الحمد للّه ربّ العالمين، وصلّى الله على سيّدنا محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم وآله الطاهرين عليهمالسلام، وبعد...
الحياة الطيِّبة هي الوضعية المنشودة لحياة البشر؛ في الأبعاد الإيمانيّة، والاجتماعيّة، والسياسيّة، والاقتصاديّة، والجهاديّة، والجسميّة، والبيئيّة، والجماليّة، والعلميّة، والإداريّة. ووفقًا لرؤيتنا الإسلاميّة لا مجال لفصل الحياة الطيِّبة بأبعادها ومراتبها كافة عن الإيمان والعمل الصالح الوارد في عدّة آيات في القرآن الكريم على نحو التلازم، قال الله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل: 97). فالإحياء هنا بمعنى إلقاء الحياة في الشيء وإفاضتها عليه، وفيها دلالة على أنّ الله سبحانه يكرّم المؤمن الذي يعمل صالحًا بحياة جديدة غير ما يشاركه سائر الناس من الحياة العامّة، وما في الآية من طيب الحياة يلازم طيب أثرها وهو القدرة والشعور المتفرّع عليهما الأعمال الصالحة.
إذًا «الحياة الطيِّبة» في هذه الدنيا هي النتاج الطبيعي للعمل الصالح النابع من الإِيمان، أيْ أنّ المجتمع البشري سيعيش
حينها حياةً هادئةً مطمئنةً ملؤها الرفاه والسلم والمحبّة والتعاون، وفي أمان من الآلام الناتجة عن الإِستكبار والظلم والطغيان وعبادة الأهواء والأنانية التي تملأ الدنيا ظلاماً وظلامات.
وتتأكّد أهمية التربية على نمط الحياة الإسلاميّة بسعة التشريعات والقيم الإسلاميّة، لهذا فهي إضافةّ للتربية على البعد الإيماني التربوي، حيث العمل على تربية شخصيّة الإنسان وبناؤه في الجوانب العقائديّة والإيمانيّة والعباديّة والروحيّة، تبرز الأهميّة للتربية في البعدين السلوكي الفردي والاجتماعي، حيث التربية على الحياة الأسريّة والاجتماعيّة الإسلاميّة، ويتحمّل المسؤوليّة المجتمعيّة في ضوئها. وفي التربية على ثقافة التدبير المعيشي، واتقان العمل، والسعي للكسب الحلال...، وأصول وقيم التعامل مع سائر النعم والمخلوقات. بل والتصرّف في الأرض وخيراتها وفق إرادة الله تعالى، باعتبارها أمانة إلهيّة لخدمة الإنسان ورقيّه ورفاهيّته وتحقيق كماله على ضوء الإرادة الإلهيّة.
ختامًا لا شك بأنّ التزام الإنسان نمط الحياة الإسلاميّة، ومراعاته لقواعد وأصول الحياة الطيِّبة يكفلان له أعلى درجات السعادة والإطمئنان في حياته الدنيوية، والفوز برضا الله وجزاءه الحسن في حياته الأخروية.
هذا الكتاب «الصلاة عبادة وتربية» يسلّط الضوء على عظمة الصلاة ورفعة مكانتها، وبعض أهدافها وآثارها في الإسلام، وقد اعتُمدَ في تأليفه وكتابة مضامينه على الآيات القرآنيّة الكريمة، والأحاديث النبويّة الشريفة، وروايات أئمّة أهل البيت عليهمالسلام؛ ليكون منهلاً أصيلاً في توجيه المؤمنين للالتزام بنمط الحياة الطيبة في العلاقة مع الله والخلق، وبهذا تتحقّق السعادة والاطمئنان في الدنيا والآخرة.
المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيّة
والحمد للّه رب العالمين
(11)الحمد لله ربّ العالمين، بارئ الخلائق أجمعين، له الحمد، والحمد حقّه كما يستحقه، وصلّى الله على من لا نبيّ بعده، سيّدنا ومولانا رسول الله محمّد وعلى آله الطيبين الطاهرين، وبعد...
المعروف من سيّر أنبياء الله ورسله الكرام وأوصيائهم عليهمالسلام أنّ الله سبحانه جعلهم سادة الدّاعين إليه، وأنّ أولى مهامهم كانت دعوة الخلق لمعرفة بارئهم وتوحيده وخلع الأنداد، والمعروف من سيرتهم أيضًا أنّ أهمّ ما يُعتنى بالدعوة إليه، وحثّ الناس عليه، وحضّهم على فعله هو الصلاة بعد التوحيد، فهي غرّة الطاعات وآكد الفرائض والواجبات، وقد ذكرها الله تعالى في عشرات الآيات القرآنيّة الكريمة، وجاءت الأحاديث الشريفة مؤكّدة وجوبها وأهمّيتها، وتحثّ عليها وتُحذّر أشدّ التحذير من تركها أو التهاون بها أو التكاسل عنها لأنّ ذلك من صفات المنافقين كما جاءت محكمات الفرقان العظيم والأحاديث النبويّة مبيّنة أنّ الصلاة أوّل ما يجب تعلّمه من الفرائض، وهي الفارق بين المسلم وغير المسلم، وأنَّ الحرص على إقامتها من صفات المؤمنين المتّقين، وهي قرّة عين المسلم، إليها يُفزع إذا ضاق الصدر، وادلهمّت الخطوب كما كان يفعل
(13)خَاتَم النَّبِيِّينَ صلىاللهعليهوآلهوسلم وآله، وقد يسأل السائل لم أولت الشريعة الإسلاميّة السمحاء كلّ هذه الأهمّية للصلاة؟ وما الميزة التي توجد في الصلاة دون سائر العبادات التي فرضها الله جلّ شأنه؟
إنّ وجوه أهمّية الصلاة كثيرة جدًّا ويصعب استقصاؤها، ومن هذه الوجوه ما قد عرفناه، ومنها ما لم نعرفه، والحقيقة أنّه لا يعرف قيمتها تمام المعرفة إلّا رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وآله والهداة المهديين من أهل بيته عليهمالسلام، وأما نحن فيُمكننا الاستفادة في التعرّف على صور من صور مكانتها ووجوبها، وأهدافها، وفضائلها التي وردت في كتاب الله تعالى والروايات الشريفة المروية عن النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم وآله وعترته الطاهرةعليهمالسلام، فهلمّوا بنا كي نتعرّف على بعض الصور التي تُبَيّن لنا شيئًا من مكانتها العظيمة، ولنعلم من أين استمدّت وحَصَلت منزلتها الرفيعة، سائلين العلي القدير أن ينفعنا به في الدنيا والآخرة.
المؤلّف
(14)إنَّ الله تعالى قد عظَّم أمر الصلاةِ في القرآن الكريم وشرَّفها، وكرّم أهلها، وأوصى بها خاصَّة وخصَّها بالذِّكر من بين الطاعات كلِّها في عشرات المواضع من سور كتابه المجيد، ومن تلك المواضع قوله عَزَّتْ آلاَؤه: ﴿قَد أَفلَحَ ٱلمُؤمِنُونَ * ٱلَّذِينَ هُم فِي صَلَاتِهِم خشِعُونَ﴾ (المؤمنون: 1-2).
ومن أعطى «سورة المؤمنون» بعض حقّها من التدبّر سيجد أنَّ اللَّه مدحَ فيها عبادهُ المُؤمنينَ فبدأ بذكرِ الصَّلاةِ قبلَ كُلِّ عملٍ من الأعمال، وجاء أوَّل نعت نعتهم به الخُشُوع فيها، ثُمَّ أعادَ سبحانه ذِكر الصَّلاةِ في آخِرِ السورة إعظامًا لِقدرِها في القُربةِ إليهِ، ولِمَا أعدَّ للقائمينَ بها المُحافظينَ عليها من جزيلِ الثَّواب، ونعيم المآب، فقال عزّ من قائل: ﴿وَٱلَّذِينَ هُم عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِم يُحَافِظُونَ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلوَٰرِثُونَ ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلفِردَوسَ هُم فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ (المؤمنون: 9-11).
وفي سورة المعارج قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا) (المعارج: 19-21). ثم لم يبرىء أحدًا من هذين الخلقين المذمومين من جميع الناس قبل المصلين فقال: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾(المعارج: 22-23). ثم أعاد ذكرهم في ذات السورة وكرمهم بأفضل تكريم، فقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ
يُحَافِظُونَ أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ) (المعارج: 34-35).
وقال عزَّ مِنْ قَائِل في سورة فاطر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (فاطر: 29-30).
في هذه الآيات وغيرها من المُحكمات يبدأ الرب تبارك وتعالى بمدح الصلاة قبل سائر الأعمال ومن ثم يتبعها ما تبعها من سائر الطاعات، ويكرر الثناء على المؤمنين ويمدحهم بالمحافظة عليها كُل ذلك تأكيدًا لها وتعظيمًا لشأنها، فهي أحبّ الأعمال إليه، ومنزلتها في دين الله منزلة عظيمة، ورتبتها رتبة خطيرة، وهي عمود الإسلام، وموضعها منه كموضع الرأس من الجسد. وهي أعظم عبادة شرّعها الله تعالى، وأفضل ما توسّل به المتوسّلون للتقرّب إليه جلّ شأنه، وهي معراج المؤمنين والعارفين، وأوّل ما افترض سبحانه على عباده ليتشرّفوا بعبادته، ويتمتّعوا بطاعته، ويظفروا بمناجاته، ويسعدوا برحمته، والصلاة من المرتكزات الأساسيّة لصِلة الإنسان ببارئه وإحياء معاني الإيمان في قلبه، وهي آخر وصايا أنبياء الله تعالى ورسله عليهمالسلام إلى أوصيائهم، وأهليهم وأممهم، وأفضل الوسائل في تزكية النفس، كما أنها مَفْزَعٌ وملجأ وطمأنينة لكلّ من حزبه أمر، أو حلّ به كرب، أو أراد أن يرتاح من هموم الدنيا ونكدها حيث يجد فيها فائدة للأبدان، وراحة للأفئدة والألباب، فمن حافظ
عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة، وإنّ شفاعة أنبياء الله تعالى وأوصيائهم عليهمالسلام لا تنال مستخفًا بالصلاة، ولقد بلغ من شأن الصلاة أنّها أول ما يُحاسب عليه العبد، فإنْ صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله، وأمرها كما جاء في الحديث عن خَاتَم النَّبِيِّين صلىاللهعليهوآلهوسلم: «إنّ عمود الدين الصّلاة، وهي أوَّل ما يُنظَر فيه من عمل ابن آدم، فإنْ صحّت نُظِرَ في عمله، وإن لم تَصِحَّ لم يُنظَر في بقيّة عمله».
وورد في حديث ضمرة بن حبيب حيث قال: سُئل النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم عن الصلاة، فقال: «الصلاة من شرائع الدين، وفيها مرضاة الربّ عزّ وجلّ، وهي منهاج الأنبياء، وللمصلّي حبّ الملائكة، وهدى وإيمان، ونور المعرفة وبركة في الرزق، وراحة للبدن، وكراهة الشيطان، وسلاح على الكافر، وإجابة للدعاء، وقبول للأعمال، وزاد المؤمن من الدنيا للآخرة. وشفيع بينه وبين ملك الموت، وأنس في قبره، وفراش تحت جنبه، وجواب لمنكر ونكير، وتكون صلاة العبد عند المحشر تاجًا على رأسه، ونورًا على وجهه، ولباسًا على بدنه، وسترًا بينه وبين النار، وحجّة بينه وبين الربّ جلّ جلاله، ونجاة لبدنه من النار، وجوازًا على الصراط، ومفتاحًا للجنّة، ومهورًا للحور العين، وثمنًا للجنة، بالصلاة يبلغ العبد إلى الدرجة العليا».
وإنَّ هذه الفريضة العظيمة تحتلّ مكانًا عظيمًا في الإسلام بل في كلّ الرسالات، فإنّه ما من نبيٍّ بُعث ولا رسالة نزلت إلّا وفيها الأمر بإقامة الصلاة كما الأمر بتوحيد الله عزّ وجلّ، فهي عبادة مشتركة لجميع أمم الأرض لأنّها وصيّة الله وأمره للنبيّين والمرسلين وأتباعهم إلى يوم الدين، وقد قال ربّنا سبحانه حاكيًا لنا قول سيدنا المسيح عليهالسلام : ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ (مريم: 31).
وأمر الله حبيبه المصطفى صلىاللهعليهوآلهوسلم بقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ (الإسراء: 78-79)، وقال له: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (طه: 132). إلى غير ذلك من مُحكمات القرآن التي تُبيّن لنا مكانة الصلاة.
ومن الوجوه الدالة على منزلتها العظمى أنّ النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم قد اقتصر في رمقه الأخير ساعة وداعه للدنيا على الوصاية بها، وهي كذلك آخر وصايا أنبياء الله تعالى ورسله عليهمالسلام إلى أوصيائهم، وأهليهم وأممهم، وقد كتب سيّد الوصيّين أمير المؤمنين عليهالسلام في وصيّته: «... إنّي أُوصيك يا حسن، وجميع أهل بيتي وولدي، ومن بلغه كتابي بتقوى الله ربّكم، ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون...، الله الله في الصلاة، فإنّها خير العمل، إنّها عمود دينكم،... إلى أن قال: فإنّ آخر ما تكلّم به نبيّكم عليهالسلام أن
قال: أوصيكم بالضعيفين: النساء، وما ملكت أيمانكم. الصلاة الصلاة الصلاة ...».
حظيت الصلاة في هذا الدين بمنزلة رفيعة لا يوازيها منزلة أيّة عبادة أخرى، فهي دعامته وركنه وشعيرته ومظهره الخالد وآيته الباقية، وهي مفتاح الحساب، وفاتحة الأبواب، والواقية من العذاب، في الدنيا وتحت التراب، ويوم القيامة حين يقوم الحساب حيث لا أهل ينفعون ولا أنساب، إلّا العمل والفعل الصواب، وبعدُ هي أمتن الحبال التي تربط العبد بربّه ذي الجلال، وقد جعلها خَاتَم النَّبِيِّين عليهمالسلام عمود الإسلام، ومن المعلوم أنَّ العمود إذا سَقط سقط ما بُني عليه، وهذا يدلّ دلالة كبيرة على فضل هذا الركن العظيم ورفعة شأنه، قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «مثل الصلاة مثل عمود الفسطاط، إذا ثبت العمود نفعت الأطناب والأوتاد والغشاء، وإذا انكسر العمود لم ينفع طنب ولا وتد ولا غشاء».
واستعار الإمام الباقرعليهالسلام من مشكاة جدّه خَاتَم النَّبِيِّينَ قبسًا من نور، فقال: «الصلاة عمود الدين، مثلها كمثل عمود الفسطاط، إذا ثبت العمود ثبت الأوتاد والأطناب، وإذا مال
العمود وانكسر لم يثبت وتد ولا طنب». وحمل العمود على الصلاة من باب التشبيه البليغ وفيه دليل واضح على أنّ الصلاة أفضل ما سواها؛ بفسادها يفسد الدين بالكلّية ولا ينتفع به كما أنّ الفسطاط لا ينتفع به مع وجود الطنب والأوتاد بانتفاء العمود، ومن هنا، تكتسب الصلاة هذه المكانة الكبيرة، وهذا القدر العظيم.
أجمع علماء الإسلام قاطبةً على أنّ الصلوات الخمس قد فُرضت على الأمّة المحمّدية في ليلة الإسراء والمعراج حيث كان خَاتَم النَّبِيِّين صلىاللهعليهوآلهوسلم وافدًا على الله تعالى، ولأنّ ضيف الكريم كريم، أتحفه مولاه بهذه التحفة التي هي غُرّة الطاعات ورأس القربات، وصاحبة المزايا الكثيرة من بين العبادات، ومن ذلك أنَّها فُرضت في المقام الأسنى على بساط العزّة بحضرة الملأ الأعلى، لم يُرسل الله سبحانه الأمر بها مع جبريل عليهالسلام ككّل الفرائض الأخرى، ولكنّه أسرى بنبيّهِ الأكرم ورسوله الأعظم صلىاللهعليهوآلهوسلم إلى بيت المقدس ثم عرج به إلى السموات العلى وخاطبه تعالى في ذاك المقام الشريف، وفرض عليه هذه الشعيرةُ العظيمة التي اختصّها الله من بين سائر شعائر الإسلام بذلك حيث إنَّ النبيّ المصطفى صلىاللهعليهوآلهوسلم تلقّى الأمر بها من الله تعالى مباشرة، وفي هذا
تنويه بهذه الطاعة، وتشريف لها على سائر الطاعات؛ هل عرفنا أيّ مكانة ومنزلة تلك؟! وأيّ شأن ذاك لهذه الصلاة؟! ولا غرابة حينئذ لو بلغ إلى مسامعنا قول خاتم الأنبياءصلىاللهعليهوآلهوسلم: «إنّ الله جعل قرّة عيني في الصلاة».
كم في الصلاة من الأسرار والحِكم، والمقاصد والغايات التي لا يعقلها كثير ممّن يؤدّيها، ومن بين هذه الأسرار والحكم أنّ الصلاة أحبّ الأعمال إلى الله ورسوله وأوليائه، والمؤمن دأبه الاستكثار من خير الأعمال وأفضلها، لأنّه لا غاية لديه إلا رضى الله تعالى، فلذلك تراه مسارعًا إلى كلّ عمل يُحبّه مولاه. قال عبد الله بن مسعود: سألتُ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: أيّ الأعمال أحبُّ إلى الله؟ قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «الصلاة لوقتها. قُلتُ: ثم أيّ شيء؟ قال: برّ الوالدين. قُلتُ: ثمّ أيّ شيء؟ قال: الجهاد في سبيل الله».
وروى زيد الشحّام عن الإمام الصادق عليهالسلام فقال: سمعته يقول: «أحبّ الأعمال إلى الله عزّ وجلّ الصلاة، وهي آخر وصايا الأنبياءعليهمالسلام».
ونقل الإمام الصادق عليهالسلام عن جدّه أمير المؤمنين عليهالسلام قوله: «ليس عمل أحبّ إلى الله عزّ وجلّ من الصلاة، فلا يشغلنّكم عن أوقاتها شيء من أمور الدنيا، فإنّ الله عزّ وجلّ ذمّ أقوامًا، فقال: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ (الماعون: 5): يعني أنّهم غافلون استهانوا بأوقاتها».
ورويَ عن الإمام الكاظم عليهالسلام أنه ذكر وصايا لقمان الحكيم، فقال: كان لقمان عليهالسلام يقول لابنه: «وصم صومًا يقطع شهوتك، ولا تصم صومًا يمنعك من الصلاة، فإنّ الصلاة أحبّ إلى الله من الصيام»، وليس خافيًا على المتدبّر أنَّه قد ربط بالصلاة من الثمرات الروحية وتطهير الجوارح ... ما لم يُصرَّح بمثله في الصوم. وعليه فمَن صام، وترك الصلاة، فقد ترك الأهمَّ في شِرعة الإسلام.
روى الإمام الصادق عن آبائه الكرام، عن علي عليهالسلام قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «اعملوا، وخير أعمالكم الصلاة»، ولا يغيبنّ عن فكرك أيّها القارئ الكريم الوصية التي كتبها مولانا أمير المؤمنين عليهالسلام : «.. إنّي أوصيك يا حسن، وجميع أهل بيتي وولدي،
ومن بلغه كتابي...، الله الله في الصلاة، فإنّها خير العمل».
وكذلك ما روي عن الصادق عليهالسلام : «إنّ أفضل الأعمال عند الله يوم القيامة الصلاة».
وجاء عن إمامنا الرضاعليهالسلام أنّه قال: «.. اعلم أنّ أفضل الفرائض بعد معرفة الله جلّ وعزّ الصلوات الخمس..».
وروى جدّه الإمام الصادق عن آبائه الكرام، عن علي عليهالسلام قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «الصلاة ميزان أمّتي من وفى استوفى».
وقال باقر العلم عليهالسلام لصاحبه سليمان بن خالد: «ألا أُخبرك بالإسلام، أصله وفرعه وذروة سنامه»؟ قُلتُ: بلى جُعلتُ فداك، قال: أمّا أصله، فالصلاة، وفرعه الزكاة، وذروة سنامه الجهاد»، وكذلك روى ولده الصادق عن آبائه عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم نحوه. هذه قطرة من ذلك البحر، وشذرة من ذلك البذر، وهي كافية وافية، ولله الحمد والمنة.
وقد أجاد السيِّد مهدي بحر العلوم في منظومته:
إنّ الـصلاة هـــي أفضل القرب وأكمل الطاعـــات طــرًّا وأحب
عمــود هــذا الدين والعـــنوان لســــائر الأعمــال والـــميزان
في العــــقل بان فضلها والنقل مـن الكـتــاب ووصــايا الرسل
وفي النصوص عن أئمّة الهدى عليهمالسلام في فضلها ما ليس يحصى عددا
لقد أُشير في المصادر الإسلاميّة إلى نحو من الأولويّة في ترتيب النظر في صحائف أعمال الناس وكتبهم يوم الحساب، فكانت الصلاة أوّل ما يُحاسب عليه العبد، ووجدنا أنّ القرآن الكريم يُصوّر حال أهل النار عندما يُسْأَلُون عن سبب ما هم فيه من عذاب فيقولون: لم نكن من المصلّين. قال تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ (المدثر: 42-43)، فالصلاة من أوّل الأعمال التي تركها أولئك المكذّبون، وأوّل ما يندمون على تضييعه يوم القيامة، وقد قال الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام مرشدًا وموجّهًا: «واعلم أنّ كلّ شيء من عملك تبع لصلاتك، فمن ضَيّع الصلاة، فإنّه لغيرها أضيع».
تبيّن لنا ممّا نطق به النبيّ المصطفى والإمام المرتضى عليهالسلام أنّ سلامة صحيفة المرء مرهونة بالصلاة، وقبولها شرط في النظر
في سائر أعماله أيضًا، قال الإمام الصادق عليهالسلام : «وفي إقامة الصلاة بحدودها وركوعها وسجودها وتسليمها سلامة للعبد من النار، وفي قبول صلاة العبد يوم القيامة قبول سائر أعماله، فإذا سلمت له صلاته سلمت جميع أعماله، وإن لم تسلم صلاته وردّت عليه. ردّ ما سواها من الأعمال الصالحة»، وفي حديثٍ آخر قال عليهالسلام : «إنّ أوّل ما يُسأل عنه العبد إذا وقف بين يدي الله عزّ وجلّ الصلوات المفروضات...».
وحين يتفضّل المعصوم عليهالسلام بالقول: إنّ الصلاة لله، إذا قُبِلت قُبِل ما سواها من الخدمات والجهود، وإذا رُدّت رُدّ ما سواها، فهذا كلامٌ يعرض أمامنا حقيقة كبيرة، وتلك الحقيقة هي أنّ الصلاة إذا وضعت في موضعها المناسب في المجتمع الإسلاميّ فسوف تفتح كلّ الجهود المادّية والمعنوية البنّاءة طريقها نحو الأهداف والمبادئ، وتوصل المجتمع إلى المحطة المثاليّة المطلوبة في الإسلام. وإذا كانت هناك غفلة عن قيمة الصلاة، وجرى عدم الاكتراث لها فسوف لن يُطوى هذا الطريق بشكل صحيح، ولن تترك الجهود والمساعي تأثيرها اللّازم في الإيصال إلى القمّة التي رسمها الإسلام للمجتمع الإنسانيّ.
