغائيّ فيسعى إلى أن يُظهِر أنّ مُسبِّب الكَون ينبغي أن يكون ذكيًا وبالتالي شخصيًا، ولكنّ الدليل لا يُبيِّنُ ظاهريًا أنّ هذا الكائن ينبغي أن يكون واجب الوجود. من الواضح أنّ الدليلَين يُكمِّلان بعضهما بعضًا، وبالتالي يُمكنُ النظر إليهما ليسَ كدليلَين مُتفرّقَين بل كجزئَين من دفاعٍ عامٍ عن معقولية الإيمان بالله.
قد يدّعي أحدهم طبعًا أنّ استنتاجات الدليلَين تُشير إلى كيانَين مُختلفَين وأنّه لا يُمكن بالتالي توظيفُ الدليلَين معًا. يمكن الردّ هنا، تماشيًا مع سوينبورن، أنّ هذا قد يبدو ممكنًا من الناحية المنطقية ولكنه غيرَ معقول. يبدو أنّه من المستبعَد أن نفترض أنّ الكائن المسؤول عن وجود النظام الطبيعي نفسه لن يكون أيضًا مسؤولًا في النهاية عن الصفات المميّزة والمنتشِرة لهذا النظام.
(177)
مايكل روتا
تخيّل أنك قد اشتريت للتوّ تذكرة في يانصيب غير عادي. سبقَ وأن طُبعتْ مجموعةٌ كبيرةٌ من البطاقات، وطُبِعَ على كلّ بطاقةٍ رقمٌ مُختلف. تضمُّ بطاقةٌ واحدةٌ فقط الرقم الرابح.
تُتيحُ لكَ تذكرتك أن تختارَ بطاقةً واحدةً من مجموعة البطاقات الكبيرة، وإن اخترتَ البطاقة الرابحة فسوف تفوزُ بمليار دولار. ممّا يجعلُ هذا اليانصيب غريبًا للغاية هو عددُ البطاقات التي يبلغُ حجمُ كلِّ واحدةٍ منها حجمَ بطاقة عملٍ عادية: قطرها 3.5 بوصة، وطولها بوصتين، وسماكتها 0.16 بوصة. وضعَ مُنظِّمو اليانصيب البطاقات في صناديق يبلغُ حجمها 1×1×1 قدمًا مكعّبًا. (كلُّ صندوق يحوي 15,174 بطاقة.) وُضِعتْ الصناديق بعدها في حاويات شحن مصنوعة من الفولاذ العادي (يبلغُ حجمها 40 قدمًا × 8 أقدام × 8.5 قدمًا من الخارج) وتحتفظُ كلُّ حاوية بـ2,400 صندوقًا. بعدها، قام المنظِّمون بافتراش كامل مساحة ولاية تكساس بـ23,088,168,276 من
(179)حاويات الشحن هذه، ممّا أتاحَ لها أن تضمّ جميعَ البطاقات المطبوعة البالغ عددها 840,815,677,008,100,000 بطاقة (أي نحو 840,816 تريليون تذكرة).
قُمتَ أنتَ، مُفعمًا بالأمل، بالصعود على متن مروحية واستهديتَ بخريطة تكساس ووجّهتَ سائق المروحية للتحليق إلى مكان سان أنطونيو سابقًا. بعد التحليق فوقَ بحرٍ شبه لامُتناهٍ من حاويات الشحن، وصلتَ إلى منطقة سان أنطونيو واخترتَ بشكلٍ عشوائيٍ حاويةً مُحدَّدة من بين آلاف الحاويات الموجودة قُربك. ترجّلتَ بعدها من المروحية وقضيتَ عدّة ساعاتٍ وأنتَ تنزعُ صندوقًا وراء صندوق لكي تختار صندوقًا مُحدّدًا موجودًا بالقرب من مؤخّرة حاوية الشحن. فتحتَ ذلك الصندوق وحبستَ أنفاسَك وانتقيتَ إحدى البطاقات الموجودة فيه وتركتَ ما تبقّى من البطاقات البالغ عددها 15,173 بطاقة. قرأتَ العدد على بطاقتك: 74,592,324,578,811,234. أعلنَ موظّف هيئة اليانصيب المبتسِم المرافق لك أنّك قد خسرت.
من هنا، تبدأ الأمور تُصبح مُثيرة. كانَ بوب، المشارك الثاني في اليانصيب، معكَ على متن المروحية، والآن جاءَ دورُه. طلبَ بوب من ربّان المروحية التحليق نحو منطقة كوربوس كريستي سابقًا، واختار حاوية شحن، وانتقى صندوقًا ومن ثمّ بطاقة و...ربِح اليانصيب. أما أنت، فتكتشف لاحقًا أنّ بوب هو ابن أخ مُبرمج الحاسوب الذي يعملُ في هيئة اليانصيب. هل سوفَ تشتبهُ بالأمر؟ إن كان الجواب نعم، فقد يروقُ لكَ دليلُ الضبط الدقيق.
(180)يأخذُ دليلُ الضبط الدقيق من نطقة انطلاقه اكتشافًا حديثًا نسبيًا في الفيزياء: ما كان الكون الذي نعيشُ فيه ليضمّ كائناتٍ حيّة إذا لم تكن عدّةٌ من خصائصه الأساسية مُناسبة تمامًا، أي مضبوطة بدقّة، لاحتضان الحياة. على فرض أنّ فاعلًا خارقًا للطبيعة قد أحدثَ الكون الذي نعيشُ فيه، فلن يكون من المفاجئ أو من غير المتوقَّع أن يُتيحَ كونُنا ظهور الحياة. ولكن على فرض عدم وجود مُصمِّمٍ خارقٍ للطبيعة للكون، فمن المصادفة غير القابلة للتصديق أن يكون كوننا مُلائمًا لظهور الحياة. بما أنّ هذه المصادفة هي غير محتملة للغاية، فإنّ الضبط الدقيق للكون بنحوٍ يُتيحُ ظهورَ الحياة يُقدِّمُ دليلًا قويًا على أنّ كوننا هو نتيجة فعل مُصمِّمٍ خارقٍ للطبيعة.
فيما يلي، سوف يتمُّ تحفيزُ مسار التفكير هذا وتطويره ومقابلته مع عددٍ من الاعتراضات. المكان الذي ينبغي أن نبدأ منه هو إلقاء نظرةٍ وثيقة على أكثر مثالٍ بارزٍ عن الضبط الدقيق.
1. الثابت الكوزمولوجي
حاز سول بيرلموتر، بريان شميت، وآدم ريس جائزة نوبل للعام 2011 عن فئة الفيزياء لقاء اكتشافٍ رصديٍ يتعلّقُ بتوسُّع الكون. لم يكن هذا أول تقديرٍ لجهودهم؛ حينما نُشرتْ نتائجهم للمرّة الأولى في العام 1998، وصفت مجلة «Science» الاكتشافات بأنّها الاختراق العلميّ الأعلى للعام. تحدّث عالِمُ الفيزياء براين غرين من جامعة كولومبيا كيف أنّ العديد من الباحثين قد وجدوا أنّ هذا الاكتشاف هو «النتيجة الرصدية الوحيدة الأكثر إثارة للدهشة التي ظهرت في حياتهم». ما هو هذا الاكتشاف، ولماذا كان على وجه التحديد مُفاجئًا للغاية؟
من أجل العثور على إجابة، ينبغي أن نبدأ باكتشافٍ أقدم عن الفضاء: من الممكن أن يتوسّع الفضاء أو ينكمش. توسُّع الفضاء لا يعني مجرّد تحرُّك الأشياء في الفضاء (كالنجوم) بعيدًا عن بعضها بعضًا خلال الفضاء، بل تتمثّلُ الفكرة في أنّ الفضاء نفسه يُمكنه أن يتوسّع. تخيَّلْ أنّك رسمْتَ نقطتين على سطح بالون
(182)ومن ثمّ نفخته حتّى كبرَ حجمه. مع اتّساع سطح البالون، تبتعدُ النقطتان أكثر وأكثر عن بعضهما بعضًا مع أنّ تحرُّكهما عبر السطح ليس على نحو دبيب نملةٍ عبر البالون.
يستطيعُ الفضاء أن يتّسع، ليس ذلك فحسب، بل هو يتّسعُ فعلًا، وقد عرفَ العلماءُ ذلك منذ مطلع القرن العشرين. كان يُعتَقَدُ أنّه بعد وقتٍ قريبٍ جدًا من حصول الانفجار الكبير توسّع الفضاءُ بمعدّلٍ أبطأ وأبطأ مع مرور الوقت، أي كان يُعتقد أنّ توسّع الفضاء هو في طَور الإبطاء. قاد بيرلموتر فريقَ بحثٍ بينما قاد شميت فريقَ بحثٍ آخر، وباشرا بشكلٍ مُستقلٍ في قياس مدى تباطؤ توسُّع الفضاء. تفاجأ الفريقان حينما اكتشفا أنّ توسُّع الفضاء لا يتباطأ مُطلقًا بل يتسارع، وهذا بدوره قد أشارَ إلى شيءٍ مُفاجئ يتعلّقُ بما نعتبره في العادة فضاءً فارغًا. يتبين أن «الفضاء الفارغ» يتعرض لقوة تنافر (نوع من القوة المعاكسة للجاذبية). أو لعلّ طريقة وصفه تكمنُ في أنّ عددًا من الحقول التي تتخلّلُ الفضاء تُنتِجُ تلك القوّة التنافرية. مهما وصفناه، ثمّة شيء يتسبّبُ بوقوع تسارعٍ في توسُّع الفضاء. يرتبطُ معدّل هذا التسارع بمعيارٍ (رقم) يُسمّيه العلماء بالثابت الكوزمولوجي الفعّال. إذا كان الثابت الكوزمولوجي الفعّال رقمًا إيجابيًا، يميلُ الفضاء إلى أن يتوسّع بمعدّلٍ تسارعي، وكلّما كان الرقم الإيجابيّ أعلى كلّما كان التسارع أشدّ. أمّا إذا كان الثابت الكوزمولوجي الفعّال رقمًا سلبيًا، فإنّ توسُّع الفضاء سوف يتباطأ ومن ثمّ يبدأ الفضاء بالانكماش؛ وكلّما كان الرقم السلبيّ أعلى كلّما بدأ الانكماش في وقتٍ أقرب. أتاحتْ مُلاحظات بيرلموتر وشميت وفريقَي البحث التابِعَين لهما بشكلٍ حاسمٍ إجراءَ حسابٍ دقيقٍ لقيمة الثابت
(183)الكوزمولوجي الفعّال. حينما يُقاسُ وفقًا لوحدات بلانك ، يتبيّن أنّ قيمته هي رقمٌ إيجابي صغير للغاية، تقريبًا ولكن ليس تمامًا صفر. مع أخذ المعلومات الحديثة بعين الاعتبار، فإنّ الرقم هو:
.00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000135.
هذا يعني123-10×1.35 من الوحدات المناسبة.
ربما هذا مُثيرٌ للاهتمام بعضَ الشيء، ولكن ما المهم في ذلك؟ في الواقع، قيمةُ الثابت الكوزمولوجي الفعّال ليستْ مجرّد معلومة عديمة الأهمية. كما احتجَّ بشكلٍ مُقنعٍ في أواخر الثمانينيات عالِمُ الفيزياء ستيفن واينبرغ الحائز على جائزة نوبل، فإنّ القيمة الدقيقة للثابت الكوزمولوجي هي مُهمة بشكلٍ أساسيٍ للحياة. إذا كان الثابت الكوزمولوجي الفعّال أعلى بألف مرةٍ تقريبًا ممّا هو عليه (أعلى من نحو 1 على 10120 من وحدات بلانك )، كان ليتوسّع الكون بسرعةٍ فائقة جدًا في أولى مراحله وما كانت النجومُ لتتشكّل قط. كان هذا ليجعل تطوُّر الحياة في أيّ مكانٍ من الكون أمرًا بعيد الاحتمال للغاية لأنّ جميعَ العناصر الكيميائية باستثناء أبسط ثلاثة عناصر (الهيدروجين، الهيليوم، والليثيوم) تُنتَج فقط داخل النجوم، ومن غير المحتمل للغاية أن تُوجد كائناتٌ حيّة تتشكّلُ فقط من هذه العناصر
(184)و/أو من الجسيمات تحت الذَريّة. وإذا كان الثابت الكوزمولوجي الفعّال سلبيًا ولكن أقلّ بقليل من نحو 1 على 10120 السالبة من وحدات بلانك ، كان لينهار الكونُ بسرعةٍ في وقتٍ مُبكِّرٍ جدًا قبل أن تتطوّر أيُّ حياة.
نصلُ الآن إلى بيت القصيد: نظرًا إل ما نعرفه من الفيزياء، كان من غير المحتمل وبنحوٍ لا يُصدَّق أن تقع قيمةُ الثابت الكوزمولوجي الفعّال ضمن النطاق الضيّق السانِح للحياة، أي بين نحو 1 على 10120 السالبة ونحو 1 على 10120 الموجبة من الوحدات المناسبة. يبدو أن الثابت الكوزمولوجي كان ليقع في أيِّ مكانٍ ضمن نطاقٍ كبيرٍ جدًا («كبير» نسبةً إلى حجم الحزام الضيّق السانِح للحياة)، ولو لم يكن صحيحًا على وجه الدقّة لما وُجِدنا.
لنتعمّق أكثر. الأسباب الفيزيائية الأساسية التي تُفسِّرُ السبب وراء قيمة الثابت الكوزمولوجي الفعّال ليستْ معروفة بشكلٍ كامل. هذا يعني أنّه من غير المفهوم بشكلٍ تام لماذا يشهدُ الفضاء «الخالي» القوّة التنافرية بالحدّ الموجود. مع ذلك، فإنّ جزءًا عل الأقلّ من السبب يرتبطُ بطاقة الحقول المتنوِّعة التي تتخلّلُ الفضاء (الحقول المتّصلة بالجزئيات الأساسية مثل الإلكترون أو الكواركات المتنوِّعة). تُساهِمُ بعضُ الحقول في تقديم كمٍ إيجابيٍ إلى الثابت الكوزمولوجي الفعّال بينما تُساهِمُ حقولٌ أخرى في تقديم كمٍ سالب. ولكن حينما يُطبِّقُ علماء الفيزياء أفضل مُحاولاتهم لحساب الطاقة التي ينبغي أن تُساهِمَ في تقديمها معًا الحقول المعروفة المتعدِّدة، فإنّهم يحصلون على نتيجةٍ أعلى بكثيرٍ من القيمة التي تمّت مُلاحظتها. بالفعل، نحنُ نعبِّر عن ذلك بطريقةٍ بسيطة - فالأمر المتوقَّع
(185)هو قيمة تُساوي نحو 10 إلى 123 مرة أعلى من القيمة التي تمّت ملاحظتها!ما الذي يجري هنا؟ الاستنتاج الطبيعي الذي يُمكن أن نتوصّل إليه هو، بالإضافة إلى المساهمين المعروفين إلى الثابت الكوزمولوجي الفعّال، يوجد أيضًا واحدٍ أو أكثر من المساهمين الآخرين الذين ما زالوا غير معروفين. مهما كانت حقيقةُ هؤلاء المساهمين الآخرين، فإنّها تُلغي بالضبط تقريبًا مساهمات الحقول المذكورة آنفًا فيبلغ الثابت الكوزمولوجي الفعّال صفر تقريبًا.
الأمر المدهش في نظر عُلماء الفيزياء هو أنّه، رغم أنّه كان من الممكن لأيّ واحدةٍ من المساهمات الفردية إلى الثابت الكوزمولوجي أن تأخذ أيّ قيمةٍ من نطاقٍ واسعٍ من القيم، فقد تبيّنَ بطريقةٍ ما أنّ جميعَ المساهمات الفردية المتنوِّعة تتآمر لتلغي بعضها تقريبًا، تقريبًا ولكن ليس تمامًا. الإلغاء إلى صفر بالضبط يُشيرُ إلى وجود آليةٍ ضمنية بسيطة نِسبيًا تُلغي من خلالها الأزواج المتنوّعة بعضها بعضًا بالضرورة. ولكن حينما اكتشفَ بيرلموتر وشميت وريس أن الثابت الكوزمولوجي الفعّال ليس صفرًا بالضبط، تمّ استبعادُ هذا التفسير البسيط - ولهذا السبب كان الاكتشافُ مُدهِشًا للغاية في نظر علماء الفيزياء الآخرين. بما أنّ احتمالات أن يُظهر حلٌ بسيطٌ وأنيق السببَ وراء ضرورة أن تكون قيمة الثابت الكوزمولوجي صفر هي خافتة للغاية، نُواجه ما يبدو أنّه صدفة هائلة.
هائلةٌ إلى أيّ درجة؟ إلى درجةٍ تجعلُ المشاركة في اليانصيب الافتراضي تبدو كاستثمارٍ حكيم إلى حدٍّ خيالي. فرصةُ الفوز في ذلك اليانصيب (بشكلٍ عادلٍ) هي تقريبًا 1 من 1018. أمّا فرصة وقوع الثابت الكوزمولوجي في النطاق السانِح
(186)للحياة (من دون تدخُّل مُصمِّم الكون) فهو تقريبًا 1 من 10120. وضعَ الفلاسفة جون هاثورن ويوآف آيساكس هذا الرقم في صورةٍ توضيحية مُقارِنة:
فُرصك بأن تحزرَ [هوية] شخصٍ وقع الاختيارُ عليه بشكلٍ عشوائيٍ من [مدينة] رود آيلاند هي تقريبًا 1 من 1,000,000. فرصك بأن تحزر [هوية] شخصٍ وقع الاختيار عليه بشكلٍ عشوائيٍ من الهند هي تقريبًا 1 من 1,000,000,000. ولكنّ فرصك بأن تحزر ذرةً وقع الاختيار عليها عشوائيًا من الكَون المعروف هي مجرّد 1 من 10120، وهو ليس حتّى قريبًا من 1 من 10120.
تمّت صياغةُ دليل الضبط الدقيق في عدّة نماذج مُختلفة.
سوف نُقدِّمُ صيغةً دقيقةً له في القسم السادس، ولكن لعلّه من الأفضل أن نبدأ بالفكرة التقريبية. طابِعُ الكَون السانِح للحياة هو دليلٌ على وجود مُصمِّمٍ للكَون، ويعودُ ذلك إلى السبب نفسه الذي جعلَ فوز بوب باليانصيب دليلًا على غشّه. في مثال اليانصيب، فوزُ بوب هو مُتوقّعٌ أكثر بكثير بناءً على فرضية غشّه من فرضية عدم غشّه، وبالتالي فإنّ فوزه هو دليلٌ على غشّه. بطريقةٍ مُماثِلة، الكَون السانِح للحياة هو مُتوقَّع أكثر بكثير بناءً على فرضية وجود مُصمِّمٍ للكون من فرضية عدم وجوده. وعليه، فإنّ الكَون السانِح للحياة هو دليلٌ على وجود مُصمِّمٍ للكون.
(187)3. اعتراضُ رحلة النجوم
ثمّة اعتراضٌ أولي على دليل الضبط الدقيق يستهدفُ مقدمته التجريبية الرئيسية، أي:
(1) ما كان الكون الذي نعيشُ فيه ليضمّ الحياة لو أنّ عددًا من خصائصه الأساسية لم يكن صحيحًا تمامًا، أو مضبوطًا بالدقّة، للحياة.
هذا الادّعاء مدعومٌ بشكلٍ جيدٍ ومُؤيَّد بشكلٍ واسعٍ من قِبل الخبراء. مع ذلك، البعض يتحدّاه، فقد اقترحَ مثلًا عالِم الفيزياء شان كارول من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا أنّنا لا نعرفُ ما يكفي عن أشكال الحياة المختلفة الممكنة لكي نكون واثقين من (1). لعلّه حتّى لو لم تتشكّل النجوم، لبرزت حياةٌ (من نوعٍ آخر).
هذا اعتراضٌ معقول، ولكن عندما نُخضعه للتدقيق فإنّه لا يُخرجُ دليل الضبط الدقيق عن مساره. إنّ احتمال وقوع الثابت الكوزمولوجي عن طريق الصدفة في النطاق الذي يُعتبر عادةً سانحًا للحياة هو 1 من 10120. هذا يعني أنّه لو كان كامل نطاق القيم الممكنة للثابت الكوزمولوجي مُتمثِّلًا عبر خطٍ طويل، وكان نطاق القيم السانِحة للحياة مُتمثِّلًا في قسمٍ قصيرٍ جدًا من ذلك الخط، فإنّ الخطّ الطويل سوف يكونُ 10120 مرة أكبر من طول القسم الصغير. ينعكسُ هذا في الصورة (1) حيث يُمثِّلُ كاملُ الخط قيمَ الثابت الكوزمولوجي التي تؤخَذُ على أنّها مُمكنة، والمنطقة بين 1- و1 تُمثِّلُ المنطقة الضيِّقة السانِحة للحياة التي
(188)تتمّ مناقشتها في المعالجات العادية. في تلك المعالجات العادية، دعوانا الرئيسية، أي (1)، هي مدعومة بملاحظة أنّه إذا كان الثابت الكوزمولوجي على يمين 1، لن تتشكّل النجوم في الكَون الحادث، وإذا كان الثابت الكوزمولوجي إلى يسار 1- فإنّ الكون سوف ينتهي بانكماشةٍ كبيرةٍ في وقتٍ مبكّرٍ للغاية ممّا يحولُ بشكلٍ معقول دون نشوء الحياة. هكذا يبدأ دليل الضبط الدقيق الأصليّ. ولكن افترض أنّنا سمحنا، في تنازلٍ لاعتراض كارول حول الأشكال المختلفة من الحياة، أنّ الحياة قد تكونُ احتمالًا حقيقيًا خارج حزام [1-، 1]. بالفعل، افترض أنّنا سمحنا أنّ الحزام السانِح للحياة قد يكون تريليون مرة أوسع مما اعتُقِد عادة، ونقرّ لصالح الحجّة أنّه يُمكن أن يوجد نوعٌ ما من الحياة لو كان الثابت الكوزمولوجي بين 1210- و 1210 في الصورة 4 .1.
حتّى مع ذلك، بالكاد يتمُّ المساس بقوّة دليل الضبط الدقيق. نطاقُ القيم الممكنة للثابت الكوزمولوجي هي الآن 10120/1012=10108 مرّة أوسع من النطاق السانِح للحياة. وعليه، بدلًا من صدفة 1 في 10120، فإنّ الضبط الدقيق للثابت الكوزمولوجي عن طريق الحظ سوف يكون صدفة 1 في 10108، وهو يبقى احتمالًا ضئيلًا لا يُمكن تخيُّله. وعليه، حتّى عندما نتناولُ مخاوفَ كارول من خلال السماح بظهور الحياة في أكوانٍ مُتطرّفة للغاية، يبقى الحال أنّه يجب على الكون أن يكون «مؤاتيًا تمامًا» لإتاحة الحياة، وذلك لوجود 10108 أكوان مُستبعِدة للحياة بلا نزاع خارج منطقتنا الجديدة السانِحة للحياة لكلّ كون 1 داخلها.
أنا أقول «أكوانًا مُستبعِدة للحياة بلا نزاع» لأنّه إذا أخذ الثابت الكوزمولوجي
(189)قيمةً في الحدّ الشمالي في نطاقنا الأوسع السانِح للحياة، المتطابق مع النقطة 1012- ، فإنّ الكون كان لينهار 15,000 عامًا بعد الانفجار الكبير، بينما إذا أخذ قيمةً في حدّنا الجديد على جهة اليمين المتطابق مع النقطة 1012، فإنّ:
الكون سوف يتضمّن حساءً خفيفًا من الهيدروجين والهيليوم. على الأكثر، قد ترتدّ هذه الجزيئات عن بعضها بين حينٍ وآخر وتتّجه مجددًا إلى الفضاء لتريليون سنةٍ أخرى من العزلة الوحيدة.
ليس من المنطقي أن نعتقد بأنّ الكائنات الحيّة قد تتشكّل وتحيا وتتكاثر في ظروفٍ مثل تلك الظروف. يُواصل لويس وبارنس كلامهما مُعتبرَين أنّه عند هذه النقطة:
«كثيرًا ما يلعبُ الناس بطاقة الخيال العلمي، ويُجيبون أنّ هذا الكون البسيط قد يحوي الحياة ليس كما نعرفها، [بل] حياةً استثنائية وغريبة للغاية حيث إنّ عقولنا البشرية الصغيرة قد لا تتصوّر أصلًا وجودها. ولكنّ الكلمة المهمّة هنا هي الخيال. يجب على أيّ كونٍ يُمكن أن تنشأ فيه الحياة أن يُوفِّر الظروف لتخزين المعلومات ومعالجتها؛ ببساطة، الحساء الخفيف من الهيدروجين والهيليوم فحسب لا يُوفِّر هذا الأمر».
(190)الدليل الأول على أنّ أمرًا ما يُخفق في هذا الاستدلال هو الاستدلال الموازي الذي يُريدُ منّا أن نرفض بعضَ الاحتجاجات الصحيحة بنحوٍ واضح. افترض أنّك جالسٌ أمام فرقة الإعدام، على وشك أن تتلقَّى النيران. أنتَ لستَ يائسًا لأنّك تملكُ سببًا للاعتقاد بأنّ نسيبك -وهو من أعضاء فرقة الإعدام- قد أقنعَ الآخرين بعدم إصابتك. تُعطى الإشارة ويدوّي صوتُ الرصاص ولكنّ
(191)جميع الرصاصات تُخطئك. حدسيًا، اتّضح أنّك قد حزت دليلًا على فرضية أنّ مُطلقي النار قد تعمّدوا عدم إصابتك. من المستبعد للغاية أن يُخطئ جميعهم الإصابة مع فرضية أنّهم كانوا يُحاولون إصابتك، بينما من المحتمل أن يُخطئ جميعهم على الفرضية القائلة بأنّهم كانوا يُحاولون عدم إصابتك. بتعبيرٍ آخر، دليلك (أي نجاتك) هو مُتوقّع أكثر بكثير إذا كانوا يُحاولون عدم إصابتك ممّا إذا كانوا يُحاولون الإصابة. ولكن لاحِظ أنّ الاعتراض الأنثروبي يُريد منّا أن نستنتج بشكلٍ خاطئ أنّ فرضية مُحاولة عدم الإصابة لا تُمنَح دعمًا على الإطلاق من خلال مُلاحظتك أنّك قد نجوت. سوف يتمّ الحثّ على ما يلي: «يجب أن لا تنسى أنّه بما أنّه يجب أن تكون حيًا لكي تُلاحظ أيَّ شيء مُطلقًا، فلا يُمكنك أن تُلاحظ وضعًا لم تَنجُ فيه. وعليه، فإنّ مُلاحظتك حول النجاة من فريق الإعدام ليست مُستبعدة مُطلقًا، حتّى على الفرضية القائلة بأنّ فريق الإعدام كان يُحاول إصابتك». لا يُمكن أن يكون هذا صحيحًا. للتأكيد على هذه النقطة، تخيّل أنّ فريق الإعدام يستمرّ في إطلاق النار، رشقةً بعد رشقة لساعات، ويُخطئ إصابتك في كلّ مرّة. بالطبع سوف تكتسب في النهاية بُرهانًا على أنّ هذا الفريق ليس فريقَ إعدامٍ طبيعي.
مع ذلك، فإنّ التشكيك باعتراضٍ ما من خلال إظهار أنّه يُثبت الكثير يختلف عن فهمنا لمكان خطأه بالضبط. النموذج القصير (عن مكان خطأه) هو أنّ الاعتراض الأنثروبي يطلبُ منّا أن نُركّز على احتمالٍ عديم الصلة: احتمال أن يكون الكون مُتيحًا للحياة نظرًا إلى أنّ الكون هو نتيجة لعمليةٍ مادية عمياء ونحنُ هنا لنلاحظه. حسنًا، إذا كنّا هنا لنلاحظه، يجب أن يكون مُتيحًا للحياة.
(192)ولكن من الممكن أنّنا لم نكن لنتواجد قطّ هنا لكي نُلاحظه! من دون صاحب الضبط الدقيق في المشهد، الأمر المرجّح هو أنّنا ما كُنّا لنكون هنا أبدًا. بما أنّنا هنا، فلدينا دليلٌ على وجود مُصمِّمٍ للكَون.
بهدف بناء نموذجٍ صارمٍ من دليل الضبط الدقيق، نحن بحاجةٍ إلى بعض الأدوات التي تُقدَّم بفضل نظرية الاحتمال. أولًا، الاحتمال المعرفيّ، بالنسبة إليك، للقضية (أ) هو مقياس مُستوى الثقة الذي يكونُ منطقيًا لكَ أن تنسبه إلى (أ) بناءً على جميع معلوماتك الخلفية المهمة. على سبيل المثال، ليمثِّل (أ) القضية القائلة بأنَ عملةً معدنية سوف تسقط على رأسها حينما تُقلَب في المرّة المقبلة. إذا ضمّت معلوماتك الخلفية المناسبة فقط المعلومات بأنّ العملة المعدنية عادلة، فإنّ الاحتمال المعرفيّ لـ(أ) سوف يكون ½ لأنّك يجب أن تُعيِّن مُستوىً من الثقة يبلغُ 50% إلى القضية القائلة بأنّ العملة النقدية سوف تسقطُ على رأسها. رمزيًا: اح (أ) =.5.
ثانيًا، الاحتمال المعرفيّ الشرطيّ للقضية (ب) نظرًا إلى القضية الأخرى (ج)، الذي يُكتَب عل هيئة إح (ب|ج)، هو مقياس مُستوى الثقة الذي يكون من المنطقيّ أن تنسبه إلى (ب)، بناءً على جميع معلوماتك الخلفية المناسبة، إضافة إلى الفرضية (التي قد تكون صحيحة أو لا تكون كذلك) بأنّ (ج) معروف.
ثالثًا، ثمّة مُعادلة تُسمّى نظرية بايز يُمكن أن تُساعدنا في فهم مقدار الدعم الذي يُقدّمه دليلٌ ما (د) إلى الفرضية (ف) حينما نعلم ما هو مقدار (د) المتوقَّع إذا كانت (ف) صحيحة، أي حينما نعلم: إح (د|ف).
(193)يتضمن أبسط شكلٍ من نظرية بايز أربعة كميات:
الاحتمال بأنّ فرضيةً ما هي صحيحة، إذا افترضنا أنّ دليلًا ما هو معروف.
الاحتمال الذي يجب أن تنسبه إلى تلك الفرضية قبل أن تأخذ بعين الاعتبار الدليل موضع السؤال.
مقدار مدى توقُّع الدليل موضع السؤال إذا كانت الفرضية صحيحة. هذا هو الاحتمال المعرفيّ بأنّك سوف تكسب ذلك الدليل إذا سلّمتَ بالفرضية.
مقدار مدى توقُّع الدليل موضع السؤال.
(2) إح (الفرضية| الدليل) = إح (الفرضية) ⋅ إح (الدليل|الفرضية) على إح (الدليل)
ثمّة تعقيد أخير: أحيانًا من الممكن حساب إح (الدليل) فقط من خلال التفكير بشكلٍ منفصل حول مدى احتمال الدليل إذا كانت الفرضية صادقة، ومدى احتمال الدليل إذا كانت الفرضية باطلة. تبيّن أنّ:
إح (الدليل) = إح (الدليل|الفرضية) * إح (الفرضية) + إح (الدليل|الفرضية) * إح (~الفرضية)
مع (2)، هذا يُشيرُ إلى:
(3) إح (الفرضية|الدليل) = إح (الفرضية) ⋅ إح (الدليل|الفرضية) على إح (الدليل|الفرضية) ⋅ إح (الفرضية) + إح(الدليل|∼الفرضية) ⋅ إح (∼الفرضية)
لنعد الآن إلى دليل الضبط الدقيق. ليكن (د) قضية أنّ الكون هو «المنتج
(194)السببي لفاعلٍ ذكي». وعليه، (∼د) هو قضية أنّه من الباطل أن يكون الكون مُنتجًا سببيًا لفاعلٍ ذكي. ليكن (ه) قضية أنّ الثابت الكوزمولوجي يقعُ ضمن النطاق المتيح للحياة. لكي نُوضِّح الأثر الدليلي لـ(ه)، تخيّل أنّه قبل التفكير بدليل الضبط الدقيق، نظنّ أنّه يُرجّح أكثر أن يكون الكون ناتجًا عن عمليةٍ فيزيائية عمياء وليس عن فاعلٍ ذكي، ونظنّ أنّه حتّى لو كان الكون ناتجًا عن الله أو عن مُصمّمٍ آخر للكون، فلا يُمكن أن نضمن أن يُنتج مُصمِّم الكون كونًا مُتيحًا للحياة بدلًا من كونٍ خالٍ من الحياة. في الواقع، افترض أنّنا نحكم أنّ كُلًا من إح (د) وإح (الدليل|د) هو نحو 10%. بما أننا نلتفت إلى الرأي الخبير المتعلّق بالثابت الكوزمولوجي، فإنّنا نُدرك أنّ إح (الدليل|∼د) هو ضئيل.
تُظهِر الصورة 4.3 هذه الأحكام: الخانة الضيّقة على اليمين تُوافقُ (د) وتعدلُ 10% من مجموع المساحة، بينما الخانة الأوسع على الشمال تُوافقُ (∼د) وتعدل 90% من مجموع المساحة. أمّا المنطقة الملوّنة في أعلى اليمين فإنّها تتضمّنُ جميعَ الاحتمالات التي يكونُ فيها الكون مُتيحًا للحياة بفضل مُصمِّمٍ للكون، والنقطة الصغيرة الواقعة في مكانٍ غير بعيدٍ من الوسط تتضمّنُ الاحتمالات التي يكون فيها الكون مُتيحًا للحياة من دون مُصمّمٍ ذكي للكون. قبل أن نأخذ (الدليل) بعين الاعتبار، عيّنا فقط مستوى 10% من الثقة إلى الادّعاء بأنّ الكون مُصمَّم. ولكن أن نأخذ (الدليل) بعين الاعتبار يعني أن نُدرك أنّ النتيجة الفعلية موجودة في إحدى المناطق الملوّنة -إمّا النقطة الصغيرة في كونٍ خالٍ من الإله أو المنطقة الأكبر في كونٍ مُصمَّم. بما أنّ الغالبية الكبرى من طرق الحصول على
(195)كونٍ مُتيحٍ للحياة تتضمّنُ مُصمِّمًا للكون، فإنّ أخذ (الدليل) بعين الاعتبار يرفع الاحتمال المعرفيّ لـ(د) إلى شيءٍ قريبٍ من 100%. (مدى القرب من 100% سوف يعتمدُ على النسبة الدقيقة بين مجال النقطة الصغيرة ومجال المنطقة الملوّنة في أعلى اليمين.) بما أنّ (الدليل) هو متوقّع أكثر بكثير نظرًا إلى (د) بدلًا من (∼د)، فإنّ (الدليل) هو برهان قوي على (د).
يُمكن أن نوظِّف نظرية بايز والجَبر للتوصُّل إلى تحليلٍ أعمّ. من نظرية بايز، نملكُ التالي:
إح (د|الدليل) = إح (د) ⋅ إح (الدليل|د) على إح (الدليل|د) ⋅ إح (د) + إح (الدليل|∼د) ⋅ إح (∼د)
نحن الآن بحاجةٍ إلى بعض الأعداد. إعترافًا باعتراض رحلة النجوم، سوف نفترضُ أنّ إح (الدليل|∼د) يُساوي 1/10108 بدلًا من 1/10120. ما الذي ينبغي أن نُقدِّره لـ إح (الدليل|د)؟ الفاعل الذكيّ بما يكفي لتصميم الكون يُرجَّح أنّ يفهم أنّ وجودَ الأفراد المتجسِّدين من أمثالنا يزيدُ الكون قيمةً، وبما أنّ الثابت الكوزمولوجي المتيح للحياة هو ضروريٌ لوجود الأفراد المتجسِّدين فإنّ هذا الفاعل يملكُ سببًا لكي يجعل هذا الكون مُتيحًا للحياة بدلًا من أن يجعله معدومَ الحياة. بالطبع، قد يملك هذا الكائن سببًا مُوازيًا لكي لا يفعلَ ذلك. في النهاية، إلى أيّ مدى يكون مُرجّحًا أن يقوم مُصمِّمٌ ذكيٌ للكون بإنتاج كونٍ مُتيحٍ للحياة بدلًا من كونٍ خالٍ من الحياة؟ إذا كان عليّ أن أحزر، فأنا أقول فوق ½. ولكن لنقرّ بأكبر مقدارٍ ممكن لصالح الفرد الذي يقول إنّنا نعرف القليل جدًا عمّا يُريده مُصمِّم الكون. هل نُقدِّر إح (الدليل|د) بـ1 من 10؟ 1 من 100؟ كلّما كان الرقم أدنى، كلّما كان دليل الضبط الدقيق أضعف. لكي نعتمد على مقدمة يُوافقُ عليها
(196)حتّى المشكِّك، لنفترض أنّ إح (الدليل|د) يُساوي 1 من تريليون. هذا يُعطينا:
(4) إح (د|الدليل) = إح (د) ⋅ على ⋅ إح (د) + ⋅ إح (∼د)
لكي نجعل الحساب أبسط لتكن α = إح (الدليل|∼د) =
إذًا: إح (الدليل|د) = = = 1096 ⋅ α
وعليه، فإنّ (4) يُساوي: إح (د|الدليل) = إح (د) ⋅ 1096 ⋅ α على إح (د) ⋅ 1096 ⋅ α + إح (∼د) ⋅ α
تُلغى قيم α، وبما أنّ (د) و(∼د) هما قضيتان متناقضتان، فإنّ إح (∼د) = -1إح (د). من خلال الاستبدال نحصل على:
5. إح (د|الدليل) = 1096 ⋅ إح (د) على 1096 ⋅ إح (د) + [-1 إح (د)]
افترض أنّه قبل التفكير بالأثر البرهاني للضبط الدقيق، أنت قدّرتَ أنّ إح (د) -أي الاحتمال بأنّ الكون قد أُنتِج على يد فاعلٍ ذكي- هو فقط 1%. تُشيرُ المعادلة (5) أنّه بعد أخذ الضبط الدقيق بعين الاعتبار، يجب أن تكون شبه متأكد أنّ الكون مُصمَّم، إذ نحكمُ بأنّ الاحتمال المعرفيّ لـ(د) هو فوق%.99.9999999 بكثير. إذا كان إح (د) يُساوي 1 في مليار، فإنّ الأمر نفسه صحيح. بالفعل، حتّى لو وضعَ الفرد الاحتمال السابق بوجود مُصمِّم الكون عند 1 من 1080، فإنّ إح (د|الدليل) سوف يكون أيضًا أعلى من %.99.9999999 .
كما هو الحال مع أيِّ حجّةٍ فلسفية مهمة، تعرّضَ دليل الضبط الدقيق إلى عددٍ من الاعتراضات. إضافة إلى الاعتراض الأنثروبي واعتراض رحلة النجوم، ينبغي أن نذكر خمس مسائل أخرى أيضًا: الاحتمالات المنتظمة، غموض الإرادة
(197)الإلهية، الضرورة الميتافيزيقية، القوانين الصارمة في مقابل القوانين الرخوة، والأكوان المتعدِّدة. نظرًا إلى القيود في سعة البحث، سوف أُناقش هذه المسائل بإجازٍ فقط ولكنّني سوف أُوجِّه القارئ للاطّلاع على مصادر إضافية في الهوامش.
افترِض أنّه كان يُمكن أن يكون الثابت الكوزمولوجي أيّ رقمٍ حقيقيٍ (نظرًا إلى وحدة قياسٍ مُحدَّدة). إذًا، كم سيكون مُرجّحًا أنّ الثابت الكوزمولوجي كان ليقع في مجالٍ مُعيَّن، مثلًا بين -1 و1 من الوحدات ذات الصلة؟ افترضَ بعضُ الفلاسفة أنّه في مثل هذه الحالة، يجب تعيين احتمالٍ مُساوٍ لأيِّ مجالٍ محدود ذي حجمٍ مُساوٍ (وهو افتراضٌ لـ«التوزيع المنتظم للاحتمال»)، وبناء على ذلك فإنّهم قد احتجّوا على أنّ احتمال وقوع الثابت الكوزمولوجي ضمن مجالٍ مُعيَّن محدود ينبغي أن يكون 0 (لأسبابٍ تتعلّق بالعدد اللانهائي من المجالات المحدودة ذي الحجم المساوي ضمن خطّ العدد الحقيقي). إذا كان ذلك صحيحًا، فإنّ هذه الادّعاءات تُثيرُ مشكلةً لدليل الضبط الدقيق.
يعتمدُ دليلُ الضبط الدقيق على الادّعاء بأنّ إح (الدليل|د) هو أعلى بكثيرٍ من إح (الدليل|∼د)، الذي يعتمدُ بدوره على مقدمة أنّ إح (الدليل|د) ليس مُنخفضًا بشكلٍ هائل. إذا تكلّمنا بشكلٍ تقريبيٍ للغاية، فإنّ نجاحَ دليل الضبط الدقيق يتطلّبُ وجودَ فرصةٍ مُناسبة على الأقل بأنّ الفاعل الذكيّ الذي يُصمِّمُ الكون
(198)سوف ينتقي قيمةً مُتيحة للحياة للثابت الكوزمولوجي، وهذا في الواقع مبالغ فيه؛ فكلّ ما يحتاجه دليل الضبط الدقيق هو احتمالٌ لـ(الدليل|د) أن يكون أعلى بكثيرٍ من حيث القيم الأسّية من 1 على 10108 المنسوب إلى إح (الدليل|∼د). مع ذلك، قد يقول البعض إنّه حتّى هذه المقدمة مشكوكٌ فيها -ربما ليس لدينا سببٌ جيد لتشكيل اعتقادٍ حول ما يُحتمل أن يفعله مُصمِّم الكون أو لا يفعله. في مقالةٍ حديثة، طرحَ نيل مانسن هذا النوع من الاعتراض، مُناقشًا مؤلّفات عددٍ من المفكّرين الذين يتبنّون الموقف القائل بأنّ مدى احتمال أن يُنسَب كونٌ مُتيحٌ للحياة إلى الله هو موضع غموض. (أن نقول إنّ احتمال «أ» هو غامض يعني أن نقول إنّه لا يُمكن تقدير «أ» بشكلٍ منطقي.)
كردّ، يجب التمييز بين احتمالَين معرفيَّين مُختلفين:
أ) إح (الكون مُتيح للحياة|الله موجود)، و:
ب) إح (الكون مُتيح للحياة|الكون ناجمٌ عن الله).
لكي نُقيِّم إح (Y|X)، يُسلّم الفرد أنّ Y صحيح ومن ثمّ يحسب إح (X). وعليه، من أجل تقييم (أ)، يُسلِّم الفرد أنّ الله موجود ولكن لا يُسلِّم أنّ الله قد اختارَ أن يخلق أيَّ شيءٍ مُطلقًا. في المقابل، من أجل تقييم (ب)، يَفترضُ الفرد أنّ الله قد تسبّب بوجود الكون ومن ثمّ يسأل إلى أي مدى يُمكن أن نتوقّع أن يكون الكون مُتيحًا للحياة. وعليه، إذا ناقشَ الفرد (ب)، فإنّ الأسئلة حول مدى احتمال خلق الله لأيِّ شيءٍ مُطلقًا هي ليست موضع صلة. السؤال هو ما
(199)إذا كان الله (أو بشكلٍ أعمّ أي مُصمِّم للكون) سوف يجعل الكونَ مُتيحًا للحياة، على فرض أنّ مُصمِّم الكون سبق وأن أراد أن يصنع الكون. في دليل الضبط الدقيق كما عرضناه آنفًا، إح (الدليل|د) يُشبه (ب) وليس (أ). من أجل تقييم إح (الدليل|د)، يُسلِّم الفرد أنّ الكون هو المنتَج السببي لكائنٍ ذكي (وبالتالي يفترض الشخص أنّ مُصمِّم الكون سبق وأن أنتجَ الكون). من ثمّ يسأل الفرد إلى أي مدى يُمكن أن يُتوقّع أن يكون الثابت الكوزمولوجي مُتيحًا للحياة. هل إح (الدليل|د) غامض؟ فيما يلي احتجاجٌ على أنّه ليس كذلك: افترض أنّ فاعلًا ذكيًا «أ» قد صنعَ شيئًا هو X، ولكنّك لا تعلم إذا كان يملكُ X الخاصّية (خ) أم لا. يبدو أنّ التالي هو حقيقة عامّة:
6. إذا أمكن لـ«أ» أن يجعل X يغدو (خ)، وأمكن لـ«أ» أن يجعل X يغدو (∼خ)، وعَلِم الفرد بوجود سببٍ جيدٍ لـ«أ» أن يجعل X يغدو (خ) وليس (∼خ)، ولم يعلم الفرد بأيِّ سببٍ مهيمن بشكلٍ واضح لـ«أ» أن يجعل X (∼خ) بدلًا من (خ)، يجب إذًا على الفرد أن يحكم أنّ قيام «أ» بجعل X يغدو (خ) هو احتمال حقيقي.
ثانيًا، بهدف تقييم إح (الدليل|د)، نُسلِّم أنّ الكون هو المنتَج السببي لفاعلٍ ذكي ونضع جانبًا في الوقت الراهن معرفتنا بالخصائص الفعلية للكون. ينبغي أن نستدلّ إذًا:
7. يُمكن لمصمِّم الكون أن يضع الثابت الكوزمولوجي ضمن النطاق المتيح للحياة، ويُمكن أن يضعه خارج ذلك النطاق.
8. نعلم بوجود سببٍ جيّدٍ لكي يضع مُصمِّم الكون الثابت الكوزمولوجي
(200)ضمن النطاق المتيح للحياة، ولا نعلم بأيّ سببٍ مهيمن بشكلٍ واضح لكي يضع مُصمِّم الكون الثابت الكوزمولوجي خارج ذلك النطاق.
بالتالي:
9. يجب أن نحكم أنّه احتمالٌ حقيقيٌ أن يقوم مُصمِّم الكونِ بجعل الكون حائزًا على الثابت الكوزمولوجي المتيح للحياة.
ولكن:
10. إذا حكمنا أنّ قضية Y هو احتمالٌ حقيقي، فإنّ Y ليس غامضًا.
وعليه:
11. قضية أنّ مُصمِّم الكون يجعل الكون حائزًا على الثابت الكوزمولوجي المتيح للحياة -نظرًا إلى أنّ الكون هو المنتَج السببيّ لمصمِّم الكون المذكور- ليست غامضةً.
نذكرُ بعض الملاحظات: إن قيل بأنّ (7) مشكوكٌ فيه، يُمكن أن نُعدِّل (د) لكي يضمّ (7). هذا سوف ينقص من الاحتمال السابق إح (د) بعض الشيء، ولكن ليس بنحوٍ كافٍ للتأثير على قوة دليل الضبط الدقيق. دعمًا لـ(8)، بما أنّ الحياة العقلانية المتجسِّدة هي قيِّمة للغاية، فإنّ الكون الماديّ الذي يضمّ الكائنات العقلانية المتجسِّدة يُظهر قيمةً أكبر من الكون المادي الخالي من هذه الكائنات. وعليه، فإنّ مُصمِّم الكون الذي سبقَ وأن التزمَ بصناعة الكون المادي سوف يملكُ سببًا جيدًا لخلق كونٍ مُتيحٍ للحياة. دعمًا لـ(10): فإنّ الحكم بأنّ Y هو احتمالٌ حقيقي يُوازي أن ننسب إليه على الأقلّ قبولًا إيجابيًا غير ضئيل. ويُمكن أن نُضيف، قبولًا إيجابيًا كافيًا لدليل الضبط الدقيق. هل يمكن أن يقول أحدهم فعلًا إنّه نظرًا إلى (د)، فإنّ (الدليل) هو احتمالٌ حقيقي، وأن يقول أيضًا إنّ إح (الدليل|د)
(201)هو أقلّ من 1 في 1080؟ هذا يُشبه أن نقول «إنّه احتمال حقيقي أنّني سوف أحزر الآن بنجاحٍ هوية ذرّةٍ تمّ انتقاؤها بشكلٍ عشوائيٍ من الكون المعروف».
لقد افترضتُ لغاية الآن أنّ الثابت الكوزمولوجي كان يمكن أن يكون على حالٍ آخر غير الحال التي هو عليها. ولكن لعلّ خصائص الكون ضرورية من الناحية الميتافيزيقية. إن كان ذلك صحيحًا، يتعيّن إذًا على الثابت الكوزمولوجي أن يأخذ القيمة التي يأخذها، ولن يملك مُصمِّم الكون إلا «مُخطّطًا كونيًا» ممكنًا واحدًا فقط لكي يعمل معه. وعليه، إذا كانت خصائص الكون ضرورية من الناحية الميتافيزيقية، فإنّ وجودَ مُصمِّم الكون لن يرفع احتمالية الكون المتيح للحياة، وبالتالي فإنّ إح (الدليل|د) = إح (الدليل|∼د). الالتفات إلى الفرق بين الاحتمال الميتافيزيقي والمعرفيّ وبين التحليل البايزي يُوفِّرُ ردًّا حاسمًا على هذا الاعتراض.
لماذا قد يخلق مُصمِّم الكون كونًا توجّب أن تكون فيه القوانين الفيزيائية مضبوطة بشكلٍ دقيق لكي تسمح بالحياة؟ لماذا لم يخلق كونًا تجعلُ فيه الفيزياء نشوءَ الحياة ممكنًا لمجموعة واسعة من القيم البارامترية؟ يُمكن أن تُثير التأمُّلات في هذا السؤال اعتراضًا على دليل الضبط الدقيق كما أظهرَ مجهود جونثان ويزبرغ. ليكن (ح) القضية التي تُفيدُ وجودَ الحياة في كوننا، وليكن (ق) قضية أنّ القوانين الفيزيائية في كوننا هي على نحوٍ حيث يسمح نطاقٌ ضيّقٌ للغاية من البارامترات
(202)فقط بظهور الحياة. على وجه التقريب، تُفيدُ حجّة ويزبرغ أنّه مهما كان يُمكن أن تُقدّمه (ح) أو لا تُقدّمه من الدليل على (د)، فإنّ اكتشاف أنّ الكون مضبوطٌ بشكلٍ دقيق لا يُضيفُ أيَّ دعمٍ دليليٍ إضافيٍ لـ(د)، وذلك لأنّ (ق) ليست مُتوقّعةً أكثر نظرًا إلى (ح) و(د) ممّا هو مُتوقّع نظرًا إلى (ح) و(∼د). قدّم هاثورن وآيساكس ردًّا مُقنعًا.
برأيي، اعتراض الأكوان المتعدِّدة هو أقوى اعتراضٍ موجَّه إلى دليل الضبط الدقيق. يُمكن أن نُبيّنه كالتالي:
بينما نحن مُتعوِّدون على التفكير بالكون المرئيّ على أنّه مجموع الحقيقة الفيزيائية، قد يكونُ هذا خطأ. لعلّ هناك عدد كبير، وربما عدد لانهائي، من الأكوان المنفصلة. قد تُظهِر هذه الأكوان المتباينة مجموعةً هائلةً من الخصائص الفيزيائية المختلفة، حيث تكون قوّة الجاذبية في بعضها أقوى بينما هي أضعف في بعضها الآخر، ويكون الثابت الكوزمولوجي في بعضها أكبر بينما هو أصغر في بعضها الآخر. حينما نُفكِّر بها كلّها معًا، فإنّ الأكوان المختلفة تُشكّل الأكوان المتعدِّدة، وتكون مجموع الواقع الفيزيائي. في الأكوان المتعدِّدة، تكون نسبة الأكوان القادرة على دعم الحياة بالفعل ضئيلة جدًا جدًا، ولكن بما أنّه سيوجد العديد من الأكوان ككل، فسوف يوجد العديد منها التي تدعمُ الحياة. إذا كان هذا هو الحال، سنكون مُخطئين إذا تفاجئنا بالحقيقة التي تُفيدُ أنّنا قد ألفينا أنفسَنا
(203)في كونٍ مُتيحٍ للحياة. بما أنّ الأكوان المتيحة للحياة هي فقط التي سوف تحوي كائناتٍ قادرة على مُراقبة وجودها الخاص، فإنّ جميع المراقبين في أنحاء الأكوان المتعدِّدة الواسعة سوف يجدون أنفسَهم في أكوانٍ مُتيحة للحياة. سوف يجد كلُّ مراقبٍ نفسَه في كونٍ يبدو مُصمَّمًا. وبما أنّ الأكوان المنفصلة ليست ظاهرة لبعضها، سوف يميل كلُّ مُراقبٍ إلى أن يظنّ -بشكلٍ خاطئ- أنّه موجودٌ في الكون الوحيد. بما أنّ فرضية الأكوان المتعدِّدة تُفسِّرُ وضعنا الدليلي، فإنّها تُقدِّمُ تفسيرًا بديلًا للتصميم.
وعليه، لعلّ الاستنتاج الصحيح من البرهان على الحياة المضبوطة بدقّة هو ليس وجود الله بل وجود الأكوان المتعدّدة. يحتجُّ ردٌ بارزٌ على هذا الاعتراض على أنّنا نملكُ الدليل على عدم وجودنا في أكوانٍ مُتعدِّدة لأنّ المراقبين في الأكوان المتعدِّدة ينبغي أن يتوقّعوا أن لا يكونوا مخلوقات مُستقرّة تعيش طويلًا في منطقةٍ فرعية مُنظَّمة في الكون، بل «أدمغة بولتزمان» عابرة. للاطّلاع على نقاشٍ جيّد، راجع كتاب لويس وبارنز (2016). قدّم روبين كولينز ردًّا ثانيًا حيث أشارَ إلى أنّه ليس أيّ كون مُتعدّد يُنتج كونًا مُتيحًا للحياة. من خلال التركيز على أكثر طرحٍ مؤهَّل علميًا من الأكوان المتعدّدة -أي فرضية الأكوان الكثيرة المتضخِّمة- يحتجُّ كولينز أنّه لا بدّ من وجود عدد من الآليات الفيزيائية والقوانين الخلفية العرضية ظاهريًا لكي يُنتِج النموذج المضخَّم ولو كونًا واحدًا مُتيحًا للحياة. لخّص كولينز نقاشًا أطول حيث كتب التالي:
حتّى لو وُجِد مُحدِثٌ للأكوان الكثيرة المضخّمة/ذي الأوتار الفائقة، فإنّه يجب أن يملك التركيبة الصحيحة بالضبط من القوانين والمجالات لإنتاج
(204)الأكوان المتيحة للحياة: إذا كانت إحدى المكوِّنات مفقودة أو مُختلفة -كمعادلة أينشتاين أو مبدأ باولي للاستبعاد- فمن غير المحتمل إمكانية إنتاج أيّ أكوانٍ مُتيحة للحياة. عند غياب التفسيرات البديلة، يُعدُّ وجود هذه المنظومة دليلًا على التصميم لأنّه يبدو من المفاجئ للغاية أن توجد هذه المنظومة مع المكوّنات الصحيحة بالدقّة بناءً على فرضية وجود الكون كحقيقةٍ بحتة تفتقد لأيِّ تفسير، ولكنّه ليس مُفاجئًا بناءً على فرضية الإيمان بالإله. وعليه، لا يبدو أنّه يُمكن للفرد أن يفرّ كليًا من دليل التصميم فقط من خلال افتراض نوعٍ ما من مُحدِث الأكوان الكثيرة.
مع ذلك، وكما يعترفُ كولينز، على افتراض الأكوان المتعدِّدة المتضخِّمة، يتمّ إضعاف استنتاج وجود المصمِّم وذلك لأنّه من غير الممكن تحديد مدى عدم احتمالية الآليات الفيزيائية والقوانين الخلفية الضرورية لكي تُنتج الأكوان المتعدّدة المتضخّمة كونًا مُتيحًا للحياة. وفقًا لردٍ ثالث، تدعمُ أدلتنا وجودَ المصمِّم سواءً كُنّا في كونٍ مُتعدّدٍ أم لا، وذلك لأنّ الكون المتعدّد على مبنى الإيمان بالإله هو احتمال، ومن المرجّح أنّ الكون المتعدّد على مبنى الإيمان بالإله يحوي نسبةً أعلى من الأكوان المتيحة للحياة من الكون المتعدّد على الرأي الإلحادي. إذا كُنّا في كونٍ مُتعدِّد، يجب أن نُفكِّر بكلٍّ من احتمال وجودنا في كونٍ مُتعدّدٍ إلحادي واحتمال وجودنا في كون مُتعدِّدٍ إيماني، أي كون تمّ إنتاجه على يد فاعلٍ ذكي. بشكلٍ معقول، الكون المتعدّد على المبنى الإيمانيّ سوف يحوي نسبةً من الأكوان المتيحة للحياة أعلى بكثير من الكون الإلحادي. لأيّ كونٍ مُحدّد في الأكوان المتعدّدة على الرأي الإلحادي، فإنّ فرصة أن يكون هذا الكون مُتيحًا للحياة هو
(205)منخفض جدًا، ولكن لأيّ كونٍ مُحدَّد في الأكوان المتعدّدة على مبنى الإيمان بالإله فإنّ فرصة أن يكون هذا الكون مُتيحًا للحياة ليست منخفضة هكذا وذلك لأنّ المصمِّم الذكيّ له سببٌ ما لكي يجعله ملائمًا للحياة وليس مُستبعِدًا لها. ثانيًا، دليلنا موضع الصلة هو ليس مجرّد أنّ «كونًا واحدًا على الأقلّ هو مُتيح للحياة» بل أنّ «كونًا مُحدّدًا، الذي نحن موجودون فيه، هو مُتيحٌ للحياة». وعليه، فإنّ دليلنا موضع الصلة يُتوقّع أكثر بكثير بناءً على فرضية الأكوان المتعدِّدة على مبنى الإيمان بالإله بدلًا من فرضية الأكوان المتعدِّدة على الرأي الإلحادي.
(206)
دايفيد باغيت
ثمّة حجّة من بين عشرات الحجج (أو ما يُقاربها) التي قُدّمتْ للبرهنة على وجود الله في مقالة ألفين بلانتينغا الشهيرة والنافذة، التي بتقديره قد تكونُ هي الأفضل من بينها. تندرجُ الحجّة موضع السؤال بين الحجج الأخلاقية التي قدّمها بلانتينغا، وهذه الحجّة الأخلاقية تستدلُّ تحديدًا على وجود الله بناءً على الواجبات الأخلاقيّة. من ناحية قوّة المقدمات والرابطة البرهانية بين المقدمات والنتيجة، يعتقدُ بلانتينغا أنّه من المحتمل أنّه لا تتقدّمُ حجّة آخر على هذه الحجّة المنبثِقة من اللاهوت الطبيعي.
يُقدِّمُ هذا الفصل نموذجَين عن الحجّة، ويحتجُّ أنّ الصيغة الثانية على وجه التحديد تُشكِّلُ تحديًا كبيرًا فعلًا في وجه المشكِّك بوجود الله. النموذج الأول من الحجّة، أي النموذج القياسي، هو كالتالي:
(209)1. ثمّة واجبات أخلاقية موضوعية.
2. إذا وُجدِتْ الواجبات الأخلاقية موضوعية، فالله موجود.
3. إذًا، الله موجود.
هذا النموذج من الدليل صحيحٌ بوضوح، وعليه فالسؤال الوحيد المتبقّي هو فيما إذا كانت تُرجّح صحّة المقدّمات أكثر من عدم صحتها (أي هل إنّ الدليل صحيح على الأرجح؟). ولكنّ السؤال حول «ما إذا كانت تُرجّح صحّة المقدّمات أكثر من عدم صحتها» هو سؤالٌ يُساوره الغموض بين القرائتين الفردية والجماعية. السؤالُ في القراءة الفردية هو: هل إنّ كلّ واحدة من المقدّمات تُرجّح صحتها على عدم صحتها، أم إنّ الأمر ليس كذلك؟ أمّا في القراءة الجماعية، فالسؤالُ هو: هل إنّ مجموعة المقدّمات المأخوذة بشكلٍ كليٍ تُرجّح صحتها على عدم صحتها، أم إنّ الأمر ليس كذلك؟ السؤالان مُختلفان من حيثيةٍ مهمة. من حيث المبدأ، قد تُرجّح صحة كلِّ واحدةٍ من المقدّمات على عدم صحتها، ولكنّ احتمال كون النتيجة صحيحة هو أقلّ من 50%. قدّم تيموثي ماكغرو مثالًا توضيحيًا مفيدًا هنا: خُذ على سبيل المثال أن يُدحرج نرد واحد، وفكِّر بالتالي:
1. النرد سوف يمنح نتيجة 1، 2، 3، أو 4.
2. النرد سوف يمنح نتيجة 3، 4، 5، أو 6.
3. بالتالي، النرد سوف يمنحُ نتيجة 3 أو 4.
كلُّ مقدّمة هي مُرجّحة الصحة أكثر من كونها عديمة الصحة، والنتيجة تابعة قطعيًا من المقدّمات. مع ذلك، فمن الأقل ترجيحًا أن تكون النتيجة صحيحة على كونها باطلة. هذا دليلٌ جيدٌ يُشيرُ إلى أنّ ما يقتضيه النموذج القياسي هو
(210)القراءة الجماعية لصدق المقدّمات. التحامُ المقدمتين (1) و(2) ينبغي أن يكون مُرجّح الصحّة أكثر من كونه باطلًا، وهذا ما يضمنُ أن تكون النتيجة مُرجّحة الصحّة.
أمّا الصيغةُ الثانية لدليل الواجب الأخلاقيّ، فهي الصيغة الاستخلاصيةوهيئتها كالتالي:
1. ثمّة واجباتٌ أخلاقية موضوعية.
2. التفسير الأفضل للواجبات الأخلاقية الموضوعية هو وجود الله.
3. بالتالي، الله موجود (على الأرجح).
المقصود من «الله» هو الله بالمعنى الأنسيلمي، أي مالك الصفات المطلقة (كالقوّة المطلقة والعلم المطلق وما إلى ذلك) وهو الإله في الإيمان الكلاسيكيّ. يُعَدُّ النمط الاستخلاصي من الاستدلال استدلالًا إلى أفضل تفسير، فهو يبدأُ بمعلوماتٍ مُحدّدة تحتاجُ إلى شرح، وينطلقُ من لائحةٍ تحوي تفاسير مُمكنة كي يحصر مُحتوياتها في التفسير الأفضل الوحيد من خلال تطبيق مجموعةٍ من المعايير التي تحوي مبادئ أخلاقية، وتضمُّ النطاقَ والقوة التفسيرية. يتعلّقُ النطاق التفسيري بمقدار المعطيات الوثيقة الصلة التي يتمُّ شرحها، وأمّا القوة التفسيرية فهي تسألُ عن جودة تفسير المعلومات. لاحِظ أيضًا أنّ المقدّمة (7) هي عينها المقدّمة (1) في الدليل السابق، وهذا يكشِفُ أنّ كُلًا من الدليلَين القياسي والاستخلاصي المنطلقَين من الواجب الأخلاقيّ يعتمدان على وجود الواجبات الأخلاقيّة الموضوعية.
يأتي الاختلافُ البارز بعد ذلك: في النموذج القياس، ثمة قضية شرطية
(211)يثبت مُقَدّمها - «إذا وُجدت الواجبات الأخلاقية الموضوعية، فالله موجود» - بينما يحتجُّ نموذج الاستخلاصي أنّ الله هو التفسير الأفضل للواجبات الأخلاقية. وعليه، فإنّ وجودَ الله مُستَلزَم في النموذج القياسي، بينما النموذج الاستخلاصي يستلزم -على الأقلّ مبدئيًا- أن يكون وجود الله هو التفسير الصحيح على الأرجح للواجبات الأخلاقية. النمطُ الاستخلاصي ليس مُقاربةً قياسية، وبالتالي فهو لا يدّعي أنّه يُولِّدُ نتيجة يستلزمه الدليل. بالأحرى، يتّصلُ الاستدلال بما يشرحُ على أكثر نحوٍ معقول المعطيات الوثيقة الصلة، وهي في هذه الحالة وجود الواجبات الأخلاقية الموضوعية. الدليلُ الاستخلاصي الجيّد يُخوِّل المستدِل عقليًا، على الأقل مبدئيًا، أنّ يستدلّ أنّ التفسير الأفضل -على فرض أنّه تفسير جيّدٌ بما فيه الكفاية بالطبع- هو التفسير الصحيح.
كتبَ بلانتينغا التالي في مقالته الأصليَة حول البُنية العامة للدليل الأخلاقي:
« (1) قد يجدُ أحدهم نفسَه مُقتنعًا تمامًا (كما هو حالي) بأنّ الأخلاق موضوعية، ولا تعتمدُ على ما يعرفه البشر أو يُفكّرون به، وأنّه لا يُمكن تفسيرها على ضوء أيّ معلوماتٍ «طبيعية» حول الإنسان أو غيره من الأشياء؛ وأنّه لا يُمكنُ تفسيرها في النهاية على ضوء المعلومات المادية أو الكيميائية أو البيولوجية. (2) قد يكون المرءُ مقتنعًا أيضًا بعدم إمكانية وجود هذه المعلومات الأخلاقية الموضوعية إلا مع وجود شخص مثل الله يُشرّعها بطريقةٍ أو بأخرى».
لاحِظ كيف أشار بلانتينغا في هذا المختصَر إلى «الأخلاق» بحدّ ذاتها بدلًا من الواجبات الأخلاقية على وجه التحديد، ولكنّه أكّد في سياقاتٍ أخرى أنّه
(212)يعتبرُ أنّ الواجبات الأخلاقيَة هي الحقيقة الأخلاقية الأشدّ مُقاومةً للتحليل الطبيعاني. يتضمّنُ معنى «الموضوعية» الذي يؤكّد عليه بلانتينغا عدمَ الاعتماد على ما يعرفه البشر أو ما يُفكّرون به. على سبيل المثال، معادلة «2 ضرب 2 يُساوي 4» لا تعتمدُ على تفكير أي كائنٍ بشريٍ بأنّ الحال هو هكذا. ما يعتمدُ على البشر على أكثر تقدير هو الرموز التقليدية التي تُستخدم للتعبير عن القضيّة، ولكنّ وجود القضيّة وقيمة الصِدق التي يتمتّعُ بها ومكانته الموجّهاتية لا تعتمدُ كلّها على البشر.