الصلاة دعامة لجميع الشرائع السماوية، ولأنّها من مستلزمات الإيمان لم تخل منها شريعة من الشرائع، ولم تنسخ فيما نُسِخ منها؛ إذ لا خير في دين لا صلاة فيه، ولأهمّية الصلاة وكبير مكانتها في الإسلام جعلها الله حدًا فاصلًا بين الكفر والإسلام، فقال جل شأنه: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (التوبة: 11)، إذًا هي غنيمة عباد الله الحاضرة التي يستطيعون بعد توفيق الله أن يغنَمُوا بها رضا الله والجنّة، وأن ينجَوْا بها من سخط الله والنار، وأعلم أيها المؤمن أنَّ بإقامتها يرفع الله قدرك ويُطهّر جوارحك وقلبك وتُكفّر سيئاتك، وتفتح أبواب الخير في وجهك، وتجد شرح صدرك، فإنها تزيل من النفوس أثقالها، ويصير حالك مع الصلاة كما قال نبيّنا المصطفى صلىاللهعليهوآلهوسلم: «أرحنا بها يا بلال».
وحينما تؤدّى الصلاة بانتباهٍ وبحضورِ قلبٍ لا يقتصر تأثيرها على ما تغرسه في قلب المصلّي
وروحه، وإنّما يتّسع مداها ليملأ الأجواء المحيطة به نورًا وشذًى يسري أريجه إلى رحاب البيت والأسرة، وإلى محلّ العمل ومجلس الأصدقاء، وكلّ آفاق الحياة، وقد ورد في الأثر أنَّ أبا ذر الغفاري استفسر من النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم قائلًا: إنّك أمرتني بالصلاة،
فما الصلاة؟ قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «الصلاة خير موضوع، فمن شاء أقلّ، ومن شاء أكثر».
لقد قرن الله تعالى الأمر بالصلاة بالأمر بالصبر في مواجهة الشدائد وتحمّل الصعاب حيث يقول جلّ وعلا للذين آمنوا من عباده: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 153)، ويقول عزّ من قائل: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة: 45-46)، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ يعني الصلاة، أو الوصية المفهومة من الآية بالجمع بين الصبر والصلاة، وقد أمر الله سبحانه خَاتمَ أنَّبِيِّاءهِ بالصبر والمحافظة على الصلاة، فقال: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾ (الحجر: 97-98).
وروى أبو الأسود الدؤلي عن أبي ذر الغفاري قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «يا أبا ذر إنّ الله جعل قرّة عيني في الصلاة، وحبّبها إليّ، كما حبب إلى الجائع الطعام، وإلى الظمآن الماء، وإنّ الجائع إذا أكل الطعام شبع، والظمآن إذا شرب الماء روى، وأنا لا أشبع من الصلاة». ولِعِظم مكانة الصلاة ومنزلتها
سمّاها الله عزّ وجلّ في فرقانه (إيمانًا)، فقال تعالى عن صلاة المسلمين التي صلّوها إلى بيت المقدس: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (البقرة: 143).
وهذا هو السرّ في الوصايا العميقة والتشديد في الدعوة إليها في كلام المعصومين عليهمالسلام، فتدبّر كيف يوصي الإمام علي عليهالسلام المسلمين قائلًا: «تعاهدوا أمر الصلاة، وحافظوا عليها، واستكثروا منها، وتقرّبوا بها، فإنّها ﴿كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ (النساء: 103)»، ألا تسمعون إلى جواب أهل النار حين سُئلوا: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ (المدثر: 42-43)، وإنّها لتحتّ الذنوب حتّ الورق، وتُطلقها إطلاق الربق، وشبّهها رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بالحَمَّة تكون على باب الرجل، فهو يغتسل منها في اليوم والليلة خمس مرّات، فما عسى أن يبقى عليه من الدرن، وقد عرف حقّها رجال من المؤمنين، الذين لا تشغلهم عنها زينة متاع، ولا قرّة عين من ولد ولا مال، يقول الله سبحانه: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ (النور: 37)، وكان رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم نَصِبًا بالصلاة بعد التبشير له بالجنّة، لقول الله سبحانه: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (طه: 132)،
فكان يأمر بها أهلهُ ويُصبّرُ عليها نَفسَهُ».
ما أنبل الأفراد الذين بلغوا قمم التسامي عبر إقتدائهم بخاتم النبيّيّن وسيد الوصيين وبمعرفتهم لقيمة ومكانة الذكر والخشوع والإنابة، التي تعدّ الصلاة أعظم مظاهرها، وما أنفع الأفراد الذين أرفقوا العمل الصالح بالإبداع الدنيويّ، وما أكثر السذّج وقصيري النظر الذين حرموا أنفسهم من السعادة الحقيقيّة بالغفلة عن هذا السرّ العظيم في الوجود، سواء من خلال الانغماس في العمل الماديّ والإقتصار عليه أو في ضياع أوقاتهم بالفراغ والكسل، هؤلاء أينما حلّوا هووا بأنفسهم في مستنقع الحرمان والإخفاق بشكل أو بآخر، والناس الذين جعلوا مساعيهم وجهودهم في ميدان الحياة الإنسانيّة مشفوعة بذكر الله تعالى، والأنس به، لا ريب أنهم يُدركون السعادة الحقيقيّة، وتنالها أرواحهم.
من المعلوم لكلّ مؤمن أنَّ أوامر الله سبحانه لا تخلو من حكمة، ضرورة أنّه حكيم عليم خبير، وقضية إيمان العبد بحكمة خالقه وسيّده أن يُنفّذ أوامره دون سؤاله عن حكمة هذه الأوامر، لأنّ هذا يؤدّي إلى أنّه إذا لم يقنع رفض التنفيذ، وهذا هو موقف إبليس من أمر ربه له بالسجود لآدم، حيث إنّه لم يقتنع بصواب
هذا الأمر، وتناهى في الغرور بنفسه، وتفكيره، فبرّر الرفض بأنّه أفضل من آدم: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ (الأعراف: 12). إنَّ هذا الموقف يوضح أنَّ معصية أوامر الله عز وجل هي من نتاج الاستجابة للهوى ورفض ما لا يتّفق معه، ويعد ذلك من الخيانة لله سبحانه لأنّ حق الله أن تطيعه، فإن أنت لم تؤدِّ هذا الحق، واطعت غيره معبودًا كالهوى مثلًا وفقًا لقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (الفرقان: 43)، فإنّ اختيارك هذا هو بمثابة خيانة عظمى، ذلك أنّه كلّما كان الطرف المقابل أعظم شأنًا وحقّه أكبر فإنّ الخيانة الناجمة من عدم مراعاتنا لحقّه تكون أعظم وأخطر، وفي المقابل قال الإمام السَّجاد زين العابدين عليهالسلام : «الرجل كلّ الرجل نِعْمَ الرجل هو الذي جعل هواه تبعًا لأمر الله ...».
ومن المعلوم أيضًا أنّ بعض الأحكام الشرعيّة قد تخفى فيها علّة التشريع أو حكمته وفلسفته علينا، ولكن ما دامت قد ثبتت فلا بدّ من امتثالها، ولعلم الله سبحانه بطبيعة الإنسان الذي يُغريه بالعمل إيمانه بفائدته. يُبيّن كثيرًا في تشريعاته الحِكم والفوائد المترتبة عليها لكن ذلك يتطلب من المسلم تدبّر آيات القرآن ليجد أنّ الله تعالى يُشير إلى ذلك في الكثير من آيات كتابه المجيد مثل قوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ (البقرة: 251)، وتوضيح ذلك يطول، لكن
لا يغيب عنكم أنَّ أكثر التكاليف جاء النداء بها بوصف الإيمان ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني ما دمتم مؤمنين بالله، فعليكم أن تتقبّلوا كلّ تكاليفه بنفس راضية مطمئنّة، تحقيقًا لعبوديّتكم الخالصة لله سبحانه وإيمانكم القوي بعدله وحكمته. ولو أنّ أهل الإسلام أخذوا بوصية النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم وتمسّكوا بثقليه العظيمين (الكتاب والعترة) لوجدوا في علوم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرًا بيانًا واضحًا لحكمة وفلسفة الشرائع، ومن ذلك:
للوقوف على حكمة الصلاة يتوجّب علينا التوجّه إلى بيت شارعها المقدّس صلىاللهعليهوآلهوسلم ليُطالعنا حفيده الإمام عليّ بن موسى الرضاعليهالسلام بحديث جامع يُبيّن فيه حكمة الصلاة وفلسفتها وأسرارها إذ سئل عنها، فأجاب بما يلي: «علّة الصلاة أنّها إقرار بالربوبيّة لله عزّ وجلّ، وخلع الأنداد، وقيام بين يدي الجبّار جلّ جلاله بالذلّ والمسكنة، والخضوع والاعتراف، والطلب للإقالة من سالف الذنوب، ووضع الوجه على الأرض كلّ يوم إعظامًا لله عزّ وجلّ، وأن يكون ذاكرًا غير ناسٍ ولا بطرٍ، ويكون خاشعًا متذلّلًا راغبًا، طالبًا للزيادة في الدين والدنيا، مع ما فيه من الإِيجاب والمداومة على ذكر الله عزّ وجلّ باللّيل والنهار لئلاّ ينسى العبد سيّده ومدبّره وخالقه، فيبطر ويطغى، ويكون في
(31)ذكره لربّه، وقيامه بين يديه، زجرًا له عن المعاصي، ومانعًا له عن أنواع الفساد».
نستخلص من هذا البيان الجلي جملة من أهداف الصلاة؛ أوّلها: إقرار المصلّي بأنّه عبد مربوب له ربٌّ واحد أحد فرد صمد هو الذي خلقه وبرأه...، لإنّه بإقراره بعبوديّة الله والكفر بكلّ الأنداد الذي اتخذها البشر أربابًا من دون الله تعالى يتحرّر من عبوديّة العبيد، وبهذه الطريق يجعل نفسه في سلك الموحّدين الأحرار، وثاني هذه الأهداف هو إقامة ذكر الله تعالى لأنّ الأذكار تُربّي في المسلم معاني العبودية لله، وتُحرّره وتنزع من قلبه كلّ معاني الطغيان، والتعلّق بغير الله، وثالث هذه الأهداف مستمدّ ممّا سبق، وهو الرادع والوازع الزاجر الذي ينتج عن إقامة ذكر الله تعالى، فيكون مانعًا للعبد عن أنواع الفساد، وكلمة أنواع الفساد تتضمّن الفحشاء والمنكر، و... وكلّ الأمراض الفكرية والأوبئة الأخلاقية السيئة.
من خلال ما تفضّل به الإمام الرضاعليهالسلام تبيّن لنا لماذا شَرّع الله تعالى الصلاة، وأهمّ أهدافها أيضًا، وبذلك يكون المؤمن على بيّنة من أمره، ويعلم عندها لماذا قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم، وكذا بضعته الطاهرة سيّدة نساء العالمين: «فرض الله الإيمان تطهيرًا
من الشرك، والصلاة تنزيهًا من الْكِبْرِ...»، فما هو الْكِبْر؟
الْكِبْرِ والتكبّر والاستكبار تتقارب، فالْكِبْرِ الحالة التي يتخصّص بها الإنسان من إعجابه بنفسه، وذلك أن يرى الإنسان نفسه أكبر من غيره. وأعظم التكبّر التكبّر على الله بالامتناع من قبول الحقّ والإذعان له بالعبادة.
وفي الأساس إنَّ غفلة الإنسان عن الله سبحانه بنفسها تكبّر، والتكبّر كما هو معلوم عند أهل العناية جمّاع للكثير من الرذائل، ولذا تجد المتكبّر يظلم ويطغى ويفسد...، وقد روي عن أمير المؤمنين عليهالسلام أنه قال: «احذر الْكِبْر، فإنّه رأس الطغيان ومعصية الرحمان». وقال عليهالسلام : «الْكِبْر داع إلى التقحّم في الذنوب».
وقال تعالى واصفًا أقوامًا من الذين كفروا: ﴿فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ (الفتح: 26)، والعارف يعلم أنَّه ما قادهم إلى هذه الحمية إلا الْكِبْر الذي إذا صار مَلَكَة راسخة في نفس الإنسان، فإنّه سيؤدّي إلى المفاسد والموبقات التي لا انتهاء لها، والصلاة تُنزّهنا عنه، وتدعونا للتواضع لأنّ الإنسان المتواضع إذا صار التواضع مَلَكَة له يتقدّم ويترقّى، فإنّ التواضع من أبرز أسباب
التحلّي بالخصال الحميدة والشمائل المجيدة، وبالفضائل والمحاسن، ومن أسس التقدّم والترقّي في طريق السالكين الحكماء، وقد روي عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: «التواضع لا يزيد العبد إلارفعة، فتواضعوا يرفعكم الله».
وعن أمير المؤمنين عليهالسلام : «التواضع رأس العقل، والتّكبر رأس الجهل».
وجاء في وصيّة إمامنا الكاظم عليهالسلام لصاحبه هشام: «يا هشام إنّ الزرع ينبت في السهل، ولا ينبت في الصفا، فكذلك الحكمة تعمر في المتواضع، ولا تعمر في المتكبّر الجبّار».
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من عباده الذين خضعت رقابهم لعظمته، ووجلت قلوبهم من خيفتة، وعنت وجوههم لهيبته، فتحطّم كبرياؤهم المزيّف في لحظة سجودهم له، وملامسة جباههم التراب، وقولهم بألسنتهم وقلوبهم: «سبحان ربّي الأعلى وبحمده».. عندها نعرف أماكننا أخيرًا، وأنّنا تراب على التراب، وهو السبّوح القدّوس المنزّه الأعلى الذي تفرّد بالكبرياء والآلاء، وحارت في كبرياء هيبته دقائق لطائف الأوهام.
فلتطهيره النفوس من الشّرك عيون الإيمان قد أجراها
ولتنزيههــا مغــرّرة الكـــِبر أقـــرّ الـصّلاة في آناها
قال هشام بن الحكم: سألتُ أبا عبد الله عليهالسلام عن علّة الصلاة، فإنّ فيها مشغلة للناس عن حوائجهم ومتعبة لهم في أبدانهم؟ قال: «فيها علل، وذلك أنّ الناس لو تُركوا بغير تنبيه ولا تذكير للنبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم بأكثر من الخبر الأوّل، وبقاء الكتاب في أيديهم فقط، لكانوا على ما كان عليه الأوّلون، فإنّهم قد كانوا اتّخذوا دينًا، ووضعوا كتبًا، ودعوا أناسًا إلى ما هم عليه، وقتلوهم على ذلك، فدُرس أمرهم وذهب حين ذهبوا، وأراد الله تعالى أن لا يُنسيهم ذكر محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ففرض عليهم الصلاة، يذكرونه في كلّ يوم خمس مرّات، يُنادون باسمه، وتعبّدوا بالصلاة وذكر الله لكيلا يغفلوا عنه، فينسوه فيُدرس ذكره».
ألا ترى كيف جاءت إقامة الصلاة مباشرة بعد الأمر بالتوحيد وإخلاص العبودية لله تعالى، وكيف ارتبطت إقامة الصلاة بطاعة خَاتَم النَّبِيِّين صلىاللهعليهوآلهوسلم، وما ذاك إلا لإنَّ إقامة الصلاة تُزكّي النفس، وتُهيّئها لقبول طاعة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم التي هي عين طاعة الله تعالى، فإنّ التسليم بأنّ محمّداصلىاللهعليهوآلهوسلم مرسلٌ من الله هو قبول بالاستخلاف الإلهيّ، أي إنّ سبيل الله هو في اقتفاء طريق نبِيِّهِ محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم، وإنّ أوامره تؤخذ وتُتلقّى من رسوله المصطفى صلىاللهعليهوآلهوسلم.
إنّ تعريفَ النبيّ محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم والتسليم بكونه رسول الله، محدّدٌ وموجِّهٌ للجهد والحركة التي ينبغي أن يُظهرها الإنسان العابد في حياته لكي يُثبت صحّة دعواه في عبادة الله جل جلاله. قال الإمام الصادق عليهالسلام : «لما أُسري برسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم، وحضرت الصلاة، فأذّن جبرائيل عليهالسلام ، فلمّا قال: الله أكبر، الله أكبر، قالت الملائكة: الله أكبر، الله أكبر، فلمّا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قالت الملائكة: خلع الأنداد، فلمّا قال: أشهد أنّ محمّدا رسول الله، قالت الملائكة: نبي بعث، فلمّا قال: حي على الصلاة، قالت الملائكة: حثّ على عبادة ربّه، فلمّا قال: حي على الفلاح، قالت الملائكة: أفلح من اتبعه».
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ (الأحزاب: 45-46).
تتجلّى الحكمة في ختم النبوّة برسول الله محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم في أنّ الأسباب التي كانت تستلزم إرسال الأنبياءعليهمالسلام قد زالت بمجيء نبيّ الهدى والرحمة وإنّ الله تعالى قد أكمل دينه بواسطة حبيبه المصطفى محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم، لذا كانت نبوّته خاتمة للنبوّات، وقد بُعث للناس كافّة إلى أن تقوم الساعة...، وإذا كانت رسالته عامّة لكلّ الناس، فلا بدّ أن تكون شريعته كاملة شاملة
لمصالح البشر، لا يحتاج معها إلى شريعة أخرى وبعثة نبي آخر، كما قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ (المائدة: 3). وكانت الصلاة لله ربّ العالمين عمودًا لهذه الشريعة المكتملة، وكذلك شكرًا للمنّان واعترافًا بفضل الديّان وانقيادًا واستسلامًا لإرادة الواحد الأحد، انقيادًا قوامه التصديق واستسلامًا أساسه الإيمان العميق، نأيًا عن الشرك واقترابًا من لوازم توحيده جلّ شأنه وتصديقًا لوعده وإيمانًا بقدرته وتعرّضًا لرحمته، قال إمامنا الحسن العسكري عليهالسلام : «إنّ الله تعالى بمنّه ورحمته لمّا فرض عليكم الفرائض لم يفرض ذلك عليكم لحاجة منه إليه بل رحمة منه إليكم، لا إله إلا هو، لِيَمِيزَ الخبيث من الطيّب، وليبتلي ما في صدوركم، وليُمحّص ما في قلوبكم ولتتسابقوا إلى رحمته، ولتتفاضل منازلكم في جنّته...».
ومن خلال ما تقدّم يظهر لنا جليًّا أنّ الصّلاة هي أوضح مظهر من مظاهر الارتباط بالله ورسوله صلىاللهعليهوآلهوسلم لهذا كانت الصلاة أرفع من جميع العبادات منزلة، وأعظم أهدافًا، وقد كان إمام المتّقين علي عليهالسلام يقول: «إنّ أفضل ما توسّل به المتوسّلون الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيل الله، وكلمة الإخلاص، فإنّها الفطرة، وتمام الصلاة، فإنّها المِلّة». هذا ما قاله الإمام
أمير المؤمنين عليهالسلام بعين لفظه، فأمعن النظر فيه، واعلم أنك إذا أردت أن تعرف قدر تعظيم مِلة الإسلام في قلبك، فانظر إلى قدر عظمة الصلاة فيه، فإن أهل هذا الدين إنّما حظّهم منهُ على قدر حظّهم من الصلاة، ورغبتهم في الإسلام على قدر رغبتهم في الصلاة، فاحذر يا عبد الله أن تلقى الله تعالى ولا قدر للإسلام عندك، فقد روى الإمام الصادق عليهالسلام عن آبائه عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «لِكُلِّ شَيْءٍ وَجْهٌ، وَوَجْهُ دِينِكُمُ الصَّلَاةُ، فَلَا يَشِينَنَّ أَحَدُكُمْ وَجْهَ دِينِهِ».
من مضمون هذا الحديث الشريف تتجلّى للمؤمن بعض مظاهر قيمة الصلاة، لا سيّما ما تعلّق منها بنفس الإنسان وأخلاق العبد، وضمير الجماعة، ولكن قيمة الصلاة لا تقف عند حدّ الهدي النفسي والخلقي والاجتماعي، وإنّما تتّسع لتشمل كلّ هذا الدين.
تُعدّ الصلاة من أكثر آداب التديّن أصالة، ومن أبرز علامات الإيمان وأوضحها، ورأس العبادات وأولها، والعبادات كما هو معلوم للموفقين فُرضت لتقوية العلاقة بين الإنسان وربّه، وبينه وبين نفسه، وبينه وبين الناس، ولا ريب أنَّ الصلاة المَّرضِيَّة الزاخرة بالخشوع تخلق في قلب المصلّي جنّة حقيقيّة
يسري عبقها إلى كل أجواء الحياة، وتهب المرء الصلاح والفلاح. أمّا إذا اكتفينا بمظهر الصلاة دون التطلّع إلى أهدافها فإنّ هذه العبادة لن تُثمر وبالتّالي لن يكون لها عند الله وزن، جاء في الحديث القدسي عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «قال الله عز وجل: إنما أتقبلُ الصلاةَ ممن تواضع بها لعظمتي، ولم يَستَطِلْ على خلقي، ولم يَبتْ مُصِرًا على معصيتي، وقَطَعَ النهارَ في ذكري، ورَحمَ المسكين وابنَ السبيل والأرملة، ورحم المُصابَ، ذلك نورُه كنور الشَمس، أَكَلَؤُهُ بعزَّتي، وأستحفِظُه ملائكتي، أجعلُ له في الظلمةِ نورًا، وفي الجهالةِ حِلمًا، ومَثَلُه في خلقي كمثل الفردوس في الجنة».
هنيئًا لمن كان ذا فكر ووعى أنَّه يتوجّب عليه أن يُدرك أهداف هذه الصلاة وغايتها، لأنّ إدراكنا أهداف الفرائض التي فرضها الله تعالى هو شرط رئيسي، وأساسي من شروط ضمان التأثير العملي لهذه الفرائض في سلوكنا الذي نسلكه خلال معيشتنا في هذه الحياة، وهذا الحكم يسري على جميع العبادات، والفرائض، والتشريعات، وخصوصًا تلك التي تحتوي على طابع أخلاقي واجتماعي كفريضة الصلاة، والحج، وأداء الزكاة والحقوق الشرعية...، وما إلى ذلك من فرائض يسهم إدراكنا لأهدافها، وأداؤها الواعي إسهامًا عظيمًا وفاعلًا في تغيير أنماط حياتنا، وتقويم سلوكيّاتنا، فإن تم ذلك لنا نكون قد حقّقنا هدفًا
من أهمّ أهداف الشريعة وهو إصلاح النفوس وتنشئة الإنسان الصالح الطاهر القلب الشجاع الأمين الصادق البار الوفي، المخلص العادل الطيّب سليم النية والطوية البعيد عن كل الأدناس والأرجاس الحسّية والمعنوية، وقد جاءت الشريعة بما تضمّنت محقّقة لهذه الغاية على أتمّ الوجوه وأكمل الصور.
لا شكّ أنّ الصلاة مصداق من مصاديق عبودية الله تعالى، وعبادتنا له عَزَّتْ آلاَؤه لا ريب أنها شرف عظيم يناله العابد، وقد وصف الحق سبحانه أكرم الخلق عنده بهذه الصفة في أكثر من موضع من القرآن، منها قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ (الإسراء: 1)، وكان أول ما أوحى سبحانه لنبيّه موسى الكليم عليهالسلام : ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (طه: 14)، فدلَّ ذلك على عِظَمِ قدْر الصَّلاة وفضْلِهَا على سائِرِ الأعمال، إِذْ لم يبدء الرب مع كلِيمَهُ بِفرِيضةٍ قبلها، والآية المباركة من المحكمات القرآنية التي تُبيّن أبرز أهداف الصَّلاة وغايتها، وهو: أنّ الإذعان والقبول بأنّ العبوديّة ينبغي أن تكون حصرًا أمام الله، ولأجله، وهذا أحد أبرز الأصول الفكريّة والعمليّة في الإسلام، ويُعبّر عنه بـ«انحصار الألوهيّة بالله» أي أنّ الله فقط هو الإله المستحق للعبادة المألوه الذي تعظمه القلوب وتخضع له وتعبده عن رضا
ومحبة ولا تعبد سواه، والصَّلاة عبودية خالصة لله سبحانه، تدبّر عباراتها لتجد أنَّ كلّها تدور في فلك العبودية، وفي فلك التوحيد الخالص، وهي أجمل وأصدق عبارات تُعلن عن حقيقة ما تدعو إليه.