من المثير للاهتمام أنّ بلانتينغا قد ضمّ ضمن نقطته الأولى كُلًا من وجود الأخلاق الموضوعية وعدم قدرة البيانات العلمانية على شرحها أو تقويتها. أشارتْ نقطته الثانية بعدها إلى الحاجة إلى «شخصٍ مثل الله» كي يكون أساسًا للأخلاق بمعنىً ما. ثمّة بعض النقاط التي يلزمُ التأكيد عليها هنا. حدّدَ بلانتينغا ثلاث وظائف مُتمايزة ينبغي إتمامها لتفصيل الدليل:
أ) ترسيخ الواقعية الأخلاقية أو افتراضها؛
ب) التأكيد على القصور التفسيري في البيانات الطبيعية؛
ج) الدفاع عن البيان التفسيري الأسمى الذي قدّمه الإيمان الكلاسيكي بالإله.
ربطَ بلانتينغا بين (أ) و(ب) رُغم أنّ (ب) و(ج) يرتبطان معًا غالبًا. لا يعتمدُ الكثير على تشكيل بلانتينغا للدليل على هذا النحو، إلا أنّه ربما قد يكشِفُ
(213)شيئًا ما عمّا يعتبره بلانتنيغا تحديًا تفسيريًا صلبًا في وجه مؤيِّدي المذهب الطبيعي. على ضوء الطبيعة المتمايزة للحقائق الأخلاقية، وللواجبات الأخلاقية خصوصًا -موضوعيتها وسُلطتها وإلزاميتها- فإنّ مؤيِّدي المذهب الطبيعي والعلمانيّين يستصعبون تفسيرَ سببها. بما أنّ المقدّمة الأولى مُشترَكة في كُلٍ من النموذجين القياسي والاستخلاصي للحجة، علينا أن نتطرّق قليلًا إلى ما تطرحه الواقعية حول الواجبات الأخلاقية قبل أن نأخذ نظرةً أعمق إلى كلّ نموذجٍ على حدة.
أغلبُ الناس، سواءً كانوا مؤمنين أم غير مؤمنين، يدّعون أنّهم يؤمنون بامتلاكنا لوظائف أخلاقية تُملي علينا بعضَ الذي ينبغي أن نفعله. لا تُعبِّر كلُّ كلمة «يلزم» عن لزومٍ أو وجوبٍ أخلاقي بالطبع، ولكنّ اللزوم/الوجوب الأخلاقي يُعدُّ فئةً أخلاقيّة مهمة ينبغي أن يُفسَحُ لها المجال وتُفهَم في الرؤية الكونية التي يُؤمن بها الفرد. حتّى العديد من المفكّرين العلمانيّين يدّعون الإيمانَ بالواجبات الأخلاقيّة والقدرة على الالتزام بإملاءاتها من دون الحاجة إلى مُساعدةٍ خارقة للطبيعة. إحدى الاعتبارات التي تأتي لصالح الواقعية الأخلاقية فيما يتعلّقُ بالواجبات الأخلاقية هي إبستمولوجيةً بطبيعتها. على ضوء عُمق القناعات الأخلاقيّة وتغلغلها، ووضوح بعض الهواجس الأخلاقية، قد يردّ أحدهم على التشكيك بالواجبات الأخلاقية انسجامًا مع هذه الخطوط التالية:
1. يجب أن يعتمدَ التشكيكُ العقلي بالواجبات الأخلاقيّة على أسباب.
2. تلك الأسباب ليست صحيحة بوضوح كالواجبات الأخلاقيّة نفسها.
3. وعليه، ليس من المنطقيّ التشكيك بالواجبات الأخلاقيّة.
ما هو أحد أسباب التشكيك بالواجبات الأخلاقيّة؟ انبثقَ تحدٍ مُعاصرٍ من
(214)علم النفس الأخلاقي التطوُّري. تتمثّلُ الفكرة الأساسية وراء هذا التحدّي في أنّه يُمكن تفسيرُ المعتقدات الأخلاقيّة، ومن ضمنها المعتقدات حول الواجبات الأخلاقيّة، من خلال العودة إلى كيفية تطوّرنا كنوعٍ بشري، ويُمكنُ تفسيرُها على نحوٍ لا يرجعُ بشكلٍ جوهريٍ إلى الحقيقة الأخلاقيّة نفسها. وإذا كان يُمكنُ تفسيرُ مُعتقداتنا الأخلاقية حول الواجبات بشكلٍ وافٍ من دون الرجوع إلى الحقيقة الأخلاقية، فإنّنا نملكُ سببًا إذًا للتشكيك بصدق مُعتقداتنا الأخلاقيّة. حتّى لو اتّفقَ أنّ مُعتقداتنا الأخلاقية هي صحيحة، فليس لدينا سببٌ منطقيٌ جيد للاعتقاد بانّها صحيحة، وذلك لأنّنا نفتقدُ للأسُس الكافية للاعتقاد بأنّ مُعتقداتنا الأخلاقية تقتفي الحقيقة الأخلاقية. على الأقل إذاّ، تُقوِّضُ مثل هذه الحجّة الاعتقادَ العقلاني بالواجبات الأخلاقية، هذا إذا لم تُقوِّض الواجبات الأخلاقية نفسها.
إحدى الوسائل لمحاولة الإجابة على هذا التحدّي الموجَّه ضدّ الواقعية الأخلاقية يكمنُ في تقديم روايةٍ اقتفائية صريحة، وأنغوس ريتشي هو نموذج عن فرد حاول تحقيق هذا الأمر بالذات. احتجّ ريتشي أنّه، على خلاف البيانات العلمانية المتنوّعة حول المعرفة الأخلاقيّة، فإنّ الإطار الغائيّ الثري للرواية المبتنية على الإيمان بالإله يُمكن أن يُفسِّر بشكلٍ أفضل الطبيعة المقتفية للحقيقة في جهازنا الذهنيّ. وفقًا لهذا البيان، الغاية التي يُريدها الله للبشر المتمثِّلة بامتلاك المعرفة الأخلاقية، ومن ضمنها المعرفة بالواجبات الأخلاقية، يُمكن أن تُوفِّر الرواية
(215)المطلوبة حول الكيفية التي يُمكن لقابلياتنا الأخلاقية المنتِجة للمعتقدات أن تعتمدَ على الحقيقة بالطريقة الصحيحة. على هذا الأساس، قدّم ريتشي حجّةً أخلاقيّة إبستمولوجية على وجود الله. هذا لا يُشكِّل نموذج الحجّة الأخلاقيّة التي نتناولها هنا، ولكن من المثير للاهتمام أن نذكر بأنّه يبدو أنّ التحدّي الناشئ من علم نفس الأخلاق التطوّرية يُشكِّلُ مُشكلةً أكبر بكثير لعلماء الأخلاق العلمانيّين من علماء الأخلاق الإلهيين.
إحدى الوسائل الأخرى لمحاولة الإجابة على التحدّي التطوُّري الرامي إلى الإبطال والموجَّه نحو الواجبات الأخلاقيّة هو من خلال بيانٍ غير اقتفائي. يسعى الحلّ غير الاقتفائي إلى تفسير المطابقة بين الحقيقة الأخلاقية والمعتَقَد (كالواجب الأخلاقي الفعليّ واعتقاد الفرد به) من دون تفسيرٍ سببيٍ مباشر، وذلك عبر اللجوء إلى عاملٍ ثالثٍ يشرحُ كُلًا من الحقيقة الأخلاقية والمعتقَد الأخلاقي. يخدمُ هذا في شرح الرابطة من دون الحاجة للاعتماد على روايةٍ اقتفائية سببيةٍ مباشرة. تجذبُ هذه المقاربة على وجه الخصوص اولئك الذين يعتبرون الحقيقة الأخلاقية خامدة سببيًا. آثرَ إريك ويلينبرغ، وهو عالمُ أخلاق علماني معاصِر، هذه المقاربة، وكذلك فعل دايفيد إينوك رُغم أنه اختار «عاملًا ثالثًا» مُختلفًا. يجدرُ تقديمُ استعراضٍ موجز لمقترح ويلينبرغ هنا، لأنّه وثيق الصلة بفهم الواجبات الأخلاقيّة.
«العامل الثالث» الذي طرحه ويلينبرغ لتفسير وجود تطابقٍ بين المعتقَد الأخلاقي والحقيقة الأخلاقية هو مجموعة القابليات الذهنية الخاصّة بنا، وهي تُنتِجُ المعتقدات وتتّصلُ بشكلٍ مُناسبٍ بالحقيقة الأخلاقية. الحقيقة الأخلاقية
(216)المحدّدة التي يُوظّفها ويلينبرغ لغاياتٍ توضيحية هي حقيقة الحقوق الأخلاقيّة. كتب ويلينبرغ ما يلي في كتابه الذي صدر مؤخرًا: «عاملي الثالث هو بعض القابليات الذهنية: القابليات الذهنية الوثيقة الصلة تضمنُ رابطةً بين الحقوق الأخلاقية والمعتقدات حول الحقوق الأخلاقيّة، وذلك لأنّها تستلزمُ وجودَ الحقوق الأخلاقيّة وتُنتِجُ المعتقدات حول هذه الحقوق». وعليه، تستلزمُ القابليات الذهنية الوثيقة الصلة الحقوقَ وتُنتِجُ المعتقدات المتطابِقة، وبالتالي تضمنُ وجودَ الرابطة رُغم الجمود السببي في الحقائق الأخلاقية.
يبدو واضحًا إلى حدٍّ كبير لماذ يعتقدُ ويلينبرغ أنّ قابلياتنا الذهنية الوثيقة الصلة تُنتِجُ مُعتقداتٍ حول الوقائع الأخلاقية. ولكن كيف تستلزمُ تلك القابليات، وفقًا لرأيه، الحقوقَ الأخلاقيّة؟ استنادًا إلى رأيه، مُتبّعًا ديريك بارفيت، فإنّ الأسباب المعيارية تُحسَبُ لصالح اتّخاذ موقفٍ ما أو التصرُّف بطريقةٍ مُحدّدة. يُمكنُ أن تتّصل الأسباب المعيارية بالادّعاءات حول ما يلزم أن نفعله، وذلك كالتالي: حينما نملكُ أسبابًا حاسمة أو أكبرَ سبب للتصرُف بطريقةٍ ما، فإنّ هذا الفعل هو ما يجب أو يلزم أن نؤدّيه. نملكُ أحيانًا أسبابًا أخلاقية حاسمة للتصرُّف بطريقة مُعيَّنة، وفي هذه الحالات لدينا واجباتٌ أخلاقيّة. ما يرتبطُ بالواجب الأخلاقي (الكامل) حيال شخصٍ آخر هو حقّ ذلك الشخص في أن يلقى مُعاملة مُحدّدة (أو أن لا يلقاها). بالتالي، على ضوء قابلياتنا الذهنية التي تُدركُ أحيانًا أسبابًا معيارية مهيمِنة للتصرُّف، فإنّ الحقوق (والوظائف المترابِطة) هي مُستلزَمة بالتالي.
بيانُ ويلينبرغ حول الحقوق هو مُفيدٌ هنا لكي نُدرك كيفية فهمه للواجبات
(217)الأخلاقية. وصف ويلينبرغ وعددٌ من علماء الأخلاق العلمانيّين الآخرين المعاصِرين هذه الواجبات بأنّها ناجِمة عن «أسباب معيارية مهيمِنة». حينما نملكُ أسبابًا كافية من نوعٍ مُحدّد، فلدينا أسبابٌ حاسِمة للتصرُّف وبالتالي لدينا واجبٌ أخلاقي للتصرُّف. ولكن هل هذا يشرحُ بشكلٍ مُرضٍ وجودَ الواجبات الأخلاقية الملزِمة والحقوق الإنسانية القابلة للاستئصال؟ يُمكنُ لشيءٍ قريبٍ من مقاربة ويلينبرغ حول «العامل الثالث» أن يملكَ قابلية تفادي الأدلة المبطِلة، ولكنّ رواية ويلينبرغ حول الواجبات الأخلاقية قد تتركُ العديد من الأسئلة من دون إجاباتٍ كما سوف نحتجُّ لاحقًا. إنّ أخذ نظرة أدقّ إلى منطق الواجبات الأخلاقية ولُغتها وفينومينولوجيتها سوف يُوضِّحُ لماذا الأمر هو كذلك، ولكن من المناسب أولًا تقديم بعض الكلمات عن النموذج القياسي.
النموذج القياسي
فلنستذكر هنا النموذج القياسي من دليل الواجب الأخلاقي:
1. ثمّة واجبات أخلاقية موضوعية.
2. إذا وُجدتْ الواجبات الأخلاقية الموضوعية، فالله موجود.
3. إذًا، الله موجود.
يحظى هذا الدليل بعدّة مزايا؛ فهو بليغ وموجَز وواضح. يحملُ الدليل القابلية الإقناعية للبعض ويقتربُ من الدليل الذي طرحه ويليام لين كريغ في العديد من الجامعات بنسبة نجاحٍ جيدة. الفرق بين هذا النموذج والنموذج الذي قدّمه كريغ هو أنّ المقدمة المنطقية التي وظّفها كريغ تُشيرُ إلى كُلٍّ من القيم الأخلاقية الموضوعية والوظائف، بينما النموذج الذي نتناوله هنا هو أضيق
(218)بقليل من حيث النطاق. (وظّف كريغ أيضًا عكس نقيض المقدّمة الثانية، وأنشأ قیاسًا استثنائیًا برفع التالی. رُغم مزاياه، فإنّ هذا النموذج من الدليل هو عُرضة لمجموعةٍ مُتنوّعة من الانتقادات المهمة. فلنأخذ بعين الاعتبار واحدةً فقط من هذه الانتقادات. خُذ المقدّمة الثانية: «إذا وُجدت الواجبات الأخلاقية الموضوعية، فالله موجود». عكس النقيض المكافئ منطقيًا لهذه القضية الشرطية هو: إذا لم يكن الله موجودًا، فلا وجود للواجبات الأخلاقية الموضوعية.
هذا مُؤسفٌ، على الأقل لأسبابٍ جدلية. ترمي الأدلة، أولًا وقبل كلّ شيء، إلى الوصول إلى الحقيقة، وثانيًا إلى الإقناع. حينما يسمعُ الملحدون الأذكياء والملتزمون بإلحادهم الدعوى التي تُفيدُ أنّه إذا لم يكن الله موجودًا فلا وجود للواجبات الأخلاقية الموضوعية، فإنّهم لن يُعاملوا هذه القضية الشرطية على أنها مُضادة للواقعية أو مُضادة للجوهر، بل على أنّها قضية شرطية صريحة يعتبرون مقدّمه صحيحة. إذا حافظ هؤلاء على الإلتزام بالواقعية الأخلاقية، فإنّهم بطبيعة الحال سوف يعتبرون أنّ التالي باطل وبالتالي أن يكون المقدّم نفسه باطلًا. يُعدُّ هذا دينامية جدلية شائعة أكثر من كونه خللًا منطقيًا في الدليل، ولكن مع ذلك يبقى اعتبارًا وثيق الصلة.
تدفعُ صيغة بلانتينغا في جهة المقاربة القياسية. فلنتذكّر كلامه الذي يُفيدُ أنّ الأخلاق الموضوعية «لا يُمكنُ شرحها على ضوء أي حقائق «طبيعية» حول البشر أو الأشياء الأخرى؛ وأنّه لا يُمكنُ شرحها في النهاية على ضوء الحقائق المادية أو الكيميائية أو البيولوجية». يقولُ بلانتينغا أيضًا إنّه يمكنُ أن يقتنع الفرد «بعدم إمكانية وجود هكذا حقائق أخلاقيّة موضوعية إلا إذا وُجد شخصٌ مثل
(219)الله يُشرِّعها بنحوٍ أو بآخر». يبدو أنّ هذا يُشيرُ إلى أنّ وجودَ الله يُشكِّل التفسيرَ الوحيدَ للواجبات الأخلاقيّة الموضوعية، وأنّه إذا لم يكن الله موجودًا فلا وجودَ للواجبات الأخلاقيّة. ولكن ما هو نوعُ الادّعاء الذي يُمكنُ طرحه حول عالمٍ لا يكون الله موجودًا فيه؟ إذا كان الله واجبَ الوجود، فليس ثمّة عالم ممكن لا يكونُ الله موجودًا فيه، وهذه نقطةٌ تتمتّعُ بأهميةٍ جذرية وكثيرًا ما تمَّ التأكيدُ عليها في مؤلفات بلانتينغا حول ميتافيزيقيا الجهة. إذًا، ما الذي يُساويه الادّعاء الذي يتحدّثُ عن -أو يُومئ إلى- أبعاد عالمٍ لا يوجد فيه الله؟ كيف يكونُ مُختلفًا عن التخمينات الفارغة حول وجود عالمٍ تُساوي فيه معادلة «2 ضرب 2» 5؟ وفقًا للفلسفة الأنسيلمية أو الإيمان الكلاسيكي بالإله، فإنّ هذه القضية الشرطية هي مضادة للجوهر، وبطريقة عنيدة على وجه الخصوص: عالمٌ حيث واجب الوجود -بل وأساس الوجود- هو غير موجود. بالطبع، من الصحيح إلى حدٍ بعيدٍ أن لا يكون ثمّة واجبات أخلاقية في هكذا عالم. لن يُوجد شيءٌ على الإطلاق، لأنّ هكذا عالم هو مستحيلٌ ميتافيزيقيًا.
بالطبع، لا يُؤمنُ الملحدون بأنّ الله موجود، فضلًا عن الإيمان بوجوده على نحوٍ واجب، وعليه عادةً حينما تُقدَّم الحجّة الأخلاقية على هذا النحو فلا يُعتَبر أو يُقصَد أنّ القضية المضادّة للواقعية يُشيرُ إلى قضية مضادّة للجوهر. على الأغلب، يؤخَذ الأمر أنّه يعني شيئًا كالتالي: على فرض عدم وجود الله في العالم الفعلي، فلن
(220)تثبت أيّ وظائف أخلاقية موضوعية. للاطّلاع على مثالٍ حول هذا، خُذ بعين الاعتبار ردَّ ويلينبرغ على دعوى كريغ بأنّه من دون الله، يفقتدُ البشر للحقوق والوظائف الأخلاقية: «يُمكنُ للبشر أن يتعقّلوا، وأن يُعانوا، وأن يقعوا في الحبّ، وأن يضعوا أهدافًا لأنفسهم، وما إلى ذلك. سواء وُجِد الله أم لا، يختلفُ البشر بشكلٍ واضحٍ عن الكلاب أو قِطع الوحل من حيث صفاتهم الداخلية ».
من الواضح أنّ ويلينبرغ يعتبرُ مُقترح كريغ مُتعلّقًا بالعالم الفعلي والافتراض بأنّه، في هذه الحقيقة الموّجهاتية، لا يوجد الله. في هذا العالم، يُدّعى أنّ الاغتصاب ليس خطأ، والعنصرية ليست خطأ، وهتلر لم يكن مُخطئًا. كتب كريغ ما يلي: «وفقًا للنظرة الإلحادية، ليس ثمّة خطأ فعلي في اغتصاب شخصٍ ما». مُجددًا، نقول إنّ هذا مؤسفٌ من المنظور الجدلي على الأقل، ويُحتجّ أيضًا بأن لا لزومَ له لأنّه يوجدُ طريقٌ أفضل للتعبير عن الحجّة ليسَ مُزعِجًا إلى هذا الحد أو عُرضة للانتقاد إلى هذه الدرجة، ويُحتجّ أنّه طريق أكثر فاعلية لبناء جسرٍ مع المتحاورين العلمانيّين. هذا البديل هو دليل احتمالي، استدلالٌ على التفسير الأفضل، ولا يلزم أن يدّعي أنّ الإيمان بالإله يُقدّمُ التفسير الوحيد للحقائق الأخلاقيّة بل فقط أنّه يُقدِّمُ التفسيرَ الأفضل. ولا يلزم أيضًا أن يُضمِر قضايا تركيبية مُضادّة للجوهر ويورّط نفسه في التعبير الرنّان عن خصائص تنتمي إلى ما يُمكن أن يتّضح أنّها عوالم مُستحيلة.
ولكن كما سوف نرى، فإنّ اتبّاع السبيل الاستخلاصي يتطلّبُ الصبر لأنّه يعني ضرورة أن نكون مُواظبين أكثر على التفكير الدقيق بنطاقٍ من المحاولات الأخلاقيّة العلمانية الرامية إلى تفسير الواجبات الأخلاقيّة. ولكنّ الصبر يستحقُّ
(221)ذلك، لأنّ هذه المقاربة تُتيحُ التوقُّع بأنّ الجهود الطبيعية والعلمانية المتنوِّعة الساعية وراء النظرية الأخلاقيّة لديها شيءٌ لتقوله ومُساهمات وبصائر لتقدّمها. بالتالي، لا يُمكنُ صرف النظر عنها بسهولة أو تجاهلها بمسؤولية. ولكن من خلال التحليل الدقيق، تبدو محدودياتها واضحة بشكلٍ مُتنامي. وعليه، سوف ننتقلُ إلى النموذج الاستخلاصي من دليل الواجب الأخلاقي، وسوفَ نقومُ أولًا بتحديد الحقائق الأخلاقية الوثيقة الصلة التي تحتاجُ إلى شرح، ومن ثمّ سوف ننطلق في آخر قسمين للبحث عن أفضل تفسيرٍ لتلك الحقائق.
تنطوي الأخلاق الواجباتية على مجموعةٍ مهمة من الأحكام الأخلاقية؛ فهي تتضمّنُ قضايا المباح الأخلاقي، والواجب الأخلاقي، والمحظور الأخلاقيّ. كثيرًا ما يتمُّ التعبير عنها بعباراتٍ مثل «الصح» و«الخطأ» (الأخلاقيّ) التي يتمّ توظيفها بطرق مُتنوّعة. الفعل الذي يكونُ من الخطأ عدم الإتيانُ به هو الواجب الأخلاقي، والفعل الذي ليس من الخطأ فعله هو المباح الأخلاقي، والفعل الذي يكونُ من الخطأ ارتكابه هو المحظور. رُغم أنّ الوظائف الأخلاقية لا تُغطّي كامل المساحة الأخلاقية، إلا أنّها تُمثِّلُ وفقًا لمعتقدات كثيرٍ من علماء الأخلاق جزءًا جوهريًا من الأخلاق يصرخُ طالبًا الشرحَ الوافي.
من السهل أن نشرحَ الواجبات الأخلاقيّة إذا كان ما نعنيه من «واجبات» هو ببساطة مشاعر الالتزام، ولكنّ الأخيرة ليست ضرورية ولا كافية للأولى. قد يُهمِل أحدهم وظيفةً مُحدّدة لفترةٍ زمنية طويلة بحيث لا يعد يشعرُ بأنّها وظيفة. في المقابل، قد يشعرُ أحدهم أنّ عليه أن يفعل شيئًا ما ولكن ليس عليه التزامٌ أن يفعله مُطلقًا. تأمل في الأخلاقي المفرط التدقيق الذي يعاني من ضمير مبالغ في نشاطه، والذي يشعر بالذنب حتى تجاه المخالفات البسيطة لآداب السلوك.
(222)ولكن عادةً يكونُ من المعقول أنّ مشاعر الواجبات تتوافقُ -على الأقل تقريبًا- مع الواجبات الفعلية.
الواجبات الأخلاقية ليست مجرد اقتراحات، أو مثاليات حذرة، أو وسائل لتفادي المشاكل، أو قِطعًا حكيمة من النُّصح. الوظائف ليستْ مجرّد اقتراحات، ليس هذا فحسب، ولكنّها أيضًا ليست مجرّد أوامر ثمّة أسباب ممتازة لأدائها. الواجباتُ الأخلاقية ليست بمثابة خياراتٍ فقط بالنسبة إلينا، ولا حتّى خيارات تدعمها أسبابٌ جيّدة؛ بل إنّه -لنستخدم وصف العالِم الواقعيّ من جامعة كورنيل دايفيد برينك - لا يُمكن الفرار منها. ثمّة كلمة أخرى تُستخدم مُرادِفةً لـ«الوظيفة» أو «الواجب» هي «الأمر»، وقد اشتُهِر إيمانويل كانط بتمييزه بين الأوامر الافتراضية والأومر المطلقة. تعتمدُ شرعيةُ الأوامر الافتراضية على هدفٍ ما يُريده الآمر؛ على سبيل المثال، لكي تخسرَ الوزنَ عليكَ أن تأكل أقلّ. الأمر الافتراضي بالأكل أقلّ ليس قابلًا للانطباق بشكلٍ عمومي وهذا واضحٌ بما فيه الكفاية، فلا ينطبِقُ مثلًا على فردٍ هزيلٍ يُعاني من مرض فُقدان الشهيّة. أما الأمر المطلق وفقًا لفَهم كانط، فهو قابلٌ للانطباق على نحو العموم ولا تعتمدُ شرعيّتُه على هدفٍ يُريده الآمر على الإطلاق. مُعاملة الآخرين كأهدافٍ بحدّ ذاتهم وليس مجرد وسائل -استخدامًا لمثال كانط الشهير- فهذا أمرٌ مُطلق، أي شيء على عاتق الجميع وظيفة أخلاقيّة بفعله.
تتطلّبُ الواجباتُ الأخلاقية التي حُلّلت كأوامر مُطلقة أكثر من مجرد
(223)عدم إمكانية الفرار منها. تقتضي الأخلاق مُكوّنًا إضافيًا حيويًا وصفَه ريتشارد جويس بـ«السُّلطة»، وذكرَ أنّ هذا يمنحنا منظومةً معيارية تتمتّعُ بالخاصيتَين (عدم إمكانية الفرار منها وسُلطتها)، منظومةً تملكُ «نفوذًا عمليًا». ينصُّ هذا النفوذ العملي أنّ الواجب هو ما علينا فعله، ما يجب أن نفعله -ليس بمعنى الوجوب السببيّ بل الوجوب الأخلاقيّ. حينما تحدّث سي.إس. لويس عن الضرورة الأخلاقية في أول كتابه «المسيحية المحضة»، فإنّه قد أشار إليها بأنّها «قانون»، ولكنّه ميّزها عن القوانين التي تحكمُ على عملية سَير العالم المادي بهذا المعنى بالذات. لا يُمكننا أن نختار الخروج عن حُكم الجاذبية ولكن يُمكن أن نختار تجاهلَ القانون الأخلاقي -وهذا ما نفعله في أغلب الأحيان.
الوظائفُ الأخلاقية تمنحنا أسبابًا، وهي بالفعل أسبابٌ مُقنعة ومُهيمنة لكي نُقدم على فعلٍ ما. ولكن، يمكن القول، عكسَ ويلنربرغ وبارفيت الترتيب حينما صرّحا أنّ الواجبات ناجِمة عن اجتماع أسبابٍ كافية للإقدام على فعلٍ ما (من نوعٍ مُحدّد). ربطَ بارفيت الأسباب المعيارية بالادّعاءات حول ما يلزمُ أن نفعله كالتالي: «حينما نملكُ أسبابًا حاسِمة، أو السبب الأقصى، للتصرُّف بطريقةٍ مُعيّنة، فإنّ هذا الفعل هو ما يجب أو يلزم أن نفعله فيما نُسمّيه الحواس المشيرة إلى السبب الحاسِم». فصّل ويلينبرغ الأمر كما يلي: «يلزم، يجب، أو يُفترض من S أن يفعل A، فقط في حال كان يملكُ S أكثر سببٍ معياري لأن يفعل A. نملكُ
(224)أحيانًا أسبابًا أخلاقيّة حاسِمة للتصرُّف بطريقةٍ مُحدّدة. في هذه الحالات، نكونُ ملزَمين أخلاقيًا أن نتصرّف بطريقةٍ مُحدّدة». يبدو أنّ بارفيت وويلينبرغ يدعمان تحليل «الوظيفة البَعدية» حيث تنجمُ الوظائف عن أسبابٍ كافية من نوعٍ مُحدد للتصرُّف. تقليديًا، حُلِّلتْ الواجبات الأخلاقيّة بمعنى «الوظيفة القَبلية»حيث تسودُ الوظائف وتُوفِّرُ هي الأسباب المقنعة للتصرُّف.
كما عبّر تشارلز ستيفن إيفانز: «كثيرًا ما يملكُ الناس أسبابًا لأداء الأفعال -حتّى أسبابًا قوية وحاسِمة- ليس عليهم واجبٌ أخلاقي بفعلها»، وأضاف: «رغم أنّه من الصحيح قطعًا أنّ الواجب الأخلاقي يمنحُ الفردَ سببًا للتصرُّف بطريقةٍ مُعيّنة، لا ينتجُ عن ذلك أن يكون شرح سبب الفعل بحدّ ذاته هو شرحٌ للواجب الأخلاقي». ردّد بول كوبانوماثيو فلاناغان أصداء إيفانز، حيث كتبا: «الواجب الأخلاقيّ ليس نفس ما يملكُ المرءُ أسبابًا جيّدة لفعله. تتضمّنُ الواجبات سببًا مُحددًا للفعل: سببًا يتضمّنُ أمرًا يجبُ علينا الامتثال له، سببًا يُمكنُ للآخرين أن يُلقوا اللومَ علينا عقلانيًا ويؤنِّبوننا بسبب فشلنا بذلك، سببًا يُمكن أن نُحاسَب عن استحقاقٍ ونشعرُ بالذنب لانتهاكه، وسببًا من العقلائي غرسُه في الآخرين».
(225)هذا الأمر يُبيِّنُ الطريقةَ التي تُشيرُ فيها لغةُ الواجبات الأخلاقية إلى سُلطة الاقتضاء الأخلاقيّ، وهذا يؤدّي إلى ميزة أخرى للوظائف الأخلاقيّة. يُمكنُ أن نلحظَ هذه الخاصيّة الإضافية بالنحو الأوضح حينما نُفكِّرُ بما يقولُ لويس أنّنا نفعله غالبًا: التصرُّف على نحوٍ ينتهكُ القانون الأخلاقي. إحدى النتائج هي استشعار الذنب كما ناقشنا آنفًا، الذنب الذي يُفهَم كوضعٍ أخلاقيٍ بحاجةٍ للإصلاح وليس كمجرّد شعور شخصي.
ثمّة خاصيتان أخريتان مسؤولتان عن قسطٍ كبيرٍ من المعنى البشري حول الذنب. إحداهما هي الأذى الذي يتسبّبُ به الفعل (الخاطئ) الذي قام به الفرد، وأمّا الخاصية الثانية الأكثر انتشارًا للذنب فهي الاغتراب عن الناس إلى درجةٍ أو أخرى. يظنُّ إيفانز أنّه من بين الخصائص المتنوّعة للوظيفة الأخلاقيّة، فإنّ السلطة هي الخاصية التمييزية الأهم. اعترفَ إيفانز أنّ أحد المهام المهمة لعلماء الفلسفة المعرفية الأخلاقية هو تفسير هذه السُلطة. التحدّي الكامن في ذلك -إضافة إلى التحدّيات المعرفية التي تُواجِهُ مؤيّدي الواجبات الأخلاقية الملزِمة موضوعيًا- أدّت إلى أن يرفض جون ليسلي ماكي طبعًا هذه الواجات بصفتها غريبة جدًا أنطولوجيًا، وهو ما أدّى إلى «نظرية الخطأ» الخاصّة به. ما هو الشيء المميز، والغريب بالاحتمال، في الواجبات الأخلاقية؟ كما أكّد جورج ماڤرودس (في مقطعٍ شهيرٍ أشارَ إليه بلانتينغا أيضًا) فإنّ امتلاكَ واجب أخلاقي يعني امتلاك
(226)سببٍ مميزٍ للتصرُّف؛ الواجب ينقلُ فكرةَ الحُكم المطلق. هذا يُميِّزُ الواجبات الأخلاقية، التي حُلِّلت على هذا النحو، عن صورة الأخلاق التي نجدها عند أرسطو. حينما استخدمَ أرسطو عباراتٍ مثل «ينبغي» أو «يلزم»، فإنّها ارتبطتْ بما هو جيدٌ أو سيءٌ لشيءٍ ما على ضوء ما هو مطلوبٌ كي يزدهرَ ذلك الشيء أو يُحقّق قابليته. العدلُ -استخدامًا للمثال الذي قدّمه إيفانز- هو فضيلةٌ مطلوبة للازدهار البشري، وعدم العدل هو بالتالي مضر للفرد.
في المقابل، كثيرًا ما تحوي عباراتٌ مثل «ينبغي» و«يلزم» في الفلسفة الأخلاقية الحديثة معنىً أخلاقيًا مميزًا حيث تُشيرُ إلى نوعٍ من الحُكم المطلق. نسبَتْ أنسكوم الاختلافَ إلى النفوذ التدخليّ للدِّين المسيحي مع مفهومه القانوني حول الأخلاق. ولكن إذا كان هذا التصوُّر حول الإله المصدِر للقوانين سائدًا خلال العديد من القرون ومن بعدها تمّ التخلّي عنه، فبالكاد يكون مُفاجئًا لمفهوم الواجب -أي الإلزام أو المطالبة كما من قِبل القانون- أن يستمرّ لبعض الوقت رغم أنّه قد قُطِع عن جذره. هذا بالضبط هو ما اعتقدت أنسكوم أنّه حصل، مؤديًا إلى أن تحتفظ آثارٌ من اللغة الأخلاقية بجوّ استخدامها الأكثر تقليدي إلا أنّ روحها قد ذهبت ونفوذها قد أُزيل. لهذا السبب، اعتقدتْ أنسكوم -التي انخرطت في التأليف خلال الخمسينيات من القرن الماضي- أنّه من الأفضل ترك التصوّرات الحديثة خلفنا والعودة إلى فَهم أرسطو، وذلك لأنّها كانت تعتقدُ أنّ الدعامات النظرية للأخلاق الحديثة كانت مفقودة على نحوٍ غير قابل للاسترداد. كما يذكرُ إيفانز، فإنّ أنسكوم التي كانت كاثوليكية مُتديِّنة كانت لتلقى مُفاجأة سارّة لو عاشت لترى النهضة الحديثة في الاهتمام بالأخلاق الإيمانية، بما في ذلك الاهتمام بالتنوّعات في رواية الأمر الإلهي حول الواجبات الأخلاقية.
(227)ما هو مهمٌ لأهدافٍ حالية هو أن نُلاحظ ما يُسمّيه إيفانز «حدسية أنسكوم»: الفكرة بأنّ الواجبات الأخلاقية كما اختُبِرتْ تملكُ طابعًا فريدًا، وأنّ محاولات تفسير الواجبات الأخلاقيّة ينبغي أن تُبيِّن ذلك الطابع المميّز. تبرزُ في رأي إيفانز أربع خصائص على أنّها تُشكِّل الواجبات الأخلاقية: 1) الحكم حول الواجب الأخلاقي هو نوعٌ من الحكم على فعلي أنا؛ 2) الواجب الأخلاقي يُوصل التأمُّل إلى الخاتمة؛ 3) يتضمّنُ الواجب الأخلاقي المساءلة أو المسؤولية؛ و4) ينطبقُ الواجب الأخلاقي على الأشخاص ببساطةٍ كأشخاص.
من المثير للاهتمام أنّ إيفانز رغِبَ في أن يُشير -على خلاف أنسكوم- إلى أنّه على ما يبدو فقد تعاملَ سقراط مع مفهوم الواجب الأخلاقيّ. على سبيل المثال، جميع الخصائص الأربع موجودة في كتاب أفلاطون الدفاع. يعتقدُ إيفانز أنّ هذا مهم لأنّ فكرة كون الواجبات الأخلاقية شبيهة بالحُكم وحافلة بالسلطة قد لا تكونُ نتيجة وحي خاص فقط بل شيئًا مُتاحًا بشكلٍ أعم. هذا مُحتمل الأهمية لسببٍ وثيق الصلة بموضوع هذا الفصل: إذا عُرِّفتْ خصائص الواجب الأخلاقي على نمط المصادرة على المطلوب، فلا يُمكنُ اعتبار فشل النظرية الأخلاقيّة في إرضاء التقييدات المنبثِقة كخصائص مفهومية للواجبات الأخلاقية فشلًا كبيرًا في النهاية. على سبيل المثال، إذا جاءت الواجبات الأخلاقية -التي حُلِّلتْ على نحوٍ يُرضي حدسية أنسكوم- فقط أو بشكلٍ رئيسيٍ كنتيجة للتعاليم اليهودية والمسيحية، فيمكن للشخص العلماني أن يرد: «حَسَنًا، فهذا أسوء للواجبات الأخلاقية التي فُهمت على ذلك النحو». وعليه، فإنّ الاعتراف بأنّ سقراط نفسه قد فهم الواجبات الأخلاقية عى نحوٍ قريبٍ للغاية من المفهوم
(228)الحديث يُعدُّ نقطةً مهمة يجب أن تردعنا عن صرف النظر عن المفاهيم الحديثة بسرعةٍ فائقة.
يُمكن أن نتحدّث بشكلٍ تفصيليٍ أكثر عن الخصائص المتنوّعة للواجبات الأخلاقية، ولكن قلنا ما يكفي لكي ننتقل الآن إلى المرحلة الثانية من دليلنا. لكي نُلخّص، نقول: لعلّ أهمّ خاصيّة تمييزية للواجبات الأخلاقية، التي حُلِّلتْ كلاسيكيًا في التعاليم السقراطية والإيمانية، هي أنّها سُلطوية وتمنحنا أسبابًا قوية كي نمتثلَ لها. الفشل في أداء وظائفنا الأخلاقية يُنتِجُ عادةً الشعور الموضوعي بالذنب، الاغتراب عن الآخرين، و -حينما يقع الضرر- شعورًا أكبر بالذنب.
بما أنّ الدليلَ الأخلاقيّ يطلبُ منّا أن نُفكِّر بالعالَم الواقعيّ وأن نُحاول تفسيرَ الواجب الأخلاقي من دون الرجوع إلى المصادر الإيمانية، يُصبحُ من الأهم قضاء الوقت المطلوب لمنح الجهود العلمانية المتنوّعة الرامية إلى التفسير الأخلاقي حقَّها. لا يُمكنُ تحقيقُ ذلك في فصلٍ واحد، فضلًا عن مقطعٍ واحد من فصلٍ واحد -ولكنّني قد أنهيتُ مؤخرًا مع جيري والز مُجلدًا حيث منحنا فيه هذه القضية مُعالجةً بطول كتاب، وقد اعترفنا أنّه مجرد بداية للمشروع، وهو برنامجٌ طموحٌ للغاية لا يُمكنُ استيفائه في كتابٍ أو كتابين. ينبغي أن تكفي هنا الإشارة إلى الجهات التي يجب المضيّ فيها. مُجددًا نقول، بما أنّ علماء الأخلاق العلمانيّين يتعاملون مع هذا العالَم -وهو عالَم، إذا كان المؤمنون بالإله مُحقّين، قد خلقه الله
(229)وأسكنَ فيه مخلوقاتٍ صُنعت على صورته- فسوفَ يكونُ من المفاجئ كُليًا من المنظور الإيماني أن لا يتمكّن علماءُ الأخلاق العلمانيّون أن يُحقِّقوا أيَّ تقدُّمٍ في النظرية الأخلاقية على ضوء المصادر الغنيّة في هذا العالَم الموجودة تحت تصرّفهم.
بمعنىً ما، كثيرًا ما تأخذُ المقاربة القياسية بيدٍ واحدةٍ ما تُقدّمه باليد الأخرى. من خلال تقديم مصادر هذا العالَم لكي تُستخدَم في تشكيل نظريةٍ أخلاقية علمانية، تمنحُ الحجّة العلمانيّين مقدارًا كبيرًا من المادّة التي يتعاملون معها في جهودهم لتفسير الواجبات الأخلاقية. ولكن غالبًا ما تُركَم جميع هذه النظريات الأخلاقية العلمانية معًا ويُصرَف عنها النظر مُباشرةً وبسرعةٍ قصوى. وعليه، فإنّ المنح الحقيقي للعلمانيين المتحاورين معنا حقًا بتوظيف مصادر العالَم -من تقديمات الحدسيات إلى إشباعات الأخلاق إلى مُقتضيات التناغُم الاجتماعي على سبيل المثال لا الحصر- يعني أنّ علينا أخذ الوقت لكي نمنح مُقترحاتهم التفكير الكافي، وإن اقتضى الأمر، أن نمنح الفضلَ لبصيرتهم المشروعة.
ما هو كافٍ أغلب الوقت في المعالجة التي تُقدّمها المؤلّفات الدفاعية الدينية الشهيرة حول النظريات الأخلاقية العلمانية هي بعض الانتقادات العامة غير التفصيلية التي تفشلُ في إنصاف العمل الدقيق الذي حقّقه المفكّرون الجادّون حول هذه القضية. ما حاول سي.إس. لويس أن يفعله في أول كتاب «المسيحية المحضة»، على سبيل المثال، قد يخدمُ أهداف الدفاع الشعبي عن العقيدة، ولكنه متسرع للغاية ليخدمَ هدفَ إخضاع النظرية الأخلاقية العلمانية إلى التدقيق النقدي الصارم. كثيرًا ما يرضى نقّادُ الأخلاق العلمانية بالنقد العام، كالصعوبة التي يُواجهها مؤيِّدو الفلسفة الطبيعية في جهودهم لفهم معنى
(230)الفاعلية الأخلاقية ذات المغزى. على وجه التحديد، هذا ما تُفيده الحجة، على أكثر تقدير معنى أنّ الناس «يُمكن أن يفعلوا العكس» في عالمٍ مُحدّد أو شبه مُحدّد (على الأقل على المستوى الكليّ) هو بمعنى مُضاد للواقع: لو أرادوا أن يفعلوا الأمر بشكلٍ مُختلف وكان بمقدورهم ذلك، لفعلوا ذلك. ولكن بالطبع، هذا التفسير هو أقلّ بكثير مما هو منشود، كأيّ قدرةٍ فعلية على فعل العكس دائمًا. إذا اقتضت الفاعلية الأخلاقية ذات المغزى وإسنادات المسؤولية الأخلاقية هذه الحرية -والفلسفة الطبيعية تواجهُ وقتًا صعبًا للغاية في تأمينها- فلدينا إذًا نوعٌ عام من نقد الأخلاق الطبيعية.
المشكلة مع هذا النقد العام، رغم قوّته المحتملة، هي مُزدوجة: أولًا، يُعقِّد النقد الطريقة الأفضل لفهم الإرادة الحرّة، وهذا يستحدثُ مؤلفاتٍ واسعة؛ وعليه، في وقتٍ سريعٍ للغاية، ينتقلُ كامل التركيز في النقاش من الأخلاق إلى الميتافيزيقيا. هذه النقاشات جديرة بأن تُعقَد، لكن في هذا السياق تعملُ بشكلٍ كبيرٍ في تغيير الموضوع. ثانيًا، وبشكلٍ أكثر أساسًا، تفشلُ هذه الانتقادات العامة في التعامل مع أيٍّ من تفاصيل النظرية الأخلاقية العلمانية، وهذه طريقة غريبة في إخضاع هذه النظريات إلى التدقيق. بالتالي، كثيرًا من الأفضل -وقطعًا من الأفضل وفقًا للمقاربة الاستخلاصية- أن نتعمّق في تفاصيل الأخلاق العلمانية، وأن نُدرك التنوُّع المعروض في الآراء وليس فقط ما يجمعها بل أيضًا كيف تختلف.
على سبيل المثال، تتناولُ المعالجة الكاملة نطاقًا من المقاربات العلمانية الأخلاقية والميتا-أخلاقية، الطبيعية وغير الطبيعية، التي تتراوحُ من رأي فيليبا فوت حول
(231)القانون الطبيعي، إلى اللاطبيعية التي يتبنّاها شيفر لانداو، إلى البيانات التابعية كتلك التي قدَّمها إريك ويلينبرغ، إلى البيانات الأخلاقية الطبيعية كتلك التي طرحها مؤيِّدو الواقعية في جامعة كورنيل، إلى المقاربات التطوُّرية المتنوّعة، إلى بنائية كورسغارد، وأكثر من ذلك، حيث يتمّ تأجيل الانتقادات القابلة للانطباق على الجميع إلى ما بعد إنهاء هذا العمل. من الواضح أنّ هذا الفصل لا يُمكن أن يُحقِّق كلّ ذلك العمل ضمن هذه المساحة، ولكن يُمكن أن يُقدِّم مثالًا واحدًا موجزًا حول نوع العمل المطلوب، وهو مثالٌ قدّمه بلانتينغا نفسه.
خُذ على سبيل المثال فيليب كيتشر الذي قدّم أخلاق الفضيلة الطبيعية. ألّف كيتشر كتابًا حديثًا تحت عنوان «الحياة بعد الإيمان: الدفاع عن الإنسانية العلمانية». منذ عقد مضى، كان كيتشر قد لخّص موقفه وكتبَ أنّ الوظيفة الرئيسية للتوجيه المعياري هي تعزيز القابليات النفسية التي تجعلُ المخالطَة الاجتماعية مُتاحةً لنا. تتضمّنُ هذه القابليات النفسية القدرة على التعاطُف مع حاجات الآخرين واهتماماتهم، وإلى حدٍّ ما تتعزّزُ هذه القابليات عبر أوامر توجيهية للالتفات بشكلٍ أكبر إلى خطط الآخرين ومشاريعهم حتّى في المواضع التي لا يوجد فيها -ولو مبدئيًا على الأقل- استجابةً تعاطفية. يعتقدُ كيتشر أنّ الوظيفة الرئيسية للأخلاق هي بسط وتعزيز تلك الميول الإيثارية البِدائية التي أصبحنا من خلالها حيواناتٍ اجتماعية بادئ الأمر، ومن ثمّ هذا له الأثر الثانوي المتمثِّل بالترويج للترابط الاجتماعي.
(232)استنادًا إلى رأي كيتشر الذي فصّله في كتابه «المشروع الأخلاقي» الصادر في العام 2011، وضعَ التطوُّر بعضَ القابليات للتعاطف مع الآخرين واستشعار ألمهم وتحديد رغباتهم وما إلى ذلك. ولكن بما أنّ هذه القابليات التخيُّلية تبقى محدودة، فإنّ وظيفة الأخلاق هي بسط هذا التعاطف. بصفتنا مخلوقات أخلاقية، وظيفتنا هي بسط استجاباتنا التعاطفية وتوسعة ميولنا الإيثارية، ومن خلال ذلك نختار طريقةً للحياة هي أفضل موضوعيًا. إحدى توصيفات رأي كيتشر تُشبهُ نظرية العقد الاجتماعي البراغماتية القائمة على الإيثار الأخلاقي، وهي تعملُ بطريقتين: حينما نسعى وراء الخير الإيثاري، فإنّنا نُلخِّصُ المشكلة الأخلاقية الإنسانية الأصلية وبالتالي نقومُ بنقل المشروع الأخلاقي الإنساني التأسيسي قدمًا؛ ومن خلال السعي وراء هذا الخير، نُساهِمُ في التقدُّم الأخلاقي. يُمكن أن نُبصر النظرية أيضًا كصورةٍ مُغايرة لأخلاقيات الفضيلة التي تمّ إضفاء الطابع الطبيعي عليها. يَستبدلُ هذا المجهود كلامَ أرسطو حول الطبيعة بشيءٍ ٍيُعتبر علميًا أكثر جدارةً بالاحترام؛ وفقًا لهذا المفهوم، ما ينبغي أن نفعله أخلاقيًا هو تابعٌ للصفات التي ينبغي أن نُطوّرها والتي تعتمدُ على أيّ صنف من المخلوقات هو نحن.
لأسبابٍ حالية، تجدرُ الإشارة إلى أنّ رأي كيتشر هو سيءٌ على وجه الخصوص في شرح الواجبات الأخلاقية. عوضًا عن مُحاولة شرح هذه الواجبات، أنكرَ كيتشر وجودَها. أقرّ كيتشر أنّنا لا نحظى بإمكانية الوصول إلى الحقيقة الأخلاقية أو الواقع الأخلاقي، ولكنّه احتجَّ أنّه يُمكنُ للمجتمع الأخلاقي أن يعمل كموازٍ تقريبيٍ للحقيقة الأخلاقيّة من خلال تشكيل ما يُعتقد أنّه مبادئ وخيارات أخلاقية تقدُّمية. هذا يظهرُ بوضوح تام في كتابه الأخير، في الفصل حول الأخلاق الذي وصفه بلانتينغا كما يلي:
(233)نظرية الأمر الإلهي غالبًا:
1. يُمكن أن نتصوّر أنّ الله قد يُذنب.
2. إذا كان يُمكن التصوّر أنّ الله قد يُذنب، فمن الممكن أنّ الله قد يُذنب.
3. بالتالي، فمن الممكن أن يُذنب الله (ضدّ التنزيه).
إذا كان الله من حيث التعريف مُنزهًا عن الخطأ، فإنّه منزهٌ عن الخطأ بحسب التعبير ولكنّ السؤال الأعمق هو هل إنّ الله مُنزه عن الخطأ بحسب الكينونة -أي هل إنّ شخص الله نفسه كامل أخلاقيًا من حيث الذات؟ يُمكن توجيه حجّة التصوُّر هذه ضدّ التنزيه الذي حُلِّل بحسب الكينونة، ولكن يكمنُ عيبُها في افتراضها العابر بأنّ قابلية التصوُّر تستلزمُ الإمكان الحقيقي والمنطقي بوجهٍ عام. يُمكن أن تُعتبر جميع أصناف الأشياء المستحيلة ميتافيزيقيًا قابلة للتصوُّر بطريقةٍ ما -كبطلان حدسية غولدباخ. ولكن بالطبع، في هذه الحالة، إذا كان صحيحًا فهو صحيح بالضرورة وليس حتّى مُمكن البطلان. وعليه، فإمّا أنّ التصوُّر، رغم فينومينولوجيته القوية، هو تصوُّرٌ زائف، أو أنّ قابلية التصوُّر لا تستلزمُ الإمكانَ الحقيقي في النهاية. في الحالتين في حجّة التصوُّر ضدّ التنزيه، يبدو أنّ أحد الافتراضين على الأقل هو مُحتمل البطلان. بالطبع، هذا لا یثبت التنزيه ولكنّه يُشكِلُ دحضًا فعالًا لدليلٍ مهم يُقدَّم ضدّه. يُساعِدُ النقاشُ الحديث حول نظرية الأمر الإلهي في إظهار أنّ هذه المقاربة هي جديرةٌ بالتفكير الجديّ وأنّها -أو شيء قريب منها- قد يُظهر فعلًا على نحوٍ قابل للاحتجاج نطاقًا تفسيريًا وقوةً مُتفوقَّين في تفسير الواجبات الأخلاقية وسماتها الفارقة.
(238)مثال الدمى الروسية المتداخلة هو مثالٌ جيّدٌ حينما نتناولُ الدليل الأخلاقي في هذا الفصل. حينما يُحصَر الأمر بالتدقيق في الواجبات الأخلاقية على وجه الخصوص، يُمكن تقديم دفاعٍ استخلاصي قوي بأنّ الإيمان بالإله يُوفِّرُ التفسيرَ الأفضل لكلٍّ من الوظيفة الأخلاقية وخصائصها المتنوّعة المنطقية والدلالية والفينومينولوجية. يُمكنُ لتلك الحجّة أن تتلائم مع دفاعٍ أخلاقيٍ أكبر وأعم يشملُ -فضلًا على الوظائف الأخلاقية- حقائق أخلاقية أخرى كالفاعلية الأخلاقية والقيمة الأخلاقية، بالإضافة إلى المعرفة الأخلاقية، والتحوُّل الأخلاقي، والعقلانية الأخلاقية. وهذا الدفاع الأخلاقي الواسع يُمكنُ أن يتلائم مع دفاعٍ أكبر تُشكّله جماعيًا العشرات من الاعتبارات الإثباتية كالتي نراها في هذا الكتاب.
كاي-مان كوان
يتّسمُ الدِّين بقدرته على إثارة الشغف. ما هو السبب وراء قُدرة الدِّين على إحداث آثارٍ هائلةٍ في الحياة البشرية؟ إلى جانب الحقيقة التي تُفيدُ أنّ الدِّين يتمحورُ حول الهمّ الأكبر الذي يعتري البشر، ينبغي أن نتذكّر أيضًا أنّ الدِّين، في كثيرٍ من الأحيان، يمتلكُ قاعدةً تجريبية. اللهُ ليسَ مجرّد فرضيةٍ يؤمنُ بها الملتزمون دينيًا، بل هو حقيقةٌ حيّة تتغلغلُ في كلّ جوانب حياتهم. يُردِّدُ الأفرادُ الذين يستشعرون وجودَ الله مع أيّوب: «بِسَمْعِ الأُذُن قد سمعتُ عنك، والآن رأتْكَ عيني» (الإصحاح 42 من سِفر أيوب). تنقلُ التجاربُ الدينية أحيانًا شعورًا شديدًا بالواقع إلى درجة أنّ القناعة التي تغرسها هذه التجارب تصنعُ تحوّلًا في حياة أصحاب التجربة. إضافة إلى ذلك، تُحدِثُ التجارب الدينية في كثيرٍ من الأحيان تحوّلاتٍ على المستوى العالمي أيضًا؛ فقط خُذ بعين الاعتبار
(241)الأثر الهائل الذي أحدثه أفرادٌ من أمثال موسى والقدّيس بولس وأوغسطين وغيرهم في الحضارة الغربيّة.
ينبغي أن نُقدِّمَ بعضَ التوضيحات حول المصطلحات والمفاهيم المرتبِطة بموضوعنا هنا. ما أقصده من التجربة الدينية هو التجربة التي يعتبرُ صاحبُها أنّها استشعارٌ لله أو لكائنٍ خارقٍ للطبيعة. تكونُ هذه التجربة صادِقة إذا كان الشيء الذي يَعتبرُ الفاعل أنّه موضوع تجربته الشخصية موجودًا فعلًا في الواقع، وحاضرًا، وجعله يشهدُ تلك التجربة بطريقةٍ مُناسِبة. الادّعاء بأنّ «(أ) له تجربةٌ مع الله» لا يستلزمُ أنّ «الله موجود». وعليه، فإنّ وقوعَ التجارب الدينية لا يفترضُ تلقائيًا وجودَ الله. تدّعي الحجّة المبنيّة على التجربة الدينية أنّ وقوعَ التجربة الدينية يوفّرُ أُسُسًا للإيمان بالله. قبل مُناقشة القضايا الإبستمولوجية المحيطة بدليل التجربة الدينية، دعوني أطرحُ مُقدّمةً حول تطوّرها خلال القرن العشرين.
2. الحجّة المبنيّة على التجربة الدينية: عرضٌ من القرن العشرين لغاية القرن الواحد والعشرين
تواجدَ في أوساط المدافعين الأوائل عن التجربة الدينية علماءُ لاهوت وفلاسفة من أمثال فارم وكنادسون.ادّعى بعضُهم أنّ التجارب الدينية تُوفِّرُ معرفةً مباشرة بالله وأنّها مُثبِتة لذاتها لأنّ الفاعل قد التقى مع الله بشكلٍ مباشر في التجربة واستلمَ وحيَه. على سبيل المثال، وفقًا لعالِم اللاهوت البريطاني ه.ه.فارمر فإنّ:
(242)«التجربة المسيحية بالله... بطبيعة القضية يجب أن تكون مُثبِتة لذاتها وقادرة أن تشعّ بضوئها الخاص بشكلٍ مُستقلٍ عن الانعكاسات التجريدية للفلسفة.»
مع ذلك، مالَ الفلاسفة إلى نقد الادّعاءات حول الإثبات الذاتي (وسوفَ نبحثُ الأسباب الرئيسية فيما يلي). أشارَ الفلاسفة إلى أنّ التجارب الدينية تتشكّلُ إلى حدٍ كبيرٍ عبر الإطار المفهوميّ لصاحب التجربة، وأنّه لا يُمكنُ استنتاجُ أيّ معرفة من الحالات العاطفية المحضة أو القناعة، بغضِّ النظر عن شدّتها. ذكرَ الفلاسفةُ أيضًا أنّه من الصعب فهمُ فكرة التجربة المثبِتة لذاتها. وجّه كيث ياندِل، وهو بنفسه مُدافعٌ عن التجربة الدينية، كثيرًا من الانتقادات إلى هذه الفكرة. بغضِّ النظر عمّا إذا كانت هذه الانتقادات مُقنِعة أم لا، إلا أنّها كانت مؤثِّرة وتسبّبتْ ببروز نوعٍ من الحجّة المبنية على التجربة الدينية لم تعتمد على دعاوى الإثبات الذاتي.
استبقَ سي.دي.برود نموذجًا مُبكّرًا من دليل التجربة الدينية يخضعُ للنقاش المستعرّ في يومنا الحالي:
«المسلَّمة العملية التي نعملُ بمقتضاها في كلّ مكانٍ آخر هي التعامل مع
(243)الادّعاءات المعرفية على أنّها صادِقة، إلا إذا وُجِد سببٌ قطعي للظنِّ بأنّها وهمية. هذا، في النهاية، هو ضمانُنا الوحيد للاعتقاد بأنّ الإدراك الحسيّ العادي هو صادق. لا يُمكنُ أن نُثبتَ أنّ ما يتّفقُ الناس في إدراكه يتواجدُ فعلًا بنحوٍ مُستقلٍ عنهم؛ ولكنّنا نفترضُ دائمًا أنّ الإدراك الحسي العادي الصاحي هو صادقٌ إلا إذا تمكنّا من إنتاج أساسٍ إيجابي للاعتقاد بأنّه وهمي في أيّ حالةٍ مُحدّدة. أظنُّ أنّه من غير المنسجِم التعامل مع تجارب الباطنيّين الدينيّين على أُسسٍ مُختلفة. ما دامتْ تتّفقُ (هذه التجارب)، ينبغي أن يتمّ قبولها مؤقتًا على أنّها صادِقة إلا إذا وُجِدَ أساسٌ قطعيٌ للظنّ بأنّها ليست كذلك».
ضمّت أوساطُ المدفعين عن التجربة الدينية من الخمسينيات إلى السبعينيات جون هيك، إلتون تروبلود، وريم إدواردز. ولكن لم يسترعِ هؤلاء الأفراد اهتمامًا كبيرًا من الفلاسفة الاحترافيّين لأنّه في ذلك الحين كانت التحقيقية -وهي على وجه التقريب العقيدة التي تُفيدُ أنّه من حيث المبدأ فقط تكونُ العبارات القابلة للتحقيق ذا معنى من الناحية المعرفية- ما يزالُ مؤثِّرًا، وبالتالي كان حتّى احتواء اللغة الدينية على المعنى أمرًا مشكوكًا به. أمّا الوضع في وقتنا الحالي، فقد اختلف كثيرًا. يذكرُ تاليافيرو ما يلي:
«منذ ذلك الحين، أقرّ العديدُ من الفلاسفة أنّه لا يُمكنُ استبعاد المفاهيم حول الله والمكوّنات الأخرى في الأديان المختلفة على أنّها هراء واضح أو حالاتٌ بيّنة
(244)من الخرافة. مورسَ عملٌ مهم في سبيل الاحتجاج لصالح قابلية فَهم مفهوم الله... أصبحَ الجدالُ حول هذه الأمور الآنَ مفتوحًا أكثر، من دون أن يكون أقلّ صرامةً. »
بدءًا من نهاية السبعينيات، أنتجَ عددٌ من الفلاسفة التحليليّين دفاعاتٍ مُتطوّرة بشكلٍ متنامٍ عن التجربة الدينية. دافعَ ريتشارد سوينبورن في كتاب «وجود الله» عن التجربة الدينية من خلال مبدأه المسمّى بمبدأ سُرعة التصديق. ينصُّ مبدأ سُرعة التصديق أنّه من العقلاني التعامل مع تجاربنا (ومن ضمنها التجربة الدينية) على أنّها بريئة حتّى يثبت أنّها مُذنبة. بتعبيرٍ آخر، ينبغي التعامل مع التجارب الدينية على أنّها -في بادئ النظر- أدلة على وجود الله إلا إذا وُجدتْ أسبابٌ للتشكيك بها. جذبَ هذا الأمر كثيرًا من الاهتمام في دائرة فلسفة الدِّين. بالطبع، قام كثيرون بانتقاد سوينبورن مثل ويليام رو ومايكل مارتن، ولكنّ سوينبورن أثارَ أيضًا دعمَ عددٍ وافرٍ من الفلاسفة الاحترافيّين كيفلسوف العلم الطبيعي غاري غاتينع. أُلِّفتْ كثيرٌ من الكتب حول التجربة الدينية وقد اتّبعتْ بشكلٍ جوهريٍ المسارَ الاستدلاليّ لسوينبورن ووسّعته وعدّلته وقدّمت الردودَ على الاعتراضات. ضمّتْ هذه الكتب ما يلي: «القوة الدليلية للتجربة الدينية» من تأليف كارولين ديفيس، «التجربة الدينية والإيمان الديني» من تأليف جورج
(245)وال، وكتابيّ «التجربة مع الله وعقلانية الإيمان الديني» و«التجربة الباطنية مع الله: تحقيق فلسفي» من تأليف جيروم غيلمان. عملَ فلاسفة آخرون أيضًا بنحوٍ مستقل للتوصُّل إلى نتيجةٍ مُشابهة مثل ويليام واينرايت وكيث ياندل.
إحدى المؤلّفات البارزة في هذا الجدال هي كتاب ويليام ألستون تحت عنوان «إدراك الله». طبّق ألستون مهاراته التحليلية في هذا الكتاب على مسألة التجربة الدينية ودافعَ عن مقاربة الممارسة العقائدية تجاه الإبستمولوجيا. نصّتْ هذه المقاربة على أنّه من المنطقي عَمَليًا الوثوق بممارساتنا العقائدية الراسخة اجتماعيًا، ومن بينها الممارسة الباطنيّة المسيحية. نوقشتْ احتجاجات ألستون في أهمّ الدوريات الفلسفية التحليلية مثل «Nous» و«دورية الفلسفة». كذلك، نظّمتْ كلٌ من دورتيّ «الفلسفة والبحث الفينومينولوجي» و«الدراسات الدينية» ندوات لمناقشة كتابه في العام 1994.
تواصلَتْ اندفاعةُ حجّة التجربة الدينية في القرن الواحد والعشرين (للاطّلاع على دراسةٍ حول الموضوع راجع الفصل الأول من كتاب كوان الصادر في العام 2011). لقد دافعتُ بإسهابٍ عن حجّة التجربة الدينية التابعة لسوينبورن،
(246)ولقد أعدتُ تسمية «مبدأ سُرعة التصديق» بـ«مبدأ الثقة النقدية» لكي أُسلِّط الضوء على أهمية دمج الثقة والنقد في إبستمولوجيا مُتماسِكة أطلقتُ عليها اسمَ «مُقاربة الثقة النقدية». لقد طوّرتُ هذه المقاربة الإبستمولوجية بشكلٍ إضافيٍ في كتابي «قوس قُزح التجارب، الثقة النقدية، والله». إضافة إلى ذلك، ساهم تطورٌ موازٍ في الإبستمولوجيا في تعزيز حجّة التجربة الدينية. يُدافِعُ في وقتنا الحالي فلاسفةٌ تحليليون عن المبادئ الإبستمولوجية الشبيهة بمبدأ سُرعة التصديق. إحدى الأمثلة الجديرة بالملاحظة هي مبدأ «المحافظية الظواهرية» الذي طرحه مايكل هومر والذي «أصبحَ لاعبًا مهمًا إلى حدٍ كبيرٍ وسْطَ المواقف الداخليانية في الإبستمولوجيا». دافعَ علماء الإبستمولوجيا أيضًا عن هذه المبادئ من أمثال جيمس برايور، وكريس تاكر، وويليام لايكن. وعليه، يبدو أنّ حجّة التجربة الدينية هي على قيد الحياة وعلى ما يُرام، ولديها مُدافعون ونقّاد كلاهما قديرون. هذا الأمر مُثيرٌ وأخّاذ لأنّه يُساعدنا في إعادة التفكير في قضايا عميقة في الإبستمولوجيا. فلنبحث هذا الجدال ببعض التفصيل.
(247)يعتقدُ مؤيّدو الفلسفة التأسيسية بضرورة أن تُبنى معرفتنا على أساس التجارب الحسيّة لأنّها هي فقط المعطيات الوحيدة من دون نزاع الخالية من التفاسير والمفتوحة أمام الإثبات العام. وعليه، من أجل الوثوق بالتجارب الدينية، ينبغي تعليلها على هذه القاعدة: التجربة الحسية. رُغم هذا القول، تتمتّعُ حجّة التجربة الدينية بقوّةٍ حدسيةٍ شديدة بالنسبة لكثيرين. على سبيل المثال، يعتقدُ هيك أنّه «يتمُّ إلقاؤنا في السبيل الأخير إلى معيار الترابط المنطقي مع كُتلة تجربتنا واعتقادنا ككل؛ ليس ثمّة معيار إضافي يُمكن من خلاله اختبار الكفاية المعيارية نفسها لهذه الكتلة. هذا بالطبع هو وضعنا الفعلي كفاعلين مُدركين». أليسَ من المعقول أن نقول إنّه «من المناسب للفرد الذي يُخبِرُ عن وعيٍ شديدٍ بالله أن يدّعي أنّه يعرفُ أنّ الله موجود»؟ على الأقل، يبدو في نظر هِيك أنّ «العبءَ يقعُ على أيّ شخصٍ يُنكِرُ أنّ هذا يُحقّقُ شروطَ ادّعاءٍ معرفيٍ مُلائم لكي يُظهر أسبابًا لاستبعاده». الادّعاءُ بأنّ التجربة الدينية كنمطٍ هي غير صادقة يُساوي الادّعاء بأن لا تكون أيّ حالةٍ واحدة من التجارب الدينية المتعدِّدة للبشرية صادقة، أي أن تكون جميع هذه التجارب وهمية كُليًا. هل من المنطقي أنّ نعتقدَ بأنّ جميع «أصحاب التجربة مع الله» يخدعون أنفسَهم أو غيرهم؟ لا يعتقدُ غاتينغ ذلك:
(248)«كان الدِّينُ خلال التاريخ البشري جزءًا لا يتجزأ من الحياة البشرية، جاذبًا في جميع الحقبات الالتزامَ الحماسي لأعدادٍ كبيرةٍ من الناس الخيِّرين والأذكياء. أن يُقال بأنّ شيئًا يملكُ هكذا جذورًا عميقة وتمَّ الحفاظُ عليه لوقتٍ طويلٍ للغاية في بيئاتٍ مُختلفة جدًا هو ليس إلا سذاجةً ونفاقًا فهذا... عجيب».
افترِض أنّنا تعرّفنا على سيرةٍ شخصٍ حظي بتجارب دراماتيكية مع الله خلال حياته. نجدُ أنّ هذا الشخص صادقٌ وعاقلٌ وذكي، ونجدُ أيضًا أنّ قصّته مدعومة بالعديد من قصص الآخرين خلال التاريخ وفي كثيرٍ من الثقافات. أليسَ من الطائش أن نقول بأنّها جميعًا مُتوهَّمة بشكلٍ كليٍ ومُزمن؟ رغم ذلك، يجدُ الفلاسفة من ذوي النزعة التجريبية صعوبةً في تصديق موثوقية التجارب الدينية. غالبًا ما يُصرَف النظر عن حجّة التجربة الدينية في العديد من الكتب التمهيدية حول الفلسفة على قاعدة اعتراضاتٍ معتادة كالتالي:
1. اعتراضُ الثغرة المنطقية: يجبُ أن نميِّز التجربة والقناعة الذاتية التي تُنتجها التجربة عن موضوعية التجربة (أو صدقها). على سبيل المثال، يُشكّلُ الهذيان أو الحُلُم «الحقيقيان» للغاية احتمالًا حيًّا. يعترفُ النقّاد من أمثال أنتوني فلو أنّه في كثيرٍ من الأحيان تُنتجُ التجارب الدينية قطعًا ذاتيًّا في الأشخاص. ولكن لا يتبعُ عن ذلك أن تكون التجربة يقينية بشكل موضوعي. بتعبيرٍ آخر، ثمّة ثغرة منطقية بين المعلومات النفسية والادّعاء الأنطولوجي للتجارب الدينية. لكي نسدّ هذه الثغرة، نحتاجُ إلى تصديقٍ مُستقلٍ للإيمان الديني. على سبيل المثال، يتحدّى فلو المدافعين عن التجارب الدينية لكي يُقدِّموا الإجابة على
(249)هذا السؤال الأساسي حينما يقولُ ما يلي:
«كيفَ ومتى نكونُ مُبرّرين في التوصُّل، انطلاقًا من وقائع حصول التجربة الدينية التي تُعتبر مجرّد ظاهرة نفسية، إلى استنتاجاتٍ حول الحقائق الدينية الموضوعية المفترَضة؟»
2. اعتراض المشحونية بالنظرية: تتشكّلُ التجارب الدينية بنحوٍ كبير (أو ربما كلّي) عبر الإطار المفهوميّ لأصاحب التجربة. وعليه، هي ليست مُفيدة كدليل على الادّعاءات الأنطولوجية.
3. اعتراضُ الخصوصية: وفقًا لإدواردز، فإنّ «الاتّهامَ الرئيسي الموجّه ضدّ الباطنيّين هو أنّ التجارب الباطنية هي خاصّةكحالات الهذيان والأوهام والأحلام، وأنّه -كما هذه «التجارب غير الصادِقة»- لا تتمتّعُ التجربة الدينية فعلًا بأيّ أهمية فكرية مُطلقًا».
رُغم ذلك، قدّم أنصارُ الإيمان ردودًا معقولة على هذه الاعتراضات. أولًا، يجب أن نذكر بأنّ اعتراض الثغرة المنطقية الموجّه ضدّ التجارب الدينية يتوافقُ أساسًا مع بُنية الحجّة الشكوكية العامّة. يُمكن أن نُلاحظ ذلك من المحاكاة التهكُّمية التي طبّقها غاتينع على استفسار فلو:
(250)«كيفَ ومتى نكونُ مُبرّرين في التوصُّل، انطلاقًا من وقائع حصول تجارب الأشياء المادية التي تُعتبر مجرّد ظاهرة نفسية، إلى استنتاجاتٍ حول الحقائق الموضوعية المفترَضة عن الأشياء المادية؟»
ينطبقُ تمايز القطع/اليقين على جميع أنواع التجربة تقريبًا، ومن بينها التجربة الحسيّة. الهذيان هو بالضبط تجربة حسية غير صادقة تُنتِجُ رُغمًا عن ذلك قناعةً شخصية. إذا شكّل تمايز القناعة/اليقين بحدّ ذاته تهديدًا للتجارب الدينية، فإنّه سوف يُهدِّدُ التجربة الحسية أيضًا. وعليه، يجب على كلِّ من يحثّ على تبنّيًاول تجارب الأشياء المادية، هذا الاعتراض أن يُظهر لماذا لا تكونُ الثغرة المنطقية مُضرّة في حالاتٍ أخرى. إذا طبَّقَ النقّادُ الاعتراضَ فقط على التجارب الدينية ولكن ليس على التجارب الأخرى، سوف يكونُ ذلك أمرًا تعسُّفيًا. هذا يؤكِّدُ أيضًا الاتّهامَ الذي وجّهه ألستون إلى نُقّاد التجارب الدينية بأنّهم يتبنّون في كثيرٍ من الأحيان مِعيارًا مُزدوجًا حينما يتعلقُ الأمر بالتجارب الحسية:
«لقد حدّدتُ بعضَ المغالطات المتكرِّرة التي تكمنُ تحتَ كثيرٍ من هذه الاعتراضات -الإمبريالية الإبستمية والمعيار المزدوج... إنّها تتضمّنُ المقارنات الإبستمولوجية غير المؤاتية بين الإدراك العرفاني والإدراك الحسي؛ ليس من الصعب أن نُظهِر أنّها إمّا تُدين الأول لخصائص يشتركُ فيها مع الثاني (المعيار المزدوج)، أو تقتضي بشكلٍ غير مُبرّر من الأول أن يُبدي خصائص الثاني (الإمبريالية).»
أما اعتراض المشحونية بالنظرية، فهو يُنشيء مرةً أخرى مُشكلةً عامة في
(251)الإبستمولوجيا. حتّى الإدراك الحسي العاديّ هو أمرٌ مشحونٌ بالنظرية. بحثَ أنصارُ المذهب التجريبي وأنصارُ المذهب الوضعي بجهدٍ عن «المعطى»الأساسي الذي يكونُ خاليًا من التفسير، وذلك لكي يؤدّي دورَ الحَكَم المحايِد بحقّ النظريات أو التفاسير المختلفة. مع ذلك، فإنّ تطوُّرات الفلسفة المعاصِرة للعلم الطبيعي تُنذرُ بسقوط هذا المشروع. يتّفقُ جميعُ فلاسفة العلم الطبيعي البارزين -على سبيل المثال: بوبر، هانسن، كوهن، لاكاتوس، وفييرابند- أنّ جميعَ المشاهدات هي إلى درجةٍ ما مشحونة بالنظرية. على سبيل المثال، كتبتْ نانسي كارترايت ما يلي:
«قد نكونُ مُخطئين حتّى حيالَ أدنى الادّعاءات المتعلِّقة بالخصائص الحسيّة، وحينما يتمّ التشكيك بها يعتمدُ الدفاعُ عنها على منظومةٍ مُعقَّدة ومُتطوِّرة من الادّعاءات العامّة حول الكيفية التي تتسبّبُ بها الأحاسيس، ما هي أنواعُ الأشياء التي يُمكن أن تُخفِق خلال العملية، وما هي أنواع الأشياء التي يُمكن ولا يُمكن أن تُقدَّم بشكلٍ مشروع كتدُّخلات».
يؤكِّدُ علمُ النفس الحديث أيضًا على الفكرةِ القائلة بأنّ التفسير «هو جوهريٌ تمامًا لوقوع التجربة الحسية بأيّ حال... نحنُ لسنا مُتلقّين غير فاعلين لتمثُّلاتٍ
(252)جاهزة عن بيئتنا، بل ينبغي مُعالجة المحفّزات من تلك البيئة عبر عددٍ مُتنوعٍ من الآليات التفسيرية قبل أن تحملَ أيّ أهمية لنا». يطلبُ الناقد الآن أن تُدعَم العناصر التفسيرية للتجربة الدينية بشكلٍ مُستقل قبل أن نعتبر التجارب قابلة للاعتماد. مع ذلك، ولأنّ التجارب الحسية تملكُ أيضًا عناصر تفسيرية، «إذا طُلِبَ منّا دائمًا تقديمُ الدليل المستقل على أنّ المعتقدات التي قُمنا لاشعوريًا على ضوئها بـ«تفسير» التجربة الحسية هي مُحتملة الصدق قبل أن نتمكّن من اعتبار التجربة الحسية صادِقة على نحو الاحتمال، سوف نُحاصَر في (التشكيك)». إذا أرادَ الناقدُ أن يتفادى الاتّهامَ بالمعيار المزدوج، ينبغي أن يُبيِّن بأيّ طريقةٍ يُشكّل هذا الأمر مُعضلةً خاصةً في وجه التجارب الدينية. وعليه، الاعتراض المشحوون بالنظرية هو ليس حاسِمًا بحدِّ ذاته. لعلّه من أجل تفادي التشكيك، السياسية الأكثر حِكمةً هي التعامُل مع التفاسير في تجاربنا المدمَجة على أنّها مُبرَّرة في بادئ النظر. إضافة إلى ذلك، لا يتحتّم أن تكون الأطر الدينية السابقة مُفسِدة بل قد تُساعدُ عوضًا عن ذلك في «تنظيم» الناس لكي يُدرِكوا حقيقةً كانت لتفوتهم لولا ذلك.
يدّعي اعتراضُ الخصوصية أنّه، على خلاف التجربة الحسية، التجربة الدينية هي خاصة وشخصية. نسألُ هنا: بأيّ معنى تكونُ التجربة الحسيّة عامة؟ تجربتي
(253)فناءُ الفلسفة التأسيسية لا يعني انتصارًا تلقائيًا لحجّة التجربة الدينية. مع ذلك، ينبغي على كُلٍّ من المدافعين عن التجربة الدينية والمنتقِدين لها أن يأخذوا هذا التطوُّر بجديّة، وعليهم أن يُوضِّحوا الإطارَ الإبستمولوجي الذي يُوظّفونه لتقييم التجربة الدينية ويُدافعوا عنه. فلنبحث الآن مُحاولة ريتشارد سوينبورن في هذا الاتّجاه.
طرحَ سوينبورن دفاعًا عن التجارب الدينية من خلال تبنّي المبدأ الإبستمولوجي الذي يمنحُ التجاربَ الدينية القوة الدليلية في بادئ النظر. تتّسمُ التجربة بالقوة الدليلية المبدئية إذا كانت ادّعاءاتُ التجربة مُحتملة الصحّة، إلا إذا وُجِدتْ أسبابٌ إيجابية تُفيدُ العكس. تتمثّلُ الفكرة في أنّه ينبغي التعامُل مع جميع التجارب على أنّها بريئة حتّى يثبتَ أنّها مُذنِبة. ينبغي أن تُمنح التجارب الدينية أيضًا قوةً دليلية في بادئ النظر حينها، أي ينبغي الوثوق بادّعاءات التجارب الدينية إلا إذا أمكنَ استدعاءُ الأدلّة المضادّة. يُسمّى هذا المبدأ الإبستمولوجي بمبدأ سرعة التصديق ويُعرَّف كالتالي:
(مبدأ سرعة التصديق) إذا بدا لي (إبستمولوجيًا) أنّ x موجود على أساس التجربة، فمن المرجَّح إذًا أنّ x موجود، إلا إذا وُجِدتْ اعتباراتٌ خاصّة تُفيدُ العكس.
احتجّ سوينبورن على أنّ مبدأ سُرعة التصديق يُشكّلُ مبدأً أساسيًا للعقلانية، وبمعزله لا يُمكنُ أن نُقدِّمَ أيَّ تبريرٍ غير دائري إمّا عن الإدراك الحسي العادي أو الذاكرة. وعليه، من خلال استخدام هذا المبدأ، صاغَ سوينبورن الحجّة التالية على وجود الله:
(255)أ) يبدو لي (إبستمولوجيًا) أنّ الله موجود.
ب) لا يوجد سببٌ جيدٌ للاعتقاد بأنّ الله هو إمّا غير موجود أو غير حاضر، ولا يوجد سببٌ جيّدٌ للاعتقاد بأنّ التجربة غير صادِقة.
ج) وعليه، من المرجَّح أنّ الله موجود.
لا يقفُ مبدأ سُرعة التصديق وحدَه في مُقاربة سوينبورن الإبستمولوجية، بل ينبغي استخدامه مع مبادئ إبستمولوجية أخرى كالتالية:
أ) مبدأ الشهادة: إذا كانت الأشياء الأخرى مُتساوية، من المرجّح أنّ تجارب الآخرين هي كما ينقلونها.
ب) مبدأ البساطة: «في حقلٍ مُحدّد، نعتبرُ أنّ ما يكون صادقًا على النحو الأكثر ترجيحًا هو النظرية الأبسط التي تتلائمُ بأفضل نحوٍ مع النظريات الأخرى في الحقول المجاوِرة لإنتاج أبسط مجموعة نظريات حول العالَم».
ج) مبدأ الإحسان: إذا كانت الأشياء الأخرى مُتساوية، نفترضُ أنّ الأشخاص الآخرين هم مثلنا.
هذه المبادئ مهمة. إذا أخذنا مبدأ سُرعة التصديق وحدَه، قد يبدو المبدأ أنانيًا بغير مُسوِّغ. مع ذلك، يُظهِرُ مبدأ الشهادة أنّ سوينبورن أكّدَ بالقدر نفسَه على الوثوق بتجارب الآخرين والبُعد الاجتماعي للمعرفة. ثانيًا، ينبغي تمييزُ مُقاربة سوينبورن عن مُقاربة «كلّ شيء هو مقبول». يُعتَرف بأنّ قُدرة الإنسان على المعرفة هي بعيدةٌ عن الكمال حيث إنّ المظاهر الخارجية الإبستيمية الأولية البادية له هي عُرضة للخطأ. يكمنُ الأملُ في قدرة الإنسان على التدقيق في
(256)هذه المعلومات الأولية وتصحيحها. على سبيل المثال، يُمكن تصحيح مظهرٍ إبستيمي خطأ عبر مظاهر إبستيمية أخرى. ولكن لكي نفعل ذلك نحتاجُ إلى بعض المبادئ العقلانية لكي نُنظِّمَ معلوماتنا. في نظر سوينبورن، المبدأ الأسمى هو مبدأ البساطة. يُوضِّحُ هذا المبدأ ما يُمكن أن يُشكِّلَ دليلًا مُضادًا على ادّعاءٍ مُبرَّر في بادئ النظر:
«لا ينبغي أن نعتقدَ أنّ الأشياء هي على ما تبدو عليه في الحالات التي يكونُ هذا الاعتقادُ مُتناقضًا مع أبسط نظريةٍ تتناغمُ مع عددٍ كبيرٍ من المعطيات التي تمَّ الحصول عليها من خلال الافتراض في عددٍ كبيرٍ من الحالات الأخرى أنّ الأشياء هي على ما تبدو عليه. »
وعليه، تتضمّنُ مُقاربةُ سوينبورن طريقةً للتدقيق في المعطيات وإرساء بُنيةٍ فكرية مُنظّمة. أثارتْ حجّةُ سوينبورن كثيرًا من الجدال. يتحدّى بعضُ النقّاد صلاحيةَ مبدأ سرُعة التصديق بينما يحتجُّ آخرون أنّ المبدأ (ب) المذكور آنفًا هو باطل لأنّ سوينبورن قد تجاهلَ بعضَ العوامل الهازِمة للتجارب الدينية. بما أنّ المساحة ضيّقة، لا يُمكنني إلا أن أُناقش ثلاثة اعتراضات رئيسية فيما يأتي.
يزعمُ النقّادُ أنّه لا يوجد معيارٌ لتمييز التجارب الدينية الصادِقة عن التجارب الدينية غير الصادِقة. إذا كان الأمر كذلك، فمن غير المنطقي أن نعتقدَ بأنّ تجربةً دينية مُحدّدة هي صادِقة. وعليه، لا يُمكنُ توظيفها كدليل على الادّعاءات الدينية. حتّى لو وُجِدتْ معايير من داخل الإطار الديني، ما زلنا نفتقدُ للمعايير الموضوعية غير الدائرية. في المقابل، حينما نشكُّ في تجربةٍ حسيّة، يُمكنُ إخضاعها لمزيدٍ من الاختبارات؛ على سبيل المثال، تقارير الآخرين وصورهم. عبّرَ مارتن عن الأمر كالتالي:
«لا ينبغي أن يُقرأ وجودُ قطعة ورقٍ زرقاء من تجربتي على أنّها قطعة ورق زرقاء. ثمّة أمور أخرى مُرتبطة: ما الذي قد تكشفه الصورة الفوتوغرافية؟ هل يُمكنني أن ألمسها؟ ما الذي يراهُ الآخرون؟»
وعليه، بما أنّه لا يُمكنُ اختبار التجارب الدينية بطرقٍ مُماثلة، فهي غير قابلة للاعتماد.
يُشيرُ المدافعون عن حجّة التجربة الدينية أنّه يُمكنُ التحقُّق من التجارب الدينية من حيث المبدأ، على سبيل المثال عبر تجارب أخرى (دينية أو غير دينية) أو عبر الكتاب المقدّس. سوف يقولُ النقّادُ بالطبع: «تفترضُ هذه التحقُّقات مُسبقًا بعضَ المعتقدات الدينية وبالتالي تكونُ دائرية. نحنُ بحاجةٍ إلى بعض التحقُّقات غير الدائرية». ولكنّ هذا المطلب لا يتمّ استيفاؤه حتّى من قِبل التجربة الحسيّة. التحقُّق من خلال تقارير الآخرين يعتمدُ على تجاربنا السَّمْعية وقدرتنا على الفهم وما إلى ذلك. جميعُ التحقُّقات هي دائرية في النهاية. عبَّر مافرودس عن هذه النقطة بحسم:
«افترِض أنّني أُحاول أن ألتقطَ صورةً فوتوغرافية للورقة. ماذا إذًا؟ يسأل مارتن: «ما الذي قد تكشفه الصورة الفوتوغرافية؟» لكي أكتشف ما تكشفه الصورة الفوتوغرافية، فإنّني حسبَ العادة أنظر إليها. ولكن إذا لم يتقرّر أن «يُقرأ» وجودُ الورقة الزرقاء من تجربتي، ينبغي إذًا أن لا يُقرأ وجودُ الصورة الفوتوغرافية و-من بابٍ أولى- ما تكشفه الصورة الفوتوغرافية، من تجربتي كذلك. بدأ يبدو أنّ عليَّ أن أصنعَ صورةً فوتوغرافية عن الصورة الفوتوغرافية وما إلى ذلك... أُرسل وراء صديقي لكي ينظر إلى الورقة... ولكن لا ينبغي أن يُقرأ وجوده من تجربتي كذلك. ربما يجب أن يتواجد رجلٌ ثالثٌ لكي يُخبرني إن كان قد أتى الثاني، ويظهرُ التسلسل اللانهائي مُجددًا... تفشلُ أطروحة مارتن
(258)لأنّها تُحوِّلُ مطلبًا عامًا إلى شيءٍ يكونُ مفهومًا فقط كعمليةٍ تحدثُ أحيانًا. على أكثر تقدير، يُمكنُ أن نستبدل تجربةً غير مُدقَّق بها لصالح أخرى».
في النهاية، لا يُمكنُ أن يتمّ التحقُّق من صِدق التجربة الحسيّة إلا من ناحية التجارب الحسيّة الأخرى. وعليه، فإنّ اعتبارَ هذا الأمر عاملًا مُضعِفًا للتجربة الدينية وحدها يعني مرّة أخرى ارتكاب مُغالطة المعيار المزدوج.
رغم الردود السابقة، بقي مايكل مارتن على إصراره أنّه لا ينبغي تطبيقُ مبدأ سرعة التصديق «إلا إذا امتلكَ الفردُ الحقَّ في أن يفترض أنّ الظروف الإدراكية - التي بمقتضاها يكونُ الكيان موضع النظر مُحتمل الظهور للمراقِب إذا كان الكيانُ موجودًا - متوفرة. يُمكنُ تبريرُ هذا الحق على أُسُسٍ استقرائية، عبر النظرية الخلفية التي يتبنّاها الفرد أو بطرقٍ أخرى». استنتجَ مارتن أنّنا نملكُ الحقَّ بتوظيف مبدأٍ ما من قبيل مبدأ سُرعة التصديق في حال التجربة الحسية ولكن ليسَ في حال التجربة الدينية.
رغم ذلك، هل يمكن حقَّا تبرير اعتقادنا بقابلية الاعتماد العامّة للتجربة الحسيّة من خلال الدليل الاستقرائي؟ البيان هو كالتالي: يُمكنُ غالبًا التحقُّق من ادّعاءاتنا الإدراكية لكي نرى إذا كانتْ صحيحةً أم لا. يُمكنُ بهذه الطريقة أن نُحافِظ على سجلٍّ يحوي عمليتنا الإدراكية وأن نرى أنّه قابل للاعتماد عمومًا. إذا جمعنا عددًا كافيًا من الأدلّة الاستقرائية على صلاحية ادّعاءاتنا الإدراكية في الماضي، يُمكن أن نكون مُبرَّرين في الاعتقاد بأنّها سوف تبقى قابِلة للاعتماد. مع ذلك، يُمكن أن نسأل: «كيف يكونُ التحقُّق من عمليةٍ مُشكِّلة للاعتقاد أمرًا مُمكنًا؟»
«أكثر مُقاربة مباشرة هي مُقارنة معتقداتها المنتَجَة مع الحقائق التي تجعلها
(259)صحيحة أو باطِلة، وتحديد سجلّ الممارسة في انتشارٍ مُناسبٍ للحالات. يكونُ هذا مُمكنًا في بعض الأحيان. هو ممكنٌ على سبيل المثال حينما نتعاملُ مع ما نُسمّيه الممارسات «الجزئية» أو «المقيَّدة»، كتحديد الحرارة بناءً على موازين الحرارة الزئبقية... في هذه الحالات، نملكُ أنماطًا أخرى للوصول إلى الحقائق موضع السؤال، أنماطًا يُمكنُ أن نستخدمها للتحقُّق من دقّة الممارسة الخاضعة للفحص. ولكنّنا نصلُ بشكلٍ سريعٍ نوعًا ما إلى ممارساتٍ أكثر شمولية حيث لا تعودُ هذه التقنية مُتاحة. إذا كُنّا في طور تقييم الممارسة الحسيّة عمومًا، مثلًا، لا نملكُ وصولًا مُستقلًا إلى الحقائق موضع السؤال...، أي لا وصول لا يتألّفُ مِن ولا يستندُ إلى الاعتماد على الإدراك الحسيّ؛ وعليه، لا نملكُ تحقُّقًا غير دائري حول دقّة تقديمات الممارسة الحسيّة. »
إذا بقينا نصرّ في النهاية على أنّ فحوصاتنا، مثل طلب تأكيد الآخرين ، توفِّرُ التبريرَ للادّعاءات الإدراكية، يكونُ الأمر كذلك فقط لأنّنا سبق وأن نسبْنا القوة الدليلية في بادئ الأمر إلى التجارب الإدراكية للآخرين. إذا تقرَّرَ أن تُثبِتَ الادّعاءات الإدراكية للآخرين ادّعاءاتنا الإدراكية، ينبغي أن نفترضَ أنّ الآخرين يملكون الأعضاء الحسيّة السليمة والعقل الذي يؤدّي الوظائف بالشكل الصحيح. ولكن كيف يُمكنُ للفرد أن يُبرِّرَ جميعَ هذه الافتراضات عدا عن الوثوق الأساسي الأولي بتجاربنا الحسية؟ يبدو أن لا مفرّ من الإلتزام بمبدأ سُرعة التصديق.
أشارَ سوينبورن بشكلٍ دقيق إلى الإشكالية الثانية التي تتعلّقُ بهذه الحجّة:
يكونُ الاستقراء المنطلق من التجارب الماضية إلى التجارب المستقبلية قابلًا للاعتماد فقط إذا استحضرنا تجاربنا الماضية بشكلٍ صحيح. وما هي الأُسُس التي
(260)نملكها لكي نفترضَ أنّنا نفعلُ ذلك؟ من الواضح أنّها ليست أُسُسًا استقرائية -التبرير الاستقرائي لقابلية الاعتماد على ادّعاءات الذاكرة سوف يكونُ دائريًا بوضوح. ينبغي أن نعتمدَ هنا على المبدأ الذي يُفيدُ أنّ الأشياء هي على النحو الذي تبدو عليه، كمبدأٍ أساسيٍ لا يُبرُّر أبعدَ من ذلك... المبدأ القائل بأنّ الإنسان العقلاني يفترضُ أنّه في غياب الاعتبارات الخاصّة في حالاتٍ مُحدّدة تكونُ الأشياء على النحو الذي تبدو عليه، لا يُمكن أن يُمنَح دائمًا تبريرًا استقرائيًا. وإذا كان من المبرَّر توظيفه حينما تفشلُ التبريرات الأخرى في حالات الذاكرة، فما هي الحجّة الجيِّدة التي يُمكنُ منحها ضدّ توظيفه في أنواعٍ أخرى من الحالات حينما تفشلُ التبريرات الأخرى؟
وعليه، في النهاية، من أجل «تبرير» الإدراك العادي استقرائيًا، ينبغي أن نعتمدَ على قابلية الاعتماد الأولية للذاكرة موثوقية الذاكرة في بادئ النظر. مُحاولة توفير التبرير غير الدائري لادّعاءاتنا المتعلِّقة بالذاكرة هو صعبٌ جدًّا. مُجددًا، يبدو أنّنا بحاجةٍ إلى مبدأ سُرعة التصديق كمبدأ أساسي.
يعتقدُ كثيرٌ من النقّاد أنّ المعتقدات الدينية التي تشكّلتْ عبر المرور بتجارب دينية هي عُرضة للتفسيرات الطبيعية والنفسية والاجتماعية وما إلى ذلك. وعليه، يتمُّ الطعن في التجارب الدينية، وتُلغى إذًا على الأقل قوّتها الدليلية -هذا إن وُجدت أصلًا في البداية.
مع ذلك، يظنّ كثيرون أنّه لغاية الآن لا تُوجد تفسيراتٌ طبيعية عامّة للتجارب الدينية متأصِّلة تجريبيًا ومعقولة نظريًا. مثلًا، تفسير فرويد للدِّين هو مثالٌ بارزٌ عن
(261)التفسير الطبيعي حيث يعتبرُ الإيمان الديني تفكيرًا رغبويًا أنتجتْه آلية الإسقاط. ولكن في يومنا الحالي، تخضعُ فلسفة فرويد بحدّ ذاتها للتشكيك. لقد بُحِثَ تفسيرُ فلسفة فرويد للإيمان الديني بنحوٍ دقيق وتم التوصُّل إلى أنّه ناقص، حتّى من قِبل الملحدين. بل إنّ أحد الباحثين في العلوم المعرفية للدين يقول:
«قد يكونُ من المبالغة أن نقول إنّه من بين عُلماء الاجتماع وعُلماء النفس وعُلماء أنثروبولوجيا الدِّين الحاليّين...تُعتبَر نظريات فرويد وماركس (مجرّد) آثار قديمة بدلًا من كونها فرضيات علمية جديّة، ومن المحتمل أن لا يكونُ ذلك بعيدًا كثيرًا عن الدقّة».
بالفعل، علّقَ ألستون:
«تُثيرُ أبرزُ النظريات في الميدان آلياتٍ سببية تُشكِّلُ بنفسها لغاية الآن مشاكل حول التحديد والقياس غير قابلة للحلّ: العمليات النفسية اللاواعية مثل الكبت، والتحديد، والنكوص، وآليات الدفاع؛ التأثيرات الاجتماعية على الأيديولوجية وتكوين المواقف. ليسَ من المفاجئ أن تستندَ النظرياتُ الشبيهة بنظريات فرويد وماركس ودوركايم إلى خيطٍ رفيعٍ من الدعم الإثباتي وأن تُعمِّم بنحوٍ عديم المسؤولية من الأدلّة التي بوسْعها حشدها. ولا تبدو الاحتمالات وردية لـ(حصول) تحسُّن كبير».
(262)بالطبع، ينبغي أن يُدعَم هذا التأكيد العام بنقاشاتٍ أكثر تفصيلًا. فلنبحث بشكلٍ إضافي بعضَ الاقتراحات الحديثة.
أحدُ الأنواع الشهيرة من التفسير الطبيعي هو التفسير العصبي-الفسيولوجي. يحتجُّ البعض أنّه بما أنّ المخدّرات قد تبعثُ على العرفان، فهذا يمنحُ تفسيرًا اختزاليًا للعرفان. مع ذلك، يؤكِّدُ بعضُ الباحثين أنّ المخدّرات ليستْ كافية لإنتاج التجارب الباطنية الحقيقية. يُشيرُ الدليل التجريبي فقط أنّها قد ترفعُ من احتمال وقوع هذه التجارب وتُعزِّزُ من شدّتها. حتّى لو كانتْ المخدّرات كافيةً سببيًا لإنتاج التجارب الباطنية، لا يتبعُ عن ذلك أن تكون هذه التجارب غير صادِقة. من الممكن أنّ الله قد وضعَ بعض القوانين النفسية-المادية مفادُها أنّه حينما يتمُّ إنتاجُ بعض الحالات الدماغية، يُنتَجُ إدراكٌ مُحددٌ للإله. لا يوجد سببٌ يمنع أن تكون تلك الحالات الدماغية ناجِمة عن تناول المخدّرات. ما زال الله قد أنشأ العملية بتمامها وصانها، يجب إذًا أن يُعدّ هذا التصوُّر عن الله صادقًا. على أيّ حال، حتّى لو كانت التجارب الباطنية المستثارة عبر المخدرات غير صادِقة، لا يتبعُ عن ذلك أن تكون التجارب الدينية المتعدِّدة غير المستثارة عبر المخدّرات غير صادقة. ما يتمُّ إظهاره هو أنّه على المستوى التجريبي يُمكنُ تزييفُ التجربة الباطنية. هذا ليس مُفاجئًا ولا ينطبِقُ بنحوٍ فريدٍ على التجربة الباطنية، حيث يُمكنُ تزييفُ التجارب الحسيّة أيضًا والتسبُّب بوقوعها عبر مُخدّراتٍ من قبيل
(263)ثنائي إيثيل أميد حمض الليسرجيك.
أشارَ عالِمُ الأعصاب مايكل بيرسينغر أنّ تحفيز الدماغ يُمكن أن يولِّد تجارب دينية. اشتُهِر بيرسينغر بفكرته المسمّاة «الخوذة الإلهية». حينما توضع هذه الخوذة على رأس الشخص الخاضع للتجربة فإنّها تُحفِّزُ الفصوص الصدغية في الدماغ عبر مجالاتٍ مغنطيسية مُتقلِّبة. عند ارتداء «الخوذة الإلهية»، عبَّر بعضُ الأفراد عن تجاربهم مُستخدمين الكلمات نفسها التي تُستخدَم لوصف التجارب الروحية والباطنية. ادّعى بيرسينغر أنّ هذه التجارب الدينية هي مُرتبِطة بالاضطرابات الكهربائية المؤقَّتة داخل الفص الصدغي للدماغ البشري، وقد ظهرت في الجنس البشري كوسيلةٍ «للتعامل مع القابلية الموسَّعة لتوقّع الأحداث المكروهة».
عارضَ فريقٌ من الباحثين السويديِّين من جامعة أوبسالا ادّعاءات بِيرسينغر بقوّة. سعى الفريقُ إلى استنساخ اكتشافات بِيرسينغر من خلال استخدام أدواتٍ من مُختبر بِيرسنغر نفسه. قام هذا الفريق بقيادة بير غرانكفيست بتطبيق بروتوكول التعمية المزدوجة لكي لا يكتشف المختبِرين والمختَبَرين ما هو الأمر الخاضع للتجربة ومَن تمّ تشغيلُ الحقول الكهربائية على خوذته. تبيّن لغرانكفيست أنّه لم يكن للحقول الكهربائية أيّ أثرٍ على الإطلاق في هذه الظروف الخاضعة للسيطرة المحكَمَة حيث إنّ الخاضعين للتجربة قد نقلوا الأنواع نفسها من التجارب بغضِّ النظر عمّا إذا كانت الخوذة قيدَ التشغيل أم لا. وفقًا لغرانكفيست، التفسير
(264)الأكثر منطقيةً للتقارير حول الحضور المستشعَر لله كان قابلية التأثُّر بالإيحاءات: استنادًا إلى غرانكفيست، الأفراد الخاضعون للتجربة ممن لديهم قابلية أكثر للتأثُّر بالإيحاءات كان لديهم احتمال أكثر في التعبير عن استشعار وجود الله وغيرها من التجارب الباطنية.
لقيتْ أيضًا النظرية العصبية-الفسيولوجية للعرفان التابعة ليوجين دآكويلي وأندرو نيوبرغ الكثيرَ من الاهتمام. وفقًا للباحثَين، قد تؤدّي الممارساتُ الباطنية من قبيل التأمُّل والطقوس إلى تنشيط الفصّ الجبهي من الدماغ وهذا بدوره يُمكنُ أن يُنشِّط الحُصَين ويؤدّي به إلى أن يمنع وصول الإشارات العصبية إلى أجزاء من الفصوص الجدارية، تحديدًا الفصوص الجدارية الخلفية العلوية. هذا المنع أو «إزالة التدفُّعات الواردة» للإشارات العصبية إلى الفصوص الجدارية الخلفية العلوية هو ما يُنتِجُ تجربة «الكائن المطلق الوحدانيّ» وغيره من أنواع التجارب الباطنية.
النظرية التي قدّمها دآكويلي ونيوبرغ هي مُثيرةٌ للجدل للغاية ولم يتمّ إثباتها بأيّ نحوٍ من الأنحاء في هذه المرحلة. فضلًا على ذلك، اعترفَ دآكويلي ونيوبرغ أنّ «عزو التجربة الروحية إلى السلوك العصبيّ لا يُفنِّدُ واقعيتَها... كلٌّ من التجارب الروحية والتجارب ذات الطبيعة المادية الأكثر عادية تُجعَلُ واقعية أمام الدماغ بالطريقة نفسها -من خلال القوى المعالِجة للدماغ والوظائف الإدراكية
(265)للذهن». النظرية العصبية-الفسيولوجية لوحدها لا تُفنِّدُ التجاربَ الباطنية كما أنّ القوانين النفسية الحاكِمة على التجارب الحسيّة لا تُفنِّدُ تلك التجارب.
يسألُ هؤلاء أيضًا: «لماذا يملكُ الدماغ البشري -الذي تطوّرَ للسبب البراغماتي للغاية المتمثِّل في مُساعدتتنا على البقاء قيد الحياة- هذه المهارة التي تبدو غير عملية؟» يميلُ هؤلاء فعلًا إلى الاعتقاد أنّ بيولوجيا التسامي التابعة لهم هي مُلائِمة للدِّين. لا تُفنِّدُ النظرية العصبية-الفسيولوجية لوحدها التجارب الباطنية، كما أنّ القوانين النفسية الحاكِمة على التجارب الحسيّة لا تُفنِّدُ تلك التجارب.
تُظهِرُ النقاشات الآنفة أنّه بغضِّ النظر عن فضائل التفاسير الطبيعية، ينبغي طرحُ سؤالٍ فلسفيٍ مُسبَق: كيف يكونُ توفُّر التفسير الطبيعي صائبًا؟ إذا استنتجنا من توفُّر التفسير الطبيعي للتجربة الدينية عدم صدقها، يبدو أنّنا قد ارتكبنا مغالطة المنشأ. حتّى الحقيقة التي تُفيدُ أنّ التجربة مع الله تملكُ أسبابًا طبيعيةً قريبة تبدو مُتناغِمة مع أصلها الأعلى في الله. كما يُعبِّرُ واينرايت:
«افترِض أنّه قُدِّم إلينا بيانٌ سببيٌ حول التجربة الدينية يعتقدُ المجتمع العلميّ أنّه كافٍ تمامًا. هل نحنُ مُخوَّلون لكي نستنتجَ أنّ التجارب ليستْ تصوّراتٌ أصيلة عن الله وما إلى ذلك؟ نحنُ مُخوّلون لاستخلاص هذا الاستنتاج...فقط إذا كان لدينا سببٌ جيدٌ للاعتقاد بأنّ الأسباب المحدَّدة في ذلك البيان يُمكن أن تُنتج -حينما تؤخَذ لوحدها، أيْ عند غياب أيّ نشاطٍ إلهي (من بين أمورٍ
(266)أخر)- التجارب موضع السؤال. من دون نقض وجود الله وغيره من الفاعلين الواقعين فوق البحث التجريبي، من غير الواضح تمامًا كيف يُمكن أن نعرف كيف أن هذا كان هو الحال».
في الواقع، يُمكنُ أيضًا تفسيرُ التجارب الحسيّة بشكل سببي كافٍ على ضوء العمليات الدماغية من دون ذكر الأشياء المحسوسة. بما أنّ هذا لوحده لا يجعلُ التجارب الحسيّة غير قابلة للاعتماد ولا يُلغي قوّتها الإثباتية، فمن غير الواضح لماذا قد تُلحق الحقيقة الموازِية الضرر بالتجارب الدينية.
يحتجُّ كثيرٌ من النقّاد على أنّه نظرًا إلى أنّ ادّعاءات التجارب الدينية هي مُتنوِّعة للغاية ويُناقِضُ بعضُها بعضًا، ينبغي أن ننظر إلى جميع هذه الادّعاءات بريبة. بتعبيرٍ آخر، تُظهِرُ هذه التعارضات أنّ العملية المزعومة لتشكيل المعتقدات الدينية هي غير قابلة للاعتماد. حتّى لو منحنا بعضَ القوّة إلى التجارب الدينية، فإنّ التجارب الدينية المختلفة تُلغي قوّةَ بعضها بعضًا في النهاية.
السؤال الأوّل الذي ينبغي حلّه هو: هل إنّ التناقضات الموجودة بين التجارب الدينية تجعلُ مبدأ سُرعة التصديق غيرَ قابلٍ للانطباق عليها؟ هذا السؤال مختلفٌ تمامًا عن السؤال التالي: «إذا منحنا بعضَ القوّة الإثباتية إلى التجارب الدينية، هل تُلغي هكذا تعارضات هذه القوّة؟» تطبيقُ مبدأ سُرعة التصديق على بعض التجارب يقتضي امتلاكَ ثقةٍ مبدئيةٍ بها، وإذا تمّت هزيمتها فإنقاذ قدر المستطاع منها. هذا لا يستلزمُ أن تكون جميعها أو أغلبها قابلة للاعتماد. لا يوجد تناقضٌ
(267)في أن نُصرِّحَ بضرورة أن نملكَ ثقةً مبدئيةً بالتجارب المتناقِضة. دعوني أُبيِّن هذا الأمر عبر «مثال الباقين».
افترِض أنّ محرقةً نووية وقعتْ وأُصيبَ من تبقّى بأضرارٍ سيئة من جرّاء الإشعاعات. وقعتْ الطفرات بحيث إنّه خلال الرؤية تكونُ المحفِّزات القريبة التي تُنتجها الأشياء الخارجية ممزوجة دائمًا بأصواتٍ مُولَّدَة داخليًا. النتيجة هي أنّ الحجم والشكل واللون الظاهري لشيءٍ دانٍ قد تتفاوتُ لدى الأفراد المختلفين، وقد تتفاوتُ أيضًا بين وقتٍ لآخر لدى الفرد نفسه. الصفة التعويضية هي أنّ مستوى الضوضاء لا يتجاوزُ العتبة التي تقضي بشكلٍ كليٍ على قابلية تمييز الأشياء. وعليه، يستطيعُ البشر -ولكن بصعوبة- أن يُدركوا وجودَ شيءٍ مُحدَّد في المحيط. النتيجة هي نوعٌ من «الرؤية» بوسعها أن تُحدّدَ على وجه التقريب وجودَ شيءٍ مُتوسّط الحجم في مكانٍ قريب، ولكنّ سائر الأشياء تكونُ ضبابية وغير ثابتة. لاحِظ أنّ التصوُّرات الخاطئة تكونُ دائمًا مُدمَجة مع التحديدات الصحيحة على وجه التقريب. من الناحية الفينومينولوجية، لا يُمكنُ أن نفصلَ هذين النوعين من التصوّرات: التمييز البحت للشيء مقابل التصوّر التفصيلي أكثر حول اللون والشكل والحجم.
في هذه الحالة، هل يتحتّم أن يمنح اولئك الأشخاص بعضَ القوة الدليلية لتصوّراتهم؟ افترِض أنّهم لم يفعلوا ذلك وقاموا بدلًا من ذلك بتبنّي التشكيك الأولى تجاه «إدراكاتهم». بكلمةٍ أخرى، أصرَّ هؤلاء على ضرورة التعامل مع إدراكاتهم على أنّها «مُذنِبة حتّى تثبت براءتها». هل يُمكنُ أن يثبتوا موثوقية «تصوُّراتهم» بوسيلةٍ أخرى؟ بالكاد! وماذا عن توفُّر الاختبارات؟ قد لا تتوفّر
(268)مُلائمة يُمكن أن نُطبِّق عليها حينئذ -وحينئذ فقط- مَلَكَتنا النقدية بشكلٍ صارم. أولًا، تفكّر بالبديل وهو القاعدة التشكيكية التي يُمكن تعريفها كما يلي:
القاعدة التشكيكية: حينما تتعارضُ التجارب أو الادّعاءات مع بعضها بعضًا، ينبغي أن نرفضها جميعًا.
هل ينبغي أن نتبنّى القاعدة التشكيكية؟ لا أعتقدُ ذلك. خُذ بعين الاعتبار التعارض بين الشهود في المحكمة. سوف يكونُ من الحماقة فعلًا رفضُ جميع رواياتهم فقط بسبب تعارضها! يبدو أنّ الإستراتيجية المنطقية هي مُحاولة التوفيق بين تقاريرهم قدر الإمكان. على سبيل المثال، يُمكنُ تحديدُ جوهرٍ مُشتَرك. خُذ مثالًا آخر: افترِض أنّ ظاهرةً حصلت لوقتٍ قصيرٍ للغاية ونجمَ عنها تقارير متناقِضة: صرّح (أ) أنّه شاهدَ طائرة، و(ب) أنّه شاهد صحنًا فضائيًا، و(ج) أنّه شاهد منطادًا هوائيًا. من المنافي للعقل أن يُشار إلى ضرورة أن نرفض جميع تصريحاتهم وأن نعتبر أن لا شيء قد حصل! من الممكن أنّ أحدهم هو محقٌ فعلًا. على الأقل، ينبغي أن نقبل المضمون المشترك لتجاربهم. رُغم أنّ عبارة «جسم طائر غير معروف»هي غامِضة إلا أنّها ليستْ خالية كليًا من المعلومات. أضِف إلى ذلك، إذا تمّ تبنّي القاعدة التشكيكية فإنّ التاريخ يتعرّضُ أيضًا للخطر. من المعروف جيدًا أنّ الوثائق التاريخية هي عُرضة لتناقضاتٍ هائلة. مع ذلك، لا نستخلصُ من هذه الظاهرة أن يكون التحقيق التاريخي عديم الجدوى كليًا.
(270)وظيفةُ المؤرِّخ هي توظيف جميع هذه المواد بهدف إعادة بناء الماضي من خلال إحداث التناغُم بينها من دون التسبُّب بإجهاد مُفرط في التفسير الكليّ. كثيرٌ من الروايات التاريخية حول حدثٍ تاريخي بالغ الأهمية -على سبيل المثال: الثورة الثقافية الصينية- هي مُتناقِضة. من الصعب أن نُحدّد المسار الدقيق لهذا الحدث أو طبيعته، ولكنّه من البعيد عن الصواب أن نُنكر وقوعَ الثورة الثقافية. جميعُ الأمثلة السابقة تُحسَب ضدّ السياسة التشكيكية وتُظهِرُ أنّ تعارض المعلومات الافتراضية ليس عصيًّا على العلاج.
خُذ الآن بعين الاعتبار اعتراض الادّعاءات المتناقِضة الذي وجّهه مارتن إلى التجربة الدينية. يذكرُ مارتن ما يلي:
«ينصحنا سوينبورن حينما نتفكّر بمعنىً جديد أن نفترضَ أولًا أنّ الأشياء عمومًا هي على ما تبدو عليه... ينبغي التخلّي عن هذا الافتراض الأولي بسرعة في حال التجارب الدينية. كثيرًا ما تكونُ التجارب الدينية مُتناقِضة، وبالتالي لا يُمكن أن تكون الأشياء على ما تبدو عليه».
افترِض أنّ مارتن مُحقٌ حيال درجة التناقضات في التجارب الدينية. هل ينجمُ عن ذلك أن لا تملك جميع التجارب الدينية قوةً إثباتية على الإطلاق ويُمكن أن نصرف النظر عنها ببساطة؟ إذا كانت الاحتجاجات التي قدّمتها صحيحةً لغاية الآن، يكونُ هذا الاستنتاج غير مُبرَّر. قد تُظهِرُ فعلًا التناقضات بين التجارب الدينية عدم الموثوقية النوعية للتجربة الدينية على أعلى مُستوى من الوصف. مع ذلك، يُمكن استخراج جوهر مُشترك مُحدَّد من التجارب الدينية المتنوِّعة في مستوى أدنى من الوصف. فلنسهب الكلام في «مثال الباقين». خُذ بعين
(271)الاعتبار «تصوّراتهم» حول الشمس؛ حينما ينظرون إلى الشمس، فإنّهم يرون جِسمًا في الأعلى ولكنّ أحدهم يراه دائريًا والآخر يراه مُربّعًا وما إلى ذلك. بل الأسوء من ذلك أنّ أحدّهم يرى الشمس مُربعةً يوم الاثنين ولكن دائرية يوم الثلاثاء وسُداسية الزوايا يوم الأربعاء وما إلى ذلك. من الواضح أنّ الشيء لا يُمكن أن يكون دائريًا ومُربّعًا في الوقت نفسه، وبالتالي لا يُمكنُ أن يكون الشيء شبيهًا بالذي يبدو عليه في أغلب الأحيان. ولكن من خلال تطبيق مبدأ سُرعة التصديق، يُمكن أن يتوصّل البشر على الأقلّ إلى الاستنتاج القائل بوجود جسمٍ مُضيء ذي شكلٍ ما في الأعلى. لا حاجة لتبنّي رواية اختزالية حول «الشمس» ترى أنّها لا تعدو كونها نتاجًا لعقول هؤلاء، أي أن نُسقط تجاربهم مع الشمس على أنّها غير قابلة للاعتماد مُطلقًا. كذلك، وبالرغم من التناقضات بين التجارب الدينية، إلا أنّها ما زالتْ تُشيرُ إلى حقيقة وجود عالم آخر في الأعلى أو ما ورائه. بتعبيرٍ آخر، رُغم أنّ التجارب الدينية المأخوذة ككل بالكاد تُشيرُ إلى وجود حقيقةٍ مُحدَّدة خارقة للطبيعة، إلا أنّها تلتحمُ حيث تُشيرُ جميعها إلى شيءٍ ما وراء العالم الطبيعي، أي العالم المتعالي.
يبقى التناقض الأهم وهو يتعلّقُ بطبيعة الواقعية القصوى. هل هي شخصية أم لاشخصية؟ أعتقدُ أنّ «التناقض» ليس شديدًا كما يتمُّ إظهاره عادة. على سبيل المثال، دقّق ديفيس بحذرٍ في المعطيات حول التجارب الدينية المتنوّعة وأشار إلى وجود جوهر مُشترك. إذا أمكنَ دعم هذه المحاولة عبر احتجاجاتٍ تفصيلية وجوهرية، يمكن التأكيد بشكلٍ معقول أنّه بإمكاننا استمداد جوهر مُشترك من التجارب الدينية المتنوّعة يُشيرُ على الأقل إلى الحقيقة التي تُفيدُ أنّ هذا العالم المكاني-
(272)الزمني ليس هو الواقعية القصوى. ثمّة شيء في الحقيقة أكثر مما نستطيعُ رؤيته. التجربة الدينية كنوعٍ فضفاض على الأقل تدعمُ هذا الاستنتاج المتواضِع. السؤال حول إمكانية توظيف الحجّة المبنيّة على التجربة الدينية لدعم ديانات خاصة هو سؤالٌ صعب. لقد قدّمتُ معالجةً أكمل للسؤال في مكانٍ آخر، واحتججتُ على أنّ التجربة الإيمانية ما زالتْ مُسوَّغة بشكلٍ كبيرٍ رُغم تنوُّع التجارب الدينية.
ما زالتْ تشهدُ الحجّة المبنيّة على التجربة الدينية نزاعًا شديدًا. ما آمله فقط هو أن أُبرز القضايا الحاسِمة المحيطة بهذا الجدال وأن أُظهِر وجودَ اعتبارتٍ وازنة لدى الفريقَين. المسار الذي اتّخذه سوينبورن -حيث اعتبرَ التجربة الدينية دليلًا في بادئ النظر على العالَم المتعالي- هو مسارٌ واعد، ولكنّ مُقاربته تعتمدُ بشكلٍ حاسِمٍ على مبدأ سُرعة التصديق، والدفاع الإضافي عن هذا المبدأ سوف يُثيرُ بنحوٍ حتميٍ العديدَ من القضايا الإبستمولوجية العميقة. في النهاية، التقييم الإبستمولوجي للتجربة الدينية ربما سوف يعتمدُ على قُدرة هذه الإبستمولوجيا الجديدة بنحوٍ جذريٍ على مواجهة الاعتراضات.
من الصعب الحصول على حلٍّ سريعٍ هنا لأنّ المشاكل المتعلّقة بالدائرية تحومُ دائمًا في الخَلف. الكيفية التي يحكمُ الفرد من خلالها على المكانة الإبستمولوجية للتجربة الدينية تعتمدُ بشكلٍ حاسمٍ على المبادئ الإبستمولوجية التأسيسية التي يتبنّاها الفرد. بما أنّه لا يوجدُ إجماعٌ حول المبادئ الإبستمولوجية التأسيسية، يتحتّمً على كلّ طرفٍ في هذه الجدلية أن يُدافع عن إبستمولوجيته. ولكن ينبغي
(273)أخذُ المبادئ الإبستمولوجية كمبدأ سُرعة التصديق أو المحافظية الظواهرية بجديّة، ولا يُمكنُ صرفُ النظر عنها ببساطة. وعليه، حتّى لو عجزتْ الحجّة المبنيّة على التجربة الدينية عن نيل التوافق، إلا أنّه ليس من السهل كما يظنّ بعض النقاد أن نثبت أن التجارب الدينية غير موثوقة تمامًا. قد يُمكنُ فعلًا الدفاع عن بعض الأشكال من الحجّة المبنيّة على التجربة الدينية، خصوصًا لاولئك الذين يملكون شخصيًا تجارب دينية نابِضة بالحياة.
(274)
جوشوا غولدينغ
تسعى الحجج التقليدية لعقلانية المعتقد الديني، كالحجج الأنطولوجية والكونية والغائية، إلى أن تُثبت وجودَ الله أو أن تُظهِر أنّ وجودَ الله مُمكنٌ على مبنى دليل الحواس. يُمكن أن تُسمّى هذه الحجج بالحجج المعرفية لأنّها تهدفُ إلى أن تُظهِر إمكانية أن نعرف وجودَ الله إمّا على نحوٍ قطعيٍ أو مُرجَّح. في المقابل، تهدفُ الحجّة المعروفة بـ«رهان باسكال» إلى أن تُظهِر أنّه من العقلاني الاعتقاد بالله بناءً على التفكير بالقيمة المحتملة لامتلاك هذا الإيمان. وعليه، يُمكن أن يُطلَق على حجّة الرهان أنّها حجةٌ براغماتية للإيمان بالله.
سوف نُلخِّصُ «رهان باسكال» فيما يلي. نحن نواجه قرارًا: هل نؤمن بالله أم لا؟ بما أنّنا نتصوّرُ أنّ الله لانهائي بينما العقل البشري هو محدود، فمن المستحيل لنا أن نُقيّم إذا كان الله موجودًا أم لا. حينما نستخدمُ قابلياتنا المعرفية وحدها،
(279)فلا يُمكن أن نتّخذ هذا القرار عقلانيًا. ولكنّ القرار قسري. يجب أن نُقرِّر بطريقةٍ مُحدّدة ما هو الذي نؤمن به. وعليه، يجب أن نؤسِّس قرارَنا على التفكير في الأثر الممكن للإيمان بالله (أو عدم الإيمان به) على خيرنا أو سعادتنا. عند النظرة الأولى، يبدو أنّه لدينا كلّ شي لنربحه ولا شيء لنخسره إذا اخترنا الإيمان بالله، وذلك لأنّه إذا كان الله موجودًا وآمنّا به فسوف نُحرز سعادةً عظيمة في الآخرة، وأمّا إذا لم يكن موجودًا وآمنّا به فلم نخسر الكثير (سوف نذكرُ كيف صقلَ باسكال هذه الخطوة الأخيرة بعد وقتٍ قصير). من ناحيةٍ أخرى، إذا اخترنا عدم الإيمان بالله فلن نُحرز سعادةً عظيمةً في أيّ ظرفٍ من الظروف. يُمثِّلُ الرسم البياني التالي أو «المصفوفة» التي قدّمها هاكينغ خصائصَ إشكالية اتّخاذ القرار:
وفقًا للافتراضات المذكورة في الرسم البياني، يدّعي باسكال أنّ الخيار المنطقي هو الإيمان بالله. باستخدام المصطلحات الحديثة، «يُسيطرُ» خيارُ الإيمان بالله على خيار عدم الإيمان به لأنّ النتيجة هي أفضل إذا كان الله موجودًا وليست النتيجة أسوء إذا لم يكن موجودًا. مع ذلك، أعاد باسكال التفكير بالافتراض
(280)المبدئي -وربما العجول- الذي يُفيدُ أنّ المرء لن يخسرَ شيئًا إذا كان مؤمنًا، وذلك لأنّه إذا اتّضح أنّ الله غير موجود فإنّ المؤمن قد آمن سُدىً وربما خسرَ كثيرًا من المنافع التي كان ليتمتّع بها في الحالة الأخرى. وعليه، صقلَ باسكال الحجّة عبر طرح المفهوم التالي: إذا كان الله موجودًا، فإنّ المكسب في العالم الآخر للمؤمن لن يكونَ عظيمًا فحسب بل لانهائيًا. تمسّك باسكال بالافتراض القائل إنّه لا يملكُ أحدٌ فرصة إحراز المكسب اللانهائي إذا لم يكن الله موجودًا، ولا إذا اختار الفردُ عدم الإيمان. (من الملفت أنّ باسكال لا يدّعي أنّ الكافر سوف يلقى ضررًا كبيرًا إذا كان الله موجودًا، ويدّعي فقط أنّ الكافر سوف يخسرُ المكسب اللانهائي.) تُمثِّلُ المصفوفة التالية النموذج المصقول من إشكالية القرار:
نظرًا إلى هذه الافتراضات، يحتجُّ باسكال مُجددًا أنّه من المنطقيّ أكثر اختيارَ الإيمان بدلًا من الكفر، وذلك لأنّ الخيارَ الذي ينطوي على احتمالٍ ولو ضئيلٍ باكتساب القيمة اللانهائية هو خيارٌ أكثر عقلانية من الخيار الذي ينطوي على احتمالٍ كبيرٍ باكتساب قيمةٍ كبيرة للغاية ولكنّها محدودة. استخدامًا للاصطلاح الحديث، خيارُ الإيمان بالله يحملُ قيمةً مُتوقَّعة أعلى من خيار الكفر. تُحسَب القيمة المتوقَّعة للخيار من خلال:
(281)1. ضرب احتمال كلّ وضعٍ مُمكن بقيمة نتيجة ذلك الخيار؛ و:
2. احتساب مجموع كلّ المنتجات التي حصّلناها، لجميع الأوضاع الممكنة في ذلك الخيار.
الأساسُ المنطقي وراء مبدأ القيمة المتوقَّعة هو أنّه يُوفِّرُ عمليةً معقولة لكي نأخذ بعين الاعتبار كُلًا من الاحتمالات والقيم المحتملة للخيارات المتاحة. وعليه، إذا كان احتمال وجود الله (كما يفترضُ باسكال) هو ½، يُمكن أن تُحسَب القيمة المتوقَّعة للإيمان بالله كما يلي:
½ × المكسب اللانهائي + ½ × بعض النقص المحدود = المكسب اللانهائي.
لاحِظ أنّه يُمكن التوصُّل إلى النتيجة نفسها حتّى ولو كان احتمالُ وجودُ الله أقلّ من ½، ما دام يُفترض أنّه احتمالٌ واقعي أكبر من صفر. إضافة إلى ذلك، على ضوء افتراضات باسكال، تُحسب القيمة المتوقَّعة لعدم الإيمان بالله كما يلي:
½ × المكسب المحدود + ½ × بعض الكسب المحدود = بعض الكسب المحدود.
النتيجة هي أنّ القيمة المتوقَّعة للإيمان بالله هي لانهائية، والقيمة المتوقَّعة للكفر هي محدودة. وعليه، الإيمان بالله هو الخيار المنطقي. في هذه المرحلة، تناول باسكال اعتراضًا أخيرًا. بعد أن ظهرَ أنّه من المنطقي براغماتيًا الإيمانُ بالله، قد يتذمّر الملحد أنّه لا يستطيعُ أن يتمالكَ نفسه عن الإلحاد، والواقع هو أنّه لا يؤمن بالله. وعليه، ماذا يفعلُ الملحد؟ في الإجابة، قدّم باسكال النصيحة التالية: إذا تصرّفَ الفرد وتكلّم مثل المؤمن المتديِّن، فسوف يُصبحُ مؤمنًا مُتديِّنًا عاجلًا أم آجلًا. رغم أنّه قد لا يُمكننا أن نختار الإيمان بمقولةٍ ما، إلا أنّه يُمكنُ أن نختارَ فعلَ بعض الأمور المحدّدة التي يُرجَّحُ أنّها تُحفِّزُ ذلك الإيمان. في الختام، أشار
(282)باسكال إلى أنّ الفرد الذي يتّبعُ هذا المسار سوف يصلُ في النهاية إلى إيمانٍ مُستقيم ومُخلص بالله، حيث يُترَك حساب الرِهان في الوراء بطريقةٍ ما.
هذا الملخَّص حول رهان باسكال يكفي. تمّ توجيه النقد إلى هذه الحجّة منذ صدوره، وذلك على أُسسٍ مُتعدِّدة. رُغم أنّ كثيرًا من الفلاسفة يعتبرون أنّ حجّة الرهان قد فشلت بنحوٍ تعيس، إلا أنّ عددًا من الفلاسفة الآخرين منذ أواخر القرن العشرين قد نهضوا للدفاع عنها. يُمكن أن نُصنِّف الاعتراضات المعيارية ضمن أربع فئات، وسوفَ نقومُ أيضًا بمناقشة الدفاعات والمراجعات المتعلِّقة بحجّة الرهان.
(1) تتّصلُ إحدى مجموعات الاعتراضات بادّعاءات باسكال عند البدء حول الخصائص المعرفية لإشكالية القرار. يدّعي باسكال أنّ قابلياتنا المعرفية غير قادرة على اتّخاذ القرار حول الإيمان بالله. الأساسُ الوحيد الذي يُقدّمه باسكال لهذه الدعوى هو أنّ فكرة الله هي لانهائية بينما العقل البشري هو محدود. لا ينتجُ عن ذلك أن يعجز الفرد معرفيًا عن تقييم وجود الله أو عدمه. في النهاية، نحنُ قادرون على أن نُشكِّلَ تصوُّرًا ما حول الكائن اللانهائي، وإلا لما كُنّا نُجري هذا النقاش الآن. إضافة إلى ذلك، اللانهائية ليست الخاصيّة الوحيدة لمفهومنا حول الله. يعتقدُ باسكال أنّ الله ذكيٌ وقويٌ ومنّان، وأنّه حَكَمٌ أيضًا لأنّه يُكافئ الذين يؤمنون به. يُمكن أن تُستخدَم (وقد استُخدِمت فعلًا) هذه الخصائص المتّصلة بمفهومنا حول الله في الاحتجاجات المعرفية لصالح وجود الله أو ضدّه. على أقلّ تقدير، يحتاجُ باسكال أن يُدافع بشكلٍ أساسيٍ أكثر عن الادّعاء الذي يُفيدُ أنّ الفكر المعرفيّ عاجز عن أن يُقيِّم فيما إذا كان الله موجودًا.
ثمّة اعتراضٌ مُتّصل يتعلّقُ بافتراض باسكال الظاهري بضرورة تعيين «½»
(283)إلى احتمال وجود الله. وظّفَ باسكال هذا الافتراض كقاعدةٍ للتصريح بأنّه يجب البتّ في قرار الإيمان على أُسسٍ براغماتية. إذا حازَ وجودُ الله (أو عدم وجوده) احتمالًا أعلى من ½، فإنّ الانتقال نحو الاعتبارات البراغماتية لن يكونَ مُبرَّرًا. (الفكرة القائلة أنّ باسكال يؤيِّدُ رميَ الفكر المعرفي إلى الرياح واتّخاذ القرار على أُسُسٍ براغماتية فحسب تُعدُّ قراءةً خاطئة لحجة الرهان.) يُمكن أن يُحتجّ أنّه إذا عجزت قابلياتنا المعرفية عن اتّخاذ القرار حول الإيمان بالله أم لا، فإنّ الخيار المنطقي معرفيًا في هذه الظروف هو إما:
أ) ترك احتمال وجود الله من دون تعيين؛ أو:
ب) تبنّي الفرضية الأشدّ شُحًا من الناحية الميتافيزيقية بأنّ الله غير موجود.
يتحتّمُ على أيّ دفاعٍ أو إعادة صياغةٍ لحجّة الرهان أن يُظهِر لماذا هذان الخياران هما خاطئان، أو لماذا تنجحُ الحجّة رغمًا عن هذين الخيارَين.
قد يردُّ المدافعون عن رهان باسكال أنّ الحجّة موجّهة نحو جمهورٍ مُحدّد، أي اولئك الذين يجدون الأدلة المعرفية على وجود الله أو عدمه غير قطعية، أو الذين يجدون أنفسهم في مأزق الاعتقاد بأنّ وجود الله وعدم وجوده يملكان الاحتمال عينه تقريبًا. ولكن حتى لو كان يُمكنُ إنقاذُ حجّة الرهان بهذه الطريقة، ثمّة اعتراضٌ آخر يتّصلُ بدعوى باسكال أنّ الخيار بين الإيمان بالله والكفر هو «قسري». إذا كان القرار هو الإيمان بوجود الله أو الإيمان بعدم وجوده، يبدو أنّ هناك خيارٌ ثالث وهو عدم الاعتقاد بأيٍ من الفرضيتين. فلنفترض أنّ (ج) يرمزُ إلى جُملة ما، فثمّة اختلافٌ معرفيّ حقيقي بين الاعتقاد بعدم (ج) وبين عدم الاعتقاد بـ(ج). المقارنة مُفيدة هنا. يعتقدُ بعضُ الناس بوجود حياة على كواكب
(284)أخرى بينما يعتقدُ آخرون بعدم وجود حياة على الكواكب الأخرى، ولكنّه يبدو ممكنًا إلى حدٍ بعيد أن نُعلِّق الاعتقاد، أي أن لا نعتقد بأيٍ من المقولتين. يُظَنُّ أحيانًا أنّ باسكال يستطيعُ أن يردّ بسهولةٍ من خلال التصريح بأنّ تعليق الإيمان بوجود الله يُساوي الاعتقاد بعدم وجود الله، لأنّ الله لن يُكافئ اللأدريّين أكثر من مُكافئته للملحدين. ولكن، إلى جانب الإشكالية حول الكيفية التي يُمكن لباسكال أن يُبرِّر هذا الادّعاء اللاهوتي، يبقى الاعتراضُ أنّه طالما أنّ تعليق الإيمان هو خيارٌ حقيقي، فإنّه على نحوٍ قابلٍ للاحتجاج أكثر خيارٍ منطقي معرفيًا حتّى ولو تضمّن فُقدان النعيم اللانهائي. وفقًا لفهم باسكال، إذا كان تعليقُ الإيمان احتمالًا حقيقيًا فإنّ الانتقال إلى الاعتبارات البراغماتية مسدود.
ثمّة تنقيح ممكن آخر، وهو إعادة صياغة حجّة الرهان كحجّةٍ دعمًا لإلتزامٍ دينيٍ ما غير الإيمان، كالافتراض لغايةٍ عملية أنّ الله موجود. من الشائع إمكانية أن يكون من المنطقي براغماتيًا أن نفترضَ بأنّ مقولةً ما هي صحيحة، حتّى ولو كان من المنطقي معرفيًا تعليقُ الاعتقاد بتلك المقولة. على سبيل المثال، قد لا يعلم عالِم الطبيعيات إذا كان بالإمكان الحصول على علاجٍ للسرطان. ولكن قد يكون من المنطقيّ براغماتيًا أن نفترضَ لغايةٍ عملية أنّه يُمكنُ الحصولُ على هذا العلاج. قد تنطبق إستراتيجية مُشابِهة في حالة الدِّين. حتّى لو وُجد دليلٌ معرفيّ غير كافٍ على وجود الله، قد يكونُ الحالُ فعلًا هو تحقُّق تبريرٍ براغماتي لافتراض وجود الله لغاياتٍ عملية، لو كان يُمكنُ أنّ يتمّ إظهار أنّ الطريقة الوحيدة أو الطريقة الأفضل لحيازة خيرٍ قيّمٍ للغاية هي من خلال تكوين ذلك الافتراض. تتفادى هذه الإستراتيجية عدّة انتقادات موجّهة إلى حجّة الرهان تُركّز على مُحاولته لتوفير تبريرٍ براغماتي للإيمان. سوف نعودُ لاحقًا إلى هذا الاقتراح الأخير.
(285)(2) ثمّة فئةٍ أخرى من الاعتراضات تنطوي على مخاوف تقنية تتعلّقُ بفكرة القيمة اللانهائية، وخصوصًا فيما يتعلّقُ باستخدام القيمة اللانهائية في الحساب حول القيمة المتوقَّعة. أولًا، بأيّ معنى يُمكنُ للمخلوق المحدود أن يُحرز الخير اللانهائي؟ ينبغي تفسيرُ فكرة الخير اللانهائي والدفاع عنها. إحدى الوسائل الطبيعية التي يُمكنُ من خلالها لباسكال أن يشرعَ في تحقيق ذلك هو عبر توظيف فكرة الله. يُتصوَّر الله على أنّه الموجود الخيِّر بنحوٍ لانهائي، وأما القيمة اللانهائية فينبغي أن نتصوّر أنّها تتألّفُ في نوعٍ من العلاقة مع الله حيث يُشاركُ الفرد أو يشتركُ في خير الله اللانهائي. المسألة المتعلّقة بإمكانية أن نُنجز هذا الأمر بنجاح تقع خارج نطاق بحثنا هنا. ولكن كما سوف نُلاحِظُ لاحقًا، تُقوّي هذه الإستراتيجية حجّة الرهان بطرق أخرى أيضًا.