والهدف الثاني في الآية المباركة هو: إقامة الصلاة لذكر الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾، وليس المقصود من إقامة الصلاة لذكر الله تعالى مجرّد الحركات والأذكار التي تشتمل عليها الصلاة بل الالتزام الخُلقي بالقيم التي تغرسها الصلاة في نفس المصلّي من خلال تفكره، وتدبره بما تحتويه الصلاة من أعمال وتلاوات وأذكار يراد منها تزكية الأنفس وإيقاظ الضمائر وتطهير القلوب، قال الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام : «أصلُ صلاحِ القلب اشتغالُه بذكر الله»، ولكي يكون العبد من الله أقرب قال تعالى مخاطِبًا أُسْوَتنا الحَسَنَةصلىاللهعليهوآلهوسلم: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ (العلق: 19). والصلاة من الأعمال المفعمة بالدوافع لذكر الله، وهذه الدوافع تكون موقظة للإنسان، وتكون شاخصًا وعلامة تُرشد السائرين في طريق الله إلى الصراط المستقيم، وتحفظهم من الضياع والانحراف، وتمنع من وقوع لحظة الغفلة في حياة الإنسان، ومع توزّع الصلوات الواجبة على أوقات اليوم المختلفة، فإنّ العبد يغسل بها غبار الغفلة والخوف وينطلق مفلحًا منجحًا، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (الأعلى:
14-15). كذلك إنَّ الصلاة ذكرى للذاكرين: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (هود: 114)، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الجمعة: 9)، وذلك أنَّ ذكر الله عزّ وجلّ يُشعر الإنسان برقابة الله عليه، فيكون له رقيب من نفسه، فيستقيم سلوكه ويصلح حاله مع الله تعالى ومع الخلق، ولذا أمر المسلم بذكر الله في كلّ حين، وعلى كلّ حال فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: 41)، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ (النساء: 103)، لأن مشاغل الدنيا تجرّ الإنسان إلى الغفلة، والغفلة تحول دون إدراك المرء لعظمة آلاء الله عزّ وجلّ، بينما الإكثار من ذكر الله طريق مؤدي إلى نيل محبته. قال النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم: «مَن أكثر ذكر الله أحبَّه الله، ومَن ذكر الله كثيرًا كتبت له براءتان: براءةٌ من النَّار، وبراءةُّ من النِّفاق».
وسُئل الإمام الصَّادق عليهالسلام : مَن أكرم الخلق على الله؟
قال: «أكثرهم ذكرًا لله، وأعملهم بطاعته».
واعتبر الإمام زين العابدين عليهالسلام ذكر الله سبحانه شرف
المؤمن، فقال في دُعائه بخواتم الخير: «يا من ذِكرُهُ شرفٌ للذَّاكِرين».
ولا ينكر موحد أثر الذكر ودوره في حياة القلوب، وكيف أنَّ حاجتها له أكثر من حاجة البدن إلى غذائه، ومعلوم لدى الذاكرين أنَّ دوام ذكر الله تعالى يُضفي انتعاشًا روحيًّا لا مثيل له يسكن في قلب الذاكر ويفيض عبقه على جوارحه، قال إمامنا السجّادعليهالسلام : «مَولايَ بِذِكرِكَ عاشَ قَلبي وَبِمُناجاتِكَ بَرَّدتُ ألَمَ الخَوفِ عَنّي».
وأرشدنا أمير المؤمنين علي إلى أن نسأل الله سبحانه أنْ يجعل حياتنا كلها بذكره معمورة، فقال عليهالسلام : «أسْأَلُكَ بِحَقِّكَ وقُدْسِكَ وأعْظَمِ صِفاتِكَ وأَسْمائِكَ أنْ تَجْعَلَ أَوْقاتِي فِي اللَّيْلِ والنَّهارِ بِذِكْرِكَ مَعْمُورَةً»، فدوام ذكر الله يوجب الأمان من نسيانه الذي هو سبب شقاء العبد في معاشه ومعاده. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى﴾ (طه: 124)، وقال عَزَّتْ آلاَؤه: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ (الزخرف: 36).
والأنفس البشرية المستوجبة للشهوة والغفلة والسهو
والنسيان والشَرَه في العمل والفَتَرة عن الله، اقتضت الحكمة أن تُشرّع الصلاة لتَذكُرَ النفسُ نسيانها وتوقظ غفلتها وتقمع شهوتها بقطعها عن عاداتها، ولتُقبل على الذي كفلها بنعمه وجوده وكرمه وهو الله عز وجل، والصلاة هي العنوان الأبرز لذكره سبحانه، وقد شرَعَها تعالى لدوام ذكره آناءَ الليل وأطرافَ النَّهار، وإنّ للصلاة أسرارًا كثيرة يُدركها المسلم إذا أقبل عليها بخشوع، وتفكر، وفهم وتدبّر ووعي لما يتلوه من قرآن، وما يذكره من أذكار.
إنّ من تدبّر آيات الفرقان الحكيم التي ذُكرت فيها الصلاة يستخلص من تدبّره أنَّ للصلاة أهدافًا إصلاحية كثيرة، وتحقيقًا لهذه الأهداف الإصلاحية، جاءت دعوة القرآن الكريم لإقامة الصلاة مقترنة بالإصلاح الاجتماعي، والاستقامة والدوام على فعل الخير، كما في قوله تعالى: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ﴾ (البقرة: 83)، وقوله جلّ شأنه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ﴾ (النساء: 77)، وقوله تبارك وتعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ ...﴾ (الأنبياء: 73)، وقوله عزّ وجلّ: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾
(الحج: 41)، وقوله عَزَّتْ آلاَؤه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ (العنكبوت: 45)، ويُلاحِظ المتدبِّر للنصوص القرآنيّة الآنفة الذكر أنّ الصلاة جاءت مقترنة بعدّة قيّم أخلاقية حميدة منها:
في أكبر سور القرآن الكريم جاءت الصلاة مقترنة بالقول الحسن، ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (البقرة: 83) لئلّا تصدر عن المصلّي كلمة السوء، ولئلّا يُحرّك لسانه بغير الإصلاح والخير، فلا يكذب، ولا يغتاب، ولا يسبّ، ولا يشتم، ولا ينطق بالكلمة البذيئة، بل ينشر بلسانه الخير والفضيلة، والمعروف والعلم. قال الإمام الصَّادق عليهالسلام : «إنَّ العبد ليتكلَّم بالكلمة، فيكتب الله بها إيمانًا في قلب آخر، فيغفر لهما جميعًا».
والمصلي الذي يريد وجه الله بصلاته يحرص على أن يستعمل الكلمة الطيّبة التي يؤجر عليها، كلمة الإصلاح والإيمان، ويتعامل بالعبارة الجميلة المسرّة، لأنّ للكلمة دورها الفعّال في التأثير على سير حياته الفكرية والثقافية، وإصلاح المجتمع، وتكوين العلاقات والروابط النفسية والاجتماعية فيه: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ
الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾ (إبراهيم: 24-26).
من نظر في ما أوحاه الله تعالى إلى أنبيّائه الكرام عليهمالسلام يجد أنَّ الصلاة جاءت مقترنة بفعل الخيرات، وكان هؤلاء العظام يهدون بأمر الله أناء الليل وكلّ النهار، ومن جوانب هذه الهداية دعوة الإنسان إلى الإصلاح والاستقامة وعمل الخير في كلّ مجالات الحياة، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ ...﴾ (الأنبياء: 73). وهذا الوحي هو: وحي التسديد والهداية إلى الصلاح في مقام العمل، وتـنكير الحُكم في هذا الموضع لتفخيم أمره كما ذكر العلامة الطباطبائي صاحب تفسير الميزان.
كما أنّ الصلاة جاءت مقترنة بكفّ الأيدي والألسنة عن الظلم والعدوان على الآخرين. العدوان على أموالهم وأرواحهم وأعراضهم، وكلّ ما يتعلّق بهم: ﴿كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ﴾ (النساء: 77)، وقال النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم : «ألا أنبّئكم بالمؤمن؟ المؤمن من ائتمنه المؤمنون على أموالهم وأمورهم، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر السيئات فترك ما حرّم الله عليه».
وروى مالك الجهني فقال: قال لي أبو عبد الله الصادق عليهالسلام : «يا مالك أما ترضون أن تُقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة، وتكفّوا وتدخلوا الجنّة»، فالمؤمن، إذًا، أو الأمّة المؤمنة بإقامتها للصلاة تحرق جذور الأفكار الداعية إلى التمادي والفساد، والرذيلة في النفس وفي المحيط الاجتماعيّ، وتُميت روحيّة الذنب وتعطل مطايا النزوع إلى ارتكاب المعاصي، وبواعثها الداخليّة والخارجيّة (أي العوامل الفكرية والنفسيّة والبيئيّة)، حقًّا إنَّ الصلاة إذا أقيمت كما أراد الله، فإنها ستردع الفرد والمجتمع عن الإقدام على مزاولة الأعمال الطالحة والقبيحة.
أصل مادّة الفحش يدلُّ على قُبح في الشيء وشَناعَة، يُقال: فحش الشيء فحشًا، مثل قبح قبحًا وزنًا ومعنًى، وكلّ شيء جاوز الحدّ فهو فاحش،.. وقال الراغب: الفحش، والفحشاء، والفاحشة: ما عظم قبحه، من الأفعال، والأقوال، وبالمحصّلة الفحشاء في لغة العرب هي الخصال المتناهية بالقبح، وكلّ ذنب استفحشته الشرائع والفطر، واستنقصه العقل المستقيم؛ أي ما يكرهه الطبع من رذائل الأعمال الظاهرة، كما ينكره العقل ويستخبثه الشرع.
والمنكر: جاء معطوفًا على الفحشاء، وهو ما أنكره الشرع، ونهى عنه، وأوعد فاعله بالعقاب، قال الراغب الأصفهاني: هو كلّ فعل تحكم العقول الصحيحة بقبحه، أو تتوقّف في استقباحه واستحسانه العقول، فتحكم بقبحه الشريعة، ...، وتنكير الشيء من حيث المعنى جعله بحيث لا يعرف. قال تعالى: ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ (النمل: 41)، وتعريفه جعله بحيث يعرف.
والسؤال المطروح: لماذا جاءت الصلاة مقترنة بالأمر بالمعروف والنهي عن الفحشاء والمنكر؟
والجواب هو: لأنّ في الصلاة من الأقوال تكبيرًا لله وتحميده وتسبيحه، والتوجّه إليه بالدعاء والاستغفار، وقراءة فاتحة الكتاب المشتملة على التحميد والثناء على الله والاعتراف بالعبودية له وطلب الإعانة والهداية منه واجتناب ما يُغضبه وما هو ضلال، وفي الصلاة أفعال هي خضوع وتذلّل لله تعالى من قيام وركوع وسجود، وكلّها تُذكّر بالتعرّض إلى مرضاة الله عز وجل، والإقلاع عن عصيانه وما يُفضي إلى غضبه، فذلك صدّ عن الفحشاء والمنكر.
وفي الصلاة أعمال قلبية من نيّة، واستعداد للوقوف بين يدي الله، وذلك يُذكّر بأنّ المعبود جدير بأن تمتثل أوامره، وتجتنب نواهيه، فكانت الصلاة بمجموعها كالواعظ الناهي عن الفحشاء
والمنكر، فإنّ الله تعالى قال: ﴿تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ﴾ (العنكبوت: 45)، ولم يقل تصدّ وتحول؛ أي إنّ الصلاة بمنزلة الناهي بالقول إذا قال لا تفعل الفحشاء والمنكر، وذلك لأنّ فيها التكبير والتسبيح، والتهليل والقراءة والوقوف بين يدي الله تعالى، وغير ذلك من صنوف العبادة كما قد سلف، وكلّ ذلك يدعو إلى شكله، ويصرِف عن ضدّه، فيكون مثل الأمر والنهي بالقول، وكلّ دليل مؤدّ إلى المعرفة بالحقّ، فهو داع إليه وصارف عن الباطل الذي هو ضدّه، ثم الناس في الانتهاء متفاوتون، وهذا المعنى من النهي عن الفحشاء والمنكر هو من حكمة جعل الصلوات موزّعة على أوقات من النهار والليل، ليتجدّد التذكير وتتعاقب المواعظ. وبمقدار تكرّر ذلك تزداد خواطر التقوى في النفوس، وتتباعد النفس من العصيان حتى تصير التقوى مَلَكَةً لها، وإنّ العبد المقيم للصلاة كما أراد الله تعالى، يستنير قلبه، ويتطهّر فؤاده، ويزداد إيمانه، وتقوى رغبته في الخير، وتقلّ أو تعدم رغبته في الشر، فبالضرورة مداومتها، والمحافظة عليها على هذا الوجه تنهى عن الفحشاء والمنكر، فهذا من أعظم مقاصدها وثمراتها، ووراء ذلك خاصّية إلهية جعلها الله في الصلاة، يكون بها تيسير الانتهاء عن الفحشاء والمنكر. قال الإمام الصادق عليهمالسلام: «اعلم أنّ الصلاة حجزة الله في الأرض، فمن أحبّ أن يعلم ما أدرك من نفع صلاته،
فلينظر فإنْ كانت صلاته حجزته عن الفواحش والمنكر، فإنّما أدرك من نفعها بقدر ما احتجز، ومن أحبّ أن يعلم ماله عند الله، فليعلم ما لله عنده».
ممّا لا شكّ فيه أنّ للصلاة كما هي الحال في سائر العبادات آثارًا إيجابية على الفرد نفسه وعلى المجتمع، وقد سبّب إهمالها في عصرنا الحالي خواء روحيًا واضحًا أثّر في نظرة الفرد إلى المجتمع وإلى الحياة ممّا تسبّب في العديد من الأزمات، ونحن نُسلّط الضوء في هذا الفصل على بعض الآثار المهمّة التي تتركها الصلاة على المصلّي، فقد هان على كثيرٍ من المصلّين -لطول الأمد وقسوة القلوب، واستحكام حب الدنيا في النفوس- أن لا تُرى آثار الصلاة عليهم، نحن نُصلّي ولكن لا يتورّع الكثيرُ من المصلّين عن ارتكاب بعض المحرّمات، والتساهل في الواجبات، وكأنّهم لم يقرؤوا في كتاب الله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ﴾ (العنكبوت: 45).
ولا ريب أنَّ مردّ ذلك يعود لأداء الصلاة جسدًا. بلا روح. أو لأنَّ بعض الناس أصبح ينظر للصلاة على أنّها صارت عادة اعتاد الناس فعلها، وبالمحصّلة لا تؤدّى كما شرّع الله تعالى وسنّ
رسوله صلىاللهعليهوآلهوسلم، والحقيقة أنّه لو صلّى المصلّون الصلاة الشرعية، واستحضروا الخشوع والرهبة، وأقاموها وفقًا لما أراد الله لنفعت، وأثّرت وعملت عملها في قلوب الناس، ومجتمعاتهم، وصارت أكبر عونٍ لهم على أمور الدنيا والدين، ألم يقل ربّنا عَزَّتْ آلاَؤه: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ (البقرة: 45).
ومراعاة أداء الصلاة كما أوجبها الله تعالى هو سبب رئيس في انحسار كثيرٍ من المنكرات والمحرّمات، وأنت أخي المؤمن ترى أنّ الله عزّ وجلّ قد رتّب الفلاح للمؤمنين، وجعل أوّل صفاتهم وعلاماتهم الخشوع في الصلاة، فقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (المؤمنون: 1-2).
وقد روي عن أمير المؤمنين عليهالسلام أنّه قال: «من لم يأخذ أهبة الصلاة قبل وقتها فما وقّرها»، ولا شكّ أنّ الذي يتأهّب للصلاة ويستعد قبل دخول وقتها، ويحرص على عدم فوات جزء منها. لا شكّ أنّ هذا ينتفع بصلاته منفعة كبيرة، وتظهر آثارها على جوارحه، وسلوكه، فتوقيره لهذا الركن العظيم من أركان الإسلام، ومعرفة حقّ الله سبحانه فيه، دليل لتعظيمه أوامر الله تعالى، ودليل حرص على البُعد عن نواهيه وهذا حال شريف من أحوال الخاشعين لله الذين يكون الفلاح حليفهم جميعًا، ونحن عندما نسير برحلة البحث في القرآن الكريم لا
نجد الله عز وجل مدح أحدًا من المؤمنين بمواظبته على شيءٍ من الأعمال مدح من واظب على الصلوات في أوقاتها.
كما أنَّ الله سبحانه جعل الصلاة علامة فارقة للمتّقين، فقال عَزَّتْ آلاَؤه: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (البقرة: 1-3)، فلم يبدأ القرآن بعد الإيمان بالغيب بذكر فريضة قبل الصلاة، والإيمان بالله والإيمان بحياة أخرى بعد هذه الحياة يوفّى فيها كل عامل جزاء عمله - يهيّئ النفوس لقبول هديه والاقتباس من أنواره، والقسم الأخير من الآية المباركة ثمرةٌ جنيَّة للمؤمنِ بالغيب والمقيمِ الصلاة، لأنَّ الإنسان كالبذرة المهيَّأة والمستعدَّة التي لو وضعت في أرض قابلة للزراعة لانشقَّت وغرست جذورها فتفتَّحت وأثمرت، فالثمار إذًا ليست إلا نتيجة لاستحكام الجذور وصلابة العود، والإيمان بالغيب هو الذي يُمثِّل باطن الإنسان الذي يظهر في إقامة الصلاة والإنفاق في سبيل الله تعالى.
إنّ إقامة الصلاة من أهمّ الأوامر الإلهيّة وما يتخلّل هذه العبادة من دعاء وأذكار، وتلاوة للقرآن، ستترك بلا شكٍّ أثرًا بالغًا في الأبعاد الدينيّة والروحية عند الفرد المسلم، لأنّ الصلاة ليست مجرّد تحريك للبدن واللسان، فهذه الحركات والكلمات
لها امتدادها في وجدان المؤمن وقلبه ونفسه، وإنّ الغنيمة كلّ الغنيمة، أن يستفيد المسلم من العبادات والمناسبات الإسلاميّة، وأن تؤثّر على مجرى حياته تأثيرًا طيِّبًا، ليكون زاهدًا في الدنيا الفانية راغبًا في الآخرة الباقية، فإذا صلّى رُئيت آثار الصلاة الإيجابيّة عليه وعلى مجتمعه، فهلمّوا لنتعرّف على بعض الآثار الحميدة للصلاة على المصلّي:
معلوم عند أهل الإسلام أنَّ الصلاة صِلة بين العبد وربه، والعبد إذا أقام الصلاة وفق ما أراد الرب تبارك وتعالى، فستُحقّق صلاته دوام ذكر الله تعالى، ودوام الاتصال به، وستُمثّل تمام الطاعة والاستسلام، والتجرّد له وحده بلا شريك، وبذلك سيترقى العبد في سلم درجات الإيمان درجة بعد درجة؛ قال الإمام الصادق عليهالسلام: «إِنَّ رُوحَ الْمُؤْمِنِ لَأَشَدُّ اتِّصَالًا بِرُوحِ اللَّهِ مِنِ اتِّصَالِ شُعَاعِ الشَّمْسِ بِهَا».
وقال الإمام الباقرعليهالسلام: «أقرب ما يكون العبد من الله إذا كان في الصَّلاة». وقد فرضها الله على المسلمين للثناء عليه بما يستحقّه وليذكرهم بأوامره، وليستعينوا بها على تخفيف ما يلقونه من أنواع المشقّة والبلاء في الحياة الدنيا. فيها يقف
الإنسان بين يدي ربّه في خشوع وخضوع، مستشعرًا بقلبه عظمة المعبود، طامعًا فيما عنده من الخير، وراغبًا في كشف الضرّ؛ وفي أحوال خَاتَم النَّبِيِّينَ صلىاللهعليهوآلهوسلم يروي أهل البيت عليهمالسلام عن أمير المؤمنين عليهالسلام قال: «كان صلىاللهعليهوآلهوسلم إذا قام إلى الصلاة سُمع لصدره وجوفه أزيز كأزيز المرجل على الأثافي من شدّة البكاء، وقد أمنه الله عزّ وجلّ من عقابه، فأراد أن يتخشّع لربّه ببكائه، ويكون إمامًا لمن اقتدى به».
إنّ للصلاة أثرًا كبيرًا في تهذيب سلوك المسلم، فهي تجعل منه إنسانًا طاهر النفس، ومصلحًا بكلّ وجوه الإصلاح التي يُطيقها، والصلاة تُربّي النفس وتُهذّب الروح وتُنير القلب بما تغرس فيه من جلال الله وعظمته، خصوصًا أثناء السجود الذي تكمن آدابه القلبية في معرفة حقيقة النفس وأصل وجود الإنسان وأدب وضع الرأس على التراب إسقاط أعلى مقامات نفسه عن عينه، ورؤيتها أقل من التراب، كما أن تحلّي المرء وتجمّله بمكارم الأخلاق خصوصًا إذا منح الله تعالى العبد توفيق الأُنس به حال الصلاة، وذاق حلاوة مناجاة ربّه، فسيُقلع عن اقتراف الذنوب بكلّ سهولة، ولن تعود للخطيئة جاذبيّة في نظره، ولو علم ملوك العالم ما في الصلاة من لذّة لتركوا لذّات سلطانهم،
وهرعوا نحو الصلاة، فالله تعالى بواسع رحمته جعل الصلاة وسيلة لغسل الذنوب وتطهير النفوس كما جاء في حديث إمامنا الباقر عليهالسلام الذي يرويه عن جدّه النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه سأل أصحابه: «لو كانَ على بابِ دارِ أحدِكُم نهرٌ، فاغتَسَلَ في كُلِّ يَومٍ مِنهُ خمسَ مرّات. أكانَ يبقى في جسَدِهِ مِنَ الدَّرنِ شَيءٌ؟ قالوا. لا. قال: فإِنَّ مَثَلَ الصَّلاةِ كمثَلِ النَّهرِ الجاري كُلَّما صُلّيَ صَلاةٌ كَفّرَت ما بينَهُما منَ الذُّنوب».
وقال أمير المؤمنين عليهالسلام: «الصَّلاةُ صابونُ الخَطايا»، ومن حديث النبيّ المصطفى وقول الإمام المرتضى صلوات الله عليهما يتبيّن لنا أنّ بلسم الصلاة يجعل الجروح التي تُصيب روح الإنسان من جرّاء الذنوب تلتئم بسرعة، ويزول صدؤها الجاثم على القلب.
تُعدّ الصلاة درعًا سابغةً منيعة أمام الذنوب المستقبلية: لأنّها تقوّي روح الإيمان في الإنسان، وتُنمّي نسبة التقوى في القلب، ويتزوّد العبد منها بطاقة روحية تُعينه على مشقّة التكليف. ومن المعلوم أنّ الإيمان والتقوى هما أقوى الدروع التي تواجه الذنوب، وأشار القرآن المجيد إلى هذا المعنى بعنوان النهي
عن الفحشاء والمنكر، وورد في روايات عديدة أنّ المصلّي إذا كان مبتلى ببعض العادات السيّئة، واستمرّ في أداء صلاته، فإنّ الآثار الروحية والتربوية للصلاة كفيلة بأنْ تجعل منه فردًا صالحًا في المستقبل كما حصل عندما جاء أحد الصحابة، فقال: يا رسول الله إنّ فلانًا يُصلّي الليل كلّه، فإذا أصبح سرق، فقال صلىاللهعليهوآلهوسلم: «سينهاه ما تقول»، أي: صلاته التي يُصلّيها.