مع ذلك، حتّى بناءً على فرضية معقولية القيمة اللانهائية، يبدو أنّه يجبُ أن يكون الفردُ حذرًا من توظيف القيمة اللانهائية في الحساب حول القيمة المتوقَّعة. في مسار هذا البحث، يدّعي باسكال أنّ الاحتمال الضئيل بإحراز القيمة اللانهائية دائمًا يتجاوزُ أيَّ فرصةٍ كبيرةٍ باكتساب قيمةٍ محدودة كبيرة. مع ذلك، يبدو أيضًا (بنحوٍ مُنافٍ للعقل) أنّ الخيار الذي يملكُ احتمالًا ضئيلًا بإحراز القيمة اللانهائية يملكُ القيمةَ المتوقَّعة نفسها كالخيار الذي يملكُ احتمالًا كبيرًا بأن يؤدّي إلى القيمة اللانهائية. على سبيل المثال، افترِض أنّه في رهانٍ واحد لديّ فرصة ½ بالفوز بقيمةٍ لانهائية، وفي الرهان الثاني لديّ فرصة 1/20 بالفوز بقيمةٍ لانهائية. يقولُ العقلُ السليم إنّه من المنطقي اختيارَ الرهان الأول على الرِّهان الثاني. ولكن إذا وظّفنا حساب القيمة المتوقَّعة، يتّضحُ أنّ القيمة المتوقَّعة للرهانَين هي لانهائية! لعلّ الدرسَ الذي نستمدّه هو أنّه لا ينبغي للفرد أن يستخدمَ القيمة
(286)اللانهائية في أيّ حسابٍ حول القيمة المتوقَّعة أبدًا.
إحدى الوسائل التي يُمكن أن يُوظّفها مؤيِّدو حجّة الرهان في الإجابة هي الاعترافَ بأنّه في الحالات حيث تكونُ القيمة اللانهائية على المحك، لا ينبغي أن يُطبِّق الفرد حسابَ القيمة المتوقَّعة بشكلٍ مباشر بل يجب أن يتعامل مع تلك القيمة اللانهائية على أنّها ليستْ أسوء من قيمةٍ محدودة عالية بنحوٍ هائل. افترض أنّه وفقًا للرهان (أ) لديّ فرصة ½ بإحراز القيمة اللانهائية، ووفقًا للرهان (ب) لديّ فرصة 1/20 بإحراز القيمة اللانهائية. إذا طبّقتُ القيمة المتوقَّعة بالطريقة المعيارية، سوفَ أُحرِزُ فعلًا النتيجة المخالِفة للحدس المتمثِّلة في أن يكون الخياران منطقيَّين بالتساوي. ولكن إذا تعاملتُ مع القيمة اللانهائية على أنّها ليست أسوء من قيمةٍ عالية للغاية ومحدودة، فإنّ القيمة المتوقَّعة للخيار الأول سوف تكونُ أعلى من القيمة المتوقّعة للخيار الثاني، وذلك لأنّ فرصة ½ لإحراز قيمةٍ محدودة عالية للغاية هي بشكلٍ واضح أعلى من فرصة 1/20 لإحراز تلك القيمة نفسها. من ناحيةٍ أخرى، افترِض أنّه وفقًا للرهان (ج) لديّ فرصة 1/20 لإحراز القيمة اللانهائية، بينما وفقًا للرهان (د) لديّ فرصة ½ للفوز بقيمةٍ محدودة كبيرة، فلنسمّها «ز». يجب أن أتردّد فعلًا في تطبيق القيمة المتوقَّعة بشكلٍ مباشر على هذه الحالة. مع ذلك، أَعلمُ أنّه ثمّة قيمةٌ محدودة عالية بما فيه الكفاية -فلنسمّها «ه»- لكي تكون فرصة 1/20 للفوز بـ«ه» مُفضَّلة على فرصة ½ للفوز بـ«ز». على وجه التحديد، ما دامَ «ه» أكثر بعشر مرات من «ز»، فإنّ القيمة المتوقّعة للرهان (ج) سوف تكونُ أعلى من القيمة المتوقَّعة للرهان (د). ولكنّني أعلمُ أنّ القيمة اللانهائية ليست أسوء (بل هي أفضل بكثير بالفعل!) من «ه». وعليه، يُمكنُ أن أستنتجَ بأمان أنّ (ج) يُشكِّلُ الرهان الأفضل.
ثمّة تنقيح آخر ممكن، وهو استبدال فكرة القيمة اللانهائية بفكرة الخير
(287)الأسمى المحدود ولكن المتفوِّق نوعيًا على أيّ خيرٍ آخر مُنافِس. يكونُ نوعٌ مُحددٌ من الخير مُتفوقًا نوعيًا على نوعٍ آخر من الخير إذا كان أيّ جزءٍ صغير من ذلك الخير الأول أفضل من أي مقدارٍ كبيرٍ من نوع الخير الثاني، وأي زيادة تدريجية في ذلك الخير الأول هي أفضل من أيّ زيادةٍ كبيرة في النوع الثاني من الخير. حينما نُوظِّف مبدأ القيمة المتوقَّعة، يكونُ حتّى الاحتمال الضئيل بإحراز النوع الأول من الخير أعلى من الاحتمال الكبير بإحراز أيّ مقدارٍ من نوعٍ أقلّ من الخير. ولكن بما أنّ ذلك الخير محدود، فإنّ الفرصة الأعلى بإحراز ذلك الخير المتفوّق سوف تكونُ مُفضَّلة على الفرصة الأقل بإحراز ذلك النوع نفسه من الخير. وعليه، تتمثّلُ الإستراتيجية إذًا بالاحتجاج بأنّ نوعَ الخير الذي يُمكنُ أن يُحرزه الفرد عبر امتلاك نوعٍ مُحدّدٍ من العلاقة مع الله هو مُتفوقً نوعيًا على أيّ خيرٍ آخر مُنافس. بما أنّ ذلك الخير يُتصوَّر على أنّه محدود، ينتجُ عن ذلك أنّ أي مسارٍ للعمل يُعتبَر أنّه يحظى بفرصةٍ أكبر لإحراز ذلك الخير هو منطقيٌ أكثر من أيّ مسار عمل يحظى بفرصةٍ أقل لإحراز ذلك الخير نفسه. سوفَ نعودُ إلى هذه الإستراتيجية بعد قليل.
(3) تتّصلُ المجموعة الثالثة من الاعتراضات بافتراضات باسكال حول الرابطة بين امتلاك مُعتقداتٍ دينية مُحدّدة وإحراز مكسب لانهائي (إذا كان قابلًا للاكتساب بأيّ حال). يَفترضُ باسكال من دون احتجاج أنّ الاحتمال الوحيد لإحراز المكسب اللانهائي هو وجود إله (من نوعٍ ما) وإيمان الفرد به. هذا يُثيرُ ما يُحتملُ أنّه الاعتراض الذي نوقِش على أوسع نطاق على حجّة الرهان أي «إشكالية الآلهة الأخرى». يبدو أنّ باسكال يتفادى بنحوٍ لامُبالي عدّة حالاتٍ مُمكنة. لنعدِّد بعضًا منها فقط، لعلّ الله غفور ويُكافئ الجميع بالنعيم اللانهائي في
(288)الآخرة بغضّ النظر عن مُعتقداتهم. في المقابل، لعلّ الله يُكافئ فقط اولئك الذين لايكونُ إيمانهم به مُحفَّزًا من قِبل اعتباراتٍ براغماتية. ثمّة احتمالٌ إضافي، وهو أنّ الله يُكافئ بعضَ المؤمنين فقط، على سبيل المثال المسلمين وليس المسيحيّين. أو لعلّه يُكافئ فقط اولئك الذين يؤدّون فِعلًا اعتباطيًا أو مُنافيًا للعقل كالقفز ثلاث مراتٍ كلّ نهار ثلاثاء. أو ربما يُكافئ الله جميع الملحدين فقط. بالفعل، حاولَ بعضُ نقّاد باسكال أن يُوظِّفوا إستراتيجية حجّة الرهان كحجةٍ لصالح الإلحاد، مُعتبرين إيّاها الخيار الأسلم في هذه الظروف. في الختام، ورُغم أنّ هذا يُقترح بشكلٍ أقلّ شيوعًا، تجاهلَ باسكال إمكانية أن يكون بعض المكسب اللانهائي قابلًا للتحصيل حتى على فرض عدم وجود الإله. عند التفكير بأيٍ من هذه الاحتمالات، يفشلُ رِهانُ باسكال في إرساء نتيجته المتمثِّلة في أنّه من المنطقي براغماتيًا الإيمان (بنوعٍ مُحدد) من الإله.
من الواضح أنّه إذا وُجِدت وسيلةٌ ما لنأخذ بعين الاعتبار الاحتمالات النسبية للفرضيات المتنوّعة التي تتعلّقُ بالطريقة الأكثر معقوليةً و/أو احتمالًا التي يُمكنُ من خلالها أن يُحرز الفرد المكسب الأقصى، فإنّ هذا سوف يُساعدُ حجّةَ باسكال. رغم ذلك، يتفاقمُ الاعتراض الحالي حينما يؤخَذ مع الاعتراض السابق. كما ذكرنا آنفًا، إذا اعتمدَ باسكال على الإستراتيجية المتمثِّلة في محاولة إظهار أنّ القيمة المتوقَّعة للإيمان بالله هي لانهائية، تنشأ مشكلة تُفيدُ أنّ الخيار الذي يملكُ ولو فُرصةً ضئيلة بإحراز القيمة اللانهائية هو لانهائي أيضًا. وعليه، يبدو أنّه طالما يوجدُ ولو احتمالٌ ضئيلٌ بإمكانية أن يكسب الفردُ القيمة اللانهائية من دون الإيمان (بنوعٍ مُحدّد) من الإله، فإنّ حجّة باسكال تفشل.
بطريقةٍ مُماثلة، إذا أمكنَ مواجهة الاعتراض الموصوف سابقًا بأيٍ من
(289)الطريقتين الموصوفتَين آنفًا، تخفُّ حدّةُ الاعتراض الحالي ولو لم يتلاشَ كُليًا. فلنفترض أنّنا لا نتناول المكسب الأقصى المتمثِّل بامتلاك علاقةٍ مُحدّدة مع الله على أنّه لانهائي، بل على أنّه ليسَ أسوء من قيمةٍ محدودة وعالية بشكلٍ هائل. أو فلنفترض أنّنا نتصوّرُ أنّه محدودٌ ولكنّه مُتفوقٌ نوعيًا على جميع الخيرات الأخرى غير الدينية. وفقًا لأيٍّ من هاتين الإستراتيجيتَين، يتّضحُ أنّ الخيار الذي يملكُ احتمالًا أكبر بأن يُنتِج تلك القيمة العليا (ولكن المحدودة) يملكُ قيمةً مُتوقَّعة أعلى من أيّ خيارٍ يملكُ احتمالًا أقلّ بأن يُنتِج تلك القيمة. بهذه الطريقة، تُصبِحُ الاحتمالات النسبية للفرضيات المتنوّعة حول الكيفية التي يُمكنُ للفرد من خلالها أن يكسبَ القيمة العليا سديدة.
مع هذه المعالجة، يُمكنُ أن يردّ المدافعون عن رهان باسكال على «إشكالية الآلهة الأخرى» من خلال الاحتجاج بأنّه من المحتمل أكثر أنّ المكسب الأعلى سوف يُكسَب إذا وُجِدَ (نوعٌ تقليدي) من الإله بدلًا من عدم وجوده. تتمثّلُ الإستراتيجية هنا في إرساء رابطةٍ مفهومية بين المفهوم التوحيدي التقليدي حول الله ومفهوم القيمة العليا. على سبيل المثال، يُمكن أن يُحتجّ أنّ الكائن الخيِّر والقوي بالدرجة العليا هو فقط من يستطيعُ أن يُقدِّم نوعًا من الخير يكونُ إما عاليًا بشكلٍ هائل أو مُتفوّقًا نوعيًا على أيّ خيرٍ آخر مُنافس. في المقابل، يُمكن أن يُحتجّ أنّ المكسب الأقصى يُتصوَّر بأفضل نحوٍ على أنّه علاقة يشتركُ أو يُشاركُ فيها الفرد مع خير الكائن الخيِّر بالدرجة العليا، والذي هو مُنفوقٌ نوعيًا على أيّ كائنٍ آخر مُمكن. إذا كان هذا صحيحًا، فإنّ الإله الذي يُكافئ فقط جميعَ الذين يقفزون ثلاث مرات كلّ نهار ثلاثاء هو ليس الإله الذي يُمكنه أن يُوفِّر النوعَ الأفضل من الخير. على هذا النحو، يُمكن الاحتجاج أنّه من الأكثر معقوليةً أن يُحرز الإنسان القيمةَ العليا إذا وُجد نوعٌ تقليدي من الإله بدلًا من عدم وجوده.
(290)هذا بدوره يُشيرُ أنّه على الأرجح ينجحُ الإنسان في اكتساب القيمة العليا إذا تبنّى الإيمانَ التقليدي وليس اللاأدرية أو الإلحاد.
حتّى لو نجحت هذه الإستراتيجية، تحومُ مشكلتان. أولًا، كيف يعرف الإنسان أيِّ دينٍ إلهي يختار؟ فلتتم صياغةُ السؤال بطريقةٍ مُختلفة: لماذا ينبغي أن يكون الإنسان مسيحيًا وليس يهوديًا أو مُسلمًا (أو العكس)؟ حينما يتوقّف النظر إلى القيمة العليا على أنّها لانهائية، قد يُجيب المدافعون عن رهان باسكال أنّه: 1) يجب أن يختار الإنسان الدِّينَ الذي يبدو على الأرجح صحيحًا على أُسُسٍ أخرى، أو 2) يجب على الأقل أن يختار الإنسان نموذجًا مُحددًا من الإيمان بدلًا من عدم الإيمان. السبب هو أنّه لو وُجِدت طرقٌ معقولة بالتساوي لإحراز القيمة العليا، فإنّه من المنطقي بالتساوي اختيارها جميعًا، ولكن يجب على الإنسان أن يختار واحدةً على الأقل من تلك الطرق عوضًا عن عدم اختيار أيٍ منها.
تلبثُ مشكلةٌ ثانية وهي تتعلقُ بالافتراض الذي يُفيدُ أنّ الإيمان بالله ضروريٌ أو حتّى أنّه يُساهمُ في إحراز الخير الأعلى. افترض أنّه صحيحٌ أنني سوف أُحرزُ الخير الأعلى فقط إذا وُجِد نوعٌ مُحدّد من الإله، ولكن لما ينبغي أن أظن أنّ الإيمان بالله هو ضروري أو يُساهمُ في إحراز ذلك الخير الأعلى؟ إحدى الردود الممكنة هي كالتالي: يتّفقُ أنّ الدِّين الذي يبدو إجمالًا أنّه الأرجح من بين جميع المرشّحين يُدرِّسُ العقيدة التي تُفيدُ أنّ الإيمان ضروري لإحراز القيمة العليا. بالطبع، لا يسري مفعولُ هذا الرد إلا إذا كان يُمكنُ فعلًا إظهار أنّ الدِّين موضعَ السؤال هو مُرجّح الصحّة عن غيره. أمّا الرد الآخر الممكن فهو أنّه إذا كان الخير مُتصوَّرًا في العلاقة مع الله، فلا يُمكنني أن أحظى بتلك العلاقة إلا إذا آمنتُ بالله. مع ذلك، هذا لا يُظهِرُ بنفسه أنّ امتلاكَ الإيمان يُساهمُ بحدّ ذاته في إحراز تلك العلاقة. مرةً أخرى، ثمّة إستراتيجية مُلائمة وهي تتمثّلُ في استبدال محاولة تبرير
(291)الإيمان بالله بمحاولة تبرير الافتراض البراغماتي بأنّ الله موجود، وذلك بهدف السعي وراء علاقةٍ جيّدة مع الله. بالفعل، إذا أمكن أن يُحرز الإنسان القيمة العليا فقط إذا وُجد الله، فمن المنطقي أن يتمّ توجيه الأفعال الشخصية وفقًا للافتراض القائل بوجود الله، بهدف السعي وراء تلك العلاقة. سوف نعودُ إلى هذه الإستراتيجية بعد قليل.
(4) تدّعي المجموعة الرابعة من الاعتراضات أنّ حجّة الرهان تنصحنا بفعل شيءٍ غير أخلاقي أو غير مُناسب دينيًا. فلنفترض أنّ أحدهم تمكّن من أن يُظهر أنّ الإيمان بالله هو «رِهاننا الأفضل». مع ذلك، هل ما زال من المناسب أخلاقيًا الإيمان بشيءٍ عل قاعدة النفع الشخصي؟ هل من المخلص دينيًا أن نفعل ذلك، حتّى مع وجود الله؟ إضافة إلى ذلك، يبدو أنّ نصيحة باسكال الختامية -التي تُفيدُ أنّ الإنسان يُمكن أن يدفع نفسه نحو الإيمان من خلال التصرُّف كمؤمن - تُشكِّلُ نوعًا من غسيل الدماغ.
قد يردّ باسكال كالتالي: من المؤكَّد أنّه لا يوجد شيء خطأ في السعي وراء المصلحة الشخصية طالما أنّ الإنسانَ لا يرتكبُ شيئًا غير أخلاقي خلال العملية. السؤال هو: هل إنّ الإيمان بشيءٍ على قاعدة المصلحة الشخصية يكونُ غير أخلاقي أو غير مُناسب بنحوٍ ما؟ سبقَ وأن احتجّ باسكال أنّه في هذه الحالة المحدّدة: أ) لا يُمكن أن يتّخذ الفكر المعرفيّ القرار حول الإيمان بالله أو عدمه؛ ب) نحن مجبَرون على اتّخاذ قرار. إذا كان باسكال مُحقًا فيما يتعلقُ بهذين الادّعائين، فليس لدينا خيارٌ آخر غير اتّخاذ القرار على أُسسٍ غير معرفية. بما أنّنا مُجبَرون على اتّخاذ القرار على أُسسٍ غير معرفية، فلنفعل ما يصبُّ في مصلحتنا العليا.
تنطبقُ النقطة عينها في الدفاع عن نصيحته الختامية حول تصرُّف الإنسان
(292)كمؤمن. وفقًا لفهم باسكال، فإنّ اعتقادَ الملحِد هو عديمُ الأساس معرفيًا تمامًا كاعتقاد المؤمن، والاثنان يقعان في موقع الاعتقاد كنتيجةٍ لاعتباراتٍ غير معرفية. لعلّ اعتقاد الملحِد هو نتيجة للعادة أو للتربية أو ببساطة للرغبة في تفادي تعقيدات الكنيسة. على نحوٍ قابلٍ للاحتجاج، فإنّ الادّعاء بأنّ «دفع النفس نحو الإيمان» بمقولةٍ ما هو أمر غير أخلاقي يكونُ صالحًا فقط إذا امتلك الإنسان خيار البتّ معرفيًا بالإيمان بتلك المقولة أم لا. سبقَ وأن احتجَّ باسكال أنّه في هذه الحالة، لا يكونُ البتّ المعرفيّ مُمكنًا. أن ندّعي أنّ باسكال مخطئ حيال ذلك يعني العودة إل الانتقادات الأخرى التي ناقشناها آنفًا.
إضافة إلى ذلك، وفيما يتعلّقُ بالقلق حول «المصلحة الشخصية»، يستطيعُ باسكال أن يُعيد بسهولةٍ صياغة الحجّة باعتبارها لجوءًا إلى التفكير بما هو الظرف الأفضل الممكن لكي يُحرزه الإنسان. الفكرة التقليدية حول الآخرة هي ليست مجرد فكرة لذةٍ أو نعيمٍ ذاتي، بل يتمّ تصوُّرها أيضًا كأفضل وضعٍ ممكن موضوعيًا. لا يُمكنُ أن يوجد شيءٌ أفضل من امتلاك أفضل علاقةٍ مُمكنة مع أفضل كائن ممكن (أي الله). السبب الوحيد وراء استخدام باسكال بشكلٍ مُتكرّرٍ لعبارة «السعادة» في حجّة الرهان هو لأنّه يفترضُ أنّ جمهوره مهتمٌ (بفظاظة؟) بمصلحته الذاتية. ولكن فيما يتعلّقُ بالمهتمّين بالسعي وراء أفضل حياةٍ ممكنة، يُمكن أن يحتجّ باسكال أيضًا أنّ التصويب نحوَ النعيم هو أفضل خيار ممكن من وجهة نظرٍ أخلاقية. في الواقع، لقد احتُجَّ أنّه يُمكنُ استخدامُ إستراتيجية باسكال لكي نُظهر أنّه يقعُ على عاتق الإنسان واجب مُساعدة الآخرين لكي يُصبحوا مؤمنين لأنّه من خلال ذلك يُعزِّز الإنسان فرصهم بإحراز ما هو
(293)خيرٌ لهم. بعبارةٍ وجيزة، اللجوء إلى المصلحة الشخصية لا يستثني اللجوء إلى الاعتبارات الأخلاقية أيضًا.
الاعتراضُ بأنّ الإيمان المستنِد براغماتيًا هو غير مُناسب دينيًا لا يُمكنُ طرحه إلا عبر وجهة نظر دينية. من وجهة نظرٍ مسيحية، يُحتجّ أنّه لا يوجد خطأ مُطلقًا في الإيمان بالله كوسيلةٍ للكسب الشخصي، بل على العكس، كثيرًا ما يحثّنا الكتابُ المقدَّس على الإيمان والعبادة لأنّ ذلك هو من مصلحتنا العليا. ينطبقُ الأمر نفسه على اليهودية والإسلام. بالطبع، قد لا يكونُ هذا هو الهدف المثالي أو الوحيد للإيمان بالله، ولكنّه بالطبع مسألة مُشتركة في كثيرٍ من الأديان العالمية. أشارَ باسكال نفسُه في أواخر الاحتجاج أنّه يُمكن النظر إلى حجّة الرهان كحجر عبور نحو شكلٍ أنضج من الإيمان بالله يتمُّ تطويره لاحقًا في حياة المؤمن أو ربما في حالةٍ مُستقبلية بعد الموت.
في المقابل، يُمكن مُراجعة حجّة الرهان كتبريرٍ لشكلٍ مُحدّدٍ من الإلتزام الديني غير الإيمان، كالافترض لسببٍ عملي بأنّ الله موجود. افترض أنّنا سلّمنا أنّ الاعتقادَ بمقولةٍ مشبوهة معرفيًا على أُسسٍ براغماتية هو أمرٌ مُشكِل أخلاقيًا وفكريًا. بالطبع، ليس من الضروري أن يكون من الإشكاليّ أخلاقيًا أو فكريًا افتراضُ تلك المقولة نفسها لأسبابٍ عملية. سوف يكونُ من المنطقيّ براغماتيًا تكوين ذلك الافتراض، إذا كانت القيمة المحتملة لتكوين ذلك الافتراض أعلى من القيمة الاحتمالية لعدم تكوينه. إذا تمّ تصوُّر تلك القيمة كأفضل حالةٍ موضوعية ممكنة يتواجدُ فيها الفرد، يُمكن حتّى أن يكون من الواجب أخلاقيًا تكوينُ ذلك الافتراض.
(294)لقد ناقشنا عدّة اعتراضاتٍ على حجّة الرهان ووجوهًا مُتنوّعة من الردود التي قد يُقدِّمها المدافعون عن حجّة الرهان. تتعلّقُ الانقادات بادّعاءات باسكال أنّ المنطق غير قادرٍ على أن يُقيّم وجودَ الله وأنّ الخيار قسري؛ المخاوف التقنية المتعلِّقة بفكرة القيمة اللانهائية؛ افتراضات باسكال التي تربطُ الإيمانَ (بنوعٍ مُحدّد من) الإله بإحراز القيمة اللانهائية؛ وفي الختام، الهواجس الأخلاقية والفكرية حول التبرير البراغماتي للإيمان. لقد ناقشنا إستراتيجياتٍ مُختلفة للدفاع عن حجّة الرهان ومراجعتها. بالنسبة للعديد من الفلاسفة، حجّة الرهان معيوبة بنحوٍ ميأوسٍ منها.
أنا أرى أنّ أكثر إستراتيجية واعِدة تتمثّلُ في: 1) استبدال فكرة القيمة اللانهائية بالقيمة المحدودة ولكن المتفوِّقة نوعيًا على أيِّ نوعٍ آخر من الخير؛ 2) استبدال مُحاولة تبرير الإيمان بالله بمحاولة التبرير البراغماتي للافتراض، لسببٍ عملي، بأنّ الله موجود. وعليه، يكونُ العبء في أن نُظهِر لماذا يكونُ معقولًا أن نتصوّر أنّ العلاقة مع الله هي مُتفوِّقة نوعيًا على أيّ نوعٍ آخر من الخير، ولماذا يكونُ معقولًا أن نظنّ أنّ إحدى طرق الحياة الإيمانية هي أكثر ترجيحًا من أيّ طريقة حياةٍ غير إيمانية في إنتاج تلك العلاقة الجيدة مع الله. إذا أمكنَ تنفيذُ هذه الوظائف، يُمكن تطبيق إستراتيجية حجّة الرهان بنجاحٍ كتبريرٍ براغماتيٍ للافتراض القائل بوجود الله.
(295)ويليام جاي وُود
الإبستمولوجيا المستَصلَحَة التي طرَحَها ألفين بلانتينغا هي «مُستَصلَحة» بمعنَيَين على الأقل: لم يقم بلانتينغا فقط بتلقُّف الإشارات التلميحية من بعض قادة حركة الإصلاح في رفضه لمشروع اللاهوت الطبيعي، بل أرادَ أيضًا أن يُصلِح بعضَ أبعادِ التفكير التي شكّلتْ بُنية الجدالات حولَ الطابع المنطقيّ للإيمان بالله. يدّعي مُناصرو النظرية الدليلية أنّ قواعد السلوك الفكريّ الجيّد تقتضي أن تكون المعتقدات الدينية مدعومةً بدليل نرى قوّته الإثباتية ونُقدِّرها. وفقًا لهذا الرأي، يقعُ العبء على المؤمنين المتديِّنين كي يُقدِّموا الدليل الذي يُثبت أنّ وجودَ الله هو حقّ، وإن فشلوا في ذلك أن يُثبتوا أنّ وجوده هو عالي الاحتمال. وفقًا لعلماء الإبستمولوجيا المستَصلَحَة، هذا المقتضى بالذات -أن
(297)تنالَ جميعُ المعتقدات تبريرَها عبر الدعم الدليلي أو الاحتجاجي- هي ما ينبغي رفضُه. لكي نُقدِّرَ حجّة بلانتينغا والطريقة التي أرادَ من خلالها إصلاحَ التطبيق الإبستمولوجي، ينبغي أن ننظر بإيجازٍ شديدٍ إلى جدليةٍ تقعُ ضمن الحقل الأعمّ للإبستمولوجيا: الجدلية بين أنصار الداخليانية الإبستمولوجية وأنصار الخارجيانية الإبستمولوجية.
يُعبِّرُ شرط أنصار النظرية الدليلية -الذي ينصُّ على ضرورة أن تنالَ جميعُ المعتقدات المبرَّرة دعمَها من الدليل القَضَوي الذي نعي قوّته- عن نظرةٍ أعمّ في حقل الإبستمولوجيا تُسمّى «الداخليانية». رغم وجود أنواعٍ من الداخليانية، الفكرة الجوهرية هي أنّ التبرير الإبستمولوجي يتسلزمُ أن يحظى الفاعلون -كيفما كان من حيث المبدأ- بإمكانية الوصول إلى أُسُس مُعتقدهم. عادةً ما يحظى الفردُ بإمكانية الوصول إلى الأسس من خلال التأمُّل الداخليّ، أي عبر التوجُّه إلى الباطن إن صحّ التعبير واستجلاء أفكار العقل. لو سألتكَ لماذا تعتقدُ أنّ سُوقَ الأسهم سوف يعودُ إلى حالته الطبيعية بعد الخسائر الأخيرة، فإنّك قد تُفّكر للحظة ومن ثمّ تذكرُ الانخفاض الطفيف في مُعدَّل البطالة، والاندفاع في الطلبيات على السلع المعمِّرة، ووجود توازن تجاري أنفع خلال الربع الأخير في مقابل المنافسين الاقتصاديّين، وما إلى ذلك. أنتَ تُظهِرُ بهذه الطريقة لأيِّ شخصٍ يسألُ عن مُعتقدك أو يتحدّاه أنّ لديك أسبابًا تدعمُ ذلك المعتقد بوضوح. بما أنّ هذا الشرط يتّصلُ بالمعتقدات الدينية، ينبغي أن يكونَ المؤمنون أيضًا قادرين على توجيه النظر نحو أُسُس إيمانهم بالله، وهذا الشرط يُفضي إلى الاحتجاجات على وجود الله وإلى المشروع العام للاهوت الطبيعي.
(298)رُغم ذلك، فإنّ الشرط الذي يقتضي أن تتمتّع جميعُ المعتقدات المنطقية بالدعم المقدَّم من الأسباب والاحتجاجات التي نرى قوّتها ونُقدّرها هو أمرٌ مثيرٌ للجدل للغاية. لأحد الأسباب، يبدو وكأنّما ثمّة العديد من المعتقدات التي نَعتبرُ أنّنا عقلانيين تمامًا في قبولها ولكن نفتقدُ للدعم الاحتجاجي بحقّها. يعتقدُ أغلبُنا بوجود عالَمٍ خارجيٍ وبأنّ هذا الاعتقاد ليسَ وهمًا قد فرضته علينا قوةٌ شيطانية خبيثة. ما هو الدليل الذي يُمكن أن نحشده دعمًا لهذا الاعتقاد ولا يكمنُ أصله في الخداع الشيطاني؟ يعتقدُ أغلبنا أنّ قابلياتنا الحسيّة هي أدلّاء موثوقة تُرشدنا نحو حقائق العالَم الخارجي، رُغم أنّنا نفتقدُ للأسباب غير الدائرية للاعتقاد بهذا. نحنُ نؤمنُ بموثوقية الاستنتاج الاستقرائي واتّساق قوانين الطبيعة رُغم أنّ أغلب الناس لا يُمكنهم أن يستحضروا احتجاجاتٍ دعمًا لهذه المعتقدات (ومن المشكوك به أن تكون قد نجحتْ الجهودُ الفلسفية الرامية لذلك). نحنُ نعتقدُ أنّه إذا كان (أ) = (ب)، و(ب) = (ج)، فإنّ (أ) = (ج)، ولكن لا يبتني اعتقادنا هذا على امتلاكنا لحجّةٍ تدعمه. نحنُ نعتقدُ أنّه من الخطأ أن نُلحِقَ الألم غير اللازم بالآخرين ولكن ليسَ لأنّه قد تحتّمَ علينا أولًا تقديمُ الأدلّة أو جمع المعطيات التجريبية لدعم هذا الاعتقاد. هذه مُعتقداتٌ نعتبرها «أساسية بشكل صحيح»، أي إنّ الاعتقاد بها مُبرَّر عند غياب الأسباب والاحتجاجات التي تؤازرها. باختصار، يبدو أنّه يوجدُ عددٌ كبيرٌ من الاستثناءات على مُقتضى الداخليانية.
تُواجِهُ الداخليانية صعوباتٍ إضافية. أغلبُ الناس -وبالطبع ليس الأطفال- هم غير مؤهلّين لكي يُقدِّموا الأسباب والاحتجاجات على الأمور التي يؤمنون
(299)بها. هذا يعني أنّ أغلب الناس هم غير مُبرَّرين في أغلب ما يؤمنون به. لعلّ بعض الفلاسفة فقط -وهذا موضوعٌ تختلفُ عليه العقول المنطقية- يُمكنهم أن يُلبّوا مطالب الداخليانية بحقّ كلّ ما يؤمنون به. هذا يحتكُّ سلبًا بقناعاتنا المنبثِقة من الإدرك السليم التي تُفيدُ أنّ أغلب الناس هم مُبرّرون في أغلب ما يؤمنون به. إذا كان أغلبُ المؤمنين غير قادرين على استحضار الأدلّة والاحتجاجات لصالح المعتقدات الأولية حول العالَم الطبيعي، كم ستكونُ درجة الصعوبة أشدّ في استحضار هكذا أدلّة حينما نتعاملُ مع الأشياء الخارِقة للطبيعة؟ حتّى أكويناس نفسه، عالِم اللاهوت الطبيعي البارز، كان يعتقدُ أنّ أغلبَ الناس يفتقدون للوقت والتدريب والكفاءة التي تُخوِّلهم تقديمَ الاحتجاجات لصالح وجود الله. بالفعل، علّق أكويناس: «إذا كان الطريق الوحيد المفتوح أمامنا لمعرفة الله هو فقط طريق المنطق، سوف يبقى الجنس البشري في أحلك ظلال الجهل».
دفعتْ المشاكل التي تعتري الداخليانية الإبستمولوجية العديدَ من المفكّرين إلى تبنّي الخارجيانية الإبستمولوجية، وهي نظرةٌ حول التبرير الإبستمولوجي تتخلّى عن شرط الوصول الذي تتّسمُ به الآراء الداخليانية. يعتقدُ أنصارُ النظرية الخارجيانية أنّ تبرير المعتقَد يعتمدُ على نَسَبه السببي، على «الموثوقية» أو «الأداء المناسب» أو «الأداء الفضيل» للقابليات المعرفية المسؤولة سببيًا عن إنتاج مُعتقَدٍ ما. إذا كانت تعملُ قابلياتنا المعرفية بشكلٍ صحيحٍ في بيئةٍ غير خادِعة تتلائمُ معها، فهي تحظى إذًا باحتمالٍ إحصائيٍ عالٍ بأن تَنقلَ إلينا حقائق
(300)مُتّصلة بنطاق مداها. خُذ على سبيل المثال التجارب الإدراكية البسيطة التي قد تستشعرها حيال وجود تُفاحة. حينما تنظرُ إلى التفاحة أو تشمّها أو تستذوقها، فإنّك تُشكِّلُ على نحوٍ فوريٍ وتلقائيٍ وغير استنتاجيٍ الاعتقاد بأنّك تُدركُ أنّها تُفاحة. أنتَ لا تُطبّق استدلالًا كالاستدلال التالي للوصول إلى هذا المعتقد: يَظهرُ أمامي شيء أحمر، ودائري، وصلب، وحلو المذاق، وطيّب الرائحة له صفة التفاح الذي قد تناولته في الماضي. ليس لديّ سببٌ كي أفترضَ أنّ هذا الشيء هو تقليدٌ ذكيٌ للتفاح، أو كي أفترضَ أنّني تناولتُ عقاقير تُثيرُ الهلوسات حول التفاح، أو كي أفترض أنّني ضحية تعيسة لإيحاء نفسي وقعَ بعد إجراءٍ مغنطيسي أو لنوعٍ من التحايُل أو الخداع، وبالتالي أعتقدُ بوجود تفاحة أمامي. لا يُقدِّمُ الإنسان أسبابًا لأغلب المعتقدات الإدراكية، بل يقومُ ببساطةٍ بتشكيل المعتقد ردًّا على النوع المناسب من الحافز التجريبي. افترِض أنّك سألتني أينَ تركتُ مفاتيح سيارتي وأجبتكُ دون تردُّد: «هي موجودة على خزانتي في المنزل». لم يتشكّل هذا الاعتقاد المبنيّ على الذاكرة على أساس قيامي أولًا بجمع الأدلّة والاحتجاجات، بل أثاره ببساطةٍ حافزٌ تجريبي وهو في هذه الحالة سؤالك عن مكان المفاتيح وانطباعي الذاكرتي الحيوي. إذا عملتْ ذاكرتي بشكلٍ صحيحٍ، سوف أكونُ مُبرَّرًا إذًا في اعتقادي المتعلّق بالمفاتيح. لا يشترط أنصارُ النظرية الخارجيانية أن نكون واعين أو مُمتلكين للمعتقدات المبرَّرة حول عمل قابلياتنا بشكلٍ موثوق. كما أنّ أعضائي الداخلية يُمكنُ أن تعمل بشكلٍ سليم فأتمتّع بالصحّة من دون وعيٍ منّي، كذلك يُمكنُ لقابلياتي المعرفية أن تعمل بشكلٍ سليم لكي تُنتج الاعتقاد المبرَّر من دون وعيٍ منّي. المطلوب فقط هو عملها بنحوٍ موثوق وليس امتلاكي للمعتقدات المتعلِّقة بذلك.
وصلنا الآن إلى موقع التعمُّق في الاعتراضات التي وجّهها بلانتينغا على
(301)المقتضى التابع لأنصار النظرية الدليلية والذي يستلزمُ أن يدعم المؤمنون إيمانَهم بالله باحتجاجاتٍ أو أدلّةٍ قَضَوية. إذا كان أنصارُ النظرية الخارجيانية مُحقّين، فإنّ جميعنا نقبلُ بكثيرٍ من مُعتقداتنا من دون أن نكون قد جمعنا أولًا أدلةً قَضَوية داعِمة بحقّها. يكفي في تبريرهم أن تكون هذه المعتقدات قد أُنتِجت من قِبل قوانا المعرفية في بيئاتٍ مُلائمة بطريقةٍ تؤدّي إلى الحقيقة. نحن نعتبرُ أنّ منتجات هذه القابليات هي أساسية، وأنّها مُبرَّرة من دون الدعم الاحتجاجي. ولكن إذا كان يُمكن القبول بالمعتقدات الإدراكية والذاكرية، من بين غيرها، على أنّها أساسية، فلماذا إذًا لا يُمكن أن يُقبَل الاعتقاد بوجود الله بالطريقة نفسها؟ يقعُ في صميم رفض بلانتينغا للنظرية الدليلية دفاعُه عن الفكرة التي تُفيدُ أنّ المعتقدات الإيمانية التي يحملها الفرد -وهي معتقداتٌ من قبيل أنّ الله يواسيني أو أنّ الله قد خلقَ كلّ شيء- هي أساسية في الظروف الصحيحة.
إذا كانت المعتقدات البصرية الأساسية تُنتَج عبر القدرة البصرية الجذرية، وإذا كانت المعتقدات الذاكرية الأساسية تُنتَج عبر القدرة الجذرية على التذكر ، فأيُّ قدرة إذًا تُنتِجُ المعتقدات الإيمانية؟ حينما ادّعى مُصلحون من أمثال جون كالفن أنّ الإيمان بالله لا يتمُّ تبريرُه عبر الاحتجاج، لم يقصدوا أنّ الإيمان قد ظهرَ إلى الوجود من العدم وأنّه لم يتمتّع بظروفٍ تبريرية. اعتقدَ كالفن، وبلانتينغا من بعده، أنّ جُزءًا من مخزوننا الكليّ من القوى المعرفية هو ما أطلقَ عليه كالفن تسمية الحسّ الإلهي، وهو جزءٌ طبيعيٌ من موهبتنا الفكرية التي يتمتّعُ بها جميعُ البشر. حينما يُثار هذا الحسّ الإلهي عبر ظروفٍ مُتنوِّعة في بيئاتٍ مُناسِبة، فهو يقودنا إلى القبول بالمعتقدات الإيمانية بالطريقة الأساسية.
(302)«لقد خلقَنَا الله على نحوٍ أنّنا نملكُ الميلَ أو النزعة لكي نرى يدَه في العالَم من حولنا. بنحوٍ أدق، يكمنُ في داخلنا ميلٌ للاعتقاد بالقضايا على نحو: «خلق الله هذه الزهرة»، أو «خلقَ الله هذا الكون الواسع المعقّد» حينما نتأمّلُ في الزهرة ونُشاهد السماء المرصّعة بالنجوم أو نُفكّر في الفضاءات الشاسعة للكون.»
وعليه، أن يُقال بأنّ الإيمان بالله هو أساسيٌ بشكل صحيح لا يعني أن يُقال إنّه بلا مبنى، وأنّ إنتاجَه مُستقلٌ عن البواعث التجريبية والقوى المعرفية التي تعملُ بمقتضاها هذه البواعث. بالطريقة عينها التي تنشأ المعتقداتُ الحسيّة والذاكرتية من البواعث التجريبية التي تعملُ بمقتضى القالبيات الفكرية، كذلك أيضًا يتمُّ إنتاجُ الإيمان الأساسي بالله. يقولُ بلانتينغا إنّ البواعث التي تؤدّي إلى الوعي بالله تتضمّنُ أيضًا التجارب كـ«الشعور بوجود الله» أو «الخوف، الشعور بالامتنان، البهجة، الحماقة، الغضب، السرور، وما شابه».
لاحِظ أنّه لا يتمُّ هنا توظيف تجربة رؤية السماء المرصَّعة بالنجوم فوقنا كافتراضٍ لإنشاء دليلٍ مبنيّ على النظام (رُغم أنّه يُمكن أن يُستخدَم بهذا النحو وقد استُخدِم كذلك فعلًا). ذلك يعني استنساخ الاستدلال الاستنتاجي لعالِم اللاهوت الطبيعي. عوضًا عن ذلك، يُحالُ إلى التجربة نظرًا إلى قوّتها العاطفية والنفسية بهدف إثارة مُعتَقد أساسيٍ عبر القابلية الفكريّة المتمثِّلة بالحسّ الإلهي والتي غايتها هي تمكيننا من امتلاك مُعتقداتٍ حقيقية عن الله. حتّى إيمانويل كانط الذي أنكرَ قوة العقل في إثبات وجود الله قد اعترفَ بالقوّة النفسية للتجارب من قبيل النظر إلى السماء المرصّعة بالنجوم:
(303)«لكنّ هذه المعرفة [بالطبيعة] تعودُ فتؤثِّر بدورها على علّتها، أعني على الفكرة التي أدّت إليها، وتزيدُ الإيمانَ بصانعٍ أسمى إلى حدِّ جعله قناعةً لا نزاعَ فيها. لذلك، لن يكون الأمر غير مريح فحسب، بل سيكون عبثيًا تمامًا محاولة تقليص سلطة هذه الحجة بأي شكل من الأشكال. فالعقل الذي يُعلى شأنه بلا انقطاع بحججٍ بهذه القوّة، والتي تتزايدُ باستمرارٍ بين يديه، على الرغم من أنها تجريبية، لا يُمكن أن يحطّ من قيمته شكٌ ناشئٌ عن تأمُّلٍ نظري حاذق ومجرد، إنّه لا يجوز أن يُنتَشل من كلّ تردّد سفسطائي، وكأنّه يُنتشل من حلم نوعًا ما، بواسطة نظرةٍ يُلقيها على عجائب الطبيعة وعلى جلال بناء الكون، لكي يرتفعَ من عظمةٍ إلى عظمة إلى أن يصل إلى العظمة الأعلى، من المشروط إلى شرطه، وصولًا إلى الصانع الأخير غير المشروط (لكل الموجودات المشروطة)».
رُغم أنّ كانط يتحدّثُ عن أنّ السماء تُوفِّرُ الدليل، يبدو أيضًا أنّه مُدركٌ لقوّة هذه التجارب في إنتاج مُعتقَد تلقائي وفوري وغير استنتاجي، وهو ما يُسمّيه بلانتينغا اعتقادًا أساسيًا. يبدو أنّ الفيلسوف البراغماتي الأمريكي تشارلز ساندرز بير له رأيٌ شبيهٌ برأي كانط. قارِن هذا الاقتباس التالي مع اقتباس كانط:
«ينظرُ الإنسان إلى الطبيعة ويرى سموّها وجمالَها، فترتفع روحُه تدريجيًا نحو فكرة الله. إنّه لا يرى الألوهية، ولا تُثبِتُ له الطبعية وجودَ ذلك الكائن، ولكنّها تُثيرُ ذهنه وخياله حتّى تُصبِح الفكرة مُتجذِّرة في قلبه».
وعليه، يبدو أنّ كُلاًّ من كانط وبيرس يؤكِّدان على ادّعاء كالفن (وبلانتينغا)
(304)بأنّنا نملكُ ميلًا أصليًا بحيث يأخذ تفكيرنا انعطافةً «باتّجاه الإله» استجابةً للظروف التحفيزية الملائمة عوضًا عن أن يكون استجابةً لحجّةٍ ما.
من المهم أيضًا أن نذكر أنّ التبرير الذي يمنح الشروطَ للمعتقدات الإدراكية والتذكرية والإيمانية هو تبريرٌ في بادئ النظر. يُمكنُ أن يتمّ إبطال قناعتي بأنّ مفاتيح سيارتي هي موجودة على خزانتي في المنزل -وهي قناعة قابلة للتبرير حصلَتْ بطريقةٍ أساسية - إذا اتّصلتْ زوجتي على سبيل المثال بي هاتفيًا وقالتْ إنّها تنظرُ إلى أعلى خزانتي ولاحظت أن المفاتيح غير موجودة عليها. (لعلّه قد يحصلُ أيضًا أن يتمّ إلحاق الهزيمة بالعامل الهازم الذي تسبّبت به زوجتي بحقّ معتقدي المبنيّ على الذاكرة. لعلّ مفاتيحي هي موجودة فعلًا على الخزانة، ولكن لم تلتفت زوجتي إلى أنّها مخفية تحت زوجٍ من الجوارب.) المعتقداتُ الدينية التي تُؤخَذ على أنّها أساسية هي أيضًا قابلة للإبطال، ربما من قِبل حجّةٍ قويةٍ مبنيّة على إشكالية وقوع المعاناة في العالَم. يعترفُ بلانتينغا أيضًا أنّه كما أنّ بصر الإنسان أو ذاكرته قد يتعرّضا للضرر أو للخلل الوظيفي، قد يتعرّض الحسّ الإلهي أيضًا للخلل الوظيفي ربّما كنتيجةٍ للتواجد في بيئةٍ ثقافية تقمعه أو تُخمده.
في ثُلاثيته الجليلة المتمحوِرة حول التسويغ، صقلَ بلانتينغا بيانَه حول الإيمان بالله باعتباره أساسي. وضّح بلانتينغا أنّ المصطلح الرئيسي للتقييم الإبستميّ الإيجابي الذي تملكه المعتقدات الأساسية هو «التسويغ» وليس التبرير. التسويغ هو تلك الصفة التي إن أُضيفتْ بنحو كافٍ إلى اعتقادٍ صحيحٍ فإنّها تجعلُ ذلك الاعتقاد الصحيح مصداقًا للمعرفة. صقلَ بلانتينغا الشروط التي ينبغي أن
(305)يُلبّيها الاعتقاد الأساسي لكي يكونَ مُسوَّغًا. يجب: 1) أن تُنتجه القدرات المعرفية العامِلة بشكلٍ سليم والتي وظيفتها إنتاجُ المعتقدات الصحيحة، وهو ما تفعله بنحوٍ موثوق؛ 2) في بيئة معرفية متجانسة وغير خادعة تناسب القدرات المعرفية للفرد؛ 3) حيث تكون درجة الضمان نتيجة لميل الفرد إلى تصديق القضية المعنية عندما تنتجها ملكات تعمل بشكل صحيح.
من بين أولى الاعتراضات التي يُحتملُ أن يتمّ توجيهها نحو ادّعاء بلانتينغا المتعلِّق بإمكانية تسويغ الإيمان بالله على أنّه أساسيٌ هو عدم وجود إجماع في المجتمع الفلسفيّ حول كون الحسّ الإلهي جُزءًا من قابلياتنا المعرفية الاعتيادية. في الواقع، سوف يأخذُ الملحدون واللاأدريون من دون شكٍ موقفًا أقوى بأن لا وجودَ لهكذا قابلية. كما رأينا، فإن مسألة ما هي القدرات العقلية التي يمتلكها البشر تظل موضوعًا دائمًا للخلاف الفلسفيّ. لا نزاعَ تقريبًا حول قابلياتنا الإدراكية لأنّها تتّصلُ بالأعضاء البارزة في الوجه. ولكن ماذا عن التأمل الداخلي والحدس السابق على التجربة؟ لا تفشلُ هذه القابليات الفكرية المعترَف بها عمومًا في أن يتمّ ربطُها مع الأعضاء الواضحة في الوجه فحسب، بل ليس من الواضح أن تكون متطابقة أو حتّى متّصلة سببيًا بالنشاط الحاصل في منطقةٍ مُحدّدة من الدماغ. كما ذُكر في المقدّمة، ماهية القوى المعرفية التي نملكها ودرجة كونها مؤديّة إلى الحقيقة هو أمرٌ مُتنازَعٌ حوله. تفادى أفلاطون وديكارت
(306)الإدراك الحسيّ كمصدرٍ للمعرفة بينما تبنّى العلماء التجريبيون البريطانيون الرأيَ المعاكِس. كان جون لوك حذِرًا من الشهادة كمصدرٍ للمعرفة يُعوَّلُ عليه، ولكنّ ثوماس ريد اعتقدَ أنّ جميع البشر الطبيعيّين قد وُهِبوا ميلًا إلى سُرعة التصديق يُحرِّكهم نحو قبول الشهادة. اعتقدَ ريد أيضًا أنّنا نمتلكُ حسًّا جماليًا أصليًا نستطيعُ من خلاله تحديدَ الجمال وتقديره، إلا أنّ آخرين رفضوا وجودَ هذه القابلية بشدّة. اعتقدَ أكويناس أنّ البشر يملكون ضميرًا أخلاقيًا إلا أنّ برتراند راسل اعتقدَ خلاف ذلك. وهلمّ جرًّا. أمّا فيما يتعلّقُ ببلانتينغا، فأن يُقال له بأنّ فلاسفة آخرون يُعارضون دعوى امتلاكنا للحسّ الإلهي فهذا يضعه وسط صحبةٍ جيّدة جدًا، ولا يُشكِّلُ بحدّ ذاته اعتراضًا مُقنعًا على آرائه.
الأمر الأكثر إثارةً للقلق من امتلاكنا للحسّ الإلهي هو السؤال المتعلِّق حول شروط عمله بشكلٍ سليم. يقعُ في الموضع المركزي من إبستمولوجيا بلانتينغا الادّعاء بأنّ الاعتقاد الأساسي يكونُ مُسوّغًا إذا -من بين الشروط الأخرى- نشأَ من نشاط قابليةٍ تعملُ بشكلٍ سليم. ولكن ما هي شروط عمل الحسّ الإلهي بنحوٍ سليم؟ لم يُقدِّم بلانتينغا ولا كالفن من قَبله الكثيرَ من التفاصيل. لقد قيل لنا، كما لاحظنا من قبل، أنّ الحسّ الإلهي يقعُ عُرضةً للخلل الوظيفي. ولكن ما هو الذي يجعله ينحرفُ عن المسار الصحيح بالتحديد؟ الجواب القصير، يقولُ بلانتينغا، هو الإرادة المتمرِّدة، القلب الفاسد- بكلمةٍ واحدة: «الذنب». من المرجّح أنّ هذه الإجابة سوفَ تنعمُ بالحظوة فقط عند الأفراد المقتنعين مُسبقًا بالدِّين اليهودي/المسيحي، وهذا لا يتمتّع بكثيرٍ من الفائدة الجدلية. أُخبِرنا أيضًا أنّ العمل السليم للحسّ الإلهي يعتمدُ على تغذيته بشكلٍ مناسب وأنّه، علاوة على ذلك، عُرضة للخل الوظيفي بسبب عيش الإنسان وسْطَ ثقافةٍ تكبتُ تطوَّر
(307)الحسّ الإلهي. حتّى مع هذه المؤهّلات، تبقى حدود الحسّ الإلهي العامِلة بشكلٍ سليم غير واضحة. افترِض على سبيل المثال أنّ أحدهم نظر إلى السماء المرصّعة بالنجوم في الأعلى ووجدَ نفسه مؤمنًا بطريقةٍ فورية وتلقائية وغير استنتاجية أنّ غايا أو براهمان قد خلقَ كلَّ هذا. هل تكونُ هذه المعتقدات نتاجًا للحسّ الإلهي العامِل بشكلٍ سليم؟ من الصعب القول.
اعترفَ بلانتينغا أنّه رغم أنّ نشاط الحسّ الإلهي قد يحثّنا على اعتبار الإيمان بالله بطريقةٍ أساسية، إلا أنّ ذلك يعتمدُ على العديد من العوامل الأخرى: ثقافتنا، الإعداد والرعاية اللَّذين تلقيناهما من الأهل، المجتمعات التي تربّينا فيها، والمساهمات التي قدّمتها الكنائس. يعتمدُ العمل السليم لـلحسّ الإلهي أيضًا على خلوّ العوامل التي تقمعُ عمله السليم كتوجُّه الإرادة بنحوٍ مُخالفٍ لله وللأمور المتعلِّقة به. نظرًا إلى جميع هذه العوامل الأخرى، قد يتساءلُ الإنسان كيف يكونُ هذا الاعتقاد الأساسي بوجود الله فعلًا «أساسيًا». إذا ساهمتْ جميعُ هذه العوامل في إنتاج الاعتقاد بالله الذي يحمله الفرد، ألن يكون دقيقًا نسبُه بدرجةٍ أكبر إلى التعليم والتثاقف بدلًا من العملية الغامضة لحسٍّ إلهيٍ ما؟ هل يبقى اعتقادُ الإنسان بالله أساسيًا إذا كان خاضعًا لهذه التأثيرات وغيرها من التأثيرات، أو هل أنّه -بدلًا من ذلك- اعتقادٌ يتمُّ التوصُّل إليه ليسَ من خلال الاستدلال الاستنتاجي الذي تمَّ التدرُّب عليه جهرًا بل من خلال نوعٍ من الاستدلال التركيبي الضمنيّ الذي يحصلُ على امتداد فترةٍ زمنية؟
أرى هنا أنّ بلانتينغا قد يُقدِّم الجواب عبر الإشارة بأنّ الحسّ الإلهي في هذا الصدد ليسَ مُختلفًا من حيث النوع (ولكن ربما من حيث الدرجة) مع باقي قوانا المعرفية. قوانا المعرفية الإدراكية والذاكرتية هي، كما الحسّ الإلهي، خاضِعة أيضًا
(308)للتمرين والتثاقُف والرعاية. تؤكِّدُ جُملةٌ من الدراسات مثلًا على قوّة التمرين والتوقُّع لتشكيل الرؤية. الذاكرة أيضًا عُرضة للـ«إيحائية الاستجوابية»، كما يحصلُ مثلًا حينما تستجوبُ الشرطة الشهود طارحةً عليهم أسئلةً من قبيل: «وهل كان الرجل الأسود الذي رأيتموه في المتجر طويلًا؟». يُمكن أن تُستثار الذكريات الكاذبة أيضًا، وهو ما تشهدُ عليه «تمرينات الاسترشاد الصوري» الذائعة الصيت التي أُجريَت من عدّة سنوات ونجمتْ عن إقدام البعض على اتّهام والديهم زورًا بتعريضهم للتحرُّش الجنسي وهم صغار. تقديماتُ الذاكرة هي عُرضة للتشكُّل على يد بعض القوى نفسها التي تُشكِّلُ الحسَّ الإلهي، إلا أنّ كثيرًا من إنتاجاتها ليست أقل أساسيةً بسبب ذلك.
ثمّة اعتراض مُتّصل يتناولُ إقرارَ بلانتينغا أنّ التسويغ الذي يمنحه الحسّ الإلهي هو قابلٌ للإبطال. قد يحصلُ هذا بطريقَين. يُمكن أن يُقوَّض إيمان الإنسان بالله إذا امتلك الفرد أسبابًا للاعتقاد بأنّ حِسَّه الإلهي لا يعملُ بشكلٍ سليم في بيئةٍ إبستميّة مُلائمة. يُمكن أيضًا أن يُنقَض إيمان الإنسان بالله عبر حجّةٍ فلسفية كإشكالية وقوع المعاناة في العالَم. في مقابل هذين النوعين من الاعتراضات، يُحاولُ المؤمن تقديمَ عوامل هازِمة للعوامل الهازِمة المحتملة، أي حججًا تُبطِلُ قوّةَ النوعين من الانتقادات. كثيرًا ما تكونُ هذه الاحتجاجات تقنية للغاية وتفصيلية.
قد يعترضُ أحدهم أنّه من خلال توظيف دفاعٍ مُفصَّل ضدّ حجّةٍ من قبيل إشكالية المعاناة، فلا يُعدّ اعتقادي بالله بعد ذلك أساسيًا، بل يعتمدُ الآن على جميع الأسباب التي أطرحها للدفاع عن مُعتقدي ضدّ هذا الاتّهام وغيره من الاتّهامات.
(309)وفقًا لفيليب كوين، هذا بالضبط هو المأزق الذي يُواجهه أغلب المؤمنين البالغين المتمرِّسين في ثقافتنا فهم مُدركون بشكلٍ مُؤلم للغاية لوجود مجموعةٍ كبيرةٍ من العوامل المتحدية للإيمان بالله، من بينها إشكالية الشرّ والانتقادات الماركسية الموجّهة ضدّ الدِّين والاعتراضات المنبعِثة عن بعض أصحاب النظرية التطوُّرية وما إلى ذلك. يشكُّ كوين بتموضع أيٍّ من المؤمنين في موقعٍ مؤاتٍ يُتيحُ لهم إلحاق الهزيمة بجميع الاعتراضات المحشودة ضدّ الإيمان بالله. حتّى ولو كانوا في موقعٍ مؤات، فإنّ جهودهم الدفاعية سوف تُظهِرُ أنّ مكانة إيمانهم بالله قد خضعت للانتقال؛ بدلًا من اعتبارها أساسية تُصبِحُ الآن مُستندة إلى مجموعةٍ من الاحتجاجات والدفاعات التي تُوظَّفُ للذبّ عن الإيمان بالله.
«إنّني أصرّ... أنّ العديد، وربما أغلب، المؤمنين البالغين المتمرّسين فكريًا في ثقافتنا ينبغي -لكي يكون اعتقادهم بالله عقلانيًّا- أن يملكوا دليلًا كليًّا عن الطابع العقلاني للاعتقاد الإيماني الذي يتضمّنُ دفاعاتٍ ضدّ العوامل الهازِمة التي تملكُ دعمًا كبيرًا للغاية».
ولكن هل يُستتبع أنّه إذا قدّمتُ أسبابًا لمجابهة الاعتراضات الموجَّهة ضدّ اعتقادي بالله، أن هذا الاعتقاد ما عادَ أساسيًا بالنسبة إليّ؟ كما يُشيرُ بلانتينغا، فإنّ درْأ الانتقادات الموجَّهة ضدّ إيمان الفرد لا يعني تقديم الأدلّة لدعم الإيمان. قد ينخرطُ الإنسان في مهمة علم الدفاع الديني الهدّام -كما يُسمّى أحيانًا- أي مهمة إلحاق الهزيمة بالاعتراضات الموجَّهة ضدّ قابلية تبرير الاعتقاد الديني، ومع ذلك لا يؤسِّس اعتقادَه الشخصيّ على الاحتجاج.
يُمكن أن يكون قد خطَرَ في عقول القرّاء التساؤل حول ما إذا كانت
(310)إستراتيجية بلانتينغا -المتمثِّلة باعتبار الاعتقاد الإيماني أساسيًا- غير قابلة للتكيُّف مع السياقات الدينية الأخرى. إذا كان المؤمنون مُسوَّغين في اعتبار الإيمان بالله هو النتيجة الأساسية للحسّ الإلهي، فلماذا إذًا هذا ليس هو النموذج الأساسي لتأمين التسويغ الإبستمي المتاح لممارسي الأديان الأخرى؟ وألا يمكن أن تكون هذه الأديان الأخرى غير مُتوافِقة مع الإيمان بالله؟ على سبيل المثال، لماذا لا يُمكن لمشركٍ هندوسي أن يُطوِّر بيانًا حولَ الاعتقاد الدينيّ المسوَّغ الذي يلجأ إلى «الحسّ البراهماني»؟ ما الذي يمنعُ القائل بوحدة الوجود من اعتبار الإيمان بغايا أساسيًا بناءً على التجارب الرفيعة لقوى الطبيعة؟ وجّه مايكل مارتن هذا الاعتراض بالذات إلى موقف بلانتينغا، وقد احتجَّ أنّ نموذج بلانتينغا لتبرير المعتقدات المسيحية قد يبدو أنّه يسمحُ لأيّ اعتقادٍ مُطلقًا أن يُصبح أساسيًا من وجهة نظر جماعةٍ فكريةٍ ما. رُغم أنّه لا يتحتّمُ على أنصار الإبستمولوجيا المستَصلَحَة أن يقبلوا بأنّ المعتقدات الشعوذية هي منطقية، إلا أنّه قد يكون بوسع أتباع مذهب الشعوذة أن يدّعوا أنّه إلى الحدّ الذي تكونُ هذه المعتقدات الشعوذية أساسيةً في مجتمع مذهب الشعوذة فإنّها منطقية، وإضافة إلى ذلك، أن يدّعوا أنّ الفكر المستَصْلَح هو غير منطقي في هذا المجتمع. بالفعل، مُقترح بلانتينغا قد يؤدّي إلى أن تدّعي العديد من المجتمعات المختلفة بشكلٍ مشروع أنّ معتقداتها الأساسية منطقية وأنّ هذه المعتقدات تتعارضُ مع المعتقدات الأساسية للمجتمعات الأخرى (مارتن 1990).
يقتضي ردُّ بلانتينغا أن يقومَ بلانتينغا أولًا بإزالة الغموض عن مُصطلحات مارتن. يهتمُّ بلانتينغا بشكل التقييم الإبستميّ الإيجابي الذي يُسمّيه «التسويغ»
(311)وليس العقلانية. إذا كانت تُمثِّلُ العقلانية مجرّد مسألة العيش ضمن الأضواء الفكرية الشخصية بأفضل طريقةٍ يستطيعها المرء، أو تُمثِّلُ الكينونة ضمن الحقوق الفكرية للفرد في الاعتقاد بما يعتقده، أو تُمثِّلُ مُصطلحًا واهيًا مُماثلًا من التقييم الإبستميّ، فلا جدال إذًا لأنّ بلانتينغا يُوافقُ على إمكانية أن يكون أتباع الشعوذة عقلانيّين بهذه المعاني الواهية. أمّا التسويغ، فهو يُمنَح لتلك المعتقدات التي تنشأ من القابليات العامِلة بشكلٍ سليم، بكلمةٍ أخرى من القابليات المؤدّية إلى الحقيقة والعامِلة في بيئةٍ مُلائِمة، ويُنكرُ بلانتينغا أن يُلبّي أتباع مذهب الشعوذة هذا الشرط. يقولُ بلانتينغا لكي يتمتّع اعتراضُ مارتن بالقوة، ينبغي أن يُصاغ بشكلٍ أقرب إلى التالي:
«إذا كان الادّعاء الذي يُجريه مُناصِر الإبستمولوجيا المستَصلَحَة -أي أنّ الاعتقاد بالله هو أساسيٌ من جهة التسويغ- يملكُ التسويغ، إذًا فيما يتعلّق بأيّ فرضية «ف» (بغضِّ النظر عن مدى غرابتها) التي تقبلها جماعةٌ ما، إذا ادّعى خبراءُ الإبستمولوجيا في تلك الجماعة أنّ «ف» هي أساسية من جهة التسويغ فإنّ ادّعائهم بحدّ ذاته يملكُ التسويغ».
التسويغ، كما رأينا، هو مصطلحٌ أقوى بكثير يتعلّقُ بالتقييم الإبستمي ويقتضي أن تتشكّل المعتقدات التي تحظى به على يد قابليات تؤدّي إلى الحقيقة وتعملُ بنحوٍ سليم في بيئةٍ مُناسِبة. ولكن من الواضح أنّ المعتقدات الشعوذية، وعبّاد آلهة جبل أوليمبوس، والعُبّاد المنتمين إلى جماعة «باب السماء» (التي أقدمَ أفرادُها على ارتكاب الانتحار الجماعي بهدف العبور على متن سفينةٍ فضائية
(312)تقتفي أثر مُذنَّب هيل-بوب) ليستْ أساسية من حيث التسويغ. ولكن ماذا عن الأديان الإيمانية الأخرى؟ ما الذي يمنعها من الادّعاء بأنّ مُعتقداتها الجوهرية هي أساسية ومُسوَّغة؟ يعترفُ بلانتينغا هنا أنّ نموذجه الرامي إلى تأمين التسويغ للإيمان بالله (وغيره من المعتقدات المسيحية) يُمكن أن ينطبقَ على اليهودية والإسلام وبعض الأنواع الإيمانية من الهندوسية وحتّى بعض أنواع الأديان الأمريكية-الهندية.
ولكن كيف يعلمُ بلانتينغا أنّ دينَه مُسوَّغ؟ ما هي الاحتجاجات التي يُقدِّمها لكي يدعمَ الادّعاء بأنّ مُعتقداته الإيمانية قد تشكّلتْ عبر قابلياتٍ مؤدِّية إلى الحقيقة وعامِلة بنحوٍ سليم في بيئةٍ مُناسِبة لتلك القابليات؟ الجوابُ القصير هو: لا احتجاج على الإطلاق. تذكّرْ أنّ البيانات الخارجيانية حول التبرير تُنكِرُ أنّه -كي تكونَ المعتقدات مُسوَّغة- ينبغي أن يكون الفردُ قادرًا على الوصول إلى أُسُس مُعتقداته الشخصية ومُلاحظة كيف تدعمُ صحّة الاعتقاد المقصود. يكفي للتبرير أن تكون المعتقدات بالفعل مُنتَجَة بشكلٍ موثوق وليس أن يكون الفردُ مُدركًا لهذا، بل ولا حتّى أن يكون الفرد قادرًا على تقديم حُجّةٍ بأنّها مُنتَجة على هذا النحو. يعترفُ بلانتينغا بنحوٍ صريحٍ أنّه لم يُظهِر أنّ نموذجه حول المعتقدات الدينية الأساسية هو صحيح، وبالتالي لم يُظهِر أنّ مُعتقداته الإيمانية هي مُسوَّغة. ادّعاؤه مشروط وبالتالي أكثر تواضعًا: إذا كان الاعتقاد الإيماني صحيحًا فإنّ النموذج الذي يتضمّنُ الحسَّ الإلهي (أو شيئًا قريبًا منه بنحوٍ وثيق) هو صحيحٌ والمعتقدات الإيمانية تملكُ التسويغ. إذا كان هذا صحيحًا، يقول بلانتينغا إنّ ذلك يستتبعُ عدم وجود اعتراضات من حيث المبدأ على الإيمان
(313)بالله (الاعتراضات التي تتّهمُ الإيمان بالله بأنّه يفتقرُ إلى كلّ الدعم الإبستمي) مستقلّة عن الاعتراضات في الواقع (الاعتراضات التي تزعمُ أن تُظهر أنّ الإيمان باطل). يقولُ بلانتينغا إنّه إذا أردتَ أن تُظهر أنّ الإيمان بالإله يفتقرُ إلى التسويغ، ينبغي أن تُظهر أنّه باطل، إلا إنّه يعتقدُ أن لم يقم أحدٌ بذلك.
قد يجدُ العديد من القرّاء (خصوصًا المؤمنون بالله) أنّه من غير المرضي أن يُقال لهم بأنّ اعتقادهم بالله هو مُسوّغٌ إذا كان صحيحًا. بالطبع، السؤال الرئيسي الذي يُريدُ المشاركون في هذا الجدال أن تتمّ الإجابة عليه هو هذا بالذات: «هل القضية هي، أم أنّها ليست هي، أنّ الله موجود؟» نموذج تأمين التسويغ للاعتقاد الإيماني الذي يعتمدُ على الحسّ الإلهي لا يُحاولُ أن يُثبت احتجاجيًا أنّ الله موجود. من المستغرب أن بلانتينغا كتب في أحد الهوامش: «لا يُستتبع أن يعجزَ الاعتقادُ الإيماني عن نيل التسويغ من خلال الاحتجاج (انطلاقًا) من مُعتقدات أُخرى؛ ولا يُستتبع أن يكون اللاهوت الطبيعي والاحتجاج الإيماني غير الرسمي بنحوٍ أكبر خاليًا من القيمة في الحياة الفكرية والروحية للمؤمن». ولكن إذا كان عُلماء اللاهوت الطبيعي من أمثال أكويناس صائبين في الادّعاء بأنّ أغلب الناس هم عاجزون عن إنتاج هكذا احتجاجات، فإذا أُريدَ أن يكونوا مُبرّرين أو مُسوَّغين في مُعتقداتهم ينبغي أن يؤمنّوها بطريقةٍ أخرى. بيانُ بلانتينغا عن الاعتقاد الإيماني الأساسي هو أحدُ هذه البدائل.
(314)ليز جاكسون
هل يُمكن أن يكون الإيمان عقلانيًّا؟ يُجيب الملحدون الجدد على هذا السؤال بصوتٍ واحد: كلا. يُصرِّحُ سام هاريس أنّ «الإيمان الدينيّ هو، ببساطة، اعتقادٌ غير مُبرَّر بأمورٍ تحظى بالهمّ الأقصى» (تفخيم الحروف عائدٌ إلى هاريس). يُوافق ريتشارد دوكينز ويقول: «بيتُ القصيد في الإيمان الديني، قوّته ومجدُه الرئيسي، هو أنّه لا يعتمدُ على التبرير العقلاني». أدلى آخرون من أمثال هيتشنز ودينيت بتصريحاتٍ مُماثلة. يبدو أنّ الإجماع في أوساط الملحدين الجدد يُفيدُ أنّ الإيمان لا يُمكن قطّ أن يكون عقلانيًا.
سوف أتناولُ في هذا الفصل عقلانية الإيمان على ضوء هذه الشكوى. يبدو أنّ الادّعاء الرئيسي في الإلحاد الجديد يتمثّلُ في أنّ الإيمان -وخصوصًا الإيمان
(317)بالله- هو غير عقلاني. ولكن ما هو الإيمان؟ لماذا يُعتقد أنّه يجعل أغلب المؤمنين بالإله غير عقلانيين؟ هذه هي الأسئلة التي سوف أستكشفها. سوف أفحصُ في القسم الأول من هذا الفصل ما يقوله الملحدون الجدد عن الإيمان، وسوف أحتجّ أنّه -بناءً على عددٍ من السِّمات المتعلّقة بطبيعة الإيمان- إمّا أنّ الإيمان ليسَ غير عقلاني أو إنّ أغلب المؤمنين بالله لا يملكون الإيمان. أمّا في القسم الثاني من هذا الفصل، فإنّني سوف أقدّمُ بياني الخاص حول طبيعة الإيمان الذي يُمكن أن يُوظَّف في تعزيز الحوار البنّاء بين الملحدين والمؤمنين.
قبل تقديم حجّتي الرئيسية، ينبغي أن أطرح بعضَ الملاحظات الأولية. أولًا: ما هو نوع العقلانية الذي يقصده الملحدون الجدد حينما يدّعون أنّ الإيمان غير عقلاني؟ لقد ميّزَ الفلاسفة بين العديد من أنواع العقلانية، ولكن تُشيرُ لي مؤلّفاتُ الإلحاد الجديد إلى أنّها تعتبرُ الإيمان مُفتقدًا للعقلانية المعرفية. العقلانية المعرفية هي نوع العقلانية الذي يتّصلُ بالاعتقاد المبرَّر والمعرفة. يملكُ الاعتقادُ العقلاني معرفيًا خصائص مُعيّنة كتأسُّسه على الدليل، وتشكُّله على نحوٍ موثوق، وكونه مُرشّحًا للمعرفة، ووقوعه نتيجةً لعملية تحقيقٍ قابلة للاعتماد. الأمثلة النموذجية عن المعتقدات غير العقلانية معرفيًا هي المعتقدات المبنيّة على التمنّي أو التعميمات العجولة أو المعتقدات المتشكِّلة كنتيجةٍ للارتباط العاطفيّ.
سوف أُركِّزُ في هذا الفصل على العقلانية المعرفية، وسوف أحتجّ أنّه -في كثيرٍ من الحالات- الإيمان ليس غير عقلاني معرفيًا. ولكن لاحِظ أنّه حتّى لو
(318)فشِل إيمانُ الإنسان في أن يرتفع إلى مستوى أن يكون عقلانيًا معرفيًا، لن يترتّب على ذلك أن يكون الإيمان غيرَ عقلاني بأيّ معنى من المعاني، وذلك لأنّه حتّى لو كان إيمانُ الإنسان مُختلًا معرفيًا، إلا أنّه رغم ذلك قد يكونُ عقلانيًا عمليًا. تتّصلُ العقلانية العملية، على خلاف العقلانية المعرفية، بأهداف الفاعل وما يقع على المحكّ بالنسبة لذلك الفاعل، وتنطبق بشكلٍ أعمّ على الأفعال وليس على الحالات الذهنية. في هذه الحالة، يتمّ تقييم اتّسام الأفعال الإيمانية بالعقلانية من وجهة نظرٍ عملية. قد يكون عقلانيًّا بالنسبة لي أن أؤدّي فعلًا إيمانيًا مُحددًا لأنّني سوف أكتسبُ الكثير إذا كان صادقًا وأخسر القليل إذا كان باطلًا. يُمكن أن يكون هذا عقلانيًّا حتّى لو كان الاعتقاد بالافتراض المصحوب غيرَ عقلانيّ بسبب نقصٍ في الدليل على سبيل المثال.
عمومًا، قد يكون من العقلانيّ أن نتصرّف إذا كان شيئًا ما صحيحًا، حتى لو لم نمتلك عددًا كبيرًا من الأدلّة على صحّته. على سبيل المثال، افترض أنّك قاضٍ تبتُّ قرارك في المحكمة، والدليل كافٍ كي تُثبت قانونيًا أنّ المشتبه به قد ارتكب الجرم «من دون أيّ شكٍ معقول». ولكن افترض أنّك تملكُ دليلًا آخر على أنّ المشتبه به بريء، ولكنّ طبيعة الدليل شخصية بحيث لا يُمكن توظيف الدليل شرعيًا في المحكمة القانونية. قد لا تكون مبرَّرًا في الاعتقاد بأنّه مُذنب، ولكن لأسبابٍ قانونية يجب أن تتصرّف وكأنّه مُذنب وأن تُصدِر حُكمَ الإدانة. تأمّل
(319)في مثالٍ آخر. افترِض أنّك قد ذهبت إلى بُحيرةٍ مُتجمِّدة مع أطفالك الصغار وأرادوا أن يلعبوا على الجليد. قد تعتقد عقلانيًا أنّ الجليد سميكٌ وأنّه آمنٌ تمامًا ولكنّك رغم ذلك ترفضُ أن تسمحَ لأطفالك باللعب عليه، وتتعاملُ معه وكأنّه سوف ينكسر، ويعودُ ذلك بسبب ما يقعُ على المحكّ: سوف يكونُ مريعًا إن سقطَ أطفالك في الماء.
تمامًا كما أنّ التصرُّف وفقًا لقضيةٍ ما قد يكونُ عقلانيًا حتّى لو لم يكن الاعتقاد به عقلانيًا، فإنّ أداء عملٍ إيمانيٍ ما قد يكونُ عقلانيًا حتّى لو امتلكَ الإنسان قدرًا ضئيلًا من الأدلّة على القضية التي يعملُ بناءً عليها. على سبيل المثال، قد يكونُ الإنسان عقلانيًا في ممارسة دينٍ ما، والمشاركة في الصلاة والشعيرة، والانضمام إلى مجتمعٍ روحاني، حتّى لو كان الإيمانُ غير عقلانيّ معرفيًا. العملُ العقلاني هو مسألة عملية، وقد يكون أحيانًا من العقلاني العمل وكأنّ شيئًا ما هو صحيح حتّى لو أشارَ دليلنا إلى الاتّجاه المعاكِس. إنكارُ هذا الأمر يعني إنكار الأسلوب التقليدي والمعتمَد في التفكير بعملية اتّخاذ القرارات بشكلٍ عقلانيّ، ولكن كثيرًا ما يُغفِل الملحدون الجدد هذه النقطة. الدرس العام هو أنّه حتّى لو كان الإيمان غير عقلاني معرفيًا، قد تبقى الأفعال الإيمانية عقلانية عمليًا.
سوف أنتقلُ الآن إلى العقلانية المعرفيّة للإيمان.
يؤكِّد الملحدون الجدد على أنّ الإيمان غير عقلانيّ معرفيًا. سوف أذكرُ أولًا نقطةَ اتّفاقٍ مع الملحدين الجدد: من المهم أنّ نتفادى المواقف غير المبرَّرة معرفيًا. إذا كان الإيمانُ حقًا غير عقلانيّ معرفيًا، فإنّ الملحدين الجدد هم مُحقّون في الإشارة
(320)إلى هذا الأمر. استخدامُ العقلانية، واتبّاعُ الدليل، وحيازةُ عقلٍ مُنفتح، وامتلاك الشجاعة لمواجهة الحقيقة هي جميعًا قيّمة؛ إنّني أُوافق الملحدين الجدد على هذه النقطة وأشيد برغبتهم في اتبّاع الدليل وتفادي اللاعقلانية.
ولكن حينما يتعلّق الأمر بالعقلانية المعرفيّة للإيمان، فإنّني أنأى عن تفكير الملحدين الجدد. لكي نرى لماذا، سوف أبدأ بتوضيح اعتراض الإلحاد الجديد على الإيمان قدر الإمكان. ما هي شكوى الملحدين الجدد بالضبط؟ يُمكن أن نُلخّصها كما يلي:
المقدمة (1): كلّ من يملكُ الإيمان (أو الكلّ تقريبًا) هو غير عقلاني معرفيًا.
المقدمة (2): جميع المؤمنين بالإله يملكون الإيمان.
النتيجة: جميعُ المؤمنين بالإله (أو أغلبهم) هم غير عقلانيّين معرفيًا.
سوف أحتجُّ في هذا الفصل على أنّه لكلّ تعريفٍ للإيمان يُقدّمه الملحدون الجدد، إمّا أنّ المقدمة (1) هي باطلة أو المقدمة (2) هي باطلة. يُتيحُ لنا هذا المنهج أن نُفكّر في مجموعةٍ ضخمةٍ من التعريفات (المتناقضة احتمالًا) حول الإيمان. ولكن، على كلّ تعريف، لا تترتّب النتيجة. أو هذا هو الذي سأحتجّ لصالحه.
(321)ينسبُ الملحدون الجدد بشكلٍ مُنتظَم الإيمانَ إلى موقفٍ غير مبرَّر معرفيًا أو غير عقلانيّ. نظرًا إلى هذا الأمر، قد يكونُ الحال هو أنهم ينصّون ببساطةٍ على أنّ «الإيمان» هو مجموعة المواقف غير العقلانية معرفيًا (أو مجموعة ثانوية منها). هذا يُوضِّح مُلاحظاتهم المتكرِّرة التي تنسبُ الإيمانَ بشكلٍ مباشر إلى اللاعقلانية. على سبيل المثال، يُصرِّحُ هاريس أنّ الإيمان الديني هو مجرّد اعتقادٍ غير مُبرَّر، اعتقادٌ لا يملكُ تبريرًا عقلانيًّا، وعذرٌ للاستمرار في الاعتقاد حينما تفشل الأسباب. يُصرِّح دوكينز أنّ الإيمان يفتقدُ للتبرير الموضوعي وأنّ «صلب الموضوع في الإيمان الدينيّ» هو أنّه لا يعتمدُ على التبرير العقلانيّ. هذا يُشيرُ إلى التالي حول الإيمان:
(1) الإيمان هو موقف غير مُبرَّر معرفيًا.
نظرًا إلى هذا التعريف، المقدمة (1) تكونُ صحيحةً بنحوٍ واضح. إذا كان الإيمان -وفقًا للتعريف- مجرّد موقفٍ غير عقلانيّ، فإنّ الذين يملكون الإيمان هم غير عقلانيّين.
القلق الأولى هو أنّ النصّ ببساطةٍ على أنّ الإيمان غير عقلانيّ يُقوِّضُ الأهدافَ الأخرى للإلحاد الجديد. يبدو أنّ أحد المشاريع الرئيسية للملحدين الجدد هو مشروعٌ مضادٌ للدفاعيات الدينية: أي منح الأدلة لِمَ المعتقدات الإيمانية هي غير
(322)عقلانية أو باطلة. على سبيل المثال، كرّسَ دوكينز فصلَين في كتابه «وهم الإله» لتقديم الحجج ضدّ وجود الله، أمّا هيتشنز فقد أدرجَ على الأقل ستّة فصول مضادّة للدفاعيات في كتابه «الله ليس عظيمًا». يُمكن لأيٍّ كان أن يعثر على حججٍ مُماثلة من خلال فتح أي كتابٍ تقريبًا حول الإلحاد الجديد والرجوع إلى الفهرس. إذا كان الإيمان من حيث التعريف مجرّدَ موقفٍ غير مُبرَّر، فلماذا إذًا يتمُّ تكريس مقدارٍ كبيرٍ جدًا من الوقت والحيّز للاحتجاج ضدّ الإيمان بالله؟ يبدو أنّ دعوى لاعقلانية الإيمان هي أمرٌ يودُّ الملحدون الجدد أن يحتجّوا لصالحه وليس مجرّد أن ينصّوا عليه.
ثانيًا، من غير الواضح إذا كانت المقدمة (2) صحيحةً بناءً على هذا الفهم للإيمان. إذا كان الإيمان مجرّد موقفٍ غير عقلانيّ، فإنّ المقدمة (2) تُوازي الادّعاء بأنّ (أغلب) المعتقدات الإيمانية هي غير عقلانية. ثمّة عدّة نقاط ينبغي التأكيد عليها هنا. أولًا، يملكُ المشروع الدفاعي المتمثِّل بتبرير المعتقدات الإيمانية تاريخًا غنيًا، حيث احتجّ مؤلّفون من أمثال أكويناس وأنسيلم وأوغسطين لصالح الاعتقاد الإيماني. لم تندثر الفلسفة والدفاعيات المسيحية مع عصر التنوير، بل انبثق تيّارٌ من التحدّيات الجديدة والمتنامية الدقّة في وجه الأُطُر غير الإيمانية. لا يتطرّق
(323)دوكينز إلى أغلبية هذه الاحتجاجات، وعليه فمن البعيد كلّ البعد عن الوضوح -من خلال أيّ شيءٍ يقوله دوكينز- أن تفشلَ جميعُ هذه الاحتجاجات في توفير الأدلّة على الإيمان بالإله أو أن تفتقدَ المعتقدات الإيمانية لـ«التبرير الموضوعي» ببساطة (كمّا يدّعي دوكينز). قد يُشيرُ أحدهم إلى أنّه ليس جميع من يذهبون إلى الكنيسة بانتظامٍ هم مُطّلعون على هذا الدليل. يُحتمل أنّ الشخص العادي الجالس في مقصورة الكنيسة يعرفُ مقدارًا قليلًا جدًا من الاحتجاجات على وجود الله أو ضدّ وجوده. وعليه، قد يعترف الملحدون الجدد أنّ الحالة العادية من الإيمان بالله هي غير مُبرَّرة. يأخذني هذا الاعتراض إلى نقطتي الثانية: احتجّ العديدُ من الفلاسفة البارزون مؤخرًا على أنّه يُمكن تبرير المعتقدات الإيمانية من دون احتجاجٍ صارم، وهذا يُشبه إمكانية تبرير اعتقاد الطفل بالعالَم الخارجيّ من دون احتجاجٍ صارم. يحتجُّ ألفين بلانتينغا أنّه يُمكن للاعتقاد المسيحي أن يكون عقلانيًّا حتّى ولو لم يعتمد على معتقداتٍ أو احتجاجاتٍ أخرى، بينما يحتجُّ ويليام ألستون أنّ التجارب مع الله قد تُبرِّر الاعتقاد الإيماني. مع أنّ هذه الاحتجاجات بالطبع ليست هي الكلمة الأخيرة حول المسألة، ولكن على حدّ علمي، لم يُقدِّم الملحدون الجدد أيَّ نوعٍ من المعالجة الموسَّعة لها.
إضافةً إلى ذلك، يُمكن أن يعلم الإنسان شيئًا ولكنّه لا يعرف كيف يعلمه. خُذ على سبيل المثال ولدًا وأباه. حسب الافتراض، يعلمُ الولد أنّ «هذ الرجل أبي» ولكن إذا سُأل كيف يعرف ذلك فلن يستطيع أن يُقدّم جوابًا مُرضيًا. هذا لا يعني أنّ الولد لا يعلم أنّ هذا الرجل هو أبوه أو أنّه لا يملك دليلًا جيدًا على
(324)ذلك. بالطريقة نفسها، كثيرٌ من الناس العاديّين الجالسين في مقصورات الكنائس قد يعلمون أنّ الله موجود ولكن لا يتمكّنون من أن يشرحوا بطريقةٍ مُرضية كيف يعرفون ذلك. هذا لا يعني أنّ إيمانهم غير عقلانيّ أو أنّهم يفتقدون للمعرفة أو للدليل على وجود الله. الواقع الذي يُفيدُ أنّ العديد من أصحاب الإيمان هم غير مُلتفتين إلى الاحتجاجات الإيمانية لا يستلزم أن يكون إيمانهم غير عقلانيّ. وعليه، لم يتمّ إثبات المقدمة (2) بالنظر إلى النقطة (1).
ثمّة اقتراح ثانٍ يُفيدُ أنّ الإيمان هو موقفٌ يُبرِّر ذاته. تأمّل في الاقتباس التالي: «الإيمان مُبرّر ذاتيًا بشكلٍ كامل: لعلّ الحقيقة التي تُفيدُ أنّ الإنسان يؤمنُ بشيٍ لم يقع بعد («أمور يتمنّاها») أو ليس له دليلٌ عليها («أمور لا تُرى») تُشكِّلُ دليلًا على تحقّقه («تطمينًا»)». الفكرة هنا هي أنّه ثمّة شيءٌ دائريٌ في الإيمان: فهو يُبرِّر أو يُعَقلِن ذاته. هذا يُشيرُ إلى التالي:
(2) الإيمان يُبرِّر ذاته إبستمولوجيًا.
المواقف المبرّرة ذاتيًا هي مُثيرة للاهتمام فلسفيًا، ولكنّها ليست غير عقلانية معرفيًا بنحوٍ تلقائيٍ. تُبيّن بعضُ الأمثلة هذه النقطة. تحدّث ويليام جيمز عن مُتسلِّق الجبال الذي يقف عند ممرٍ جبليٍ مُغطّىً بالثلج. افترِض أنّه لكي يبقى حيًا، يجب أن يقفز هذا المتسلِّق فوق فجوةٍ عميقة، ولكن ليس من الواضح إذا كان بمقدوره أن يُنجز هذه القفزة حتمًا. ولكن يعلمُ المتسلِّق أنّه إذا ازدادتْ ثقته بإتمام القفزة بنجاح، فإنّه سوف يكتسبُ المزيدَ من النشاط والحماس، وهذا
(325)يجعلُ من الأكثر ترجيحًا أن يقفز مسافةً أبعد ويهبط بنجاحٍ على الجانب الآخر. اعتقادُ المتسلِّق بـ«أنّني سوف أقفز بشكلٍ ناجح» يُرجّح أكثر أن يكون الاعتقاد صحيحًا. أو خُذ على سبيل المثال شخصًا على وشك أن يُلقي خطابًا: حينما يطمئن أكثر أنّه مُتحدّث ماهر، فإنّه سوف يكتسب الثقة والاتّزان وهذا يُرجّح أن يُلقي خطابًا رائعًا. كذلك، فإنّني لو اعتقدتُ أنّني سوف أبقى حيًا بعد عمليةٍ خطيرة فإنّ ذلك سوف يُرجّح أن أبقى حيًا، وإذا اعتقدتُ أنّني ألعب كرة السلة بشكلٍ جيّد فإنّ ذلك سوف يغرس الثقة التي تُرجّح أن ألعب بشكلٍ جيّد.
الحقيقة التي تُفيدُ أنّ هذه المعتقدات تُوفِّر أدلةً على ذواتها هو أمرٌ غريبٌ بشكلٍ مُعترف به. ولكن ليس من الواضح أن تكون هذه المعتقدات -فقط بناءً على كونها مُبرِّرة لذاتها- معيوبة معرفيًا. في الواقع، تكوين الاعتقاد يُرجِّح أن يكون الاعتقادُ صحيحًا. المواقف التي تُبرِّر ذاتها هي كذلك فقط: مُبرَّرة! من البعيد كلّ البعد أن تجعل النقطةُ (2) المقدمةَ (1) صحيحة -في الواقع يبدو أنّ النقطة (2) هي على خلافٍ مع المقدمة (1) التي تُصرّح أنّ الإيمان غير مُبرَّر.
كذلك، ليس من الواضح كيف تكون المقدمة (2) -التي تنصّ على أنّ جميع المؤمنين بالله يملكون الإيمان- صحيحة نظرًا إلى بيان النقطة (2) لـ«الإيمان»، خصوصًا إذا كنّا نتحدّث عن الإيمان بالله. لا أرى كيف يُبرّر إيمان الإنسان بوجود الله نفسه لأنّ هذا لن يجعل وجودَ الله أكثر ترجيحًا. ولكن كما سوف أحتجُّ في القسم الرابع، قد تصفُ النقطة (2) أنواعًا مُحدّدة من الإيمان.
يربطُ الملحدون الجدد في بعض المواضع الإيمانَ بالتحقيق غير الكافي أو غير المسؤول (أي جمع الأدلّة). عبّر دِنيت عن هذا القلق كالتالي: «هذا هو الإرشاد الوحيد الذي سوف أُصدره قطعًا ومن دون تحفُّظ: ابحث أكثر. ثمّة بديل...
فقط تقبّله بثقةٍ عمياء»[1]. يبدو أنّ فكرة دِنيت تُفيدُ أنّ إجراء البحث وجمع الأدلّة يتناقضان مع الإيمان. بطريقةٍ مُماثلة، يذكرُ هيتشنز أنّ الإيمان «يخنق التحقيق الحرّ»[2] بينما يقول هاريس إنّ أكبر شيءٍ يقفُ في وجه التفكير النقديّ والنزاهة الفكرية هو الإيمان[3]. تشيرُ هذه الملاحظات إلى التالي:
(3) إذا امتلكَ أحدهم الإيمان، فإنّ هذا الشخص لا يُحقّق في إلتزاماته الإيمانية.
ما إذا كان (3) يفسر سبب كون الإيمان غير عقلاني -ممّا يجعل المقدمة (1) صحيحة- تعتمدُ على أمرين. أولًا، تذكّر أنّنا مُهتمّين بالعقلانية المعرفية. ثمّة خلاف بين الفلاسفة فيما إذا كانت واجباتُ التحقيق معرفية. أشارَ بعضُ الفلاسفة إلى أنّ السؤالين حول ما إذا كان يجب أن نجمع الأدلة وما هو مقدار الجمع يعتمدان على اعتباراتٍ عملية وليس معرفية. يُمكن أن يُفسِّر هذا لِمَ يبدو أنّه ينبغي أن نقضي وقتًا في جمع الأدلّة حول الأمور المهمة وليس مجرد حفظ أرقام دفتر الهاتف غيبيًا، رغم أنّ حفظها سوف يمنحنا كثيرًا من المعرفة. المعرفة عديمة الفائدة ليست مهمة إلى ذلك الحدّ. يستنتجُ البعض من هذا الأمر أنّ التحقيق هو مسألة عملية وليس معرفية. ولكنّ هذا مثير للجدل، ولهذا السبب فلنفترِض لصالح الاحتجاج وجودَ تكاليف معرفية مُتعلّقة بالتحقيق وأنّ الفشل في تنفيذها قد يجعل الموقف غير عقلاني معرفيًا.
(327)هذا يُثيرُ سؤالًا ثانيًا يتّصل بكون المقدمة (1) صحيحةً أم لا: إذا كانت لدينا تكاليف معرفية تدفعنا نحو التحقيق، فما هي هذه التكاليف؟ بالتأكيد لا يجب أن نُحقّق في جميع مواقفنا لكي تكون مُبرَّرة. بعض البيانات من أمثال 1+1=2، أو «تعذيب الرضّع من أجل المتعة هو خطأ» هي بديهية، وبالتالي لا ضرورة للتحقيق لكي نعتقد بها أو نعرفها عقلانيا. إضافة إلى ذلك، لا ينبغي أن يكون البيان بديهيًا ليندرجَ ضمن هذه الفئة. إذا ذكرت والدتي بشكلٍ عابرٍ أنّها تناولت البيضَ على الفطور، فلا يتحتّم عليّ أن أستجوب أبي أو أن أتفقّد حاوية القمامة بحثًا عن قشور البيض لكي أكون مُبرّرًا في تصديقها. بالتالي، فإنّ عدم التحقيق بمسألةٍ ما لا يجعلُ مواقف الإنسان غير عقلانية بشكلٍ تلقائي.
وعليه، ثمّة أسباب للقلق بأنّ النقطة (3) لا تجعلُ الإيمان غير عقلانيّ. ولكن ماذا عن المقدمة (2)؟ هل إنّ أغلب المؤمنين بالإله يملكون الإيمان إذا كانت النقطة (3) تصفُ بشكلٍ دقيقٍ ما يعنيه أن يملك الإنسان الإيمان؟ إذا فهما «التحقيق»بأنّه مجرّد جمعٍ للأدلّة، فإنّ الجميع تقريبًا ممّن يؤمنون بالله يُحقِّقون، وهم يبحثون عن نوعٍ ما من الأدلّة على أنّ مُعتقداتهم الإيمانية هي صحيحة حتّى لو كانت تلك الأدلّة، مثلًا، مجرّد أدلة مبنيّة على الشهادة. قد يتمثّل نموذجٌ أكثر معقوليةً من الشكوى في أنّ المؤمنين لا يُحقِّقون بما فيه الكفاية في إيمانهم. هذا يُشيرُ إلى إحداث تعديلٍ في النقطة (3):
3*) إذا امتلكَ أحدهم الإيمان، فإنّ هذا الشخص لا يُحقّق بشكلٍ كافٍ في إلتزاماته الإيمانية.
ولكن لعلّ أكبر مشكلة مع النقطة (3*) هي أنّها لا تُحدِّد ما هو المطلوب للتحقيق الكافي. سوف يكونُ من الصعب وضع السقف للتحقيق الكافي في
(328)موضعٍ يتّضح فيه أنّ كلًّا من المقدمة (1) والمقدمة (2) هما صحيحتان. لا يُمكن رفع السقف بشكلٍ عالٍ جدًا لأنّ تكاليفنا الداعية إلى التحقيق هي محدودة؛ وكما ناقشنا سابقًا، يبدو أنّ هناك العديد من القضايا التي يُمكن أن نعتقد بها عقلانيًّا -وحتّى أن نعرفها- مع تحقيقٍ قليل أو من دون أيِّ تحقيق مُطلقًا. حتّى فيما يتعلّق بالقضايا المهمة بشكلٍ كاف، فمن غير الواقعي نفسيًا وعمليًا استلزامُ الكثير من التحقيق لإحراز العقلانية. كذلك، يُحتمل أن يعني السقف المرتفع للغاية أنّ أغلب مواقفنا (وليس فقط تلك المواقف المتعلّقة بالله) هي غير عقلانية، وهذا مخالف للحدس. كلّما كان السقف أعلى، تدنّى احتمالُ أن تكون المقدمة (1) صحيحة.
لهذا السبب، قد يُحاول الفرد أن يخفض المعايير وأن يقول إنّنا بحاجةٍ إلى بعض التحقيق -ولكن ليس الكثير منه- لكي تكون المواقف الناتجة عقلانية. ولكن مع خفض المعايير، فإنّ عددًا أكبر من المؤمنين بالله سوف يلبّونها. كما ذكرنا آنفًا، فإنّ أغلب المؤمنين بالله ينخرطون في نوعٍ مُعيَّن من جمع الأدلّة وفحصها. وعليه، فإنّ التحدّي الذي يُواجه الملحدين الجدد هو وضع سقف التحقيق في مكانٍ مُحدّد حيث لا يكون مُتطلّبًا بشكلٍ غير معقول ولكن في الوقت نفسه أن لا يستوفيه أغلب المؤمنين بالله. لم يُعالَج هذا التحدّي لغاية الآن، وأنا أُشكّك إن كان فعلًا يُمكن أن يُعالَج.
أحد أكثر الأمور شيوعًا الذي يقوله الملحدون الجدد عن الإيمان هو أنّه غير مبنيّ على الدليل. يُعلّق هاريس أنّ الإيمان هو «فعلٌ معرفي يملكُ مُستوىً
(329)مُنخفضًا من الدليل». أمّا دوكينز، فهو يذكرُ أنّه لو امتلكنا الإيمان بشيءٍ ما فإنّنا لن نُغيِّر رأينا مهما حصلنا عليه من الأدلة؛ الإيمان هو ببساطة «اعتقاد دون دليل». يؤكّد دوكينز في موضعٍ آخر على هذه النقطة قائلًا: «ولكن، بعد كلّ شيء، ما هو الإيمان؟ إنّه حالة ذهنية تقودُ الناس إلى الاعتقاد بشيءٍ ما...في غيابٍ تام للأدلة الداعِمة». أمّا هيتشنز فيُلاحظ أنّ «قفزة الإيمان» هي خدعة لأنّه يُتوقّع منّا أن ننجزها رغم «الأدلة المتنامِية على العكس». تُشيرُ هذه الملاحظات إلى التالي:
نظرًا إلى النقطة (4)، هل الإيمان غير عقلاني؟ يكونُ الإيمان غير عقلاني إذا كانت النزعة الدليلية صحيحة. النزعة الدليلية هي الرؤية التي تُفيدُ أنّه لكي يكون الموقف عقلانيًّا، يجب أن يبتني على الدليل. ناقشَ الفلاسفة مسألة النزعة الدليلية، ولكنّها أطروحة معقولة بنحوٍ كاف (على الأقلّ بناءً على بيان واسعٍ بشكلٍ وافٍ للدليل) والتي سوف أفترضها لصالح الاحتجاج.
ولكن ماذا عن المقدمة (2)؟ هل يبني أغلب المؤمنين بالله إيمانَهم على الدليل؟ أغلبهم على الأقلّ يبنون مُعتقداتهم على الشهادة أو التجربة. يعتمدُ المؤمنون على دليل الشهادة التاريخية (مثلًا: مؤلّفو كتبهم المقدّسة) وشهادة عوائلهم
(330)وقادتهم الروحيّين أو آخرين في مُجتمعاتهم. يعتمدُ المؤمنون أيضًا على تجاربهم، سواء كانت تجارب مُتّصلة بالله من خلال الطبيعة أو في الدعاء أو في الطقوس الدينية/التقاليد/المراسم وما إلى ذلك. يبدو أنّ أغلب الإيمان بالله مبني على نوعٍ ما من الدليل.
يُحتمل أن يُجيب الملحد الجديد أنّ هذا لا يُضفي الطابع العقلانيّ على الإيمان بالله. لماذا؟ قد يتمثّل المقترح الأولي في أنّ الشهادة والتجربة لا يُعدّان دليلًا على الإطلاق. ولكن اتّباعَ هذا المسار يجعلُ أغلبَ مُعتقداتنا اليومية غير عقلانية (عند التأمُّل، نحن نؤمن بعددٍ كبيرٍ من الأمور بناءً على الشهادة). يبدو أنّ هذا يستبعدُ الأشياء التي يُريدُ الملحدون الجدد أن يحسبوها أدلة -على سبيل المثال، الاعتقاد بادّعاءٍ علميٍ ما بناءً على شهادة عالم موثوق. قد يرغبُ الملحدون الجدد أيضًا أن يسمحوا للإنسان أن يكفر بالله انطلاقًا من تجاربه المتعلّقة بالشرّ في هذا العالَم. وعليه، لا أعتقدُ أنّهم يُريدون أن يستبعدوا الشهادة والتجربة تمامًا.
من ناحيةٍ أخرى، قد يرغبُ الملحدون الجدد في أن يقولوا إنّ الشهادة والتجربة يُمكن أن يُبرّران، ولكن ليس دائمًا. بعدها، قد يُميِّز الملحدون الجدد بين الأنواع المختلفة من الشهادة لإقصاء الشهادة التي تبرّر الإيمان ولكن يسمحون لمصادر أخرى من الشهادة. قد يُفرِّق الملحدون الجدد بين الشهادة الموثوقة والمضلِّلة، ويؤكّدون أنّه علينا فقط أن نثق بالأولى. مع ذلك، وفي الحالات حيث نملكُ أدلّة مُضلِّلة، يُمكن أن نمتلك مُعتقدات باطلة ولكنّها عقلانية. مثلًا، قبل حصول مفاجأة كبيرة في الرياضة، اعتقدَ الجميع تقريبًا أنّ الفريق الأفضل سوف يفوز. هذا الاعتقاد عقلانيّ حتّى لو تبيّن أنّه باطل، وذلك بسبب الدليل
(331)الساحق (ولكن المضلِّل) لصالحه. يُقبَل بشكلٍ عام تقريبًا أنّ المعقولية والحقيقة قد ينفصلان، ومن العقلانيّ أن نتّبع دليلنا حتّى ولو لم يقدنا دائمًا إلى الحقيقة. وعليه، فإنّ الاقتراح القائل بأنّ الإيمان غير عقلاني لأنّه مبنيّ على دليلٍ مُضلِّل ليس واعدًا.
ثمّة اقتراح آخر وهو أنّ المشكلة مع الوثوق بالشهادة الدينية تتمثّلُ في أنّ ادّعائاتها ليست قابلة للإثبات علميًا. يبدو أنّ هذا المسار هو مسارٌ دافع عنه هاريس الذي أشارَ إلى أنّه لكي يتمّ الوثوق بالشهادة يجب أن تكون ادّعاءاتها قابلة للإثبات. كذلك، أكّد جيريمي ستنغر مؤلِّف كتاب «الإلحاد الجديد[3]»، أنّه ينبغي تفقُّد الشهادة مع مُلاحظاتٍ مُستقلّة. لعلّ المشكلة مع الإيمان ليست النقص في الدليل، بل بناؤه على النوع الخطأ من الدليل. هذا يؤدّي إلى محور تركيزٍ مُختلف قليلًا: المشكلة مع الإيمان هي أنّ الإيمان ليس مبنيًا على الدليل التجريبي.
الدليل التجريبي هو الدليل الذي نحصلُ عليه من خلال تجربة أو دراسة العالَم من حولنا. ثمّة مثال نموذجي عن الدليل التجريبي، وهو الدليل العلميّ. يُشيرُ الملحدون الجدد في مواضع كثيرة إلى أنّ المشكلة مع الإيمان بالله هي أنّه ليس مبنيًا بشكلٍ ملائم على الدليل التجريبي. يُصرِّح دِنيت أنّ «الإعلانات الدينية تتعلّق بأمورٍ تقع خارج الملاحظة، خارج الاختبار ذي المعنى» وأنّه:
«قد لوحظ من قِبل العديد من المعلّقين أنّه لا يُمكن اختبار المعتقدات الدينية
(332)العادية والرسمية بهدف التحقُّق من صدقها...هذه...صفة تعريفية للعقائد الدينية. يجب أن تؤخَذ «على الإيمان» وهي ليست عرضة للتأكيد [العلميّ أو التاريخي]».
يقول هيتشنز إنّ مبادئه ليست إيمانًا لأنّه لا يثقُ بأيِّ شيءٍ يُناقضُ العلم. أمّا هاريس، فهو يربطُ الإيمان بـ«القضايا غير القابلة للاختبار»، ويؤكِّد أيضًا أنّه يمكن أن نثق بالمهندسين والأطبّاء ولكن ليس بالقسّيسين أو الأحبار لأنّ الفئة الأولى تطرح ادّعاءاتٍ حول العالَم قابلة للإلغاء وقابلة للإبطال، بينما لا يُمكن لأيِّ شيءٍ أن يُظهر بُطلان المعتقدات الجوهرية للقادة الروحيّين.
ظاهريًا، قد يعتقد أحدهم أنّ هذه التصريحات تُشيرُ إلى أنّ الدليل التجريبي هو المصدر الوحيد الذي يُبرِّر معرفيًا. هذا يُشير إلى أنّ المشكلة مع الإيمان هي كالتالي:
لكي تجعل النقطة (5) المقدمة (1) صحيحة، ينبغي أن يثبُت شيءٌ كالمبدأ التالي: لكي يكون الموقف عقلانيًا، يجب أن يبتني فقط على الدليل التجريبي. ولكنّ هذا المبدأ غير معقول. المشكلة الأولى معه هي أنّه لو كان صحيحًا، فلا يُمكن الاعتقاد به عقلانيًّا لأنّه لا يُمكن أن يُبرَّر عبر الدليل التجريبي وحده. السبب وراء هذا هو أنّ المبادئ حول العقلانية ليست مبادئ نتعلّمها من خلال
(333)دراسة العالم التجريبي، بل إنها تتعلق بمطالبات متعلقة بـ«يجب» التي لا يمكن للعلم إثباتها. وعليه، ثمّة مشاكل ذاتية الإحالة مع هذا المبدأ. ثانيًا، يفترضُ المبدأ أيضًا أنّ الدليل التجريبي هو النوع الوحيد من الدليل الذي يمكن أن يجعل الموقف عقلانيًّا. هذا الافتراض مشكوكٌ فيه لأنّه يُغفل مصادر الدليل كالدليل السابق على التجربة (مصدر الدليل للرياضيات والمنطق والحقائق الأخلاقية وما إلى ذلك)، الدليل المبنيّ على الذاكرة، وأنواعٍ كثيرة أخرى من الدليل غير التجريبي. إذا كان الدليل التجريبي هو النوع الوحيد من الدليل الذي يُمكن أن نعتمد عليه عقلانيًّا، فإنّ أغلبيةً كبيرةً من مُعتقداتنا سوف تكونُ غير عقلانية. وعليه، نظرًا إلى (5)، ليس من الواضح أن تكون المقدمة (1) صحيحة.
عمومًا، يُشبه المبدأ في المقطع السابق بشكلٍ وثيق ما يُسمّيه البعض العلموية، وهو الرأي الذي يُفيدُ أنّ العلمَ التجريبي هو مصدرنا الوحيد للدليل و/أو التبرير الوحيد للاعتقاد. هذا رأيٌ يُنسَب مرارًا إلى الملحدين الجدد، ولكن من غير الواضح أنّ جميعهم يعتقدون به، وقد أنكر بعضهم أيضًا بشكلٍ صريحٍ النماذج القوية من العلموية. ولكن نظرًا إلى التأكيد المحوري الذي يُضفيه الملحدون الجدد على المعرفة العلمية والممارسة العلمية، فمن المرجّح أنّهم ما زالوا يؤيّدون شيئًا كالذي يُسمّيه تايلر «العلموية الضعيفة»، أو أنّ العلم التجريبي هو منهجنا الأفضل لتشكيل المعتقدات عن العالَم.
إذا كانت العلموية الضعيفة صحيحة، فهذا يُشيرُ إلى أنّ المشكلة مع الإيمان لا تتمثّل في أنّه غير مبنيّ على الدليل التجريبي فحسب بل أنّه غير مبنيّ على
(334)الدليل التجريبي مُطلقًا. يبدو هذا شبيهًا بتفسيرٍ أكثر تسامحًا لشكوى الإلحاد الجديد:
(5*) الإيمان ليس مبنيًا على أيّ دليلٍ تجريبي.
لكي تكون المقدمة (1) صحيحة، نظرًا إلى (5*)، فهذا يتطلّب مبدأً أضعف من ذي قبل: لكي يكون الموقف عقلانيًّا، يجب أن يُبنى جزئيًا على الأقل على الدليل التجريبي. يسمحُ هذا المبدأ لعددٍ أكبر من مُعتقداتنا اليومية أن يكون عقلانيًّا.
هل تجعل النقطة (5*) المقدمة (1) والمقدمة (2) صحيحتَين؟ هذا يعتمد على ما يعتبره الإنسان بالضبط «دليلًا تجريبيًا». مع ذلك، يُمكن أن نُظهر أنّ النقطة (5*) لن تؤدّي الوظيفة من دون جوابٍ دقيق. تأمّل بالمعتقدات حول الماضي؛ المعتقدات حول الرياضيات والمنطق والأخلاق؛ الاعتقاد بالاستقراء، بأنّ المستقبل سوف يكون كالماضي (وهو افتراض لا يُستغنى عنه في الممارسة العلمية)؛ أو حتّى الاعتقاد بأنّ الدليل التجريبي هو موثوقٌ أحيانًا (مثلًا: أنا لستُ دماغًا في خزّانٍ مع أقطابٍ كهربائية تُحفِّز حواسّي). هل هذه المعتقدات مبنيّة جزئيًا على الدليل التجريبي؟ إذا لم يكن الأمر كذلك، وما زالت هذه المعتقدات عقلانية أحيانًا، فإنّ المبدأ الذي يُشكِّلُ أساسَ (5*) -أي أنّ الاعتقاد العقلاني يتطلّب أن يكون مبنيًا جزئيًا على الدليل التجريبي- سوف يكون باطلًا. وعليه، فإنّ المقدمة (1) سوف تكون باطلة أيضًا. افترِض بدلًا من ذلك أنّ هذه المعتقدات هي مبنيّة جزئيًا على الدليل التجريبي. لماذا إذًا لا يُمكن للإيمان بوجود الله أن يكون أيضًا مبنيًا بشكلٍ جزئيٍ على الدليل التجريبي؟ بالطبع لا شيء من هذه الأمور -الحقائق حول الرياضيات، المنطق، الأخلاق، الاستقراء- هي أمور يُمكن للعلم الطبيعي أن يبتّ بها بشكلٍ كامل (رغم أنّ العلم الطبيعي قد يتّصل
بها). ولكنّ النقطة الأساسية هي أنّه من غير الواضح لماذا يفشل الإيمان بوجود الله في أن يكون مبنيًا على الدليل التجريبي بينما المعتقدات الفلسفية الأخرى تكون مبنيّة على الدليل التجريبي.
وعليه، فإنّ المشكلة الأساسية هي وجود تساوٍ بين الإيمان بالله وهذه المعتقدات الفلسفية الأخرى حينما يتعلّق الأمر بالدليل التجريبي. من غير الواضح إذا كان يُمكن للمبدأ (5*) أن يجعل المعتقدات حول الماضي والمنطق والأخلاق والرياضيات والاستقراء ومناهضة الشك عقلانية بالقوة ولكن أن لا يجعل الإيمان بالله كذلك. إذا اعترفنا بأنّ هذه المعتقدات السابقة كثيرًا ما تكون مبنية على الدليل التجريبي وبالتالي تكون عقلانية بالقوة، فليس هناك سبب إذًا لكي نتصور أنّ الإيمان أو الاعتقاد بوجود الله لا يُمكن أن يكون عقلانيًّا بالقوة أيضًا.
ثمّة مبدأ محتمل ثالث جديرٌ بالتأمُّل وهو كالتالي:
(5**) الإيمان غير قابل للاختبار/غير قابل للإبطال.
يختلفُ هذا المبدأ قليلًا عن (5*) لأنّ الشيء يُمكن أن يكون قابلًا للإبطال ولكنّه ليس مبنيًّا على الدليل التجريبي. خُذ على سبيل المثال فرضيةً علمية عشوائية فكّرتُ بها للتوّ، وافترِض أنّني لا أوظِّف أيّ دليلٍ تجريبيٍ في إنتاج الفرضية. افترِض أنّني قرّرتُ الاعتقاد بالفرضية. اعتقادي ليس مبنيًا على الدليل التجريبي، ولكنّه قابل للاختبار أو قابل للإبطال.
ما زال هذا المسار إشكاليًا. أولًا، يُمكن أن نُشغِّل مُعضلةً شبيهة بالمعضلة التي شغّلناها ردًا على (5*). هل إنّ معتقداتي الفلسفية ومُعتقداتي حول الماضي قابلة للاختبار؟ إذا كان ذلك صحيحًا (ربما المعنى من «قابلة للاختبار» هو أنّه بإمكاننا أن نحصل على الدليل العلميّ المتّصل بها)، فليس هناك سبب لكي نظنّ أنّ مسألة وجود الله هي قابلة للاختبار بشكلٍ مُشابه. إذا كانت المعتقدات الفلسفية
والمعتقدات حول الماضي غير قابلة للاختبار، فلكي تجعل النقطةُ (5**) المقدمةَ (1) صحيحة، يبدو أنّ علينا أن نتخلّى عن عقلانية هذه المعتقدات أيضًا. هذا بالطبع ليس مسارًا يودّ أن يتّبعه الملحدون الجدد -الاستقراء ومُعتقداتنا حول العالم الخارجي لا يُستغنى عنها في المناهج العلمية، ويرى الملحدون الجدد أنّ المعتقدات العلمية هي حالات نموذجية من المعتقدات العقلانية.
خذ بعين الاعتبار في الختام أنّ بعض العقائد المقدّسة قد تكون أشبه بفرضياتٍ علمية بدلًا من قضايا فلسفية غير تجريبية بنحوٍ كلي. على سبيل المثال، تُعلّمنا المسيحية أنّ يسوع كان شخصيةً تاريخية فعلية قامتْ من الموت. يقولُ بولس نفسه إنّه لو لم يقم يسوع، لكان الإيمان المسيحي باطلًا. لو اكتشفَ المؤرّخون أو العلماء عظامَ يسوع، فإنّ هذا يدعو للتشكيك في صحّة المسيحية ويُحتمل أن يُبطِل المنظومة بأكملها. تُقدِّم الأديان الأخرى ادّعاءاتٍ تاريخية مماثلة -ثمّة دعوى إسلامية مركزية تتمثّل في أنّ محمدًا قد تلقّى القرآن من الله وحيًا. وعليه، بعض الادّعاءات الدينية قابلة للإبطال.
***
في الختام، ليس واضحًا ما هو الإيمان حيث يكونُ في الوقت نفسه غير عقلانيّ معرفيًا ويملكه جميع المؤمنين بالله أو أغلبهم. ما زلنا لم نرَ أيَّ سببٍ جيدٍ للاعتقاد بأنّ أغلب المؤمنين هم غير عقلانيّين، رغم أنّنا قد نملك الآن فكرةً جيدةً عمّا ليس هو من الإيمان. أنتقل الآن إلى السؤال حول ما هو الإيمان.
(337)سوف ألخِّص في هذا القسم خاصيتين للإيمان. أولًا، تذكّر مُتسلّق الجبال الذي يتّسمُ اعتقاده بأنّه سوف ينجح في القفز بأنّه مُبرِّر لذاته؛ فامتلاكه لهذا الاعتقاد يُرجّح أن ينجح في القفز. لقد ناقشنا أمثلةً أخرى مماثلة: كاللاعب الرياضي، الخطيب العام، والفرد المشرف على الخضوع لعمليةٍ جراحية. في هذه الحالات، جعلَ الاعتقادُ نفسَه مُرجَّح الصحّة بشكلٍ أكبر. اقتراحي الأول هو أنّ هذه المواقف المحقِّقة لذاتها تصفُ نوعًا مُحدّدًا من الإيمان بأنفسنا وبالآخرين.
في العديد من هذه الأمثلة، يُمكن أن نصف بشكلٍ طبيعيٍ الأفراد الذين يملكون مواقف مُحقِّقة ذاتيًا بأنّهم يملكون الإيمان بأنفسهم. يمتلكُ اللاعب الرياضي الإيمان بأنّه سوف يلعب جيدًا، ويمتلكُ الخطيب العام الإيمان بأنّه سوف يُلقي الخطاب بمهارة. هنا، يخلقُ الإيمان بالنفس دليلًا لصالح ذاته. وبطريقةٍ مماثلة، حينما أعتقد أنّ شخصًا آخر سوف يُنجز شيئًا ببراعة وأخبره بذلك، فإنّ ثقتي بقدراته قد تجعل من المرجّح أكثر أن يُجيد العمل. على سبيل المثال، خُذ بعين الاعتبار شخصين هما على وشك الزواج ولكنّهما علما أنّ الطلاق مُحتمل إحصائيًا. مع ذلك، يؤمن الاثنان أنّ زواجهما سوف يستمرّ، وهذا الإيمان يجعل من المرجّح أكثر أن يدوم زواجهما. هذا يُمكّنهما من الإلتزام بإخلاصٍ بالزواج بناءً على إيمانهما بأنفسهما وببعضهما بعضًا لأنّ حقيقة أنّهما يملكان هذا الإيمان يجعل من الأكثر ترجيحًا لإلتزامهما أن ينغرس.
لا أعتقدُ فقط أنّ هذه طريقة طبيعية للتفكير بالإيمان بالذات وبإيمان المجتمعات، بل أعتقد أيضًا أنّ هذا يُفسِّر لماذا قد تبدو العلاقة بين الإيمان
(338)والدليل غريبة أو مُحيِّرة. لا تخلقُ العديد من مُعتقداتنا أدلةً على أنفسها بهذه الطريقة، ومن دون وجود تفسيرٍ لكيفية عمل هذا الأمر، فليس من المفاجئ أن يظنّ الناس للوهلة الأولى أنّ الإيمان من هذا النوع هو غير عقلانيّ. ولكن حينما يُفهَم النموذج، يُصبح واضحًا أنّ هذا النوع من الإيمان ليس معيوبًا معرفيًا -هو يُبرِّر نفسه.
مع ذلك، لا أعتقد أنّ الإيمان المحقِّق لذاته يصفُ الإيمان بالله. على سبيل المثال، إيمان الإنسان بأنّ الله مُحبّ لا يجعل الله مُحبًا أكثر. مع ذلك، خذ بعين الاعتبار الخاصية الثانية للإيمان التي يُمكن أن تصفَ الإيمان بالله: الإيمان ليس مبنيًا فقط على الدليل التجريبي. الفكرة هنا هي أنّه حينما نمتلك الإيمان، فإنّنا نتجاوز ما يُمكن إثباته قطعًا عبر العلم الطبيعي.
ولكن فيما يتعلّق بكثيرٍ من قراراتنا حول ما نؤمن به وما نفعله، فإنّنا لا نملك (ولا يُمكن أن نملك) دليلًا تجريبيًا لا شكّ فيه. حينما أمتلكُ الإيمان بأنّ صديقي أمين وأستودعه سرّي، فإنّني «أتجاوز» الدليل التجريبي (حتّى لو كنتُ أمتلكُ بعضَ الأدلة التجريبية على أنّه أمين). يُفسِّر هذا الفهم للإيمان لِمَ الإيمان هو جزءٌ مهمٌ في المجتمعات المزدهِرة - الدليل التجريبي لن يمنحنا كلّ ما نحتاجه، خصوصًا في العلاقات الشخصية.
لا يحتاجُ أنصارُ هذا الرأي إلى أن يُصرّوا أنّه حينما نمتلكُ الإيمان فإنّنا نفشل في أن نُناسب مُعتقداتنا مع الدليل -بدلًا من ذلك، نحن نعتمدُ على المصادر غير التجريبية للدليل. الشهادة هي مثالٌ مهم. الشهادة هي مصدرٌ لا يُستغنى عنه للدليل، وقد احتجَّ الفلاسفة أنّ الإيمان والدليل المستمدّ من الشهادة هما مُرتبطان بشكلٍ وثيق. حينما نعترف بأنّ الدليل يتجاوزُ الأمور التجريبية، يُمكن أن نرى لماذا لا يتجاهل الإيمان الدليل أو يُعارضه؛ بل الدليل العلميّ وحده ليس كافيًا لحياةٍ مُزدهرة وعلاقاتٍ زاخرة بالمعنى.
إذا لم يكن الإيمان مبنيًا بشكلٍ كاملٍ على الدليل التجريبي، فإنّ هذا يُفسِّر أيضًا لماذا يُقارن الإيمان غالبًا بالبرهان الملموس ولماذا أنا لستُ بحاجةٍ لكي أمتلكَ الإيمان بأمورٍ من قبيل فرضيةٍ علميةٍ راسخة أو بوجود كأسٍ على الطاولة أمامي. هذا التفسير يشرحُ أيضًا لماذا «بالإيمان نَسلُك لا بالعيان» ولماذا الإيمان هو «الإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى»).
على هذا التفسير، يتطلّبُ الإيمان بالله أكثر من الدليل التجريبي. رغم أنّ الدليل التجريبي/العلميّ يُمكن أن يتّصل بمسألة وجود الله، إلا أنّني أشكّ أنّه يبتّ في الأمر. تتطلّبُ منّا الجدالات حول الإيمان بالإله أن ننظر أبعد من الجانب التجريبي، كما مسألة وجود العالَم الخارجيّ أو مسألة موثوقية أيّ دليلٍ تجريبيٍ. وعليه، يتجاوز إيمانُ أغلب المؤمنين الجانبَ التجريبي -سواء كان يعني
(340)ذلك توظيف الأدلّة السابقة على التجربة على وجود الله، الاعتماد على شهادة الأشخاص في مُجتمعك الروحي أو الشخصيات التاريخية أو القادة الروحيّين، أو الوثوق بالتجارب المتعلّقة بصوت الله في حياتهم.
لقد احتججتُ في هذا الفصل لصالح أمرين. أولًا، احتججتُ على عدم وجود مفهومٍ واحدٍ للإيمان هو غير عقلانيّ ويملكه أغلبُ المؤمنين. لم يُقدِّم الملحدون الجدد حجّةً ناجحة على أنّ أغلب المؤمنين يملكون إيمانًا غير عقلانيّ. ثانيًا، لقد اقترحتُ خاصيتَين للإيمان: أولًا، تصفُ المعتقدات المبرِّرة لذاتها المنسوبة إلى جيمز نوعًا فريدًا من الإيمان بالذات وبالآخرين؛ وثانيًا، الإيمان ليس مبنيًا فقط على الدليل التجريبي. إحدى الدروس المهمّة التي نتعلّمها من هذا هو أنّ النظر أبعد من الدليل التجريبي يُعدُّ جزءًا مهمًا من الحياة المزدهرة. رغم أنّه لا يُمكنني أن أدافع عن هذا الأمر بشكلٍ كاملٍ هنا، إلا أنّه يُشيرُ إلى أنّ الإيمان ليس عقلانيًّا فحسب بل هو جزء أساسي من الازدهار البشريّ.
لوغان بول غايج
«لا شيءَ أبسط من العظمة؛
ألا أن تكون بسيطًا هو أن تكون عظيمًا. »
رالف والدو إمرسون
رُغم الشهرة التسويقية التي يتمتّعُ بها الملحدون الجدد، فقد رفضَ فلاسفةُ الدِّين المحترفون عمومًا التفاعُل بشكلٍ جدّيٍ مع الاحتجاجات التي يطرحها هؤلاء. في الواقع، ثمّة شُحٌ مدهشٌ في الاحتجاج المباشر الموجّه ضدّ وجود الله في المؤلّفات الرئيسية للملحدين الجدد، ولكن يوجدُ استثناءٌ ملحوظٌ في هذا
(345)المسار وهو ما وردَ في كتاب دوكينز «وهم الإله». بما أنّ الصمتَ أحيانًا هو أسوء من النقد، فإنّني سوف أسعى في هذا الفصل إلى تقويم الوضع الحالي. يُشكِّلُ الملحدون الجدد قوةً مهمة ثقافيًا، وعدم تفاعل الفلاسفة معهم جاء على حساب فقدان الصلة الثقافية. وعليه، رغم تشكيكات المجتمع الفلسفيّ، فإنني أنوي تحليلَ حجّة ريتشارد دوكينز المعروفة بـ«مُناورة 747 القصوى» -التي يصفها بأنّها «الحجّة المحورية في كتابي»- ونقدها.
سوف أُركِّزُ هنا على حجّة دوكينز الرئيسية التي يُطلِق عليها «مناورة 747 القصوى». ليست هذه الحجّة أهمّ حجّة لأبرز مُلحدٍ جديد فحسب، بل قد دعمها أيضًا الملحدون الجدد الآخرون وبالتالي اكتسبتْ شكلًا من المكانة المعتمَدة. لا يتردّد دوكينز في وضع ثقةٍ هائلةٍ في حجّته مُدّعيًا أنّها «تُظهِرُ أنّ الله، رغم عدم إمكانية نفي وجوده تقنيًا، إلا أنّه مُستبعد للغاية» و«الحجّة جدية جدًا ضدّ وجود الله» ممّا يجعلُ «فرضية الإله... غير قابلة للدفاع». يُناصِرُ هاريس
(346)حجّة دوكينز بالاسم، ويُمكن أن نعثر على مسارٍ احتجاجيٍ مُماثل فيما كتبه هيتشنز. أمّا دينيت، فهو يُوافقُ على الحجّة بل ويصفها أنّها «تفنيدٌ غير قابلٍ للإبطال، وهي فتّاكةٌ في يومنا الحالي كما كانت حينما وظّفها فيلون لإلحاق الهزيمة بكليانثس في كتاب هيوم «المحاورات» قبل قرنين من الزمن».
بغضِّ النظر عن ثقة دوكينز، من الشائع أنّ نقاط الضعف التي تعتري أيّ حجّةٍ تبقى مخفيّة قبل أن تُعرَض في خطواتٍ واضحة. كما عادة الفلاسفة، سوف أعرضُ حجّة دوكينز بأوضح طريقةٍ ممكنةٍ قبل أن أحاول نقدها. أدعو القرّاء من جميع المعتقدات إلى الإقبال والاستدلال العقلي معي. فلنرَ إذا كانت حجّة دوكيز الرئيسية ضدّ وجود الله قويةً بالمقدار الذي يدّعيه دوكينز وغيرُه من الملحدين الجدد.
سوف أُقدِّمُ فيما يلي أفضل إعادة صياغة من قِبلي لحجّة دوكينز الأساسية:
1. إذا صحّت الشروط الثلاثة اللاحقة:
أ) ثمّة تفسيرات طبيعية مُمكنة للخصائص المصمَّمة ظاهريًا في عالمنا،
ب) لا توجد حجج معقولة على وجود الله إلا الحجّة المبنيّة على التعقيد المنظّم (أي الحجّة المبنيّة على التصميم)، و:
ج) الله ليس تفسيرًا جيدًا للتعقيد المنظّم الموجود في العالم،
فالله غير موجود على نحوٍ قطعيٍ تقريبًا.
2. ثمّة تفسيرات طبيعية ممكنة للخصائص المصمَّمة ظاهريًا في عالمنا.
(347)3. لا توجد احتجاجاتٌ معقولة على وجود الله إلا الحجّة المبنيّة على التعقيد المنظّم.
4. الله ليس تفسيرًا جيدًا للتعقيد المنظّم الموجود في العالم.
5. إذًا، الله غير موجود على نحوٍ قطعيٍ تقريبًا.
تتمثّلُ الفكرة في أنّه لو كانت (أ) و(ب) و(ج) جميعها صحيحة، فإنّ النتيجة (أي أنّ الله غير موجود على نحوٍ قطعيٍ تقريبًا) ينبغي أن تكون صحيحةً أيضًا. الحجّة صحيحة، وهذا يعني أنّها تملكُ بُنيةً صحيحةً تؤدّي إلى نتيجتها، فصدقُ المقدمات يؤدّي إلى صدق النتيجة. وعليه، فإنّ وظيفتي هي فحصُ المقدمات الرئيسية لأنّ الاستنتاجَ يكونُ قويًا فقط بمقدار قوّة المقدمات التي يعتمدُ عليها.
أودُّ فقط أن أذكر فيما يتعلّقُ بالفرضية الأولى كيف يفهم دوكينز مُفردة «الله». يرى الفلاسفة والتقاليدُ التوحيدية المتصدِّرة أنّ اللهَ هو أعظم كائنٍ مُمكن (أي هو كامل من حيث القوّة والعلم والخير). أمّا دوكينز، فإنّه يتعاملُ مع مفهومٍ مُختلف. يُعرّف دوكينز «فرضیة الإله» على أنّها الفرضية التي تُفيدُ أنّه «يوجد ذكاءٌ فوق البشر خارق للطبيعة قد صمّمَ الكون وكلَّ شيءٍ فيه وخلقه عن قصد، بما فيه نحن». إضافة إلى ذلك، دوكينز واضحٌ تمامًا في زعمه أن «لا مكان للخير في تعريف فرضية الإله، بل هو مجرّد مُلحَق مرغوب». ولكن يرى فلاسفة الدِّين أنّ هذا التعريف غريبٌ للغاية. هذا التعريف يُعرِّضُ دوكينز إلى الاتّهام
(348)البسيط المتمثِّل في أنّه قد أظهرَ أنّ موجودًا إلهيًا مُحدّدًا هو بعيد الاحتمال ولكن ليسَ الموجود الذي يعتقدُ به المؤمنون بالإله المتمرِّسون فعلًا. سوف أضعُ هذا الاتّهام جانبًا فيما يلي.
فلندقِّق النظر في الفرضية (2) الآن: ثمّة تفسيراتٌ طبيعية ممكنة للخصائص المصمَّمة ظاهريًا في عالمنا. من المهم أن نُلاحظ مدى صِغر العبء الذي يعتبرُ دوكينز أنّ الإلحاد يحمله: لا يتوجّب على الملحدين أن يملكوا رواياتٍ معقولة جدًا أو تفصيلية عن المسارات الطبيعية التطوُّرية التي تسيرُ وفقها كثيرٌ من الأشياء المعقدّة في الميدان البيولوجي، ولا يلزم أن يملكوا تفسيرًا لأصل الحياة الأولى والكَون والوعي والأخلاق الموضوعية أو الضبط الدقيق في قوانين الفيزياء. دوكينز صريحٌ تمامًا في اعتقاده أنّ هذه التفسيرات الطبيعية هي غير مُتاحة على الأغلب، ولكنّه يعتبرُ أنّه إذا لم يكن الله تفسيرًا جيدًا لنشوء الحياة أو غيرها من الخصائص المصمَّمة ظاهريًا في الكون كما تؤكِّدُ المقدمات الأخرى للحجّة، فإنّ أيَّ روايةٍ طبيعية مُمكنة سوف تكونُ كافيةً لإظهار أنّ وجود الله مُستبعد للغاية.
وعليه، لا يكترثُ دوكينز بأنّ الملحدين لا يملكون بالفعل تفسيراتٍ طبيعية جيدة جدًا للضبط الدقيق الذي تتّسمُ به قوانينُ الفيزياء، فضلًا عن العديد من الأمور الأخرى. يرى دوكينز أنّ نظرية التطوُّر الدارويني هي نظريةٌ طبيعية قوية بحيث يجب أن نسمح لها أن ترفعَ وعينا؛ وإذا كان ثمّة نظرية بهذه القوّة في
(349)البيولوجيا توضّح كيفية ظهور التصميم، فعلينا أن نعتقد بأنّه سوف تبرز نظريةٌ (في المستقبل) تُفسِّر ظهورَ التصميم في قوانين الفيزياءأيضًا. وعليه، يكتبُ دوكينز:
«ليس لدينا لغاية الآن [نظرية] موازية للفيزياء. قد يؤدّي مبدئيًا صنفٌ ما من نظرية تعدُّد الأكوان العملَ التفسيري نفسه بحقّ الفيزياء كالذي تفعله الداروينية بحقّ البيولوجيا... لا ينبغي أن نفقدَ الأمل ببروز [نظريةٍ] أفضل في الفيزياء، شيء بالقوّة نفسها كالداروينية بحقّ البيولوجيا. ولكن حتّى في غياب [نظريةٍ] مُرضية بشكلٍ قوي تُوازي النظرية البيولوجية، فإنّ [النظريات] الضعيفة نِسبيًا التي نملكها في الحاضر هي... بشكلٍ بديهيٍ أفضل من... فرضية المصمم الذكي التي تقوض نفسها بنفسها. »
النقطة هي أنّه لو تمكّن الفردُ فعلًا من إظهار عدم وجود أدلةٍ جيّدة على وجود الله، ومن ضمنها الاحتجاجات المبنيّة على التصميم، فإنّ الإلحاد يتقدّم بشكل افتراضي. بعد أن احتّج دوكينز على أنّ الأدلّة الإيمانية غير ناجِحة، يرى أنّه يُمكن للملحدين أن يجلسوا ويُصدروا بعضَ الملاحظات التعهُّدية بأنّ العلم الطبيعي سوف يُقدِّمُ في المستقبل تفسيراتٍ طبيعية مُفصّلة تمامًا لكلّ شيء، ومن ثمّ يقفون جانبًا. هذا يُوزاي نقلَ عبء الإثبات: لا يستطيعُ أن يُقدِّم الإيمان بالإله تفسيرًا جيدًا لما يحتاجُ فعلًا للتفسير في عالمنا، وبالتالي يجب أن تكون التفسيرات الطبيعية أفضل.