وروي أيضًا أنّ فتى من الأنصار كان يُصلّي الصلاة مع النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم، ويرتكب بعض الفواحش، فوصف ذلك لرسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم، فقال: «إنّ صلاته تنهاه يومًا ما، فلم يلبث أن تاب».
والمتدبر لما تقدّم سيرى وجهًا من وجوه تحقق قول الله عزّ وجلّ في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ (العنكبوت: 45). أي: إنّها تنهى عن أضدادها إذ صار أهلها يأتونها على الأحوال التي أُمروا أن يأتوا بها عليها. وقد رويَ عن إمامنا الصادق عليهالسلام أنّه قال: «من أحبّ أن يعلم أُقبلت صلاته أم لم تُقبل، فلينظر هل منَعَتهُ صلاته عن الفحشاء والمنكر؟ فبقدر ما منَعَتهُ قُبِلت منه».
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾ (الأعراف: 205). ولا ريب أنَّ حالة الغفلة عن الله تؤدّي إلى ضعف خصوصيّات القلب, فيضمحلّ إدراك الإنسان للحقائق، فهو في هذه الحالة يُفكّر بكلّ شيء إلاّ بنفسه، وتبعًا لضحالة الأفكار تضعف الأحاسيس والعواطف أيضًا، فلا يعود يتأثّر كثيرًا بأحوال الآخرين، ومن أجل إزالة هذه الحالة، على الإنسان أن يُقلّل من التفاته إلى الخارج ويلتفت أكثر إلى داخله وذاته، فعندما يلتفت المرء إلى نفسه، فإنّه ينتبه إلى الحجاب الذي يحجبه عن ربّه، فأصل جميع كمالات الإنسان يكمن في معرفته لنفسه، لأن معرفة النفس وسيلة إلى الغاية المطلوبة وهي معرفة الرب. وأسمى درجات كمال الإنسان هي في قربه من ربّه, ولذا فعلى الإنسان أن يلتفت إلى هذه العلاقة؛ ومعلوم أنّ في تكرار الصلوات على امتداد اليوم والليلة الأثر الأكبر لإزالة الغفلة من حياة الفرد والمجتمع المسلم لأنّ الصلاة ومن خلال ذكر الله تعالى الوارد فيها تُنبّههم من رقدة الغافلين باستمرار، وتُذكّرهم بهدف الخلقة والإبداع، وتُلفت انتباههم إلى مكانتهم وأمكنتهم؛ من دعاء مولانا الإمام علي بن الحسين عليهما السلام: «اللهمّ.. لا تحل بيني وبين المساجد التي يُذكر فيها
اسمك، ولا تجعلني من الغافلين عن ذكرك وشكرك».
وقال الإمام الصادق عليهالسلام: «اعلَم أنَّ الصَّلاةَ حُجزَةُ اللهِ فِي الأَرضِ، فَمَن أحَبَّ أن يَعلَمَ ما أدرَكَ مِن نَفعِ صَلاتِهِ، فَليَنظُر، فَإِن كانَت صَلاتُهُ حَجَزَتهُ عَنِ الفَواحِشِ والمُنكَرِ، فَإِنَّما أدرَكَ مِن نَفعِها بِقَدرِ ما احتَجَزَ»، وما أعظمها من نعمة أن يملك الإنسان وسيلة تُنبّهه من الغفلة مرارًا، وعلى طول الخطّ.
لا يخالف ذي فكر من المسلمين أنَّ الصلاة تعد من أكبر أسباب إحباط التكبّر لأنّ فيها الركوع، وهو خضوع للربّ العظيم، والسجود وهو غاية الخضوع للرب الأعلى، والإنسان عندما يخرّ لله ساجدًا يضع أشرف عضو من أعضاء جسده -وهو الوجه- على التراب، ويُنكّس جوارحه خاضعًا متذلِّلًا لله تعالى، وينحني لله في سبع عشرة ركعة خلال اليوم والليلة وفي كلّ ركعة مرّتين، عندها يُدرك الإنسان العاقل عظمة الله وكبريائه وجبروته، وفي نفس الوقت يُدرك ذلّته وفقره وحاجته ومسكنته أمام عزّة الله وغناه، هذا الإدراك هو من الآداب القلبية في العبادات، وهو من الآثار المهمّة، التي تُقرّب الإنسان من الله جلّ شأنه، فيضع حجب الغرور جانبًا ويقمع التكبّر، لهذا
السبب قالت سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراءعليهاالسلام في خطبتها التي أوضحت فيها الحِكمة من فرض العبادات الإسلامية، وبيّنت فيها أنّ أولى العبادات بعد الإيمان بالله هي الصلاة، فقالت عليها السلام «فرض الله الإيمان تطهيرًا من الشرك، والصلاة تنزيهًا عن الكبر».
نعم قد جعل الإسلام الصلاة تنزيهًا للإنسان من الكبر والتعالي، وغرسًا لفضيلة التواضع لله ولرسوله وللمؤمنين... ولقاءً مع الله تعالى للاستغفار والاستقالة من الذنوب والآثام.
تهب الصلاة القيمة لسائر أعمال الإنسان، لأنّها تُحيي روح الأخلاق، فهي عبارة عن مجموعة من النية الخالصة، والقول الطاهر، والأعمال النقيّة، وتكرار هذا المجموع في اليوم والليلة يغرس بذور سائر الأعمال الحسنة في فكر الإنسان، ويُقوّي روح الإخلاص لديه، فيتيقّن عندها أنّ الصلاة مفتاح لكلّ خير، فهي التي تُعطي القلب أنسًا وسعادة، وتُعطي الروح بشرًا وطمأنينة، وتُعطي الجسد نشاطًا وحيوية، والإنسان كما هو معلوم لا يستمرّ على حال واحدة، فإنْ وجدته صافيًا ساعة تعكّر أخرى، وإنْ وجدته مسرورًا من شيء، نكّد عليه شيء آخر، وتتعدّد أنواع الصلاة، فللحضر صلاة، وللسفر صلاة وللمرض صلاة،
وللخوف صلاة وللجمعة صلاة، وللعيدين صلاة، وللجنازة صلاة، وللاستسقاء صلاة، وللقيام صلاة،... وكأنّها بهذا التعدّد تُطبّب الإنسان، فتداوي أسقامه، وتُعالج عِلله وهمومه وآلامه، وتستجلب بها الأرزاق، وتدفع بها الآفات والمصائب الملمّات لتكون بمثابة صيانة مستمرّة للعبد المسلم، فإذا فتّشت عن أثر الصلاة فيه وجدته صادقًا أمينًا قانعًا وفيًا حليمًا متواضعًا عدلًا، ينأى عن الكذب والخيانة والطمع، والغدر والغضب والكبر والظلم، ومن كان كذلك يكون في صلة دائمة بمولاه جلّ ثناؤه، ومن كان متّصلًا بمولاه الكريم يُخلع عليه من الرحمات ما لا يُخلع على غيره، سُـئل الإمام علي بن الحسين عليهماالسلام : ما بال المتهجّدين بالليل من أحسن الناس وجهًا؟.. قال عليهالسلام: «لأنهم خلوا بالله، فكساهم الله من نوره».
ورويَ عن الإمام الصادق عليهالسلام: «صلاة الليل تُحسّن الوجه، وتُحسّن الخلق، وتُطيّب الريح، وتدرّ الرزق، وتقضي الدين، وتُذهب بالهمّ، وتجلو البصر».
وقال عليهالسلام: «كذب من زعم أنّه يُصلّي صلاة الليل وهو يجوع، إنّ صلاة الليل تضمن رزق النهار».
وروى عبد لله بن سنان، أنّه سأل الإمام الصادق عليهالسلام عن
قول الله عزّ وجلّ: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ (الحجرات: 29)؟ قال: «هو السهر في الصلاة».
ومن أعظم مفاتيح الخير ما رواه باقر العلوم عليهالسلام عن جدّه رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «إذا قام العبد المؤمن في صلاته نظر الله إليه. أو قال أقبل الله عليه حتى ينصرف وأظلّته الرحمة من فوق رأسه إلى أُفق السماء، والملائكة تحفّه من حوله إلى أُفق السماء، ووكّل الله به ملكاً قائمًا على رأسه يقول له: أيّها المصلّي لو تعلم من ينظر إليك ومن تُناجي ما التفتّ ولا زلت من موضعك أبدًا».
ويكفي لأهل المعرفة هذا الحديث الشريف. فما في إقبال الحقّ هذا إلى العبد من الكرامات والأنوار لا يعلمه غير الله ولا تستقيم له عقول البشر، ولا يخطر على قلب أحد، وقد قال الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام: «لو يعلم المصلّي ما يغشاه من جلال الله. ما سرّه أن يرفع رأسه من السجود».
أطلق القرآن الكريم لفظ الصلاة على مغفرة الله جلّ شأنه لعبيده، وذلك من خلال قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾
(الأحزاب: 43)، وكذلك جعل الرحمة قرينة الصلاة في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ (البقرة: 157)، وفي هذا إشارة هامّة إلى أثرين من آثار الصلاة على العباد، وكأنَّ المغفرة والرحمة لازمتان من لوازم الصلاة المقبولة لا ينفكّان عنها.
إذا أحسن المرء الإفادة من المفاهيم التي وردت في كتاب الله وسنّة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بحق الصلاة، وسعى عمليًّا لتطبق تلك المفاهيم، فسيتيقن عند ذلك من أنَّ الصلاة صِلةٌ يستمدّ منها القلب راحته، وتحسُّ فيها الروح بالطمأنينة، وتجد فيها النفس زادًا أنفس من أعراض الدنيا، فهي معين لا ينضب بل يتدفّق عطاء في متناولِ كلِّ مؤمنٍ وهي بعد مفتاح الكنز الذي يغني ويقني، ورصيدًا قيمًا حين ينفد الرصيدُ، ومن المعلوم أنّ أثر الصلاة على من فرّط فيها - ليس كأثرها على تحرّى الكمال فيها قال الله تعالى في النوع الأول: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (الماعون: 4-5).
وقال جلّ شأنه في النوع الثاني: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (المؤمنون: 1-2).
ورويَ أنَّ إمام الخاشعين علي عليهالسلام أرشد صاحبه كميل بن زياد قائلًا: «يا كميل ليس الشأن أن تُصلّي وتصوم وتتصدّق، إنّما
الشأن أن تكون الصلاة فعَلَتْ بقلبٍ نقي، وعمل عند الله مرضيّ، وخشوع سويّ،.. إلى آخر وصيته سلام الله عليه». فالصلاة المقبولة والعمل المقبول أن يُصلّي العبد صلاة تليق بربّه عزّ وجلّ، والمؤمن الحريص على ذلك يأتي بجميع مقدّمات الصلاة بحال إنابة، ويُحاول أن لا يمنعه من إقامتها في أول الوقت مانع، وتراه مشغولًا بالتمهيد لها والاستعداد لإقامتها، فيتوضّأ وضوءًا تامًا بكامل شرائطه ومستحبّاته، وضوءًا معنويًّا مشفوعًا بالذكر والدعاء والمحبّة الخاصّة بالصلاة. ويتعمّد الأذان والإقامة بصوت رقيق ومحزون، صارفًا بنظره إلى عالم الملكوت ثم يبدأ اللقاء الذي يُمثّل له معراجًا عظيمًا، ولكن لا يتحقَّق لك ذلك إلاَّ إذا خشَعتَ في صلاتك، وأقبلتَ عليها بقلبِك وفرَّغتَ قلبك من كلّ شُغل أثناء أدائها، بقراءَتها، وأذكارِ ركوعها، وسجودِها وجلوسها، وتدبرت في ذلك حقَّ التدبر حينئذٍ لا شك أنك ستخشع في صلاتك.
واعلم أنَّ الصلاة شاقّةٌ على الكثير من المسلمين إلاَّ على الخاشعين، فالخاشعون يؤدّون هذه الصلاةَ عن رغبةٍ وحبٍّ وشوق إليها، قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ (البقرة: 45). إذًا فالخاشِعون فيها هم الذين يصير أداؤها يسير عليهم، ويجدون في أدائها راحةً لقلوبهم وطمأنينةً لنفوسهم، وانشراحًا لصدورهم، فهي قرّة أعينِهم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ
أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة: 45-46)، فليقينِهم بملاقاة الله تعالى، وأنّ مردَّهم إليه جلّ شأنه سهُلت تلك الصلاة عليهم، فأقبلوا عليها بقلوبهم مطمئنِّين خاشعين مستكينين لربّ العالمين لا غاية لهم إلا رضاه جلّ شأنه.
لا ريب أنَّ المراد بإقامة الصلاة هو شيء أوسع مما يتبادر إلى أفكارنا القاصرة؛ إلا أنَّ من أظهر وجوه إقامتها: المحافظه على مواقيتها، فمن صلّى الصلاة لغير مواقيتها التي وقّتها الله، فلم يُقم الصلاة، بل ضيّعها وفرّط فيها وسها عنها. وقد قال الله العظيم في كتابه الكريم: ﴿فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ (النساء: 103)، وقال إمامنا الصّادق عليهالسلام: «امتحنوا شيعتنا عند مواقيت الصلاة كيف محافظتهم عليها».
وفي حديث الإمام الرضاعليهالسلام كانت الصلاة أول معلم من معالم نعته لشيعة أهل البيت عليهمالسلام، فقال صلوات الله عليه: «شيعتنا الذين يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويحجون البيت الحرام، ويصومون
شهر رمضان، ويوالون أهل البيت عليهمالسلام، ويتبرؤون من أعدائهم».
وقال زرارة، سألت أبا جعفر الباقرعليهالسلام عمّا فرض الله عزّ وجلّ من الصلاة، فقال: خمس صلوات في الليل والنهار، فقلتُ: فهل سمّاهنّ وبيّنهنّ في كتابه؟ قال: نعم قال الله تعالى لنبيّهِ صلىاللهعليهوآلهوسلم: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ (الإسراء: 78)، ودلوكها زوالها، ففيما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل أربع صلوات سمّاهنّ الله، وبيّنهنّ ووقّتهنّ، وغسق الليل هو انتصافه، ثم: قال تبارك وتعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ فهذه الخامسة، وقال الله تعالى في ذلك: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ (هود: 114)، وطرفاه المغرب والغداة، ﴿وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ﴾، وهي صلاة العشاء الآخرة، وقال تعالى: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى﴾ (البقرة: 238)، وهي صلاة الظهر، وهي أول صلاة صلّاها رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم، وهي وسط النهار، ووسط الصلاتين بالنهار: «صلاة الغداة، وصلاة العصر...».
ونقرأ في دعاء إمامنا السَجَّادعليهالسلام: «اللّهُمَّ صَلِّ عَلى محمّد وآلِهِ، ووفّقنا فيهِ عَلى مَواقيتِ الصَّلَواتِ الخَمسِ بِحُدودِها الَّتي حَدَّدتَ، وفُروضِهَا الَّتي فَرَضتَ، ووَظائِفِهَا الَّتي وَظَّفتَ، وأوقاتِهَا الَّتي وَقَّتَّ».
أوّل الطريق للمسلم الذي يُريد الترقّي في درجات الوصول هو المحافظة على الصلاة في أوّل وقتها لأنّها حبل الله، فلا يُشغلك عن ذلك شاغل أو تأويل حتى تؤخّرها عن وقت فضيلتها:
واشدُدْ يَدْيكَ بحَبلِ الله مُعتَصِمًا فإنَّهُ الرُّكْنُ إنْ خانَتْكَ أركانُ
استبقوا الخيرات
قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ (المائدة: 48): ﴿فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ﴾ أي: بادروا إليها وأكملوها، فإنّ الخيرات شاملة لكلّ فرض ومستحبّ، من حقوق الله وحقوق عباده، ولا يصير فاعلها سابقًا لغيره، إلا بأمرين: المبادرة إليها حين يجيء وقتها، والاجتهاد في أدائها على الوجه المأمور به. ويستدلّ بهذه الآية، على المبادرة لأداء الصلاة وغيرها من الخيرات في أوّل وقتها، حيث يحصل بها السبق. قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ (المؤمنون: 61)، وقال الإمام الباقرعليهالسلام: «إنَّ رَسولَ اللهِ صلىاللهعليهوآلهوسلم قالَ: «إنَّ اللهَ جلّ جلاله يُحِبُّ مِنَ الخَيرِ ما يُعَجَّلُ».
وكما تعلمون إنّ للصلاة شروط لا تتمّ بدونها، ومن أهمّ شروطها أن تكون إقامتها أوّل وقتها، وقد دلّت النصوص الكثيرة على عِظَم فضل من أوقعها في أول الوقت، وقال الإمام
زين العابدين عليهالسلام: «من اهتمّ بمواقيت الصلاة لم يستكمل لذّة الدنيا»، أي: كان من الذين لا يطلبون كمال الدنيا، كأنه ليس من أبنائها، إنّما يهتمّ بالصلاة في أوّل وقتها لمعرفته بمكانتها العظيمة عند الله تعالى.
وروي عن الإمام الصادق عليهالسلام قال: «من صلّى الصلوات المفروضات في أوّل وقتها وأقام حدودها رفعها الملك إلى السماء بيضاء نقيّة، تقول: حفظك الله كما حفظتني استودعتني ملكًا كريمًا. ومن صلاّها بعد وقتها من غير علّةٍ ولم يُقم حدودها رفعها الملك سوداء مظلمة، وهي تهتف به: ضيّعك الله كما ضيّعتني، ولا رعاك الله كما لم ترعني». من هنا يتبيّن أنّ للصلاة حقيقة، وهي تدعو للمصلّي إذا أتى بها في أوّل وقتها ولاحظ آدابها، وإذا لم يُصلّ الصلاة لوقتها ترتفع سوداء وهي تدعو عليه.
كان خَاتَم النَّبِيِّينَ صلىاللهعليهوآلهوسلم والأئمّة من أهل بيته الطاهرين سادة العباد المُخلَصين ولذلك غدت أقوالهم نورًا يُستضاء بها في الظلمات، وحكمًا تسير بها الركبان، وتأنس بها القلوب والأرواح وصارت أعمالهم مُثلًا يُقتدى بها من بعدهم، وكانواعليهمالسلام حريصين أشدّ
الحرص على إيصاء أهل الإسلام بتصحيح النيّة، وأن لا تكون إلا لله تعالى، ويُطالبونهم بأن لا يقولون قولًا ولا يعملون عملًا إلا بعد استحضار نيّاتهم، فجعلت البركة في أقوال وأعمال وأعمار من أطاعوهم، فضربوا أروع الأمثلة بالصدق في الأعمال لأنّهم قبل ذلك ضربوا أروع الأمثلة في إخلاص النيّات وتصحيحها، فلم يكن خُلّص أصحاب النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم وأصحاب أئمة الهدى عليهمالسلام يوقعون العمل كيفما اتفق، لا، وإنّما كانت أعمالهم صادرة عن نيّات خالصة تنبعث من القلوب الصافية والزكية التي امتلأت خشية وإيمانًا وتقوى، وارتوت حتى تضلعت من علوم رسول الله محمّد وأهل بيته الطاهرين، والنيّة هي الفيصل في الصلاة، فإنّ الصلاة هي الصلاة في الصورة والظاهر، ولكن القلوب والبواعث تختلف، وهكذا في سائر أعمال البر، فالنيّة أجرها عظيم وخطر فسادها جسيم، فهنيئاً لمن عمل على تصحيحها، ومراقبتها وعدم الغفلة عنها، فإنّ الحساب يوم القيامة إنما يكون على السرائر كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ (الطارق: 9) أي: يتعّرف ويتصفّح ما أسرّ في القلوب من العقائد والنيّات وغيرها، وممّا أُخفي من الأعمال ويُميّز بين ما طاب منها وما خبث.
والنيّة لفظ يدخل تحته: القصد وانبعاث القلب نحو الشيء، والعزم والإرادة والتوجّه والاعتماد، فكلّ هذه العبارات تدخل تحت لفظ النيّة. وقال المحقّق الطوسي: هي القصد إلى الفعل، وهي واسطة بين العلم والعمل، اذ ما لم يعلم الشيء لم يُمكن
قصده، وما لم يقصده لم يصدر عنه. قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «إنّما الأعمال بالنيّات، ولكلّ امرئ ما نوى..».
وقال الإمام الرضاعليهالسلام: «أنّه لا قول ولا عمل إلا بنيّة، ولا نيّة إلا بإصابة السُنّة»؛ أي: لا صحّة ولا ثواب لأيّ قول أو فعل يصدر من المكلّف إلا إذا قصد كونه لله ورجاء وجهه ورضاه، وأريد به مطابقة أحد أقوال وأفعال خَاتَم النَّبِيِّين صلىاللهعليهوآلهوسلم التي أرشدنا إليها أئمة العترة النبوية الطاهرةعليهمالسلام.
صاحب النيّة الصادقة صاحب القلب السليم لأنّ سلامة القلب من هواجس المحذورات تكون بتخليص النيّة لله تعالى في الأمور كلّها قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (الشعراء: 88-89)، قال زيد الشحّام: قُلتُ لأبي عبد الله الصادق عليهالسلام إنّي سمعتك تقول: «نيّة المؤمن خير من عمله، فكيف تكون النيّة خيرًا من العمل؟ قال عليهالسلام: «لأنّ العمل ربما كان رياء للمخلوقين، والنيّة خالصة لربّ العالمين، فيُعطي تعالى على النيّة ما لا يُعطي على العمل».
قال أبو عبد الله عليهالسلام: «إنّ العبد لينوي من نهاره أن يُصلّي بالليل فتغلبه عينه فينام، فيثبت الله له صلاته ويكتب نفسه تسبيحًا، ويجعل نومه عليه صدقة»، فالعمل إذا كان لله فهو مقبولٌ، وصاحبه مأجورٌ عليه، وإن كان لغير الله فهو مردودٌ على صاحبه، وإن الله ليُجازي الصادقين بمجرّد نيّاتهم الصادقة، حتى ولو لم يوفّقوا إلى العمل، والله جلّ جلاله متّصِف بالحمد والكرم، وإذا أحسنَ العبد القصدَ ولم تتهيّأ له أسباب العمل فإنّه يؤجَر على تلك النيّة وإن لم يعمل، كرَمًا من الله وفضلًا، روى أبو بصير عن الإمام الصادق عليهالسلام قال: «إنّ العبد المؤمن الفقير ليقول: يا ربّ ارزقني حتى أفعل كذا وكذا من البرّ ووجوه الخير، فإذا علم الله عزّ وجلّ ذلك منه بصدق نيّة كتب له من الأجر مثل ما يكتب له لو عمله. إنّ الله واسع كريم»، فإنّ الظاهر من صدق النيّة ليس هو مطابقتها للواقع، بل خلوصها، وعدم كونها بدوية يقصد بها استجلاب الرزق لا غير، فاجهد أيها المؤمن غاية الجهد في تخليص النية عند الصلاة والعبادات وكل الأعمال من شوائب الرياء، وأخلص لله في القصد بحيث لا يكون الدافع ولا القصد سوى رضا الله والتقرب إليه، ولا تقصد في ذلك شيئًا من زخارف الدنيا كي لا تذهب أتعابك سدى، ويصير أجرك بورا، واعلم أنَّ لأعمال المصلّي بُعدًا
إلهيًا يمكن أن يرفعه إلى أعلى علِّيين، في حال اتَّسمت صلاته وأعماله ونواياه بالإخلاص. أمّا إذا لم تكن النَّوايا خالصةً، ولم يكن الدَّافعُ الأساسيّ من وراء الصلاة طاعة الله ورضاه، فلن تكون مقبولةً وبالتَّالي لن ينالَ عليها الأجرَ والثَّوابَ، وقد قال الله سبحانه موجّهًا أهل الإيمان للعمل الخالص: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (الكهف: 110).