(350)قد يتمّ تعزيز تفكير دوكينز هنا من خلال الفكرة التي تُفيدُ أنّه بما أنّ العلم الطبيعي يملكُ سجلًا من النجاح، فمن الأكثر حكمةً ومعقوليةً أن نفترض أنّ العلم الطبيعي سوف يسدّ جميعَ الثغرات في النهاية ضمن روايةٍ طبيعية تمامًا حول الكَون. رغم أنّني أتفهم هذه القناعة الضمنية، ولكن من الخطأ أن نستنتج بأنّ نجاحَ العلم الطبيعي قد أكّد الإلحاد أو حتّى إمكانية وجود روايةٍ طبيعيةٍ كاملة. بالتأكيد، عزّزَ العلم الطبيعي فهمَنا للعالم الطبيعي، ولكنّه قد كشفَ من خلال ذلك عن المزيد من الألغاز التي تُواجِهُ الرواية الطبيعية. قبل مدّة قصيرةٍ فقط، كان يعتقدُ علماء الطبيعة البارزين من أمثال داروين أنّ الخليّة هي بشكلٍ أساسيٍ كتلةً هلامية، ولكنّنا نعلمُ الآن أنّ الخليّة تحوي عالمًا مُصغّرًا من التعقيد المدهش وهي حافلة بتكنولوجيا النانو وبرمزٍ رقمي. كذلك، وبفضل التقدُّم في العلم الطبيعي، نحن نفهمُ قوانين الفيزياء حاليًا بشكلٍ أفضل ولكنّنا نُريدُ أن نعرف الآن لماذا هذه القوانين هي كلّها مضبوطة بشكلٍ دقيقٍ للغاية على نحوٍ يُتيحُ الحياة المعقَّدة. بشكلٍ مُشابه، انتصرَ النجاح المتوقَّع لكوزمولوجيا الانفجار الكبير في القرن العشرين على النظريات المنافِسة وزاد فهمنا لبداية الكون، ولكن من غير المنطقيّ أن نقترح بأنّ كوزمولوجيا الانفجار الكبير تُعدُّ فوزًا للإلحاد. بالعكس، فقد وضعت مُلحدي القرن العشرين في موقع الدفاع. عبّرَ اللاأدريّ الشهير وعالِم الفيزياء والفلك في وكالة ناسا روبرت جاسترو عن الطبيعة المربكة للحال في نهاية القرن العشرين حينما كتبَ التالي:
«نحنُ نرى الآن كيف أنّ الأدلّة الفلكية تقودُ إلى رؤية الكتاب المقدّس حول أصل العالم. تختلفُ جميعُ التفاصيل، ولكنّ العنصر الجوهري في الروايات
(351)الفلكية وروايات الكتاب المقدّس في سفر التكوين هي مُماثلة؛ سلسلة الأحداث المؤدّية إلى البشر قد بدأت فجأةً وبحدّة، في نقطةٍ مُحدّدة من الزمن، في ومضةٍ من الضوء والطاقة».
يُواصِلُ جاسترو في مقطعٍ شهير:
«نودُّ الآن أن نتتبّع ذلك السؤال إلى الوراء زمنيًا، ولكنّ العقبة أمام التقدُّم الإضافي تبدو غير قابلة للتجاوز. ليس الأمر مسألة سنةٍ أخرى، أو عقدٍ آخر من العمل، أو قياس آخر، أو نظرية أخرى؛ يبدو في هذه اللحظة وكأنّ العلم الطبيعي لن يقدر أبدًا على رفع الستار عن لُغز الخَلق. للعالِم الذي عاش عبر إيمانه بقوّة المنطق، تنتهي القصّة مثل كابوس. لقد تسلّقَ جبلَ الجهل وهو على وشك فتح
أعلى قمّة، وحينما يرفعُ نفسَه على الصخرة الأخيرة، تُرحِّبُ به مجموعةٌ من علماء اللاهوت الجالسين هناك منذ قرون. »
حاول ستيفن هوكينع وآخرون أن يُطمئنوا الطبيعيانيين أنّه ما زالَت بحوزتهم أوراقٌ مُتبقّية ليلعبوها، ولكنّ هذا يُساهمُ فقط في إظهار أنّ القرن الأخير من الكوزمولوجيا لم يُقدِّم شيئًا يقربُ من الدعم القاطع للإلحاد.
اعترفَ دوكينز في كتاب «تفكيك قوس القزح» أنّه رغم أنّ التفسيرات العلمية تُعزِّزُ فهمنا، إلا أنّها كثيرًا ما تقودنا إلى ألغازٍ أعمق. على سبيل المثال، قد يكونُ اكتشاف طيف الضوء قد حلَّ لُغزَ قوس قزح، ولكن بما أنّه قد أدّى إلى الاكتشافات المحيِّرة للعقل التي توصَّلَ إليها ماكسويل وأينشتاين وآخرون، يبدو
(352)أنّه قد أسفرَ عن ألغازٍ أكثر من تلك التي قد حلّها. «لا تفقدُ الألغاز شاعريتها حينما تُحلّ، بل على العكس تمامًا؛ كثيرًا ما يتبيّن أنّ الحلَّ هو أجمل من اللغز، وبأيِّ حالٍ حينما تحلّ لُغزًا فإنّك تكشفُ ألغازًا أخرى، ربما لإلهام شاعريةٍ أكبر». وعليه، رغم أنّ إعجابَ دوكينز بالعلم الطبيعي ونجاحاته هو أمرٌ مفهوم، إلا أنّه يكونُ من التجاوز أن نفترض أنّ التقدُّم العلمي في المستقبل سوف تدعمُ الإلحاد على نحوٍ صريح. في الواقع، الواقع الماديّ هي أشدّ غموضًا على المذهب الطبيعي من أيّ وقتٍ مضى -ليس بسبب جهلنا بل بسبب فهمنا المتنامي. على أقلّ تقدير، لم يُثبَت أنّنا نملك -أو سوف نملك- تفسيراتٍ طبيعية مُمكنة حقًا لجميع الخصائص المصمَّمة ظاهريًا في عالمنا، ومن بينها «الضبط الدقيق الظاهري المتيح للحياة» في العالم الطبيعي نفسه.
ومع ذلك، ومن باب التسامح، فلنضع هذه المخاوف بشأن المقدمات السابقة جانبًا وننتقل الآن إلى المقدمة الأكثر جرأةً بكثير في «مناورة 747 القصوى» التابعة لدوكينز والتي تُفيدُ عدم وجود حججٍ معقولة على وجود الله باستثناء الحجّة المبنيّة على التعقيد المنظّم. لاحِظ أنّه حتّى لو سلّمنا أنّ الله ليس تفسيرًا جيدًا للتصميم الظاهري في عالمنا، فمن الواضح أنّ حجّة دوكينز لن تصل إلى نتيجتها إذا وُجِدت حججٌ جيدة على وجود الله لا تعتمدُ على ظهور التصميم. وعليه، قبل أن يُقدّم دوكينز حجته الإيجابية لعدم وجود الله فإنّه يتخلّى
(353)عن «مسؤوليته في التخلّص من الحجج الإيجابية على الاعتقاد [الإيماني] التي قُدّمت خلال التاريخ». نظرًا إلى التاريخ الطويل لهذه الحجج في الغرب -والتي تعودُ على الأقلّ إلى دفاع زينوفون عن سقراط- فمن المفاجئ أن يُعتبر أنّ هذه الوظيفة تتمّ في 33 صفحة فحسب.
فلندقِّق النظر في واحدةٍ فقط من الاحتجاجات القديمة التي ينتقدها دوكينز. يكتبُ دوكينز ما يلي:
«الدليل الكوزمولوجي. لا بدّ أنّه كان هناك وقت لم توجد فيه الأشياء المادية. ولكن بما أنّ الأشياء المادية موجودة الآن، لا بدّ أنّ شيئًا غير ماديٍ قد أخرجها إلى الوجود، ونُسمّي ذلك الشيء الله».
يرفضُ دوكينز هذه الحجّة لأنّها تُقيم «الافتراض غير المسوَّغ تمامًا بأنّ الله نفسه مُحصّن عن التسلسل». لهذا السبب، يعتبرُ دوكينز أنّ افتراض وجود الله هو أمرٌ عقيم، وأنّه من الأفضل أن نتخيل على سبيل المثال «تفرد الانفجار العظيم»، أو أي مفهوم فيزيائي آخر غير معروف حتى الآن». بالتالي، «ليس واضحًا بأيّ نحوٍ أنّ الله يُعدُّ المنهي الطبيعي لتسلسلات أكويناس».
للمطّلعين على مؤلّفات القدّيس ثوماس الأكويني، يتّضحُ فورًا أنّ الدليل الكوزمولوجي لأكويناس (طريقته الثالثة) لا يتمحورُ حول الخَلق الزمنيّ
(354)للأشياء المادية من قِبل شيءٍ غير مادي. يعتقدُ أكويناس بشكلٍ شهير أنّ الله ضروريٌ لتفسير العالَم حتّى لو لم تُوجد بدايةٌ زمنية للكَون المادي. في الواقع، تعتمدُ حجّة أكويناس على الطبيعة الممكنة للحقيقة المادّية. يقصدُ أكويناس بالممكن أنّ هذا الشيء قد يكون أو لا يكون، وليس من الضروري أن يوجد. بما أنّ الأشياء المادّية قد توجد أو لا توجد، يعتقدُ أكويناس أنّه يجب أن يكون هناك سبب لوجودها. حتّى لو وُجدت منذ الأزل، ينبغي أن تعتمد على شيءٍ آخر لوجودها. لا يكمنُ الحلّ فقط في أن نقول إنّ هذا الشيء الممكن Y يعتمدُ على شيءٍ آخر X إذا كان Xأيضًا مُمكنًا؛ فالسلسلة الممكنة نفسها لا تُفسَّر بذلك. قد يقولُ أحدهم إنّ سبب ثبات العالم هو وقوفه على ظهر سُلحفاة ومن ثمّ سلحفاة أخرى وهكذا إلى اللانهاية. لا تُشكِّلُ المزيد من السلاحف، مهما بلغ عددها، حلًا مُناسبًا للمشكلة. يحتجُّ أكويناس أنّ الحلّ يقتضي شيئًا ليس جزءًا من الكَومة الممكنة نفسها. وعليه، يجب أن يكون هناك أساسٌ غير ممكن (واجب، مُستقل) للكَومة الممكنة. بتعبيرٍ آخر، يجب أن يملك شيءٌ الوجود بفضل طبيعته الواجبة، ولا يُمكن أن يكون وجودًا مُستعارًا وصولًا إلى الأسفل.
وعليه، يجب أن يكون واضحًا الآن لماذا يكونُ التفرُّد الذي يقترحه دوكينز (أو أي رواية فيزيائية أخرى) حلًا غير كافٍ للمشكلة التي يطرحها أكويناس: التفرُّد، ككلّ كيانٍ ماديٍ آخر، يُمكن أن لا يوجد قط، وهو تمامًا كأيّ شيءٍ مُمكن آخر. أمّا الله، فهو يُمثِّلُ المُنهي الطبيعي للتسلسل إذا تصوّرنا أنّ الله هو أعظم
(355)كائن ممكن، وذلك لأنّ أعظم كائن ممكن هو قائم بذاته ويملكُ وجودًا غير مُقيَّد في ذاته، وبالتالي لا يحتاجُ إلى أيّ سببٍ خارجيٍ أو تفسير.
لكي نكون واضحين، أنا لا أصرُّ أنّ حجّة أكويناس تنجح في النهاية. لقد كانت مزايا هذه الحجّة موضوعًا لحوارٍ استمرَّ لـ800 عامًا. ثمّة كثيرٌ من الفروق الدقيقة مما يحول دون تغطيتها هنا، ولكن يجب أن أذكر أنّه حتّى لو وُجِد أنّ حجّة أكويناس المحدَّدة تملكُ بعض المقدمات الإشكالية، فإنّ البداهة الأساسية وراءَ هذه الحجّة (استحالة أن يكون كلُّ شيءٍ مُمكنًا) قد تم تقديمها في حججٍ صارمة أخرى أنتجها لايبنتس في العصر الحديث بالإضافة إلى عددٍ من المفكّرين في يومنا الحالي. يبدو أنّ إشكالية السبب وراء وجود الأشياء الممكنة تُنادي طلبًا لحلٍّ يشبه الإله. حُكمي الخاص هنا هو أنّ دوكينز لم يقترب بأيِّ نحوٍ من الأنحاء
(356)من إثبات عدم صحّة أيِّ نموذجٍ من الدليل الكوزمولوجي فضلًا عن إثبات عدم وجود أيّ احتجاجاتٍ جيّدة أخرى على وجود الله.
بغضِّ النظر عن ذلك، سوف أسعى فيما يلي إلى أن أُظهِر أنّه حتّى لو سلّمنا لدوكينز بجميع المقدمات التي لاحظناها لغاية الآن، تبقى حجّته غير ناجحة لأنّها تعتمدُ على مبدأ فلسفيٍ مشبوه حول طبيعة التفسير.
لكي نفهمَ محورَ حجّة دوكينز، يجب أن نفهم تبريره للمقدمة (4). فلنستذكر تلك المقدمة.
(4) الله ليس تفسيرًا جيدًا للتعقيد المنظّم الموجود في العالم.
ينصبُّ أغلب تركيز دوكينز على الدفاع عن هذه المقدمة. إذا كانت المقدمة (4) صحيحةً، وإذا سلّمنا بالمقدمتين (2) و(3)، سوف يبدو إذًا أنّ وجود الله مُستبعد فعلًا. وعليه، كيف يدعمُ دوكينز المقدمة (4)؟ يبدو أنّه يُطبّق الاستدلال العقلي كما يلي:
(6) التفسيرات الجيّدة يجب أن تكون أبسط من الظواهر التي تزعمُ أنّها تُفسِّرها.
(7) الله، إذا كان موجودًا، ليس أبسط من التعقيد المنظّم في العالم.
(4) وعليه، فالله ليس تفسيرًا جيدًا للتعقيد المنظّم الموجود في العالم.
(357)تستندُ حجّة دوكينز إلى مبدأ البساطة غير المفحوصة ظاهريًا الذي لاحظناه في المقدمة (6). من الحاسم أن نُدرك الطبيعة الفلسفية لهذا المبدأ، فهو يقف أو يسقط بناءً على التقاطه لحقيقةٍ ضرورية حول طبيعة التفسير وليس على أيّ واقعٍ تجريبي. نظرًا إلى شُهرة دوكينز، قد يبدو للوهلة الأولى أنّ حجّته تملكُ جميعَ زخارف العلم الطبيعي وجاه التحقيق التجريبي المتقدِّم. ولكن تكمنُ في قلب مناورة دوكينز حجّةٌ فلسفية تعتمدُ على مبدأ سابق على التجربة حول طبيعة التفسير. وعليه، سوف يتمحورُ ما تبقّى من نقاشنا حول المقدمتين (6) و(7). سوف أنطلقُ كي أُظهِر أنّ المقدمتين باطلتان.
كثيرًا ما يُنظَر إلى البساطة في العلم الطبيعي وفلسفة العلم الطبيعي على أنّها ميزة للنظرية، ولكن عادةً ما يُنظَر إليها على أنّها واحدةٍ من كثيرٍ من المزايا. على سبيل المثال، يُعدِّد فيلسوف العلم الطبيعي المتصدِّر ثوماس كون بشكلٍ شهير عددًا من المزايا التفسيرية، من بينها الدقّة والثبات واتّساع النطاق والإثمار والبساطة. يبدو أنّ دوكينز يرى أنّ البساطة هي الميزة النظرية المهيمنة -ميزة مفحِمة للغاية بحيث إنّ التفسير لا يُمكن أن يكون تفسيرًا جيدًا إذا افتقدَ للبساطة (أو لدرجةٍ كافيةٍ من البساطة). ولكن عادةً لا تنشأ اعتبارات البساطة إلا إذا اعتُبر أنّ التفسير يملكُ مزايا أخرى كالتلاؤم مع الحقائق المعروفة. البساطة هي
(358)ميزة ثانوية، وليست ورقةً رابحة تلقائية. لا ينبغي التغاضي بشكلٍ تلقائي عن النظريات الأكثر تعقيدًا. أحيانًا، الحقيقة مُعقّدة.
ثمّة فهمان رئيسيان للبساطة في المؤلّفات الفلسفية، وليس من الواضح على الإطلاق أيّهما يقصدُ دوكينز. وعليه، سوف أُعالجُ بشكلٍ منهجيٍ الخيارين الرئيسيَّين. يُعرَف النوع الأول من البساطة بـ«البساطة النحوية»: أي بساطة النظرية التي يفترض أنّها تُفسِّر ظاهرةً ما، أي إنّها «تقيسُ عدد المبادئ الأساسية للنظرية وإيجازها».
ما الرأي الذي نُكوّنه إذًا عن المقدمة (7) إذا فهمنا المقدمة (6) كمبدأ للبساطة النحوية؟ هل فرضية الإله أكثر تعقيدًا نحويًا من الظاهرة التي يُفترض أن تُفسِّرها فرضية الإله؟ كثيرًا ما يُعتقد أنّ الله يُفسّر أصل الحياة، والتعقيدات في الحياة داخل الخليّة، والضبط الدقيق في الثوابت الفيزيائية، وأصل الكَون نفسه، وأكثر من ذلك. في الواقع، يُفسِّرُ الله جوهريًا في الإيمان الكلاسيكي بالإله كلَّ شيءٍ باستثناء ذاته. تذكّر الآن أنّ صياغة دوكينز لفرضية الإله هي بسيطةٌ للغاية بحيث يُمكن التعبير عنها في جُملةٍ واحدة، وبعض أجزائها زائدة عن اللزوم: «يوجدُ ذكاءٌ فوق البشر خارق للطبيعة قد صمّمَ الكون وكلَّ شيءٍ فيه وخلقه عن قصد، بما فيه نحن». دوكينز ليس الوحيد الذي يعتقدُ أنّه يُمكن التعبير عن فرضية الإله بشكلٍ موجز. على سبيل المثال، يرى التراث الأنسيلمي أنّ الله هو «أعظم كائن قابل للتصوُّر» أو «الكائن الكامل بالحدّ الأقصى». بما أنّه يُمكن
(359)التعبير عن الافتراض الإيماني بشكلٍ بسيطٍ جدًا، فإذا فهِمْنا البساطة في الفرضية (6) على أنّها بساطة نحوية، يبدو الإيمان كتفسيرٍ بسيطٍ للغاية فعلًا ممّا يجعل المقدمة (7) التابعة لدوكينز باطلة.
ولكن لكي نكون مُتسامحين، فلنفترض أنّ دوكينز لا يقصد البساطة النحوية. يبدو دوكينز مُهتمًا بشكلٍ أقلّ بتعقيد فرضية الإله أو ببساطتها من اهتمامه بتعقيد الله أو بساطته.
3- 2) البساطة الأنطولوجية
كثيرًا ما يُسمّى النوع الرئيسي الثاني من البساطة بـ«البساطة الأنطولوجية» أو «التقتير». البساطة الأنطولوجية هي «على وجه التقريب، عدد الأشياء المفترَضَة وتعقيدها». عادةً ما يهدفُ «نَصلُ أوكام» -الرأي الذي يُفيدُ أنّه لا ينبغي أن نُضاعف الكيانات أكثر ممّا هو لازم- إلى التقاط هذا المفهوم. مُجددًا، ينبغي مُوازنة البساطة مقابل المزايا الأخرى كالقوّة التفسيرية والتلاؤم مع المعلومات الأخرى. قد يكونُ التفسير الذي يفترضُ المزيد من الكيانات مُفضّلًا على المنافسين الأبسط إذا امتلكَ توافقًا أكبر مع المعلومات الأخرى المعروفة. حينما يتمّ التعبير عنها بدقّة، تحوي مبادئ التقتير بنود ثبات باقي العوامل
(360)للدلالة على أنّه يصحّ اللجوء إليها فقط حينما تكونُ الأشياء الأخرى (كالقوّة التفسيرية) مُساوية. إذا كان الله يملكُ القوّة السببية ليفسّر أصلَ الكَون بينما نظرية تعدُّد الأكوان التابِعة لدوكينز لا تملك هذه القوّة (بناء على أيّ آليةٍ لإنتاج الكَون يتبنّاها)، فمن غير الواضح أن تكون الأشياء الأخرى مُساوية؛ لن تدخل البساطة الأنطولوجية إلى اللعبة كعاملٍ كاسرٍ للتعادُل.
يجب أن نُفرّق في البساطة الأنطولوجية بين ما يُسمّى تقتيرًا كميًا وتقتيرًا نوعيًا. يعتبر التقتير الكمي أنّ الإلتزام بوجود أشياء فردية أقل يُعدّ ميزة، بينما التقتير النوعي يعتبرُ أنّ الإلتزام بوجود أصنافٍ أقلّ من الأشياء هو ميزة. فلنتطرّق إلى التقتير الكمّي أولًا.
لم يكن يُعتبر التقتير الكميّ دائمًا ميزةً تفسيرية. مثلًا، يرفضُ الفيلسوف المرموق ديفيد لويس هذا القيد الموضوع على التفسير. هل الفرضية التي تُفيدُ أنّ عقلًا بشريًا مُحددًا يحوي العدد X من خلايا الدماغ تتفوّقُ تلقائيًا بالفعل على الفرضية التي تُفيدُ أنّه يحوي العدد x+1 من الخلايا؟ يرى لويس وغيره أنّ هذه الاعتبارات السابقة على التجربة ليس لها مكان في العالم التجريبي. ولكن لعلّ هذا الفهم لميزة البساطة قد دار في ذهن دوكينز في المقدمتين (6) و(7).
لاحِظ أنّ البساطة هي مفهوم مقارَن في المقدمتين (6) و(7). إن افتراض وجود الله لتفسير سمة واحدة معقدة من سمات الحياة على الأرض شيء، ولكن حتى دوكينز يشير إلى العديد من السمات التي يمكن تفسيرها من خلال التصميم
(361)الإلهي (أصل الحياة، والوعي، وقوانين الفيزياء، وما إلى ذلك). ولكن حتّى دوكينز يُلاحظُ أنّ عددًا من هذه الخصائص يُفسَّر بالقوة من خلال التصميم الإلهي (كأصل الحياة، الوعي، قوانين الفيزياء، وما إلى ذلك). إذا كان التقتير الكميّ هو ما يدورُ في ذهن دوكينز، فإنّ الله يُشكِّلُ إذًا تفسيرًا تقتيريًا على وجه الخصوص لجميع هذه الخصائص مجتمِعةً. حتّى ولو كنّا نُحاول فقط تفسيرَ الخصائص التي تبدو مُصمَّمة في العالَم والتي يذكرها دوكينز، فإنّ عدد الكيانات التي تقتضيها هذه الخصائص يفوقُ بشكلٍ كبير إلهًا واحدًا. فقط تأمّل في هذا التعريف لفرضية الإله الذي يقول إنّ هناك كيانًا واحدًا يُفسِّرُ «الكون وكلّ شيء فيه». في مقابل المقدمة (7)، قد يكون الله تفسيرًا جيدًا وفق هذا المعيار. فضلًا على ذلك، قارن فرضية الإله مع افتراض دوكينز لوجود تفسيراتٍ ممكنة منفصلة لجميع الخصائص المصمَّمة المتنوّعة في الحياة والكون. تأمّل في فرضيته حول الأكوان المتعدِّدة -وهي نفخٌ هائل في الإلتزامات الأنطولوجية- لتفسير الخصائص المصمَّمة ظاهريًا في الكون الوحيد المعروف. بتعبيرٍ آخر، إذا كانت المقدمة (6) مبدأً من التقتير الكميّ، فإنّ الكون المتعدِّد التابع لدوكينز -وليس الله- هو غير التقتيري.
يُتاحُ لدوكينز أن يعترضَ بأنّني أقوم بإحصاء التعقيد الكميّ للكيانات بشكلٍ غير صحيح. على سبيل المثال، يعترضُ دوكينز على ادّعاء زميله في أكسفورد، ريتشارد سوينبورن، أنّ الله بسيط لأنّه جوهرٌ وحيد. طوّر دوكينز في كتاب «صانع الساعات الأعمى» رأيه حول التعقيد بشكلٍ أتم، مُحتجًا أنّ الشيء المعقّد
(362)(1) «يملكُ العديدَ من الأجزاء»، و(2) هذه «الأجزاء المكوِّنة مُرتبّة بطريقةٍ لا يُحتمل أنّها قد نشأت بالصدفة وحدها»، و(3) تُحقِّق الأجزاء المجتمِعة غايةً ما. وعليه، قد يحتجّ دوكينز أنّ الله ما زال يبدو مُعقّدًا كميًا (أكثر من الأشياء التي قد يُفسِّرها الله) حيث إنّ الله يملكُ العديد من الأجزاء. ولكن بالمعنى الفعليّ الأشدّ والأوضح، فإنّ الله لا يملكُ أيَّ أجزاءٍ مُطلقًا لأنّ الله جوهر غير مادي.
يبدو أنّ دوكينز يُسلِّم في كتابه «وهم الإله» أنّ الله لا يملكُ أجزاء فعلية، ولكنّه يؤكّد أنّ الله مُعقَّد. يقتبسُ دوكينز رأيَ كيث وارد «أنّه من المتّسق تمامًا... افتراض أنّ الله، ولو كان غير قابلٍ للتجزأة، هو مُعقَّد داخليًا» مُستحسنًا إيّاه، ورأي جوليان هاكسلي الذي «قام بتعريف التعقيد على ضوء «تباين الأجزاء»، وما يقصده من ذلك هو نوع مُحدّد من عدم قابلية التجزأة الوظيفية». قد يعتقدُ دوكينز أنّه رغم أنّ الله لا يتألّف من أجزاء فعليًا، إلا أنّه ينبغي أن يكون مُعقّدًا نفسيًا بمعنىً ما. يحتجّ دوكينز أنّ نشاط الله (سواء نشاطه الذهني وفي العالَم) يستلزمُ تعقيدَه: «الله، أو أي فاعل ذكيٍ ومُتّخذٍ للقرارات ومُقدِّر، ينبغي أن يكون مُستبعَدًا للغاية بالمعنى الإحصائي نفسه كالكيانات التي يُفترض أنّه يُفسِّرها». إضافة إلى ذلك:
(363)«الإله القادر بشكلٍ مستمرٍ على رصد الحالة الفردية لكلّ جُزيئة في الكون والتحكُّم بها لا يُمكن أن يكون بسيطًا. يحتاجُ وجوده إلى تفسيرٍ عملاق بحدّ ذاته. الأسوء (من وجهة نظر البساطة) هو أنّ زوايا أخرى من الوعي الضخم لله تنشغلُ في الوقت نفسه بأفعال كلّ إنسان ومشاعره وصلواته -بالإضافة إلى أيّ كائناتٍ فضائية ذكية قد تكون موجودة على الكواكب الأخرى في هذه المجرّة والـ100 مليار مجرة الأخرى».
أو مرةً أخرى:
«الإله القادر على إرسال إشاراتٍ مفهومة للملايين من البشر في الوقت نفسه، وتلقّي الرسائل من جميعهم في الوقت نفسه، لا يُمكن أن يكون -مهما كانت [صفاته] الأخرى، بسيطًا. يا لهذا النطاق الواسع! قد لا يملك الله دماغًا مؤلفًا من الخلايا العصبية أو وحدة معالجة مركزية مصنوعة من السيليكون، ولكن إذا كان يملكُ القوى المنسوبة إليه فيجب أن يملكَ شيئًا مُركّبًا بشكلٍ تفصيلي وغير عشوائي أكثر بكثير من أكبر دماغ أو أكبر حاسوب نعرفه».
بغضِّ النظر عن أسلوب دوكينز في الكتابة المثير للإعجاب، ما زال غير واضحٍ بشكلٍ دقيق لماذا يستلزم نشاطُ الله تعقيدَه. ربما يظنّ دوكينز أنّ طريقة الله في المعرفة -على سبيل المثال، طريقته في معرفة «مشاعر كلّ إنسان وصلواته»- تجعله مُعقدًا حيث يؤدّي الله عملية معقّدة من مُعالجة المعلومات والاستدلال العقلي. ولكن لطالما اعتقدَ أعظم الفلاسفة وعلماء اللاهوت أنّ الله لا يستدلّ بطريقة تحليلية كما نفعلُ نحن بل يستدلّ بنحوٍ بسيط. يعتقدُ أكويناس، مُقتفيًا أثر
(364)أوغسطين، أنّ الله يعلمُ كلَّ شيءٍ يُمكن أن يُعرَف في فعلٍ واحدٍ لازمني ويمتلكُ فكرًا واحدًا هائلًا. إذا وظّفنا هذا الفهم التقليدي لله، فإنّ الله بعيدٌ عن التعقيد. إنّه أبسط كيان ممكن.
كردٍّ، يُمكن أن يدّعي الفرد أنّ العقول تملك بالضرورة «مكوّنات» ذهنية مُحدّدة، ورغم أنّ هذه المكوّنات ليست أجزاء فعلية إلا أنّها تجعلُ العقل مُعقدًا. لعلّ العقول هي تلك الأشياء التي تمتلكُ بالضرورة بُنيةً ثالوثية أفلاطونية أو فرويدية. مع ذلك، وبناءً على أيّ نموذجٍ نفسيٍ تقريبًا -حتّى تلك النماذج التي تمتلكُ بنىً ثانوية أكثر بكثير- ما زال بعيدًا كل البُعد عن الوضوح أن يكون الله أكثر تعقيدًا من الشيء الذي يُفسّره -أي مُطلقًا كلّ شيء موجود في الكون، بما فيه مليارات المجرّات والنجوم والذرّات والجزيئات دون الذريّة. فضلًا على ذلك، اعتقد الفلاسفة البارزون أنّ الخصائص الإلهية تُختزل في خاصيةٍ واحدة أو بضع خصائص. كما يحتجّ سوينبورن، بما أنّ خصائص الله الجوهرية تتدفّق جميعًا من امتلاكه لـ«القوّة النقية وغير المحدودة والقصدية»، فهو «أبسط صنفٍ من الأشخاص يُمكن أن يوجد». يذهبُ الإيمان الكلاسيكي بالإله (تراث موسى بن ميمون وابن سينا وأكويناس) أبعد من ذلك إذ يؤكِّدُ أنّ الله بسيطٌ بشكلٍ جذريٍ للغاية بحيث لا يفتقدُ فقط للأجزاء المادية بل للأجزاء الميتافيزيقية أيضًا.
في النهاية، حتّى لو أحصينا «أجزاء» الله بهذه الطريقة المتكلّفة، وحتّى لو
(365)سلّمنا لصالح الاحتجاج بأنّ الله هو أكثر تعقيدًا بهذا المعنى الكميّ، وحتّى لو كانت خصائص الله مُستقلّة منطقيًا عن بعضها البعض، يبقى سؤالٌ واحد: هل هو صحيح -كما تدّعي المقدمة (6)- أنّ الكيان الذي يكونُ أكثر تعقيدًا من الناحية الكمية من الشيء الذي يمكن أن يُفسِّره هذا الكيان هو تفسير سيء تلقائيًا؟ تأمّل بالتالي: يقومُ العلماء دوريًا بافتراض كياناتٍ جديدة مُعقّدة حينما تُسوِّغُ المعطيات ذلك. مثلًا: افتراضُ شيءٍ فريدٍ ومُعقّد كثيرًا نسبيًا وغير مشاهَد إلى الآن مثل كوكب نبتون لتفسير بعض الاضطرابات البسيطة في مدار أورانوس. يملكُ نبتون منشأه الخاص الذي يحتاجُ إلى تفسير، فهو يملكُ مدارًا فريدًا ومُحدّدًا للغاية، وتركيبةً مادية مُتعدِّدة الأوجه، وجوًا، ومناخًا، وأقمارًا، وما إلى ذلك. لم يقم العلماء فقط باقتراض كياناتٍ أكثر تعقيدًا من تلك التي تُفسِّرها هذه الكيانات، ولكنّهم قاموا بذلك أيضًا بشكلٍ مُتكرِّر كجزءٍ من أفضل صنفٍ من العلم الطبيعي.
عند هذه النقطة، قد يقترحُ دوكينز أن نُدخِل أمرًا إضافيًا آخر لتمييز التعقيد الأنطولوجي لتفسيراتنا. كما ذُكر آنفًا، رفضَ بعضُ الفلاسفة التقتير الكميّ لصالح التقتير النوعي. قد يعتقدُ دوكينز أنّ فرضية الأكوان المتعدّدة تُعدّ فرضية بسيطة لأنّ الطريقة الصحيحة لإحصاء الكيانات لا تتمّ عبر الرموز الفردية بل عبر الأنواع الجديدة. يكتبُ دوكينز ما يلي:
« [فرضية] الأكوان المتعدّدة، رغم بذاختها، هي بسيطة. قد تبدو [فرضية] الأكوان المتعدّدة باذخة من حيث العدد الهائل من الأكوان. ولكن إذا كان كلُّ واحدٍ من تلك الأكوان بسيطًا في قوانينه الأساسية، فإنّنا ما زلنا لا نفترض شيئًا
مُستبعدًا للغاية».
مع أنّ فرضية الأكوان المتعدِّدة تفترضُ المزيد من الكيانات الرمزية، فإنّ كلّ رمزٍ هو من النوع نفسه جوهريًا ككوننا (والذي يعتبره دوكينز بطريقةٍ ما بسيطًا). وعليه، فإنّ أنطولوجيتنا ليست أكبر ممّا كانت عليه قبل أن نفترض الأكوان المتعدِّدة، أو على الأقلّ، هذا ليس نوع الزيادة الذي يؤدّي بشكلٍ تلقائي إلى تفسيرٍ سيء.
انتقد الفلاسفة الادّعاء بأنّ إدخال الأصناف الجديدة فقط هو ما يمكن أن يضخم الأنطولوجيا. حتّى لو وُجِد نوع من «الخصم» على الرموز الجديدة للأنواع القديمة، فإنّه ليس شيكًا على بياض: نوع جديد واحد يمكن تعويضه بأكثر من ذلك بكثير بواسطة عدد لا نهائي من الرموز الجديدة للأنواع القديمة. إضافة إلى ذلك، خُذ بعين الاعتبار أنّ الإحصاء بناء على الأصناف هو صعب للغاية. هل الأجناس الجديدة من النباتات والحيوانات أو الجزئيات الأساسية المختلفة أنواعًا جديدة؟ إذا كان هذا هو الحال، يُحتمل أنّ الأكوان المختلفة سوف تمتلكُ العديد من الأنواع الطبيعية الجديدة بالفعل، وسوف تتخطّى فرضية الأكوان المتعدِّدة التي يتبنّاها دوكينز بشكلٍ بعيدٍ الإلتزامات الأنطولوجية للمؤمن العادي. ولكن إذا لم تُعدّ هذه الأنواع جديدة، فلمَ لا؟ ما هي الطريقة المبنيّة على القواعد التي تُتّبع لاتّخاذ القرار حول ما يُعدّ نوعًا جديدًا، نظرًا إلى أنّ كلّ شيء يُشبه شيئًا آخر بنحوٍ ما؟
يعتقدُ دوكينز أن افتراضَ العديد من الأكوان الجديدة لا يجعلُ فرضية الأكوان المتعدِّدة مُعقّدة بنحوٍ غير مقبول، وذلك لأنّ هذه الأكوان الجديدة الكثيرة جميعها من النوع العام نفسه لكوننا. ولكن بناءً على هذا المعيار، حتّى لو فسّرننا المقدمة
(367)(6) كفرضيةٍ من التقتير الكميّ، ليس هناك ضمانة أن يكون الله نوعًا جديدًا وبالتالي أن تكون المقدمة (7) صحيحة. إذا كان الذهنُ جزءًا حقيقيًا من عالمنا -والقليل فقط من يُنكر ذلك- فإنّ العبء سوف يقعُ على دوكينز لكي يُفسِّر لماذا يكونُ الله (الذي يتصوّره دوكينز ذِهنًا أو ذكاء) نوعًا جديدًا جوهريًا؟ حتّى إنّ دوكينز يصف الله بأنّه «الإنسان الخارق» -أي مثل الإنسان ولكنّه أقوى. حتّى الفاعل الذكيّ العظيم والقوي بنحوٍ غير قابلٍ للتخيُّل يبدو مع ذلك فاعلًا ذكيًا. في الواقع، لطالما اعتقدت التقاليد التوحيدية العظيمة أنّ البشر قد خُلقوا ككائناتٍ واعية ومتعقّلة في صورة كائنٍ واعٍ ومُتعقّل. وعليه، يصعبُ أن نفهم لماذا يكون الله بالضرورة نوعًا جديدًا.
ولكن لصالح الاحتجاج، فلنفصِّل الأنواع بشكلٍ دقيق ونَقُل إن الله يختلفُ من حيث النوع عن الفاعلين الأذكياء الذين نعرفهم. مع ذلك، قد نتفكّر فيما إذا كان صحيحا أنّ العلم الطبيعي لا يفترضُ قطّ أنواعًا جديدة جوهريًا -ليس فقط كواكب جديدة مثل نبتون (لأنّنا نعلم بوجود الكواكب)- بل أنواعًا جديدة تمامًا. في الواقع، يفعلُ العلماء هذا بشكلٍ دوريٍ ومن دون تذمُّر.
(368)يفترضُ علماءُ الفيزياء وجودَ الأوتار الفائقة والجزئيات الافتراضية والأغشية الخماسية الأبعاد. من الواضح أنّ هذه الفرضيات هي تفسيرية رغم افتراضها لأنواعٍ جديدة (حيث يتمّ فصل الأنواع بشكلٍ دقيق).
قد يُصرّ دوكينز مع ذلك أنّ الله هو نوع مختلف جذريًا عن أيّ شيءٍ آخر نعرفه، وذلك ببساطة لأنّ الله خارق للطبيعة. ولكن أليس هذا بالضبط ما قاله مُنتقدو نيوتن؟ تمّ التنديد بالجاذبية -تلك القوّة العامِلة عن بُعد- باعتبارها «قوة غامضة» غير مُناسِبة في التفسير العلميّ ومُختلفة جدًا من حيث النوع عن الفرضيات العلمية فعلًا. في النهاية، يجب أن نفترض سببًا مُناسبًا لتفسير المعلومات، وحينما تتضمّن المعلومات أصلَ الكون كلّه أو وجود الكائنات الممكنة -أي النظام الطبيعي برمّته- قد يكون نوع مختلف جذريًا من الأسباب هو الوحيد الكافي. أستنتجُ إذًا أنّه، حتّى لو فُهمت مقدمتا دوكينز (6) و(7) على أنّهما تُشيران إلى البساطة النوعية، فإنّ هاتين المقدمتين تبقيان باطلتَين.
لعلّ أكثر ما يُزعج دوكينز حول الإيمان بالإله هو أنّه يتركُ الأصل النهائي للعالم من دون تفسير. ولكن أيٌّ من النظريات هي فعلًا أبسط فيما يتعلّق بعدد الكيانات الأساسية (غير المفسَّرة) والخصائص المفترَضَة؟ وأيٌّ من الرؤى الكونية تبدأ مع أقلّ عددٍ من الكيانات غير المفسَّرة وتنطلِقُ لتفسير كلّ شيءٍ آخر؟
الحقيقة الأساسية الوحيدة في الإيمان بالإله هي -بشكلٍ قابلٍ للاحتجاج- موجودٌ بسيط جذريًا، أو بالحدّ الأعلى وجود شخصٍ يحملُ خاصيتَين -العلم
(369)والقوة- بأبسط طريقةٍ مُمكنة. أي إنّ الله يحملُ هاتين الخاصيتين جوهريًا ومن دون حد (وهذا أبسط من افتراض أيّ مقدارٍ محدود من القوّة أو العلم). تُفسَّر جميع الأشياء الممكنة على ضوء رغبة الله في إحداث أشياء جيّدة (أي من خلال التفسير الشخصي، وهو مألوف جدًا لدينا).
يبدو أنّ المذهب الطبيعي يفتقدُ لهذا النوع من لنظامية والبساطة الأساسية. ثمّة عدد كبير من الحقائق الأساسية (على سبيل المثال، الروابط الأساسية بين حالات الوعي وحالات الذهن) في المذهب الطبيعي، ليس أقلّها وجود الأعداد الهائلة من الكائنات الممكنة: الجزئيات الأساسية التي يتألّف منها الكون المادي. إحصاء عدد الحقائق الأساسية في المذهب الطبيعي سوف يكونُ أمرًا صعبًا، ولكن يبدو أنّه يفترضُ بشكلٍ لا مفرّ منه أكثر من كيانٍ واحدٍ أعمى يحملُ خاصيتين فقط وبأبسط طريقة.
أعترفُ طوعًا بوجود معنىً ما حيث يكونُ الإيمان بالله أكثر تعقيدًا من المذهب الطبيعي: المؤمنون لديهم الله في الأنطولوجيا الخاصّة بهم. لهذا السبب فإنّ ادّعاء دوكينز بأنّنا جميعًا مُلحدون فيما يتعلّق بزوس أو ووتان أو وحش المعكرونة الطائر له بعض القوة الشرائية. كما يُعلن دوكينز بشكلٍ مُسلٍ: «إنّني فقط أنطلقُ إلهًا واحدًا إلى الأمام». افتراضُ الله كالتفسير النهائي لكوننا يعني
(370)الزيادة في عدد الأشياء التي يعتبرُ أنصار المذهب الطبيعي أنّها موجودة. ولكن أحيانًا، ينبغي أن نقوم جميعُنا بإدخال أشياءَ جديدة إلى أنطولوجيتنا (مثلًا، الثقوب السوداء وما إلى ذلك). السؤال الحقيقي هو: هل إنّ وجود الكيان المفترض يجعلُ كامل الرؤية الكونية للإنسان أبسط وأكثر توحُّدًا؟ الإيمان بالإله هو أبسط لأنّه يحوي كياناتٍ أقلّ غير مُفسَّرة، والحقيقة الأساسية الوحيدة فيه تمنحُ تفسيرًا بسيطًا ومُوحَّدًا لجميع الأشياء الأخرى.
تقعُ «مُناورة 747 القصوى» التي طرحها دوكينز في ورطةٍ كبيرة. بغضّ النظر عن أيّ فهمٍ للبساطة يتبنّاه دوكينز، فإنّ المقدمتين (6) و(7) -اللّتين تدعمان المقدمة (4)- هما باطلتان. سواء كانت تُعتبر البساطة نحوية أو أنطولوجية، أو تُعتبر تقتيرًا كميًا أو تقتيرًا نوعيًا، فإنّها من الصعب للغاية أن نزعم أن أيّ تفسيرٍ أكثر تعقيدًا من الشيء الذي يُفسّره [هذا التفسير] بالقوة هو تلقائيًا تفسير سيء، أو أنّ الله هو أكثر تعقيدًا من العالم. إضافة إلى ذلك، لقد قدّمتُ سببًا للإعتقاد بأنّ الإيمان بالإله هو أبسط من المذهب الطبيعي على ضوء عدد الكيانات الأساسية المفترَضَة. لم يُطلِق دوكينز على هذا فقط «الحجّة المركزية» في كتابه، بل وصفه بأنّه «سببه الرئيسي لعدم الاعتقاد بوجود الله». بما أنّ مناورة دوكينز هي الحجة الأكثر تطورًا عند الملحدين الجدد ضدّ وجود الله، فمن المشكوك فيه إذا كانت هذه الحركة تُقدِّمُ أيَّ سببٍ جديدٍ للاعتقاد بعدم وجود الله.
(371)أليستر ماكغراث
رغم أنّ دوكينز قد لخّصَ آرائه المتعلّقة بتداعيات الرؤية الكونية الداروينية على الدِّين في مؤلّفاتٍ سابقة، إلا أنّ مُعالجته المنهجية الأولى لهذه القضية تردُ في كتابه المهم «صانع الساعات الأعمى» (1986). يؤكِّد العنوان الثانوي على أحد المواضيع المحورية في الكتاب: «لماذا يكشفُ دليل التطوُّر عن كَونٍ خالٍ من التصميم؟» يُعدُّ كتاب «صانع الساعات الأعمى» أحد أهمّ مؤلّفات دوكينز، ويكشف عن مهاراته في نقل المعلومات وإلتزامه بالنظرة الكونية الداروينية. صرّحَ دوكينز أنّ هدفه من تأليف الكتاب ليس إقناع قرّائه بأنّه «يُصادف أنّ النظرة الكونية الداروينية هي صحيحة» فحسب، بل إقناعهم أيضًا أنّ هذه هي «النظرية الوحيدة المعروفة التي يُمكن أن تَحلّ -من حيث المبدأ- لُغزَ وجودنا». يقترحُ دوكينز أنّ الداروينية صحيحة، ليس فقط على هذا الكوكب ولكن في أنحاء الكون في كلّ مكانٍ قد توجد في الحياة.
(377)يُمثِّل العنوان «صانع الساعات الأعمى» نقدًا لصورة الله كـ«صانع ساعات»، وهو وصفٌ استُخدِم لأول مرة في أواخر القرن السابع عشر ولعبَ دورًا بارزًا في كتاب ويليام بيلي البارز «اللاهوت الطبيعي» (1802). احتجّ بيلي على ضرورة مُقارنة التعقيدات في العالَم البيولوجي بآلية الساعة، ممّا يدفع أيَّ مُراقبٍ ذكيٍ إلى الاستنتاج بأنّ العالَم البيولوجي قد صُمِّم من قِبل الله وصُنع على يده.
قرارُ دوكينز بمواجهة بيلي مُناسب تمامًا نظرًا إلى أنّ تشارلز داروين نفسه كان مُقتنعًا بادئ الأمر باحتجاجات بيلي، وذلك قبل أن يبدأ بإدراك قصورها في بعض المواضع. بالفعل، إدراكُ داروين المتنامي بأنّ نظريته حول التطوُّر قد فسّرت مُشاهداته التفصيلية أكثر ممّا فعلته نظرية بيلي كان مؤثرًا في إقناعه بضرورة نشر نتائجه وشرح جاذبية مُقاربته الجديدة. بالفعل، انطلقَ دوكينز لتقديم نسخةٍ مُطوَّرة عن مواجهة داروين لبيلي، مُوسِّعًا نقدَ داروين لفكر بيلي لكي يشمل مُفسّري آرائه وأتباعه في العصر الحديث.
يُهيمنُ موضوعان على كتاب «صانع الساعات الأعمى». أولًا، يجب النظر إلى تعقيدات العالَم البيولوجي التي يبدو أنّها تُشيرُ إلى مُصمِّمٍ إلهيٍ على أنّها مجرّد «مظاهر تصميم»، وأنّها في الواقع نتيجة لعملية تطوُّرٍ عمياء. تتطّور الكائنات الحيّة عبر عملية الانتقاء الطبيعي التي «لا تنظرُ إلى الأمام، ولا تُخطِّط للنتائج،
(378)وليس لديها غاية في مرمى البصر». ثانيًا، عمليًا، تُلغي الرؤية الكونية الداروينية اللهَ باعتباره أمرًا زائدًا عن الحاجة، وتُقدِّم تفسيرًا أرفع وأبسط لما نُشاهده في العالَم من حولنا.
تأخذنا هذه النقطة الثانية إلى بُعدٍ مهمٍ في فَهم دوكينز للعلم الطبيعي، خصوصًا لأنّه يرتبطُ بالدِّين. عرضَ ريتشارد دوكينز في مقالته البارزة «داروين مُنتصرًا: الداروينية كحقيقةٍ عالمية» قناعتَه بأنّ نظرية داروين حول التطوُّر هي أكثر من مُجرّد نظريةٍ علمية، ولا تقعُ على المستوى الإبستمولوجي نفسه مثل النظريات الأخرى المؤقّتة من هذا القبيل. بل ينبغي النظر إلى الداروينية كرؤيةٍ كونية، وتفسيرٍ تام للواقع، ومبدأ «عالمي وغير متأثِّر بمرور الزمن»، وأنّها قابلة للانطباق في أرجاء الكون. بالمقارنة، ينبغي اعتبارُ الرؤى الكونية المنافِسة كالماركسية «ضيّقةً وسريعةَ الزوال»، ومُفتقدة للتأسُّس في الفَهم العلميّ للواقع الذي تتّسمُ به بشدّةٍ نظريةُ داروين حول الانتقاء الطبيعي، ومفتقدة للإدراكات حول العالَم والطبيعة البشرية التي تنبثقُ منه. لا يتمُّ تقديم الداروينية كعنصرٍ تمثيلي للمشروع العلميّ، ذي مكانٍ مشروع على الطاولة الدائرية للجدال الأخلاقي والاجتماعي، بل تُفهَم بنحوٍ واضحٍ على أنّها التفسير التعريفيّ للواقع.
بينما قد يتّفقُ أغلب علماء البيولوجيا المناصرون للتطوُّر على أنّ الداروينية تُقدِّمُ وصفًا للواقع، إلا أنّ دوكينز وبعض الآخرين يذهبون أبعدَ من ذلك ويؤكّدون أنّه ينبغي اعتبار الداروينية تفسيرًا للأشياء. الداروينية هي رؤيةٌ كونية، سردية كبيرة -أي بكلمةٍ أخرى، إطارٌ مجموعيّ يتمّ من خلاله تقييم الأسئلة
(379)العظمى حول الحياة وتقديم الإجابات عليها. أثارَ دفاعُ دوكينز عن الداروينية كـ«رؤيةٍ كونية» انتقاداتٍ من مؤلّفي حقبة ما بعد الحداثة الذين يعتبرون أنّه ينبغي مُقاومة أيّ سرديةٍ كبيرة -سواء كانت ماركسية أو فرويدية أو داروينية- من حيث المبدأ. رغم أنّه كثيرًا ما يُصوَّر هذا النقد الموجَّه ضدّ دوكينز على أنّه نقدُ ما بعد الحداثة للعلم الطبيعي، إلا أنّه من الواضح نقدٌ لرؤيةٍ كونية يُزعَم أنّها مبنيّة على العلم الطبيعي.
إحدى اهتمامات دوكينز الأساسية في كتاب «صانع الساعات الأعمى» هي توجيه التحدّي نحو «ظهور التصميم» في العالم الطبيعي، خصوصًا على المستوى البيولوجي. ولكن أليسَ من القطعيّ أنّ البنية المعقَّدة في هيئة العالم الطبيعي -كالعين البشريّة- تُشيرُ إلى شيءٍ لا يُمكن تفسيره من خلال القوى الطبيعية العشوائية، وتُرغمنا أن نلجأ إلى الإله الخالق لكي نُفسِّرها؟ كيف يُمكن إذًا أن نُفسِّر البُنى الضخمة والمعقّدة التي نُلاحظها في الطبيعة؟
يُعرَضُ جوابُ دوكينز بشكلٍ أساسيٍ في كتاب «صانع الساعات الأعمى»،
(380)وقد أُضيفتْ توسعةٌ مهمة لبعض النقاط في كتابه اللاحق «تسلُّق جبل الاحتمال». تتمثّلُ الحجّة الرئيسية المشتَرَكة في الكتابين في أنّ الأشياء المعقّدة تتطوّر من بداياتٍ بسيطة على امتداد فتراتٍ زمنية طويلة:
«الكائناتُ الحيّة غير مُحتملة للغاية و«مُصمَّمة» بشكلٍ فائق الجمال ممّا يستبعدُ حدوثها صُدفةً. كيف وُجِدت إذًا؟ الجوابُ -جوابُ داروين- هو من خلال تحوّلات تدريجية، خطوةً بعد خطوة، من بداياتٍ بسيطة، من كائناتٍ بِدائية بسيطة بما فيه الكفاية لكي تتحقّق عبر الصدفة. كلُّ تغيُّر ناجح في عملية التطوُّر التدريجية كان بسيطًا بما فيه الكفاية، نسبةً إلى سابقه، كي يكون قد نشأ بالصدفة. ولكنّ السلسلة الكاملة من الخطوات التراكمية تُشكِّل أيّ شيءٍ عدا عملية تصادفية. »
ولكن ما قد يبدو أنّه نموٌ مُستبعد للغاية ينبغي أن يُقابَل مع خلفيةٍ من الأزمان الهائلة التي تتخيّلها عملية التطوُّر. استكشفَ دوكينز هذه النقطة مُستخدِمًا صورةَ «جبل المستحيل» المجازي. حينما يُنظَر إلى الجبل من إحدى الزوايا، تبدو «منحدراته الشاهقة العمودية» مُستحيلة التسلُّق. ولكن حينما يُنظَر إليه من زاويةٍ أخرى، يتّضحُ أنّ الجبل يملكُ «مروجًا خضراء مائلةً برفق، تتدرّجُ بثباتٍ ويُسرٍ نحو المرتفعات البعيدة».
يحتجُّ دوكينز أنّ «وهم التصميم» ينشأ لأنّنا نعتبرُ حدسيًا أنّ البُنى مُعقَّدة للغاية ممّا يحول دون حدوثها صدفة. ثمّة مثالٌ ممتاز وهو العين البشرية، حيث يذكر بعضُ أنصار التصميم الإلهي والخلق المباشر المميّز للعالَم أنّها تأكيدٌ على
(381)وجود الله. يُجري دوكينز في أحد الفصول الأكثر تفصيلًا وجدالًا من كتاب «تسلُّق جبل المستحيل» اختبارًا ذهنيًا لكي يُظهِر كيف أنّه، مع الوقت الكافي، يُمكن حتّى لهذا العضو المعقَّد أن يتطوّر من شيءٍ أبسط بكثير.
هذا كله داروينية معيارية. الجديد في الأمر هو الوضوح في العرض، والتصوير التفصيلي لهذه الأفكار، والدفاع عنها من خلال دراسة الحالات المنتقاة بتعقُّل والمقارنات المصاغة بعناية. بما أنّ دوكينز يعتبرُ أنّ الداروينية هي رؤيةٌ كونية وليس نظريةً بيولوجية، فإنّه لا يتردّد في أخذ احتجاجاته إلى أبعد بكثير من حدود ما هو بيولوجيٌ محض. لا تترك عملية التطوُّر مكانًا مفهوميًا لله. وعليه، ما كان يُفسّره جيلٌ سابقٌ من خلال اللجوء إلى الإله الخالق يُمكن أن يُستوعَب ضمن إطارٍ دارويني. بالتالي، لا حاجة للإيمان بالله بعد داروين.
قد يستنتجُ البعض أنّ الداروينية تُشجّع فقط على اللاأدرية ولكنّ الأمر ليس كذلك على الإطلاق لأنّ دوكينز يرى أنّ داروين يدفعنا نحو الإلحاد. لا ينخر التطوُّر القوّةَ التفسيرية لله فقط، بل يُلغي الله كليًا. يحتجّ دوكينز في مقالةٍ مهمة صدرت في العام 1996 أنّه يوجد حاليًا ثلاث طُرقٍ ممكنة فقط للنظر إلى العالَم: الداروينية، اللاماركية، أو الله. يفشل آخرُ اثنين في تفسير العالَم، فتبقى الداروينية هي الخيار الوحيد: «أنا دارويني لأنّني أعتقدُ أنّ البدائل الوحيدة هي اللاماركية أو الله، ولا يؤدّي أيٌ منهما وظيفة المبدأ المفسِّر. الحياة في الكون هي إما داروينية أو شيئًا آخر لم يُفكَّر به لغاية الآن». يقتضي الأسلوب الخطابي في حجّة
(382)دوكينز أنّ الداروينية واللاماركية والإيمان بالله تُشكِّلُ ثلاث رؤى غير مُتقاطعة، وبالتالي فإنّ الإلتزام بأحدها يستلزمُ بالضرورة رفض الأخريَيْن. ولكن مع ذلك، من المعروف أنّ العديد من أنصار الداروينية يعتقدون بوجود نقطة التقاءٍ بين الداروينية والإيمان بالله. بالطبع، مقدارُ هذا التداخل قابلٌ للنقاش وما زال البتّ فيه أمرًا بعيدًا. ولكن يعتمدُ استنتاجُ دوكينز على اقتراح تفرّعٍ ثنائي مُطلق -إمّا الداروينية أو الله- بينما لا تتطلّب النظريتين هذه الأساليب الإطلاقية في التفكير (رغم أنّهما تسمحان بها حتمًا). لا يترتّب هذا الإطلاق (ولا يُمكن أن يترتّب) على التطبيق المشروع لمناهج العلوم الطبيعية، بل ينشأ عن إلتزامٍ فكريٍ مُسبَق يتغلغل في طريقة تفكيره ويتحكّم بها عند هذه النقطة.
يفترضُ دوكينز مُسبقًا أيضًا التناقض التام بين الداروينية واللاماركية كتفسيرَين إجماليّين للتطوُّر. لعلّه كان يُنظَر إلى الأمور على هذا النحو خلال الثمانينيات، ولكن لا يُنظَر إليها الآن على هذا النحو قطعًا. على سبيل المثال، لا يتناسب بسهولةٍ فهمُنا المتزايد للتطور البشري مع نموذجٍ دارويني محض، وهذا قد أدّى إلى أن يُشير البعض إلى وجود عناصر لاماركية في التطوُّر البشري، أو أن يُشيروا إلى أنّه على الأقلّ بعض أبعاد التطوُّر البشري تُفسَّر بأفضل طريقةٍ من خلال نموذجٍ لاماركي. قد يحتجُّ البعض الآن أنّ البشر قادرون على إسقاط عملية التطوُّر البيولوجية بسبب قدرتهم الفريدة على الإدراك المعرفيّ والتكيُّف الثقافي. لقد أدّت الأهمية المتنامية للأنثروبولوجيا وعلم الأعصاب كحقلين
(383)مُرتبطَين بالتطوُّر إلى شروطٍ تتعلّق ببياناتٍ بيولوجية محضة للتطوُّر.
ولكنّ اهتمامنا هنا يتعلّق بفهم دوكينز لتداعيات التطوُّر على الإيمان بالله. قد نتّفق أنّ دوكينز قد أظهر بشكلٍ قطعيٍ أنّه يُمكن تقديم وصف طبيعي محض لما يُعرَف حاليًا عن التاريخ والحالة الراهنة للكائنات الحيّة. ولكن لماذا يؤدّي هذا إلى الاستنتاج الأكثر راديكاليةً المتمثِّل بعدم وجود الله؟ تؤدّي احتجاجاتُ دوكينز إلى الاستنتاج بأنّه لا ينبغي اللجوء إلى الله كفاعلٍ موضِّحٍ مباشر في عملية التطوُّر. هذا يتناغمُ مع الإدراكات المتنوّعة الإلحادية واللاأدرية والمسيحية عن العالَم، ولكنّه لا يستلزم أيًّا منها.
أحد المواضيع المتصدِّرة في «صانع الساعات الأعمى» هو أنّ الداروينية تُقدِّمُ تفسيرًا نهائيًا لأصول البشر، وأنّ هذا هو التفسير الوحيد الذي يتمتّع بالمعنى ويتصدّى للحكم البرهاني النقدي. ولكن قد يُجيب الناقد بشكلٍ منطقيٍ من خلال الإشارة إلى أنّ الداروينية لا تُقدِّم -وبالفعل لا يُمكن أن تُقدِّم -تفسيرًا كاملًا لأصول الحياة، لأصول الأنواع عمومًا أو البشر خصوصًا. في أفضل الأحوال، تُقدِّم الداروينية تفسيرًا جزئيًا -تفسيرًا يعتمدُ على تفسيراتٍ مُكمِّلة أخرى، وكلّ واحدٍ منها يملكُ على الأقلّ ادّعاءً مُحدَّدًا لكي يُنظَر إليه على أنّه التفسير «السائد».
لنعرض المسائل. أولًا، نحتاجُ إلى أن نُلاحظ أهمية «الأفق الدارويني»
(384)-وهي النقطة التي يصلُ فيها نموّ الحياة إلى مرحلةٍ من التعقيد الكافي تُتيحُ تنشُّط العمليات الداروينية. كما يُشيرُ دوكينز نفسه بشكلٍ صائب، فإنّ الحمض النووي هو مُكوّن ضروري في النموذج الدارويني، ويُوفِّر الوسيلة التي يُمكن من خلالها نقل المعلومات الوراثية بوفاءٍ مُذهل. ولكن ثمّة إجماعٌ واسعٌ الآن أنّ كُلًا من الحمض النووي نفسه وآليات استنساخ الحمض النووي المرتبطة به قد ظهرا في مرحلةٍ متأخِّرة نِسبيًا في تاريخ الحياة المبكِّرة. لم يبدأ عمل الآليات الداروينية إلا في مرحلةٍ متأخِّرة نِسبيًا من تاريخ كوكب الأرض. أدّت عملياتٌ أخرى إلى النقطة حيث أصبحَ من الممكن أن تبدأ هذه الآلية التطوُّرية.
فضلًا على ذلك، الداروينية لا تُفسِّر أصلَ الحياة. كان داروين نفسه حذرًا كي لا يُناقش السؤال عن كيفية بداية الحياة في كتاب «أصل الأنواع»، مع أنّ الافتراض الذي يُفيدُ أنّ العمليات الطبيعية المحضة قد تُفسِّر أصلَ الحياة يبدو كامنًا في العديد من كتاباته. رغم انّ البعض قد اعتقدَ بأنّ فشل داروين في تفسير أصل الحياة كان فشلًا كبيرًا من جانبه، إلا أنّ داروين كان واضحًا تمامًا في أنّ نظرياته تُفسِّر التحوّلات في الأنواع وليس أصل الحياة. قدّمت نظريةُ داروين شرحًا لكيفية نموّ الحياة، ولم تُقدِّم شرحًا لكيفية حدوث الحياة وهو أمرٌ اعتبره داروين خارج نطاق نظريته.
ولكن ينبغي أن نعود إلى الدور الحاسم الذي أدّاه الحمض النووي في
(385)التطوُّر البيولوجي لكي نؤكِّد على نقطةٍ أخيرة. تعتمدُ قدرة الحمض النووي على تشفير المعلومات الوراثية على كيمياء الكربون بشكلٍ حاسمٍ - فوق كلّ شيء، قدرة الكربون على تكوين سلسلاتٍ طويلة. هل تُوجد قاعدةٌ عالمية كيميائية للتطوُّر في أرجاء الكون؟ إن صحَّ ذلك، ليس من الصعب أن نُلاحظ لماذا قد تكون الحياة مبنيّةً على الكربون. ولكنّ أغلب علماء البيولوجيا يحتجّون أنّ عملية التطوُّر تعتمدُ على ما هو مُتاح، وهذا يجعلُ التالي مشكوكًا فيه: إذا كان التطوُر البيولوجي عالميًا في أرجاء الكون (كما يعتقدُ دوكينز بوضوحٍ أنّ الحال هو كذلك)، فهو يستخدمُ بالضرورة الآليات الكيميائية والعناصر نفسها في كلّ ظرف. يُوظِّف التطوُّر على الأرض الفوسفات بكثافة، ولكن التطوُّر في أماكن أخرى قد لا يفعل ذلك.
في النهاية، يستحيلُ ببساطةٍ أن نُناقش التطوُّر من دون التفكير في العمليات التي أدّت إلى تركيب المكوِّنات الكيميائية الثلاثة الأساسية لآليات عملية التطوُّر على الأرض -الكربون، النيتروجن، والأوكسيجن. الاعتراف بالاعتماد الكيميائي للتطور البيولوجي ليس أمرًا جديدًا. احتجّ عالِمُ الكيمياء من هارفارد جوزيه بارسونز كوكي (1827-1894) أنّ كيمياء الكون يتمتّع بأهميةٍ حيوية في تشكيل نموّه. لقد حدّدت الخصائص الأساسية للعناصر الكيميائية كُلاًّ من القيود والإمكانات البيولوجية:
(386)«قبل أن تتمكّن الخليّة الأولى العضوية من الوجود، وقبل أن يتمكّن مبدأ الانتقاء الطبيعي التابع للسيّد داروين من أن يبدأ ذلك العمل الذي استغرق أعمارًا لا تعدّ والذي كان سينتهي بتطوير إنسانٍ كامل، بل حتّى قبل أن تتمكّن الكرة الأرضية الصلبة من التكثُّف من سديم لابلاس، لا بدّ أنّ العناصر الكيميائية قد خُلِقت ومُنحت تلك الخصائص التي من خلالها فقط يُجعَل وجودُ تلك الخليّة ممكنًا».
مع ذلك، فإنّ العناصر الحاسمة من الناحية البيولوجية-الكيميائية كالكربون والنيتروجن والأوكسيجن لم تتشكّل في التاريخ المبكِّر للكَون بل لم يكن من الممكن أن تتشكّل حينها. وجودُ هذه العناصر الحاسمة هو نتيجة لـ«تراصّ» المادّة أو «تراكمها» في النجوم، مع الابتداء اللاحق للتفاعلات الانصهارية النووية. نسبةُ القوّة الملزِمة الانجذابية إلى طاقة كتلة السكون (التي تُعتبر على نحوٍ واسعٍ مثالًا كلاسيكيًا على «الضبط الدقيق») هي على نحوٍ حيث سمحت بـ«التراص» التدريجي للمادة في أجسامٍ أكبر: النجوم. تتشكّلُ النجومُ كنتيجةٍ للاضطراب في الغيوم الضخمة للمادّة داخل الوسط الهشّ الواقع بين النجوم. لولا تشكُّل النجوم، لكان الكون مُنحصرًا في الهيدروجين والهيليوم، مع وجود نسبةٍ ضيئلة فقط من العناصر الأخرى كالليثيوم والبريليوم.
إذًا أين تتركنا هذه التأمُّلات؟ تُقدِّمُ القضايا التي أثرناها السياقَ العميقَ
(387)للتطوُّر البيولوجي، وتُوضِّحُ أنّ هذه العملية هي فقط جزءٌ من الجواب على السؤال عن الأصول البشرية. تُثيرُ التأمُّلات أيضًا بعضَ القضايا حول ما إذا كان يُمكن النظر إلى الداروينية كعمليةٍ شاملة على ضوء آلياتها، نظرًا إلى أهميّة العوامل الموضعية في تحديد الموارد الكيميائية المتاحة للآليات والعناصر التطوُّرية. التطوُّر هو جزء من الجواب على السؤال كيف وصلنا إلى هنا؟ مع ذلك، فإنّ تلك العملية تعتمدُ في النهاية على عملياتٍ أخرى تقعُ بعيدةً عن منالها.
لنمضِ قُدُمًا وننظر إلى أحد الأبعاد الأخرى للجدال حول التداعيات اللاهوتية للداروينية.