ورويَ عن أمير المؤمنين عليهالسلام أنَّه قال: «الإخلاص غاية الدين»، وقال سلام الله عليه: «طوبى لمن أخلص لله العبادة والدّعاء، ولم يُشغل قلبه بما ترى عيناه»، فالإخلاص هو روح العبوديَّة لله وجوهرها، وسادة أهل الجنّة هم المخلصون.
لذلك أيها المصلي يجب أن تكونَ نيّتك فيما تقوم به خالصة لله، لا تريد غيرَ الله، لا سمعةً ولا رياء ولا رِفعةً عند أحدٍ، ولا تزلّفًا، ولا تتقرّب من الناس مدحًا، ولا تخشى منهم قَدحًا، والله سبحانه غنيّ حميد، لا يرضى أن يُشرِك العبد معه غيرَه، فإن أبى العبد إلا ذلك ردّ الله عليه عملَه وحمله عواقب ذلك، أعاذنا الله وإيّاكم.
ويُراد به المثول بين يدي مالك الملك، إعلانًا للطاعة والولاء وامتثال الأمر، ولا يخفى أنّ الاستعداد والمثول قيامًا بين يدي مالك يوم الدين هو من دلائل الطاعة وعلاماتها. ومن هنا يقتضي أن تكون هيئة المثول وحقيقته متناسبة مع عظمة الملك الذي نقف بين يديه، فكمال القيام بين يدي الله تعالى أن يكون على طمأنينة وسكون وهيبة وحياء، فلا يجعل رأسه مرفوعًا، ولا يُبالغ في طأطأته فيخرج بالحياء عن صورته، بل يجعل نظره إلى محلّ سجوده، مقيمًا صلبه ونحره، مرسلًا يديه على فخذيه بوقار، فلا يعبث بهما، ولو استحضر المصلّي أثناء قيامه قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ (الشعراء: 217-219)، لو استحضر المصلّي ذلك لما فارق هذه الهيئة. ويزيد في جلال القيام وهيبته ما وجب فيه من تلاوة سور القرآن الكريم، وبهذا يكون القيام مشهدًا من مشاهد الطاعة والولاء والإجلال والتعظيم، ولقد كان الإمام زين العابدين عليهالسلام إذا قام إلى الصلاة أخذته رعدة، فيقال له: ما لك؟ فيقول: «ما تدرون بين يدي من أقوم، ومن أُناجي».
وهو صورة أُخرى من صور الامتثال والخضوع، ولا شكّ أنّه يحمل من مظاهر الخضوع فوق ما يحمله القيام، ولكلٍّ أبعاده ومغزاه، ومع صورة التعظيم الظاهرة في انحناءة الركوع، يأتي الذكر الذي يصحبها مركّزًا مغزاه في قلب الراكع: «سبحان ربّي العظيم وبحمده».
هذه المرتبة من التعظيم أفردها الإسلام لله تعالى وحده، فنهى أن ينحني أحد أمام أحد احترامًا وتعظيمًا، ولذلك تميّز الركوع بمرتبة أخصّ من الامتثال قيامًا في الولاء والخضوع والتعظيم، فالقيام يقع كثيرًا في يوميات الإنسان كالامتثال قيامًا بين يدي الوالدين، أو بين يدي المعلِّم، أو القائد، ولكن يحرم الركوع لهؤلاء ولغيرهم، لإنّه من خصائص الخضوع لله تعالى.
قال الله تعالى في مُحكم كتابه وجليل خطابه: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (المائدة: 55)، والآية الكريمة نزلت في أمير المؤمنين علي عليهالسلام وهو راكع، فسأل سائل في المسجد، فلم يُعطه أحد شيئًا، فرفع السائل يديه إلى السماء، وقال: اللهم اشهد أنّي سألت في مسجد نبيّك محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم فلم يُعطني أحد شيئًا، فأومأ علي عليهالسلام إلى السائل بخنصره اليمنى، وفيه خاتم،
فأقبل السائل، فأخذ الخاتم من خنصره، وذلك بمرأى من النبيّ صلوات الله عليه.
وقيل لابن الجوزي: كيف تصدّق عليّ كرّم الله تعالى وجهه بالخاتم، وهو في الصلاة والظنّ فيه بل العلم الجازم أنّ له كرّم الله تعالى وجهه شغلًا شاغلًا فيها عن الالتفات إلى ما لا يتعلّق بها، وقد حكى ممّا يؤيد ذلك كثير، فأنشأ يقول:
يسقي ويشرب لا تُلهيه سكرته * عن النديم ولا يلهو عن الناسِ
أطاعَهُ سـكرُهُ حتّى تمكّن من * فعل الصُحاةِ فهذا واحد الناسِ
واعلم أنّ رجلًا سأل إمامك أمير المؤمنين عليهالسلام فقال: يا ابن عمّ خير خلق الله ما معنى مدّ عنقك في الركوع؟ فقال عليهالسلام : «تأويله: آمنت بالله، ولو ضُربت عنقي».
وجاء عن الإمام الباقرعليهالسلام حديثًا عن الذكر في الركوع، وفيه ما يستشعر به المرء حقيقة ما يؤدّيه من امتثال وطاعة وخشوع. يقول عليهالسلام : «إذا أردت أن تركع، فقل وأنت منتصب: الله أكبر، ثم اركع، وقل: اللهمّ لك ركعت، ولك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكّلت، وأنت ربّي، خشع لك قلبي وسمعي، وبصري وشعري، وبشري ولحمي، ودمي ومخّي، وعصبي وعظامي وما
قلّته قدماي، غير مستنكفٍ ولا مستكبرٍ ولا مستحسرٍ، سبحان ربّي العظيم وبحمده ثلاثًا».
وليكن ظهرك مستويًا مع عنقك، لا منحنيًا، وليكن نظرك بين قدميك، وتلفَّظ بالذكر مستوفيًا حروفه كاملة، ولا ترتفع قبل ذلك. لا تنسَ فضل الله عليك أن أمرك بالركوع، ووفِّقت إلى ذلك، ولا بأس في الذكر أن تؤكّده بالتكرار، لأنَّ المرَّة الواحدة ضعيفة الآثار، ورحمة الله تتسارع إلى المُلح الذليل المتواضع، يقول أبان بن تغلب: دخلت على الإمام الصادق عليهالسلام وهو يُصلّي، فعددت في الركوع ستّين تسبيحة.
وبعد تمام الذكر الواجب والمستحب ارفع رأسك، وقف وقفة كاملة منتصبًا كما كُنتَ في قيامك قائلًا: سمع الله لمن حمده «الحمد لله ربّ العالمين»، فإنّ تأويله كما جاء عن أمير المؤمنين عليهالسلام : «الحمد لله الذي أخرجني من العدم إلى الوجود».
إذ إنّه يُمثّل غاية الخضوع، بل هو أبلغ صور التذلّل لله سبحانه وتعالى؛ لأنّه يربط بين الصورة الحسّية والدلالة المعنوية للعبادة في ذِلّة العبد، وعظمة الرب، وافتقار العبد لخالقه. ولا يكون
الإنسان عبدًا لله تعالى إلاّ بهذا التذلّل وبهذه العبودية، ومن هنا يظهر أحد أسرار اختصاص السجود بالقرب من الله تعالى، فإن العبد أقرب ما يكون إلى الله وهو ساجد»؛ روي عن الإمام الصادق عليهالسلام أنّه قال: «السجود منتهى العبادة من بني آدم».
ويُعتبر السجود في الصلاة ركنًا من أركانها الأساسيّة، فلا يجوز تركه بأيّ شكل كان سواء كانت الصلاة واجبة أو مندوبة، لأنّه لا تتمّ الصلاة إلاّ بوجوده وإتيانه وفق ما جاء في الشرع،
قال الإمام الصادق عليهالسلام فقال: سمعته يقول: «ما أحسن الرجل يغتسل أو يتوضّأ، فيسبغ الوضوء، ثم يتنحّى حيث لا يراه أنيس، فيشرف عليه وهو راكع أو ساجد، إنّ العبد إذا سجد، فأطال السجود نادى إبليس: يا ويلاه أطاع وعصيت، وسجد وأبيت».
وممّا يؤكّد اهتمام الإسلام المتزايد بالسجود هو تسمية المصلّى، وهو موضع إقامة الصلاة - مسجدًا، إذ أصبح له عنوانًا خاصًا متميّزًا، عناية بأهمّ أجزاء الصلاة، باعتبار أنّ السجود هو موضع القرب كما تبيّن، وبه يتجلّى التواضع والخضوع، والتذلّل لله جلَّ وعلا، وقد أولى الباري جلّ شأنه عناية خاصّة بالمساجد، فنسبها له سبحانه كما قال في فرقانه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ
لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (الجن: 18)، ولمكانة السجود جعله الله تعالى واحدًا من العلامات التي تُميّز عباده المخلصين، فقال سبحانه: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ (الفتح: 29)، ووصف الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام المؤمن الحقّ، قائلًا: «إنّ المؤمن نفسه منه في شغل، والناس منه في راحة، إذا جنَّ عليه الليل فرش وجهه، وسجد لله تعالى ذكره بمكارم بدنه، ويُناجي الذي خلقه في فكاك رقبته. ألا، هكذا فكونوا».
ورويَ عن الإمام الصادق عليهالسلام أنه قال: «ما خسر والله قطُّ من أتى بحقيقة السجود ولو كان في عمره مرّة واحدة، وما أفلح من خلا بربّه في مثل ذلك الحال تشبيهًا بمخادع نفسه، غافلًا لاهيًا عمّا أعدّ الله تعالى للساجدين من البشر العاجل، وراحة الآجل، ولابَعُدَ عن الله أبدًا من أحسن تقرّبه في السجود، ولا قَرُبَ إليه أبدًا من أساء أدبه، وضيّع حرمته بتعليق قلبه بسواه في حال السجود...».
إنّ للسجود هيئةً وحالةً وذكرًا، تنطوي على جملة أسرارٍ تتجلّى للإنسان المؤمن من خلال صلاته بمقدار درجة الإقبال وحضور القلب ووعي تامّ لما يقوم به من حركات وما يتلفّظه
من كلمات، حالة التواضع وترك الاستكبار والعجب من خلال وضع أعضاء السجود السبعة على الأرض، وبما أنّ تلك الأعضاء تُعدّ مظهرًا لعقل الإنسان وقدرته وحركته، فيكون إرغامها على التذلّل والخضوع والمسكنة عبر السجود لله عزّ وجلّ مظهرًا من مظاهر التسليم التام له سبحانه، وهذا يعني شعور العبد بالندم والتوبة وطلب المغفرة والابتعاد عن الخطيئة بشتّى أشكالها، ومع حصول تلك المعاني في نفس الساجد، فلا شكّ أنّه سيشعر بحالة من الأنس ورهبة حقيقية تساهم في منعه من العدول إلى ارتكاب المعصية من جديد، ولا يغيبن عنك أيّها القارئ الكريم أن المتدبر في حركات السجود من الهوي إلى الأرض، ثم استقرار الجبهة عليها، ثم رفع الرأس، ثم العودة إليها، ثم الرفع منها ثانية سينفعه تدبره في استحضار دورة حياة الإنسان كلّها منذ نشأته الأولى من مادّة الأرض، وتكوّنه إنسانًا يدبّ عليها، ثمّ عودته فيها بعد موته، ثم خروجه منها يوم البعث والنشور، وقد جمع أمير المؤمنين عليهالسلام أطراف هذا المشهد في جوابه عن سؤال سائل سأله قائلًا: يا بن عم خير خلق الله، ما معنى السجدة الأولى؟
فقال عليهالسلام : «تأويله اللهمّ إنّك منها خلقتنا ـ يعني من الأرض، ورفع رأسك: ومنها أخرجتنا، والسجدة الثانية: وإليها تُعيدنا، ورفع رأسك من الثانية: ومنها تُخرجنا تارة أخرى..».
من محراب هذا الإمام العظيم كان صوته ينطلق في الدعاء: «وليت شعري يا سيّدي وإلهي ومولاي، أتُسلّط النار على وجوه خرّت لعظمتك ساجدة، وعلى ألسن نطقت بتوحيدك صادقة، وبشكرك مادحة، وعلى قلوب اعترفت بإلهيّتك محقّقة، وعلى ضمائر حوت من العلم بك حتى صارت خاشعة، وعلى جوارح سعت إلى أوطان تعبّدك طائعة، وأشارت باستغفارك مذعنة، ما هكذا الظنّ بك ولا أُخبرنا بفضلك عنك يا كريم».
ومن محراب حفيده السجّاد زين العابدين كانت تنطلق مناجاته لله، فيُسمع صوته عليهالسلام قائلًا: «إلهي هل تُسوّد وجوهًا خرّت ساجدة لعظمتك؟».
حاشا لله تعالى العادل أن يُسوّد وجوهًا وضعت على الصعيد تذلّلًا لعظمته، وتقرّبًا إليه جلّ شأنه، وعلى العكس تمامًا، فمن تكبّر عن عبادة البارئ العظيم بعد أن جاءته البيّنات، فإنّ الأثر الأخروي سوف يكون بحشره يوم القيامة أسود الوجه، وقد سُلب منه نور الإيمان: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (آل عمران: 107).
والتشهّد شهادة بوحدانية الله عز وجل ورسالة المصطفى محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم رحمة الله المهداة، وممّا رواه جابر بن عبد الله الأنصاري عن أمير المؤمنين عليهالسلام قال: «وتأويل تشهّدك: تجديد الإيمان، ومعاودة الإسلام، والإقرار بالبعث بعد الموت».
يتشهّد المصلّي مرّة في كلّ صلاة ثنائية، ومرّتين في كلّ صلاة رباعية بما يأتي: أشهد أن لا إلا الله، وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله، اللهُمّ صلّ على محمّد وآل محمّد..، «وقد أمرك الله بالصلاة على حبيبه محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم، فأوصل صلاته بصلاته، وطاعته بطاعته، وشهادته بشهادته، وانظر إلى أن لا تفوتك بركات معرفة حرمته، فتحرم عن فائدة صلاته، وأمره بالاستغفار لك والشفاعة فيك، إن أتيت بالواجب في الأمر والنهي والسنن والآداب، وتعلم جليل مرتبته عند الله عزّ وجلّ».
وأُشير في الروايات إلى كيفية الصلاة على النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم فقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: لقيني كعب بن عجرة، فقال ألا أهدي لك هدية سمعتها من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقلت بلى، فأهدها لي، فقال سألنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقلنا: يا رسول الله كيف الصلاة عليكم أهل البيت، فإنّ الله قد
علّمنا كيف نُسلِّم عليكم؟ قال: «قولوا اللهمّ صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد. اللهمّ بارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد».
يا آل بيت رسول الله حبّكمُ فرض من الله في القرآن أنزله
كفاكم من عظيم الشأن أنكم من لم يصل عليكم لا صلاة له
وبعد التشهّد من الركعة الأخيرة يُسلّم على النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم في السلام الأول وعلى عباد الله الصالحين في السلام الثاني، السلام عليكم ورحمة الله هو السلام الثالث، وبذلك تفرغ الصلاة.
إنّ لسجدة الشكر فوائد جمّة تشتمل على غاية ما يصبو إليه الإنسان المؤمن من خير الدنيا والآخرة، كزيادة النعمة، وتوفيق الطاعة، واستجابة الدعاء فيها، زيادة على ما يكتبه الله عزّ وجلّ من حسنات وما يمحوه من سيّئات كما هو واضح من كلام أئمة أهل البيت عليهمالسلام، فقد روي عن الإمام الصادق عليهالسلام أنّه قال: «سجدة الشكر... تتمّ بها صلاتك، وتُرضي بها ربّك، وتعجب الملائكة منك..».
وسُئل الإمام الرضاعليهالسلام عنها، فأجاب: «هي شكر منّي لله تعالى على أن وفّقني لأن قمت بخدمته وأدّيت فرضه، وشكر الله يوجب زيادة النعمة، وتوفيق الطاعة، وإذا كان قد بقي في الصلاة تقصير، ولم تتم بالنوافل أتمّتها هذه السجدة».
إنَّ من أعظم شعائر الإسلام، وأظهر معاني العمارة المعنوية لبيوت الله سبحانه صلاة الجماعة في المساجد، فقد شرع الله لهذه الأمة الاجتماع في بيوته في أوقات معلومة لأداء هذه الشعيرة المباركة، فالمسلمون يجتمعون في اليوم والليلة خمس مرات لأداء هذه الصلاة، وقد اتفق علماء الإسلام على أن أداء الصلوات الخمس في المساجد من أوكد الطاعات وأعظم القربات، ولقد أثنى الله تعالى على الذين يعمرون مساجد الله وشهد لهم بالإيمان، والعمارة المعنوية للمساجد هي عمارتها بالذكر والطاعة والعبادة، وإقامة الصلاة فيها مع المسلمين، فيجب على المسلم أن يحافظ عليها في جماعة إلا من عذر، ولقد كان مولانا رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يخرج إلى المسجد في أيام مرضه الشديد، وهو بين أمير المؤمنين علي، وعمه العباس، وقدماه تخطان في الارض، لا يمنعه ذلك من أن يقيم للمسلمين الصلاة جماعة، ويبين للناس أن رسالة المسجد في الإسلام تتركز في الدرجة الأولى
على التربية الروحية، ولصلاة الجماعة دور فعال في هذا الشأن، ويشهد لذلك عظيم مكانتها وجليل منزلتها، فهي من واجبات الدين، وسنن الهدى. يجتمع للمصلي فيها شرف المناجاة لله تعالى، وشرف العبادة، وشرف البقعة، ولقد رتب الإسلام على حضور صلاة الجماعة في المساجد أجراً عظيماً تحدثت عنه الكثير من الأحاديث النبويّة الشريفة.
وجه القرآن الكريم المسلمين إلى الأسس التي عليها تقوم الحضارة الإسلامية، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (الحج: 41)، فجعل الصلاة أول تطبيق متى تم التمكن، ومن مظاهر الحالة الدينية الجمعية ما نشهده في صلاة الجماعة، حيث شرّعها الله سبحانه ورغّب في حضورها، من خلال العديد من الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة، ومن محكمات الكتاب المجيد أمر الله تعالى بالصلاة جماعة حال الخوف، فقال عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ (النساء: 102)، فالله عز وجل أمر بالصلاة في الجماعة في شدة الخوف أثناء الجهاد، ففي الأمن إقامتها وأدائها أولى، ثم أعاد هذا الأمر
سبحانه مرة ثانية في حق الطائفة الثانية، ولو لم تكن مطلوبة لرخَّص فيها حالة الخوف، ولم يُجِز الإخلال بواجبات الصلاة من أجلها.
وقد أمر الله تعالى بالصلاة مع جماعة المصلين، فقال: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (البقرة: 43)، ويتوعد الله تعالى من لم يُجب المؤذن، فيصلي مع الجماعة بأن يحول بينهم، وبين السجود وتخشع أبصارهم وترهقهم الذلة يوم القيامة، قال عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ (القلم: 42-43)، هذا لمن لم يجب الداعي إلى الصلاة مع الجماعة، وأن ظهورهم يوم القيامة تكون طبقاً واحداً: أي فقار الظهر كله يكون كالفقارة الواحدة، فلا يقدرون على السجود.
وشرع الله لأهل الإسلام صلاة الجمعة بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الجمعة: 9-10).
يتّفق جميع المسلمين على أصل تشريع صلاة الجماعة في جميع الصلوات الواجبة، كما يتفقون على عدم صحة صلاة الجمعة والعيدين -في حال وجوب صلاة العيدين- إلّا جماعة.
ومن بيانات أحد كبار فقهاء الجعفريّة عن صلاة الجماعة ما يلي: «هي من المستحبات الأكيدة في جميع الفرائض، خصوصًا اليوميّة منها وخصوصًا في الأدائية، ولا سيّما في الصبح والعشاءين، وخصوصًا لجيران المسجد أو من يسمع النداء، وقد ورد في فضلها وذم تاركها من ضروب التأكيدات ما كاد يلحقها بالواجبات ... إلى أن قال رحمة الله: وكلما كان المأمومون أكثر كان الأجر أزيد، ولا يجوز تركها رغبة عنها أو استخفافًا بها، فمقتضى الإيمان عدم الترك من غير عذر سيّما مع الاستمرار عليه، فإنه كما ورد لا يمنع الشيطان من شيء من العبادات منعها»، ولقد أجزل الإسلام الثواب لمن يُقيم صلاته في المسجد، ولذا كان الثواب على الصلاة الّتي تُقام في المساجد أعظم، وذلك عبر الترتيب التالي:
أ- المسجد الحرام في مكّة المكرّمة، وقد قال حفيد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم الإمام الباقر عليهالسلام : «مَن صلَّى في المسجد الحرام صلاةً مكتوبةً، قبِل الله منه كلَّ صلاةٍ منذ يوم وجبت عليه الصَّلاة، وكلُّ
صلاةٍ يصلِّيها إلى أن يموت».
ب- مسجد النَّبِيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم في المدينة المنوّرة، وقد رويَ عن جابر الأنصاريِّ أنَّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «صلاةٌ في مسجدي أفضل من ألف صلاةٍ فيما سواه؛ إلَّا المسجد الحرام».
ج- المسجد الأقصى في بيت المقدس في فلسطين، وقد قال أمير المؤمنين علي عليهالسلام في حقه: «صلاةٌ في بيت المقدس تعدل ألف صلاةٍ».
د- مسجد الكوفة في العراق قرب النجف الأشرف، وقال الصَّادق عليهالسلام في حقه: «إنَّ الصَّلاة المكتوبة فيه لتعدل ألف صلاةٍ، وإنَّ النَّافلة فيه لتعدل بخمسمائة صلاةٍ، وإنَّ الجُّلوس فيه بغير تلاوةٍ وذكرٍ لعبادةٍ؛ ولو علم النَّاس ما فيه، لأتوه ولو حبواً».
هـ- المسجد الجامع: والمراد منه المسجد الّذي لم يُبنَ لقوم بعينهم أو لأشخاص خاصّين. وقد قال الإمام الصَّادق عليهالسلام : «عليكم بإتيان المساجد فإنها بيوت اللَّه في الأرض، فمَن أتاها متطهِّرًا طهَّره الله من ذنوبه، وكُتب من زوَّاره، فأكثروا فيها من الصَّلاة والدُّعاء، وصلُّوا في المساجد في بقاعٍ مختلفةٍ، فإنَّ كلَّ
بقعةٍ تشهد للمصلِّي عليها يوم القيامة».
و- مسجد القبيلة، وهو المسجد الّذي بُني لقوم بعينهم، وقد قال أمير المؤمنين عليهالسلام في فضل الصلاة فيه: «صلاةٌ في مسجد القبيلة تعدل خمسًا وعشرين صلاةً».
ز- مسجد السوق، وهو الّذي يُبنى داخل الأسواق، وقد قال أمير المؤمنين عليهالسلام: «وصلاةٌ في مسجد السُّوق تعدل اثنتي عشرة صلاةً».
روى الفضل بن شاذان عن الإمام الرضاعليهالسلام قال: «إنما جعلت الجماعة لئلّا يكون الإخلاص والتوحيد، والإسلام والعبادة لله إلّا ظاهرًا مكشوفًا مشهورًا، لإن في إظهاره حجّة على أهل الشرق والغرب لله وحده، وليكون المنافق والمستخف مؤديًا لما أقرّ به، يظهر الإسلام والمراقبة، وليكون شهادات الناس بالإسلام بعضهم لبعض جائزة ممكنة، مع ما فيه من المساعدة على البر والتقوى، والزجر عن كثير من معاصي الله عَزَّ وَجَلَّ».
شرع الله سبحانه لهذه الأمّة الاجتماع في بيوته في أوقات معلومة لأداء صلاة الجماعة، فأداء الصلوات الخمس في المساجد من شعائر الإسلام، ولا أدل على المكانة العظيمة التي تحظى بها صلاة الجماعة من قول رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «لا صلاة لجار المسجد إلّا في مسجده».
وكذلك ورد عن الإمام الصادق عليهالسلام: «مَنْ لم يصلِّ جماعة، فلا صلاة له بين المسلمين، لأن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «لا صلاة لمن لم يصلِّ في المسجد مع المسلمين إلا من علة».
وروى زُريق الخاقاني أنه سمع الإمام الصادق عليهالسلام يقول: «ومن صلى في بيته جماعة رغبة عن المساجد، فلا صلاة له، ولا لمن صلى معه، إلا من علة تمنع من المسجد».
المصلي في المسجد مع الجماعة يحصل له من صلاة الجماعة مثل أجر صلاة المنفرد خمس وعشرين مرة، وقد روى أبو سعيد الخدري عن النَّبِيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال: «صلاة الجماعة أفضل
من صلاة الفرد بخمس وعشرين درجة «.
وقد سُئل الإمام الصادق عليهالسلام عن ما يروي الناس أن الصلاة في جماعة أفضل من صلاة الرجل وحده بخمس وعشرين صلاة، فقال عليهالسلام: «نعم، صدقوا، فقال السائل: الرجلان يكونان جماعة، قال عليهالسلام: نعم ويقوم الرجل عن يمين الإمام».
ورُويَ عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أنَّه قال: «ومَن مشى إلى مسجدٍ يطلب فيه الجَّماعة كان له بكلِّ خطوةٍ سبعون ألف حسنةٍ، ويرفع له من الدَّرجات مثل ذلك، فإن مات وهو على ذلك وكَّل الله به سبعين ألف ملكٍ يعودونه في قبره ويُبشِّرونه ويؤنسونه في وحدته، ويستغفرون له حتى يُبعث».
ورُويَ عنه صلىاللهعليهوآلهوسلم أنَّه قال: «مَن حافظ على الجَّماعة حيث ما كان، مرَّ على الصِّراط كالبرق اللَّامع في أوَّل زمرةٍ مع السَّابقين، ووجهه أضوأ من القمر ليلة البدر، وكان له بكلِّ يومٍ وليلةٍ يحافظ عليها ثواب شهيد».
وإذا كان حضور الجماعة بهذه المنزلة العظيمة، فإنه يجب على قاصد المسجد لأداء هذه العبادة الكريمة أن يتحلى بأشرف الصفات، وأحسن الخصال، ويتقيد في أحكام حضور المساجد
بما دل عليه كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلىاللهعليهوآلهوسلم وتوجيهات الأئمّة الطاهرين عليهمالسلام تأدبًا مع الله تعالى، واحترامًا للبقعة، ومراعاة لإخوانه المصلين.
وإنّ التخلّف عن صلاة الجماعة ليس من شأن أهل الإيمان وعاداتهم وهو مناف لأحوالهم؛ بل هو مطابق لأحول غيرهم، وقد تعامل رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم والأئمّة من أهل بيته عليهمالسلام بشكل حازم وقاطع مع المتخلّفين عن صلاة الجماعة لدرجة عزلهم عن المجتمع وجعلهم كفئة منبوذة وغير مرغوب فيها في المجتمع الإسلاميّ، ليس هذا فحسب بل وصل الأمر إلى التهديد بإحراق دورهم وتخريبها، وما هذا إلّا لعظمة المسجد وأهمّيّته البالغة في المنظومة الإسلاميّة، وقد جاء عن الإمام الصادق عليهالسلام: «أنَّ أمير المؤمنين عليهالسلام بلغه أنّ قومًا لا يحضرون الصلاة في المسجد، فخطب فقال: إنّ قومًا لا يحضرون الصلاة معنا في مساجدنا فلا يؤاكلونا ولا يُشاربونا ولا يشاورونا ولا يُناكحونا ولا يأخذوا من فيئنا شيئًا، أو يحضروا معنا صلاتنا جماعة، وإنّي لأوشك أن آمر لهم بنار تشعل في دورهم فأحرق عليهم أو ينتهون، قال: فامتنع المسلمون عن مؤاكلتهم ومشاربتهم ومناكحتهم حتّى حضروا الجماعة مع المسلمين».
وقال ابن مسعود صاحب رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «لقد رأيتُنا وما
يتخلَّف عن الصلاة إلا منافق قد عُلِم نفاقه، أو مريض، وإن كان المريض ليمشي بين الرجلين حتى يأتي الصلاة؛ إن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم علمنا سنن الهُدى، وإن من سنن الهُدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه».
وتزداد عظمة صلاة الجماعة في المسجد ويزداد ثوابها ولذا ورد الحث الشديد عليها في الروايات الشريفة، ومنها ما رواه الإمام الصادق عن آبائه عليهمالسلام عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من صلى المغرب والعشاء الآخرة، وصلاة الغداة في المسجد في جماعة، فكأنما أحيا الليل كله».
وحول استحباب حضور الجماعة، في الصبح والعشاءين خصوصًا: جاء عن الإمام الصادق عليهالسلام قال: «صلى رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم الفجر، فأقبل بوجهه على أصحابه، فسأل عن أناس يسمّيهم بأسمائهم، فقال: هل حضروا الصلاة؟ فقالوا: لا يا رسول الله، فقال: أَغُيَّبُ هم؟ قالوا: لا، فقال: أما إنه ليس من صلاة أشد على المنافقين من هذه الصلاة والعشاء، ولو علموا أي فضل فيهما لأتوهما ولو حبّوًا».
فإن رمت اغتنام الوقت فعلًا فخير الوقت حي على الفلاح
فصل الفجر وادع الله واغنم قيام الليل في الغسق الصراح
تفز بالأجر والحسنات حقًا فتسلمك لجنات فســاح
فالاختلاف إلى المساجد رحمة، والاجتناب عنها خسارة، والغفلة كلّ الغفلة من ترك المسجد، وأعلم وفقنا الله وإياك أنه لا يزال الشيطان ذعراً من المؤمن ما حافظ على الصلوات الخمس، فإذا ضيّعهنّ تجرّأ عليه وأوقعه في العظائم، وفي مقابل ذلك يقول النَّبِيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم: «إنك ما دمت في الصلاة، فإنك تقرع باب الملك، ومن يكثر قرع باب الملك يفتح؛ يا أبا ذر، ما من مؤمن يقوم إلى الصلاة إلا تناثر عليه البِرُّ ما بينه وبين العرش، ووكِل به ملك ينادي يا ابن آدم، لو تعلم ما لك في صلاتك ومن تناجي ما سئمت ولا التفت».
من فوائد صلاة الجماعة
صلاة الجماعة فيها فوائد كثيرة، ومصالح عظيمة، ومنافع متعددة شرعت من أجلها، ومن هذه الفوائد والحكم التي شرعت من أجلها ما يأتي:
1. الاجتماع للتعبد لله تعالى: شرع الله عَزَّ وَجَلَّ لهذه الأمة الاجتماع في أوقات معلومة، منها ما هو في اليوم والليلة كالصلوات الخمس، ومنها ما هو في الأسبوع «صلاة الجمعة»،
ومنها ما هو في السنة متكررًا، وهو صلاة العيدين لجماعة كل بلد، ومنها ما هو عامٌّ في السنة وهو الوقوف بعرفة، لأجل التعبد لله تعالى بهذا الاجتماع طلبًا للثواب وخوفًا من عقاب الله ورغبة فيما عنده، ودوام التواصل بين أهل الإسلام والإحسان، والعطف، والرعاية، ولأجل تطهير القلوب، والدعوة إلى الله عَزَّ وَجَلَّ بالقول والعمل، وإحياء بيوت الله عز وجل.
2. التوادد: من المودّة؛ لأجل معرفة أحوال بعضهم لبعض، فيقومون بعيادة المرضى، وتشييع الموتى، وإغاثة الملهوفين، وإعانة المحتاجين، ولأن ملاقاة الناس بعضهم لبعض توجب المحبة، والألفة، والتعارف؛ والتعارف بين المسلمين، ليس هو مجرد معرفة اسم الشخص واسم أبيه ولقبه ووظيفته فقط، وإنما المقصود منه أجلُّ من ذلك، وهو تمتين أواصر الأخوة الإيمانيّة التي يترتّب عليها العمل بكل ما يقويها من المحبة، والتزاور والتواصل وعيادة المريض، وإجابة الدعوة، وإعانة المحتاج والضعيف وإفشاء السلام، وطلاقة الوجه وطيب الكلمة، والتواضع وقبول الحق، والعفو والسماحة، ودفع السيئة بالتي أحسن، وقد يحصل من التعارف معرفة بعض الأقرباء فتحصل صلته بقدر قرابته، وقد يعرف الغريب عن بلده فيقوم الناس بحقه.
3. إظهار شعيرة من أعظم شعائر الإسلام: لأن الناس لو صلّوا كلّهم في بيوتهم، وتركوا المساجد ما عُرف أنَّ هنالك
صلاة، فصلاة الجماعة هي في الأصل أداء للواجب والتكليف الشرعي، ومظهر من مظاهر التديّن، فتعزيزها تعزيز للحالة الدينية الاجتماعية، وعمارة للمساجد التي تعد من أشهر معالم الإسلام.
4. التوجيه والمعرفة الدينية: لأن كثيرًا من الناس يستفيد من خلال حضورهم للصلاة باستماع الخطب والمواعظ الدينيّة وعرض أسئلتهم واستفتاءاتهم الدينيّة على إمام الجماعة إذا كان من أهل المعرفة والعلم.
5. استشعار المسلم وقوفه في صف الجهاد كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ (الصف: 4)، فالمجاهدين الذين صاروا صفًّا واحدًا في الجهاد لا شك أنهم تعودوا ذلك في المساجد أثناء أداء الصلوات الخمس.
6. شعور المسلمين بالمساواة، وتحطيم الفوارق الاجتماعيّة؛ لأنهم يجتمعون في المسجد: أغنى الناس بجانب أفقرهم، والأمير إلى جنب المأمور، والصغير إلى جنب الكبير، وهكذا، فيشعر المسلمين بأنهم سواء، فتحصل بذلك الألفة، ويتفقد أحوال الفقراء والمعوزين، والمرضى، و...، وهكذا تتداخل تلك الوظائف وتتفاعل لتتحول صلاة الجماعة في المسجد إلى نواة مباركة يتشكل منها المجتمع الاسلامي شيئاً فشيئاً، ولذلك يعتبر
المسجد بحق رحم المجتمع الإسلامي الصالح، ومنه ميلاده.
وقد يتساءل البعض: ما دامت لصلاة الجماعة هذه الفوائد والآثار الطيِّبة على المجتمع، إضافة إلى ما ورد من النصوص الدينية في الحث عليها وتبيين عظيم ثوابها عند الله تعالى، فلماذا تبكي كثير من المساجد من قلة الرواد! لماذا خلا كثير منها من الوعظ والإرشاد وحلقات القرآن المجيد؟
لماذا نجد نسبة كبيرة من أهل الإسلام قد عزفوا عن حضور صلاة الجماعة في المساجد، وصار الحضور لصلاة الجماعة يقتصر على بعض الكهول المتدينين والعجزة؟ لابدّ أن هناك أسباباً لعل من أبرزها ما يلي:
فمن يهتم بتعاليم الدين لا يترك صلاة الجماعة، إذا كان عارفًا بقيمتها وفضلها عند الله، ومن يرغب في ثواب الله تعالى، لا يتأخر عن صلاة الجماعة، مع ما ورد فيها من الأجر العظيم.
لكن يبدو أنَّ الكثيرين يفتقدون رغبة الإقبال على هذه الشعيرة العظيمة، بسبب ضعف الاهتمام الديني في نفوسهم.
يحق لقائل أن يقول: إذا كان هذا مستوانا في التعامل مع
(95)الصلاة وهي عمود الإسلام، فكيف بباقي شرائع الدين؟!
ولا أدري كيف تفلح أمّة لا تحسن المعاملة مع الله ولا تقدّس شعائره، كيف تكون صادقة في الحرب، أو في التعليم أو في الحضارة أو في الإدارة وهي لا تحسن الاتصال بربها في صلاة فرضها الله عليها.
حيث لا نجد في المجتمع حثًا وتشجيعًا كافيًا على أداء صلاة الجماعة، فالكتابات حولها قليلة، والخطباء نادرًا ما يتعرضون لفضل صلاة الجماعة ولحثّ الناس على المواظبة عليها. بل إنَّ الكثير من الخطباء والشخصيّات التي تتصدّى للحديث الديني على الفضائيّات، والخطباء السياسيون الذين يستعينون بالثقافة الدينية نادرًا أن يرى الناس حضورهم في المساجد فضلًا عن مواظبتهم على صلاة الجماعة فيها، ومن هوان الدنيا على الله أن أكثر طلاب العلوم الدينية أيضًا على هذا المنوال في ما عدا تصدّيهم للإمامة، وكأن طالب العلم لا صلة له بهذه الشعيرة إلّا إذا كان إمامًا وليس مأمومًا، فرحم الله القائل:
أرى التفكير أدركه خمول ولم تبق العزائم في اشـتعالِ
وأصبح وعظكم من غير نور ولا سحر يطل من المقالِ
وجلجلة الأذان بكل حي ولكن أين صوتٌ من بلالِ
منابركم علت في كل ساح ومسجدكم من العباد خالِ
(96)هناك قسم من المسلمين يستثقل الذهاب إلى صلاة الجماعة، لأنّها تأخذ جزءًا من وقته، وتصرف شيئًا من جهده، فيرى صلاته منفردًا في البيت أسهل وأيسر، مع أنّ الوقت والجهد اللذين تستلزمهما صلاة الجماعة محدود ضئيل، وهو يصرف أضعاف ذلك الوقت والجهد على سائر شؤون حياته من الكماليّات والرفاهيّات. كم تأخذ صلاة الجماعة من أوقاتنا، في مقابل ما نُضيّعه في الأكل والشرب والنوم والمرح، إنّها دقائق معدودة، ألا يستحقّ صرفها لمناجاة الله تعالى، والوقوف بين يديه والاتصال به جلّ شأنه، فهل استغنيت عن الله يوم أن قطعت الصِلة بينك وبينه؟
واعلم أيّها القارئ الكريم: أنّ الله أمر نبيّه المصطفى صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأمّته بصلاة الخوف جماعة في حال الحرب، وهو وقت عصيب، يواجه المسلمون فيه عدوّهم، فقال عَزَّتْ آلاَؤُه: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ (النساء: 102)، فهل تظنّ يا أخي الحبيب أنَّ صلاة الجماعة تجب على هؤلاء في هذه الظروف الحالكة، ولا تجب على رجل يتقلّب في فراشه الناعم آمنًا مطمئنًّا معافى؟!
فيا أخي المسلم حافظ على صلاة الجماعة، وكن من عمار بيوت الله، وبادر لحضور المسجد، ففي ذلك الأجر العظيم، والخير الكثير في الدنيا والآخرة، وإياك والكسل في عبادة عظيمة، هي من أشرف
العبادات وأفضل الطاعات، وستجد إن شاء الله ثواب صلاتك، ومحافظتك على الجماعة وأنت أحوج ما تكون إليه.
قال الله العظيم في كتابه الكريم: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 97)، المشي لأداء الصلاة جماعةً من الأعمال الصالحة ومن أعظم الطاعات والقربات، وقد ثبت في ذلك فضائل عظيمة وكثيرة، منها: ما رواه الإمام الباقرعليهالسلام أنّ النَّبِيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم قال لجبرئيل عليهالسلام : «يا جبرئيل أيّ البقاع أحبّ إلى الله تعالى؟ قال: المساجد، وأحبّ أهلها إلى الله أوّلهم دخولاً وآخرهم خروجاً منها».
وفي وصية النَّبِيّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم لصاحبه الجليل أبي ذر الغفاري رضوان اللَّه عليه: «يا أبا ذر طوبى لأصحاب الألوية يوم القيامة يحملونها فيسبقون الناس إلى الجنة، ألا وهم السباقون إلى المساجد بالأسحار وغير الأسحار...».
وفي رواية أخرى عن النَّبِيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال: «أمّا الجماعة فإنّ صفوف أمّتي كصفوف الملائكة، والركعة في الجماعة أربع وعشرون ركعة، كلّ ركعةٍ أحبُّ إلى الله عزّ وجلّ من عبادة
أربعين سنة، فأمّا يوم الجمعة فيجمع الله فيه الأوّلين والآخرين للحساب، فما من مؤمن مشى إلى الجماعة إلّا خفَّف الله عليه أهوال يوم القيامة، ثمّ يُأمر به إلى الجنّة».
صغر خطاك إذا غدوت لمسجد
فلربما غفرت ذنوبك بالخطى
تمشي ومشيك للمساجد قربة
تسمو بشأنك للجنان وللتقى
لا يخفاكم أنّ الله جلَّ وعلا رتّب على وجود المساجد أجورًا عظيمة، وخيرات عميمة، وعَظّم منزلة المشَّائين إليها، فجعل سبحانه المشي إليها سبيلًا لرفعة الدرجات، فقد روى أهل البيت عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «قال الله تبارك وتعالى: ألا إنّ بيوتي في الأرض المساجد، تُضيء لأهل السماء كما تُضيء النجوم لأهل الأرض، ألا طوبى لمن كانت المساجد بيوته، ألا طوبى لعبدٍ توضّأ في بيته ثم زارني في بيتي، ألا إنّ على المزور كرامة الزائر، ألا بشّر المشّائين في الظلمات إلى المساجد بالنور الساطع يوم القيامة».
وقوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : «بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور الساطع يوم القيامة» هذا لأنهم مشوا في الظلام، وهذا إنما يكون في صلاة الفجر وصلاة العشاء، ولهذا جاء أن هاتين الصلاتين هما أثقل الصلاة على المنافقين، وفيهما ما فيهما من التعب والنصب، ولهذا يجازي الله عَزَّ وَجَلَّ المشائين في الظلمات بأن يجعل لهم نورًا تامًّا يوم القيامة يبصرون به ويمشون به، والجزاء من جنس العمل، والعبد أحوج ما يكون إلى ما ينور له طريقه ويهديه سبيله، والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (النور: 40).
لذلك تذكر أخي المؤمن أن كل إنسان يخطو، ولكن خطوتك في اتجاه المسجد شأنها عظيم عند الباري سبحانه، فهي خطوات إلى إقامة ذكر الله، ومشية لتلبية ندائه، واستجابة أمره، رغبة في فضله، وخوفًا من بطشه، وحبًّا لذاته وصفاته، فحضورنا إلى المسجد لأداء الصلاة مع الجماعة إنما هو عمارة لبيوت الله والمطلوب منا جميعًا أن نحافظ على هذه الصلاة مع الجماعة لتكون لنا نورًا وبرهانًا يوم القيامة، ولا ننسى بالأخص صلاة الفجر، فإن البعض من الناس اليوم يطيعون الشيطان من حيث يشعرون، ومن حيث لا يشعرون، تراهم قد أطاعوا هواهم، فقلَّ ورعهم، وضعف إيمانهم، فلا يحرصون على حضور صلاة الفجر مع الجماعة، وقد روي عن سبط رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم مولانا الإمام الحسن عليهالسلام أنه قال:
«الْغَفْلَةُ تَرَكُكَ الْمَسْجَد وَطَاعَتُكَ الْمُفْسِدَ».
وهذه الغفلة والطاعة المذمومة تجعل القوم يتذرعون بحجج، وأعذار أوهي من بيت العنكبوت، وهم بصنيعهم هذا قد آثروا حب النفس وحب النوم على حب الله ورسوله، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (التوبة: 24).
وروى محمد بن مروان عن الإمام الصادق عليهالسلام أنه قال: «ومن مشى إلى المسجد، لم يضع رجله على رطب ولا يابس، إلا سبّحت له الأرض إلى الأرضين السابعة».
إنّ بين الصفوف تفاضلًا، وأفضلها كما جاء في الروايات الصفّ الأوّل، فعن الإمام محمد الباقرعليهالسلام قال: «أفضل الصفوف أوّلها، وأفضل أوّلها ما دنا من الإمام».
ولا تستغرب أخي القارئ ممّا أعدّ الله من خيرات كثيرة لعمّار المساجد، والمهتمين بالصلاة فيها، والمبادرين
المتسابقين إلى الصفوف الأولى فيها، فهذه بيوت الله جل وعلا، قد رفع منزلتها وجعلها مهابط رحمته ومتنزل ملائكته، وتكفل الله جل وعلا على لسان نبيّهِ برفعة درجات عُمارها وتكفير خطاياهم، بل عدهم من المجاهدين في سبيل الله، وقد جاء في الرواية عن الإمام الكاظم عليهالسلام: «إنّ الصلاة في الصفّ الأوّل كالجهاد في سبيل الله عزّ وجلّ».
وتصور أنّك تُشاهد في التلفاز صورة لمصلّين في جماعة غير منتظمة الصفوف، وصورة أخرى لمصلّين في صفوف منتظمة يتوحّد قيامهم وركوعهم وسجودهم، فأيّ الصورتين أفضل؟
لا شكّ أنّ الثانية أحسن من الأولى، وتنقل صورة حضاريّة عن أمّة منظّمة راقية، ولهذا جاء في الروايات تأكيد على أهمّية رصّ الصفوف وانسجامها في صلاة الجماعة, ومنها ما رواه الإمام الباقر عن آبائه عليهمالسلام: «قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: سوّوا بين صفوفكم، وحاذوا بين مناكبكم لا يستحوذ عليكم الشيطان».
صلاة الجماعة من علائم الخير
جاء في الرواية الواردة عن الإمام الباقرعليهالسلام قال: «قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: من صلّى الخمس في جماعة فظنّوا به خيرًا».
وفي رواية أخرى عن الإمام الصادق عليهالسلام: «من صلّى الغداة والعشاء الآخرة في جماعة فهو في ذمّة الله عزّ وجلّ، ومن ظلمه فإنّما يظلم الله، ومن حقّره فإنّما يحقّر الله عزّ وجلّ».
هذا من مضمون ما روي عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «إنّ الله يستحيي من عبده إذا صلّى في جماعة ثمّ سأله حاجته أن ينصرف حتّى يقضيها».
روي في الخبر أنّ ضريرًا جاء إلى النَّبِيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم، فقال له: «يا رسول الله أنا ضرير البصر وربما أسمع النداء، ولا أجد من يقودني إلى الجماعة والصلاة معك»، فقال له النَّبِيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم: «شدَّ من منزلك إلى المسجد حبلًا واحضر الجماعة».
وقال أمير المؤمنين عليهالسلام: «ليس عمل أحب الى الله عَزَّ وَجَلَّ من الصلاة، فلا يشغلنكم عن أوقاتها شيء من أمور الدنيا، فان الله عَزَّ وَجَلَّ ذم أقواماً، فقال: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (الماعون: 5)، يعني: أنهم غافلون استهانوا بأوقاتها».