هل نحن بحاجةٍ إلى الله لكي نشرح كلّ شيء؟ احتجّ ويليام بيلي أنّ الله هو مُفسِّر «الإبداعات» التي نُلاحظها في الطبيعة، أي بكلمةٍ أخرى البُنى الطبيعية التي أظهرتْ الدليل على التصميم والتنفيذ. وفقًا لدوكينز، يرمزُ داروين إلى افتراق طُرُق. يحتجُّ دوكينز أنّه قبل داروين، كان من الممكن النظر إلى العالَم كشيءٍ مُصمَّم من قِبل الله، ولكن بعد داروين لا يُمكن إلا أن نتحدّث عن «وهم التصميم». العالَم الدارويني خالٍ من الهدف، ونحن نخدعُ أنفسَنا إن ظننّا خلاف ذلك. «يملكُ الكَون الذي نُراقبه الخصائصَ بالدقّة التي نتوقّعها إذا لم يكن هناك جوهريًا لا تصميم، ولا غاية، ولا شرّ، ولا خير، لا شيء غير اللامبالاة العمياء العديمة الشفقة».
وعليه، يحتجُّ دوكينز أنّ الله زائدٌ عن الحاجة كفرضيةٍ تفسيرية. لا يملك
(388)الله أيّ «وظيفة نافعة» قابلة للتمييز في التفسير العلميّ. دعمًا لهذه الفكرة، يُقدِّمُ دوكينز عددًا من الاحتجاجات، وأكثرها إثارةً للاهتمام هو «برنامج البيومورف (البنية الشبيهة بالأحياء) » الخاص به. الهدف من هذا التشبيه هو مُساعدتنا في أن نُقدِّر أنّ ظهور التصميم يُمكن أن ينشأ من تطوّراتٍ عشوائية. يقترحُ دوكينز التالي: تخيّل أنّ قِردًا (أو شيئًا مماثلًا) يجلسُ مع آلة كتابة تضمّ 26 حرفًا كبيرًا وزرّ مسافة. اختار دوكينز العبارة التالية من مسرحية «هاملت» من تأليف شكسبير المؤلّفة من 28 مُكوّنًا: «أخالُه يُشبه نِمسًا». هذه هي «الجملة المستهدَفة». يُنتِج الحاسوب الآن عشوائيًا عبارةً من 28 مُكوّنًا -ما يُوازي أن يُحاول القرد في المثل أن يطبع مؤلفات شكسبير. لا حاجة للقول بأنّ الجملة المنتَجَة لن تملكُ أيَّ صلة بالجملة المستهدَفة.
ولكن يحصلُ شيءٌ ما الآن. يُطلَب من الحاسوب أن يُدقّق في العبارة ويختار الجملة التي «تُشبه بأكبر نحوٍ -مهما كان ضئيلًا- الجملة المستهدَفة». تتواصلُ العملية الآن. بعد 30 تكرارًا فقط، يتمّ تطوير جملةٍ تُشبه الجملة المستهدَفة بشكلٍ قابلٍ للتمييز: «أماله يُشبه نِمسًا». بعد 12 تكرارًا آخر أو ما يُقاربه، يتمُّ التوصُّل إلى الجملة المستهدَفة. يستنتجُ دوكينز أنّ عملية التطوُّر قادرة على إحداث مظهر النظام بشكلٍ أسرع وأشدّ فاعلية من المتوقَّع.
ولكنّ هذا التشبيه خاطئ، فهو يتجاهلُ بعضَ القضايا الأساسية وكأنّها
(389)ليست إشكالية. بالفعل، يُشكِّل هذا التشبيه مثالًا ممتازًا عمّا أسماه فريدريك وايسمان «طرد المشاكل الفلسفية» عبر تشبيهاتٍ مُسيطَر عليها ومُنتقاة بحذر. أوضحُ مشكلة هي أنّ التشبيه يفترضُ مُسبقًا غائيةً يعتقدُ دوكينز أنّها مفقودة في الطبيعة. لا تُوجد «جملةٌ مُستهدَفة» يُمكن أن تسيرَ نحوها عمليةُ التطوُّر. يُقرّ دوكينز بهذا الأمر في الكتاب نفسه، ولكنّه لا يعتبره أمرًا ذا أهميةٍ حيوية بالنسبة إلى تشبيهه. ولكنّ هذا خطأ بنحوٍ واضح.
ثمّة مشكلة أخرى لا يتطرّق إليها دوكينز كما ينبغي. لقد تمّ إلغاء فكرة التصميم أو الانتقاء الهادف على المستوى اللفظي فقط. بينما يسمحُ لنا التشبيه بتفادي مُفردات «التصميم»، إلا أنّ مفهوم التصميم موجودٌ ضمنيًا في برنامج الحاسوب الذي أُنشئ للتحكُّم بالتحوُّل بطريقةٍ مُحدّدة. هناك أنسنة غير مُعترَف بها كامنة في التشبيه مما تمنحه مصداقية لجمهور القراء المستهدفين. إذا نزعتَ برنامج الحاسوب (المصمَّم) فإنّ التشبيه سوف يخسرُ كثيرًا من معقوليته. من الأفضل النظر إليه ببساطةٍ وبشكلٍ حصريٍ كإشارةٍ إلى كيف يُمكن أن تتراكم الطفرات الصغيرة العشوائية لتُنتج تغييراتٍ كبيرة شرطَ أن يتمّ اختيارها بطريقةٍ غير عشوائية.
إذا وضعنا معقولية التشبيه جانبًا، لنركِّز على النقطة التي يُريد دوكينز أن يُعبِّر عنها: يُمكن لـ«نظرية الطفرة العشوائية زائد الانتقاء التراكمي غير العشوائي»
(390)أن تُفسِّر ظهورَ التصميم في العالَم. ليس هناك حاجة لافتراض الله كآليةٍ تفسيرية. افترِض أنّنا أقررنا بهذه النقطة، فما هي التداعيات؟ يستنتجُ دوكينز أنّه بما أنّه يُمكن تجاهل الله باعتباره شيئًا لا علاقة له بالموضوع ومُستبعد، فإنّ الموقف الوحيد الذي يملكُ المعنى هو الإلحاد. رغم ذلك، لا يتّخذ دوكينز بالفعل الخطوات المنطقية المطلوبة للتوصُّل إلى هذه النتيجة، ويبدو أنّه يفترض أنّها واضحة ذاتيًا إلى حدٍ كبيرٍ بحيث لا تقتضي الإثبات. ولكنّ الأمر ليس كذلك. من أجل توضيح هذه النقطة، يُمكن أن نستكشف الرؤية حول العالَم التي قدّمها عالِمُ اللاهوت المسيحي المتصدِّر ثوماس أكويناس (1225-1274) في القرن الثالث عشر.
أنشأ أكويناس إطارًا لفهم علاقة الله بالعالَم. ينسجُ هذا الإطار المواضيع الجوهرية في العقائد المسيحية مع بعضها. يُمكن عرض الأفكار الأساسية التي طوّرها أكويناس ببساطةٍ كبيرة كما يلي. الله هو سببُ كلّ الأشياء، ولكنّ سببية الله تعملُ عبر عدّة طرق. رغم أنّه يجب أن نعتقد أنّ الله قادرٌ على فعل أمورٍ مُحدّدة على نحوٍ مباشر، إلا أنّه يُفوِّض الفاعلية السببية إلى النظام المخلوق. وفقًا لأكويناس، ينبغي أن يُعتبَر مفهوم السببية الثانوية امتدادًا -وليس بديلًا عن- السببية الرئيسية لله نفسه. يُمكن أن تتحقّق الأحداث في النظام المخلوق ضمن علاقاتٍ سببية مُعقّدة، من دون أن نُنكر بأيّ نحوٍ من الأنحاء اعتمادها النهائي على الله كسببٍ أول.
النقطة الحاسمة التي ينبغي تقديرها هي أنّ النظام المخلوق بالتالي يُبيِّن
(391)العلاقات السببية التي يُمكن للعلوم الطبيعية أن تتحرّاها. يُمكن التحقيق في تلك العلاقات السببية وربطها ببعضها -مثلًا، على هيئة «قوانين الطبيعة»- من دون الإشارة بأيّ نحوٍ من الأنحاء إلى رؤيةٍ كونية إلحادية، فضلًا عن اقتضائها. لكي نُعبّر عن هذا الأمر بأبسط طريقةٍ ممكنة نقول: يخلقُ الله العالم بنظامه وعملياته الخاصّة.
تملكُ هذه المقاربة الكلاسيكية نقاطَ ضعفٍ وقوّة. أوضحُ نقاط قوّتها هي أنّها قد وضعتْ الأسس المفهومية لتطوُّر العلوم الطبيعية في العصور الوسطى المتأخِّرة، وذلك من خلال التشجيع على التحقيق في العمليات والأحداث الطبيعية. بالمناسبة، من المهم أن نذكر أنّ هذه الرؤية المسيحية تجاه العالَم قد عُرِضت قبل داروين بوقتٍ طويل. بالتالي، لا يُمكن أبدًا وصفُ مُقاربة أكويناس بأنّها مُحاولة لاحِقة للدفاع عن المسيحية ردًّا على تهديدٍ مُتصوَّر من العلم الطبيعي الجديد المتمثِّل ببيولوجيا التطوُّر.
لنذكر الآن إحدى عبارات دوكينز الجديرة بالاقتباس التي ذكرناها آنفًا: «يملكُ الكَون الذي نُراقبه الخصائصَ بالدقّة التي نتوقّعها إذا لم يكن هناك جوهريًا لا تصميم، ولا غاية، ولا شرّ، ولا خير، لا شيء غير اللامبالاة العمياء العديمة الشفقة». وفقًا لدوكينز، تُلغي الداروينية أيَّ مفهومٍ يتعلّقُ بوجود الغرض في العالَم الطبيعي. قد تُوجد مظاهر للتصميم، أو مظاهر الغرض،
(392)ولكنّها ليستْ إلا ذاك. تدمّرت فكرةُ الغائية من خلال أفكار داروين. يبدو أنّ دوكينز يعثرُ هنا على الدعم من ثوماس هاكسلي الذي علّق أنّ أشدّ ما صدَمَه عندما قرأ كتاب داروين «أصل الأنواع» للمرّة الأولى هو أنّ «الغائية، كما تُفهَم عمومًا، قد تلقّت ضربة موتها على يدَي السيّد داروين».
ولكن ينبغي التعبير عن نقطتين هنا. أولًا، كان هاكسلي واضحًا في أنّ داروين قد فنّد نموذجًا واحدًا فقط -الشكل «المفهوم عمومًا»- من التوجه الغائي، وليس غيره من النماذج. ثانيًا، برزت فكرة الغائية مجددًا على أنّها نافعة ومُناسبة في جوانب مُحدّدة من بيولوجيا التطوُّر منذ العام 2000 تقريبًا. لنتناول هاتين النقطتين بإيجاز.
أولًا، انتقدَ هاكسلي من يقترح أنّ نظرية الانتقاء الطبيعي التابعة لداروين تميلُ نحو «إلغاء الغائية، واجتثاث [العناصر الجوهرية] للدليل المبنيّ على التصميم». رغم أنّ هاكسلي قد أكّد بشكلٍ صائب أنّ مُقاربة داروين قد دمّرت الفهم الشهير للغائية الذي وضعه ويليام بيلي، إلا أنّه كان واضحًا في أنّ نظرية داروين حول التطوُّر هي شاهدة على «غائية أوسع»، مُتجذِّرة في البنية الأعمق للكون. من المهم أيضًا أن نذكر تعليقَ آيسا غراي في مقالةٍ لها وردت في دورية «الطبيعة»: «لنعترف بالخدمة الكبيرة التي أسداها داروين إلى العلم الطبيعي من خلال إعادته إلى الغائية؛ وعليه، بدلًا من المورفولوجيا في مقابل الغائية، سوف نحظى بالمورفولوجيا المتزوّجة من الغائية».
(393)ثانيًا، أصرَّ عالِمُ البيولوجيا فرانسيسكو أيالا وآخرون على شرعية توظيف اللغة الغائية في التفسير البيولوجي وأهميته. يُمكن أن نعتبر أنّ تكيُّفات الكائنات الحيّة تكونُ مُفسَّرة غائيًّا حينما يُمكن أن يُعلَّل وجودها على ضوء مُساهمتها في اللياقة التناسلية للجماعة. لقد لوحِظ أنّ هذه التكيُّفات -كالأعضاء، أو الآليات الاستتبابية، أو الأنماط السلوكية- كان لها أثرٌ مُفيد على بقاء الكائنات الحيّة أو على قدراتها التناسلية، التي يُمكن أن تُعتبر «الهدف» الفينومينولوجي الذي تميل نحوه.
من المهم أن نذكر أنّ مفهوم «الغائية» مفتوحٌ أمام تفسيراتٍ مُتعدِّدة، بعضها إيمانيّ وبعضها الآخر ليس كذلك. ذكرَ فيلسوف البيولوجيا إرنست ماير بشكلٍ صائب أنّ العديد من علماء البيولوجيا يُقاومون التصريحات أو التفسيرات الغائية، ويعودُ ذلك جزئيًا إلى أنّهم يشتبهون بأنّها تدسُّ العقائدَ اللاهوتية أو الميتافيزيقية غير القابلة للإثبات في ما يُفترض أنّه بيانات علمية موضوعية عن الواقع. يسألُ ماير: ولكن ماذا لو تمّ تمييز نوعٍ مُحدّد من الغائية داخل العملية البيولوجية وليس فرضه عليها؟ «توظيفُ ما يُسمّى باللغة «الغائية» من قِبل علماء البيولوجيا هو أمرٌ مشروع؛ هو لا يُشيرُ إلى رفض التفسير الفيزيائي-الكيميائي ولا يُشير إلى
(394)التفسير غير السببيّ». دعمًا لاقتراحه، لاحظ ماير أنّ الأمثلة على السلوك الموجَّه نحو الهدف هي واسعة الانتشار في العالم الطبيعي. بالفعل، إنّ «وقوع العمليات الموجَّهة نحو الهدف هو ربما أكثر خاصية مُميِّزة لعالَم المنظومات الحيّة».
ينبغي أن ننتقل الآن لكي نتناول الكاتب والصورةالطبيعي. بالفعل، ف اللَّذَين يلعبان دورًا مركزيًا في كتاب دوكينز «صانع الساعات الأعمى». سوف نتطرّقُ في القسم الرئيسي الذي يلي إلى صورة الله كصانع ساعاتٍ إلهيّ وتطبيقها على العالَم الحيّ من قِبل عالِم اللاهوت ويليام بيلي الذي عاشَ في مطلع القرن التاسع عشر.
طُوِّر مفهومُ الله كـ«صانعِ ساعات» -وهو مفهومٌ يقضي دوكينز وقتًا طويلًا جدًا في مُحاولة هدمه- على يد روبرت بويل (1627-1691) خلال أواخر القرن السابع عشر. قارنَ بويل بين انتظامات العالَم وتعقيداته وبين الساعة الكبيرة الموجودة في ستراسبورغ. كان ذلك بمثابة ردٍّ عجول نوعًا ما على التحدّي الفكريّ لما يُعرَف عادةً بـ«الفلسفة الميكانيكية». طُبّق تشبيه «صانع الساعات» في الأصل على العالم الماديّ، ومن ثمّ نُقِل إلى الميدان البيولوجي في أواخر القرن الثامن عشر، مع نتائج وجدها البعض مُطمئنة بينما وجدها آخرون غير مُرضية بنحوٍ عميق.
يُمثِّلُ كتاب «صانع الساعات الأعمى» هجومًا مهمًا وناجحًا جدًا على هذا
(395)المفهوم الذي طُرِح في القرن الثامن عشر والذي يُشبّه الله بصانع ساعات. ولكن ما هي تداعيات ذلك؟ ما يُظهره دوكينز بالفعل هو أنّ الفهم المحدَّد للغاية حول عقيدة الخَلق، وهو فَهمٌ نشأ كردٍّ على الظروف التاريخية في إنكلترا خلال القرن الثامن عشر، قد قُوِّضَ كليًا من قِبل البيان الدارويني للتطوُّر. سبقَ وأن رُفِضت هذه النظرية المرتبِطة بويليام بيلي باعتبارها غير مُلائمة من قِبل العديد من عُلماء اللاهوت المتصدِّرين آنذاك -مثل جون هنري نيومان (1801 - 1890)- قبل أن يُقوِّضها داروين بشكلٍ أكبر. نظرًا إلى أهمية هذه النقطة، سوف نفحصُ نظرية بيلي ببعض التفصيل.
خلفيةُ تأكيد ويليام بيلي على «الإبداع» الظاهر في العالَم البيولوجي هي بشكلٍ مُميِّز مسألةً إنكليزية، نشأتْ عبر التفاعل المعقَّد للسياسة والدِّين في إنكلترا في مطلع القرن الثامن عشر. هذا التطوُّر مُذهلٌ تاريخيًا، وإضافة إلى ذلك له أهمية ليستْ بالضئيلة فيما يتعلّق بنظرية دوكينز حول «صانع الساعات الأعمى».
في أواخر القرن السابع عشر، دفعتْ سلسلةٌ من الأحداث التي وقعتْ في كُلٍّ من الدولة والمجتمع البريطاني بوجهٍ عام كنيسةَ إنكلترا نحو اتّخاذ موقف الدفاع. يملكُ أحد هذه الأحداث صلةً مُحدّدة بأهدافنا: ظهورُ مذهب الربوبية، وهي رؤية تتعلّق بالله تعترفُ بالخالقية الإلهية ولكنّها ترفضُ أيّ تدخُّل إلهي مُتواصل في العالَم. تسبّب تصاعدُ مذهب الربوبية ببعض المشاكل في الكنيسة القائمة،
(396)خصوصًا فيما يتعلّق بالكيفية التي ينبغي من خلالها تفسير الكتاب المقدّس والتراث العقائدي للكنيسة. بعد أن أُعجِبوا بإثبات إسحق نيوتن للانتظام الميكانيكي في العالَم، شرع كثيرٌ من الأشخاص في الكنيسة باستكشاف الفكرة التي تُفيدُ أنّ اللجوء إلى العالم الطبيعي قد يكون قاعدة الدفاع الجديد عن الأفكار المسيحية.
لطالما كان الاهتمام بالعالم الطبيعي جزءًا من التراث الفكري المسيحي. ولكن في الماضي، اتّخذ هذا الأمر عمومًا هيئة تفسير العالم من منظورٍ مسيحي، مع اللجوء إلى الأعجوبة والجمال في العالم الطبيعي كطريقةٍ لتقدير جمال الله. من المعروف جيدًا أنّ أحد أهمّ القوى الدافعة المؤدّية إلى تطوُّر العلوم الطبيعية في القرنين السادس عشر والسابع عشر كان الاعتقاد بأنّ دراسة الطبيعة من مسافةٍ قريبة يؤدّي إلى تثمينٍ أعمق لحكمة الله. كما عبّر عالمِ الطبيعة الكبير جون راي(1628 - 1705) -مؤلِّف الكتاب المحتفى به «حكمة الله المتجلّية في مصنوعات الخلق» (1691)- في العام 1660م: «ليس للإنسان الحرّ عملًا أكثر جدارةً وبهجةً من تأمُّل مصنوعات الطبيعة البهيّة وتمجيد حكمة الله وخيره اللامتناهيين».
ولكنّ كلّ هذا قد تغيّر في مطلع القرن الثامن عشر. تطوّرت مقاربةٌ جديدة
(397)في تطبيق اللاهوت، وقد عُرفت لاحقًا بنحوٍ مُتنوِّع بـ«اللاهوت الطبيعي» أو «اللاهوت الفيزيائي» (المستخرج من الكلمة اليونانية «فيزيس» التي تعني «الطبيعة»). احتُجَّ على إمكانية استنتاج وجود الله وصفاته من الطبيعة نفسها. مع تنامي سيطرة العقلانية على الحياة الفكرية الإنكليزية، ردَّت الكنيسة القائمة من خلال نقل التأكيد من المصادر التقليدية للحجّية (كالكتاب المقدّس) إلى العالَم الطبيعي. وعليه، أصبح مُمكنًا إثباتُ وجود الله وحكمته أمام عالَمٍ يتزايدُ تشكيكه، وذلك من خلال اللجوء إلى وجود النظام في الطبيعة.
بادئ الأمر، لجأ هذا «اللاهوت الطبيعي» إلى نظام العالم الفيزيائي -وفوق كلّ شيءٍ إلى انتظام «الميكانيكا السماوية» التي أثبتها إسحق نيوتن (1642-1727). فجأة، أصبحَ يُنظَر إلى نيوتن على أنّه قد أعدَّ مقاربةً جديدة للدفاع عن المسيحية وتطبيق اللاهوت. أضحى «اللاهوت الفيزيائي» رائجًا في مطلع القرن السابع عشر، ولكن لم يمضِ وقتٌ طويلٌ قبل أن يؤدّي ما بدا أنّه تحالفٌ واعدٌ بين العلم والدِّين إلى قطيعةٍ مُتزايدة وغير قابلة للنقض بالقوة. المقاربة التي دافع عنها العلماء البارزون في زمانهم قد انتقلتْ إلى الأيدي الأقلّ كفاءة قطعًا للأساقفة ورؤساء الشمامسة، الذين ردّدوا كثيرًا وبنحوٍ منقول أفكارًا لم يكونوا قد فهموها بشكلٍ جيد، وكانوا يمليون إلى تضخيم دلالاتها. بدا وكأنّ منظومة نيوتن تُشيرُ إلى أنّ العالَم يُشكّلُ آليةً مُقيمة لذاتها ليست بحاجةٍ إلى الإدارة أو المدد
(398)الإلهيَّين في عملها اليوميّ. بالتالي، بعيدًا عن التشجيع على الإيمان بالله، أعلنتْ أنّه غير ضروري تمامًا.
مع حلول نهاية القرن الثامن عشر، استنتجَ كثيرٌ من أفراد النخبة الثقافية البريطانية أنّه من المرجَّح أكثر أن تقودَ منظومة نيوتن إلى الإلحاد أو اللاأدرية وليس إلى الإيمان. تركيبةُ العلوم الفيزيائية والدِّين التابعة لنيوتن كانت قد فشلت. حينما علّق بيرسی بيش شیلي (1792-1822) أنّ «النيوتني المتسق هو مُلحدٌ بالضرورة»، فإنّه كان يُعبِّر عن الإجماع المنبثِق في ذاك العصر الذي أفادَ أنّه لا يُكتسب إلا النزر اليسير من خلال الدفاع عن المسيحية عبر اللجوء إلى الفيزياء.
وعليه، إذا كان الفيزياء طريقًا مسدودًا، فماذا عن البيولوجيا؟ هل يُمكن إقامة الاحتجاجات على وجود الله استنادًا إلى اللجوء إلى العالم الحيّ للطبيعة بدلًا من المدارات الدورية للكواكب؟ رأى بيلي طريقةً لحقن حياة جديدة في المقاربة. سوف تعيشُ لتقاتل في يومٍ آخر. للمصادفة، حقّقت مُقاربة بيلي نجاحًا رائجًا أكثر ممّا كان يُمكن أن يتخيّله هو. ولكن مع ذلك فإنّها قد أثارتْ الانطباعَ الخاطئ تمامًا بأنّ المصداقية الفكرية للمسيحية تعتمدُ بنحوٍ ما على المقاربة التي تبنّاها. المقاربة؟ الله كصانع ساعات.
كان لكتاب بيلي تحت عنوان «اللاهوت الطبيعي أو الأدلّة على وجود الإله وصفاته المجموعة من مظاهر الطبيعة» (1802) تأثيرًا عميقًا على الفكر الدينيّ
(399)الإنكليزي الرائج خلال النِّصف الأول من القرن التاسع عشر، وقد عُرِفَ أنّ تشارلز داروين الشاب قد قرأه بامتنان. كان بيلي مُعجبًا بعمقٍ باكتشاف نيوتن للانتظام في الطبيعة، خصوصًا فيما يتعلّق بالمجال المعروف عادةً بـ«الميكانيكا السماوية». كان واضحًا أنّه يُمكن أن يُنظَر إلى الكون بأكمله كآليةٍ مُعقّدة تعملُ وفقًا لمبادئ مُنتظَمة ومفهومة.
في رأي بيلي، توجّبَ نقلُ تشبيه الله بصانع الساعات من الميدان الفيزيائي إلى الميدان البيولوجي وتحتّمَ النظر إلى الطبيعة على أنّها «إبداع». تُشيرُ هذه الكلمة المهمة إلى فكرتَيْ التصميم والبناء، وقد اعتقد بيلي أنّ كليهما واضحان في العالم البيولوجي. يحتجُّ بيلي على أنّ الشخص المجنون هو فقط من يقترح أنّ التكنولوجيا الميكانيكية المعقّدة قد حدثت عبر صدفةٍ غير هادفة. تفترضُ الآلية الإبداعَ مُسبقًا - أي بتعبيرٍ آخر، كُلًا من حسّ الهدفية والقدرة على التصميم والصناعة. يُمكن أن ننظر إلى كُلٍ من الجسم البشري خصوصًا والعالم عمومًا على أنّهما آليتَين صُمِّمتا وبُنيتا وتكيّفتا بشكلٍ ممتاز مع حاجاتهما وأوضاعهما الخاصّة.
تَعرضُ الفقرات الافتتاحية في كتاب بيلي تحت عنوان «اللاهوت الطبيعي» التشبيهَ الذي اشتهرَ به بيلي وأصبحَ مادةً لكثيرٍ من الإشارات الممتنّة -ولكن النقدية في النهاية- في كتاب دوكينز «صانع الساعات الأعمى»:
«حينما أعبرُ مَرجًا، افترِض أنّني ركلتُ حجرًا برجلي وسُئلت كيف وصلَ الحجر إلى هناك. قد أُجيبُ أنّه، على حدّ علمي، كان مُلقىً هناك منذ الأزل؛ وربما لن يكون سهلًا للغاية إظهارُ سخافة هذا الجواب. ولكن افترض أنّي وجدتُ ساعةً على الأرض، وتمّ الاستفسار كيف صادفَ وجود الساعة في ذلك المكان.
(400)بالكاد سوف أُفكِّر بالجواب الذي قدّمته سابقًا، أي على حدّ علمي إمكانية أن تكون الساعة موجودة هناك منذ الأزل. ولكن لماذا لا يخدم هذا الجواب الساعة كما الحجر؛ لماذا ليس مسموحًا به في الحالة الثانية كما في الحالة الأولى؟».
بعدها، يُقدِّمُ بيلي وصفًا تفصيليًا للساعة، ويذكرُ على وجه الخصوص وعائها، وزنبركها الأسطواني المفتول، وعجلاتها الكثيرة المتداخلة، ووجهها الزجاجي. بعد أن يعطي بيلي قرّائه هذا التحليل الدقيق، يتوجّه لرسم استنتاجه المهم بنحوٍ حاسم:
«عند مُلاحظة هذه الآلية -إنّها تتطلّب بالفعل فحصًا للآلة، وربما بعض المعرفة المسبقة بالموضوع، لكي نُدركها ونفهمها؛ ولكن، كما قلنا، عند مُلاحظتها وفهمها فإنّ الاستدلال الذي نظنّه حتميًا، أي أنّ الساعة لا بدّ أن يكون لها صانع- أنّه لا بدّ أن يكون قد وُجد في وقتٍ ما وفي مكانٍ ما أو غيره صانعٌ أو صُنّاعٌ شكّلوها لغايةٍ نجدُ أنّها بالفعل تُجيب عنها، قد فهموا بنائها وصمّموا استخدامها».
التشبيه، كأغلب ما يردُ في مؤلفات بيلي، هو مُستعار، والبحث العلميّ هو من الدرجة الثانية قطعًا. كان بيلي قد انتحل كتابات جون راي من دون شفقة في سعيه نحو اللاهوت الطبيعي الجديد. رُغم أنّ بيلي كان مُفكِّرًا اشتقاقيًا وذا أفكارٍ قديمة، إلا أنّه كان ناقلًا ممتازًا للأفكار. ولكن ما نقله بيلي بفاعليةٍ عالية كان نمطًا باليًا من التفكير. أنماطُ التفكير التي يعودُ تاريخها إلى أواخر القرن السابع عشر ومطلع القرن الثامن عشر سبقَ وأن كانت تُعتبر قديمة وعديمة الفائدة من قِبل
(401)أغلب الأكاديميّين المسيحيّين، إلا أنّ هذه الأفكار قد مُنحت حيويةً جديدةً من خلال كتابات بيلي الرائجة.
احتجّ بيلي على أنّ الطبيعة تُظهِرُ علامات «الإبداع»، أي التصميم والصناعة الهادفَين. تشهدُ الطبيعة سلسلةً من البُنى البيولوجية «المبتكرة»، أي التي أُنشئتْ مع غايةٍ واضحةٍ في الذهن. «كلُّ دلالةٍ على الابتكار وكلُّ تجلٍّ للتصميمٍ في الساعة قد تحقّق في المصنوعات [في] الطبيعة». بالفعل، يحتجُّ بيلي على أنّ الطبيعة تُظهِرُ درجة ابتكار أكبر مما هو موجودٌ في الساعة. بيلي هو في أفضل أحواله حينما يتعاملُ مع البنى المعقّدة للغاية للعين والقلب البشريَّين، اللَّذين يُمكن وصف كُلٍّ منهما بتعابير آلية. يُشيرُ بيلي إلى أنّ أيَّ شخصٍ يستخدمُ مِنظارًا يُمكن أن يرى أنّ هذه الأداة المعقّدة قد صُمِّمتْ وصُنعتْ على يد أحدٍ ما. يتساءل بيلي: من ينظرُ إلى العين البشرية ويفشل في أن يرى أنّ لها مُصمِّمًا أيضًا؟
تتمثّلُ حجّة بيلي في أنّ الخلق ساكن. بعد أن خلقَ الله الأشياء، فإنّها لا تتطوّر. لقد صُبَّت الأشياء في قالبها النهائي ولم تحتج للتطوّر. وفقًا لبيلي، يُشيرُ مفهوم التطوُّر إلى نقصٍ في القالب الأصليّ. وكيف يُمكن لإلهٍ كاملٍ أن يخلق مخلوقًا غير كامل؟ بما أنّه لا يوجد معنىً للتطوُّر في بيان بيلي حول الخَلق، فإنّ مجرد إثبات وجود التطوُّر في الطبيعة هو كافٍ لتقويض كامل أطروحته.
فسّرت نظرية داروين بشكلٍ طبيعي وأنيقٍ أكثر بكثير خاصيتَين في العالم
(402)البيولوجي، لم تستطع أن تستوعبهما عقيدة بيلي حول «الخلق المميّز» إلا بطريقةٍ مُتكلّفة ومرتبكة نوعًا ما. أولًا، خلال أسفاره على سفينة «بيغل»، كان داروين مُعجبًا بالقطعان الحيوانية ذي الطبيعة الفردية جدًا على الجزر كأرخبيل غالاباغوس. كان يُمكن تفسيرُ هذه القطعان بسهولةٍ على ضوء التطوُّر داخل بيئةٍ محليّة. جهدتْ نظريةُ بيلي في فهم معنى هذا الأمر. ثانيًا، أدركَ داروين أنّ نظريته يُمكن أن تُفسِّر سببَ وجود الأعضاء اللاوظيفية التي لا تملكُ غايةً ظاهرية. واجه بيلي مشاكل في تفسير لماذا مَنحَ الله البشر الزائدة الدودية بينما لا تؤدّي وظيفةً مُفيدة. ولكن في نظر داروين، شكّلت هذه الأعضاء بقايا ماضٍ تطوري. اعتقدَ داروين أنّ نظريته حول الانتقاء الطبيعي تملكُ قوةً تفسيرية أكبر من عقيدة بيلي حول الأفعال المستقلّة من الخلق المميّز. «لقد أُلقي الضوء على عدّة حقائق هي بناءً على الاعتقاد بأفعال الخَلق المستقلّة غامضة تمامًا».
كما داروين من قبله، كان دوكينز بليغًا وسخيًا في بيانه لإنجاز بيلي، وقد ثمّنَ «أوصافه الجميلة والموقَّرة لآلية الحياة المشرّحة». لم يزدرِ دوكينز بأيّ نحوٍ أعجوبة «الساعات» الميكانيكية التي أبهرت بيلي وأعجبته للغاية، ولكنّه احتجّ على أنّ دفاعه عن وجود الله -رغم «إخلاصه الشغوف» و«استمداده للمعلومات من أفضل البحث العلمي البيولوجي في يومه»- هو «خطأ باهر وتام». «صانع الساعات الوحيد في الطبيعة هو قوى الفيزياء العمياء».
دوكينز صائبٌ في انتقاد بيلي. أغلبُ الأكادميّين المسيحيّين -سواء كانوا
(403)علماء طبيعة أو علماء لاهوت- من العصر الفيكتوري المبكِّر قد فعلوا الأمر نفسه واعتبروا أنّ بيلي قد مثّلَ أسلوبًا باليًا من النظر إلى الأمور فشلَ في إنصاف التطوُّرات العلمية في ذلك العصر أو المواضيع الأساسية في اللاهوت المسيحي المطلّع. أعلنَ عالم اللاهوت الفيكتوري البارز جون هنري نيومان أنّ مُقاربة بيلي يُحتمل منها بالدرجة نفسها أن تقودَ إلى الإلحاد كما إلى الإيمان بالله. رفضَ نيومان حجّة بيلي المبنيّة على التصميم، مُقترحًا في واقع الأمر مقاربةً استقرائية إلى تفسير العالم الطبيعي: «أنا أؤمن بالتصميم لأنّني أؤمن بالله؛ لا أنّي [أؤمن] بالله لأنّني أرى التصميم».
دُعي نيومان في العام 1852 لإلقاء سلسلةٍ من المحاضرات في مدينة دبلن حول «فكرة الجامعة». أتاحَ له هذا الأمر أن يستكشفَ العلاقة بين المسيحية والعلوم، خصوصًا «اللاهوت الفيزيائي» التابع لبيلي. انتقدَ نيومان مُقاربة بيلي بشدّة، جالدًا إيّاها بأنّها «إنجيل زائف». بدلًا من تقدُّمها تجاه المقاربات الأكثر تواضعًا التي تبنّها الكنيسة القديمة، مثّلت هذه المقاربة تقهقهرًا عن تلك الأفكار.
يُمكن تلخيص لُبّ النقد الذي وجّهه نيومان لمقاربة بيلي في جملةٍ واحدة: «لقد أُخِذت خارج مكانها، ووُضِعتْ إلى الأمام بشكلٍ بارزٍ للغاية، وبالتالي استُخدِمت على وجه التقريب كأداةٍ ضدّ المسيحية». شكّل «اللاهوت
(404)الفيزيائي» التابع لبيلي مَغرمًا، واعتقدَ نيومان بضرورة التخلّي عنه قبل أن يُفنِّد المسيحية:
«لا يُمكن لللاهوت الفيزيائي، من طبيعة القضية، أن يُخبرنا كلمةً واحدةً عن المسيحية نفسها؛ لا يُمكن أن يكون مسيحيًا، بأيّ معنى حقيقي، على الإطلاق... لا بل أكثر من هذا: لا أتردّد في أن أقول إنّه عند أخذ البشر على ما هم عليه، فإنّ هذا المسمّى بالعلم الطبيعي يميلُ -إذا شغلَ الذهن- أن يُوجِّهه ضدّ المسيحية».
قبلَ سبع سنوات من أن يُفسد داروين مُقاربة بيلي على أُسُسٍ علمية، كان نيومان -الذي كان يُعدّ بشكلٍ واسعٍ أهمّ عالم لاهوت إنكليزي في القرن التاسع عشر- قد رفض رأيَ بيلي باعتباره مغرمًا لاهوتيًا باليًا.
الأمر المثير للاهتمام هو أنّه لم يكن هناك أيّ إدراك من جانب نيومان لأزمة الإيمان الجديدة التي كان كتاب داروين على وشك أن يُسرِّعها. استندتْ حجّة نيومان -التي سبقت زمنيًا كتاب «أصل الأنواع» من تأليف داروين- فقط إلى اعتقاده بأنّ مُقاربة بيلي تفشلُ فيما سعت إلى نقله وتضعُ اللاهوت المسيحي في شراك الدفاعيات التي قد تُخطيء بشكلٍ كارثي. لم تكن تلك المرة الأولى التي تأخذُ الدفاعيات المسيحية انعطافةً خاطئة كارثية. وفقًا لنيومان، تأخّر التصحيح الفوريّ كثيرًا.
اعتقدَ بعضُ المؤلّفين اللاحقين في العصر الفيكتوري أنّ نظرية داروين حول
(405)التطوُّر قد سمحتْ لفكر بيلي بأن ينمو في جهاتٍ أكثر نفعًا. كما أظهرَ جيمز مور في بيانه الضخم والفاصل حول الردود المسيحية على داروين، اعتقد كثيرون أنّ نقاط القصور الواضحة في بيان بيلي حول الحياة البيولوجية -ومن أبرزها مفهوم «التكيُّف الممتاز»- قد تصحّحت من خلال مفهوم الانتقاء الطبيعي التابع لداروين.
الأهمّ من ذلك هو أنّ سلسلةً من المؤلّفين قد نبذوا اهتمامَ بيلي بتكيّفاتٍ مُحدّدة (استخدامًا لمصطلحٍ دارويني لم يكن يعرفه)، وفضّلوا التركيز على الحقيقة التي تُفيدُ أنّ التطوُّر يبدو محكومًا ببعض القوانين المحدّدة تمامًا -وهو تطبيقٌ واضح للمقاربة العامة التي طوّرها أكويناس في العصور الوسطى على البيولوجيا والتي انعكست في كتاب بايدن باول النافذ تحت عنوان «مقالات حول روح الفلسفة الاستقرائية» (1855).
النقطة الجوهرية هنا هي أنّ بيلي يرمزُ إلى الازدهار المتأخِّر والأخير لحركةٍ انبثقت في أعقاب الثورة النيوتنية الكبيرة في أواخر القرن السابع عشر، والتي ضلّتْ طريقَها كليًا مع حلول مُنتصف القرن الثامن عشر. أعادَ بيلي صياغة أفكارٍ قديمة، غير مُدركٍ أنّ صلاحية مِصداقيتها الضعيفة كانتْ على وشك الانتهاء. ينبغي اعتبارُ كتاب داروين «أصل الأنواع» ومؤلّفاته اللاحقة تفنيدًا يعودُ تاريخه إلى أواخر القرن التاسع عشر لفكرةٍ تعودُ إلى مطلع القرن الثامن عشر قد نظرَ إليها
(406)بريبةٍ المؤلِّفون المسيحيون المتصدِّرون في مطلع القرن التاسع عشر.
إذًا، لماذا تعاملَ بيلي مع فكرة النظام الطبيعي الجامد الذي أسّسه الله مرةً واحدةً وللأبد عبر فعلٍ أوّلي من الخَلق؟ من خلال حبس نفسه في هذه الرؤية الجامدة للأشياء، أدخلَ بيلي نفسَه في مُعضلة. لم يتمكّن هو أو أتباعه اللاحقون من التصدّي للأدلة الجيولوجية التي أفادتْ أنّ العالَم أقدم ممّا قد تمّ تخيّله إلى الآن، أو للإدراك المتنامي بحصول تغيُّراتٍ في دائرة السكّان البيولوجية مع مرور الوقت. ولكن كانت هذه افتراضات أواخر القرن السابع عشر الذي كان محبوسًا في نمط التفكير الجامد الذي كان سِمةً للعلم الطبيعي في ذلك العصر الأقدم. تشكّل لاهوتُ بيلي من خلال الرؤية الكونية العلمية في العصر الحديث المبكِّر التي دفعتْ به إلى أن يُفكِّر بالخَلق على نحوٍ جامد.
رغم أنّ المسيحية مُتجذّرة في الكتاب المقدّس إلا أنّ التراث اللاهوتي المسيحي كان دائمًا مُلتفتًا إلى الحاجة لتفسير نصّه التأسيسي بأكثر طريقةٍ أصيلةٍ ممكنة. أدّى هذا إلى جدالات داخل الكنيسة حول أفضل كيفيةٍ لتفسير نصوصٍ مُحدّدة. خلال السنوات الـ500 الأولى من تاريخ المسيحية، انبثقَ عددٌ من المبادئ الأساسية. كان أحد هذه المبادئ تفسير الكتاب المقدّس على نحوٍ يُتيحُ تفاعلًا إبداعيًا مع أفضل علمٍ طبيعي في ذلك الزمن.
كان أحد أكثر علماء اللاهوت تأثيرًا في ذلك العصر هو أوغسطين من هيبو (354-430)، الذي احتلّ فكره أهميةً خاصةً في عملية استكشاف العلاقة بين
(407)تفسير الكتاب المقدّس وبين العلوم. أكّد أوغسطين على أهمية احترام استنتاجات العلوم فيما يتعلّق بتفسير الكتاب المقدّس. كما لاحظ أوغسطين في تفسيره لسِفر التكوين، فإنّ بعض المقاطع كانت قابلة فعلًا لتفسيراتٍ مُتنوّعة. وعليه، كان من المهم السماح بمزيدٍ من البحث العلميّ للمساعدة في تحديد أكثر نمط تفسير مُناسب يتّصل بمقطعٍ مُحدّد:
«فيما يتعلّق بالشؤون التي تكون غامضةً جدًا وبعيدةً للغاية عن رؤيتنا، نجدُ في الكتاب المقدّس نصوصًا يُمكنُ تفسيرها بطرق مُختلفة للغاية من دون الانحياز إلى الإيمان الذي تلقّيناه. لا ينبغي في هذه الحالات أن نهرع ونتّخذ موقفنا بحزمٍ كبيرٍ إلى جانبٍ واحد، بحيث إنّه إذا قوّضَ التقدُّم الإضافي في البحث عن الحقيقة موقفَنا بعدل، نسقطُ نحن أيضًا معه. لا ينبغي أن نُحارب لصالح تفسيرنا الخاص بل لصالح تعاليم الكتاب المقدّس. لا ينبغي أن نتمنّى توفيق معنى الكتاب المقدّس مع تفسيرنا، بل [توفيق] تفسيرنا مع معنى الكتاب المقدّس. »
وعليه، حثّ أوغسطين على أنّه ينبغي لتفسير الكتاب المقدّس أن يأخذ بعين الاعتبار بنحوٍ وافٍ ما يُمكن أن يُعتبر بشكلٍ معقول حقيقةً مُثبَتة. كانت تهدفُ هذه المقاربة تجاه تفسير الكتاب المقدّس إلى أن تضمن أن لا يقع اللاهوت المسيحيّ أبدًا في شراك رؤيةٍ كونية ما قبل-علمية. كان هذا دائمًا هو الموضوع السائد في التفسير الغربيّ للكتاب المقدّس، ولكنّه لم يمنع الجدالات حول ما هي المقاربة الفضلى. كثيرًا ما ضمّت هذه الجدالات التجربة والخطأ، حيث حدّدت الطريقة الفضلى لتفسير نصٍ من الكتاب المقدّس من خلال فترةٍ زمنية مُمتدّة من النقاش والاستكشاف.
(408)كان ويليام بيلي سبب أحد تلك الاستكشافات. لا يهمّ أنّ التاريخ يعتبر استكشافَه أحد قطع المغامرة اللاهوتية الأقلّ نجاحًا. لا يُمكن أن نتبنّى «لنظرة الويغية للتاريخ»، تُثني على الاستكشافات التي نجحت وتنتقد بشدّة تلك التي فشلت. لكي نستخدم عبارة أرنولد توينبي الشهيرة، فإنّ كامل مشروع اللاهوت المسيحي، كالحضارة البشرية نفسها، هو «حركة وليس حالة، رحلةً وليس ميناء». الأمر نفسه بالضبط ينطبق على المنهج العلميّ. الاستكشافُ أمرٌ جوهري.
كما سبقَ وأن أكّدنا، جرى تقييم مُقاربة بيلي تجاه الدفاعيات المسيحية منذ العام 1800، وقد اكتملَ أساسيًا مع حلول العام 1850 قبل نشر نظرية داروين. الحكم؟ كان اختبارًا فاشلًا. حانَ الوقتُ لإعادة استكشاف مُقارباتٍ أقدم حول الدفاعيات، وتطوير مُقارباتٍ جديدة لم تُلطِّخها إخفاقاتُ بيلي. ولكن كان تأثير بيلي على نحوٍ بقيت آراؤه داخل الثقافة الفيكتورية، وبقي معها فهمٌ جامدٌ جوهريًا للعالم البيولوجي اعتُبِر بشكلٍ خاطئ أنّه يُشكِّلُ الرؤية المسيحية للأمور. لا عجبَ أنّ العديد من علماء اللاهوت أرادوا أن يعودوا إلى الوسيلة الأقدم والأكثر أصالة في تطبيق اللاهوت، وتنحية مغامرة بيلي جانبًا.
تقييمُ دوكينز للتداعيات اللاهوتية للداروينية يعتمدُ بشكلٍ مُفرط على الافتراض الذي يُفيدُ أنّ مقاربات بيلي تجاه المحيط الحيوي هي مألوفة ومعيارية في المسيحية. يبدو أنّ دوكينز يفترضُ أيضًا أنّ الدفاع الفكريّ عن المسيحية يستندُ إلى حدٍ كبيرٍ -إن لم يكن كليًا- إلى «الحجّة المبنيّة على التصميم» التي تُشبه الحجّة
(409)التي طرحها بيلي. ولكنّ اللاهوت المسيحي لا يؤكِّد أنّ الإيمان المسيحي هو غير منطقي أو أنّه يفتقدُ للمكانة المعرفيّة الإيجابية إذا لم يلجأ إلى نوع الاحتجاجات التي يُطوِّرها بيلي. يُقدِّم دوكينز دفاعًا ممتازًا للتخلّي عن فِكر بيلي، ولكن يبدو أنّه يظنّ أنّ هذا يستلزمُ أيضًا التخلّي عن الله.
ماذا إذًا لو نسينا بيلي، وعُدنا إلى تفسير الكتاب المقدّس والمناهج اللاهوتية للكنيسة القديمة؟ للأسف، هذا اختبارٌ تاريخي لا يُمكن ببساطة الاضطلاع فيه. التاريخ، كما عملية التطوُّر التي يصفها داروين ودوكينز، هو غير قابل للانعكاس وعرضة للاحتمالات التي تقعُ خارج السيطرة التجريبية. الحدث العرضي هو على نفس الدرجة من الأهمية في التطوُّر الثقافي كما في التطوُّر البيولوجي. ولكن ما يُمكن قوله وما ينبغي قوله هو التالي: لو كان وقع الجدال الدارويني في الكنسية الناطِقة باللغة اليونانية في القرن الرابع، لجرت الأمور بشكلٍ مُختلف للغاية. يعتمدُ تقييم دوكينز السلبيّ بشدّة للتداعيات الدينية للداروينية على تصوير العارض التاريخي الموضعي كضرورةٍ لاهوتية شاملة. حتّى مع أخذ الأهمية الثقافية لبريطانيا في القرن التاسع عشر بعين الاعتبار، لا يُمكن معالجة الظروف المحلية والمحدّدة لإنكلترا في العصر الفيكتوري وكأنّها تُحدِّد الإيمان المسيحيّ على مرّ العصور.
ينبغي أن نُدرك أنّ المؤلفين المسيحيين في عهدٍ أقدم كانوا قد طوّروا مفاهيم ديناميكية حول الخَلق -على خلاف مفهوم بيلي الراكد والجامد- قابلة جدًا للتنقيح لكي تُناسب رؤية التطوُّر. سوف نتناول فيما يلي أحد أكثر الأمثلة شهرةً.
(410)في مطلع القرن الخامس، نشرَ أوغسطين من هيبو -الذي يُعتبر على نحوٍ واسعٍ أحد أكثر علماء اللاهوت تبصُّرًا وتأثيرًا في المسيحية- تأمّلاته حول الفصول الثلاثة الأولى من سِفر التكوين. ألّف أوغسطين كتابه تحت عنوان «حول المعنى الحرفيّ للتكوين» بين سنوات 401 و415. إحدى أهمّ الأفكار التي طوّرها أوغسطين في هذه التعليقة هي أنّ فِعل الخلق الإلهي لم يكن مُقتصرًا على فِعل الإنشاء بل امتدّ ليضمّ التفتُّح اللاحق والتحوُّل في الخلق الأصليّ. خُلق العالم مع قابلية التحوُّل الإضافي، تحت توجيه العناية الإلهية. بينما كان يُفكّر البعض بالخلق على ضوء إدخال الله لأنواعٍ جديدةٍ من النباتات والحيوانات الجاهزة الصنع -إن صحَّ التعبير- في عالمٍ سبق وأن وُجِد، إلا أنّ أوغسطين قد رفضَ هذا الأمر باعتباره غيرَ مُنسجمٍ مع الشهادة الإجمالية للكتاب المقدَّس. بالأحرى، ينبغي أن نعتبر أنّ الله قد خلق في تلك اللحظة الأولى بالضبط الفاعليات (يستخدم أوغسطين مشهد «البذرة») لجميع أنواع الكائنات الحيّة التي سوف تأتي لاحقًا، ومن بينها البشرية.
وعليه، احتجّ أوغسطين أنّ الله قد خلق العالم مُترافقًا مع قُدرة التحوُّل من «مبادئ شبيهة بالبذور» قد وُجِدت منذ البداية، ويحوي كلٌّ منها القابلية للتحوُّل اللاحق إلى نوعٍ حيٍ مُحدّد. يقترحُ أوغسطين أنّ الأرضَ قد تلقّت من
(411)الله القوّة أو القابلية لإنتاج الأشياء بنفسها. تُفهَم فكرة «البذرة» بأفضل نحوٍ على أنّها توجيهية، حيث تُقدِّم وسيلة غير دقيقة-ولكن مفيدة-لتصوير المفهوم الصعب لاهوتيًا ولكن المهم المتمثِّل في أنّ الله يستمرّ في التصرُّف في الطبيعة لتحقيق القوى الكامنة المغروسة في النظام المخلوق لحظة خلقه. تُشيرُ صورة البذرة إلى أنّ الخلق الأصليّ قد ضمّ في داخله القوى الكامنة لجميع الأنواع الحيّة التي سوف تظهر لاحقًا.
وعليه، درّس أوغسطين وجودَ «لحظتين» في الخلق، تُطابِق فعل الإنشاء الابتدائي والعملية المستمرّة المتمثِّلة بالهداية الإلهية. مع الإقرار بوجود ميلٍ طبيعيٍ إلى التفكير بالخلق كحدثٍ ماض، يُصرّ أوغسطين أنّه ينبغي الاعتراف بأنّ الله يعملُ الآن، في الحاضر، حافظًا ومُوجِّهًا تفتُّح «الأجيال التي خزّنها في الخلق حينما أُنشئ لأول مرة».
يُصرّ أوغسطين أنّ هذا لا يعني أنّ الله قد خلق العالم غيرَ تامٍ أو غيرَ كامل، وذلك لأنّ «ما أنشأه الله في الأصل في الأسباب، فإنّه قد أتمّه لاحقًا في النتائج». خُلِق العالم مع قوةٍ كامنة داخلية كي يتحوّل إلى ما أراده الله منه أن يُصبح مع مرور الوقت، وقد مُنحت هذه القوة الكامنة في فعل الإنشاء الأصلي. يُصرِّحُ أوغسطين أنّ عملية التحوُّل هذه محكومة بقوانين أساسية تعكسُ إرادةَ خالقها: «أنشأ الله قوانين ثابتة تحكمُ إنتاجَ أنواع الكائنات وخصائصها، وتُخرجها من
(412)الخفاء إلى مجال الرؤية الكاملة حتّى تُهيمن إرادة الله على كلّ شيء».
نُلاحظُ هنا تأكيدًا صريحًا على دور التدبير الإلهي في هداية ظهور العالم الطبيعي من خلال «قوانين ثابتة». لعِبَ هذا المفهوم دورًا مهمًا في إرشاد التفكير اللاحق حول «قوانين الطبيعة» أو «القوانين العلمية». يستخدمُ أوغسطين فكرةَ وجود عملية نشوءٍ موجَّهة من العناية الإلهية للتعبير عن مفهوم ثنائيٍ حول الخلق: كحدثٍ أصليٍ مع إمكاناتٍ مُنغرسة وكتحقُّق لاحقٍ لتلك الإمكانات مع مرور الوقت.
حتّى هذا البيان الموجز للغاية عن لاهوت الخلق وفقًا لأوغسطين يُوضِّحُ أنّه يُقدِّمُ إطارًا مُفيدًا لكي يوضَع فيه البيان المسيحي عن التطوُّر البيولوجي. يردُ ضمنًا في بيان أوغسطين حول الخَلق المفهوم الذي يُفيدُ أنّ الخلق يستلزمُ إنشاء واقعٍ ذي مستوياتٍ مُتعدّدة احتمالًا، تنبثقُ خصائصه تحت ظروفٍ مُحدّدة إمّا لم توجد أو أنّها لم تُعتبر مُناسبة للتحوُّل عند نشوء الكون. يحتجُّ أوغسطين على أنّ الكون قد خرج إلى عالم الوجود مع قابلياتٍ داخلية تُتيحُ له التحوُّل إلى شكله الكامل، خاضعًا لهداية الله. يتناقضُ هذا الأمر بشكلٍ حاد مع آراء بيلي الذي اعتقدَ أنّ أيَّ فكرةٍ تُفيدُ أنّ الطبيعة تملكُ طاقاتٍ حيوية أو قوى داخلية كافية لخلق نظامها الخاص تُوازي الإلحاد.
(413)ينبغي أن نضع مُقاربة أوغسطين إلى جانب عبارة تشارلز كينغسلي (1819 - 1875) المحتفى بها الناشئة عن تأمُّلاته في كتاب داروين «أصل الأنواع»: «كُنّا نعلم قديمًا أنّ الله حكيمٌ للغاية بحيث إنّه يستطيعُ أن يصنعَ جميعَ الأشياء؛ ولكن انظر، إنّه أكثر حكمةً بكثير حتّى من ذلك، إذ بمقدوره أن يجعلَ جميعَ الأشياءَ تصنعُ نفسَها». يُمكن أن نسأل بشكلٍ منطقيٍ: لماذا لم يُطوِّر كينغسلي هذه الفكرة من قراءته لأوغسطين بدلًا من داروين؟ لماذا لم يستطع أن يُطبِّق هذا الإطار اللاهوتيّ على قراءته لداروين، ويُدرك صداه المحتمل مع ما وجده في «أصل الأنواع»؟ في الواقع، كان عالِم البيولوجيا الإنكليزي الكاثوليكي سِنت جورج ميفارت (1827 - 1900) عالمًا بمقاربة أوغسطين، وقد ثمّن أهميةَ الإطار الذي قدّمته لاستيعاب وجهات النظر التطوُّرية. «يُصرّ القدّيس أوغسطين بطريقةٍ لافتةٍ للغاية على المعنى الاشتقاقي المحض الذي ينبغي فهمُ خلق الله للأشكال العضوية على ضوئه؛ أي أنّ الله قد خلقها من خلال منح العالَم الماديّ القوّة على تطويرها في ظروفٍ مُناسبة». أمّا فريدريك تمبل (1821-1902)، الذي أصبحَ لاحقًا رئيس أساقفة كانتربري، فإنّه قد اعتبرَ هذه المقاربة الطريقة الواضحة في الأمام للاهوت المسيحيّ. أشارَ تمبل في بعض المحاضرات المؤثِّرة في العام 1884 أنّ الله قد وهبَ الخَلق «قوى متأصِّلة بحيث تطوّرت الكائنات الحيّة، كتلك الموجودة في الوقت الحاضر، في المسار العاديّ للوقت... لم يصنع
(414)الله الأشياء، يُمكن أن نقول ذلك؛ كلا، بل جعلها تصنعُ نفسَها».
مُقاربة بيلي والمقاربات الأخرى الشبيهة بها هي عارضٌ من التاريخ، نتيجة للإجماع العلميّ السائد في مطلع القرن الثامن عشر (الذي افترضَ البعض بشكلٍ غير حكيم أنّه صحيحٌ دائمًا) وهيئة كنسية أرادتْ أن تؤكِّد أهمية الاستقرار والنظام والانتظام، قد سُعدت تمامًا بالتماشي مع مُقاربة بيلي وسوابقها كوسيلةٍ لتلك الغاية -وليس لأنّ أفرادها قد علموا (أو حتّى اعتقدوا) أنّها خطأ، بل ببساطةٍ لأنّهم على ما يبدو قد افتقدوا المعرفة بالبدائل الأصيلة والقابلة للتطبيق التي تعودُ إلى المرحلة الهامة الأولى من التأمُّل اللاهوتي المسيحيّ.
إذا أمكنَ أن يُقال بأنّ بيلي وزملائه قد اتّخذوا انعطافةً خاطئة، يجب أن نشكر دوكينز لأنّه لفتَ إلى هذا الأمر -ولكن ينبغي أن نذكر أنّ العديد من الأفراد في العصر الفيكتوري كانوا قد توصّلوا إلى الاستنتاج نفسه. لم يُفنّد دوكينز المسيحية بحدّ ذاتها، ولكنّه فنّد ما هو قطعًا طرازًا لاهوتيًا إنكليزيًا من القرن الثامن عشر قد هجره الأكاديميون المسيحيون منذ أمدٍ بعيد. أصاب فيلسوف الدِّين الكاثوليكي كريستوفر مارتن حينما علّق أنّ: «الموجود الذي يُكشَف لنا عن وجوده من خلال الحجّة المبنيّة على التصميم ليس الله بل المهندس العظيم الذي [يعتقدُ به] الربوبيّون والماسونيون، مُنتحل مُتنكّر بصفة الله، رجل إنكليزي عجوز مُحترم حازم ولطيف وذكي للغاية، مُزوّد بمئزرٍ ومجرفةٍ ومُربّع وبوصلات». مع ذلك، ما زال تشبيهُ بيلي الحيوي مُستقرًا في البيانات الشهيرة حول الإيمان، خصوصًا في البروتستانتية في شمال أمريكا. لعلّ هذا كان الهدف الحقيقي لنقد دوكينز.
(415)ماذا إذًا عن إيمان داروين الدينيّ؟ هل حوّلته نظريته عن التطوُّر إلى مُحاربٍ مُلحد في وجه الاعتقاد الديني كما يُشيرُ البعض على ما يبدو؟ للأسف، يتمُّ دائما الاستشهاد بحجّية داروين ومثاله لتبرير الادّعاءات الميتافيزيقة واللاهوتية التي تتجاوزُ بشكلٍ كبيرٍ أيَّ شيءٍ قد عبّرَ عنه داروين شخصيًا في بيولوجيا التطوُّر الخاصّة به أو ربَطَه بها. لحسن الحظ، يسهلُ نِسبيًا تقديم الإجابة على السؤال التاريخيّ أساسًا حول آراء داروين الدينية، وذلك بفضل الدراسة البحثية المكثّفة المتمحورة حول داروين وبيئته الفيكتورية خلال العقود القليلة الماضية. يضمُّ المشروع الممتاز على الشبكة العنكبوتية تحت عنوان Darwin Project قِسمًا يجمعُ أهمَّ الأدلّة التاريخية على نحوٍ موضوعيٍ وموثوق معًا من الناحية التاريخية.
ثمّة سؤالان مُرتبطان ينبغي التطرُّق إليهما. أولًا، ما هي آراء داروين الدينية؟ يبدو أنّ داروين قد تخلّى عمّا يُمكن أن نُسمّيه «المعتقدات المسيحية التقليدية»، وذلك في مرحلةٍ ما من أعوام الـ1840 رغم أنّه التاريخ المحدّد قد يبقى غامضًا. مع ذلك، ثمّة فجوة نظرية كبيرة بين «التخلّي عن الإيمان المسيحي المألوف» و«التحوُّل إلى مُلحد». تتضمّنُ المسيحية مفهومًا مُحدّدًا للغاية حول الله. يُمكن تمامًا الإيمان بإلهٍ غير إله المسيحية، أو الإيمان بالله ورفض أبعادٍ مُحدّدة أخرى في الدِّين المسيحيّ. بالفعل، يُمكنُ فَهمُ «أزمة الإيمان في العصر الفيكتوري» -التي يُعتبَر فيها داروين بشكلٍ واسعٍ مُشاهِدًا ومُشارِكًا في الوقت نفسه- كتحوّلٍ
(416)بعيدًا عن تفصيلات المسيحية نحو مفهومٍ أكثر عمومًا عن الله، يُحدَّد بشكلٍ كبيرٍ من خلال القيم الأخلاقية في ذلك العصر. يبدو أنّ داروين -كالعديد من الآخرين- قد تحرّك نحو ما يُمكن أن يوصَف بأنّه مفهومٌ ربوبيٌ لله وليس الألوهية الأخص الموجودة في الدِّين المسيحي. ليس من الصعب تمييزُ مسارٍ مُتواصلٍ تقريبًا يبدأ من الانتماء إلى الدّين التقليدي خلال سنوات دراسته في كامبردج، إلى تبنّيه لمذهب الربوبية غير المرتبِط بالكتاب المقدّس في زمن نشر كتاب «أصل الأنواع»، وصولًا إلى تبنّي موقفٍ أكثر تشككًا في أواخر حياته (رغم أنّ داروين لم يكن ثابتًا تمامًا في ميوله في هذا الوقت).
رغم أنّ مُعتقدات داروين الدينية قد ابتعدتْ من دون شك عما يُمكن أن نُسمّيه بنحوٍ مُتساهل «المسيحية التقليدية»، إلا أنّها لم تُستبدَل بأيّ شيءٍ يُشبه -ولو من بعيد- الشكل العنيف والساخر من الإلحاد الذي نجده للأسف من جانب بعض الذين قدّموا أنفسَهم على أنّهم مُناصروه في الأزمنة الأحدث. لا يُوجد الكثير في كتابات داروين ممّا يُشيرُ إلى أيِّ استنتاجٍ من هذا القبيل. علّق داروين على حيرته الدينية الشخصية في العام 1879 أثناء تأليف سيرته الذاتية:
(417)«كثيرًا ما يتذبذبُ حُكمي... أثناء أشدّ تذبذباتي تطرُّفًا، لم أكن مُلحداَ قطّ بمعنى إنكار الله. أعتقدُ أنّه عمومًا (وأكثر مع تقدُّمي في السنّ)، ولكن ليسَ دائمًا، أنّ [صفة] اللاأدري هي الوصف الأصحّ لوضعي الذهني».
من المعلوم أنّ عاملَين قد أثارا قلق داروين على وجه الخصوص، وكان لهما تداعياتٌ سلبية على موقفه تجاه المسيحية التقليدية. أولًا، اعتبر داروين أنّ وجودَ الألم والمعاناة في العالَم يُشكِّل عبئًا فكريًا وأخلاقيًا لا يُحتمل. ثمّة إجماعٌ واسعٌ يُفيدُ أنّ ما أسماه سي.إس.لويس بـ«مشكلة الألم» هو أحد أهمّ العوائق أمامَ الإيمان المسيحي، ومن المفهوم تمامًا لماذا قد يَستشعرُ شخصٌ حسّاسٌ مثل داروين بثقل هذه القضية، خصوصًا على ضوء مرضه الطويل (الذي لم يُفسَّر لغاية الآن). لا شكّ أنّ وفاة ابنته آني في مُقتبل عمرها وهي في سنّ العاشرة قد عمّقَ شعوره بالغضب الأخلاقي حول هذه القضية.
طرحَ دونالد فليمنغفي العام 1961 الأطروحة المهمة التي تُفيدُ أنّ تجربة داروين مع المعاناة شكّلت عنصرًا أساسيًا في فُقدانه للإيمان. أكّد فليمنغ أنّ داروين أصبحَ يعتقدُ أنّ «الإنسان الحديث يُفضِّل أن يتحمّل معاناة بلا معنى على أن يتحمّل معاناة يمكن تفسيرها لأنها مُرادة من فوق». وعليه، توجّب
(418)أن يتمّ القبول بالألم والمعاناة باعتبارهما النتيجة الخالية من المعنى لعملية التطوُّر.
الفكرة التي تُفيدُ أنّ التطوُّر قد وقعَ وفقًا لمبادئ أو قوانين عامة مُحدّدة، مع بقاء التفاصيل الدقيقة متروكةً للصدفة، لم تُرضِ داروين بشكلٍ كاملٍ قط، وقد بدا أنّها خلّفت العديد من الخيوط الفكرية المفكوكة وافتتحت قضايا أخلاقية صعبة -لا أقلّها الهدر الهائل في الحياة الذي يُلازِم عملية الانتقاء الطبيعي. ولكن بدا لداروين أنّها أقلّ إزعاجًا من البديل.
ثانيًا، شارك داروين الغضب الأخلاقي الذي برز في منتصف العصر الفيكتوري حول بعض الأبعاد المتعلّقة بالعقيدة المسيحية، خصوصًا تلك المرتبطة بالحركة الإنجيلية ذات التأثير المتزايد. كما جورج إليوت (1819 - 1880) والعديد من الآخرين آنذاك، ردَّ داروين باشمئزاز على أفكارٍ من قبيل لعنة الجحيم الخالد بحقّ من لا يؤمنون بصراحة بالإنجيل المسيحي. استشعرَ داروين هذا الغضب بقوةٍ خاصة، بسبب مُعتقدات والده الدينية غير المألوفة نوعًا ما. كما كتبَ داروين في سيرته الذاتية: «حقًا، بالكاد يُمكنني أن أفهم كيف قد يتمنّى أيُّ شخص أن تكون المسيحية صادِقة؛ لأنّه لو كان الأمر كذلك يبدو أنّ لغة النصّ الواضحة تُظهِر أنّ الرجال الذين لا يؤمنون -وهذا يضمُّ أبي، وأخي، وجميع أصدقائي تقريبًا- سوف يُعاقبون للأبد، وهذه عقيدة لعينة».
(419)في تشرين الأول 1882، ستّة أشهر بعد وفاة داروين، طلبت أرملته أن لا يُنشَر هذا المقطع بالذات. كتبت أرملته العبارة التالية على حواشي مخطوطة زوجها عند هذه النقطة: «لا أحبّ أن يُنشَر المقطع بين هلالَين. يبدو لي فجًّا. لا يمكن أن يُقال [أنّ عبارة هي] شديدٌ للغاية بحقّ عقيدة العقاب الأبديّ للكفر -ولكن قلّةٌ قليلة جدًا الآن تُطلِق على ذلك «المسيحية». يُمكن أن نُلاحظ هنا بعضًا من روح هذا العصر اللافت في التاريخ الثقافي الإنكليزي، حيث أُخضِعت بعض أبعاد الإنجيلية المسيحية إلى مستوى غير مسبوق من الانتقاد الذي يعكسُ اعتقادًا مُتناميًا بأنّ هذه البيانات حول الطبيعة وأهداف الله هي قاصرة وغير مقبولة في ثقافةٍ مُتقدِّمة بشكلٍ مُتزايد. يتحدّثُ داروين هنا بصوت عصره، ولا يُضيفُ أيَّ شيءٍ ذي طابعٍ تطوّري على وجهٍ خاص.