لا ريب أنَّ المصلّي في المسجد مع الجماعة يُحصل عوائد يقل نظيرها في بقية العبادات يشهد لذلك كم كبير من الروايات الشريفة الواردة عن النَّبِيّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم والأئمّة من أهل بيته عليهمالسلام والصحابة النجباء رضوان الله عليه، ومن ذلك ما رواه الإمام الصادق عن آبائه عليهمالسلام عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من صلّى المغرب والعشاء الآخرة وصلاة الغداة في المسجد في جماعة، فكأنّما أحيا الليل كلّه».
ومن حديث سلمان رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: «المسجد بيت كلّ تقيّ، وقد ضمن الله عزّ وجلّ لمن كان المساجد بيوته الروح والرحمة والجواز على الصراط».
وتزداد عظمة صلاة الجماعة في المسجد ويزداد ثوابها، وقد ورد الحثّ عليها في الأحاديث الشريفة ومن ذلك قول النَّبِيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم: «يا أبا ذرّ، يقول الله تبارك وتعالى: إنّ أحبّ العباد إليّ المتحابّون بجلالي، المتعلّقة قلوبهم بالمساجد، والمستغفرون بالأسحار، أُولئك إذا أردتُ بأهل الأرض عقوبة ذكرتهم فصرفت العقوبة عنهم».
وكذلك ما رواه الأصبغ بن نباتة عن الإمام علي عليهالسلام قال:
«وإنّ الله عزّ وجلّ ليهمّ بعذاب أهل الأرض جميعًا حتى لا يُحاشي منهم أحدًا، فإذا نظر إلى الشُّيّب ناقلي أقدامهم إلى الصلوات، والولدان يتعلّمون القرآن رحمهم الله، فأخّر ذلك عنهم».
ولا يغيبن عنك أيضًا قول إمامك أمير المؤمنين عليهالسلام: «إنَّ الله تعالى إذا أراد أن يُصيب أهل الأرض بعذاب، قال: لولا الّذين يتحابّون بجلالي، ويعمرون مساجدي، ويستغفرون بالأسحار، لأنزلتُ عذابي».
فيا أخي المسلم حافظ على صلاة الجماعة، وكن من عُمّار بيوت الله، ففي ذلك من الأجر العظيم، والخير الكثير ما فيه شرف الدنيا والآخرة، وكن أيها العزيز من أوتاد المسجد الذين تفتقدهم الملائكة إذا غابوا وتسأل عنهم وتزورهم في مرضهم، وتكون عوناً لهم عند الشدّة، فقد روي عن خَاتَم النَّبِيِّين عليهمالسلام أنّه قال: «إنّ للمساجد أوتاداً الملائكة جلساؤهم، إذا غابوا افتقدوهم، وإن مرضوا عادوهم، وإن كانوا في حاجة أعانوهم».
ونعني به أن يفرغ القلب عن غير ما هو ملابس له ومتكلّم به، فيكون العلم بالفعل والقول
مقرونًا بهما، ولا يكون الفكر جاريًا في غيرهما، ومهما انصرف الفكر عن غير ما هو فيه، وكان في قلبه ذكر لما هو فيه، ولم يكن فيه غفلة عنه، فقد حصل حضور القلب.
ما أكثر الشواهد التي جاءت في الأحاديث الشريفة والتي تدل على أنَّ المصلي كلّما حافظ على صلاته أكثر وأقامها بشروطها، وكان حاضر القلب خاشعًا فيها، كلّما ازدادت صِلته بالله سبحانه، وقربه منه، وعند ذلك فليبشر بعلو الدرجات وعظيم الخيرات، والمطلوب من المصلي كمرحلة أولى الالتفات التام إلى صلاته وإلى ما يقول فيها، والتوجّه نحو حضرة المعبود جلّ جلاله، واستشعار عظمته وجلال هيبته، قال الإمام الصادق عليهالسلام: «إذا أحرمت في الصلاة فأقبل إليها؛ لأنّك إن أقبلت أقبل الله إليك، وإن أعرضت أعرض الله عنك، فربما لا يرفع من الصلاة إلا ثلثها أو ربعها أو سدسها بقدر ما أقبل المصلِّي إليها، وإنّ الله لا يُعطي الغافل شيئًا».
من المحقّق عند أهل الإيمان أنّ الذي ينتفع بكلّ خير هو
الذي يعمل ليجعل نفسه طيّعة لقبول الأوامر الإلهية والعمل بها، ومن هؤلاء من إذا قام إلى الصلاة قد أخذ قلبه ووضعه بين يدي ربّه عزّ وجلّ ناظرًا بقلبه إليه ممتلئًا من محبّته وعظمته كأنّه يراه، وقد اضمحلّت تلك الوساوس وارتفعت حجبها بينه وبين ربّه، فهو في صلاته مشغول بربّه عزّ وجلّ قرير العين به، ومن قرّت عينه بصلاته في الدنيا قرّت عينه بقربه من ربّه عزّ وجلّ في الآخرة، والصلاة خير صِلة تصل العبد بربّه بالأبكار والآصال، والليالي الطوال، وجدير بمن كان متّصلًا بربّه أن ينسى كلّ شيء دونه، وأن يكون حين الاتصال حاضر القلب خاشعًا قانتًا مطمئنًا مستريحًا، فإن الصلاة راحة لقلوب الصادقين لما يجدون فيها من اللذّة والأنس بربّهم ومعبودهم ومحبوبهم، ومن عرف حقيقة الصلاة، وفائدتها وثمراتها صيّرها أولى أولياته وترك كل شيء يشغله عنها، ومن كان كذلك تجده منتظرًا لها مشتاقًا إليها حاضر القلب ينتظر تلك الساعة بغاية الشوق حتى إذا بلغها ظفر بمطلوبه، واتصل اتصالًا كاملًا بمحبوبه، قال إمامنا السجّاد زين العابدين عليهالسلام: «...، ولولا أنّ لأهلي عليّ حقًّا ولسائر الناس من خاصّهم وعامّهم عليّ حقوقًا لا يسعني إلّا القيام بها حسب الوسع والطاقة حتّى أؤدّيها إليهم، لرميتُ بطرفي إلى السماء وبقلبي إلى الله ثمّ لم أردهما حتّى يقضي الله على نفسي وهو خير الحاكمين ...، وبكى عليهالسلام».
إنّ الصلاة التي يُريدها الإسلام هي التي تُمثِّل المعراج الروحي للمؤمن، حيث تعرج به روحه كلّما قام مصلّيًا في فريضةٍ أو نافلة، منتقلة من عالم المادّة إلى عالم السموّ والصفاء والطهر والنقاء، وفي ذلك مصدر السعادة والسرور، ومبعث الطمأنينة والحُبور، ولأنّ الشيء قد يُعرف بنقيضه. نقول: لمّا استحكم ضعف الإيمان في نفوس كثيرٍ من المسلمين، وملأ حبّ الدنيا والتنافس فيها قلوبهم، وتباعدوا عن آثار النبوّة، وقلّت رغبتهم في الدار الآخرة، صاروا يؤدّون هذه الصلاة بقلوب ساهية لاهية، وعلى غير الوجه الشرعي للصلاة، حتى ابتُلي كثيرٌ منهم، بهدم بعض أركانها كالطمأنينة مثلًا، وأصبح يُحاكي الريح في سرعته، والغراب في نقره، وحدِّث اليوم ولا حرج عن عدم خشوع المصلّين الذين جعلوا الصلاة محلًا للهواجس والخواطر، لا تُرى آثار الصلاة عليهم، لا يتأدّبون بآدابها، ولا يلتزمون بأركانها وواجباتها، صلاتهم صورية عادية؛ لإخلالهم بلُبِّها وروحها وخشوعها، يصلُّون جسدًا بلا روح، وبدنًا بلا قلب، وحركاتٍ بلا مشاعر وأحاسيس، صلاتهم مرتعٌ للوساوس والهواجس، يأتي الشيطانُ أحدَهم وهو في صلاته فيجعله يصول ويجول في مجالات الدنيا، يتحرّك ويتشاغل، يستطيل ويتثاقل، ويلتفت بقلبه وبصره إلى حيث يريد، فينفتل من صلاته ولم يعقل منها شيئًا، بل لعلّ بعضَهم لا يعقل منها
(108)إلا قليلًا، ولا مخلص من ذلك، إلا بخلوص النوايا وتوجيهها إلى الإقبال على الله، وصدق اللجوء إليه، وإحضار القلب، والتخلّص من مشاغل الدنيا، والاستعانة بالله، والاستعاذة به من الشيطان الرجيم، وبتمام الطهارة والخشوع والطمأنينة، وسائر الأركان والواجبات، وانجاز العمل وفقًا لتوجيهات خَاتَم النَّبِيِّينَ وأهل بيته الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين.
وهمسة في أذن كلّ مغترٍّ بنفسه، مضيّعٍ لفرضه، بأن يتّقي الله عزّ وجلّ، ويؤدّي هذه الفريضة بحضور القلب، واستحضار الخشوع والرهبة، فالآجال محدودة، والأنفاس معدودة، اليوم عملٌ ولا حساب، وغدًا حسابٌ ولا عمل.
واعلموا أنَّه لا يُمكن للمصلّي أن يطوي أيّ طريق من طرق معراج الصلاة، إلّا بالبدء بالآداب الظاهرة للصلاة، وما لم يتأدّب المصلّي بآداب الصلاة، وينتهي عمّا نهت عنه، فلن يتحصل على شيء من معرفة حقيقة الصلاة وثمرات تلك المعرفة، وفي آداب القيام للصلاة جاء عن الإمام الرضاعليهالسلام: «فإذا أردت أن تقوم إلى الصلاة، فلا تقم إليها متكاسلًا ولا متناعسًا، ولا مستعجلًا ولا متلاهيًا، ولكن تأتيها على السكون والوقار والتؤدة، وعليك الخشوع والخضوع، متواضعًا لله عزّ وجلّ متخاشعًا، عليك الخشية، وسيماء الخوف راجيًا بالطمأنينة على الوجل والحذر، فقف بين يديه كالعبد الآبق المذنب بين يدي مولاه، فصف قدميك وانصب نفسك، ولا تلتفت يمينًا وشمالًا، وتحسب
(109)كأنّك تراه، فإنْ لم تكن تراه، فإنّه يراك...».
أيها المسلم إنّك بين أهل الدنيا لا تدخل على أصحاب الشأن فيها إلّا بالوقار والسكينة، والتواضع لله تعالى أولى من التواضع للخلق، وهذه سنّةٌ أمرنا بها النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم، وأهل البيت عليهمالسلام، ففي الرواية عن إمامنا الصادق عليهالسلام قال: «إذا قمت إلى الصلاة إن شاء الله، فأْتِها سعيًا، ولتكن عليك السكينة والوقار، فما أدركت فصلِّ وما سبقت به فأتمّه، فإنّ الله عزّ وجلّ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ (الجمعة: 9).
واعلم وفقك الله لكل خير أنَّ للصلاة حقًّا عظيمًا وعلى المصلي مراعاة هذا الحقّ، قال أمير المؤمنين عليهالسلام: «من أتى الصلاة عارفًا بحقّها غُفر له».
ولمعرفة حقّ الصلاة يتوجّب علينا الاصغاء لصاحب رسالة الحقوق الإمام السَّجاد زين العابدين عليهالسلام، والذي يتفضّل علينا بالبيان، فيقول: «وحقّ الصلاة أن تعلم أنّها وفادة إلى الله عزّ وجلّ، وأنّك فيها قائم بين يدي الله، فإذا علمت ذلك قمت مقام الذليل الحقير الراغب الراهب الراجي الخائف المسكين المتضرّع المعظِّم لمن كان بين يديه بالسكون والوقار، وتُقبل
عليها بقلبك، وتُقيمها بحدودها وحقوقها».
لا يُمكن أن تتكشّف للمصلي أسرار عبوديّته لله تعالى، وتظهر له أنوار المعارف في قلبه إذا لم يواظب على الاستمرار في التأدّب بالآداب الشرعية، فإنْ كان من أهل الحرص على ذلك عندها يتمكّن الإنسان من إصلاح صورة صلاته، والسبق برفع لوائها إلى الله تعالى بيضاء نقيّة لتحقّق له معراج الوصول، ففي وصيّة النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم لأبي ذر الغفاري رضوان اللَّه عليه: «يا أبا ذر طوبى لأصحاب الألوية يوم القيامة يحملونها فيسبقون الناس إلى الجنّة، ألا وهم السبّاقون إلى المساجد بالأسحار وغير الأسحار..».
مقامُ الخشوعِ هو القلب، والقلب في الانسان مضغة إذا هي سلمت وصحت سلم بها سائر الجسد، فإذا سقمت سقم بها سائر الجسد وفسد كما جاء في الحديث النبويّ الشريف،
ولأنّ تحقيق الخشوع لله يُعدّ من موجبات الفلاح يتوجّب على المصلّي أن يكون حاضر القلب عند أداء الصلاة، فإن كان كذلك وأقبل على الله تعالى في صلاته، خشَع قلبه وخشعَت
لله جوارحه، وهذا لا يكون بالفتور وإنّما بالحضور، والحضور يحتاج من العبد إلى جدٍّ واجتهاد في العمل على أن يكون قلبه طيّبًا طاهرًا من الأدناس، فإنّ الأمر كما قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «إذا طاب قلب المرء طاب جسده، وإذا خبث القلب خبث الجسد».
وقال إمامنا الصادق عليهالسلام: «اعلم: أنّ منزلة القلب من الجسد بمنزلة الإمام من الناس الواجب الطاعة عليهم، ألا ترى أنّ جميع جوارح الجسد شرط للقلب وتراجمة له مؤدّية عنه».
ولمّا كانت صلاة المؤمن السائر في طريق الكمال مقرونة غالبًا مع حضور القلب، فيكون قلبه بمنزلة الإمام، وحواسه وجوارحه بمنزلة المقتدين والأمر كما روي عن النبيّ: «لو خشع قلبه لخشعت جوارحه».
وقال الصادق عليهالسلام: «فإذا دخلت في صلاتك فعليك بالتخشّع والإقبال على صلاتك، فإنّ الله عزّ وجلّ يقول: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾».
من المحقّق أنّ قيمة الصلاة بحضور القلب، وليس للمصلّي من صلاته إلا ما أقبل عليها بقلبه، وقد دلّت الروايات الشريفة على ذلك. منها الحديث النبويّ المرويّ عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «كم من قائم حظّه من قيامه السهر». وقول أمير المؤمنين عليهالسلام: «لا يقبل الله دعاء قلب لاه».
وقال الإمام الباقرعليهالسلام: «إذا قمت للصلاة، فعليك بالإقبال على الله، فإنّما لك من الصلاة ما أقبلت عليه بقلبك».
وذكر الإمام الصادق عليهالسلام أعظم عوائد الإقبال، فقال: «ليس من عبد مؤمن يُقبل بقلبه على الله عزّ وجلّ في صلاته ودعائه إلا أقبل الله عزّ وجلّ عليه».
فالفائدة التي يجنيها المصلّي من صلاته هي الإقبال على الله، والذكر، وانفتاح القلب للتوجه إلى الله، والإحساس بالحضور بين يدي الله تعالى قائمًا وراكعًا وساجدًا. وكلّما كان حظّ الإنسان من هذا الإحساس أكثر كانت صلاته أقرب إلى القبول، ولا ينكر مسلم أنَّ للعبادات الأثرُ الطيب في الحياة الدنيا قبل الحياة الآخرة، أليست الصلاة المقرونة بحضور
القلب وعمارته بجلال الله تنهي عن الفحشاء والمنكر، وتكف يد صاحبها عن أن يعمل سوءاً فتحميه من جرائم شأنها أن تجره إلى عقوبات بدنية أو مالية؟
وفي هذا الشأن الجليل (حضور القلب والخشوع في الصلاة) ينصح المصلّي بعدّة أمور، منها على سبيل المثال:
على العابد أن يُحصّل الخشوع بنور العلم أي أن يتعرّف إلى العقائد الحقّة المتعلّقة بالله تعالى وأسمائه وصفاته، والتي توجب الاعتقاد بكونه صاحب العظمة المطلقة التي لا تُقارن، وتستوجب بالتّالي الاعتقاد بأنّه الوحيد الذي يستحقّ الخضوع، والذي لا يُمكننا الحضور في محضره إلا، ونحن مغمورون بحالة الخشوع بشكلٍ حتميٍّ وتلقائيٍّ، فيجسُن بالعابد أن يُذكّر القلب على الدوام بالعقائد الحقّة، وبعظمة الله ويعمل بمقتضى هذه الاعتقادات حتى يؤمن القلب بهذه الحقائق، ويدخل الخشوع شيئًا فشيئًا إلى قلبه، وعلى المصلّي أن يُدرك أنّه لن يتمكّن بدايةً من تحصيل حالة الخشوع في جميع صلاته من أوّلها إلى آخرها، ولذلك عليه أن لا ييأس بل أن يفهم أن الأمر ممكنٌ جدًّا مع الممارسة والمجاهدة القلبيّة.
(114)
إنّ الاشتغال باللغو والتكلّم به من العوامل الاختياريّة للوقوع في الغفلة والنسيان. فاللغو يُضعف إرادة الإنسان في المحافظة على القيم الإنسانيّة والإسلاميّة، ويسلب منه توفيق الذكر وحضور القلب في الصلاة، في حين أنّ حضور القلب في الصلاة يعد من أسس القيم المذكورة، والشخص الّذي يُوفَّق إلى حضور القلب الكامل في الصلاة لا يجتنب الذنب فحسب، بل يجتنب أعمال اللغو كلّها. ولعلّ تقارُن الإعراض عن اللغو مع الخشوع في الصلاة (في سورة المؤمنون) إشارة إلى هذه النقطة، قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ (المؤمنون: 1-3).
والمتدبر في هذه الآية يلاحظ عظيم كرامة أهل الإيمان عند الله تعالى، فإنّه جلّ شأنه لمّا وصفهم بالخشوع في الصلاة أتبعه بوصفهم بالإعراض عن اللغو ليجمع لهم الفعل والترك، وقال عزّ وجلّ في سورة الفرقان: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ (الفرقان: 72). أي: إذا مَرّ على مسامعهم الكلام السيء أكرموا أنفسهم عن الدخول فيه، واعلم أنّ اللغو قد يكون كفرًا كقول عتاة قريش: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (فصلت: 26)، وقد يكون كذبًا لما جاء في قوله تعالى: ﴿لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾ (الغاشية: 11)، وقوله جلّ شأنه: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا﴾ (الواقعة: 25).
ولمّا كانت الدنيا أكبر هم الناس فإنّها لا محالة تُشغلهم عن صلاتهم وتصرفهم عنها، فإذا أقبل الإنسان على صلاته يبقى قلبه مشغولًا بما يهمّه من أمر دنياه، وهذه قضية واضحة، فإنّ الإنسان إذا واجه أمرين وكان اهتمامه موجّهًا إلى أحدهما أعظم من توجهه إلى الآخر انصرف إليه بقلبه، وإن كان مشغولًا بالآخر.
وإنّما ينصرف الناس عن صلاتهم إلى ما ما يظنون أنه يهمّهم من أمور دنياهم لأنّ اهتمامهم بها أعظم من اهتمامهم بالصلاة. فإذا وعى الإنسان قيمة الصلاة، وما أودع الله تعالى في هذه الرحلة من مباهج ولذّات للعقل والروح، ومن الثواب في الآخرة، ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (الأعلى: 17). انقلب الأمر لا محالة، وانصرف إلى صلاته وذكره. ولم تؤثّر به شواغل وموانع حضور القلب، وموانع حضور القلب في العبادات هي كلّ ما يستدعي غفلة القلب عن محضر العبادة ويُذهله عن معاني حركات وأذكار العبادات ويحظره بعيدًا عن الحضور في موعد لقاء المعبود عزّ وجلّ. والموفقون لهم أسوة بسبط النبيّ المؤتمن مولانا الإمام الحسن عليهالسلام فإنه قال: «إنَّ اللهَ عزّ وجلّ أقربُ إلَيَّ مِن أن يحظُرَ، فيما بَيني، وبينهُ أحد».
ومن المسلم به أن تحضير القلب يتمّ بتحويل الاهتمامات، وإذا تمكّن الإنسان أن يُحوّل اهتمامه من الدنيا ومتاعها إلى
الله تعالى، وجعل اهتمامه للدنيا تبعًا لمرضاة الله تعالى وأمره ونهيه كانت صلاته كلها إقبالًا على الله، وانقطاعًا إليه، وذكرًا له تعالى. قال أمير المؤمنين عليهالسلام «إنّ الله سبحانه وتعالى جعل الذّكر جلاء للقلوب».
والمراد بالذّكر هنا مطلق الذكر من التسبيح والتهليل والتّحميد والدّعاء والمناجاة وتلاوة الكتاب الكريم ونحوها، فإنّ المداومة عليها باللّسان مع حضور القلب وتوجّهه إليها توجب صفاء القلب ونوره وجلائه وطهارته ونقائه من ظلمة الذّنوب ورين المعاصي فيصير كالمرآة المجلوّة الّتي ليس عليها شيء من الكدر، وما لم يحول الإنسان اهتماماته من (ماذا أريد أنا) «الأنا» إلى (ماذا يُريده الله منّي) «الله»، ومن «الدنيا» إلى «الآخرة». لا يتمكّن من أن يؤدّي الصلاة أداءً حسنًا، بالإقبال والذكر.
لا علاج لإحضار القلب إلا بالابتعاد عن الغفلة، وبصرف الهمّة إلى الصلاة قولًا وفعلًا، قال الإمام الصادق عليهالسلام : «إنّ الله عزّ وجلّ لا يستجيب دعاءًا بظهر قلب ساه، فإذا دعوت، فأقبل بقلبك، ثم استيقن بالإجابة».
والهمّة لا تنصرف إلى الصلاة ما لم يتبيّن للمصلي أنّ الغرض
المطلوب منوط بأهداف الصلاة والإيمان والتصديق بأنّ الآخرة خير وأبقى، وأنّ الصلاة وسيلة إليها، فإذا أُضيف هذا إلى حقيقة العلم بحقارة الدنيا ومهمّاتها حصل من مجموعها حضور القلب في الصلاة، وما دام القلب متعلّقًا، ومنغمسًا في حبّ الدنيا فالطريق لإصلاح القلوب مسدودٌ، وباب جميع السعادات مغلقٌ في وجه الإنسان. والسبب في ذلك أنّ القلب يتوجّه إلى محبوبه بمقدار تمكّن حبّه منه، فإن كانت الدنيا هي محبوبته وقد استحوذت عليه فإنّها تأخذ بعنايته في كافّة حالاته، وتُشغله بفتنتها، وتبقى هذه الشواغل تُلاحقه، وتُطارده، وهو يستسلم لها في صلاته، فالقلب معلّقًا بها، وبالتّالي لا يستطيع أن ينصرف إلى ذكر الله تعالى، والشواغل التي تتعلّق بها
شواغل خارجية، وأخرى داخل النفس، والثانية أشقّ من الأولى، أمّا الشواغل الخارجية فهي ما تُحيط بالإنسان وتُشغل باله، وأضّر منها الشواغل الداخلية في النفس، وهي التي تُشغل المصلّي عن صلاته وذكره، وتُشتّت فكره، وتُكدّر صفاء نفسه، وتُرهقه بالطمع والحسد والجشع وطول الأمل، وكلّ ذلك عوامل تُعيق الإنسان عن صلاته، وتُشغله عنها الشواغل، «فتأسّ بنبيّك الأطيب الأطهرصلىاللهعليهوآلهوسلم، فإنّ فيه أسوة لمن تأسّى، وعزاء لمن تعزّى، وأحبّ العباد إلى الله المتأسّي بنبيّهِ، والمقتصّ لأثره». هكذا
(118)نّصح الإمام أمير المؤمنين، وقال عليهالسلام : «لقد كان صلىاللهعليهوآلهوسلم يأكل على الأرض، ويجلس جلسة العبد، ويخصف بيده نعله، ويرقع بيده ثوبه، ويركب الحمار العاري، ويردف خلفه، ويكون السّتر على باب بيته، فتكون فيه التّصاوير، فيقول: يا فلانة لإحدى أزواجه غيّبيه عنّي، فإنّي إذا نظرت إليه ذكرت الدّنيا وزخارفها. فأعرضَ عن الدّنيا بقلبه، وأماتَ ذكرها من نفسه، وأحبّ أن تغيب زينتها عن عينه، لكيلا يتّخذ منها رياشًا، ولا يعتقدها قرارًا، ولايرجو فيها مقامًا، فأخرجها من النّفس، وأشخصها عن القلب، وغيّبها عن البصر، وكذلك من أبغض شيئًا أبغض أن ينظر إليه، وأن يُذكر عنده».