ولكنّ السؤال الثاني هو أكثر أهميةً لأهدافنا في هذا القسم. ما هي العلاقة التي اعتقدَ داروين بوجودها بين نظريته حول الانتقاء الطبيعي والمسيحية، بغضِّ النظر عمّا إذا كان ينبغي أن نعتبر داروين نفسه مؤمنًا مسيحيًا تقليديًا أو عُرفيًا؟ بتعبيرٍ آخر، إذا وضعنا آراء داروين الدينية الشخصية جانبًا، هل كان يعتقدُ أنّه يُمكن للمسيحيين أن يقبلوا مقاربته تجاه التطوُّر كما عُرِضت في الطبعات المتتالية من «أصل الأنواع»؟ مرةً أخرى، ناقشَ داروين هذه المسألة بشكلٍ صريحٍ في مؤلّفاته وأوضحَ أنّه يعتبرُ أنّ مُقاربته تجاه التطوُّر لا تُسبِّبُ أيَّ إزعاجٍ ذهنيٍ للإيمان المسيحيّ التقليدي. لعلّ هذا هو أكثر اختلافٍ بارزٍ بين داروين ودوكينز، ولكنّه لم يلقَ الاهتمام الذي يستحقّه.
(420)لقد مدحَ كثيرون بُعدَ النظر والحياد الهادئ في كتاب «أصل الأنواع» حيث لاحظوا انسلاخه الاجتماعي والسياسي الكبير وحياده الدينيّ الدقيق. ينبغي أن نتحوّل إلى رسائل داروين لكي نُوضِّح كُلًّا من التذبذبات في مُعتقداته الدينية مع مرور الوقت بالإضافة إلى تردّده في التعليق على القضايا الدينية، ومن بينها مُعتقداته الشخصية. مع ذلك، حينما اقتضى السياق الأمر، يبدو أنّ داروين لم يكن مُستعدًا فقط لأن يتبنّى بشكلٍ علني تطابقَ الإيمان الدينيّ مع نظرية الانتقاء الطبيعي بل التأكيد عليها أيضًا.
ثمّة مثالٌ نموذجي في إشارته إلى «القوانين التي غرسها الخالق في المادة»، وقد مُنِحَ في الطبعة الثانية من أصل الأنواع اهتمامًا أكثر من الطبعة الأولى. تأكيدُ داروين على دور القوانين الطبيعية في إدارة عمليات التطوُّر قد دفعَ البعضَ إلى أن يُشيروا إلى أنّ داروين قد حقّق للبيولوجيا ما حقّقه نيوتن للفيزياء. على سبيل المثال، وصفَ إرنست هاكل داروين بـ«نيوتن الجديد» الذي كشف القوانين الطبيعية الحاكِمة على المجال البيولوجي. كانت نظرية الانتقاء الطبيعي التابعة لداروين قابلة للمقارنة مع قانون الجاذبية التابعة لنيوتن. حينما أُخِذت النظريتان معًا، فإنّهما قد قدّمتا رؤيةً وحدوية عن العالم الطبيعي. وعليه، كما أنّ فيزياء نيوتن قد أدّى إلى ظهور طرازٍ جديد من اللاهوت الطبيعي، ألا يُمكن أن تؤدّي
(421)بيولوجيا داروين إلى نتيجةٍ مُشابِهة؟ بالتالي، كما كشفَ نيوتن عن قوانين الفيزياء، يكون داروين قد كشفَ عن قوانين البيولوجيا.
قد تؤدّي مسارات التأمُّل هذه في النهاية إلى مفهومٍ ربوبيّ حول الله، وليس إلى الإله الثالوثيّ. ولكن لا يُوجد هنا حتّى أيّ أثرٍ ضئيلٍ للإلحاد الشخصيّ. قد يحتجّ البعض على أنّ داروين قد جعل تحوُّل الفرد إلى مُلحدٍ راضٍ فكريًا أمرًا ممكنًا، إلا أنّ داروين نفسه لم يتوصّل إلى هذا الاستنتاج. يصعبُ أن نعتقد أنّ إشاراته إلى الخالق في كتاب «أصل الأنواع» قد ابتُكرت ببساطة لتهدئة جمهوره، وأنّها قد شكّلت خداعاتٍ غليظة تهدفُ إلى التستُّر على إلحادٍ خفيٍ كان يخشى داروين أن يعيب نظريته في عين الجمهور المتديِّن. كما علّق داروين نفسه أمام آيسا غراي (1810-1888) في أيار 1860 بخصوص كتاب «أصل الأنواع»، فإنّه لم يملك أيّ نيّة للكتابة «بنحوٍ إلحادي»، ولم يكن يعتقد أنّ آرائه حول الانتقاء الطبيعي تقتضي الإلحاد: «لا أرى سببًا لعدم إمكانية أن يكون قد أُنتِج إنسانٌ أو حيوانٌ آخر بشكلٍ أصليٍ عبر قوانين أخرى، وأن تكون جميع هذه القوانين قد صُمِّمت خصّيصًا على يد خالقٍ عليم تنبّأ بكلّ حدثٍ ونتيجة مُستقبليَّين». رغم أنّ داروين قد اعتبرَ أنّ عقيدته حول الانتقاء الطبيعي تتطابقُ مع الإيمان بالإله الخالق، إلا أنّه لم يعتبر أنّ هذا يستلزمُ وجودَ الإله الخالق، وكثيرًا ما عبّر عن تردّده الشخصي حول هذه المسألة. ولكن القضية هي كالتالي: مهما كانت طبيعة آراء داروين الدينية، إلا أنّه قد أوضحَ أمرين: أنّ المؤمنين بالإله الخالق لا ينبغي أن يُواجهوا صعوبةً فكريةً مع نظريته، وأنّ نظريته بحدّ ذاتها لا تُشكِّلُ
(422)تحديًا لمعتقداتهم. لا يبرع دوكينز في معالجة التاريخ، ويصعبُ فهم فشله في التعامل بشكلٍ مناسب مع آراء داروين عند هذه النقطة الحاسمة -خصوصًا حينما يُناقِضُ داروين بشكلٍ واضحٍ للغاية دوكينز هنا.
لم يكن الله، ولا حتّى كنيسة إنكلترا، عدوًّا لداروين، ولكن كان عدوّه نظرةً مُحدّدة عن الله تحصرُ فِعلَ الخلق في سلسلةٍ من الأفعال الإلهية الماضية المحدّدة ممّا يؤدّي إلى عالَمٍ بيولوجي ثابت وجامد. ولكن ليس من الضروري أن نُحدِّد آراء داروين الدينية الشخصية لكي نُقيِّم أثرها على اللاهوت الطبيعي في العصر الفيكتوري. كان ثوماس هاكسلي -الذي كان ميّالًا نوعًا ما إلى تأكيد الأبعاد المعادية للدّين في فِكر داروين- واضحًا تمامًا في أنّ «عقيدة التطوُّر ليست مُعادية للإيمان وليست إيمانية». أنكرتْ نظريةُ داروين الخلقَ الإلهيّ المباشر للكائنات الحيّة البيولوجية. السؤال الذي بقي مفتوحًا هو: هل أنكرت نظريته أيضًا التدخُّل غير المباشر كالأفعال عن طريق الأسباب الثانوية؟
لقد عبّرتُ في هذا القسم عن قلقي من عدم تفاعل دوكينز بشكلٍ مُناسبٍ مع آراء داروين حول انسجام الانتقاء الطبيعي مع الإيمان بالله. ينبغي أن نتحوّل الآن إلى سؤالٍ تاريخيٍ آخر يُثيرُ المزيدَ من الشكوك حول ما إذا برّر دوكينز بشكلٍ كافٍ قرائتَه الإلحادية للداروينية. سوف نتطرّق فيما يلي إلى آراء علماء البيولوجيا وعلماء اللاهوت المسيحيّين المتصدِّرين القريبين من عصر داروين حول النظرية الجديدة المتمثِّلة بالانتقاء الطبيعي.
(423)في غضون ثلاثين عامًا من نشر كتاب «أصل الأنواع»، كان قد انضوى كثيرون من مؤسّسة كنيسة إنكلترا وراء الأفكار الجديدة وصرّحوا بأنّها تتناغمُ تمامًا مع اللاهوت المسيحي. لاحظَ أغلبُ الناس هذا الموقف الإيجابي الجديد داخل مؤسّسة الكنيسة، ومن بينهم هاكسلي. كتب هاكسلي في تشرين الثاني 1887 مقالةً في دورية «القرن التاسع عشر»، مُلخِّصًا ومُقيِّمًا ثلاث مُحاضراتٍ قريبة العهد كان قد ألقاها ثلاثة أساقفة رفعاء من كنيسة إنكلترا. أُلقيت هذه المحاضرات في كاتدرائية مانشستر يوم الأحد 4 أيلول 1887 خلال اجتماعٍ للجمعية البريطانية للتنمية العلمية، وذلك من قِبل أساقفة كارلايل وبيدفورد ومانشستر. كتبَ هاكسلي بحماسٍ واضح: «هذه الخطب الممتازة تُشيرُ إلى تحوّلٍ جديدٍ في المسار الذي يتبنّاه اللاهوت تجاه العلم، وتدلّ على إمكانية تحقيق وسيلة تفاهم شريفة بين الاثنين». رحّب هاكسلي بهذه المحاولة الأصيلة لتحقيق التقارب -لا بل أكثر من ذلك: التقاء أصيل- بين العلوم الطبيعية واللاهوت. لعلّ أكبر حماسه قد حُفِظَ لصالح الرفض الراسخ لأيّ مفهومٍ يتعلّقُ بالمطالبة بمقصوراتٍ فكريةٍ معزولة في العقل البشري بهدف التعامل معهما. أفردَ هاكسلي تعليقًا واحدًا أصدره أسقف بيدفورد، مانحًا إيّاه مديحًا خاصًا، حيث نفى الأسقف أيَّ فكرةٍ تُفيدُ أنّ العلم والدِّين:
«يحتلّان مجالَين مُختلِفَين تمامًا وليسا بحاجة، بأيِّ نحوٍ من الأنحاء، إلى أن يتدّخلا ببعضهما بعضًا. يدورُ الاثنان، إن صحَّ التعبير، في صعيدين مُختلفين، وبالتالي فإنّهما لا يلتقيان قط. وعليه، يُمكن أن نُتابع الدراسات العلمية بأعلى قدرٍ
(424)من الحرية، وفي الوقت نفسه يُمكن أن نُوجِّه أكبر اعتبارٍ تبجيليٍ إلى اللاهوت، من دون أن نملك مخاوف الاصطدام، بسبب عدم السماح بأيِّ نقاط اتّصال».
لماذا نُتعب أنفسَنا بهذه التفاصيل التاريخية؟ لأنّها تُوضِّحُ أنّه من الإشكالي للغاية أن يُقال بأنّ داروينية تستوجبُ الإلحاد. في واقع الأمر من الناحية التاريخية، لم يُرَ من قِبَل أعلم أصحاب الرأي حينذاك أنّ الداروينية تستلزمُ الإلحاد. تمثّلَ رأيُ هاكسلي الشخصيّ في أنّ الداروينية تؤدّي إلى لاأدرية ذي المبادئ. ولكن تُشيرُ تعليقات هاكسلي على هذه المحاضرات إلى أنّه لم يكن يعتبر هذه المسألة مُغلقةً بشكلٍ كامل. رغم وجود المعارضة على أفكار داروين، خصوصًا من بعض الواعظين الشهيرين، إلا أنّ المسعى المعرفيّ الواسع لفهم كُلٍّ من ردّة الفعل الشعبية والأكاديمية عليها قد أظهرَ مستوىً أعلى بكثير من الدعم الديني لداروين ممّا كان يُفترض سابقًا.
لم يقتصر هذا الدعم الموجَّه لداروين على كنيسة إنكلترا. ظهرَ في هذا الوقت اهتمامٌ مُتزايدٌ بفِكر داروين في شمال أمريكا، حتّى في أوساط الفئات الدينية الأكثر تحفُّظًا التي كان يُحتمل أن يُتوقّع منها المعارضة. يُمكن أن نجد مثالًا ممتازًا على هذا التقييم الإيجابي لفكر داروين في آراء بنجامين وارفيلد (1851 - 1921) الذي يُعتبَر بنحوٍ واسعٍ أهمَّ عالِم لاهوت أمريكي في أواخر القرن التاسع عشر. رغم أنّه امتلك منظورًا دينيًا بروتستانتيًا مُحافِظًا، إلا أنّ وارفيلد قد أوضحَ دعمَه
(425)لمفهوم التطوُّر البيولوجي. بينما اعتبرَ داروين أنّ عملية التطوُّر تعتمدُ على تغيُّرات الصدفة التي تُحدِّد مبادئٌ عامَة مصيرَها اللاحق، احتجَّ وارفيلد أنّه من المناسب تمامًا النظر إلى عملية التطوُّر على أنّها مُنقادة للتدبير الإلهي.
في الواقع، قُبِلت النظرية على نحوٍ واسعٍ مُفاجئ ضمن الأصولية المسيحية في شمال أمريكا في بداياتها. استمدَّتْ هذه الحركة اسمَها من سلسلةٍ من المنشورات القصيرة تحت عنوان «الأصول» التي صدرت في الفترة الممتدّة بين 1912 إلى 1917. ألّف جايمز أور أحد تلك المقالات الأصولية. احتجَّ أور على أنّ التطوُّر «أصبح يُعرَف بلا شيء غير اسمٍ جديدٍ لـ«الخلق»، القوّة الإبداعية تعملُ الآن من الداخل عوضًا عمّا كانت عليه في المفهوم القديم على نحوٍ خارجيٍ قابلٍ للقولبة». رغم أنّه كان مُعاديًا لمفهوم داروين حول التغيّرات العشوائية، كان أور واضحًا في أنّه يسهلُ النظر إلى عملية الانتقاء الطبيعي من نَواحٍ مُتناغمة مع الإيمان المسيحي.
يُمكن أيضًا أن نقف هنا لكي نتناول آراء رونالد فيشر، أحد أهمّ علماء بيولوجيا التطوُّر في القرن العشرين. كثيرًا ما يُطلَق على فيشر، الذي لاحظَ
(426)دوكينز إنجازاته النظرية الكثيرة، لقب والد التركيب الدراويني الجديد. رغم أنّه كان شخصًا مُنعزلًا نوعًا ما، إلا أنّ فيشر كان مُستعدًا تمامًا للتدخُّل في الجدال حينما يعتقدُ أنّ الحقيقة العلمية تتعرّض للخطر. يتّضحُ تمامًا من مُحاضرةٍ ألقاها في كنيسة كلية غونفيل وَكِيسفي كامبريدج في العام 1947 أنّه لم يكن يعتقد أنّ الداروينية الجديدة تقتضي الإلحاد (أو حتّى اللاأدرية):
«في نظر الإنسان المتديِّن بشكلٍ تقليدي، الشيء الجديد الجوهريّ الذي قدّمته نظرية تطوُّر الحياة العضوية هو أنّ الخلقَ لم ينتهِ كليًا منذ زمنٍ بعيدٍ في الماضي، ولكنّه ما زال مُستمرًا في ثنايا أجَلِه المدهش. وفقًا للغة سِفر التكوين، ما زلنا نعيش في اليوم السادس، ربما في وقتٍ مُبكّرٍ بعض الشيء في الصباح، ولم يتنحَّ الفنّانُ الإلهيّ عن عمله بَعد ويُعلن أنّه «جيد للغاية»».
تقاعد فيشر في أستراليا في عام 1959، وهو مدفون في كاتدرائية أديلايد في أستراليا الجنوبية.
أشارَ ستيفن جاي غولد بشكلٍ صائب إلى أنّ العديد من أنصار الداروينية المتصدّرين يُعرّفون أنفسَهم بأنّهم مُتديِّنين، ولم يجدوا مُشكلةً في ذلك. كما لاحظَ غولد، فإنّ أيَّ إشارةٍ إلى أنّ نظرية التطوُّر الداروينية هي إلحادية بالضرورة تنأى بعيدًا عن أهلية العلوم الطبيعية وتضلّ طريقها إلى مجالٍ لا يُمكن فيه تطبيق المنهج العلميّ. وإن تمّ تطبيقُ المنهج، فيُساء تطبيقه. وعليه، يحتجُّ غولد أنّ تشارلز داروين كان لاأدريًا (حيث خسِرَ مُعتقداته الدينية بعد الرحيل المأساوي لابنته المفضَّلة)، بينما عالِمة النباتات الأمريكية البارزة آيسا غراي التي دافعتْ عن
(427)الانتقاء الطبيعي وألّفت كتابًا عنوانه «داروينيانا» كانت مسيحيةً مُتديِّنة.
يُواصِل غولد أنّه في وقتٍ أقرب عهدًا، كان تشارلز والكوت (1850 - 1927) مُكتشف حفريات بورجيس شيل مُقتنعًا بالداروينية، وبالدرجة نفسها كان مسيحيًا صلبًا يعتقدُ أنّ الله قدَّرَ الانتقاء الطبيعي لبناء تاريخ الحياة وفقًا لخططه وغاياته. وفي وقتٍ أحدث من ذلك، أظهرَ «أعظم مُناصري التطوُّر في جيلنا» موقفَين مُختلفَين جذريًا حول وجود الله: كان جورج غايلورد سمبسون (1902 - 1984) لاأدريًا إنسانيًا، بينما كان ثيودوسيوس دوبزانسكي أرثودوكسيًا روسيًا مؤمنًا. كما يستنتجُ غولد: «إمّا أنّ نصف زملائي هم حمقى بشكلٍ هائل، أو أنّ علم الداروينية مُتناغمٌ تمامًا مع المعتقدات الدينية التقليدية -ومتناغم بشكلٍ مُساوٍ مع الإلحاد». ويبدو أنّ هذا، باختصار، هو المكان الذي انتهى فيه الجدال. يُمكن أن تُعتبَر الداروينية مُتناغِمة مع المعتقدات الدينية التقليدية، اللاأدرية، والإلحاد. كلُّ شيءٍ يعتمدُ على كيفية تعريف هذه المصطلحات. الجدال نفسه أخّاذ، ويفتحُ كثيرًا من الأسئلة المهمة حول حدود المنهج العلميّ، وتفسير الكتاب المقدّس، والقاعدة البرهانية للإيمان، والانتقال من النظريات العلمية إلى الرؤى الكونية، وتاريخ البيولوجيا. يستحيلُ أن ندرس أو أن نتدّخل في هذه الجدالات من دون أن يُوجَّه إلينا التحدّي ونُستحثّ للتفكير ببعض قضايا الحياة العظيمة.
ولكن رغم أنّ الجدال جديرٌ بالاهتمام للغاية وأخّاذً فكريًا، إلا أنّه غير حاسم
(428)دينيًا. يُقدِّمُ دوكينز الداروينية كطريقٍ فكريٍ سريعٍ نحو الإلحاد. ولكن في الواقع، يبدو أنّ المسار الفكري الذي وضعه دوكينز يعلق عند اللاأدرية. وبعد تعطُّله، يبقى هناك. ثمّة ثغرة منطقية كبيرة بين الداروينية والإلحاد، ويبدو أنّ دوكينز يُفضِّل أن يسدّ الفجوة من خلال فنّ الخطابة وليس البرهان. إذا أردنا الوصول إلى استنتاجاتٍ ثابِتة، ينبغي أن نصلَ إليها على أُسُسٍ أخرى. مَن يقولُ لنا بشكلٍ جدّيٍ عكسَ ذلك عليه أن يشرحَ الكثير.
Origins and the Question of Religion”, In The Cambridge Companion to the “Origin of Species”, edited by Michael Ruse and Robert J. Richards, Cambridge: Cambridge University Press, (2009), 256-74.
Debate, Cambridge: Cambridge University Press, 1988.
Code and the Origin of Life, edited by Lluis Ribas de Pouplana, New York: Kluwer Academic, (2004): 145-68.
George Eliot, Walter Pater, and Samuel Butler, Princeton, NJ: Princeton University Press, 1970.
Autonomy of a Scientific Discipline, Cambridge: Cambridge University Press, (2004): 39-66.
McGrath, Alister E., “Evangelicalism and Science”, In The Oxford Handbook of Evangelical Theology, edited by Gerald McDermott, (New York: Oxford University Press, 2010), 434-48.
ـــــــــــــــــ, A Fine-Tuned Universe: The Quest for God in Science and Theology, Louisville, KY: Westminster John Knox Press, 2009.
ـــــــــــــــــ, Darwinism and the Divine: Evolutionary Thought and Natural Theology, (Oxford: Wiley-Blackwell, 2011), 85-142.
the Future Life, Oxford: Clarendon Press, 1974.
كريستيان ب. ميلر
يقول سام هاريس:
«حان الوقت لنعترف بأنّ جميع الرّجال والنّساء العاقلين لديهم عدوّ مشترك قريب جدًّا منّا، وخادع لدرجة أنّنا نحتفظ بمشورته حتى وإن كان يهدّد بشكل كبير إمكانيّة السّعادة البشريّة. عدوّنا ليس سوى الإيمان نفسه».
يعبّر هاريس هنا عن موضوع مشترك في كتابات جميع الملحدين الجدد البارزين. الموضوع، في أبسط صوره، هو أنّ البشر سيكونون أفضل بدون الدّين. إذ أنّ الدّين قد ألحق ضررًا كبيرًا بحياتنا، ومن الممكن تحقيق جميع الأُمور الايجابيّة في الدّين بوسائل التّفكير العلمانيّة. لذا، من أجل جعل النّاس أكثر سعادة، يجب علينا التّخلّص من الدّين والاعتقاد الدّينيّ في جميع أشكاله المختلفة. دعونا نسمّي هذا المسلك الاستدلالي العامّ: «حجّة الأضرار الدّينيّة».
(437)في هذا الفصل، أرغب في استكشاف هذه الحجة ببعض التّفصيل. مع أنّنا يجب أن نتّفق جميعًا على أنّ بعض النّاس الذين يتصرّفون باسم ديانتهم قاموا بأضرار جسيمة على مرّ العصور، سأقترح أنّ هناك مشكلات هامّة في حجة الأضرار الدّينيّة. في الواقع، سأقترح أنّ لدى الملحدين الجدد أسباب مقنعة لعدم تأييد مشروع القضاء على أنماط الاعتقاد الدّينيّ المعقولة بالحدّ الأدنى. لماذا؟ لأنّ نفس هذا الاعتقاد يمكن أن يجعل المجتمع «أفضل» ممّا هو عليه.
سنمضي على النّحو التّالي: في القسم 2، سأقدّم حجّة الأضرار الدّينيّة بمزيد من التّفصيل، بالإضافة إلى بعض المؤيّدات المقدّمة نيابة عن هذه الحجّة. تُعنى الأقسام 3 و 4 ببعض المشاكل في المقدّمة الأُولى من الحجّة. كما يُعنى القسم 5 بإشكاليّة حول المقدّمة الثّانية. ثمّ يستكشف القسم 6 بشكل مبدئيّ الحُجّة التي يمكن أن تُقدّم من أجل تبيين الوجه في أنّ الملحدين الجدد يجب أن يكونوا أكثر تقبّلًا للاعتقاد الدّينيّ. بل وربما، رغم أنّه قد يبدو المقترح غريبًا، يجب عليهم حتى السّماح له بالازدهار.
لمحورة هذا الموضوع، سننظر بشيء من التفصيل إلى كتاب سام هاريس وكيفيّة تطويره لحجّة الأضرار الدّينيّة. وفي هذا السّياق، نعترف بأنّه قد تكون هناك أفكار إضافيّة حول هذا الموضوع في كتابات ملحدين جدد آخرين، إلّا أنّ النّظر في جميعها لا يسعه المقام.
(438)فيما يلي ملخّص مفيد للفكرة الرّئيسيّة من كتاب هاريس (نهاية الإيمان):
«إذا صحّ ما حاولت إثباته في هذا الكتاب من أنّه من الممكن الحصول على كلّ إيجابيّات الدّين من مصادر أُخرى - أي على سبيل المثال، إذا كان من الممكن تنمية تجربة أخلاقيّة وروحيّة والتّحدّث عنها دون أن ندّعي أنّنا نعلم أشياء من الواضح أنّنا نجهلها - فحينئذٍ لا يمثّل نشاطنا الدّينيّ بأكمله سوى هدر هائل للوقت والطّاقة، على أفضل التّقادير».
في هذا المقطع، يصف هاريس مساعي الدّين بأنّها تضييع للوقت والموارد. ولكن كما يوضّح في باقي الكتاب، تركيزه الرّئيسيّ هو في الواقع على الأضرار الايجابيّة والمعاناة التي يرى أنّ الاعتقاد الدّينيّ قد تسبّب بها على مرّ القرون. وبالتّالي، إحدى الطّرق للتّعبير عن حجّة الأضرار الدّينيّة بشكل أوضح هي كالتّالي:
1- الأشخاص الذين يتصرّفون باسم معتقداتهم الدّينيّة قد أحدثوا أذىً ومعاناةً رهيبة على مرّ العصور
2- الذين يؤمنون بالدّين قد قدّموا العديد من الإسهامات الجيّدة للبشريّة، إلّا أنّ في معظم الحالات يمكن أيضًا أن يتمّ تحقيق تلك الإسهامات الجيّدة عن طريق الأشخاص الذين يتبنّون وجهات نظر علمانيّة
3- لذلك سيكون من الأفضل إذا قرّر الجميع التّخلّي عن الاعتقاد الدّينيّ وتبنّي وجهة نظر علمانيّة
ليس مقصودي أنّ هذا هو الشّكل الوحيد لحجّة الأضرار الدّينيّة الذي يمكن ابتداعه. بل بحلول نهاية هذا الفصل سنستبدل هذا النّموذج بنموذج أفضل.
(439)ومع ذلك، إنّ هذا من الصّياغات المعقولة استنادًا إلى كتابات هاريس، وستكون نقطة انطلاق مفيدة لما تبقّى من الفصل.
في كتابه، يقدّم هاريس دعمًا وافرًا للمقدّمة الأُولى. من التّقاليد اليهوديّة، على سبيل المثال، يذكر كيف يتطلّب كتاب التثنية قتل الزّنادق. بالنّسبة للمسيحيّة، يصف بالتّفصيل تلك الفظائع التي ارتُكبت خلال مرحلة الاستجواب واضطهاد السّاحرات. أمّا الإسلام، فهو يحصل على أكبر حقّة من التّعرّض.
مقتضى الإنصاف أن نوضّح أنّ المقدّمة الأولى لا تزعم أنّ المؤمنين بالدّين لم يقدّموا سوى الضّرر والمعاناة. هاريس مستعدّ كذلك أن يعترف ببعض الخير الذي تمّ فعله باسم الدّين، كما يتّضح بلحاظ المقدّمة الثانية. لكنّ هاريس يصرّ على أنّ ذلك الخير ليس بالضّرورة متوقّفًا على الدّين. بل النّاس الذين يتّبعون النّظرات الكونيّة العلمانيّة يمكنهم الاتيان بمثل ذلك الخير أيضًا. بشكل أكثر تحديدًا، الرّؤى الكونيّة العلمانيّة تستطيع أيضًا أن تقدّم أرضيّة للسّلوك الأخلاقيّ، بل تستطيع أن توفّر تجارب روحانيّة من دون أن تكون تلك التجارب مستمدّة من الاعتقاد الدّينيّ.
لذا، بشكل عامّ، إذا كان بإمكاننا أن نتنعّم بنفس فوائد الدّين من داخل الرّؤية الكونيّة العلمانيّة، وفي نفس الوقت أن نبتعد عن كلّ المعاناة المريعة التي يسبّبه الدّين عادةً، فحينئذٍ يكون الإعراض عن الاعتقاد الدّينيّ وتبنّي نمط تفكير علمانيّ أفضل لنا. وهكذا نجد نتيجة حجّة الأضرار الدّينيّة.
(440)هناك نقطة أخيرة للتّوضيح: إنّ هذه حُجّة حِكميّة، تتعلّق بمصلحة النّاس وما سيقدّم سعادتهم وفلاحهم. وهي ليست حُجّة دليلية مرتبطة بحقّانيّة الدّين أو بطلانه. كلّ ما تريد هذه الحُجّة قوله هو أنّ دينًا ما قد يجعل الأُمور أسوأ نسبيًّا إذا اتّبعناه بدلًا من اتّباع نمط تفكير علمانيّ ولكن لا يزال حقًّا بشكل موضوعي.
بعد أن التفتّ إلى هذه النّقطة، لنضعها جانبًا. سيكون هناك ما يكفينا للتّحدّث عنه في هذا الفصل من دون أن ندخل في مجال الدليل على وجود الله أو عدم وجوده أو على صحّة دين ما.
دعونا ننتقل من تقديم حجّة الأضرار الدّينيّة إلى النّظر في نقاط قوّتها وضعفها. عند تقييم هذه الحجّة، سأركّز فقط على الدّيانات التّوحيديّة الغربيّة -اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام- بدلًا من [التّطرّق إلى] الدّيانة بشكل عام. هذه هي نفس الدّيانات الّتي يهتم بها بشكل رئيسيّ هاريس وسائر الملحدين الجدد البارزين.
لنبدأ بالمقدّمة الأولى. يبدو لي أنّها صحيحة بلا شكّ. فقد ارتكبت الفظائع باسم اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام، وأمثلة هاريس الخاصّة تظهر ذلك إجمالًا. وأتباع هذه الدّيانات الذين يمكن أن نسمّيهم من أجل الاختصار «مؤمنين» ينبغي أن يعترفوا بهذا الأمر.
ولكن إحدى الإجابات الّتي يمكن أن يقدّمها المتديّن في المقام هي أن يدّعي أنّ الأشخاص الذين سبّبوا هذه الأضرار الفظيعة كانوا في كثير من الأحيان يشوّهون التّعاليم الأصيلة لدينهم. يمكن أن تكون هناك أسباب كثيرة أدّت إلى
(441)القيام بتلك الأُمور، مثل أهداف سياسيّة أو اقتصاديّة معيّنة أرادوا تحقيقها. ولو أنّهم اتّبعوا العقائد المحوريّة لدياناتهم - وفقًا لهذا الردّ - لما كانوا ارتكبوا تلك الأُمور الفظيعة.
خذوا مثال الحروب الصليبيّة. وفقًا للمؤرّخ المسيحيّ البارز جون وودبريدج:
«إنّ هذا يعيدنا إلى الفرق بين الأُمور التي تمّ ارتكابها باسم المسيح والأُمور التي تمثّل حقًّا تعاليم يسوع. عندما تحاول أن تجمع بين تعاليم يسوع ومجازر الصّليبيّين - بالتّأكيد لا يمكن التّوافق بين الأمرين».
إذن ما ينبغي لهاريس أن يدعمه [بالأدلّة] ليس المقدّمة الأُولى كما مرّ، وإنّما مقدّمة أُخرى تختلف بشكل جوهريّ:
(1*) إنّ من يتصرّف باسم التّعاليم الأصيلة لدينه قد سبّب ضررًا ومعاناة فظيعة عبر التّاريخ.
وفي الوقت نفسه، يمكن للمتديّن أن يقول بأنّ هاريس افترض هذا الادّعاء فقط:
(1**) إنّ من يتصرّف باسم التّعاليم المنحرفة وغير الأصيلة لدينه قد سبّب صررًا ومعاناة فظيعة عبر التّاريخ. لنسمّي هذا الردّ: «ردّ التّعويج الدّينيّ».
(442)
هل يعدّ هذا الردّ قويًّا؟ من الصّعب معرفة ذلك ما لم نستمرّ في دراسة كلّ ديانة على حدّة والنّظر في كلّ ضرّر فظيع على حدّة لنرى ما إذا كانت التّعاليم الأصيلة للدّيانة مسوّغة للأضرار التي تمّ ارتكابها أم لا. فمثلًا بالنّسبة إلى محاكم التفتيش يكتب هاريس أنّ الكنيسة نجحت في تحويل رسالة يسوع المحوريّة التي تدعو إلى مودّة الجيران والسّكوت عن الظّلم، إلى مذهب قتل ونهب. هذا مثال جيّد على ردّ التّعويج الدّينيّ المطبّق بالنّسبة إلى المسيحيّة. لذلك يبدو غريبًا أنّ هاريس نفسه يذكره. ولكن هاريس يستمرّ في الادعاء بأنّه على الرّغم من أنّ الاضطهاد وعدم التّسامح قد لا يكونا جزءًا من رسالة يسوع الفعليّة، إلّا أنّهما سيكونان نتيجة حتمية لتلك الرّسالة.
ماذا يجب أن نفهم من هذه النّقاط حول الإسلام والمسيحيّة؟ بصراحة، ليس لديّ الكفاءة الكافية للتّعليق على ما يقوله هاريس عن الإسلام. ولكن بصفتي مسيحيّة ملتزمة، دعوني أقول بعض الأُمور المختصرة على الأقلّ عن تلك الملاحظات. أوّلًا، ليس واضحًا على الإطلاق ما إذا كان المسيحيّون في موقف مناسب لمعرفة من «سيحترق للأبد» ومن لن يحترق للأبد. إنّها قاعدة معترف بها على نطاق واسع في المسيحيّة أنّ الله وحده يعلم ما إذا كان أحد الأشخاص مخلصًا. وعلاوة على ذلك، فإنّ الافتراض الّذي يعتبر غاية في الاستبداد هو الاعتقاد بأنّنا يمكننا فحص قلب إنسان آخر وإصدار مثل هذه الأحكام هنا في هذه الحياة.
حتى لو كنّا بالفعل قادرين على ذلك، يصعب تصوّر الدّاعي - استنادًا إلى
(443)عاليم يسوع - لأن نظنّ أنّه من حقّ أيّ مسيحيّ (أو، من مسؤوليّاته، وهذا ادّعاء أسوأ) أن يقتل الكافر [بديانته]. يبدو أنّه من المتهوّر جدًّا أن نعتقد بأنّه يجب أن نتّخذ دورًا لم يُعطى للبشر من قِبل الله. في المقابل، إنّ رسالة يسوع واضحة في أنّ المسيحيّين يجب أن يحبّوا جيرانهم كأنفسهم، على أنّ عنوان «الجار» يشمل كلّ إنسان سواء كان من المؤمنين أو الكافرين. فكيف يمكن أن يكون المسيحيّ محبًّا لجاره إذا ما أحرقه بتهمة البدعة؟
بالفعل، من طبع هذه القضايا أنّها معقّدة ولا يمكن حلّها في بضع فقرات موجزة. ولكن لتلخيص الأُمور، يبدو أنّ الاستجابة الأولى لحجّة الأضرار الدّينيّة واعدة إلى حدّ ما. على الأقل في حالة المسيحيّة، وربّما جميع الأديان الموحّدة الثّلاث الرّئيسيّة، تكون المعاناة التي حصلت باسمه مغايرة للرّسالة الحقيقيّة المضمّنة في تعاليمه الأساسيّة.
قبل أن ننتقل إلى المقدّمة الثّانية لحجة الأضرار الدّينيّة، هناك ردّ آخر على المقدمة الأولى. إنّ هذا الردّ يقرّ بأنّ النّاس قد تسبّبوا بالكثير من الأضرار على مرّ التّاريخ باسم معتقداتهم الدّينيّة ولكنّه يشير إلى أنّ النّاس الذين تصرّفوا باسم الأيديولوجيّات العلمانيّة تسبّبوا بأضرار متساوية إن لم نقل أكثر، خاصّة في السّنوات الأخيرة. يمكن تسمية هذا الردّ بـ «ردّ الأضرار العلمانيّة».
توجد أمثلة كثيرة في القرن العشرين على مثل هؤلاء الذين نشأوا إلى السّلطة
(444)ثمّ، باسم فلسفتهم العلمانيّة، سبّبوا معاناة هائلة مثل معسكرات الاعتقال والثّورات الثّقافيّة أو معسكرات العمل الجبريّ أو [عمليّات] التّطهير العرقيّ. إليك تقديرات بعض إجماليّات القتل النّاتجة عن قادة غير دينيّين:
ماو زيدونج 45 مليون قتيل
ستالين 20 مليون قتيل
هتلر 18 مليون قتيل
بول بوت 1.7 مليون قتيل
النّازيّة والستالينيّة والماويّة هي جميعها فلسفات علمانيّة تمّ تطبيقها بهذه الطريقة.
لنطوّر هذه الفكرة درجة إضافيّة. بناءً على بيانات مثل هذه الإحصائيّات للقتلى، يمكننا فعلًا أن نأخذ دعوى الأضرار الدّينيّة ونعكسها لإنشاء دعوى الأضرار العلمانيّة:
(1^) الذين تصرّفوا باسم الايديولوجيّات العلمانيّة تسبّبوا، بالحدّ الأدنى، بضرر ومعاناة على مرّ التّاريخ يساوي ذلك الذي تسبّب به الذين تصرّفوا باسم الدّين، إن لم يكن يفوقه.
(2^) جاء التّفكير العلمانيّ بالكثير من المساهمات الجيّدة للبشريّة إلّا أنّه في
(445)معظم الأمر يمكن لتلك المساهمات أن تُقدّم من قبل أُناس يتبنّون بعض أساليب التّفكير الدّينيّ.
(3^) لذا فإنّه يُفضّل أن يتخلّى الجميع عن أساليب التّفكير العلمانيّ وأن يتمّ اعتماد بعض أساليب الفكر الدّينيّ كبديل.
وبطبيعة الحال، تكون «بعض» الأساليب للفكر الدّينيّ هي التي تعارض القتل الجماعيّ والسّلوكيّات المحظورة أخلاقيًّا التي كانت شائعة في القرن العشرين.
ماذا يجب أن نفهم من ردّ الأضرار العلمانيّة؟ في الظّاهر، يبدو أنّ هذا الردّ سيتسبّب ببعض المشكلات لهاريس وأمثاله. كيف لا وإذا تبيّن أنّ سجلّ السّلوك الأخلاقيّ لأساليب التّفكير العلمانيّ سيّء إلى حدّ يساوي أو يفوق سجلّ السّلوك الأخلاقيّ عند الفكر الدّينيّ، فإنّه سوف يصعب تصوّر كون دعوى الأضرار الدّينيّة مقنعة. في أفضل الحالات، يمكن لهاريس أن يرضى بنتيجة تعادل مع نظيره المتديّن. وفي أسوأ الحالات، تكون البشريّة أفضل فيما لو تبنّينا أساليب معيّنة من التّفكير الدّينيّ.
في خاتمة كتابه «نهاية الإيمان»، يتناول هاريس هذه القضايا مباشرة. ويجدر الاقتباس ممّا قاله بالتّفصيل:
«في حين أنّ بعض أشدّ الحركات السّياسيّة البغيضة في تاريخ البشريّة كانت لادينيّة بوضوح، إلّا أنّها لم تكن عقلانيّة بشكل خاص. إنّ الخطوط العامّة لهذه الأنظمة كانت مجرّد سلسلات من الوهم - عن العرق والاقتصاد والهويّة الوطنيّة ومسار التّاريخ أو المخاطر الأخلاقيّة للعقلانيّة. أوشفيتز ومعسكرات الغولاغ والحقول القتليّة ليست نماذج من نتيجة ازدياد النّاس انتقادًا للمعتقدات غير
(446)المبرّرة. بل على العكس، هذه الفظائع تشهد على مخاطر عدم التّفكير بشكل نقدي كافٍ في بعض الأيديولوجيّات العلمانيّة. لا حاجة للتّوضيح إنّ حُجّتي ضدّ الإيمان الدّينيّ ليست حُجّة للانغماس الأعمى في الإلحاد كعقيدة».
هذا منطقيّ للغاية. إنّ الملحد ليس مضطرًّا أن يتسامح مع أيّ أو كلّ الفلسفات العلمانيّة الموجودة هناك اليوم. يمكن للملحد بل يجب عليه الانضمام إلى المؤمنين الدّينيّين في إدانة النّازيّة والسّتالينيّة والماويّة. الفلسفات العلمانيّة الوحيدة التي ينبغي للملحد أن يأخذها بعين الاعتبار هي التي تكون عقلانيّة ومعقولة.
هذا محلّ اتّفاق. ولكن بمجرّد أن يصرّح هاريس بذلك، يكون قد كشف اللّعبة، إذ أنّه يمكن للمؤمن المتديّن أن يقدّم نفس الإجابة تمامًا على حجّة الأضرار الدّينيّة. حينئذٍ سيصرّ المؤمن المتديّن، وله الحقّ، أنّ الدّيانات ليست متساوية من حيث العقلانيّة بالطّبع. كما أنّه في نفس الوقت، ليست كلّ نسخات دين معيّن كالمسيحيّة مثلًا متساوية من حيث العقلانيّة. النّسخات التي تقبل بالمحاكم الكنسيّة مثلًا تقع خارج حدود العقلانيّة. أي كما قيل بالنّسبة إلى الملحد والنّازيّة، كذلك المسيحيّ والمحكمة الكنسيّة - المناهج الوحيدة التي ينبغي أن يُعتدّ بها هي التي تكون منطقيّة وعقلانيّة. وهذا يتيح لنا مراجعة المقدّمة الأُولى بشكل أدقّ، فبناء على ما قمنا به من مراجعة في القسم السّابق، نصل الآن إلى التّالي:
(1%) الذين يتصرّفون باسم التّعاليم الفعليّة لدينهم والتي هي عقلانيّة وقابلة للتّبنّي قد تسبّبوا بأضرار ومعاناة فظيعة عبر التّاريخ.
لكن بالنّسبة إلى المسيحيّة، من الصّعب فهم كيف لهذه المقدّمة أن تُعدّ معقولة بعد ما ذُكر. بعبارة أُخرى، من الصّعب ملاحظة كيف أنّ المسيحيّين الذين
(447)يتصرّفون وفقًا للتّعليم الأصيل والمعقول لمحبّة جارهم مثل أنفسهم، على سبيل المثال، كانوا سيحدثون (عن قصد) ضررًا ومعاناة رهيبة.
في الواقع، يبدو أن العكس هو الصّحيح. يقدّم جون وودبريدج توضيحًا لطيفًا لما يمكن أن يبدو عليه اتباع تعاليم يسوع الأصليّة:
«من تفاسير انتشاره السّريع [...] أنّ العديد من المسيحيّين لم يكونوا يعتنون بأنفسهم فحسب، بل كانوا يعتنون بالجيران والفقراء والأرامل والمتألّمين، وبالجملة كانوا ودودين للغاية. أظهروا التّعاطف مع الاطفال الذين غالبًا ما عوملوا بقسوة شديدة من قِبل الرّومان واليونانيّين عند الولادة، وخاصّة البنات الصّغيرات. كان نمط حياة المسيحيّين مطابقًا لتعاليمهم، حتى أنّ كثيرًا من المسيحيّين الأولين لم يخافوا أن يقولوا: «اقتدوا بنا كما نقتدي بالمسيح»».
أنا لست مؤرّخةً وسأعتمد على كلمة وودبريدج حول هذا الموضوع. لكنّه يتردّد صداه مع ما أتوقّع أن أجده من المسيحيّين الذين يتّبعون بالفعل تعاليم يسوع.
وخلاصة القول في المقام أنّنا قد رأينا للتو ردًّا ثانيًا يمكن تقديمه ضدّ المقدّمة الأُولى لحجّة الأضرار الدّينيّة. يجب أن نوافق على أنّه قد تكون هناك أساليب علمانيّة للتّفكير حول الأخلاق، تحسن دفع الضّرر والمعاناة. لكن مرّة أُخرى، يُحتمل انطباق الشّيء نفسه على النّظرات الدّينيّة المعقولة.
(448)حان الوقت للانتقال إلى المقدّمة الثّانية. دعونا نتذكّر أوّلًا ما تقوله تلك المقدّمة:
(2) الذين يؤمنون بالدّين قد قدّموا العديد من الإسهامات الجيّدة للبشريّة، إلّا أنّ في معظم الحالات يمكن أيضًا أن يتمّ تحقيق تلك الإسهامات الجيّدة عن طريق الأشخاص الذين يتبنّون وجهات نظر علمانيّة
كيف يجب أن نفهم هذا الادّعاء؟
أقول: هذا صحيح، لكنّه غير مثير للاهتمام. نعم، من الممكن أن تساهم بعض منهجيّات التّفكير العلمانيّ بنفس القدر التي تساهم فيه منهجيّات التّفكير الدّينيّ. لكن وضع المعيار عند ما هو «ممكن» هو في الواقع وضعه في مكان منخفض جدًّا. الأُمور الممكنة كثيرة جدًّا، ومنها أن أصبح رئيسة الولايات المتّحدة.
بتقديري، إنّ الذي يسعى إليه الملحدون الجدد حقًّا هو شيء يشبه أكثر الادّعاء التّالي:
(2*) المؤمنون المتديّنون قد قدّموا العديد من المساهمات الجيّدة للبشريّة، ولكن في معظم الأحيان، نفس تلك المساهمات الجيّدة ستتمّ - من حيث المعدّل - إلى الحدّ ذاته تقريبًا من قبل الأشخاص الذين يعتمدون على النّهج العلمانيّ (العقلانيّ).
هذا ادّعاء أقوى بكثير. بهذا الشّكل لا يدور الأمر مدار ما هو ممكن فقط، وإنّما يدور مدار ما سيحدث فعلًا. إذا تبيّن أنّ هذا الادّعاء الجديد صحيح، فسيكون ذلك انتصارًا كبيرًا لأنصار دعوى الأضرار الدّينيّة.
عبارة «من حيث المعدّل» في الفقرة (2*) مهمّة. فهي لا تدّعي أنّ كلّ شخص يعتنق طريقة علمانيّة للتّفكير سيقدّم مساهمات أفضل من كلّ شخص متديّن. هذا ادّعاء سخيف. بل إنّ هذه النّقطة تتعلّق باتّجاهات على مستوى
السّكّان؛ فمن حيث المعدّل، هل سيكون المجتمع الذي يتبنّى ويطبّق مناهج التّفكير العلمانيّ والعقلانيّ أسوأ حالًا من مجتمع مشابه فيه المتديّنين الملتزمين؟
فمع انتقال تفكيرنا الآن إلى (2*)، ماذا يجب أن نفهم من هذه المقدّمة؟
بقدر ما تستطيع، ينبغي تقييم المقدّمة عبر الدّراسات التّجريبيّة. على سبيل المثال، قد تركّز الدّراسة على مساهمة واحدة جيّدة، مثل معدّلات التّطوّع، وتقارن سلوك عيّنة كبيرة من المؤمنين المتديّنين بسلوك عيّنة كبيرة من اللّادينيّين العلمانيّين. كما يمكن أن تقارن دراسات أُخرى معدّلات التّبرّعات الخيريّة والسّلوك الإجراميّ وطول العمر وما إلى ذلك. ويمكن إجراء تقييم جماعيّ على أساس دراسة جميع الدّراسات ذات الصّلة معًا.
من اللّافت أنّ الملحدين الجدد ومنهم هاريس لم يتناولوا الدّراسات التجريبية، مع أنّه يوجد عشرات الأبحاث المتعلّقة بهذا الموضوع في مجالات كعلم الاجتماع والاقتصاد والصّحة وعلم النّفس. دعونا نلقي نظرة سريعة مع الاعتراف بأنّ المناقشة السّليمة تتطلّب كتابًا لتحليل نتائجها بعناية.
باستخدام الموجة الأولى من المسح الوطنيّ العوائل والأُسر، وجد إليس وأندرسون (2001) استنادًا إلى التّقارير الذّاتيّة أنّ زوجات الرّجال الذين يحضرون القدّاس الدّينيّ مرةّ واحدة في الأسبوع أو أكثر يبلّغن عن معدّلات عنف منزليّ أقلّ بنسبة 48.7% من تلك التي أبلغت عنها زوجات أولئك الذين
(450)لا يحضرون. في دراسة أُخرى، ارتبط الحضور الدّينيّ بانخفاض الأداء المبلّغ عنه ذاتيًّا لـ 43 جريمة مختلفة. وأظهرت الأبحاث في علم الاقتصاد وجود علاقة سلبيّة بين مختلف مقاييس التّديّن ومعدّلات الجريمة المحليّة.
قام ريجنيرس وإلدر (2003) بدراسة العوامل الّتي تتنبّأ بما إذا كان الطّلّاب سيظلّون أكاديميًّا «على المسار الصّحيح»، قياسًا بواسطة المعدّل التّراكمي للدّرجات، وإتمام الواجبات المدرسيّة، والتّفاهم مع المعلّمين، والإيقاف، والتّعليقات، والغياب غير المبرّر. وجدوا علاقة إيجابيّة ملحوظة بين حضور الكنيسة والبقاء على المسار الصّحيح، خاصّة في الأحياء التي تحتوي على نسبة عالية من الفقراء. حسبما يقولون، «مع زيادة مدى الفقر في الأحياء، تصبح العلاقة بين حضور الكنيسة والتّغيّر في السّلوك على المسار الصّحيح أكثر إيجابيّة».
(451)دراسة أُخرى وجدت أنّ المشاركة في الأنشطة الدّينيّة «مقرونة بتوقّعات تعليميّة أعلى للوالدين في السّنتين التّاليتين، واتّصال أكبر مع الوالدين حول التّعليم، واعتماد الدّروس المتقدّمة في الرّياضيّات، والقيام بالواجبات المدرسيّة، وإتمام درجات الدّراسة بنجاح، بالإضافة إلى تجنب الغياب عن الفصول الدّراسيّة». وهذه ليست الدّراسات الوحيدة التي تشير إلى ذلك.
وجدت دراسة أجراها رايت وزملاؤه في عام 1993 أنّ الطّلّاب الذّكور الذين تمّ تقييمهم بأنّ لديهم انخفاض في الدّعم الرّوحانيّ والذين لم يحضروا الأماكن الدّينيّة للعبادة بشكل متكرّر سجّلوا أعلى بمرّتين على مقياس بيك للاكتئاب من الذين كانوا يحضرون بتكرار ولديهم دعم روحانيّ عالي.
ويقدّم بنجامينز وزملاؤه في عام 2006 مثالًا آخر يختلف تمامًا حيث وجدوا أنّ 75% من أصل 1070 امرأة بريسبيتاريّة أجرين فحصًا للثّدي في السّنتين الماضيتين، مقارنة بالمتوسّط الوطنيّ البالغ 56 في المائة لنفس الفئة العمريّة.
وترتبط مقاييس متعدّدة للتّديّن أيضًا بشكل كبير بتقليل معدّلات الانتحار، وتقليل استخدام المخدّرات، وزيادة استخدام العناية الصّحيّة، وتقليل سوء
(452)استخدام الكحول، ونمط حياة أكثر صحّة، وتعزيز الصّحّة النّفسيّة، وحتى معدّلات الوفيّات.
5-4) الرّفاهيّة الشّخصيّة
وجد إليسون (1991) أن اليقين الدّينيّ يترافق مباشرة مع زيادة الرضا عن الحياة حسب ما يُبلِغ عنه الأفراد بأنفسهم، والّذي تمّ تقسيمه إلى الرّضا عن الحياة الاجتماعيّة، والأنشطة أو الهوايات غير المهنيّة، وحياة العائلة، والصّداقات، والصّحة.
وجدت دراسات أخرى أنّ الدّين كان يساعد على تحديد الرّفاهيّة الشّخصيّة بقدر ما تساعد في ذلك الحالة الزّوجيّة وحالة العمل والتّعليم، وأنّ مختلف مقاییس التّديّن كانت مرتبطة بالرضا عن الحياة عندما يتعلّق الأمر بالرّضا عن حياة العائلة والأمور الماليّة والصّداقات والصّحة حسب ما يُبلِغ عنه الأفراد بأنفسهم. أظهرت الدراسات الأكثر تحديدًا ارتباطات مماثلة مع زيادة الدّعم الاجتماعيّ ومع الرضا عن الزّواج والتّكيّف معه.
(453)باستخدام بيانات من استبيان معياري عن رأس المال الاجتماعي في المجتمع، وجد بروكس (2006) أنّ الذين حضروا بانتظام الخدمات الدّينيّة كانوا أكثر تبرّعًا بنسبة 25% على الأقلّ من أولئك الذين حضروا نادرًا أو قالوا أنّهم لادينيّين (91-66%). كما كانوا أكثر بنسبة 23% على الأقلّ في التّطوع (67-44%). في عام 2000، قدّموا من المال ما يفوق أولئك بنسبة 350% (2،210 دولار مقابل 642 دولار) وقدّموا التّطوّع أكثر منهم بمرّتين (12 مرّة مقابل 5.8 مرّة). وُجدت نتائج مماثلة عند استخدام مقاييس أُخرى للتّديّن، مثل تكرار الصّلاة وشدّة الرّوحانيّة، ومجرّد الانتماء إلى جماعة دينيّة، بغضّ النّظر عن معدّل الحضور. امتدّت هذه الاتّجاهات إلى أشكال أُخرى من الأعمال الخيريّة:
«في عام 2002، كان الأشخاص المتديّنين أكثر احتمالًا بكثير من العلمانيّين في التّبرّع بالدّم منهم، كما في تقديم الطّعام أو المال للمشرّدين، وإعادة النّقود التي أُعطيت لهم عن طريق الخطأ من قبل أمين الصّندوق، والتّعبير عن التّعاطف مع الأشخاص الأقلّ حظًّا. وكان الأشخاص المتديّنين أكثر بنسبة 57% من العلمانيّين في مساعدة مشرّد على الأقلّ مرّة واحدة في الشّهر»
(454)هذه مجرّد نظرة عابرة، فأنّ مئات الدّراسات الأُخرى غير التي أوردناها هاهُنا قد نُشرت مؤخّرًا في المجلّات العلمية المحكَّمة وتظهر أنماطًا مماثلة. إذن ما المستفاد من مجموع هذه الدّراسات بالنّسبة إلى المقدّمة (2*)؟ بعبارة أُخرى، هل تعطينا البيانات التي تمّ استعراضها هنا سببًا وجيهًا للاعتقاد بأنّ المجتمعات العلمانيّة - من حيث المعدّل - ستقدّم نفس المساهمات الجيّدة تقريبًا مثل المجتمعات المتدينة؟
قبل الرّد على هذا السّؤال، دعوني أشير إلى بعض التّعقيدات. أوّلًا، مقتضى الإنصاف أن نعترف بوجود بعض الدّراسات التي لم تبيّن نفس الاتّجاهات التي ذكرناها الآن. ثانيًا، العديد من هذه الدّراسات تستخدم أساليب استبيانيّة تعتمد على تقارير الأشخاص عن أنفسهم. ولكنّنا جميعًا نعلم أنّ تقارير الأشخاص عن أنفسهم قد تكون معرّضة لتأثير التّحيّزات والتّشويشات المختلفة. وأخيرًا، معظم المشاركين في هذه الدّراسات من الولايات المتّحدة. يجب النّظر في ما إذا كانت نماذج مماثلة تظهر في دول أُخرى أيضًا.
ومع ذلك، حتى مع هذه التّوجيهات، فإنّه من الواضح أنّ البيانات التّجريبيّة ككلّ لا تقدّم دعمًا للمقدّمة (2*). بل على العكس، إنّ الاتّجاه السّائد هو أنّ التّديّن يتنبّأ بشكل أفضل بالمساهمات في النّتائج الإيجابيّة. لذلك يبدو أنّه استنتاجًا سليمًا أن نقول - نظرًا للبيانات الّتي نمتلكها حتّى الآن - أنّ هناك أساسًا تجريبيًّا ضئيلًا
(455)للمقدّمة (2*). يمكننا أن نسمّي هذا الرّدّ: «ردّ الدّراسات التّجريبيّة».
من المهمّ ملاحظة، مع ذلك، أنّ هذا يختلف عن القول بأنّ هذه النّتائج التّجريبيّة تثبت أنّ المقدّمة غير صحيحة بالفعل. بمعنى آخر، غياب الأدلّة على هذه المقدّمة لا يعني [بالضّرورة] أنّ هناك أدلّة على عدم صحّتها.
لم لا نحكم ببطلان مقدّمة (2*) رأسًا؟ لأنّ الدّراسات تكون ذات علاقة ترابطيّة وليست سببيّة. لذا حتى إذا كان التّديّن مقرونًا، على سبيل المثال، بأسلوب حياة أكثر صحّة، فإنّ ذلك لا يلازمه شيء بالنّسبة إلى كون المعتقدات الدّينيّة هي سبب لأسلوب حياة أكثر صحّة. يمكن أن يكون بدلًا من ذلك أنّ الأشخاص الملتزمون بالفعل بهذا النّمط من أسلوب الحياة يميلون إلى الانجذاب نحو الدّيانة.
ومع ذلك، أعتقد أنّه من الممكن جدًا أن يكون هناك تأثير سببيّ قويّ من قبل الالتزامات الدّينيّة للفرد على النّتائج الإيجابيّة. خذوا، على سبيل المثال، البيانات حول التّبرّعات الخيريّة. يجب أن نعترف جميعًا بأنّ الأشخاص المتديّنين ربما هم أسبق إحسانًا - من حيث المعدّل - من الأشخاص غير المتديّنين. ولكن سأتفاجأ إذا لم يكن اتّجاه التّأثير يسير في الاتّجاه الآخر، أي من الالتزامات الدّينيّة إلى العمل الخيريّ. أو ربما يسير السّهم السّببيّ في كلا الاتّجاهين.
فيما يتعلّق بالمسيحيّة، على سبيل المثال، يمكن أن يفعل أسبوعٌ عاديّ في حياة المؤمن الكثير لتعزيز أهمّيّة مساعدة الآخرين. قد تقف قارئة الكتاب المقدّس عبر
(456)حثّها على محبّة جارتها كما تحبّ نفسها أو عبر الأمثال مثل السّامريّ الصّالح. من خلال الصّلاة، يمكن أن يتمّ إعادة توجيه المسيحيّ نحو الخارج، بعيدًا عن نفسه. في الكنيسة، يُطلب منه في كل أسبوع أن يعطي، ليس فقط مالًا للكنيسة على شكل تقديمات نقديّة، ولكن أن تقدّم كذلك وقته وموارده وبشكل عامّ: نفسه. بالإضافة إلى ذلك، قد تكون هناك فعاليّة تواصل مع الكنيسة أو توقّعات بالتّنصيب أو ضغوط تكييف للتّبرّع عندما يقوم الجميع بالتّبرّع. من الصّعب تصوّر أنّ شخصًا يمارس مثل تلك الأنشطة لأسابيع متتالية ولعقود من الزّمن لن يتأثر أو يتشكّل سلوكه في العطاء تبعًا لالتزاماته الدّينيّة.
ما طبّقناه على العمل الخيريّ ينطبق باعتقادي على جميع النّتائج المذكورة سابقًا. وبعبارة أُخرى، يمكننا رسم مسار سببيّ معقول، من الالتزامات الدّينيّة إلى تعزيز النّتائج الجيّدة، على الأقلّ فيما يتعلّق بالأنماط العقلانيّة من الاعتقادات الايمانيّة. ولكنّ اقتراح النّموذج شيء، وتقديم دليل تجريبيّ لدعمه شيء آخر.
وبالجملة، يبدو أنّ أفضل نسخة من حجّة الأَضرار الدّينيّة ستعتمد على شيء قريب من المقدّمة الجديدة (2*). ولكن عندما ننظر فعليًّا إلى البيانات التّجريبيّة ذات الصّلة بهذه المقدمة، نجد دعمًا ضئيلًا جدًّا له. الملحدون الجدد هم من يقدّمون حجّة الأضرار الدّينيّة. لذا يقع العبء على عاتقهم لتقديم دعم لمقدّمات الحجّة. وحاليًّا، لم يتمّ توظيف هذا العبء بعد.
في هذا الفصل، نظرنا بتفصيل إلى حجّة الأضرار الدّينيّة ووضّحنا ما أعتبره
(457)الاستراتيجيّات الثّلاثة الأهمّ الدّاعية للشّكّ فيها. في هذه العمليّة، رأينا أيضًا أنّ هناك عدّة أشكال لهذه الحجّة. في الواقع، قمنا تدريجيًّا بتغيير المقدّمات الأصليّة (1) و (2) واستبدلناها بمقدّمات معدّلة، والتي يجب أن تخدم أغراض الملحدين الجدد الذين يودّون استخدام هذا الخطّ التحليليّ.
النّتيجة هي حجّة الأضرار الدّينيّة المعدّلة على النّحو التّالي:
(1*) الأشخاص الّذين يتصرّفون باسم تعاليم ديانتهم الأصيلة والعقلانيّة للاعتناء بها تسبّبوا بأضرار ومعاناة فظيعة على مرّ العصور.
(2*) المؤمنون المتديّنون قد قدّموا العديد من المساهمات الجيّدة للبشريّة، ولكن في معظم الأحيان، نفس تلك المساهمات الجيّدة ستتمّ - من حيث المعدّل - إلى الحدّ ذاته تقريبًا من قبل الأشخاص الذين يعتمدون على النّهج العلمانيّ (العقلانيّ).
(3) لذلك، سيكون من الأفضل إذا قام الجميع بالتّخلّي عن الإيمان الدّيني واعتماد طريقة تفكير علمانيّة.
ولكن بالنّظر إلى هذه النُّسخ المعدّلة، يتبيّن أنّ (1*) يثير جدلًا كبيرًا، وأنا أرجّح على الأقل في حالة المسيحيّة أن يكون ذلك غير صحيح. بالإضافة إلى ذلك، الأدلّة الدّاعمة قليلة جدًا من جهة التّجربية لـ(2*)، حيث تجد الدّراسات البحثيّة ترابطات تسير في الاتّجاه المعاكس بالضّبط لتلك الّتي تحتاجها الحجّة. لذلك في الوقت الحالي، استنتاجي العامّ هو أنّ حجّة الأضرار الدّينيّة، على الأقل في النُّسخ المختلفة التي رأيناها في هذا الفصل، لا تشكّل تحدّيًا جادًّا للاعتقاد الايمانيّ.
دعونا نختم بأخذ بعض أفكار هذا الفصل في اتّجاه جديد. لقد أوضح الملحدون الجدد أنّهم يسعون لتحويل النّاس إلى مذهبهم. كمبشّرين علمانيّين، أحد أهدافهم الرئيسية هو جذب الأشخاص للتّخلّي عن التزاماتهم الدّينيّة والانضمام إلى طرف الإلحاد. كما اشتهر عن ريتشارد دوكنز أنّه
قال في كتاب «الوهم الإلهيّ»: «إذا نجح هذا الكتاب كما هي نيّتي، فإنّ القرّاء المتديّنين الذين يفتحونه سيكونون ملحدين عندما يضعونه جانبًا».
لكن الملحدين الجدد ليس عليهم أن يحاولوا تحويل الأشخاص المتديّنين إلى لادينيّين. في نهاية المطاف يمكنهم ترك الأشخاص المتديّنين والاحتفاظ بمعارضتهم للدّين لأنفسهم. بل يمكنهم حتى - وبشكل أكثر بعدًا ممّا يفعلونه الآن - أن يشجّعوا بنشاط على الإيمان الدّيني (العقلانيّ)، بدلًا من محاولة إضعافه.
الآن، ليس لديّ توقّعات بأنّ أمثال ريتشارد دوكنز أو سام هاريس سيأخذوا أيًّا من هذين النّهجين البديلين على محمل الجدّ. يمكن أن يكونوا خارج نطاق اهتماماتهم تمامًا. ومع ذلك، قد وفّر هذا الفصل الأرضيّة الفكريّة لرؤية أنّ الملحدين الجدد «يجب» أن يأخذوا النّهجين البديلين على محمل الجدّ. لننظر أوّلًا في احتمال كون الرّؤى الكونيّة العلمانيّة تسبّبت بالآلام والمعاناة الفظيعة أكثر - من حيث المعدّل - ممّا سبّبته الرّؤى الكونيّة الدّينيّة، خاصّة في القرن العشرين. فلنجمع بين هذا الادّعاء والبيانات حول التّرابطات القويّة بين المقاييس الدّينيّة والنّتائج الجيّدة. على الرّغم من أنّه يجب أن يتمّ التّفكير فيها بمزيد من التّفصيل، إلّا أنّه ليس من الصّعب تقدير الاقتراح الّذي يشير إلى أنّ المجتمع ككلّ قد يكون أفضل إذا ما يزال الكثير من الأشخاص المتديّنين (العقلاء) بين ظهرانينا.
إنّ مصطلح «أفضل» [الوارد في سؤال العنوان] يشير إلى المجتمع ككلّ، ولكنّه يهدف إلى ضمّ تحسين حياة الملحدين الجدد الذين يعيشون في المجتمع أيضًا. فعلى سبيل المثال، ستكون هناك فوائد مباشرة للمؤمنين بعد انخفاض معدّلات الجريمة
(459)وتحسّن الأداء التّعليميّ، ولكنّ هذه الفوائد ستطال أيضًا الملحدين الذين يعيشون في نفس الحيّ [مع المؤمنين].
ولكن، قد تقول، كيف يمكن للملحدين الجدد أن يتركوا المؤمنين وشأنهم بشكل مسؤول إذا كانوا يعتقدون أن عالمهم بأكمله مجرّد خرافة؟ ألا يتوجّب على الملحدين الجدد مساعدة الأشخاص المتديّنين على رؤية الحقيقة (على الأقلّ من وجهة نظر الملحدين الجدد)؟
ليس من الواضح دائمًا أنّ لدينا واجبًا دائمًا لكشف الحقيقة لشخص ما كما نراها. بل هذا مشكوك فيه خاصّة في بعض الحالات التي يمكن أن يكون عدم الكشف عن الحقيقة أمرًا مفيدًا للغاية. دعونا نأخذ على سبيل المثال الدّواء الوهميّ في الطبّ؛ الطّبيب الذي يُعطي حبوب السّكّر للمريض يخدعه من أجل محاولة تحقيق نتيجة صحّيّة أفضل. هذه ممارسة مستخدمة على نطاق واسع، ويبدو أنّها تعمل بشكل فعّال في بعض الحالات. يزعم الكثيرون أنّ هذه الممارسة مبرّرة بالفعل، عمومًا.
بصورة مماثلة، بدلًا من محاولة التّخلّص من الاعتقاد الدّيني تمامًا في المجتمع، ربّما أفضل شيء يمكن للملحدين الجدد فعله هو ترك المؤمنين وشأنهم. حتى وإن كان من وجهة نظر الملحدين الجدد أنّه لا يوجد إله، فإنّه - من حيث المعدّل - إبقاء الوهم قائمًا قد يؤدّي إلى تحسين حياتنا في المدى البعيد.