طالما أكّد النبيّ الأعظم وأئمّة أهل البيت عليهمالسلام على أنّ العديد من أشكال الخشوع التي يدّعيها بعضنا ليست من نوع الخشوع الحقيقي، ولذلك كانوا يدعوننا دائمًا لتصحيح علاقتنا مع الله سبحانه وتعالى والعمل على تحصيل الخشوع الصادق، ونحن مع أنّنا نُصلّي كلّ يومٍ خمس مرّات ومنذ ربيع أعمارنا، إلّا أنّنا لم نستشعر الخشوع المطلوب في صلاتنا رغم علمنا بأنّ الله تعالى يقول في كتابه المجيد مادحًا المؤمنين: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (المؤمنون:
1-2)، فالرب تبارك وتعالى جعل الخشوع في الصلاة من حدود الإيمان وعلائمه، فمن لم يكن خاشعًا في الصلاة فهو خارج زمرة أهل الإيمان طبقًا لما قاله الله تعالى شأنه.
من أجل تحصيل الخشوع لِذِكرِ اللَّه وما نَزَلَ مِنَ الحقِّ لا بدّ للعابد من سلوك طريق العلم والإيمان، فإنْ كان الخشوع ناتجًا عن إدراك عظمة العظيم المطلق وهيمنة هذه العظمة على قلب الإنسان، فإنّ إدراك هذه العظمة لمن هم أمثالنا يتأتّى عن طريق العلم بها وإيصال هذا العلم إلى القلب لتحقيق الإيمان بها، ... والحقّ أنّ العلم بمفرده لا يوجد خشوعًا في القلب، وكلّ فردٍ منا يعلم ذلك، فمع أننا معتقدين بالمبدأ والمعاد، ومع اعتقادنا بعظمة الله وجلاله، فإنّنا لا نتذوّق طعم الخشوع الصادق في قلوبنا، وما ذلك إلا لأنّ ما علم به العقل لم يصل إلى القلب، ولم ينطوِ على الإيمان به، وهذا يؤكد أن هناك حلقة مفقودة بين العقل والقلب لم نوليها الإهتمام الكافي، ولمعرفة هذه الحلقة المفقودة يتوجب علينا أن نسأل سؤالًا يطرح نفسه بقوة في هذا الشأن، وهو: كيف يصل ما علم به العقل إلى القلب؟
تكلم الكثير من العلماء والحكماء والفلاسفة عن هذا الموضوع وكل منهم أدلى بدلوه للإجابة على هذا السؤال، ولكننا في هذا المضمار لم نذق شربةً أنقع لغليل، ولا أنجح لعليل، من سلسال منهل عليٍ السلسبيل، فقد قال أمير المؤمنين عليهالسلام :
«العقول أئمّة الأفكار، والأفكار أئمّة القلوب، والقلوب أئمّة الحواسّ، والحواسّ أئمّة الأعضاء».
نعم إنّ الأفكار هي ما تحتويه العقول، وهي أئمّة القلوب المؤثّرة فيها، فينتج عنها السلوك بكلّ أنواعه وأشكاله، وما أظنّ في لغات البشر كلّها أدلّ على ذلك من قول الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام الذي مرَّ عليك؛ بالمحصلة إنَّ الأفكار هي التي توصل ما علم به العقل إلى القلب، ويجب علينا التسليم بأنَّ القلوب لا يمكنها أن تهتدي بدون الأفكار الحميدة الصائبة، وتحقيق حالة الخشوع وحضور القلب حال التوجّه إلى الله تعالى يكون بالعمل الدؤوب على البعد عن الأفكار السيّئة وتبنّيها، فإن كل الرذائل الخُلقية ناتجة بالمبدأ عن تبنّي الأفكار السيئة، فتدبر في كلّ الخِلال الرديئة التي تتحوّل إلى رذائل عندما يتبنّاها الإنسان، كالعُجب، والكِبر، والكذب، والغشّ، والغدر، والخيانة، والغضب، و...، فستجد أصلها ومنشأها كلّها
هي الأفكار السلبية السيّئة التي تغلغلت في النفس وترسّخت فيها، فأصبحت بالمداومة من ملكاتها.
بما أنَّ الخشوع حال حميد من أحوال النفس، فمن البديهي أن نقول: كلّما إزداد المرء معرفةً بنفسه إزداد خشوعًا، وكلّما ترقى الإنسان في معرفة نفسه أكثر، فإنّه سيترقّى في سلّم معرفة ربّه وكماله المطلق، وسيكون حينها قابلًا لأن يعرف الله أكثر فأكثر، ولا ريب أنَّ من عناوين معرفة النفس الشائعة التي لا خلاف عليها هي: معرفة مواطن قواها، وكيفية الوصول إلى هذه القوى، وهذه المعرفة ليست للاطلاع النظري أو للترف الفكري، بل هي علم يجب أن يقترن بالعمل الواعي، والهادف لسبر أغوار النفس، ومن ثم معرفة نقاط الضعف فيها، وتحديد أسبابها، واكتساب الخبرات اللازمة للتخلّص منها.
أيّها الأحبّة: إنّ أيّ سلوك مهما كان نوعه، يسبقه فكرة!! وعادة ما نُطلق على ما يسبق السلوك، أسماء كثيرة نُصنّفها ونُعطيها حدودًا وأبعادًا وكأنّها أشياء لا يُمكن معرفة أسبابها «دافع، رغبة، أماني، شعور، إرادة، إحساس، مخاوف وضعف .. إلخ».
إنَّ الأفكار تتواجد بنوعيها الإيجابي والسلبي خلف كلّ
وجّهها سبط النبيّ المصطفى إمامنا الحسن.
ورويَ عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال له: «يا أبا ذر ركعتان مقتصدتان في تفكُّرٍ خيرٌ من قيام ليلةٍ والقلب ساهٍ».
حتى نتخلص من الشواغل التي داخل النفس وبالتالي نُحّصل الخشوع المرضيّ في الصلاة لا بدّ لنا من انتهاج هذا المنهج الذي أرشدنا إليه أهل بيت النبوةعليهمالسلام ، ويا فوزنا العظيم لو صيّرناه منهجًا لمعرفة أنفسنا وجعلناه مرافقًا لنا في كل شؤون حياتنا.
قال صاحب الخُلق العظيم صلىاللهعليهوآلهوسلم: «إنَّ الله أدَّبني فأحسن تأديبي»، وإنّ من تمام كريم الأخلاق هو التأدّب مع الله ربّ العالمين، وذلك بأن يعرف العبد حقّ ربّه سبحانه وتعالى عليه فيسعى لتأدية هذا الحق، ومن مصاديق ذلك الحرص على ما أوجب الرب سبحانه عليه من الفرائض ثم يُتمّم ذلك بما يسّر الله له من النوافل، ومعلوم لدى أهل الإيمان أنَّ العبد كلّما بلغ
درجةً مرتفعةً عاليةً في العلم والفضل والتقى كلّما عرف حقّ الله تعالى عليه، فسارع إلى تأديته، وقد قال إمامنا الصادق عليهالسلام : «من عرف الله خافه، ومن خاف الله حثّه الخوف من الله على العمل بطاعته، والأخذ بتأديبه، فبشّر المطيعين المتأدّبين بأدب الله، والآخذين عن الله، أنّه حقّ على الله أن يُنجيهم من مضلّات الفتن».
وهذا مولانا أمير المؤمنين عليهالسلام يقول لكُمَيل بن زياد النخعي: «إنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أدّبه الله عزّ وجلّ، وهو أدّبني، وأنا أؤدّب المؤمنين، وأورث الأدب المكرمين»، فرحم الله عبدًا تدبر في الشمائل المجيدة والخصال الحميدة لرسول الله محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم والأئمّة الطاهرين من أهل بيته عليهمالسلام ، فتمسّك بها، واتبعهم لينال شفاعتهم يوم الفزع الأكبر ويرضى الله عنه، ونحن باستعراضنا لبعض الصور من صلاة النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم، وصلاة أخيه أمير المؤمنين، والأئمة من ولده عليهمالسلام نتمنّى أن يطمع كلّ مؤمن يستعرض ما نورده في هذا الباب في أن يقتفي آثارهم ويسلك سبيلهم، وهذا ما نرجوه من استعراض هذه الصور المشرقة من عبادتهم عليهمالسلام ، وتقديمها لكم على الرغم من أنّ الحديث عن ذلك يتطلّب مجلّدات كثيرة.
[2]- الآملي، أبو جعفر محمّد بن أبي القاسم الطبري، بشارة المصطفى، ص25.
قال الله العظيم في مُحكم كتابه وجليل خطابه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: 21)، ومعلوم عند المؤمنين أنّ فضل رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم، يُجلّ عن أن تُدركه الخواطر والأفكار، ويكبر عن أن تحيط بجمعه الروايات والأخبار، وقد قال الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام : «فتأسّ بنبيّك الأطيب الأطهرصلىاللهعليهوآلهوسلم فإنّ فيه أسوة لمن تأسّى، وعزاء لمن تعزّى، وأحبّ العباد إلى الله المتأسّي بنبيّه، والمقتصّ لأثره...».
لقد كان صلىاللهعليهوآلهوسلم يجد في الصلاة مجلّى راحته، وميدان نعيمه، حيث كانت قرّة عينه فيها، فكان ينتظر وقت الصلاة، ويشتدُّ شوقُه ويترقّب دخوله، ويقول حين يريد القيام للصلاة: «أرحنا بها يا بلال».
وكان صلىاللهعليهوآلهوسلم في كلّ أحواله، وخصوصًا عند أداء الفرائض نديّ الجفن، سريع العبرة، سخيّ الدمع، رقيق القلب، جيّاش العاطفة، تنطلق دمعته في صدق وطهر، ويسمع نشيجه في قنوت وإخبات، يترك بكاؤه في قلوب أهل بيته وأزواجه وأصحابه آثارًا من التربية والاقتداء والصلاح ما لا تتركه الخطبة البليغة والمواعظ المؤثّرة، وحبذا لو يتدبر المؤمن بما رواه الإمام
موسى بن جعفرعليهالسلام عن آبائه الكرام، عن أمير المؤمنين عليهالسلام في فضل رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فإنه قال: « كان صلىاللهعليهوآلهوسلم إذا قام إلى الصلاة سمع لصدره وجوفه أزيز كأزيز المرجل على الأثافي من شدّة البكاء، وقد أمّنه الله عزّ وجلّ من عقابه، فأراد أن يتخشّع لربّه ببكائه، ويكون إمامًا لمن اقتدى به، ولقد قام عليه وآله السلام عشر سنين على أطراف أصابعه حتى تورّمت قدماه، واصفرّ وجهه، يقوم الليل أجمع حتى عوتب في ذلك، فقال الله عزّ وجلّ: ﴿طه مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ (طه: 1-2). بل لتسعد به، ولقد كان يبكي حتى يُغشى عليه، فقيل له: يا رسول الله أليس الله عزّ وجلّ قد غفر لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ قال: «بلى أفلا أكون عبدًا شكورا..».
عن أمير المؤمنين عليهالسلام قال: «كان صلىاللهعليهوآلهوسلم يبكي حتى يبتلّ مصلاّه خشية من الله عزّ وجلّ من غير جُرمٍ».
وفي صفة صلاته صلىاللهعليهوآلهوسلم ليلة معركة بدر قال أمير المؤمنين عليهالسلام: «ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا ليلة بدر، وما فينا إلا من نام غير رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فإنّه كان منتصبًا في أصل
شجرة يُصلّي، ويدعو ويبكي حتى أصبح».
وقال: «كان صلىاللهعليهوآلهوسلم لا يُؤثر على الصلاة عشاءً، ولا غيرَه، وكان إذا دخل وقتها كأنّه لا يعرف أهلًا، ولا حميمًا».
و«كان صلىاللهعليهوآلهوسلم لا يكون في المُصلّين إلاّ كان أكثرهم صلاة، ولا يكون في الذاكرين إلاّ كان أكثرهم ذكرًا». (الحديث عن عبد الله بن مسعود).
و«كان صلىاللهعليهوآلهوسلم لا يُصلّي مكتوبةً إلاّ قنتَ فيها» (الحديث عن البراء بن مالك).
«وكان صلىاللهعليهوآلهوسلم يسمع صوتَ الصبي يبكي، وهو في الصلاة، فيُخفّف الصلاة، فتصير إليه أُمُه». (الإمام محمّد الباقر).
«وكان صلىاللهعليهوآلهوسلم يُصلّي، فإذا سجد وثب سبطيه الحسن والحسين على ظهره، فإذا منعوهما أشار إليهم أن دعوهما، فلمّا قضى الصلاة وضعهما في حجره»، فقال: «من أحبّني فليحبّ هذين».
وقد ألف جملة من العلماء مصنفات مخصصة لبيان صفة صلاة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم، وما أودرناه هنا إنما هو نبذة يسيرة لبعض أوصاف صلاة خَاتَم النَّبِيِّين صلىاللهعليهوآلهوسلم، ومع ذلك فإنّ هذه القطرة من ذلك البحر، والشذرة من ذلك البذر كافية وافية، والحمد لله.
كان أمير المؤمنين عليهالسلام يتّبع خَاتَم النَّبِيِّينَ صلىاللهعليهوآلهوسلم اتّباع الفصيلِ أَثَرَ أمّه لذلك كانت عبادته لله تعالى كعبادة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم، وقد جاء في حديث للإمام جعفر الصادق عليهالسلام ذكر فيه طرفًا من حياة جدّه أمير المؤمنين عليهالسلام ، فقال: «والله ما أكل علي بن أبي طالب من الدنيا حرامًا قطّ حتى مضى لسبيله، وما عرض له أمران قطّ هما لله رضًا، إلا أخذ بأشدّهما عليه في دينه، ولا نزلت برسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم شديدة قطّ إلّا وجّهه فيها ثقةً به، ولا أطاق أحدٌ من هذه الأُمّة عمل رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بعده غيره، (إلى أن قال) وما أشبهه من ولده ولا أهل بيته أحد أقرب شبهًا به في لباسه وفقهه من علي بن الحسين عليهالسلام ، ولقد دخل ابنه أبو جعفر (الباقر) عليه، فإذا هو قد بلغ من العبادة ما لم يبلغه أحد، فرآه قد اصفرّ لونه من السهر، ورمَصَت عيناه من البكاء، ودَبِرت جبهته، وانخرم أنفه من السجود، وورمت ساقاه وقدماه من ،القيام في الصلاة، قال أبو جعفرعليهالسلام : «فلم أملك حين رأيته بتلك الحال من البكاء، فبكيت رحمةً له، وإذا هو يُفكّر، فالتفت إليّ بعد
هنيهة من دخولي، وقال: يا بنيّ أعطني بعض تلك الصحف التي فيها عبادة علي بن أبي طالب عليهالسلام ، فأعطيته فقرأ منها شيئًا يسيرًا ثم تركها من يده متضجّرًا وقال: «من يقوى على عبادة علي بن أبي طالب عليهالسلام ؟..».
كان عليّ بن أبي طالب عليهالسلام إذا حضر وقت الصلاة ارتَعَدَتْ فرائِصُهُ، وتغيَّرَ لونُهُ فيُقال له: ما لك يا أمير المؤمنين؟
فيقول: «جَاءَ وَقْتُ الْأَمَانَةِ الَّتِي عَرَضَهَا اللَّهُ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا، وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا، وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ، فَلَا أَدْرِي أَأُحْسِنُ أَدَاءَ مَا حَمَلْتُ أَمْ لَا».
ومن حديث للإمام الصادق عليهالسلام ذكر فيه صورًا من عبادة أمير المؤمنين عليهالسلام : «وإن كان ليقوم إلى الصلاة، فإذا قال: وجّهت وجهي تغيّر لونه، حتى يعرف ذلك في وجهه».
قال إمامنا الصادق عليهالسلام : «كان علي عليهالسلام إذا هاله شيء فزع إلى الصلاة، ثمّ تلا هذه الآية: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ﴾ (البقرة: 45)، وفي صفّين كان عليهالسلام يفرش له بين الصفين والسهام
تتساقط حوله، وهو لا يلتفت عن ربّه ولا يُغيّر عادته ولا يفتر عن عبادته، وكان إذا توجّه إلى الله تعالى توجّه بكليّته، وانقطع نظره عن الدنيا وما فيها، حتى أنّه يبقى لا يُدرك الألم، إنّهم كانوا إذا أرادوا إخراج الحديد، والنشاب من جسده الشريف تركوه حتى يُصلّي، فإذا اشتغل بالصلاة، وأقبل إلى الله تعالى أخرجوا الحديد من جسده ولم يحس، فإذا فرغ من صلاته يرى ذلك فيقول لولده الحسن عليهالسلام : إن هي إلا فعلتك يا حسن، ولم يترك عليهالسلام صلاة الليل قطّ حتى في ليلة الهرير.
قال الإمام الباقرعليهالسلام : «كان عليّ بن الحسين عليهما السلام يُصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة، كما كان يفعل أمير المؤمنين عليهالسلام ».
قال ضرار بن ضمرة الكناني عندما وصف موقفًا واحدًا من مواقف أمير المؤمنين عليع ليهالسلام : «فأشهد بالله إنّي لرأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه، يميل في محرابه قابضًا على لحيته يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، وكأنّي أسمعه الآن وهو يقول: يا ربّنا يا ربّنا يتضرّع إليه، ثم يقول للدنيا إليّ تغرّرت أم إليّ تشوّفت هيهات هيهات غرّي غيري قد بتتك ثلاثاً، فعمرك قصير، وعيشك حقير وخطرك يسير
آهٍ آه من قلّة الزاد، وبعد السفر ووحشة الطريق».
وقد عَلم الله عز وجل شدّة ارتباط عبده علي عليهالسلام بالصلاة، وكما جرت مشيئته سبحانه من قبل أن تكون ولادة عبد الله أمير المؤمنين علي في جوف البيت الحرام، كذلك شاء تعالى أن يختم له حياته، وهو ساجدٌ في محراب مسجد الكوفة.
أبا حسنٍ واللـيل مـــرخٍ ســـدولهُ
وأنت لوجه الله عـــان تنـــاجيهِ
براك الضنا مـن خوف باريك في غد
وقد أمن المغرور مـن خوف باريه
وغالتك كـف الرجس فانفجع الهدى
وهدّت من الدين الحنيف رواسيه.
قال الإمام الباقرعليهالسلام : «إنّ أبي علي بن الحسين عليهما السلام ما ذكر لله عزّ وجلّ، نعمة عليه إلا سجد، ولا قرأ آية من كتاب الله عزّ وجلّ فيها سجود إلا سجد، ولا دفع الله عزّ
وجلّ عنه سوء يخشاه، أو كيد كائد إلا سجد، ولا فرغ من صلاة مفروضة إلا سجد، ولا وفّق لإصلاح بين اثنين إلا سجد، وكان أثر السجود في جميع مواضع سجوده، فسُمّي السجّاد لذلك».
وقال مولانا الباقر أيضًا: «كان علي بن الحسين يُصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة، وكانت الريح تميله بمنزلة السنبلة، وكانت له خمسمائة نخلة، وكان يُصلّي عند كل نخلة ركعتين، وكان إذا قام في صلاته غشي لونه لون آخر، وكان قيامه في صلاته قيام عبد ذليل بين يدي الملك الجليل، كانت أعضاؤه ترتعد من خشية الله، وكان يُصلّي صلاة مودّع يرى أنه لا يُصلّي بعدها أبدًا».
وقال إمام المالكية مالك بن أنس: «لقد أحرم علي بن الحسين، فلمّا أراد أن يقول لبّيك، قالها، فأُغمي عليه حتى سقط من ناقته، فهشم، ولقد بلغني أنّه كان يُصلّي في كلّ يوم وليلة ألف ركعة إلى أن مات، وكان يُسمّي بالمدينة زين العابدين لعبادته».
روى محمّد بن سعد، عن علي بن محمّد، عن عبد الله بن أبي سليمان قال: كان علي بن الحسين إذا مشى لا تجاوز يده فخذيه، ولا يخطر بيده، قال: وكان إذا قام إلى الصلاة أخذته
رعدة، فقيل له: ما لك؟ فقال: ما تدرون بين يدي من أقوم ومن أُناجي! وقال عبد الرحمن بن حفص القرشي: «كان علي بن الحسين إذا توضّأ اصفرّ، فيقول له أهله: ما هذا الذي
يعتادك عند الوضوء؟ فيقول: تدرون بين يدي من أُريد أن أقوم».
قال أبو حمزة الثمالي: «رأيت علي بن الحسين عليهما السلام يُصلّي، فسقط رداؤه عن أحد منكبيه، فلم يُسوِّه حتى فرغ من صلاته، فسألتُه عن ذلك، فقال: أتدري بين يدي من كنت؟ إنّ العبد لا يقبل من صلاته إلا ما أقبل عليه منها بقلبه».
وقال أبان بن تغلب: قُلتُ لأبي عبد الله الصادق عليهالسلام: إنّي رأيت علي بن الحسين عليهما السلام في الصلاة غشي لونه لون آخر، فقال لي: «والله إنّ علي بن الحسين كان يعرف الذي يقوم بين يديه».
وقال أبو نوح الأنصاري: وقع حريق في بيت فيه علي بن الحسين، وهو ساجد، فجعلوا يقولون له: يا ابن رسول الله النار، يا ابن رسول الله النار، فما رفع رأسه حتى طُفئت، فقيل له: ما الذي ألهاك عنها ؟ قال: «ألهتني عنها النار الأخرى».
قال علي بن أبي حمزة: سألت مولاة لعلي بن الحسين عليهالسلام بعد موته، فقُلتُ: صفي لي أمور علي بن الحسين، فقالت: أُطنب أو أختصر؟ فقُلتُ: بل اختصري. قالت: ما أتيته بطعام نهارًا قط، ولا فرشت له فراشًا بليل قط.
كانت هذه نبذة يسيرة لبعض الصور من صلاة النبيّ المصطفى صلىاللهعليهوآلهوسلم، وأخيه الإمام أمير المؤمنين علي، وحفيدهم السجّاد زين العابدين عليهالسلام بقدر ما اتّسعت لها هذه الأوراق، ومصادر التراث الإسلامي زاخرةٌ تشهد على عظيم عباداتهم، وانقطاعهم التام إلى الله تعالى.
فَتَشَبّهوا إِن لَم تَكُونوا مِثلَهُم إِنَّ التَّشَبّه بِالكِرامِ فَلاحُ
جعلنا الله وإياكم ممن عناهم بقوله: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (الزمر: 18)، وصلى الله على سيدنا محمّد وآله الطاهرين الأطياب.
أبي طالب، طبعة 1، علامة، قم.
الكتاب والسنة والأدب، طبعة 4، دار الكتاب العربي.